سطور عانقها 2
الفصل الثامن
********
ظن ما سمعه من شقيقه مجرد مزحة سخيفه ، صحيح هو يعلم أن تلك الخطوة كانت من اهداف شقيقه وكان يخبره في الماضي إنه يحلم للأنضمام لتلك المؤسسه ..، وهو كان يأخذ الامر ضاحكاً .
– مش شايف ، فرحه في عينك يا عامر
وابتسم وهو يُمازحه بعدما أقترب منه
– تقريباً أنت زعلان علي المشروع اللي هسيبك في نصه ..، وهتكمله أنت يا باشا
رمقه “عامر” بنظرة غاضبه ، ورفع يده مُحذراً له من مزاحه الذي لا يروقه اليوم
– تمام يا باشا هسكت خالص ، بس أنا فعلا محتاج أسمعك وأنت بتباركلي وتاخدني في حضنك
– ممكن تسكت شويه يا أحمد
وأخيراً قد نهض عن مقعده ، واخذ يدور حول حاله ، يفرك جبينه بأرهاق ..، تحت نظرات “احمد” ، فهو يعلم مدي صعوبة الأمر علي شقيقه
أطرق “عامر” رأسه ، مُتأملاً سجاده مكتبه الفاخمة وكأنه يُرتب أفكاره من تحديقه بها،
فأفكاره كانت مشتته ، وقلبه لا يحتمل ترك شقيقه له ..، ليكون كل منهما في دولة أخري ..، وتطول الأيام والسنين ويزداد بعدهم ، ويصبح كل منهما ذكري للأخري
أعتصرت قبضة الفراق قلبه ، فهو ليس لديه قدرة علي بعده ..، لقد سعي لتزويجه من “فريدة” حتي يربطه به أكثر ، ربطه بكثرة الأعمال حتي لا يدعه يُفكر في البعد ، بل من الهروب من حياته
– عامر ، أنا مش هكون فرحان ..، لو أنت رفضت ..، عامر أنا محتاج أبعد عن هنا
رفع “عامر” عينيه ، ينظر إليه بعدما أستمع لعبارته ..، فلم يجد إلا الرجاء بهما ..، حاول الثبات في وقفته , بعدما هدأت وتيرة انفاسه المتهدجة ، وأصبحت المسافة بينهم منعدمه ، وبصوت رخيم هتف
– أنا محتاجك جانبي يا أحمد ، محتاج أخويا اللي مليش غيره ، عايز تبعد عني وتسافر
وتلك المرة كان يهتف هو برجاء متسائلا
– طيب انا زعلتك في حاجه ..، لو موضوع تدخلي في حياتك مضايقك ..، اوعدك هبطل افرض قرارتي عليك ..، مع أني بعمل كده حب صدقني
قاوم “احمد” دموعه ، بعدما تأثر بحديث شقيقه ، وهو يري مدي الحب في عينيه
– أنت أبني مش أخويا يا احمد
أخفي “احمد” عيناه عنه وأطرق رأسه أرضاً ، وقد لمعت الدموع في عينيه ، فلم يحب يوماً تلك اللحظات ، والأكثر أن تكون مع من يحبهم
– مش هنكر وأقولك إني مش عايز أبعد ، بس أنا محتاج أبعد ..، يمكن أنسي الماضي
– هتنسي الماضي ، وتنساني معاه يا أحمد
صرخ بها بقهر ، وقد بدأت المخاوف تقتحم فؤاده
– أنت بتقول إيه يا عامر ، أنساك ..، لو قولت متسافرش هنسي حلمي وهقعد يا عامر ولا في يوم تفكر إني ممكن أنساك
جذبه “عامر” إليه وقد دمعت عيناه هو الأخر، يضمه بين ذراعيه بقوة
– صدقني يا عامر ، ده كان حلم حياتي اني انضم لمؤسسه زي ديه ، انت عارف إنها اكبر مؤسسه للمهندسين المعمارين في أمريكا
– عارف يا أحمد ، عارف وفخور بيك
تمتم بها بقلة حيله ، فقد بدء قلبه يرأف علي حال شقيقه .، ولن يحرمه من حلمه وقراره
– وصدقني مش هطول هناك ، هعمل أسمي واثبت وجودي وأرجعلك
– كام سنه يا احمد
هتف بها “عامر” بعدما أبتعد عنه ، يُطالعه بمشاكسه ..،ينتظر أن يسمع رقماً حتي يُعاقبها بعدها إذا لم يعود إليه
صدحت ضحكات “احمد” بعد تلك اللحظات المؤثرة
– بتحط العقده في المنشار
عاد يجذبه “عامر” إليه ، بعدما ضحك هو الأخر
– متخافش يا عامر ، الغربه مش هتاخدني وانساك ..هحقق حلمي واجي احط ايدي في ايدك من تاني
– طب الكتابه وشهرتك هنا هتسيبها
أراد أن يضع له حلمه الأخر الذي سعي في تحقيقه ..، منذ خمس سنوات ..، وبالفعل كما قال له ..، إنه يضع له العقده بالمنشار
فضحك احمد ساخراً وهو ينظر لشقيقه ، وقد وقف يرمقه بترقب منتظراً جوابه ، ولكن جوابه صدمه
– أنا أعتزلت يا عامر ، ومن مده بفكر في الحكاية ديه
ثم اردف متذكراً خاله
– الكاتب المشهور مراد زين .. هو خالك الله يرحمه ، يعني أحمد السيوفي لا وجود له
طالعه “عامر” متجهماً بعدما خسر ورقته الأخيره
– أنا كنت معترض علي العالم ده ، عالم خلاك ديما منفصل عن الواقع ومقدرتش حتي تنسي الماضي معاه وتكون شخص جديد..
واردف مُتهكماً بعدما طالعه “احمد” بابتسامه واسعه
– لا انت بقيت عارف تكون “أحمد السيوفي” ولا بقيت عارف تكون “مراد زين” … ، بقيت عامل زي بياع الورد , بيبيع للناس الورد عشان يفرحهم مع انه اكتر واحد بيتأذي من شوكه
وتابع حديثه : طيب اتجوز فريده وخدها معاك ، فريده مهندسه شاطرة وذكيه وفي نفس مجالك ، واه أكون اطمنت عليك
وها هي عقده جديده يضعها شقيقه أمامه ، ويعلم إنه لن يفعلها ..، فقد حرم النساء عليه وانتهي الامر
– فريده بنت هايله يا عامر ، لكن أنا منفعهاش ..، وبلاش تحط العقده من تاني يا عامر
رمقها “عامر” ماقتًا من عقله الصلد ، الذي للأسف يشبه عقله
– نفسي تسعي ليك ، وتتجوز أنت يا عامر
– لسا برضوه منستش الماضي ، منستش مها
هتف بها حتي يهرب من عبارة شقيقه
– شايف أه انت بتهرب من حصاري ليك يا عامر، اظاهر أننا هنفضل مضربين عن الجواز لنهاية العمر
القي عبارته الأخيره مازحاً ، فانفرجت شفتي “عامر” بابتسامه واسعه .، وفتح له ذراعيه مجدداً
– مدام فاضل شهر علي سفرك ، حاول تشوف فريده بصوره تانيه يا احمد ..، يمكن تلاقيها شريكه حياتك المناسبه ليك ..، مدام مش هتختار بقلبك ..، مش عايزك تكون زي أسير الماضي
ابتعد عنه “احمد” ، وقد اصبح بالفعل يشفق علي حال شقيقه ..، وهو يدفن عمره , ويري النساء في صورة والدته
– أنا صعب أنسي يا عامر ، لكن أنت تقدر تسامح وتنسي ..، عاقبة ماما كتير وكفايه عليها كده وعليك
وعندما وجد الجمود يرتسم فوق ملامح شقيقه ثانيه ، تمتم بمزاح حتي يُخرجه من تلك الحاله قبل أن يتقمسها
احمد : شعرك بدء يشيب يابوس !!
…………….
ربت” احمد “فوق كتف صديقه، يمدّ له باخر عمل قد كتبه ، وانتهت معه رحله أعماله الأدبيه
طالع “رامي” الأوراق المدون بها العمل ، ينظر للاسم يُحاول أن يفهم أختيار صديقه له
رامي : المواجهه !
فهتف أحمد ، بعدما رأي نظرات الأستفهام من عينين صديقه
– الكتاب ده متنشرهوش دلوقتي غير لما ابعتلك ، وهو ده اللي هتكتب فيه قرار اعتزالي للأبد
أندهش رامي مما يسمعه ، فلم يؤجل صديقه نشره ، ولما يُعطيه له اليوم قبل موعد رحيله بعد غد
– حاولت أنهيه قبل ما أسافر، ومكنتش مكرر انشره غير وقت أعتزالي من عالم الأدب او بالأصح عالم رفضي الواقع ..، بس كل حاجة أتغيرت حسابتها بعد ما جات فرصة سافري لأمريكا
رمقها “رامي” متفهماً ، فهو كان يعلم بنية صديقه عن الأعتزال ولكنه كان يتمني أن يتغاضي عنها يوماً ،ولكن صديقه أتخذ الأمر بجديه بعد جاءه عقد الأنضمام
وسؤال واحد كان يطرق عقل “رامي” بإلحاح ، فلما أختار صديقه هذا الاسم ؟
– مواجهه ايه بالظبط ، اللي انت عايز توصلها لقرائك ؟
احمد ببتسامة واسعه : مواجهة الألم !
….
وها هو يواجه ألم أخر لم يكن يحسب له ، وهو يُهاتف “فريدة” يرغب في لقاءها بعد إنصراف صديقه .
………………
طالعته في سكون تام، وقد تلاشت سعادتها رويداً..، ظنت إنها أصبحت قريبه منه وقد بدء يشعر بها وبحبها..، ولكنه اكتشفت اليوم ما كانت إلا تركض وراء سراب حذرتها منه عمتها وللعجب والدها أيضاً بعدما لم يجد أي ردة فعل تتخذ.
رمقها بعدما أنهي حديثه متسائلاً، بعدما رأي الشحوب يعتلي ملامحها
– فريدة،. أنتِ كويسه
ابتلعت غصتها، وقد اطرقت عينيها نحو فنجان القهوة الذي اخذت تديره بحركات دائرية
– كويسة؟
همست بها بصوت خافت، ولكنه كان يسمعه..، شعر بالضيق وهو يري ما وصلة إليه معها..، ولكنه حذرها من حبه..، أخبرها مراراً أن ما بينهم ليس سوي عمل..، وأن نظرته نحوها ما هي إلا نظرة تقدير وإعجاب..، ولكن حب..، كان أبعد عن مشاعره , فلن يحتل أحداً قلبه مجدداً
– فريده، تحبي نقوم طيب
– ببساطة كده، طيب ليه
هتفت بها، دون أن يفهم مقصدها..، ولكنها اتبعت عبارتها وقد جلي في صوتها الألم
– وحبي ليك، محستش ابداً بقلبي
لم يتفوه بشئ، فبما سيخبرها وهي التي كانت تركض خلفه..، تدفع نفسها نحو حب ستكون هي الخاسرة فيه
– رد عليا يا بشمهندس
– أنتِ اللي جريتي ورا سراب يا فريدة، أنا عمري محسستك بحاجة تقول إن بحبك، كل مشاعري كانت تقدير ليكي وإعجاب
عادت الغصة تقف بحلقها، فتجرعت مرارة كلماته..، تخفي دموعها
– وأنا اللي حسيته ده كان سراب، دعوتك للعشا ليا، اهتمامتنا بحاجات لقينا نفسنا مشتركين في حبها، ابتسامتك اللي بقت تظهر وأنت معايا، رحلة المزرعة
ولم تعد تتحمل ثقل دموعها، فانسابت فوق خديها
– كلامك معايا عن أحلامي… ،وعن حلمنا إن المشروع يخلص
– فريدة، كفايه
– لا مش كفاية يا بشمهندس
تعالا صوتها، فالتف البعض يرمق تلك الباكية
– فريدة خلينا نقوم
التقط ذراعها بعدما نهض عن مقعده، فدفعت قبضته عنها حانقة
– أنت بتهرب مني ومن هنا عشان لسا عايش مع الذكريات..، ذكريات مع واحدة ماتت
نهضت عن مقعدها، بعدما القت عبارتها وقد تجمدت عيناه وملامحه.. ،تركته في صدمته واسرعت بخطواتها نحو الخارج
فاق علي حاله، وقد علقت عيناه بها وهي تُغادر من باب المطعم..، فاسرع نحوها يلتقط ذراعها
– عرفتي منين عن، مها ؟
– هو ده كل اللي يفرق معاك، إني عرفت
دفعته عنها، واسرعت تعبر الطريق وقد اغرقت الدموع خديها.. ،صدح صوت بوق سيارة قادمة بسرعة فائقة..، فسكنت مكانها مرحبة بقدومها لعلها ترتاح من ألم الحب الذي اقتحم حصونها وجعلها ذليلة لأحداً هكذا
– فريدة
صرخ بها وهو يجذبها، لا يُصدق إنها كانت ستفقد حياتها بسببه ويعيش بذنب أخر ثانية
– مستحقش تعملي في نفسك كده يافريدة، ولا حد يستحق ده يا فريدة
كان يضمها نحو صدره حتي تلتقط أنفاسها، وتستوعب ما كان سيحدث لها، دفنت رأسها بصدره تشم رائحته..، فربما كانت هذه اللحظة الأخيرة التي ستجمعهما
ابتعدت عنه وقد انتبهت للتو علي عبارته
– عندك حق، محدش يستاهل إن اخسر عمري عشانك
وتراجعت بضعة خطوات، تصفق له بكفيها
– أنا اتعلمت الدرس كويس يا بشمهندس
وبقوة واهية كانت تمسح دموعها، تفجر له ما عرفته
– ابقى اسأل عامر، إيه السر اللي مخبي عنك
وابتسمت بهون وقد التفت بجسدها راحله.. ، فقد إنتهى لقاء الوداع الذي دعاها من أجله ولحماقتها قد ظنت إنه سيخبرها اليوم بحبه لها
– مبروك علي إنجازك الكبير يا بشمهندس
تركته في سكونه يتسأل داخله، عما تقصده من حديثها الأخير وما الذي يُخفيه عامر عنه؟
……….
أندفعت لغرفة عمتها، ترتمي بين ذراعيها.. ، فضمتها ” السيدة كريمة” إليها وقد انتابها القلق.. فمنذ ساعات كانت تطير من السعادة بعدما طلب لقاءها وقد ظنت صغيرتها إنه سيخبرها بحبه
– هيسافر يا عمتو، كان عايز يودعني مش يقولي إنه حبني ونفسه يكمل عمره معايا
ارتسم الألم فوق ملامح “السيدة كريمة”، فما الذي فعله هذا الأحمق بصغيرتها
– حب يودعني قبل ما يمشي بكره يا عمتو
– النهاردة مسافر
هتفت بها “السيدة كريمة” بدهشة، ف بالتأكيد لم تأتي رحله سفره بهذه السرعه، منحتها “فريدة” الإجابة التي كانت تبحث عنها متمتمه بقهر
– كان عارف من شهر، وبيرتب لرحلته، ليه خلاني عايشه في وهم حبه مدام مقرر إنه هيمشي
تركتها “كريمة” تُخرج كل ما تشعر به، ضمتها بقوة إليها وقد بدأت الصورة تتضح إليها
– مش معقول يكون غبي لدرجادي يا فريدة وبيهرب من الحب
ابتعدت عنها “فريدة” تنظر إليها، وقبل أن يعود الأمل داخلها
– أو فعلا محبكيش يا فريدة، وهدفه الوحيد إنه يحقق أحلامه، لكن الحب بقى برة حساباته
وبقسوة لمن تكن تقصدها “كريمة” تمتمت وهي تعيدها لاحضانها مجدداً
– مش معنى إننا خسرنا في الحب، يبقى اتهزامنا يا فريدة..، فوقي لنفسك.. ،فريدة الصواف عمرها ما جريت ورا راجل رافض حبها
تملكها الحقد رغماً عنها، فقد دعسها أسفل قدميه دون رحمه، لقد جعل “فريدة” الشامخه.. تهبط من عليائها وتترجاه أن يمنحها حبه
………..
– إيه اللي خفيته عني من الماضي يا عامر؟
هتف بقوة، بعدما اقتحم غرفة مكتبه.. ينظر لملامح شقيقه المستفهمه عما يقصده.. ،اقترب منه ” احمد” بخطوات جامده، ينتظر سماعه
– أنت تقصد إيه يا أحمد
– عامر يا سيوفي..، بلاش طريقتك اللي أنا عارفه
– أنت اتجننت
صرخ بها “عامر” وهو يقترب منه، فتنهض “احمد” غاضباً من حالها، ف “عامر” شقيقه الأكبر، شقيقه الذي دوماً يري داخل عينيه السعادة والفخر كلما نجح وحصل علي شئ..، شقيقه الذي لا يبحث عن شئ غير سعادته حتي لو بعقليته المتحجرة، القاسية
– جاوبني يا عامر
تنهد “عامر” بضجر وملامح جامده، فهو لا يفهم مقصده
– مخبي عليا إيه في مـ,ـوت مها
ومن نظرة “عامر” الجامدة، ثم اشاحته للوجه بعيداً عنه، كان “احمد” يتأكد من صدق كلام “فريدة”، هناك شئ لا يعرفه عن حبيبته..، ولكن ما هو هذا الشئ
انتظره “احمد” أن يُجيب عليها، ولكن “عامر” ابتعد عنه.. وقد عاد لأوراقه
– بلاش يا احمد، أنت متخطتش ذكرياتك معاها.. عايز ليه تضيف سطر جديد في القديم
– أنت بتلعب بيا يا عامر، كفايه بقى.. مش كفايه أنت السبب في تعاسة فريدة، قربتها مني وأنت عارف إن قلبي اتقفل علي مها
– متستحقش حبك
وعاد يصرخ به ، بعدما نهض
– فاهم يعني إيه متستحقش حبك، ولا الذنب اللي حملت نفسك..، إنك السبب في مـ,ـوتها
– أنت بتقول إيه؟
اهتزت شفتيه وهو يُتمتم باسم شقيقه راجياً
– عامر
– معرفتش تتحكم في لجام الفرس، عشان كانت واخده نسبة مخدرة..، عارف يعني إيه… كانت مدمنه
اتسعت حدقتيه صدمه، فما الذي فعلوا بحبيبته
– مش هقدر اظلمها في مـ,ـوتها واقول إنها كانت ضحية لعيلة قذره، ممكن يخلوا بنتهم تدمن عشان تبقى تحت طوعهم
تسارعت أنفاسه وهو يستمع لما يُخبره به شقيقه
– كانوا بيستغلوها تشيل الممنوعات في المزرعه يا بشمهندس..
وبنبرة جامدة ، وقد سلط عيناه نحو المساحه الواسعه التي تتمتع بها شرفة مكتبه، هارباً من نظرات شقيقه المتألمه
– اظن أنت فاكر الليله، اللي جات فيها الشرطة للمزرعة
وهل ينسى هو تلك الليلة
فلاش باك
فتح عيناه مسترخيا بإنتشاء، يمدّ ذراعه جانبه، يبحث عنها،
اعتدل في رقدته..، يلتقط هاتفه.. ،فقد أصبحوا في منتصف الليل..، ف أين هي؟
دلفت الغرفة بتوتر.. وعندما وقعت عيناها عليه وقد استيقظ من غفوته تسألت برتباك
– أنت صحيت يا احمد
ابتسم وهو ينظر لهيئتها، مستغربًا من حالة ثيابها
– أنتِ كنتي في الأسطبل يا مها
اماءت له برأسها، وتقدمت منه تشعر بالخوف
– روحت اقعد مع شمس شويه
كان ” شمس” احد اسماء احصنته، وقد أصبحت مرتبطة به بشدة..، مدّ له بذراعه متفهماً
– تعالي يا حببتي، أنا بس قلقت عليكي..، مالك مخضوضة كده ليه
اقتربت منه بتوتر، فاجلسها فوق ساقيه.. ،يمسح فوق خديها , يتفرس ملامحها المرهقة
– مها، أنتِ مبقتيش عجباني، حاسس إن فيكي حاجة، أو مخبية عني حاجة
بهتت ملامحها، ولكن سرعان ما كانت تعود لطبيعتها..، فماذا سيحدث لو علم أن حبيبة قلبه أصبحت مدمنه..، خاضعة بجسدها لذلك الرجل الذي يمنحها جرعة المخدرات بعدما كان والدها سببً في إدمانها، بل لم يرحمها بعد كل ما فعله واجبروها أن تدس الممنوعات هنا في المزرعة
خاطبت حالها مُتحسرة فقد دُنس جسدها الذي أقسمت أن لا تهبه سوي للحبيب..، وها هو الحبيب يغرقها بين ذراعيه.. ، يُخبرها عن مدى عشقه لها
ضمها بقوة إليه، قبل أن يُدمغها مرة أخرى بنوبات جنونه..، ولكنه ابتعد عنها متسائلا بنظراته، وهو يلتقط أحدي أوراق الشجر من بين خصلاتها، وهي ورقة لشجرة منفرده في بيت المزرعه
فاق من شروده وهو يتذكر فزعتها صباحاً عندما استمعت لسرينة الشرطه ، عندما نهض علي رنين هاتفه ..، وصوت شقيقه يُخبره أن الشرطة لديه بالمزرعة
– أنت عرفت كل ده إزاي يا عامر
تمتم بها مصدوماً ، فمها لا تفعل به هذا .
– خليت عامل عندي في المزرعه ، يراقبها لم تكونوا موجدين هناك
واردف بعدما اخذ يُطالعها لبرهة ، ثم أشاح عيناه عنه
– تفتكر إني مكنتش عارف بلقائتكم في المزرعة يا احمد ، أنا كنت عارف وساكت ..، سيبتك يا أحمد تعمل اللي عايزه ..، قولت يمكن أطلع في النهاية غلطان
وبحقد كان يتغلل داخله من النساء
– كلهم زي بعض ، مافيش ست مخلصه
– مها لاء يا عامر ، اكيد كانت مجبوره علي ده
تمتم بها ، بعدما هوي بجسده فوق الأريكه ، فلم يعد يتحمل أرتخاء ساقيه من هول ما سمعه
– يمكن مكنتش وحشه ، يمكن ظروفها أجبرتها علي ده ..، ويمكن حاجات كتير تكون أتفرضت عليها ..، لكن أنت مش سبب مـ,ـوتها وهي مكنتش ست وافية لدرجة تعيش عمرك كله علي ذكراها
– وليه محذرتنيش ، ليه موجهتهاش ..، فضلت تتفرج علي الصوره من بعيد ليه
وبنبرة جامدة كان يصرخ به
– لو كانت واثقة فيك وفي حبك ..، كانت جريت عليك وحكتلك ..، لكنها كانت مستسلمه ، ضعيفة ..، رضيت تتجوزك في السر ورضيت تضيعك وتضيع نفسها
اطرق رأسه أرضاً ، يفرك عنقه ..، بعدما استمع لكلامه ..، فلو كانت تثق به ..، لكانت أخبرته عن السبب الذي جعله تفعل ذلك
– وعشان مفضلش عمري كله ، في الصوره الوحشه ديه احمد أنا و أبوك .. كنا هنرضخ لرغبتك ..، لكن
رفع رأسه ، بعدما أستمع لعبارة شقيقه الأخيره ، فقد مضي الوقت وفات الأوان ومن يتحدثون عنها قد رحلت
– كانت ماتت يا عامر ، مش كده ..، ماتت وابني اللي في بطنها مات وراح
……………
الفصل التاسع
*******
احتضنته بقوه تضمه اليها كالطفل الصغير تخشي مفارقته ، فانحني “احمد ” نحوها بشفتيه يلثم كفيها يتمتم بدعابه
– هتوحشيني اووي يانونه ، خلي بالك من نفسك
فبكت “ناهد” وهي تشدة نحوها أكثر ، لا تُريد تركه
– هيوحشني حنانك عليا يا ابني ، انت الوحيد اللي معقبتنيش علي غلطتي .. ، الزمن عاقبني واخوك عاقبني بكرهه ليا ، لكن أنت لاء
طالعها “احمد” وقد المه قلبه عليها ، ولكنه يعلم بأن “عامر” لن يظل هكذا ومن حبه الشديد لها يُعاقبها ، وللاسف هذه هي طريقه شقيقه مع من يحبهم
– عارفه ياماما ، الدنيا علمتني حاجه واحده
واردف وهو يضمها لصدره بحنان ، يمسح عنها دموعها
– علمتني معقبش حد علي حاجه عملها ، مش يمكن الزمن يلف واعمل انا الحاجه ديه … وملقيش اللي يسامحني ….
وتنهد بألم يتذكر حديثه الأخير مع شقيقه
– أو يمكن الظروف تكون بتجبر اللي بنحبهم ، لكن ميقصدوش إنهم يأذونا
لم تفهم “ناهد” عبارته الأخيره ، التي تمتم بها بحرقة لم تُخفي عنها
– انت شبه ابوك الله يرحمه يا أحمد.. كان قلبه ديما كبير وبيغفر ، يمكن هو ده كان سبب أخطائي الكتير ، وعلي قد ما حبني كرهني وكنت أستحق ده ..، في أخطاءك مبتتغفرش يا أبني ولا بنعرف نغفرها
وضحكت ساخرة من نفسها ، فا ليتها كانت تتمتع بتلك الحكمة قديماً ، ما كانت خسرت زوجها و أولادها
– اصل في ناس بتفتكر ان الغفران والصفح والفرص الكتير اللي بندهلهم ده ضعف ، وإن عمرهم ما هيكرهونا او هيتوجعوا مننا مهما عملنا في حقهم
والتمعت الدموع في عينيها مجدداً
– وهو ده اللي انا عملته مع ابوك هو يغفر وأنا أغلط ، يسامح وأنا اتمادي اكتر
واردفت بعدما أبتلعت غصتها ، تتذكر غرورها وروعنتها بجمالها
– أنا عارفه ان عامر بيحبني اووي ، لكن مش قادر يسامحني ولا ينسي
واغمضت عيناها ، تندم علي ما فعلته بهم
– الذكريات فضلت مرسخه جواه ، يمكن أنت كنت صغير , لكن عامر كان كبير وقادر يفهم ويستوعب
وبكت بحرقة وهي تردف بخزي
– انا خذلتكم يابني ، وضيعت منكم صورة الام .. الام اللي بتضحي وبتستحمل … مش الام الانانيه اللي كل همها جمالها ومتعتها
فعاد “احمد” يُعانقها ، يمسح عنها دموعها, يهتف بحنان :
– اوعي تعيطي يا ماما ، احنا جانبك اه ..
و اخذ يُداعبها بحديثه ، لعله يُنسيها ويُنسي حاله إنه سيبتعد عنها
– عامر , اول ما حنان بلغته ، إنها هتمشي عشان هتتجوز قلب الدنيا والبلد عشان يجبلك مرافقه تخدمك وتبقي تحت رجلك ، عامر طيب اووي ، ومسيره في يوم هيحن ويلين وينسي كمان
ذرفت دموعها ، فضمها لحضنه حزيناً عليها , يستنشق رائحتها ويلثم جبينها حتي غفت ، وضعها برفق فوق وسادتها ثم دثرها بالغطاء ، ونهض من جوارها مغادراً الغرفة .
وقف خارج غرفتها ، يُحدق بشقيقه الواقف أمامه
– حاول تعوضها عن غيابي يا عامر ، كفاية قسوة عليها .
………………………………………………………..
ابتسمت وهي تنظر في أسطر الكتاب الذي تقرأه، فقد أخذتها الكلمات للغوص في أحلامها الماضيه ثانية، فارس الأحلام..، قصة خيالية تحكي عنها لأحفادها يوماً.. ،رجلاً تجمعها به حكاية مختلفة، وها هي تغرق في ملاح رجلاً لن تراه يوماً ، ولن يجمعها به القدر ثانية
شهقت بفزع وقد اطرقت “جنه” بخفة فوق رأسها لعلها تفيقها من شرودها البائس
– شايفاكي رجعتي تسرحي من تاني، و ده ميبشرش بالخير
رمقتها “صفا” بمقت، وبخفة كانت “جنه” تلتقط منها الكتاب.. ،تُطالع الصفحة التي تقرأها
– اممم، كلام جميل..، فيها فلسفة عن فن اختيار الناس
وانتبهت علي أحدي العبارات، فحدقت بها تلوي شفتيها ممتعضة
– لا وكمان فن أختيار شريك الحياة
واخدت تُقلب في الصفحات، حتي بدأت تري مواقف يسردها الكاتب عن علاقات البعض
– هو اختيار شريك الحياة، محتاج كتب ودراسه كمان
استاءت “صفا” من تهكمها، فالتقطت منها الكتاب حانقة
– أنتِ إيه فهمك في الكتب، واخرك كان قصص الأطفال
اتسعت عينين “جنه”، وخرج صوتها في شهقة عاليه
– قصص أطفال
هكذا كان يبدء مزاحهم وينتهي بمجاورتهم لبعضهم، وكل منهن تُخبر الأخرى عن أحلامها.
غفت “جنه” مرهقة، فلديها في الغد يوم حافل من المحاضرات..، لكن ” صفا” عادت لأسطر الكتاب.
…. ……..
وقف “رامي” يلوح له بيده، بعدما بدء الإعلان عن موعد رحلته..، علقت عيناه ب “احمد” مودعاً له، فقد اختار بدايه الطريق..، طريق يشعر إنه مخبأ له الكثير من الأحداث..، إنها رحلة الجديدة ورحلات الحياة لا تكون إلا حافلة..
اختفى “احمد “من إمام عينيه..، فتنهد “رامي” بحزن وهو يُغادر المطار.
……… ……….
طالع “عامر” الوقت، فقد أصبحت طائرة شقيقه مُحلقة في السماء الأن ..، اغمض عيناه وقد بدء الشوق يجثم فوق قلبه
– سيبتك تبعد عشان نفسك يا احمد، يمكن تبدء طريق جديد وحياة جديده
تنهد وهو ينهض عن مقعده في غرفة مكتبه ، ينظر للملفات التي كان منكب عليها لمُطالعتها، ولكنه هذة الليلة لا يمتلك الرغبة في فعل أي شئ.
صعد درجات الدرج بارهاق وبذهن شارد، لم يشعر بقدميه وقد أخذته نحو غرفة والدته..، وقف يحدق بالباب المغلق يصارع مشاعره ، وبرفق كان يفتح الباب..، يقترب من فراشها وقد غطي الظلام الغرفة إلا من تلك الإضاءة الخافته المنبعثة من الأنوار الخارجية
وبحب مهما أنكره وقسوة تملكته مع الأيام ، كان يُطالعها، يتأمل ملامحها الحزينة علي مفارقة صغيرها،
جثي فوق ركبتيه جوار فراشها وبرفق اخد يمسح فوق كفها
……….. ………….
ضمت “فريدة” جسدها بالسترة الخفيفة التي تضعها فوقها، فارتعش جسدها برجفة خفيفة، لقد رحل دون أن يرفق بحالها، دون أن يشفق عليها..، فقد صدق والدها حينا أخبرها إنها لن تجني من تلك العلاقة إلا التعاسة ، وها هو والدها قد صدق وجنت التعاسة.
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق محياها، وهي تتذكر كيف عاد الأمل لوالدها أمس حينا علم برحيل “احمد”..، فقد سنحت الفرصه لأبنته أن تري
“عامر السيوفي” بنظرة أخرى، “عامر” الذي يعتبر هو الرأس الكبرى، ومن يمتلك الزمام في مجموعه السيوفي
فاغمضت عينيها، وقد عادت كلمة والدها تخترق أذنيها
” لو عايزة تكوني سيدة أعمال ناجحه يا فريدة، أنسى حاجة اسمها حب..، لكن لو عايزة تختاري طريق الحب..، ف خسارة يا بنت محسن الصواف”
……. ……..
وضعت سكرتيرته أمامه إحدى الدعوات، فطالع الدعوة دون أن ينظر إليها مستفهماً… ،فاسرعت تخبره بما ينتظره
– دعوة حضور حفلة لناصف بيه، واتصل بيك يا فندم من ساعتين، لكن حضرتك كنت في إجتماع، حتي إنه طلبك علي رقمك الخاص
فرفع عيناه عن الأوراق التي أمامه، والتقط هاتفه ينظر للأرقام المسجلة في سجل المكالمات الواردة، ف بالفعل الرجل هاتفه اليوم قبل ثلاث ساعات
انصرفت السكرتيرة من أمامه، فحدق بالدعوة، دون أن يعرف موعد الحفل..، فليس لديه رغبه في الترفيه هذه الأيام.. وقد ثقلت علي اكتافه أعباء العمل
غادر هذه الليلة من شركته في ساعة متأخرة بعض شئ عن مواعيد خروجه، نهض الحارسان عن مقاعدهم ينتظرون تحركه بسيارته..، وقد انطلق بها سريعاً…، فقد سمح لسائقه أن يعود لمنزله وألا ينتظره بعدما رأي علامات التعب فوق ملامحه
….. ……. ………….
غادرت المبنى التجاري الذي تعمل به، تنظر لساعة يدها في قلق..، فقد تأخرت عن موعد إنصرافها، وذلك بسبب تأخيرها اليوم عن ميعاد العمل.. ،واما كان يُخصم من راتبها الذي يكاد يُكفيها بجانب معاش والدها الزهيد هي وعائلة شقيقها او تنضاف عليها ساعات من العمل
أسرعت في خطواتها، تعبر الشارع الواسع الذي يسير خلاله قلة من السيارات، فهي تختار الخروج من البوابه الأقل ازدحاماً , في طريقها نحو الخارج…،التقط هاتفها وقد عاد رنينه يصدح للمرة الثانيه
– ايوة يا ابتسام، أنا لسا خارجه من المول دلوقتي
وقبل أن تشرح لها سبب تأخيرها..، كانت تسمعه ما اعتادت عليه يومياً..، اغمضت عيناها بقوة تمنع دموعها
– الساعه عشرة يا هانم، ولا أنتِ عايزة الجيران ياكلوا وشنا..، مش كفاية لسا قاعده معنسة لحد دلوقتي ولا حد راضي يبصلك ويخلصنا من همك
تجاوزت حديثها الذي انغرز سهمه بسمومه في قلبها..، فما عساها أن تفعل وهي تعيش مع شقيقها..، وحتي لا تدمر حياته وتشتت أطفاله ما عليها إلا الصمت والتظاهر بالرضى
– حاضر يا ابتسام..، هاخد مواصلة بسرعة وساعه واكون في البيت
خرجت شهقاتها وهي تسقط أمام السيارة التي صدمتها صدمه خفيفة بعض الشئ ، وقد اسرع سائقها في الترجل منها ، ووقف يُعاينها بعينيه متسائلاً بقلق
– أنتِ كويسه يا مدام؟
لم تهتم بكلمته ، ف بالتأكيد فتاة مثلها ترتدي ملابس واسعة من العصور القديمه كما يُخبرها صاحب العمل ورفيقاتها بالعمل، ذو جسد ممتلئ بعض الشئ.. سيراها الناس هكذا “مدام”
انحني “عامر” صوبها وقد أصابه القلق من صمتها
– يا مدام
رفعت “حياه” عيناها نحوه.. ، بعدما التقطت هاتفها الذي تحطم
– أنا كويسه..،ممكن بس تبعد رجلك شويه
قطب جبينه مستغرباً، ما نطقت به.. ولكنه فعل لها ما أردات يهتف داخله حانقاً من هذا اليوم الذي يُريده أن ينتهي
انتبه علي ما التقطته من أسفل قدمه، ولم تكن إلا بطارية الهاتف.. وعلي ما يبدو إنه كان هاتف جديد..، تنهدت بحزن فهي لم تدفع ثمنه بعد , وها هو يتحطم منها
– قوليلي عنوانك إيه وابعتلك مكانه واحد..، رغم إنها غلطتك وكنتي بتتكلمي في التليفون..، لكن أنا متحمل الخساير
القي عبارته ورمقها متفصحاً، حتي يتأكد إنها بخير، فاشاحت عيناها عنه متمتمه بعدما نفضت ملابسها
– أنت قولت إن أنا اللي غلطانه، وحصل خير يا فندم
القت عبارتها الأخيرة، واسرعت مبتعده..، تحت نظرات “عامر” الذي وقف مصدوماً وأسرع بالهتاف
– يا مدام
ولكنها ابتعدت دون أن تلتف نحوه، التوت شفتيه بامتعاض وهو يحدق بها
– هي حره، أنا عرضت وهي رفضت
……. …………
دلف للحفل التي تضم صفوة المجتمع، مُقرراً إنه سيظل بضعة دقائق ثم سيرحل، رحب به “السيد ناصف” بشدة واجتذبه نحو بعض الأصدقاء ليُعرفهم عليه
اتخذ الحديث مواضيع كثيره، ولم يستطيع “عامر” التخلص منهم، التقط احد المشروبات الباردة، وقد علقت عيناه ب “فريدة” التي دلفت للتو دون والدها.. ،اشفق عليها ف بالتأكيد أصبحت تكرهه هو وشقيقه رغم أن الأعمال بينهم مازالت مستمره
ارتشف عصيره دفعة واحده، يُحاول أن يبتلع تلك الثرثرة التي اصابته بالضجر.. ،فاستطاع اخيراً التملص من رفقة الواقفين معللاً
– اسمحولي أعمل تليفون مهم
– اتفضل يا عامر بيه
اتجه نحو الشرفة الواسعة التي تطل علي حديقة المنزل..، يقف قليلاً داخلها يعبث بهاتفه
انتبهت “فريدة” علي وجوده بعدما كانت تلتف حولها، ولا تعلم لما تضع اللوم علي “عامر” الذي قربها من شقيقه وجعلها تقع في شرك الحب..، التقطت كأس العصير وعيناها عليه حتي وقف في الشرفة بعيداً عن الأنظار
– كأس العصير ده مش بتاع حضرتك يا فندم
أراد النادل أن يتلقط كأس العصير منها، وقد بهتت ملامحه.. ،وهو ينظر نحو السيدة الأخرى التي انزوت في ركن بعيد تُطالعه بغضب، فها هي قد خسرت فرصتها
– نعم
هتفت بها “فريدة” حانقة، وقد اشاحت بكأس العصير عنه , جوارها
– أنت سامع نفسك بتقول إيه
– يا هانم انا مقصدش
وأشار نحو احد الأشخاص وقد كان علي بضعة خطوات منها.. ،إنه تعرف هذا الشاب..، ابن شقيقة السيد ناصف
– يا فندم، ارجوكي
كان النادل مُلح في رجاءه، حتي إنه كاد يبكي
– بصراحه عجبني العصير
وفي دفعة واحدة كانت تبتلعه، عناداً به..، اتسعت عينين النادل وقد غادرت السيدة التي أعطته هذه المهمه بعدما خشيت مما سيحدث..، اسرع النادل بالمغادرة.. ،فبعد عشر دقائق سيبدء مفعول المنشط وستحترق من الرغبة وستحدث فضيحة سيتحدث عنها الجميع..، لم يكن هذا الهدف الأساسي… ،بل من دبرت للأمر لم تكن تُريد إلا ابن عمتها ..، أردات أن تشعل الرغبة داخله ثم تجره لغرفتها حتي تُريحه ويتم الأمر كما خططت له مع اصدقائها
شعرت “فريدة” بالحرارة تسري بجسدها، فقررت الخروج للشرفة، وقد أتتها الفرصه حتي تخرج غضبها نحو “عامر” ذلك الذي يظن نفسه فوق الجميع.
اقتربت منه، وقد زادت حرارة جسدها رغم ما ترتديه من ثياب خفيفة بعض الشئ
– شجعتني قرب منه، وفي الأخر سابني
التف “عامر” بعدما أستمع لصوتها الحزين..، واقترب منها.. فهو بالفعل يلوم حاله ولم يكن يتمنى أن ينتهي الأمر هكذا
– أنتِ تستاهلي أحسن من أخويا يا فريدة، احمد هو الخسران
صفقت بيديها وهي تسمعه، وقد اشتعلت نيران الغضب داخلها
– اخوك مخسرش حاجة، اخوك كسب إدارة كبيرة في أمريكا..، لكن انا خسرت..
– كلنا بنخسر في الحب عادي يا فريدة..، اعتبري الموضوع صفقة وخسرتيها
مقتت عبارته، فهل يقف يُحادثها بعبارات والدها هو الاخر.. ،صفقة وقد خسرتها
– صفقة؟.. صحيح عامر بيه هيتكلم في إيه غير صفقات
طالعها بجمود، فتعالت ضحكتها واقتربت منه حتي أصبح لا يفصلهما شئ.. ،فعادت السخونه تسري بجسدها..، وبألم حارق لا تعرف مصدره تسألت..، بعدما تجاوزت عن حديثها
– هي الدنيا حر، ولا أنا حرانه
طالع المكان حولها، متعجباً سؤالها
– الجو حلو يا فريدة
– بس أنا حاسة إن الدنيا حر..
هتفت عبارتها وهي تمسح فوق وجهها.. ،تعجب “عامر” من رؤية خديها يتوردان بتلك الطريقة..
– مش قادرة اخد نفسي
أصابه القلق وهو يراها هكذا، وكيف ابتعدت عنه تنحني بجسدها
– فريدة تعالي اخدك لدكتور
التقط ذراعها.. ،وتحكم في اسنادها
– حاولي تقف وتمشي معايا ثابته.. ،تمام
اماءت له برأسها، وسارت جواره وقد غادروا الحفل..، وسخونه جسدها قد ازدادت، بل وهناك شعور مختلف يخترقها
اجلسها في سيارته برفق وقد اعطي سائقه مهمه توصيل سيارتها لمنزلها..
استقلي مقعده.. ،ينظر إليها وهي تعبث بحمالة ثوبها
– عامر ممكن تشغل المكيف
اسرع في إجابة طلبها، بعدما أغلق نوافذ السيارة..، وقد بدء المكيف بالفعل ينشر برودته داخل السياره
ولكن تجمدت عيناه فجأة، وهو يجدها تُحرك كفها فوق ذراعه.. ،بل وتلتصق به..
– فريدة
توقف جانب الطريق بعدما لم يعد يتحكم في التخلص من ذراعيها وقد وصل الأمر لاشياء لم يتخيلها ، كان طريق مظلم وخالي من السيارات
– فريدة أنتِ بتعملي إيه
وبعبارات لم يكن يتخيل أن يسمعها منها , كانت تهمس بها ، اتسعت عيناه في صدمه..، فقبض فوق كفيها يدفعها عنه
– أنتِ اكيد شاربه حاجة، فريدة فوقي
صفعها بقوة..، المتها.. ،فسقطت دموعها تهتف اسمه
– عامر، أنا مش عارفه فيا إيه
شعر بالندم لفعلته، واقترب منها يمسح فوق خدها
– خدي اشربي ميه، الموضوع في حاجة..
وقبل أن يتم عبارته..، كانت تندفع نحوه..، لا يستوعب إنها تقبله بل تخبره إنه طيب وحنون
دفعها عنه، صارخاً بها
– أنتِ مش في واعيك
حاول أن يُدير سيارته ثانية ويتحكم في القيادة..، ولكنها كانت امرأة أخرى أمامه، أمرأه يري فيها الإصرار نحو شئ ما
*******
الفصل العاشر
*******
فتحت عيناها بصعوبة ، وقد أخذ الألم يطرق رأسها ..، طالعت المكان حولها ..،فانتابها الخوف وهي تنتفض من فوق الفراش ..، إنها ليست في منزلها
علقت عيناها بحذائها المُلقي جوار الفراش ، وعندما التفت بجسدها قليلاً ..كانت المرآة قبالتها ..، فستانها أصبح مُجعد ، ملامحها مُلحظه بزينتها ..، ثم اقتربت من المرآه ببطئ تفحص حالها بتأكيد بعدما بدء الذعر يرتسم فوق ملامحها
وسؤال واحد يخترق عقلها ..، فما الذي حدث ليلة أمس ؟
عاد ألم رأسها يطرق بقوة ، ومعه كانت تتضح لها الصورة المخزيه ، وشهقة قوية كانت تخرج من شفتيها ..، تتذكر بعض المقتطفات ..، فقد تحرشت برجلاً ، بل إنها كادت أن ..وقبل أن تقتحم الحقيقة عقلها ..، كانت حدقتيها تتسع ، تضع بيدها فوق شفتيها
– لااا
فهذا الرجل من يكن ، وقد بدأت تتضح لها ملامحه شئً فشئ ، إنه “عامر السيوفي” ،
أغمضت عينيها بقهر ..، تتذكر وهي تُقبله بل وتخبره بالفاظ لم تخرج من شفتيها يوماً ، بل لا تخرج إلا من فتيات الليل.
فركت وجهها بقوة ، وتراجعت نحو الفراش تتهاوي عليها ..، فلا لم يعد لديها قدرة لتنظر نحو حالها في المرآه
طرقات خافته كانت تُخرجها من شرودها ، وتلك الذكري السيئة التي ستظل في ذهنها ..، دلفت الخادمة بعدما لم تجد رداً ، فكما أخبرها سيدها ، إذا لم تحصل علي الإجابه ..، فتدلف وتري الضيفة حتي تطمئن عليها
والضيفة لم تكن مجهولة بالنسبة إليهم ، لقد أتت مرتين لهنا من قبل للسيد الصغير
– عامر بيه مستني حضرتك علي الفطار يا هانم
طالعتها فريدة ، بعدما رفعت وجهها عن كفيها
– محتاجة مني حاجة ياهانم
وعندما لم تحصل إجابة منها ، كانت الخادمة تنصرف لأسفل وعقلها يتنقل هنا وهناك ..، غير مُصدقة أن يكون السيد الكبير ..، أنخرط في علاقة معها.
صعد “عامر” الدرج بعدما أستمع لما تخبره به الخادمه ..، وقف أمام الغرفة التي وضعها بها ليلة أمس ..، ولا يعلم لما لا تذهب صورتها عن عقله ..، يلوم حالها إنه بالفعل كان سيضعف معها لولا أقتراب تلك السيارة منهم .
نفض ما يقتحم رأسه ، وزفر أنفاسه حتي عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه ..، وبرفق كان يطرق الباب هاتفاً باسمها
– فريدة
انتفضت “فريدة” من فوق الفراش الذي جلست عليه ، وقد اصابتها الصدمه ، وعندما علقت عيناها به ..، سقطت دموعها
– أنا مش عارفة عملت كده إزاي
أخفت وجهها عنه من شدة خزيها ، ثم تعالت شهقاتها وهي لا تُصدق إنها فعلت هكذا ومع من ، رجلاً شريك والدها ..، رجلاً تحترمه وتقدره ولا تراه إلا في صورة الشقيق ..، رجلاً شقيق لمن عشقت
– مكنتش في وعي ، صدقني مكنتش في وعي
– فريدة ممكن تهدي ، أنا متأكد إنك مكنتيش في وعي
وبصعوبة كانت تهتف ، بعدما طرقت رأسها أرضاً حتي تبتعد عن نظراته ..، ويتذكر ما فعلته وتسقط من عينيه
– أنا مشربتش غير عصير في الحفله
وعند هذه العباره ، كانت تتسع حدقتيها وهي تتذكر إصرار النادل عليها ..، ألا ترتشف من هذا العصير
– أيوة العصير
رمقها مستفهماً ، وقد ضاقت عيناه ينتظر سماعها ..، ولكنها وجدها تهوي فوق الفراش وتدفن رأسها بين كفيها
– مالها العصير يا فريده ، أحكيلي اللي فكراه
وبضعف كانت ترفع عيناها إليه ، فهي لا تُريد إلا أن تُمحي تلك الليلة من ذهنها ..، لقد كانت في أحضانه ..، تدفعه ليسقط في شرك الخطيئة ، وبصعوبة كانت تسرد عليه .. ما حدث مع النادل وكأس العصير الذي كان من المفترض أن يكوت لشخصًا أخر
– أهدي يا فريده ، أهدي عشان نفكر هنقول إيه لوالدك
عادت تنتفض من مكانها بوهن ، فقد تذكرت أمر والدها
– بابا ، ارجوك بلاش تقوله حاجة
انسابت دموعها مجدداً وقد خارت قواها ، فقد ضاعت صورتها أيضاً أمام والدها ..، وعندما تعلقت عيناها بعينين الواقف ..، هتفت برجاء
– أرجوك ، خليه سر بينا ، وعمري ما هنساه ليك الجميل ده أبداً
– مين قالك إن محسن باشا عرف حاجة ، أنا بفترض
وتنهد بأرهاق ، فلم تغفل جفونه ليلة أمس ..، بعد ما حدث
– عموماً أنا بلغت كريمه بوجودك في بيتي ، لكن من غير أسباب..، وأظن إن كريمه هانم ست متفهمه وحكيمة
رمقته بقلة حيله ، وقبل أن تتحرك نحو المرحاض ..، حتي تمسح زينتها وترتب من ثيابها لترحل ..، ولكن كان صوت والدها يعلو بالأسفل باسمها
– فريده
وقد حدث ما كانت تخشاه
……..
احتدت عينين “السيد محسن” وهو يري أبنته تتبع “عامر” بتلك الهيئة ..، هيئة لا توحي إلا بشيئاً واحداً
– بنتي بتعمل إيه هنا ، يا عامر بيه
توترت “فريده” تنظر نحو “عامر” الذي طمئنها بنظراته
– وده سؤال برضوه يا محسن بيه ، سؤالك بيوحي إنك مش مطمن علي بنتك في بيتي
راوغه “عامر” قليلاً ..، فتنهد “محسن” بضجر
– أنت عارف إن واثق فيك يا عامر ، لكن قولي السبب اللي يخليها هنا معاك وأنت راجل عازب
وقبل أن يتاخذ “عامر” أي ردة فعل ..، القي “محسن” نحوه الجريدة
– شايف سمعة بنتي بقت بسببكم إيه ؟
واردف متهكماً ، وهو يرمق أبنتها التي لأول مرة تقف أمامه دون أن تُدافع عن نفسها
– الأخ الصغير ، والأخ الكبير .. أيهما سينال وريثة محسن الصواف
امتقعت ملامح “عامر” وهو يُلقي الجريدة أرضاً ، وقد اسرعت “فريدة” في التفاطها حتي تري ما دون عنها
– اللي نشر الكلام السخيف ده لازم يتعاقب ..، مش تيجي تتهمني يا محسن بيه
طالعت “فريدة” الخبر ، تنظر في عينين والدها ، أنتابها شعور أن والدها هو الفاعل ..، والدها يسعي لتزويجها من “عامر السيوفي” منذ أول شراكه بينهم ..، وها هو يفعل فعلته ..، وبالتأكيد كان علي علم بالصورة التي التقطت لها أمس مع عامر وهو يحيط خصرها حتي تستطيع الوقوف علي قدميها بسبب ما وضع في المشروب الذي تناولته
– الاجابه ، لسا مأخدتش منك يا عامر ..، بنتي هنا بتعمل إيه في بيتك بعد ما كنتوا في الحفله سوا
وبنظرة طويله ، كان يفهم ذلك الواقف أمامه ..، “محسن الصواف” يلعبها معه
– الأجابة عند فريده ..، لكن لو شاكك في بنتك وشاكك فيا ..، فبساطه أختار أنت الحل
وهنا لم تتحمل “فريدة” رؤية حالها هكذا ،والدها يُريد سماع كلمه واحده ..، كلمه تعلم أن إذا نطقها “عامر” سيكون من أجل إنقاذها .. ، ولن تفرض نفسها في حياة رجلاً مره أخري
وبصعوبة كانت تخبر والدها بما حدث في الحفل ، ولكنها لم تخبره بما حاولت فعله ، اشفق عليها “عامر” وهو يراها تتهرب بعينيها عن والدها ..، ولم يكن محسن بالغبي حتي يظن أن الأمر أنتهي بجلبها لبيته دون أن يحدث شئ ، وتكون حالة أبنته هكذا .
– معنديش مشكله ، نتجوز أنا وفريده يا محسن يا باشا
وهنا كانت تلمع عينين “محسن” من فرط السعاده ، فهذا ما كان يطمح إليه ..، تجمدت ملامح “فريدة” تهتف برفض
– لا
………
تقدمت من ” السيد فتحي” تعطيه قطعة من الكعك الذي صنعته..، طالع العلبة التي تضعها أمامه متسائلاً بعدما أغلق الدفتر الذي أمامه
– عامله حسابي في كل ده يا صفا
نفت “صفا” برأسها سريعاً، فهي تعرض عليه قطعه واحده
– مش عارف اقولك إيه يا صفا، أنتِ حقيقي موظفة مخلصه
أسرعت في إبعاد العلبة عندما رأته يصر علي أخذ العلبة باكملها
– يا استاذ، ما انا هزيت راسي وجاوبتك، بلا.. يعني العلبه مش كلها ليك
لم يعبأ “السيد فتحي” بحديثها، فالتقط العلبة منها..، بعدما وقفت مصعوقة من فعلته
– وأنا مش هزعل منك يا صفا، هاخد كل القطع واسيبلك قطعه واحده علي قدك
وبالفعل، تم ما ارادة..، وقد عادت لمكتبها الصغير تنظر للقطعة الصغيرة التي أعطاها له، واخذ باقي القطع يلتهمهم بجوع
– طالعه شاطرة زي عمتك، نفسكم حلو
تمتم بها، بعدما مسح فوق شفتيه وهو يرمق القطعة الأخيرة التي أمامها ولم تمسها ، وعندما رأت نظراتها نحوها.. التهمت القطعه سريعاً، تهتف بخفوت
– أنا عرفت ليه محدش بيكمل معاك في الشغل…
وأخذت تندب حظها
– اه يا حظك يا صفا..، حظي اشتغل مع فتحي اللي مش راحم طبق
– بتقولي حاجة يا صفا
– بقول سلامتك يا استاذ فتحي..، اصلك كنت بتكح
– شكلك مش مسامحه في الكيكه يا صفا
رمقها مبتسماً بسماجة قد تعلمتها منه، كما أصبحت تخبرها “جنه”
– انا أعمل كده يا استاذ فتحي، ده أنت خيرك عليا
اتسعت ابتسامة “فتحي”، يُداعب شاربه
– يا صفا يا بنتي…
وقبل أن يتم عبارته ويخبرها عن مدى كرمه وفضله علي الجميع ، أسرعت هاتفه
– كله لوجه الله يا استاذ فتحي
– اه والله، الواحد مش عايز من الدنيا ديه غير الستر والصحه وحب الناس
– والفلوس والأكل والستات، ولا إيه يا استاذ فتحي
– في إيه يا استاذه صفا، أنتي جاية تهزري..، ولا عايزانى اخصم منك
أسرعت تنكب فوق الدفاتر، فلا تحتاج للخصم اخر من راتبها
..، مر الوقت وقد ضجر “فتحي” من الصمت
اخذ يسألها عن تفاصيل حياتها، وهل لوالدتها أهل، واين هم باقية عائلته
– معنديش غير عمتي بس يا استاذ فتحي
استمرت أسئلته، ولم يلاحظ ذبول عينيها عندما ذكرها بفقدها لهم..، كادت أن تبكي ولولا ظهور صاحب العينين الزرقاء في مخيلتها ما كانت تجاوزت حالتها
– هو أنت تقرب لصاحب المزرعه فعلا يا استاذ فتحي
تمكنت من تجاوز الحديث عن حياتها، وقد تركت “فتحي” يحكي لها عن القرابة العظيمة التي يفتخر بها..، ويا لسعادة فتحي وهو يخلق بعض القصص التي لا وجود منها وصفا تُطالعها بانبهار وتصدقه رغماً عنها
أرادت أن تعرف كثير التفاصيل، عن صاحب الأعين الزرقاء ولكنها خشيت أن يُفسر سؤالها بشئ خاطئ،
ولكن ها هي لديها معلومتين مؤكدتين عنه
” مهندس، واعزب”
………..
طالعت السيدة كريمه، شقيقها الذي تعالا صراخها علي صغيرته لأول مره..، لم تفهم سبب صراخه في البدايه ولكن ما جمدها في وقفتها وادهشها، أن ” عامر السيوفي” أراد الزواج من “فريدة”
– عقليها يا كريمه، لأنها شكلك اتجننت خلاص
صرخة بها وهو يغادر غرفتها، فاجهشت فريدة في بكاء مرير
– كده يا عمتو تقوليله، إن في بيته وانتي عارفه إنه بيدور علي أي فرصه عشان يجوزني ليه
– والله يا بنتي غصب عنه، وخصوصاً موضوع الجريدة خلاني اضطر اقوله..، غير قلقي عليكي وأنا مش فاهمه سبب وجودك عندك في بيته
دفنت “فريدة” رأسها بين ساقيها.. ،فمدّت “السيدة كريمه” يدها نحو خصلاتها تمسح فوقهم برفق
– هو موضوع العصير ده صح يا فريدة
رفعت عيناها نحو عمتها، مصدومه من سؤالها..، فكيف لها أن تشك بها وهي من ربتها
– أنتِ بتشكي فيا يا عمتو
– لا يا حببتي، أنا عارفه أنك مبتكذبيش..
واردفت بعدما طالعت نظراتها الواهنه
– الحكاية مش كامله يا فريدة، أكيد في سبب خلي عامر السيوفي يعرض الجواز بسهوله كده علي محسن، ويديكي فرصة تفكري
انتظرت “السيدة كريمة” أن تسمع ردها وعندما طال صمتها..، أصابها الشك أكثر..، وهي تنفي برأسها غير مصدقه
– حصل بينكم علاقه
الجمت الصدمه لسانها، تنظر لعمتها وقد تعالا الشحوب فوق ملامحه
– كان ممكن يحصل واضيع..، لو مكنش هو موجود
فتعالت شهقة “كريمة”، وقبل أن تستفهم عن شئ.. ،كانت تخبرها بما تُريده
– طيب ليه رافضه تتجوزي، يا فريدة..، اللي انتي بتقوليه إن عامر كان ممكن يتجاوب معاكي
نفضت رأسها، بعدما نهضت من فوق فراشها
– اي راجل بيحصل معاه كده..، كان ممكن يتجاوب ويستمر كمان
واخذت تطرق فوق رأسها، مما جعل “كريمه” تنهض من فوق الفراش.. ،تلتقطها نحوها وتضمها إليها
– ارجوكي كفايه يا عمتو، أقف جانبي.. ،أنا كنت بحب اخوه ومازالت بحبه..، ليه عايزني اكون ضحية
شعرت “كريمة” بالندم من حالها، وتجمدت ملامحها وهي تستمع لعبارة صغيرتها عن فعلة والدها
– محسن بيه هو اللي ورا الصورة والمكتوب في الجريدة..، شوفتي عايز يوصلني لأيه
ضمتها “كريمة” إليها، وقد بدأت الصورة تتضح أمامها
– تجاوزي اللي حصل يا فريدة، ومن كلامك عن شهامة عامر السيوفي..، هيقف معاكي في أي قرار
………
جلست “فريدة” قبالته في المطعم الذي اتفقت معه..، أن تقابله فيه..، اطرقت رأسها هاربة من نظراته
– فريدة لازم تنسى الحكايه، زي ما أنا نسيتها
– مش قادرة، مش قادرة افتكر إني..
قطع حديثها، فلن تتجاوز هذه الليلة إذا ظلت هكذا
– خلينا نتكلم في الموضوع اللي متقبلين عشانه يا فريده
استطاع ان يجذبها نحو الحديث الذي التقوا من أجله، فرفعت عيناها نحوه
– أنا مش موافقة علي فكرة الجواز
وبهدوء كان يسترخي فوق مقعده، يسألها عن السبب
– ممكن أعرف السبب؟
تسأل ببرود، مما أعاد إليها شخصيتها مجدداً
– سبب إيه، هو إحنا بينا قصة حب..، ما حضرتك عارف السبب
انفرجت شفتيه في ابتسامة واسعة..، فقد عادت فريدة التي يعرفها.. ،وعندما رأت ابتسامته وفهمت هدفه من إثارة حنقها
– شكراً علي اللي عملته معايا، لو واحد غيرك
– فريدة، قولنا ننسى خلاص..
اماءت له برأسها، فيجب أن تنسى وتتجاوز هذه الليلة، وبهدوء كان يتسأل ثانية
– رفضك بسبب احمد مش كده
عادت تُحرك له رأسها، وبنبرة خافته كانت تُجيبه
– انا حبيبت احمد، قولي ازاي اكون مراتك وانا كنت برسم أحلامي معاه
ابتسم “عامر” وقد ازداد تقديره لها، لقد خسرها شقيقه بالفعل
– احمد كان هيكون محظوظ لو اتجوزتوا يا فريدة..، لكن للأسف هو عايز يعيش في الماضي
طالعته متفهمه، فلن تركض حلف سراب الحب مجدداً
– أنت عارف إن بابا، ليه يد في نشر المقال في الجريده
فجأها من معرفته بالأمر، وما زادها دهشة وهو يخبرها عن معرفته بنية والدها منذ البدايه
– أنت كنت عارف
ابتسم وهو يري صدمتها في معرفته لكل شئ يدور حوله
– محسن بيه للأسف نسي، إني عامر السيوفي يا فريدة
واردف وهو يُطالعها باهتمام
– رأيك الأخير يا فريدة
والجواب كان يحصل عليه مرة اخري، وهو الرفض الذي اراحه
………..
دارت بعينيها في المكان ، تبحث عنه في المطعم الذي أعتاد المجئ إليه منذ أن أتي لأمريكا ، لقد أصبحت جميع معلوماته لديها ..، وما عليها إلا التقرب منه حتي تنال هدفها
وجدته يدلف للمطعم يتجه نحو طاولته التي أعتاد الجلوس عليها , بعدما خلع معطفه الصوفي ..ليلتقطه منه الشخص المخصص لهذا العمل
طلب وجبة إفطاره الخفيفة من كعكة وقهوة برائحة البندق ، وجلس مرتخي الجسد يُطالع المعالم الخارجية للمكان
طالعتها بنظرات طويلة ، ولو لمح نظراته نحوها لأعتقد إنها مُعجبة به ، لكنه كان لا يهتم بمطالعة أحد ..، جلب له النادل فطوره ، ومعه الجريده كما أعتاد ..، فقد اصبح زبون هنا
الدقائق كانت تمر ، وهي كانت تجلس تُطالعه لا أكثر ..، وقد أقترب موعد انصرافه ولم تتقرب منه بعد ..، التقطت أنفاسها ببطئ ..، تُخبر حالها إنها في مهمه ويجب عليها تنفيذها استجمعت شجاعته ونهضت عن مقعدها ، بعدما طالعت هيئتها في مرآتها خاصة ، جذبت تنورتها القصيرة بعض الشئ ، وبخطي هادئه ..، أخذت تقترب منه بثقة ..، فمن يُقاوم أمرأه مثلها .
وقفت قبالته بقوامها المتناسق الممشوق ، تبتسم إليه ، وقد كان يرتشف من فنجان قهوته ويقرء أحداث العالم من خلال الجريدة .. ، وبخطوة مدروسة أتقنتها كانت تمدّ له يدها هاتفه
– ازيك يابشمهندس
رمقها “احمد” بتمهل شديد ، بعدما ترك فنجان قهوته ..، ترقبت ردة فعله من نظرته ولكنها لم تحصل علي أي ترحيب منه ، تجاوزت الأمر ، وجلست فوق المقعد ، تسب أهدابها تنظر إليه بخجل ونعومة
– اكيد حضرتك مش عارفني ، انا أميره مهندسه منتدبه من شركه الامارات العربيه للشركه المعماريه الامريكيه هنا ، اللي حضرتك مساهم فيها بأسهم وتصميمات
وسمحت لعينيها تلك المرة تتعلق به بثقه
– بجد أهنيك علي علي نجاحك وبارعتك يا بشمهندس
لانت ملامحه عندما علم بهويتها ، فابتسم بدوره
– اهلا يابشمهندسه
رحب بها برسمية لم تخفي عنها ..، فادركت أن مهمتها لن تكون سهله مع رجل مثله
وبجراءة أصبحت من صفاتها ، وعدم صدمه طلبها
– ممكن اخد فطاري معاك ..، حبه أدردش معاك شويه ولا هاخد من وقتك
وقبل أن تستمع لحديثه ، أعقبت حديثها بدعابه
– جلسه عملية بحته متقلقش يا بشمهندس
ورغم عنه كان يضحك علي حديثها ، أماء له برأسه ..، فلن يستطيع أحراجها
– قدامي عشر دقايق بس ، أنتي عارفه المواعيد هنا بالدقه
– أكيد يا بشمهندس
وقد بدأت أول خطواتها مع رجلاً مثله “أحمد السيوفي” صيدها القادم وشقيق “عامر السيوفي” ، ذلك الرجل الذي دهسها أسفل قدميه
………….
لقد صار العمل علي قدم وساق، فالسيد الكبير في عطلة هنا لبضعة أيام..، تنهدت بارهاق بعدما وقت الراحة خاصتها..، دلكت جبينها ثم فركت عيونها ونهضت تتمطأ بذراعيها قليلاً فالغرفة خاليه بها ، “فالسيد فتحي” أصبح ملازم للسيد الكبير حتي يُريه إخلاصه وتفانيه في العمل.
ارتسمت السخرية فرق محايها، فهذا ما يحدث له عندما تتذكر “السيد فتحي”..
جاء وقت انصرافها أخيراً..، وكان اليوم أبكر بساعتين..، فهذا الشهر يتم فيه الجرد وليس به أعمال كثيرة
قررت أن تسير داخل المزرعة وتخرج من البوابه الأخري، ورغم إنها اتخذت الطريق الطويل إليها حتي تعود للمنزل..، إلا إنها أرادت السير قليلاً وتأمل الاشجار التي تُحيط المزرعة
استمعت لصهيل فرس يمر جوارها، وقد انكمشت علي حالها حتى تجاوزته..، ولكن سرعان ما انتبهت ان الذي مر من جوارها ما هو إلا مالك المكان، السيد عامر الذي سمعت عنه
التفت خلفها ..، ولكنها لم تري إلا الغبار الذي خلفه خلفها.. ،اكملت خطواتها مستمتعه برائحة الفواكه وقد انعشتها نسمات الهواء التي اخدت تداعب خديها
توقفت في مكانها وهي سيدتين يتحركان نحو الطريق الذي ستُغادر منه.. ،ومن هيئة إحداهن كانت تعلم إنها السيدة الكبيرة التي يتحدثون عنها
غرزت قدم المرافقة في الطين ولم تكن منتبها، فوقفت السيدة العجوز بعصاها
– قولتلك يا هانم خلينا نمشي من الطريق التاني
تمتمت المرافقة حانقة، وقد اختفى الارتياح من فوق ملامح “ناهد”، تقدمت “صفا” منها وقد كانت تُشاهد الأمر من بعيد..، تمدّ للمرافقة كفها تُصافحها
– أنا شغاله هنا في المزرعه، خليني اساعدكم..، زي ما انتِ شايفه في طين المكان
وطالعت السيدة الجميلة، تنظر لعينيها بانبهار حقيقي
– حضرتك اكيد كنتي ملكة جمال في شبابك
واسرعت في تكملة عبارتها، بعدما رأت تلك الابتسامة التي ارتسمت فوق شفتيها
– ومازلتي، جميلة
اطرب “ناهد” حديثها، وشعرت بالأرتياح لتلك الغربية التي تستمع لصوتها متسائلة
– اسمك إيه
– صفا
– نرجع يا هانم
هتفت بها المرافقة بعدما شعرت بالضيق من وقفتها في الطين هكدا، وقد اتسخت ملابسها
– ارجعي انتي، صفا هتاخدني تفرجني علي المكان
اتسعت حدقتي “صفا” ذهولا من طلبها..، ولكن سرعان ما حركت رأسها بحماقة.. ،وكأن السيدة الكبيرة تراها
– مش كده يا صفا، ولا عندك شغل
– عامر بيه، مفهمني مسيبش حضرتك يا هانم
ولكن “ناهد” انتظرت سماع عبارة الواقفه
– من عنيا
وببساطة كانت تجيبها، ابتعدت المرافقة..، بعدما احتلت” صفا” مكانها وقد ابتسمت “ناهد” وهي تستمع لصوت المرافقة المتذمر
أتبعتهم المرافقة غاضبه، ولو غصب السيد عامر، لكانت عادت لبيت المزرعة
طالت الجوله، وقد ضجرت التي تسير خلفهم، ولكن “ناهد” كانت مستمتعه رغم تعب ساقيها..، ولكن فجأة توقفت عن السير تلتقط أنفاسها.. ،ف أسرعت المرافقة إليه تدفع “صفا” عنها
– مش قولتلك يا هانم نرجع، اه ميعاد الدوا جيه وإحنا لسا برة المزرعه
– طيب فين علاجها ، بدل ما بتتكلمي ادهولها
حدقت بها المرافقه بملامح ممتعضة، وتجاهلتها تبحث في هاتفها عن حتي تُهاتف رب عملها لتُخبره عما حدث، رمقتها “صفا” بغضب ولكن سرعان ما كان يتملكها الخوف وهي تري وتيرة أنفاسها ترتفع وتلتقط أنفاسها بصعوبة.. ، انتبهت علي صوت المرافقة وهي تُحادث الطرف الأخر بخوف وتعلم ما ينتظرها حينا العودة
– حاولي تاخدي نفسك براحك يا هانم
وعندما انتبهت علي وجود “صفا” هتفت بضيق
– أنتِ لسا واقفه هنا، البيه لو جيه وشافك فيها طردك
امتقعت ملامح “صفا” وتجاهلتها، فقلقها كان منصب نحو السيده الجميلة التي ذكرتها بوالدتها
– هطمن عليها ومشي
– يبقى خليكي واقفه ، لأن البيه لازم يعرف إنك السبب
****
الفصل الحادي عشر
**********
وهل تتوانى المرافقه في عملها، بالطبع لا..، ف السيد الكبير قد جاء هو بذاته،
ملامحه كانت قاتمة، وعيناه رصدتها بنظرات سريعه، فتركت “صفا” ذراع السيدة الكبيرة وتراجعت خوفاً من نظراته صوبها
وبعبارات سريعة، وهو يسند والدته ، بعدما أعطاها حبة الدواء سريعاً..، كانت المرافقة تسرد عليه ما حدث، وإصرار السيدة الكبيرة علي إصطحاب هذه الفتاة معهم
توترت صفا ، وهي تري نظرات “عامر” تعود إليها، وبهمس خافت بسبب ربكتها كانت تهتف عبارتها وتسرع في خطواتها مُغادرة
– الحمدلله إني اطمنت عليكي يا ناهد هانم، مضطرية أمشي لاني اتأخرت
تحركت بضعة خطوات، ولكن تجمدت في خطوتها وهي تستمع لصوته الذي صدح خلفها، وقد اتسعت ابتسامة المرافقة, ف السيد سيصب غضبه أخيراً عليها ، وليست هي .. بعدما خشيت من صمته
– اسمك إيه ؟
شعرت بالحزن لفقدها وظيفتها، ولكن شجعت نفسها والتفت نحوه بقوة، فهل سيطردها لأنها اقتربت من والدته ؟..، وما دام سيتأخذ قرار ظالم من رجل متعجرف مثله..، فالتنال شرف القوة أمامه
– صفا
– سيبها يا عامر، البنت هتتأخر علي أهلها ، أنا اللي طلبت منها ترافقني
خرج صوت “السيدة ناهد” بعدما هدأت وتيرة أنفاسها واستطاعت أن تتحدث
لم تدع له “صفا” مجال لحديث أخر، وسارت من أمامه فقد فعلت ما ارادته مع هذه السيده وقد فرحت لسعادتها وهي ترافقها،
سارت أمامه دون أن تنتظره أن يهتف بشئ اخر..،
وضع والدته داخل السيارة وجلست جوارها المرافقة ..، وانطلق بعدها عائداً لداخل المزرعة، ولكن وقوع عيناه عليها وهي تسير بالطريق بخيلاء، جعل عيناه تحتد، فهو لن يمرر لها تجاهلها ، فما دام عامله لدية سيعرف كيف يُعلمها أن تنتظر سماع حديثه حتي يصرفها هو
………..
وقعت عيناها علي عمتها وقد خرجت للتو من باب المنزل تضع فوق خصلاتها حجابها بعجالة..، بعدما شعرت بالخوف عليها
أسرعت نحوها “صفا”، فتنفست عمتها براحة تضمها إليها
– إيه اللي اخرك يا صفا، ده أنتي خارجة من المزرعة بدري النهاردة..، عمك صابر خرج يدور عليكي
وبانفاس متقطعة، وبصوت حزين
– أنتِ أمانة اخويا يا بنتي
التمعت الدموع في عينين “صافية”، فتمالكت “صفا” دموعها حتى لا تذرف الدموع أمامها وتبكي معها
– انا كويسه يا عمتي، خلينا بس نكلم عمي صابر ونقوله إني رجعت
دلفت مع عمتها، فاسرعت “جنه” نحوها بلهفة بعدما خرجت من المطبخ الصغير
– صفا، كنتي فين
والسؤال كان يتكرر لها من العم صابر، ولم يكن عليها إلا أن تخبرهم بما حدث علي طاولة طعامهم الصغيرة
– ربنا يستر يا بنتي، والبيه ما يخدش الموضوع من ناحية تانيه
واردفت ” صافية” بقلق
– أنا بسمع إنه راجل صعب اوي، وقلبه قاسي
– أنتِ هتخوفي البنت يا صافيه
وبحنو ابوي، كان يُطالعها ” العم صابر”
– متخافيش يا صفا، أنتِ ساعدتي ست كبيرة، حبيتي تتمشى معاها عشان تفرحيها
وهنا كان يخرج صوت “جنه” التي تركت باقية الحديث ولم تُركز إلا في ربط الأمور ببعضها
– علي كده حلو زي اخوه يا صفا ابو عيون زرق ، ولا راجل عجوز
اتسعت حدقتي “صفا” من غباء ابنة عمتها، ولكن سرعان ما كانت تتلاشى صدمتها تنظر لها بشماته، بعدما لطمتها عمتها بحذائها هاتفه
– بنت قليلة الأدب
………
ذهبت “صفا” لعملها بملامح سعيدة، وقد تناست ما حدث ليلة أمس، فقد رأت والديها في حلم جميل، يبتسموا لها يخبروها أنهم معها ولم يتركوها.. ،صحيح استيقظت في الصباح تبحث عنهم وقد سقطت دموعها ولكن عمتها اخبرتها إنهم مرتاحين في قبرهم ولا يريدون إلا سعادتها
– كل ده تأخير يا صفا
طالعت” السيد فتحي” الذي وقف في الغرفة يدور بها يُحادث نفسه، فعن أي تأخير يتحدث وهي لم تتأخر سوي خمس دقائق
– معلش يا استاذ فتحي، دول خمس دقايق بس
– انتِ هتفضلي ترغي معايا، نضفي بسرعة المكتب البيه بيمر في المزرعه
دفع إليها قطعه القماش والمكنسة، وانصرف بعدها، وقفت تنظر لما دفعه إليها، وقد ضاقت عيناها ولكن سرعان ما كانت تُخبر حالها بالصبر، فلن تجد وظيفه في البلده ، إذا اضاعت وظيفتها
بدأت في تنظيف المكتب ولكن بلكاعة عناداً لهذا الرجل، ولكن توقفت مكانها مفزوعة وهي تستمع لصوت “فتحي” يُرحب بالسيد الكبير
– اتفضل يا عامر بيه
وعامر لم يكن هدفه إلا ليري هذه الفتاة..، وجدها واقفه جوار مكتب “فتحي” تنظفه
– ابعدي كده يا صفا، خلي البيه يقعد في مكانه
واندفع نحو المقعد، ينظفه له..، فاقترب عامر من المقعد بعدما رمق الواقفه، ومن نظرته لها فهمت ما أراد إيصاله لها ولكنها لم تعبأ بنظراته
– اعملي قهوة للبيه يا صفا
– مبعرفش اعمل قهوة يا استاذ فتحي
فاتسعت عينين “فتحي” ذعراً، بعدما سمع عبارتها
– قهوة سادة يا فتحي، اكيد عارف قهوتي
التف “فتحي” نحو “عامر” بعدما رمق صفا بنظرة قوية وصرفها برأسه
– يلا يا صفا، اعملي قهوه للبيه..
كرر “فتحي” عبارته ،متجاهلاً ردها، واقسم داخله، إذا تحدثت بشئ أخر سيطردها
ابتعدت تعد القهوة، ومن نظرات “عامر” إليه.. ،توتر فتحي واقترب منه يُخبره عنها.. ،أعطاه “فتحي ” تفاصيل حياتها، وقد كانت تستمع لحديثه دون أن تهتم، ولكن عندما ذكر حادثة والديها وأنها فتاه يتيمة اشفق عليها، كانت معالم الحزن ترتسم فوق ملامحها , فالتفت بجسدها نحوهم، لتتعلق عيناها بعينين هذا الرجل الذي جلس يترصدها
………..
توقف “محسن” جوار غرفة ابنته، يستمع إليها مع شقيقته , وهي تعد حقيبتها من أجل الذهاب لفرع شركة الأخر بمدينة الإسكندرية
– كده يا فريدة، عايزه تبعدي
– يا عمتو ديه إسكندرية، يعني مش مكان بعيد..
واقتربت منها تمازحها
– ما أنا كنت بدرس بره، واتعودتوا علي عدم وجودي
– بس بقيت متعلقه بيكي يا حببتي، ومبقتش اقدر اتخيل البيت من غيرك
تأثر “محسن” من الحديث الذي يسمعه، فقد اضاق الدائرة حول أبنته، بعدما رفضت أن تتزوج “عامر السيوفي”، ولم يكن الحل أمامها إلا أن تبتعد عنه..، أراد أن يتراجع ويترك لها الحرية..، فليس لديه إلا هي
– متزعليش من محسن يا حببتي، هو يمكن تفكيره غلط، ومش قادر يفهم إنك كنتي بتحبي احمد
– هو اللي اجبرني يا عمتو
هتفت بها “فريدة” بعدما اغلقت حقيبتها ووضعتها جانباً، واردفت بملامح حزينه
– اتجوز إزاي واحد كنت بحب أخوه
– صحيح عامر كبير عنك يا فريدة، وشكله من برة يوحي إنه راجل صعب، بس حقيقي يا بنتي أنا احترمته، بعد اللي اعمله معاكي
انتبهت حواس “محسن” بعدما تحرك من مكانه، ولكنه توقف يستمع لباقية الحديث
طالعت عمتها، ولم يكن شعورها هي الأخرى مختلف نحو هذا الرجل
– أنا كمان احترمته، كفايه إنه مشوهش صورتي ولا استغل اللي حصل وفضحني قدام بابا، بعد كلامه السخيف..
واردفت بملامح مستاءه، كارهة لما فعلته
– أنا مش قادرة أتخيل إني كان مهم يحصل علاقه بينا، لولا إنه كان متأكد إني في حاله غريبه
اتسعت عينين ” محسن” لا يستوعب ما يسمعه، هل كانت ستحدث علاقة بين أبنته وعامر السيوفي؟
– أنتِ بتقولي إيه؟..
تجمدت ملامح “فريدة” و “كريمة” التي تجمدت عيناها هي الأخري نحو شقيقها الذي دلف الغرفة وعلي ما يبدو إنه إستمع لحديثهم
– بابا، أنت مش فاهم حاجة
وهنا كان يصرخ بها محسن
– جوازك من عامر السيوفي هيتم يا فريدة
………..
انتفضت ” صفا” من مكانها بخوف، بعدما جاء احد العمال يُخبرها عن سقوط زوج عمتها بالأرض وعمتها منهارة لا تقوى علي الحركة..، تركت كل شئ واندفعت مع العامل في إحدى السيارات الخاصه بنقل صناديق الفاكهه
هرولت راكضه بعدما هبطت من السيارة ودموعها تغرق خديها، فلم تعد تتحمل فكرة الفقد والفراق ثانية..، وجدت الجميع متجمع حول جسد زوج عمتها الواهن، وعمتها تجلس جواره باكية..،
وقعت عينين الواقف بشموخه عليها.. ،وهي تجثو فوق ركبتيها تخبر زوج عمتها
– هتكون كويس، متسبنيش أنت كمان
ابتسم نحوها صابر يُحاول التقاط أنفاسه
– متخافيش يا بنتي
– فين عربية الإسعاف يا فتحي
وفتحي يقترب منه خائفًا
– علي وصول يا عامر بيه
……….
كان يوم عصيب عليهم، يوم انهكهم من شدة البكاء والخوف، تركت “السيدة صافية” زوجها يرتاح فوق فراشه.. ،وخرجت من الغرفة متجها نحو غرفة الفتيات..، فوجدتهم يجلسون بملامح باهتة حزينه
– محضرتوش لينا العشا يا بنات
انتبهت “جنه” علي صوت والدتها، واطرقت رأسها حزناً
– مين ليه نفس يا ماما
فطافت من عينين “صافية” دمعه حاولت إخفاءها ولكن دموعها اخذت تنساب فوق خديها ..، اجهشوا ثلاثتهم في بكاء مرير
– خوفت علي أبوكي النهاردة، كنا هنعمل إيه لو راح مننا يا بنتي
تعالت شهقات “جنه” ، اما صفا ابتعدت عنهم..، تختلي بنفسها..، فقد اقتحم ذلك اليوم عقلها رغم اقترب عام علي وفاتهم
– الدكتور بيقول، لو الموضوع اتكرر تاني.. بابا هيحتاج عملية ضروري
طالعتها “صافيه” وقد علمت معني العجز اليوم، تفرد يديها فوق فخذيها
– كنا هنجيب فلوس منين يا بنتي..، ربك رحيم بينا
……..
قد عاد الأسد لعرينه ثانية، هكذا كان يتحدث موظفينه وهو يدلف من باب الشركة، يسير بخيلاء وبقوة تحت نظرات كل من يراه
دلفت سكرتيرته خلفه، تهتف بترحيب، واقتربت منه تضع الملفات فوق سطح مكتبه
– محتاجين توقيعك يا فندم
وقبل أن ينظر بهم، كان “محسن” يدلف لغرفته..، ومن نظرة عينيه.. ،كان يفهم سبب حضورة اليوم
اصرف سكرتيرته بنظرة من عينيه، فغادرت علي الفور واغلقت الباب خلفها
– تليفوناتك مقفوله، الظاهر مكنتش عايز حاجة تزعجك في اجازتك
تمتم ” محسن” حديثه وعلي وجهه علامات الضيق، فنهض عامر عن مقعده، واقترب منه يرمقه بجمود
– خير يا محسن بيه
ومحسن يهتف بغضب، وقد اقترب منه هو الاخر
– مش عيب يا باشا، اعرف الحقيقه كامله من دردشة ستات…
……..
هل ستأتي عروس السيد الكبير اليوم، الكل كان يتحدث أمامها ولكن “ناهد” لم تكن تهتم بالأمر، ف زواج عامر خاصة بتلك الطريقه.. ،وراءه شئ خفي..، ولكنها كانت تشعر بالحزن أن تسمع الأمر من الخدم
واخيراً دلف غرفة والدته، بعدما صرف المرافقة لها، مشيرا لها أن تُغادر الغرفه
أسرعت في تلبية أمره، بعد أن نوالت الجالسة فوق فراشها كأس الماء، وارتشفت منه
– اكيد سمعتي إني هتجوز النهارده..، الجواز من غير حفله ومقتصر علي بعض المعارف في بيت والدها..، لكن قريب هنعمل حفلة هنا
القى عبارته، والتف بجسده مغادراً
– هتتجوز جوازه مش مقتنع بيها
تمتمت بها “ناهد”، ودون أن تترك له مجال للجواب عليها..، أردفت متهكمة
– مش هي ديه البنت اللي خليت الخدامه تعرفها عليا، وكنت بتسعي إنك تجوزها لأحمد
– ناهد هانم
هتف بحدة، ومسح فوق وجهه..، فهو بالكاد يتحمل أمر هذه الزيجة التي ظن إنه تخلص منها، ولكن “محسن الصواف” كان مصّر عليها وهو يعلم هدفه الذي لن يحققه له
تأكدت “ناهد” ان هذه الزيجة وراءها شئ، شئ اجبر ولدها البكر، بأن يتخذ قرار الزواج بعد هذا العمر
– مبرك يا بني
قالتها بهدوء..، ولم تكن تنتظر أن يجيبها..، استمعت لصوت الباب وهو يُغلق.. فتنهدت بأسي
– كان نفسي تتجوز واحدة، تاخد قلبك يا عامر وتكون فرحان بيها.. ،يمكن قلبك يلين عليا يا بني
……..
طالعته ” أميرة” بابتسامة واسعه، وهي تدير مفتاح سيارتها التي دارت علي الفور
– أنا مش عارفه اشكرك حقيقي إزاي
وخرجت من سيارتها، تهتف بكلمات شاكرة..، فوفقت عيناها علي قميصه الذي اتسخ
– من حظي أن السيارة بتاعتك بتمر من هنا، و من سوء حظك إن وقفت بعربيتك عشان تساعدني
ضحك” احمد” علي عبارتها، ورفع كفه نحو وجهه يمسحه..، ولكنها أسرعت تمسح عنه عرقه
– ايدك مليانه شحم
حركت اناملها بخفه فوق جبينه، واقتربت منه حتي لم يعد يفصلها إلا انفاسهم ، ابتعد عنها مبتسماً
– زي ما قولتلك العربية محتاجه تروح لميكانيكي
اماءت له برأسها متفهمه، وعادت تشكره مجدداً
– خلاص كفايه شكر يا بشمهندسه
وانصرف بعدها، بعدما أخبرته إنها ستكون في المطعم الذي يزوره
– هستناك
تمتمت بها، بعدما لوحت له بيدها..، فانطلق بسيارته ولا شئ يشغل باله إلا نجاحه هنا
وهكذا كانت تسير “أميره” في خطتها، ببطئ وذكاء..، وهذه هي الخطوة الثانية لها، وقد اختارت بذكائها الموقع الممتاز
……..
توقفت خلفها عمتها بعدما خرجت مصصفة الشعر، ابتسمت لها ببهوت، فهتفت فريدة وهي تطالع نظراتها لها عبر المرآة
– مكنش نفسك اكون زيك
واردفت بحزن، وهي تقاوم دموعها وتعود قوية كما كانت
– اظاهر إن نصيبي نفس نصيبك يا عمتي
ضمته “كريمه” نحوها بقوه، تخبرها إنها افضل واقوي منها
– أنتِ أقوى مني يا فريدة، كان نفسي تكوني فرحانه بجوازك يا بنتي
واردفت بأسي بعدما ابتعدت عنها فريدة
– كان نفسي افرح بيكي، واشوف السعاده في عنيكي
ولكن أين هذه السعادة، واين هي فرحتها.. ،و والدها يقترب منها يمدّ لها ذراعها غير عابئ بما فعله بها ودفعها نحو هذه الزيجة التي تمناها
– كفايه كلام يا كريمة، المأذون وصل
ولم تكن تستوعب أين اخذتها قدماها، حتي سمعت والديها يُخبرها أن توقع اسمها، التقت عيناها بذلك الذي جلس يُطالعها بجمود يعرف كيف بظهره أمام الناس.
……
وفي خطوات هادئة، كانت تدلف برفقته منزلها، سار أمامها صاعداً الدرج دون أن يعبأ بوقوفه، ولكنه كان يشعر بالأختناق.. ،لا يعلم ما هو السبب ولكنه كان يختنق من الداخل
“عامر السيوفي ” بكل ما يملكه لم يكن سعيد..، وقف أعلى درج ينظر إليها بهدوء
– اطلعي يا فريدة
صعدت خلفه ببطئ، تنظر حولها في المكان الخالي.. ،وقد اصرف هو العاملين من منزل عدا مرافقه والدته لأنه لم يكن يريد أحدا بالمنزل هذه الليله
اقترب من إحدى الغرف يُشير إليها
– ديه اوضتك
ابتسمت بتوتر وهي تتقدم من الغرفه، ولا تعرف ما ستقوله له، ففضلت الصمت
– تصبحي علي خير
وببساطه كان يُكمل حديثه، متجهاً نحو غرفته..، تنفست براحه، ودلفت الغرفة.. ، فلم يحدث ما اراده والدها..، والسيد محسن كان لا يُريد إلا إتمام الزيجة فعلياً
………
– لا يا صابر مش هتنزل الشغل، أنت مش شايف نفسك تعبان إزاي
– ولما اقعد من الشغل، مين هيصرف يا صافيه
هتف بها صابر بعدما نهض من فوق فراشه بصعوبه ولكنه تظاهر إنه بخير
– أنا بشتغل، وجنه كلها شهر وتتخرج وتساعدني
احتدت معالم صابر، ولأول مره كان يصرخ بها
– شيفاني مش راجل قدامك يا صافيه
خشيت ” صفا” الاقتراب منهم، بعدما سمعت صوتهم المحتد..، توقفت عن تناول فطورها
– انت سيد الرجاله يا صابر، بس أنت لسا تعبان يا اخويا
ابتسمت “صفا” وقد اعجبها هدوء عمتها وامتصاصها لغضب زوجها
– عارف يا ام جنه إنك خايفه عليا
واقترب منها يمسح دموعها التي علقت بعينيها، يضمها إليه، ويلثم رأسها
– لو تعبت يا صافيه، هروح.. ،لكن لو فضلت قاعد هخسر مصدر رزقنا يا صافيه
وفي النهاية كانت ترضخ لعناده
……..
دلفت “فريدة” لغرفة “السيدة ناهد”، تنظر إليها والمرافقة تطعمها وجبة غدائها
يومان مروا علي تلك الزيجة، وقد غادر اليوم عامر لعمله..، ف تذكرت حنقه من والدها الذي تسأل لما لم يذهبوا لعطلة زواج يريحوا بها اعصابهم
فتركتها هي الجواب له، حتى يُجيب والدها.. ،والإجابة إنها ليس متفرغ لهذا الهراء
ضحكت داخلها وهي تتذكر ملامح والدها، ولكنها كانت سعيده مما يفعله عامر، امامه وقد اتفقوا علي هذا الأمر حتي يشعر والدها بذنبها وما اقترفه
– صباح الخير
– قصدك مساء الخير
ارتفع حاجب “فريدة” في دهشة وهي تستمع لردها عليه، ولكنها تجاوزته.. ،فمهما كانت هي سيدة عجوزها ضريرة
– اخبار حضرتك إيه النهاردة
التفت “ناهد” نحو الصوت، وتمتمت بهدوء
– بخير
– قولت اجي اسأل عن حضرتك
والعروس أخيراً، قد تذكرت حماتها..، هكذا حادثت ” ناهد” حالها
ارتبكت “فريدة ” من نظرتها وعباراتها المقتضبه، فلم تجد إلا ما هو بارعة فيه..، وهو النقد ولقاء الأوامر علي الخادمة
كانت “ناهد” تستمع إليها. ،ولم تكن تري فيها إلا شبابها..، وإذا استطاعت أن تلك لقلب ابنها..، ستكون هي القوي المسيطره وسترهقه من دلالها.
…….
وقفت “صفا ” جوار فراش العم صابر، الذي عاد مبكراً من العمل واستطاعت العودة معه بعدما اذن لها “السيد فتحي” لترافقه
– انا بشتغل وعمتي بتشتغل..، ليه عايز تتعب نفسك يا عمي
ابتسم “صابر” بوهن، يرمقها بحنان
– واكون عبأ ليكم يا بنتي، بدل ما اريحكم
فالتقطت “صفا” كفه تمسح فوقه
– وجودك وسطينا ده أهم حاجة
وفي تلك اللحظة كانت تندفع جنه لحضن والدها بعدما أتت من الجامعه..، تخبره بحبها لها وإنها لا تتخيل العيش دونه
……….
تناولت طعامها بهدوء، تنظر إليه من حينا إلى آخر، حتى زفرت أنفاسها ضجراً، فرفع وجهه عن طبقه يسألها
– في حاجة عايزه تتكلمي فيها يا فريدة
تركت شوكتها، ونظرت إليه بحماس
– عايزه ارجع شغلي من تاني
– مش شايفه إن نزولك للشغل مينفعش حاليا
اماءت برأسها له متفهمه
– يعني مش معترض علي الفكرة، وتقولي لما ننفصل الأول
ابتسم إليه، رغم إنه قليل التبسم..، إلا إنه لم يكن يُريد ظلمها كما فعل والدها
– طبعا مش معترض يا فريدة، جوازنا مصيره معروف..، فمش هقف قدام مستقبلك
وبفضول كانت تسأله
– يعني سؤال مستقبلي شويه
فانتظر سماعها، فتعلقت عيناها به
– لو لقيت شريكة حياتك اللي بتدور عليها صح، هتخليها تشتغل وتدور علي مستقبلها
وبتملك عجيب كان يُجيبها، بعدما مسح شفتيه ونهض عن طاوله الطعام
– الست اللي هتجوزها هتكون ليا انا و ولادنا وبس..، مستقبلها هيكون إحنا
ألقاها وانصرف، فقطبت حاجبيها.. ،تتذكر حديث ” أحمد” المختلف عنه..
………
دلف لغرفة والدته، بعدما أخبرته المرافقة لها إنها تُريده، شعرت بوجوده فاخبرته بصراحه
– اتجوزت نسخه مني يا عامر
تجاهل عبارتها، وتسأل
– المرافقة الجديدة، قالتلي إنك عايزانى
ابتسمت وهي تراه يتجاوز حديثها، وقد علمت إن الأمر لا يعنيه من صفات فريدة..، ف بالتأكيد لن تظل هذه الفتاه طويلا معهم
– مش عايزة المرافقة الجديدة
– ليه؟
انتظر أن تخبره بعدما حبها للمرافقه الثانية التي أتي بها بعد حنان ولكنها لم تعطيه الجواب
– هاتلى البنت اللي شوفتها في المزرعه
قطب جبينها يُحاول أن يتذكر من هذه الفتاة التي تقصدها، ولكنه كيف ينسى تلك الفتاه صاحبة النظرات القوية التي لا تهتم بأحد..
…………….
دفنت وجهها بين الدفاتر، ذلك العمل المميت الروتيني، الذي أصبح يغمسها في حياة لم تكن تحلم بها يوماً.. ، دلكت جبينها وعنقها من شدة إرهاقها.. ،إرهاق أصبح مصاحب لها من تفكيرها الشديد، في المال الذي يحتاجه زوج عمتها من أجل دواءه الباهظ
دلف “السيد فتحي” المكتب وعندما وجد بضعة سندوتشات أمامها ولم تمس شئ منهما..، اقترب يلتقط منها أحدهم يقضمه
– عندي ليكي خبر حلو يا صفا
اتسعت عيناها فرحاً، ووقفت من مكانها تسأله
– هتسمح لعمي صابر يشتغل نص يوم، وتديله يوميته كامله
– هو انا فاتحه جمعيه خيريه، لعيله صابر
تهدل كتفيها بخيبة من هذا الرجل، الذي لا يشعر بسلاطه لسانه، فقدت حماسها وعادت لمكانها..، تزفر أنفاسها بقلة حيله.
– مسألتيش يعني إيه الخبر السعيد يا صفا
– هو في حاجة تفرح يا استاذ فتحي
وهتفت داخلها حتي لا يسمعها
” مافيش خبر بيجي منك يفرح”
– الهانم الكبيرة، عايزاكي تشتغلي عندك
فاتسعت حدقتيها ، بعدما رفعت عيناها نحوه، بل تستوعب ما تفوه به
– البيه طلب مني، أعرض عليكي شغل في القصر عنده..، مرافقه للهانم الكبيرة
أنتظر “فتحي” ، سماع موافقتها …، ولكنها ظلت واقفه تحدق به لا تستوعب ما يتحدث عنه
– ديه فرصه متتعوضش يا صفا ..، فرصة تساعدي بيها جوز عمتك الغلبان
واقترب منها يُخبرها عن الراتب الضخم الذي تحصل عليه ، وعن العيشة التي ستعيشها في هذا القصر
****
الفصل الثاني عشر
****
ظلت الأنظار عالقه بين ثلاثتهم ، إلي أن هتفت عمتها ، بعدما بدأت تستوعب ما تفوهت به أبنه أخيها:
– لاء ياصفا ، أزاي أوافق تعيشي بعيد عني
واردفت متحسرة علي الحال الذي اصبحت فيه أبنه شقيقها
– عايزه تبقي مرافقه ، مش كفايه بهدلتك في شغل المزرعه ..، ده أنتي مكنتيش متعوده علي البهدله ديه يا بنت الغالي
تمتمت بها “صافيه” وذرفت دموعها ،فاردف “صابر” بعجز وألم بعد حديث زوجته :
– ليه يابنتي عايزه تحسسيني إني خلاص بقيت عاجز
فاسرعت صفا نحوه ، تقبل كفيه
– أنا شوفت الست ديه ، وحبيتها ..، مش يمكن ربنا بعتني ليها
وبقلة حيله ونواح كانت تهتف صافيه :
– اقول لأخويا الله يرحمه إيه ، اقوله أني مقدرتش اتحمل مسئولية بنتك .. اقوله سيبتها للدنيا تلطش فيها ..
وصابر لم يكن حاله اقل منها ، إنه يفهم سبب أقتناعها بهذا العمل ..، العمل الذي عرضت عليه زوجته ان تعمل به منذ أشهر ولكنه رفض ..، انتظرت “صفا” جوابهم فليس لديها فرصة إلا في هذا المنزل بذلك الراتب الضخم الذي أخبرها به فتحي.
نظرت “صافيه” نحو زوجها القابع مكانه بضعف ، تتوسل اليه بنظراتها بأن يقول شيئا , يجعلها تتراجع عن تلك الوظيفه ، طالع “صابر” تلك الواقفة تنظر إليه برجاء ، فإذا اقتنع هو ستقتنع عمتها :
– فكري تاني ياصفا يابنتي ، و أوعي للحظه تفتكري أنك عبأ علينا يا بنتي ..، حسن الله يرحمه كانت جمايله كتيره عليا ..
ولكنها كانت مُصرة علي الذهاب ، حتي تحصل علي الأموال التي ستُساعدهم بها
– يمكن تكون صفحه جديده من حياتي ، ولو مرتحتش أوعدك هرجع علطول
وبوعد أخذوه منها ، كان يوافقوا ..، فليس بيدهم شئ ما دام هي تُريد ذلك
دمعت عينين “صافيه” فاقتربت منها تحتضنها بقوة ، تؤكد لها ..، إنها إذا لم تجد حالها في هذا العمل ..، ستعود للقرية ..، كما أن “السيد فتحي” وعدها أن وظيفتها هنا ستظل محفوظه.
……………………………………………………..
ظلت طيلت ليلتها ، تتقلب في فراشها وتسأل نفسها سؤالاً واحد؟
هل ستسطيع تحمل ما هو قادم ، فالعمل في قصر كبير لدي هذا الرجل الذي جعلها تخافه ، منذ أول لقاء لها معه لن يكون سهلاً عليها
أغمضت عينيها ، وقد بدأت أحلامها تسيرأمام عينيها ، تتذكر أحلامها الورديه بأن تصبح يوما ما ذات شأن في شركة كبيرة خاصة بمجالها ، وابتسامه حزينه أرتسمت فوق شفتيها وهي تتذكر ..، كم كانت تظن أن الحياة تفتح لها ذراعيها وتنتظرها حتي تحقق لها أحلامها ، ولكن احلامها جعلتها تغفل عن الحقيقة..، فالأحلام ليست سهلة المنال
فتحت عينيها وتنهدت بثقل ، تنظر لسقف الغرفة كعادتها
– هتقدري تستحملي اللي جاي ياصفا
أقتربت منها “جنه” بعدما شعرت بها ، وكانت مثلها قد جفاها النوم
– وافقتي علي الشغل عشان علاج بابا يا صفا مش كده
وسقطت دموع “جنه ” ، وقد تذكرت أعمامها
– إزاي في ناس قلبهم قاسي كده ، عمرهم ما فكروا يسألوا علي اخوهم ..، عايشين في العز ، واخوهم مش لاقي حق العلاج ، وبيشتغل مجرد فلاح في الأرض
أعتدلت “صفا” في رقدتها ، وأحتضنتها ..، وهي أيضاً لا تستوعب كيف لأخوه يفترقون عن شقيقهم لأنه تزوج من أمراه لم يُريدوها في عائلتهم لانها فقيرة ولم تكن هذه المرأه إلا عمتها
– أنتم مش محتاجينهم يا جنه ..، ديما حطي في راسك كده .. الناس اللي تبيعك بعيهم
مسحت “جنه” دموعها ..، وقد أبتسمت علي حديثها ..، ومازحتها حتي تزيل هذا البؤس قليلاً عنهما
– يعني أبيعك يا صفا ، مدام هتبعينا وتبعدي
دفعتها “صفا” عنها ، وقد فصلتها عبارتها ..، التمعت عينين “جنه” بعدما أعتدلت من وضيعتها
– بتبصيلي كده ليه ؟
– أنتِ هتروحي تشتغل في قصر السيوفي ، يعني أبو عيون زرق هتشوفي هناك
وقبل أن تهتف “جنه” بشئ ، اقتربت منها “صفا” تُكمم لها فمها
– الواحد غلطان ..، إنه بيحكيلك عن مشاعره
فتملصت “جنه” من قبضتها ، واخذت تلتقط أنفاسها
– هتمـ,ـوتيني عشان كنت بضحك معاكي
– لأني عارفاكي هتفضحيني ..، لكن عشان أريحك ياجنه وتبطلي جو الأحلام ،
الناس اللي زي ديه مبتحبش غير اللي شبهم يا جنه
رمقتها “جنه” ثم قطبت ما بين حاجبيها ..، فمن هو الذي يعيش الأحلام غيرها ..، فضحكت “صفا” علي هيئتها ..، فهي تقصد حالها وليست أبنه عمتها التي تعيش دوماً علي أرض الواقع.
…………………………………………………………
أنبسطت ملامح “ناهد” بعدما أستمعت لما يُخبرها به ، فلم تكن تُصدق إنه سينفذ لها رغبتها بهذه السرعة ..، ويجلب لها هذه الفتاة ..، كما أرادت
– يعني وافقت تيجي تعيش هنا
وبكبر كان يُجيبها
– ومتوافقش ليه ، ديه هتاخد مرتب عمرها ما حلمت بي
تعجبت “ناهد” من حديثه ، ولكنها لم تهتم بالأمر ..، دلفت “فريدة” الغرفه وقد أستمعت لعبارته متسائله
– هي مين ديه اللي هتيجي هنا
أشاحت “ناهد” وجهها للناحية الأخري ، فتمتم هو قبل أن ينصرف
– المرافقة الجديده
حركت “فريدة” رأسها ، وغادرت الغرفة خلفه ..، اتبعته حتي دلف غرفته ووقفت تتسأل ثانية
– هو أنا ممكن أروح النادي يا عامر
– اعملي اللي أنتي عايزاه يا فريدة
وهكذا كان يُعطيها الحرية في كل شئ ..، فبدأت تشعر بالضجر من الأمر ولا تعلم السبب
انتبهت إنه وقف يزيل عنه قميصه ..، وعندما التقت عيناهم ..، ظن إنها ستُغادر الغرفة ولكنها اقتربت منه ووقفت امامه تزيل عنه قميصه وتُخبره بما يُعجبها به
– تعرف إنك أكتر راجل شوفته مهتم بجسمه ، حقيقي يا عامر اللي يشوفك ميعرفش يحدد سنك
طالعها وهي تتحدث ..، لقد تكيفت “فريده” مع المكان بل وبدأت تعتاد عليه وتقترب منه
توترت وهي تراه يبتعد عنها ، بعدما أزاح عنه يديها برفق ..، انتبهت علي فعلتها ولكن لم تكن تقصد شئ ..، فهي اعتادت علي الصراحه في حديثها
– ممكن يا فريده ، تنزلي تطلبي من الخدامه تحضر العشاء
أماءت له برأسها وهي تعلم إنه يصرفها بذوق ..، فتنهد براحه بعدما رحلت من أمامه ..، يهتف لحاله وغريزته
– اوعي تضعف يا عامر ..، مافيش ست تقدرك تضعفك مهما كان جمالها ورقتها
…………..
وقفت جنه تعد لها حقيبة ثيابها ببؤس ، وقد اصبحت دموعها عالقة بأهدابها تخشي نزولها من أجلها من اجل أن لا تحزنها
– أوعي تعيطي وتقلبيها دراما ياجنه
اماءت لها “جنه” برأسها ، ولكن دموعها انسابت رغماً عنها
– بحول أتقبل إنك هتبعدي عننا يا صفا ..، لكن مش قادره
وبصعوبه ، كانت تتحكم “جنه” في دموعها ..، وحتي تُخرجها “صفا” من هذه الحاله تسالت وهي تنظر نحو الثياب
– أختارتيلي هدوم تليق بسيدات القصور
ابتسمت “جنه” بعدما مسحت دموعها ، ورمقتها بتذمر
– طبعا الليدي صفا ..، هتعيش في قصر وهتبقي من الهوانم
وهكذا بدء المزاح كعادتهم ..، ولكن كل منهن كانت تُفكر فيما سينتظرهم
“صفا” التي سترحل حتي تجني المال ..، من اجل مساعده زوج عمتها في علاجه المكلف
و “جنه” التي بدأت بالفعل تبحث عن عمل ، فقد أوشكت دراستها علي الإنتهاء
…………..
اتبعت خطوات “السيد فتحي” بعدما ترجلت من السيارة الفخمه التي نقلتها من البلده إلي قصر السيوفي .
و في بضعة خطوات قبل الصعود للدرج الرخامي، توقف “فتحي” مبهوراً ككل مرة يأتي فيها إلي هنا ،حيث يطلق عينيه للتحديق في ثراء أبناء السيوفي وما وصلوا إليه..
لم يكن حالها مُختلف عنه ..، فقد وقفت تلتف حولها تنظر للمكان برهبة وعدم تصديق إنهم بهذا الثراء الفاحش ..، ولا تعلم لما أتتها صورة هذا الرجل ..، ليس الشقيق الأكير ..، بل الأصغر الذي رأته منذ بضعة أشهر في المزرعه ..، صاحب العينين الزقاوين الذي لم يترك مخيلتها ..، فكلما قرأت كتاباً يصف فيه كاتبه الشخصيات كانت ترسمه في خيالها ثم تذهب لأحلامهم وتحلم به في حلم ليس إلا سراب تصنعه لحالها ..، وقد عانت لفترة من أحلامها الحمقاء بهذا الرجل حتي بدأت تتنساه
فاقت من شرودها ، وقد أنتبهت علي صوت “فتحي”
فتحي : طلعتي محظوظه يا صفا ، عامر بيه بنفسه يشغلك هنا عنده مرافقة للست كبيره ، والله أعلم إيه تاني ممكن يحصل
تمتم “فتحي بعبارته الأخيره ، ولم تفهم مقصده ..، فهتفت متهكمه وبصوت خافت
– حظ ، والله مافي حد عايش في الحظ غيرك يا فتحي
– بتقولي حاجة يا صفا
فطالعته بعدما حملت حقيبة ملابسها ، بعد أن أخرجها السائق لها
– لا يا أستاذ فتحي ، أنا بقول إني هفتقد شغلي معاك ..، هو في مدير زي حضرتك بيريح موظفينه
فهندم “فتحي” من جلبابه الفخم ، الذي لا يرتديه إلا في المكان التي تناسبه
– اصيله يا صفا ، وعشان كنتي موظفة مجتهده وبتسمي الكلام ..، هوصي عامر بيه عليكي .. ، ما أنتي عارفه ..
وقبل أن يتم عبارته ، كانت تهتف بدلاً عنه بتلك المعلومه التي أصبحت تحفظها عن ظهر قلب
– عارفه يا أستاذ فتحي ، صله القرابه العظيمه بينك وبين الباشا!
فتحت لهم الخادمه أخيراً ، بعدما ضجرت “صفا” من الوقوف وسماع عبارات “فتحي” الفخوره بقرابته مع عائله السيوفي ..، وكيف كان والده صديق لوالد السيد عامر
رحبت بهم الخادمه ، وقد كانت علي علم مسبق بقدومهم
– عامر بيه ، مستنيكم في مكتبه
ارشادتهم نحو المكتب ، الذي يعلم “فتحي” وجهته ..، فسار أمامها..، يفرد جسده وكأن صاحب أملاك وليس من مستخدمين هذا الرجل
وبنبرة جامده ، كان يتسأل “عامر” بعدما رفع وجهه عن الأوراق التي أمامه
– اتأخرت ليه يا فتحي ، المفروض كنت توصل هنا من ساعتين ..
فالتف “فتحي” نحو “صفا” يرمقها حانقاً ..، فهي السبب في تأخيره ..، بعدما وقفت تودع كل من أحبتهم في البلده وكأنها ستُهاجر إلي دولة أخري
– الهانم كانت بتودع أهل القرية
تمتم بها “فتحي ” متهكماً ، فرمقته بضيق لم يخفي عن “عامر” ، الذي نهض عن مقعده ..، يسألها عن أسمها مرة أخري
– قولتيلي أسمك إيه ؟
– صفا
بضيق كانت تخبره أسمها ، فضيق “عامر” عينيه غير مُصدقاً أن هذه الفتاه تُحادثه هكذا ..، رمقها “فتحي” بقوة ..، ولكنها لم تكن تأبي لنظرات فتحي فلم تعد تحت رحمته وقد تركت العمل في مكتبه ودفاتره
– أكيد عارفه وجودك هنا ليه
– مرافقه ، للهانم الكبيره
– يعني عارفة مهامك ، ولا تحبي تسمعيها
وبجمود كان يسألها ..، وقبل أن تُجيبه ..، كان يُخبرها بقواعده في منزله ..، وإذا لم تلتزم فالباب مفتوح أمامها
– طبعا في إلتزام ، واي اوامر الهانم الكبيره تقول عليها تتنفذ
أحتقنت ملامح “صفا” وهي تسمعه ..، فطالعها “فتحي” يحثها ألا تتحدث ..، فتقدم “عامر” للامام يهتف باسم إحدي الخادمات
– سعاد، سعاد
وفي ثواني كانت تدلف الخادمه ، تطرق عيناها أرضا هاتفه بخوف قد ظهر في عينيها :
– نعم ياعامر باشا
فتعلقت عيناه بالواقفة ، وسرعان ما اشاحها عنه متمتما بجمود:
– خدي المرافقة الجديده … ، للهانم !
…………..
هل اصبحت الايام تمر بهذه السرعة ، هكذا كانت تتسأل “صفا” بعدما وقفت أمام المرآة في غرفتها تُهندم ثوبها قبل أن تُغادر غرفتها وتتجه لغرفة السيدة “ناهد”
غادرت غرفتها وهي تتمني ألا تري فرداً واحداً ..، بطبع زوجة ذلك المتعجرف ..، تلك الفتاة التي رأتها في المزرعة من قبل برفقة الشقيق الذي رحل ..، الشقيق الذي تمنت أن تراه ثانية
دلفت لغرفة “السيدة ناهد” وابتسامة واسعة تشق ملامحها وقد وجدتها أستيقظت من نومها تنتظرها
– صباح الخير ، علي سيدة القصر الجميله
ابتسمت “ناهد” بحب ، لتلك الشقية التي أعادت لقلبها السعاده ، بعدما رحلت مرافقتها الحبيبة حنان
– أنتِ بكاشة يا صفا
فتعالت ضحكات “صفا” وهي تقترب منها
– طيب أكدب وادخل النار ..
واقتربت منها هامسة
– مش كفاية الذنوب اللي باخدها وأنا بتريق علي وحش القصر ..، والسفيرة عزيره
صدحت ضحكات “ناهد” هي الأخري ، وقد دمعت عيناها من شدة الضحك
– لا عامر مش وحش يا صفا ..، لكن مافيش مشكله إنك تقولي كده عن فريدة
وهتفت بملامح مستاءه تُخبرها
– مكنش نفسي يتجوز واحده زي
فلطمت “صفا” صدرها بطريقة دراميا ..، تنظر إليها
– هو يحلم يتجوز زيك ، ده أنتِ جميلة الجميلات
وهكذا كانت تأخذها “صفا” من لحظات بؤسها
– أنا كنت نسخه من فريدة يا صفا
وقبل أن تهتف بشئ أخر ، كانت “فريدة” تدلف الغرفة ..، تنظر نحو “صفا” التي تبادلها نفس الشعور في عدم تقبلها منذ أن رأتها في المزرعة
– أنتِ قاعده مكانك ..، ومساعدتيش الهانم تاخد حمامها
وسارت تدق الأرض بحذائها ، ولا تُنكر “صفا” إنها انبهرت بما ترتديه ،ولكن إلي أين ستذهب بهذه الملابس في هذا الصباح
– صباح الخير ، يا ناهد هانم
وأخيراً قد تذكرت الجالسة ، فتمتمت ناهد وهي تُحاول النهوض من فوق فراشها
– صباح الخير
قالتها ناهد بفتور ، وسرعان ما تحولت ملامحها إلي ابتسامه واسعه
– يلا يا صفا ساعديني
شعرت “فريدة” بالحنق من تجاهل ناهد ..، وإهتمامها بهذه الفتاة التي أتت من قرية ريفيه
– أهتمي ب أدوية الهانم ، أنا مش هكون موجوده طول اليوم
هتفت بها “فريدة” ، فوقفت “صفا” مكانها تسمعها ..، إنها تري الحقد في عينيها مما يجعلها لا تهتم بحديثها
– صفا بتهتم بكل حاجة تخصني يا فريدة ..، متقلقيش أنتِ روحي شوفي النادي أو الشوبينج بتاعك
حاولت أن تُدراي “فريدة” حنقها من عبارة ناهد ..، فهتفت قبل أن تغادر الغرفة بخطوات غاضبه
– أنا رايحة الشركة يا ناهد هانم ..، شكل حضرتك نسيتي إني سيدة أعمال
وهكذا كان يمضي هذا الصباح مع مغاردة فريدة القصر ، وخلاصهم من تسلطها المرضي
……..
– انتي بتعيطي ياصفا
تسألت “السيدة ناهد” بقلق ، بعدما توقف يدي صفا فوق خصلاتها الناعمه التي تمشطها لها
فابتسمت “صفا”، بعدما مسحت دموعها وهي تفيض إليها بشوقها لوالديها:
– أصل في ناس وحشوني اووي
وضحكت ضحكة منكسرة ، حزينة واردفت بدعابة تخفي خلفها حزنها
– وكده احنا خلصنا ، وعملت احلي تسريحه لسيدة القصر الجميله
فارتسمت أبتسامه سعيدة فوق ملامح” ناهد ” ، فهذه المشابغة تُغير لها مزاجها وتجعلها تُحب الحديث معها ..، رغم إنها ليست ممن يتقبلون الناس بسهوله ،
وبحنين كانت تُخبرها “ناهد” عن شوقها لمن تركها وابتعد
– عارفه يا صفا ..، بتفكريني بأحمد
خفق قلب “صفا” وهي تستمع لاسمها ، فاردفت “ناهد” بشوق
– كان بيحاول ديما يخليني مبسوطه ، ويمدح في جمالي .. ، مع اني عارفه انه راح مع الزمن خلاص ..، لكنكم بتحبوا تفرحوني باكتر حاجة بحب أسمها
ابتسمت “صفا” وهي تستمع لعبارتها الأخيره ، فعلي ما يبدو أن “السيدة ناهد ” في شبابها كانت تعشق جمالها
وبلطف كانت تُخبرها بأكثر ما اخبرتها للتو إنها تُحب أن تسمعه من الناس:
– عندك حق ياجميلة الجميلات ، هو فعلا راح بس عشان يحل مكانه الأجمل والأحلي
فارتسمت ابتسامة “ناهد ” وقد فهمت ما فعلته تلك الماكرة الصغيرة ، طيبة القلب
بدأت “ناهد” تتثاءب ، بعدما شعرت بثقل جفنيها ..، فابتسمت وهي تعدل لها وسادتها ثم سطحتها برفق
– هسيبك ترتاحي شويه
فهتفت “ناهد” قبل أن تغفو
– هو ليه عامر مبيجيش يشوفني من ساعة ما أنتِ جيتي يا صفا ..، هو عشان أطمن إن معايا حد بحبه خلاص
وقبل أن تُكمل عبارتها ، كانت تغفو دون شعور ، فحركت صفا رأسها بأسي عند سماع ما تفوهت به.. ، ودثرتها بالغطاء قبل أن تخرج من الغرفة.
ثم هتفت لحالها متهكمه
“كان الله في عون الأستاذ عامر ، اللي مش فاضي من شدة مشاغله ..، وبتزعل لما اقول عليه الوحش”
…………………………………………………………
نظرت جنه لوجه والدتها الباكي وطالعت حجرة والدها الممتلئه ببعض الفلاحين الذين تألف وجوههم
القت كتبها أرضاً واتجهت لداخل الغرفة ، وقد وقعت عيناها نحو ملامح والدها الشاحبه وقد بدء يأخذ أنفاسه بصعوبه ، ف بالتأكيد قد تعب والدها مجدداً ، أقتربت منها “صافيه” تضمها لصدرها تُطمئن حالها وتطمئنها
– ابوكي تعبان اووي ياجنه ، صمم يروح الارض النهاردة
واكملت ببكاء وهي تحتضن غاليتها
– أبوكي بيروح مننا يا بنتي
……………………………………………………..
بدء صوت ضحكاتها يعلو لأول مره منذ أن دلفت بقدميها إلى هذا القصر ..، وما جعلها أكثر راحة هي والخدم هو عودة تلك المرأة لعملها ، وبالطبع ليست إلا “فريدة” ابنة الحسب والنسب كما أصبح تنعتها الخادمات.
أخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة من فرط ضحكاتها بسبب دعابة تلك الخادمة التي تُدعي “صباح” ، تلك السيدة الطيبة ,بشوشة الوجه مع الخادمة الأخري التي تُدعي “سعاد ” والأكثر أهتماماً بأمور السيد عامر ، وتعد خادمته المفضله للوحش , كما اصبحت صفا تنعتها بهذا اللقلب
– بقي تبعتي للراجل صورة ممثله وتقوليله إنها أنتِ
ثم حدقت “صفا” بعينين متسعتين من شدة ذهولها ، وأخذت تُفلب عينها بينهم ، وعادت تنفرج شفتيها في ضحكة صاخبة مجدداً
– الخالق الناطق انتي يا صباح ، ياسبحان الله !
لم تتحمل “سعاد” كتم ضحكاتها ، فشاركة “صفا” الضحك ..، احتقنت ملامح “صباح” ، و التقطت بعدها , هاتفها الغالي علي قلبها والذي أشترته من مرتب شهرا كاملا ، وبملامح ممتعضه ووجه عبوس، ثم شرعت في مضغ علكتها:
– يعني أعمل ايه ياصفا ، أه بتسلي على النت لحد ما الاقي اللي يستاهلني
واردفت بعدما حركت لسانها فوق شفتيها بطريقة مضحكه
– بس الواد طلع قمر قمر يكونش عمرو سعد وانا مش عارفه
فحاولت “سعاد” كتم ضحكاتها ولكنها كالعادة تضحك بقوة ، فعبارات “صباح” كانت تفوق مقدرتها أن تسمعه دون أن تضحك ، ولم يكن حال “صباح” مختلف عنهم ، فتعالت ضحكاته هي الأخري :
– وحبيتي على كده ياصباح
تسألت “صفا” وهي تغمز ل “سعاد” التي تأخذ دور المستمع
فخرجت زفرات “صباح” ببطئ و بحالمية كانت تهتف ، بعدما أستندت بذقنها فوق كفيها:
– متحرجنيش بقي يا صفا
ضحكوا ثلاثتهم بقوه علي تلك السخافات الحمقاء التي يتحدثون عنها ولكنها ترفه عنهم … هدأت وتيرة أنفاسهم من شدة الضحك ، واسترخوا علي مقاعدهم بالمطبخ ..، فتذكرت “صباح” المرة لأولي , التي اجتمعت بها مع “صفا” عندما جاء بها “السيد فتحي”
– بس أنا حبيتك اووي ياصفا ، صحيح انا غلست عليكي في الاول ، عشان شوفتك بت قمر ، وشكلك بنت ناس … والغيره نهشت قلبي وأنا اقول إزاي القمر ديه هتجاور القرود دول
وأشارت بيدها نحو سعاد التي قد انشغلت في إعداد أحدي الوجبات …، وتابعت حديثها بمضغ علكتها تهتف , بعدما قذفتها سعاد بأحد المعالق
فتفادت “صباح” تلك الهجمة التي كادت أن ترتطم بها :
– مالك ياسعاد الكلمة زعلت ليه ؟..، مش أحنا قرود برضوه .. ده حتي الانسان أصله قرد
فتعالت ضحكاتهم ثانية ، فلم تعد تتحمل “صفا” ألم معدتها من شدة الضحك ..، فوضعت بيدها فوق بطنها ومالت بجسدها قليلاً حتي تهدأ ..
وسرعان ما كان الصمت يحتل المطبخ ، بعدما دلفت تلك الخادمه المخلصة للسيدة الجديدة ، صاحبة اللغات ، ذو أصول تركية .. وايضا فرنسيه لا يعلموا كيف هذا ولكن هذا ما تقصه عليهم كل ليله من أمجاد أجدادها العظماء
فريده بصرامه وهي تتحدث بعربيه غير متقنة : ضحك ممنوع ، اكل يجهز بسرعه … ، فريدة هانم علي وصول
واشارت نحو صفا بحده
: وأنتِ السيد عامر ينتظرك في غرفة مكتبه.. ، ذات اللسان الطويل
وهكذا كان اللقب الذي تنعته بها “مارجريت”
……………..
كانت هذه هي المره الثالثة التي تدلف فيها مكتبه الضخم .. ، ذو الأثاث الكلاسيكي الذي تفضله ، ولكنها لا تُفضل صاحب المكان ، ذلك الرجل الذي تشبه بالوحش
“عامر السيوفي” ، مجرد وحش بالنسبه لها
رفع “عامر” وجهه عن أوراقه ، فوجدها تقف تُطالع الغرفة بنظرات مبهورة كحال المرات السابقة ، حدق بها للحظات وهو يتذكر حديث “فريدة” معه هذا الصباح ..، فوالدته تكرهها بسبب تلك الفتاه التي تملئ أذنيها منها ، تلاقت عيناهم ..، فتنحنحت “صفا” حرجاً من نظراته ، فرمقها “عامر” بجمود
– حضرتك كنت عايزني ياأستاذ عامر
فامتقع وجه “عامر” من ذلك اللقب الذي أضافته إلى اسمه لتشعره وكأنه معلماً أمام تلميذته الحمقاء ..
فرفع أحد حاجبيه متمتماً بضيق :
– كلمة أستاذ ديه مش عجباني غيريها
فطالعتها “صفا” لثواني ، لا تستوعب ما يطلبه منها ، وبتمرد كانت تهتف بعدما شعرت بالحنق من عبارته
– بس ميس مارجريت بتقولك مستر عادي ، ومستر من استاذ متفرقش
امتقعت ملامح “عامر” ، فمن هي لتقف وتتحدث معه هكذا دون حساب وتحاوره ، قذف الأوراق التي أمامه بقوه ، ونهض عن مقعده , يرمقها بجمود وقد ظهر جسده العريض وطوله الفارع .. يهتف بصرامه أخافتها :
– مارجريت أستثناء ، ديه رئيسة الخدم .. مفهوم!
وبهمس خافت كانت تتمتم لحالها ، ولكنها سمعها
– ولا عشان قريبه من الهانم مراتك ، الليدي فريدة
ورغماً عنه كان يبتسم ، ولكنه اخفي ابتسامته سريعاً ، فلم تنتبه عليها
ابتلعت” صفا” حديثه الجامد ، الذي اشعرها بدنو مكانتها :
– تحب حضرتك أندهلك ب إيه ؟
وببساطة كانت تسألها عن أي لقب يُريد أن تضعه جوار أسمه ، فلا بأس لديها ، فتقدم “عامر” منها , يرمقها بنظرات جامدة :
– عامر بيه !
هتف عبارته ، فتعلقت عيناها به باستخفاف ، قد أنتبه إليه ..، مما زاده حنقاً منها
– تمام ياعامر بيه ، أي أوامر تانية
وبجمود كان يلقي عليها ما أراد إخبارها به
– فريدة هانم بتشتكي منك ، متنسيش هي مين هنا في القصر ..
*****
الفصل الثالث عشر
******
ابتلعت اهانته التي القاها عليها ، ارادت أن ترد له الأمر وليحدث ما يحدث ..، فلم تعيش حياتها إلا عزيزة النفس ، ولولا ما مرت به ما جاءت إلا هنا ولا عملت لدي هذا الفظ وتلك الزوجة التي لا تراها إلا , امرأة أعتادت علي نيل كل ما أرادته ، والشكوي التي ابلغتها الزوجة لزوجها , لم تكن إلا ما لم تتوقعه
– مش معني إن ناهد هانم اتعلقت بيكي بسرعة وبتحبك ..، تستغلي ده وتظهريها ديما , في صورة وحشه قدامها
تلاشي امتقاع وجهها ، وتحولت ملامحها إلي ابتسامة واسعة ساخرة ..، جعلته يُحدق بها وكل يوم لا يستوعب كيف تقف أمامه هكذا , وللأسف هو لا يتأخذ قرار طردها
: حاضرهعرف حدودي كويس، بس يا ريت تفهم زوجة حضرتك إنها بدل ما بتشتكي بعدم تقبل ناهد هانم ليها ، تسمح من وقتها وتقعد معاها شويه
هتفت عبارتها الأخيرة ساخره ، فمتقع وجه “عامر” من حديثها، واقترب منها بخطوات جامده
– مش ملاحظه إنك بتكلمي وكأنك صاحبة المكان
طالعته “صفا” في صمت بعد عبارته ، فامتعضت ملامحه ورمقها بجمود:
– اتفضلي علي شغلك
أماءت له برأسها وعلي وجهها أبتسامة سمجة ، والشكر كان للسيد “فتحي” الذي علمها لها , فليس كل وقت عليها أن تتحدث ..، وما دام تثير غيظه ..فبالتأكيد تستفزه بحديثها , ولكنها لا تُريد الطرد من اجل زوج عمتها ومصاريف علاجه ..
طالعها بحنق يقسم داخله إنها أكثر النساء برودة وسماجة..، ومن نظرته إليها ، كانت تضحك داخلها بسعاده
التفت بجسدها مغادرة , بعدما أشار إليها بأن تنصرف من أمامه ..، وقبل أن تتقدم بخطوات اخري ..، عادت تلتف بجسدها متجاهله صفاقته وأسلوبه
– ناهد هانم بتسأل ديما علي حضرتك ، ياريت توفر من وقتك القيم ، دقايق وتعالا شوفها مش هتخسر حاجه
– تعرفي إنك بتثيري غضبي يا صفا
خرجت عبارته من بين شفتيه ، بعدما أثارت غضبه من حديثها وكأنها تُحادث صديقًا لها , وليس رب عملها الذي يدفع لها المال من أجل وظيفتها لديه
تجاهلت عبارته ، والتمعت عيناها بالدموع بطريقة أدهشته ، فبعدما كانت تقف تتحداه وتثير مقته ..، أصبحت أمامه فتاة بائسة
– هيجي يوم وتتمني وجودها ، هتتمني تسمع بس صوتها .. تسمع دعوه حلوه منها … مبنحسش بقيمة الحاجات الغاليه علي قلوبنا غير لما تروح ، وبيكون الاوان فات
فتعلقت عيناه بها وقد خلت منها المشاعر ، فحركت رأسها ساخره ..، فقد تناست إنها تُحادث “عامر السيوفي” ذو القلب المتحجر
تعالا رنين الهاتف ، ولم تكن إلا مكالمة طارئه من سكرتيرة مكتبه ، تمالك مشاعره التي استطاع إخفاءها ولكنه بالفعل قد تأثر بها ..
اتجه نحو سطح مكتبه ، والتقط هاتفه وقد ضاقت عيناه وهو يضع الهاتف فوق اذنه يستمع لسكرتيرته بترقب
– يعني إيه لسا ملقتيش حد بيتقن اللغه الالمانيه ياهاله ، الاجتماع بكره يا هانم ..، بكره الاقي المترجم موجود قدامي مفهوم
والطرف الأخر كان يستمع ، دون أن يعرف كيف يحل هذا الامر في بضعة ساعات ، استمعت “صفا” لحديثه ، وابتسمت داخلها بسعاده ..، فهل ستجني بضعة أموال أخري تستطيع شراء ثياب أنيقة لها ول جنه وتشتري ما تُريده وترفه عن نفسها
– أنا بعرف أتكلم ، ألماني كويس
انتبه علي حديثها ، بعدما أنهي مكالمته مع سكرتيرته ، وبنظرة فاحصة كان يُطالعها
– أنا متفوقة في اللغه ، رغم إني مش متفوقة في اللغه الأنجليزيه
ارادت أن تثبت له صدقها ، فهذه النظرة لا تدل إلا علي شئ واحداً ..، إنه لا يُصدق إنها تمتلك مهارات عدة
– أنتِ طلعتي متعددة المواهب ، يا أستاذه صفا
تمتم بها ساخراً ، وهو يتقدم منها ..، ووقف بهيمنته قربها ,يضع بيديه في جيب سرواله
– الأنسان الناجح لازم يكون عنده مواهب كتير ..، يا عامر بيه
وبقصد كانت تضغط باسنانها فوق عبارتها الأخيرة ، امتقع وجهه من ردها
وبحده كان يهتف
– صبري ليه حدود يا أستاذه صفا
والتف بجسده عنها ، وعاد لمكتبه يلتقط أحد الملفات ..، وأتجه إليها مجدداً تحت نظراتها المترقبة
– ده الملف اللي هنتناقش فيه بكره ، ياريت تدرسيه كويس
وبسعاده كانت تلتقط منه الملف ، تنظر لصفحاته القليله هاتفه بحماس
– حاضر
ابتسم رغماً عنه ، فهذه الفتاه مزيجً غريبً لم يلتقي به من قبل
– للاسف مضطر أثق فيكي يا استاذه صفا ..
وبنبرة حازمه كان يردف ، وقد تلاشي حماسها وتحول لعبوس
– وأنا مبديش ثقتي في الناس غير مره واحده
انتابها القلق من حديثه ، ولكنها عادت لثباتها فهتفت علي الفور
– هحتاجك بكره في الشركة
استمعت لعبارته الأخيرة، وهي تدلف للغرفة.. ،فتسألت وهي تتجاوز “صفا”، بعدما رمقتها بنظرة أصبحت تفهمها
– هتحتاجها الشركه ليه ؟ ، مش هي مرافقة برضوه ولا أنا بيتهيألي
– اتفضلي أنتِ يا استاذه صفا
تجاهل سؤال فريدة، فقد أصبح يضجر من تداخلها في الكثير من الأشياء..، اقتربت منه فتنهد وقد عاد لمطالعة أوراقه
– اكيد شغل يا فريده، وممكن تتفضلي عشان ورايا شغل
اتسعت عيناها من عبارته، تنظر إليه متعجبه من تغيره معاها..، انسحبت من أمامه، تتسأل داخلها لماذا تغير عامر معها هكذا ؟
رفع عيناه عن الأوراق يحدق بطيفها، يخبر حاله.. ان ما يفعله هو الأصح..،فإذا أرادت أن يكون لها بصمه في منزله..، ستكون زوجة فعليه..، ولكن زيجتهم.. تمت لأنقاذ الموقف
…….
كانت “صفا” سعيدة وهي تخبر “جنه” عما حصلت عليه اليوم
– أول ما هاخد مرتبي، هبعتهولك علطول يا جنه..، متخليش عمتي ولا عمي صابر يحتاجوا حاجه
وجنه كانت لا تقوى علي الحديث، و لا تُريد إفساد فرحتها
– لا وكمان ناويه انزل اشتري ليا وليكي طقمين حلوين.. ،
وبأمر كانت تُخبرها، حتي تري سعادتها بتخرجها
– واحضري حفله التخرج..، هبعتلك فلوسهم والفستان كمان
دمعت عينين “جنه” وهي تستمع إليها، ف صفا تُريد إسعادهم بكافة الطرق، “صفا ” , ابنه خالها الفتاة المدلله التي لم تتحمل عبأ أي شئ في حياة والديها..، أصبحت الأن تسعي من أجل أن توفر لهم حاجتهم
– جنه، انتِ مبترديش عليا ليه، سيباني اكلم نفسي
وبدعابه كانت تُمازحها، ولكن توقفت عن دعابتها عندما بدء الشك يراودها
– جنه هو في حاجة حصلت لعمي صابر أو عمتي
لم تتحمل “جنه” الصمود أكثر، وإخفاء عنها الأمر.. ،وانفجرت في بكاء مرير
– بابا تعب تاني يا صفا
فانتفصت “صفا” من فوق فراشها مذعورة، تتسأل بقلق
– جنه، براحه كده وفهميني إيه اللي حصل تاني
وبدأت تقص عليها، ما حدث صباح أمس ..، من تعب والدها مجدداً، وإخبار الطبيب لهم انه لا بد أن يتم إجراء عمليه.. فالقلب أصبح لا يتحمل الجهد
– الدكتور قالي، هيحط اسمه في قائمه الناس المنتظرة علي نفقة الدولة
وحاولت أن ترى الموضوع بأمل
– قالي دوره ممكن بعد شهر، والحاله تقدر تستنى..، بس أنا خايفه اوي يا صفا
لم يكن حال “صفا” يختلف عنها، فاغمضت عيناها بأسي وقله حيله
– العمليه هتكلف كام يا جنه
استمعت لرقم المبلغ، فعادت تهوي فوق فراشها
– مش قدامنا حاجه غير إننا نستني الدور ..، يمكن يطلعوا صادقين
تمتمت بها “جنه” وهي تعلم أن الأمر لن يحدث، فهناك حالات أخرى تنتظر مثل والدها ، ومن يُحالفه الحظ سيكون دوره
– أنا بفكر أروح لاعمامي يا صفا، مش حرام ده يحصل لينا وهما عايشين في عز، ده مهما كان أخوهم
– اوعي يا جنه، عمي صابر هيزعل منك.. ،دول مقاطعينكم من زمان ولا عمرهم سألوا عليكم
فهتفت بقلة حيله
– يمكن الدم ميبقاش ميه يا صفا، وقلبهم يحن
ارتسم الحزن فوق ملامح “صفا” وهي تستمع لنبرة أبنة عمتها، وقد أصبحت تحمل الهموم كحالها
– اصبري شويه يا جنه، ولما ملقيناش حل..، يبقى مقدمناش غير إنك تروحي ليهم
……………….
أرتجفت قدميها وهي تخطو بأول خطوه داخل هذا الصرح الضخم ، فلمعت عيناها من رؤية ضخامة وفخامة البناء الذي يدل علي مكانته العالية في عالم المال والمعمار
وتعلقت عيناها بالفناء الواسع ، تتأمل كل من حولها من موظفين يعملون كخلية النحل
وقف امامها موظف الأمن يسألها عن وجهتها:
– افندم ياأنسه
فتنحنحت صفا بحرج وقد تمالكت إنبهارها اللعين:
– انا عندي ميعاد مع عامر ..
وتذكرت رغبته الديكتاتورية في وضع الألقاب على حسب ما يهوي
فاردفت بجديه :
– عامر بيه
فتجه موظف الأمن بها ، نحو إحدي موظفات يسألها إذا كان لديها علم ، ابتسمت وهي تري الموظفه تُخبرها إنه ينتظرها بل وبعالجة فالأجتماع سيبدء بعد خمسه عشر دقيقه ..، رافقها موظف الأمن نحو المصعد , متمنياً له يوماً جيداً ..، وبنظة خاطفة قبل أن يصعد المصعد كانت تلقي بنظرة أخري نحو المكان
– بقيتي تتعملي باحترام يا صفا ، لا وبيتقالي بنتمنالك يوم سعيد ..، شكل عامر بيه قايم بدور عظيم في شركته ..، عقبال يا يقوم به في القصر ويرحمنا من عجرفة مراته ..، الليدي فريدة
………………………………………………………..
حدق بأخر ورقة من أوراق الملف القابع بين يديه ، وقد درسه مجدداً بنظرات سريعة متقنة
أغلقه أخيراً بهدوء تام ، وأسترخي بجسده بارتياح , ينظر نحو القابع أمامه
ابتسم له صديقه ، وقد عاد اخيراً من رحلة غربته في ألمانيا ، ومعه تلك الصفقة التي ستجمع بين شركته وشركة المانيه في مجال محركات السيارات ، وهذا بعيداً عن نمط شركات السيوفي
اكرم : ها ياعامر .. فاضل ربع ساعه علي الاجتماع مع الناس , وانت لسا بتفكر
فمال “عامر” نحو سطح مكتبه ، وبثبات كان يستند بساعده فوقه ، يرفع احد الاقلام .. وقد بدء بالطرق به علي سطح مكتبه ، تلاشي حديثه عن الصفقة التي بالفعل قرر السير بها ، وتسأل وهو يري تغير صديقه
– بس الغربه غيرتك يا أكرم ، بقيت بيزنس مان شاطر
طالعه “أكرم” بسعادة ،وقد إستنتج من حديثه ، بوافقته فكهذا هو دوماً “عامر السيوفي ..”
– وأنت لسا زي ما أنت يا ابن السيوفي ..، بتعرف تراوغ اللي قدامك صح
هتف بها “أكرم” ، فصدحت ضحكات “عامر” وهو يستمع لرأي صديقه
– انا موافق علي الصفقه يا أكرم
وفضول كان يقتحم “عامر” ، كان يتسأل عن حياة صديقه ..، ومن ملامحه ونجاحه يبدو إنها استقر بحياته وقد تلاشي أمر زيجته الأولي
– سمعت انك اتجوزت !
فنهض “أكرم” عن مقعده ، واشعل سيجارته ثم دسها بين شفتيه متمتماً ، بعدما زفر أنفاسه المعبئة برائحتها:
– لقيت الشغل والغربه هيسرقوا من عمري فقولت الحق اتجوز وأخلف ،… اومال كل النجاح ده هسيبه لمين ..، وبصراحه حبيتها
ضحك “عامر” علي عبارته الأخيره ..، فكذا هم يراوغون في مشاعر الحب ولا يعترفون به
– عايز تفهمني إن بنات الطبقات العالية والأصول العريقة .. يهمها تخلف وتربي …
وتابع بنفس لهجته الساخرة وقد تذكر “فريدة ” التي هي بعيده تماماً عن صورة النساء اللاتي يراهم تصلح لهذه المهمه :
– ده اهم حاجه عندهم الموضه والحفلات والسفر وتجمعات النوادي الهيفه
– شكلك بتعاني يا صديقي
تجهمت ملامح “عامر” ، عندما قذف له “أكرم” الكره ..، ولكنه كان يعلم نهاية زيجته من فريده ولم يخطط لأستمرارها ولن يفعل هذا بنفسه
لاحظ “اكرم” نظرته ، فتفادي الحديث عن حياة صديقه وتلك الزيجة السريعه التي سمعه عنها من الصحافة ، ف “عامر” لا يُحب الحديث عن حياته الخاصه
وبخطوات معدوده ، كان يتحرك “اكرم” نحو بعض الصور المعلقة علي الجدار ..، يخبره عن شريكة حياته التي أختارها
– أنا اتجوزت موظفه عندي .. عجبتني فاتجوزتها … ، من عيله مصريه مستواها المادي متوسط بتشتغل هي واخوها في المانيا .. يعني ولا وسط استقراطي ولا من طبقتي الاجتماعيه ، ولا من أختيار العائله زي الزيجة الأولي اللي فشلت .. ، بصراحه ابهرني تفكيرها وتدينها وحسيت إن هي ديه الزوجه اللي هكون مطمن وانا بديها اسمي .. وتكون ام ولادي
وضحك متهكماً علي حال الانسان
– شوفت أكرم حمدان ، اللي كان بيكره مظاهر التدين في الستات ، بقي بيشجع لأي راجل إنه يظفر فعلا بذات الدين
أقتطب “عامر” حاجبيه ، وقد أذهله حديث صديقه ، الذي كان أكثر الناس معرفة بخصاله
– عالم الفلوس والشغل بيسرقوا من عمرك ، ياعامر
فاقترب عامر هو الاخر من تلك الصوره المعلقه ولم تكن إلا لوالده ، يهتف بمشاعر مضطربه :
– جوازي من فريدة كان لأنقاذ الموقف،كنت فاكر ممكن تحصل مشاعر بينا وقدر أتجاوز فكرة إني كنت مرشحها لأحمد وإنها كانت بتحبه .. ، حتي زمان فشلت مع أميرة ، مقدرتش تستحملني .. ، ومنكرش إني ظلمتها بجوازنا السري
تفهم “أكرم” زيجة صديقه
– الجواز ، اكتر خطوه بتحسسنا بمشاعرنا ..، يمكن عشان بنتعري قدام بعض في كل حاجة ..
ساد الصمت بينهم ، وقد شعر بمشاعر صديقه
– انا بقي عندي أيهم دلوقتي يا عامر وقريب هيجلي فرد جديد
اراد أن يبتعد بحديثه قليلاً عما يورق صديقه ، فابتسم “عامر” بسعاده
اطرقت سكرتيرته الباب وعلي مايبدو قد أتي وقت الأجتماع ، دلفت مكتبه بخطي منضبطة وخلفها تلك المرتبكة قليلاً ، صاحبة العيون الخضراء والحجاب البسيط المنمق ، وفستانها الفضفاض ذو الحزام الفضي اللامع الذي يتوسط خصرها
فوقعت نظرات “عامر” عليها ، قد طال تأمله لها رغماً عنها ، تفرك كفيها بتوتر ، وتطرق رأسها خجلاً ..، وكالعاده لا يفهم هذه الفتاه .. هل هي جريئة الطبع أم خجولة ولكنها كانت تكتسب إحترامه يوماً عن يوم بطريقة يتعجبها من حاله
وتحت نظرات “أكرم” المتسائله عن هويتها ، وإنتظار السكرتيره لأوامره ..، كان يهتف بجديه :
– خدي انسه صفا ، وفهميها الاجتماع هيكون ازاي وديها العقود .. ، مافيش وقت ياهاله !
أشار إليهم بالخروج بفظاظه أعتادت عليها منه ، فتحركت خلف سكرتيرته ، تهتف بحنق وملامح ممتعضه ، وقد سمعها كعادته رغم همسها , وهكذا كان يتأكد أن التي كانت واقفه أمامه “صفا” وليست شبيهتها
– مافيش حتي كلمة اهلا .. نورتي الشركه ، شخص غريب الطبع
وبعدما اصبحوا الصديقين بمفردهما مجدداً ، أنفجر “أكرم ضاحكاً “، مُقتربًا منه:
– جميلة اووي البنت ديه ، بس لسانها طويل شوية
……………….
جلست “فريدة” برفقة عمتها في حديقة القصر، بعدما أتت لرؤيتها..، طالعت أبنة شقيقها وهي تتخذ دور السيدة أمام الخادمه تُلقي عليها الأوامر بحده
انصرفت الخادمه، تنفذ لها اوامرها، فابتسمت “كريمه” وهي تفحصها بنظراتها
– ما دام بقيتي متقمسه الدور في القصر، يبقى فعلي جوازك يا فريده
سعلت بقوة، بعدما وقفت بضعة قطرات من عصيرها في حلقها، رمقتها “السيدة كريمه” بترقب حتي مسحت قطرات العصير من حول شفتيها
– جواز إيه اللي أفعله يا عمتو، أنا و عامر متفقين علي مدة جوازنا وهننفصل..، ما انتِ عارفه
اماءت لها “كريمه” برأسها، فهي تعرف بهذا القرار بل ورحبت به.. لأنها لم تراها إلا زيجة فاشله.. ،مصيرها سيكون الانفصال
– عارفه يا فريدة، لكن محسن مش عارف ده..، ده بقى بيسألني بقيتي حامل ولا لاء
عاد سعالها بقوة تلك المرة، لا تستوعب ما تخبرها به عمتها، فانفرجت شفتيها في ضحكة قوية وقد المتها معدتها
– يبقى محسن بيه هينتظر علي الفاضي
– وليه ينتظر علي الفاضي يا فريدة، ما ممكن يتحقق عادي
باغتتها عمتها بعبارتها، فاتسعت حدقتيها لا تُصدق ما تتحدث به عمتها معها بل وبتلك الجدية
– أنا شايفه إن محسن اختار ليكي حياة تليق بيكي، وعامر السيوفي من كلامك عليه مش راجل صعب، يمكن جاد وصارم لكن مش صعب..، والنقطه ديه ممكن تتغير لما يكون في علاقة بينكم
فهمت ما ترمي إليه عمتها، فضيقت عيناها.. ،فما الذي جعل قرار عمتها يتغير وتصبح داعمه لاستمرار زيجتها من عامر
– في الفترة البسيطه ديه عرفتي تشوفي طباع عامر يا عمتي
وبتعقل كانت تخبرها “كريمه”
– حكمت عليه من كلامك عنه يا فريده
– بس هو مبيحبنيش
التمعت عينين “كريمه”، فعلي ما يبدو أن الأمر بدء يتسرب لداخل عقل صغيرتها، و فريدة بدأت تقتنع
– وهتحبوا بعض إزاي وانتم متفقين علي الطلاق
وبضياع أصبح يُلازمها، هتفت
– أنا لسا بحب احمد يا عمتو
كانت تشعر “كريمه” بضياعها بل تراه أيضا في عينيها ولكنها كانت تُريد لها السعاده، التي أصبحت تراها لها في هذا البيت
– انتِ واحمد علاقتكم بقت مستحيله يا فريدة، ولو كان في أمل زمان..، دلوقتي الأمل ضاع بجوازك من عامر، خليكي ذكيه ومتخرجيش خسرانه من كل معاركك
وكأنها بدأت للتو تستوعب حديث عمتها، صمتت عن الحديث واخذت تحدق بمساحة القصر الواسعه
– مين البنت ديه يا فريدة
انتبهت علي نظرات عمتها المصوبة نحو “صفا” التي اخذت تسير في الحديقه تتحدث في هاتفها وكأنها في منزلها
نهضت علي الفور من جلستها، تخبر عمتها بهويتها
– ديه مرافقة ناهد هانم، تقدري تقولي خدامه بس شايفه نفسها شويه
واسرعت في خطواتها، تحت نظرات عمتها وضحكتها..، فعلي ما يبدو أن ابنة شقيقها لا تحب هذه الفتاه
– والهانم مش عارفه إن عندي ضيوف، ولا بقيتي فاكره القصر بيتك
تجمدت ملامح “صفا” وهي ترفع هاتفها عن اذنها..، التفت نحوها تُطالعها، ف اقتربت منها ” فريدة”
– مش معنى إن ناهد هانم بتحبك مقدرش اطردك
التمعت عينين “صفا” بكره، فمن هي لتُحادثها هكذا، إنها أصبحت علي درايه بعلاقتها بالسيد عامر، ومن حديث الخدم والسيدة ناهد عن تلك الزيجة، فأنها ليست إلا ضيفة هنا
– هي حديقة القصر من الممتلكات ، اللي بيتمنع المشي فيها
احتدت ملامح “فريدة”، وقبل أن تهتف بشئ يزيد الأمر..، كانت ” صفا” ترحل من أمامها.. غير عابئة بشئ.. ،فقد أصبح لديها وظيفه أخرى في شركة “السيد عامر” من أجل ترجمه العقود الخاصه بالصفقة الجديده للشركة وعلي ما يبدو أن الصفقة مستمره لاشهر
اقتربت منها عمتها، بعدما شاهدت الوضع من بعيد
– البنت حلوه يا فريدة
وكأنها كان ينقصها تلك العبارة التي تعلمها تماماً، وتجعلها تحقد عليها
– وكمان باين عليها ليها حضور
وعمتها تزيد الأمر عليها، بكلماتها التي تعرف هدفها
……….
ضحك “عامر” بملئ شدقيه وهو يستمع لشقيقه عن إحدى الطرائف التي حدثت معه، سارت نحو الدرج ولكنها انتبهت علي صوت ضحكاته ولأول مرة تسمعه يضحك هكذا..، اقتربت من غرفة مكتبه ولم يكن بابها موصداً..، فاستطاعت الدلوف بهدوء ولم يشعر بها.. ،ووقفت تنظر نحو ظهره المقابل لها..، وحديث عمتها منذ تلك الليلة يقتحم عقلها..، عامر يتمتع بالحضور والجسد الرجولي القوي، جسداً يجعلك تشعر بالرهبة من صاحبه، فالتمعت عيناها وهي تفحصه، وقد جاءت تلك الذكرى التي كانت سبب جمعهم.
” لو كنت ِ بتنفري منه يا فريدة، مكنتيش ليلتها قربتي منه، حتى لو كان عقلك مغيب ومش حاسه بحاجة..”
وحديث عمتها، ها هو يطرق رأسها، ولكن كل شئ ضاع في لحظة وهي تستمع لحديثه
– طبعاً عايز تنهي المكالمه عشان متتأخرش عليها.. ،مش هتقولي اسمها إيه
وعادت ضحكاته تعلو، عندما أستمع لضجر شقيقه، فالرفيقة ليست إلا سيدة يجمعه بها الصداقه لا أكثر ولم تكن إلا أميره ..، ولأنه في مزاج يسمح له بالدعابات فلم يهتم بتذمر شقيقه
– مش هتقولي اسمها إيه، يا احمد
تجمدت عينين “فريدة” وهي تلتقط عباراته المازحه، فهل يرافق “احمد” امرأه وتركها تعيش بؤس رحيله..، هل صدق والدها عندما اخبرها، أن الحب إذا وضع في طريق المرء..، جعل صاحبه هو الخاسر ”
مشاعر متضاربه كانت تخترق عقلها وقلبها..، وبهدوء كما دلفت الغرفة كانت تخرج منها..، ولكنها توقفت مكانها وهي تستمع لصوته بعدما أنهى مكالمته معه شقيقه
– كنتِ محتاجه حاجه يا فريده
التفت صوبه، ومن نظرة واحده نحوها.. ،كان يعلم إنها استمعت لمكالمته مع شقيقه..، أرادت أن تخبره عن “صفا” ولكن تراجعت في آخر لحظه..، فما تفعله من شكوي أصبح يعود عليها.. ،ف صفا قد نالت تقديره وخاصه السيدة ناهد، وما عليها إلا الصبر حتي تستيطع طردها بسهوله
– ممكن نتفرج علي فيلم سوا
ولم يكن عرضها ، إلا إخفاء للموقف..، ولم يكن هو إلا بارع في التقاط النقاط الصغيرة..
– مافيش مشكله يا فريدة، شوفي هتختاري فيلم إيه لأني مش من هواه الأفلام
التمعت عيناها في ابتسامة سريعه، حاولت رسمها..
– اوك، هختار انا
القت عبارتها، وغادرت تحت نظراته.. ،إنه بات يفهمها للأسف..، وبات يخشى عليها من نفسها
وشئ داخله كان يهتف
” ليست هي المرأة المطلوبه في حياتك يا عامر”
……
تفاجأ باختيارها لغرفته، وقد اعدت المكان بلمسات بسيطة..، طالعها بذهول وهو يتسأل
– ليه في اوضتي يا فريدة ؟
والجواب لم يكن يحتاج لتفكيرها
– شاشة التلفزيون هنا أكبر
اقتنع بعض الشئ وتقدم منها يجلس علي طرف الأريكه
– شغلي طيب الفيلم..
ونظر نحو ساعته، فالوقت قد اقترب من العاشرة مساء ..، جلس باستقراطية، فرمقته مبتسمه..، وقد راقتها وضيعة جلوسه.. ،ف عامر هو الأسد في هذا القصر وكل شئ في قبضه يده.. ، بدأت خصال والدها التي ورثتها منه تسيطر عليها بالتملك خاصة كلما تذكرت المكالمه التي استمعت لها بين عامر واحمد
طرقات خفيفة كانت تدق فوق باب الغرفه، وبلطف وثقة كانت تدلف “صفا” الغرفه، تضع أمامهم مشروب تتقن صنيعه بشدة، وقد اخبرتها الواقفة بنظراتها الماكرة، أنها احبت هذا المشروب منها، والحقيقة كانت تفهمها “صفا” ف فريدة لم تفعل ذلك إلا لتخبرها بمكانتها
– مدام فريدة قالتلي إن المشروب الخاص بيا، عجبها..، اتمنى المرادي يعجبها ويعجبك يا عامر بيه
ابتسم “عامر” وهو يرمق الكوب..، وقد اعتدل في جلوسه..، مما جعل فريدة تزداد حنقاً منها، فلما تنال هذه الفتاه تقديره هكذا
– شكرا يا صفا
وبتكلف كانت تهتف فريدة هي الأخرى رغما عنها
– شكرا يا صفا
غادرت “صفا” الغرفة وقد شقت ابتسامتها ملامحها، فلم تنتصر عليها “فريدة” كما أرادت ولم تشعرها بدنو مكانتها..
تجاهل “عامر” الأمر، وانتظرها تتوقف عن زفر أنفاسها بحنق، رمقته وهو يلتقط الكوب ويرتشف رشفة منه
– فعلا عندها مواهب كتير
امتدحها، ف تجهمت ملامح “فريدة” وضغطت علي زر التحكم لتبدء اول لقطات الفيلم..، ولم يكن إلا فيلم رومانسي.. بارد المشاعر ولكنه تجاوز الأمر وجلس يشاهده معها..، يستمع إلى عباراتها الحماسيه..
علقت عيناها به، وقد ظهر عليه الضجر.. ،وقد اشاح عيناه عن المشهد الجرئ الذي يُعرض
انتبهت “فريدة ” عليه وابتسمت داخلها وهي تنهض من جلستها، وبقرار قد اتخذته وحسمته مع عقلها..، كانت تطبق المشهد معه..، وهو لم يكن إلا في صدمه لا يبادلها شئ
***
الفصل الرابع عشر
******
والمرأة حينا لا تفهم مشاعرها وماذا تُريد تكون وحدها الخاسرة
استطاعت أن تُحرك غريزته ورغم عدم إستجابته في البدايه إلا إنه رجلاً وبين ذراعيه امرأة جميله وراغبة به..،
تعلقت عيناها به بعدما ابتعد عنها، ينظر إليه يستوعب، متى وكيف أصبحوا فوق الفراش يتبادل معها جنونها.. جنون يأخذهم لطريق يعرف نهايته..، هو و فريدة اقطاب مختلفه.. ، طالعته في صدمه وهي تراه يعتدل بجسده، ويطرق رأسه أرضاً، يزفر أنفاسه لعله يتمالك حاله ويستوعب ما كان سيحدث بينهم
بهتت ملامحها وهي لا تُصدق إنه نفرها بهذه الطريقه، وطعنتان في القلب لامرأة مثلها كان أصعب ما يكون،
والعبارة تتردد داخل عقلها
” هتخرجي خسرانه من معاركك”
وهذه كانت معركتها، أن تنال ” عامر السيوفي “، أن تثبت” لأحمد السيوفي ” إنها تخطته كما تخطاها من حياته بل واصبحت زوجة فعليه شقيقه..، بل وملكت قلبه وأصبح في بنصرها تديره كما تُريد
والأهم أن تثبت لوالدها، إنها وحدها من تقرر الأمر..، دائرة مغلقة من الأفكار كانت تدور داخلها..
– المفروض ده ميحصلش بينا يا فريدة
تمتم” عامر ” عبارته وهو يزفر أنفاسه بثقل، فسلطت عيناها فوق ظهرها وقد اصابتها كلمته
– لكن أنا عايزاه
تجمدت ملامحه، والتف نحوها ينظر إليها متفرساً ملامحه.. ،وبعبارات لم يصدق إنه سيسمعها منها.. ،كانت تُخبرها عن حاجتها للأمر
– ديه غريزة يا فريدة، لو الموضوع تم بينا مش هنكون غير بنشبع غريزتنا
وببساطة كانت تتقبل كلمته، تخبره بحقيقة وضعتها عمتها صوب عينيها
– أنا محستش بالنفور وانت بتلمسني، حسيت إني عايزاك فعلا يا عامر
التمعت عيناه، فقد اختارت الكلمات الصحيحه لتُلقيها علي رجلاً ك ” عامر السيوفي ”
– جوازنا نهايته الطلاق يا فريده
اماءت له برأسها، واقتربت منه بعدما وجدت الرغبه تعود في عينيه
– مش هنخسر حاجة
جذبتها إليه وهي سعيده بانتصارها، شعرت بالاكتمال وهي بين ذراعيها ولكن تجاهلت هذا الشعور، وابتسمت بزهو ..
غفا قربها وقد توسدت صدره، تنظر إليه.. ،ابتسمت وهي تري هيئتهم هكذا.. ، فقد ملكت الأسد وستنال من “أحمد السيوفي”،
سلطها شيطانها علي نفسها، والتقطت هاتفها تلتقط لها صوره وهي في حضنه
وفي رساله كانت تبعث له الصوره، تُخبره إنها مضت بحياتها مع شقيقه
وبابتسامه واسعه كانت تعود لحضنه مجدداً
……….
في الصباح، كان يفتح عينيه وهو يشعر بثقلها فوق صدره، طالعها وهو لا يُصدق إنه أتم زيجته بها، ابعدها عن برفق.. ،
اتكأ فوق ذراعه يُحدق بها، فتحت عيناها ببطئ لتجده يُطالعها بنظراته الثاقبه، فابتسمت وهي تتماطأ جواره
– صباح الخير
وقد كانت هناك جولة أخرى، جولة اتخذ فيه قراره..، سينسي ما جمعه ي فريدة من قبل ويبدء معها صفحة جديده، فهو بالفعل أصبح يُريد زوجه وطفلاً يحمل اسمه
وعلي ضحكات عاليه، كانت تفر منه هاربه، لا تستوعب هذا الرجل هو “عامر السيوفي”، اتجهت نحو المرحاض تهتف داخله
– عندك اجتماع مهم، بعد ساعه يا عامر باشا
– مش مشكله نلغيه
وابتسم وهو يرتخي بجسده فوق الفراش بإنتشاء، صدح رنين قصير من الهاتف ، ولم تكن إلا رسالة نصيه..، التقطه وهو يظن إنه هاتفه..، ولكن عندما وقعت عيناه علي خلفيته أدرك خطأه.. وضعه مكانه، ولكن إنبعاث رساله أخرى.. ،جعلته يركز في اسم المرسل..، إنه شقيقه
وبفضول كان يفتح الرسائل، وشقيقه يُخبرها بفداحة ما فعلته بشقيقه، وأنها لن يتهوان إذا تكرر الأمر ثانيه..، كان يُحدق بالكلام وبذلك الخط الذي يُخبره أن رسائلها قد محتها..، فما الذي محته وجعل شقيقه يُراسلها ويخبرها بهذه الكلمات
عبث في ملفات هاتفها ومن حسن حظه أنه كان يعلم الرقم السري الخاص بالتطبيقات لديها..، أستمع لصوت المياة تتوقف وصوتها بالداخل تخبره باقتراح
– إيه رأيك نفطر بره سوا
– عامر أنت سامعني
ولو كان “عامر”، هو ذات الشخص الذي استيقظ في الصباح، يري العالم والنساء في صورة أخرى، لكان وافق علي الفور، لكان منحها ما تُريده، بل جعلها تري رجلاً اخر
خرجت من المرحاض، تستعجب صمته.. ،ومن هيئته كانت تشعر بوجود خطب ما، فتسألت بقلق وهي تقترب منه
– في حاجة حصلت
والاجابه كانت تحصل عليها وهي تراه يقبض فوق هاتفها.. ،يريها الصوره التي بعثتها لشقيقه
– عامر
وصفعة قويه كانت تلطم وجنتها، بل الصفعة أصبحت صفعات
– مكنتش فاكرك بالحقارة ديه
– عامر ارجوك اسمعني
وهو كان اشبه بالوحش الذي اوقدت نيرانه
– بقى انا تعملي كده فيا يا بنت محسن
صراخها تعالا، وقد وقفت “صفا” خارج الغرفة، تشعر بالصدمه وهي تستمع إليهم
– أنا الغلطان من الأول، قولت أقف جانبك واسترك من كلام الصحافه، وفي الاخر تعضي ايدي وطلعيني مغفل
وكلما تذكر الصوره، كان الغضب يشتعل داخله
– وجوزك في بيتي كان غلط من الاول، انتِ طالق، طالق، طالق
ألقاها عليها وغادر الغرفه..، وتوقف مكانه وهو يري “صفا” الواقفة… ،تضع بيدها فوق شفتيها من الصدمه
– عارفه لو كلمك طلعت، هندمك علي حياتك.. سامعه
ارتجفت “صفا” في وقفتها، واماءت له برأسها قبل أن تسرع في خطواتها عائدة لغرفتها..، تحاول أن تستوعب ما سمعته
…….
وقف الخدم يتهامسون عن الأمر، غير مصدقين ما حدث، ف ليلة أمس غفت العروس التي كانت تعيش في غرفة منفصله في غرفة سيدهم، و في الصباح كان يتلامزون بين بعضهم بتأخر السيد عن موعد استيقاظه
– مش معقول تكون مطلعتش بنت
هتفت بها “سعاد” وهي تنظر نحو “صباح” رفيقتها و “صفا” التي لم تندمج معهم بحديثهم
– لا بنت يا سعاد، متتهميش البنت في شرفها
– وانتِ عرفتي إزاي
وصباح كانت ترمقها بعينيها، لا تُصدق غباءها.. ،استوعبت “سعاد” الأمر، ف رفيقتها هي من نظفت الغرفة التي انقلبت رأس علي عقب
– كفايه يا جماعه، اللي بنعمله حرام
اماءوا لها برؤسهم، مقتنعين ما تخبرهم به
– بصراحه أنا فرحانه إنها مشيت
ومثلما تمتمت “سعاد “، كانت “صباح ” تهتف مثلها ولكن مشفقة عليها.. ،فلم تكمل شهرين علي زواجها ورحلت من المنزل بوجه مكدوم مطلقه
– الايام الجايه هتكون صعبه علي البيه، وهيطلع غضبه علينا
وصفا تجلس مستمعه لا أكثر، فالحقيقه وحدها من تعلمها، ولأول مره كانت تشفق علي هذا الرجل
………
كانت هذه المقابله هي المقابلة الثالثه لهم ، مقابله قد دعاها هو هذه المرة ..، بعد تلك الليله التي قضاها ساهداً ..، لا يُصدق ما فعلته فريده
– أنا حقيقي محظوظه إنك دعتني النهارده يا بشمهندس
فابتسم احمد بلطف مصطنع
– محتاج حد أتكلم معاه يا أميره ، هتقدري تسمعيني
أتسعت حدقتيها غير مصدقه ما يطلبه منها ، ومن نبرته كانت تشعر بيأسه ، اماءت له برأسها ..، وانتظرت أن يتحدث ..، وقد فاض لها بما يعتليه وهو لا يعرف لما يتحدث معها في أمور هكذا ..، هل لانها أكبر سناً منه أم ماذا ؟
……………………………………………………..
اتكأ برأسه فوق سطح مكتبه، بعدما أطفأ عقب سيجارته العشرون، لقد عاد يُدخن بشراهة، بعد أن اقلع عن الأمر منذ سنوات.. ، اغمض عينيه وهو يري هاتفه يضئ برقم شقيقه
التقطه بصعوبه يفتح الخط وينتظر سماعه
– عامر
– متقولش حاجة يا احمد، ديه كانت غلطتي من البدايه..، فريده هي ناهد هانم
تنهد “احمد” بثقل وهو يُدلك عنقه وقد شعر بالوجع على ما أصاب شقيقه
– عامر، أنا قلقان عليك..، لو كان ينفع انزل مصر حاليا، كنت نزلت
– بالعكس يا احمد، بعدك افضل حاليا ليا
– أنا اسف يا عامر
انتهت المكالمه، وقد انهاها “عامر” بعدما شعر يقدم قدرته علي الحديث مع شقيقه..، تسأل داخلها..، ماذا كان سيحدث إذا ظل كالمغفل معها .. ،هل كان سيخسر شقيقه
طرقت الخادمه الباب وقبل أن تدلف غرفة مكتبه، كان “محسن” يدفعها من امامه بقسوة
– تطلق بنتي وتضربها يا ابن السيوفي
وبجمود كان ينهض عن مقعده، يرمقه بنظرات قويه، وسرعان مت كان ينفجر ضاحكاً
– بنتك اللي كنت مخطط تجوزهالي، وانا بغبائي سعيت اجوزها لاخويا.. ، وبغباء اكبر اتجوزتها
– هفضحك يا عامر، في كل مكان..، هقول عليك مش راجل
احتدت ملامح “عامر” وهو يستمع لعبارته
– ماهو االي بيضرب واحده ست، ميبقاش راجل
وبقوة كان يدفعها نحو الحائط، يزمجر به، وعبارته تتردد داخل أذنيه
– الراجل ده، لو فضح بنتك المحترمه، الناس هتصقف ليه.. ،بنتك المحترمه اللي كنت فاكرها متربيه…، طلعت اسوء ما يمكن
ازدرد “محسن “لعابه، يتذكر أبنته وهي تتوسل إليه، ألا يذهب له..، ويكفيها ما حدث لها من هذه العائله
– عايز تعرف بنتك أطلقت ليه، في يوم صباحيتها
اتسعت عينين “محسن” وهو يخشى سماع تلك الكلمه، وبصعوبة كان يتسأل
– هو انتوا كنتوا لسا…
انفرجت شفتي عامر في ضحكة قويه وهو يبتعد عنه، لا يُصدق ما يسمعه من هذا الرجل
– هسيب السبب، تعرفه من بنتك كويس.. ،ومش عايز اشوف وشكم تاني
وبحده افزعت “محسن” وجعلته يركض هارباً..، كان يصرخ
– بره.. بيتي
…… …..
أبتسمت “ناهد” بسعاده وهي تسير بقدميها إلى حديقة القصر ، بعدما غادرت تلك الفتاه منزلها وقد أصبحت تجلس بغرفتها تُجنبً لها، ورغم حزنها علي حال بكرها ..، الذي عاد لقوقعته وقسوته إلا إنها سعيده بما حدث حتي لو لم تعرف السبب وراء طلاقهم الذي حدث فجأه
حاولت تلاشي أفكارها ، فهي اليوم لا تُريد إلا السير بهدوء برفقة “صفا” ، تلك التي اصبحت كأبنتها
– أحكيلي عن شغلك مع عامر
وعندما أتي الحديث عنه ، تنهدت وهي تتذكر حالة الجمود والغضب الذي أصبح ينال منه الجميع ..، مشفقه علي حالها
– مدير شديد ، لا يرفق بأحد
هتفت بها ضحكه ، فصدحت ضجكه “ناهد” الجميله بعدما استمعت لعبارتها باسلوبها المازح الذي تحبه فيها
– عملت لابني ، خلت الوحش اللي جواه يرجع من تاني ..
هتفت بها “ناهد” بعدما تلاشت سعادتها ، وارتسم الحزن فوق محياها ، اكملت سيرها بها دون حديث ..، فما الذي ستخبرها به
فتبتسم ناهد إليها بطيبة : انتي بسيطه اووي ياصفا ، حتي في تعبيرك .. عارفه لو كنتي عرفتيني من عشر سنين فاتوا ، مكونتيش حبتيني ولا كنت انا حبيتك
وبرفق أجلستها فوق علي المقاعد المريحه وجلست جوارها وهي تمسك أحد يديها تمسد عليهما بحنان
– الشمس حرارتها هاديه ، والجو جميل
فابتسمت “ناهد” تومئ لها برأسها
– أهلك موحشكيش يا صفا ، لو عايزه تاخدي أجازه قوليلي يا بنتي
تنهدت “صفا” بحزن ، فقد أصبحت تشتاق لعمتها وزوجها وجنه ، ولكنها أصبحت مرتبطه بعمل أخر مع السيد عامر ، وهو لا يتهاون في عمله
أنتظرت “ناهد” سماعها ..، ولكن الحديث توقف علي طرفي شفتيها وهي تستمع لصوت “عامر” الذي هتف باسمها للتو
– صفا !
وازدادت ابتسامه ناهد لسماع صوته ، والتفت بجسدها رغم استحاله رؤيتها له، حاولت النهوض عن مقعدها تهتف بها
– خديني ليه ياصفا
شعرت “صفا” بالخوف من ملامحه وهو يتقدم منهم، يُلقي عليها أحد الملفات والتي أخطأت في ترجمه بعض بنودها
– مش قاردة تنتبهي علي شغلك ، يبقي تسيبي الشغل وخليكي في وظفتك الاساسيه
وبتهكم كان يهتف
– مجرد مرافقة
لم يهتم بنظرات والدته الملهوفه ، ووقفت تُحرك له رأسها لعله يفهم ..، ولكنه كان فضل أن يوبخها ، واخيراً كان ينتبه علي حركة رأسها له ..، فزفر أنفاسه متنهداً وهو يقترب من والدته ..، اقتربت منه وهي تدرك خطورة فعلته هامسه
– شايف لهفتها عليك ..، هي ملهاش ذنب في حاجه
تمالك غضبه منه ، ولكنها حينا طلعت بتلك النظرة التي تشبه القطط في وداعتها ..
– ارجوك
فاتجه صوبها ينظر لنظرات عيناها المشتاقه وحسرتها ، وقد اعتصر قلبه الألم والحقد ليس عليها علي تلك التي أعادت الوحش داخله ..، بعدما كان بدء يتقبل حياته
انحني يلثم رأسها ، فدمعت عيناها فرحة ، ومدّت كلتا يديها نحوه تهتف بسعادة
– تعالي في حضني ياعامر
وكأنه كان يحتاج تلك الكلمه منه ، تعالت الدهشة فوق ملامح “صفا” وهي تراه يضمها إليه ويُلبي رغبتها
ولكن سرعان ما كان ينسحب من بين ذراعيه ، ويسير بخطوات جامده متمتماً لتلك الواقفه
– صلحي الغلطه اللي في الملف يا أستاذه
وغلطه واحده في أحدي الأوراق ، كانت تقع عينين “صفا” عليها .. مصدومه من ثورته عليها بسببها.
…………
لقد مر الشهر المنتظر، وها هي تخرج من المشفى الحكومي خاليه الوفاض، بعدما استمعت للطبيب بأن والدها أمامه شهر اخر..، فهناك حالة لاطفال تستحق..، لم تصدق ما سمعته..، صرخت واعترضت ولكن في النهاية عباره واحده تسمعها
” إن حاله والدها علي نفقة الدوله ولا حق لها في الاعتراض..، وتنتظر مثلما ينتظر غيرها..، أو تذهب بوالدها لمشفى خاص وتدفع المال”
عادت للمنزل تجر اذيال الخيبه، وجدت والدتها تخرج من غرفة والدها بعدما اطعمته واعطته علاجه..، تدعو لصفا التي تبعث لهم المال
– ربنا يكرمك يا صفا يا بنتي
واقتربت من ابنتها بحب وتسألت
– مال وشك أصفر كده ليه، يا جنه
ومن ملامح ابنتها كانت تفهم السبب، وضعت صنية الطعام جانباً.. ،وجلست فوق الأريكة المتهالكة بعض الشئ
– قالولك لسا دوره، مش صح يا بنتي
جاورتها “جنه” بملامح حزينه، وبقهر كانت تخبرها
– قالولي، في حالات مينفعش تنتظر..
– هما مش قالولنا، الشهر ده هتتعمل العمليه يا بنتي
وبتهكم، كانت تخبرها بما سمعته
– نستنى الدور لحد ما هما يقرروا
نهضت ” صافيه” بثقل واتجهت نحو المطبخ.. ، اتبعتها “جنه” بعينيها فوالدتها ابتعدت حتي لا تريها دموع عجزها
سقطت دمعة سخية فوق وجنتيها، تنظر نحو الجدار المشقوق في منزلهم المتهالك بعض الشئ
– لقيت حل يا بنتي، نبيع البيت
……. …………
وقفت خلفه تحمل مفكرتها التي دونت بها جميع ملاحظته ومقترحات الجالسين حول هذا الاجتماع الذي قد انتهي للتو ، ورفعت بعينيها قليلًا لتري أي ردة فعل منه إلا إنه كان مازال يُعطيها ظهره ووضع بكلتا يديه في جيب بنطاله ولكن اخيراً قد تنحنح بصوته الخشن الجامد
عامر: هنفضل في السكوت التام ده لحد امتي، ولا القطه بلعت لسانك .. ما تقولي ملاحظاتك ياأستاذه
فانصدمت صفا من ردة فعله ، وقد أصبح بالفعل غليظً ..، فهي تنتظر أمره حتي تتحدث
وبمقت أخذت تقص له كل شئ قد دونته في مفكرتها ، فاقترب منها بتمهل شديد ، ولم تشعر به لأندمجها في تسرده إليه
وبأسلوب لم تعتاده منه سألها :
– وانتي ايه رأيك في العروض اللي تم طرحها في الاجتماع
طالعته في صدمه ، واتجه ناحية مكتبه ينتظر سماعها ، وقد جلس مسترخياً فوق مقعده وأغمض عينيه بإرهاق واضح على قسمات ملامحه ، ولكن ظلت تلك المسكينه واقفه تُحاول أن تستوعب سؤاله عن رأيها
ورمقها خلسة فوجدها واقفة كالبلهاء تحتضن مفكرتها وكأنها تحتضن طفلا
– انتي مسمعتيش سؤالي ياصفا
فحركت رأسها نافية ، إلا إنها سرعان ما عدلت عن خطأها وحركت رأسها بالإيجاب ،وفاقت من دهشتها
وهتفت بصوت خافت
– شايفه أنه عرض هايل ، و …
وقبل أن تُكمل عبارتها وتخبره عن رأيها بالتفصيل ، كان يقطع حديثها
– تقدري تتفضلي يا صفا
وبوقاحة كان يصرفها بفظاظته ، وداخلها تهتف حانقه ..، فلما سألها من البدايه
…………
قضت طيلة ليلتها تفكر في قرارها، فما عساها أن تفعل إلا أن تذهب إليهم، تستجدي عاطفتهم.. ،قررت أن تغادر في الصباح بعدما تُخبر والدتها إنها وجدت عملاً في صيدلية بعيدة عنهم وستضطر لقضاء فترتين..، لأنها تحت التدريب
فكرت بكل ما ستفعله، ولكن لم يبقى إلا شيئاًواحداً، ان تبحث عن عنوان عائلة أهلها..، وببساطة كانت تحصل علي العنوان..، ليس المنزل بل مكان إحد المصانع هناك..، ف عائلة والدها منتشرين في معظم أنحاء الجمهوريه بتجارتهم الواسعه
………
وقفت أمام بوابة المصنع، تنظر نحو المكان برهبة وقد احرقتها حرارة الشمس الساطعة..، حمدت الله إنها غادرت قريته مبكرا قبل طلوع الشمس، اقتربت من البوابه.. فوقف الحارس مستغربً وجودها هنا.. فالمصنع خاص بالرجال ولا نساء هنا
– خير يا استاذه
توترت “جنه” ومو تنظر إليه
– ممكن اقابل صحاب المكان
تجلجلت ضحكات الواقف، يفحصها بعينيه ومن اختلاف لهجتها عنهم..، علم إنها غريبة عن بلدتهم
– صحاب المكان، مره واحده..،اتفضلي يا استاذه شوفي طريقك
اصرفها بذراعه..، فتراجعت للخلف
– أقولهم بس علي اسمي وهما هيعرفوا أنا
– يا استاذه متجبليش الكلام، اتفضلي من هنا
واسرع في نهوضه من فوق مقعده، وقد تجاهل ما تخبره به عن هويتها واسمها كاملاً، التفت خلفها وهي تسمع بوق سيارة..، وقد وقف صاحبها منتظراً البوابه أن تفتح حتى يتمكن من الدلوف للداخل..، فحصت بعينيها الجالس في السيارة..، فلم يكن إلا عمها “عبدالرحمن” الذي يُشبه والدها في الملامح..،وقد عرفته من تلك الصوره التي مازال يحتفظ بها والدها رغم مرور السنين واحتلال الشيب ملامحه
أسرعت نحوه قبل أن يتحرك بسيارته..، تهتف اسمه
– عمي عبدالرحمن، انا جنه بنت صابر اخوك
أستمع إليها، ولكنه تجاهلها وكأنه لم يسمعها..، دلف بسيارته، وهي وقفت مكانها تنظر نحو السيارة وقد علقت الدموع بأهدابها ولكنها أبت الهطول
وها هي ساعة أخرى تمضي، وهي تقف ننتظر علي أمل..، ورغم حنق الحارس منها إلا إنه قرر تجاهلها، ما دام ابتعدت عن مكان عمله
أخرجت زجاجة المياة التي أصبحت ساخنه من حقيبتها، ترتشف منها بضعة قطرات، ثم اخذت تُطالع الوقت.. ،فلم سعد متبقي علي قطارها إلا ساعه ونصف وقد ظنت إنها ستتلقي أحضان عائلتها
ارتسم التهكم فوق ملامحها ولكن سرعان ما كان الأمل يعود لقلبها..، وهي تجد سيارة أخرى تقترب من بوابه المصنع
أسرعت تمر الطريق الخالي.. ، ولكن تلك المرة لم تعرف بهوية هذا الشاب..، ولكنه انتبه إليها وتسأل وهو يزيل عن عينيه نظارته
– بنت جميله هنا في مصنعنا مش معقول
ابتسمت “جنه” بخجل، من مدحه الذي اشعرها بالأمل
– أنتِ مين
– أنا جنه صابر…
لم تكن تكمل اسمها إليه، حتي صدح رنين هاتفه بصوته الصاخب، ثم اتاه صوت والده
– أنت فين يا وليد
وعندما علم بوجود ولده أمام بوابه المصنع، تسأل وهو ينهض من فوق مقعده
– هي لسا البنت ديه موجوده، قدام المصنع
وقبل أن يهتف بشئ
– لو قدامك، خلي محروس يبعدها من هنا
تنهد حانقاً بعدما غلق والده الهاتف بوجه كعادته..، طالع الواقفة.. وظنت إنه سيكمل حديثه معه..، ولكن الصدمه احتلت ملامحها وهي تراه يتحرك بسيارته دون أن يعبأ لامرها هو الأخر
وقفت لثواني تنظر لطيف السيارة، وقد انغلقت البوابه ثانيه وتلك المرة كان الحارس يقترب منها حانقاً
– أنتِ هتفضلي واقفة لكل واحد..،بت أنتِ.. ،أنا بقيت شاكك في وقوفك هنا
– أنت ليه مش مصدق إني بنت اخوهم
طالعها الرجل متهكماً
– أنا معرفش غير أن حسن باشا، وعبدالرحمن بيه ملهوش غير اخت واحده بس..، لكن اخ.. لا جديده ديه
– طيب فين عمي حسن
تجهمت ملامح الواقف، وقبل ان تستوعب ردة فعله.. كان يدفعها بقسوة من امامه..، اسقطتها أرضاً
– لو ممشتيش من هنا، هبلغ الشرطة.. أو
ووضع يده فوق سلاحه
– او هطخك بالنار
………………………………………………………
تعالت اصوات ضحكاتهم ، في ذلك المطعم الذي اتوا إليه بعدما استمعوا من البعض عنه ، أتوا كرفقاء ..رفقاء كلمه يضعها هو في علاقتهما ولكنها ليست مثله ..، بل أصبحت مشاعرها تتحرك نحوه
حدقت اميره بالطبق الذي قدم إليهم كضيافة لهم من المطعم لقدومهم إليه لأول مرة :
– شُربة ضفادع ، هي ديه هدية المطعم النهارده
فضحك احمد ملئ شدقيه وهو ينظر للطبق وباقيه الأطباق التي قدمت لهم ، يهتف بمرح أصبح في علاقتهما :
هديه جميله يا أميره ،يلا خلصي طبقك وطبقي .. اصل انا ماليش غير في شُربة السمك
فتعالت ضحكاتهم وقد أخذ بعض الجالسين يحدقون بهم متعجبين من ضحكاتهم ، خفق قلب “اميرة” ، وقد لمعت عيناها وهي تتأمله ، غير مصدقة إنها أحبت هذا الرجل ، احبت الرجل الذي أقتربت منه من أجل مهمه طلب منها لتنفيذها ، احبت رجلاً شقيق للرجل الذي احبته يوماً ، وها هو قلبها لا يرحمها بل يُخبرها بحقيقة مشاعرها ” إنها أحبت هذا الرجل ”
……………………………………………………….
جلست شارده ، محبطه علي متن ذلك القطار العائده بها الي بلدتها ، لم تجني شئ من هذه الزياره إلا الحسرة و إهدار الكرامه ، بضعة ساعه علمت فيهم أن والدهم لديه كل الحق ليبتعد عن هؤلاء المتحجرين القلب ، حدقت بكفيها , فلمعت الدموع بعينيها وهي تري جرحهما بعدما دفعها هذا الحارس بكل قسوة
هطلت دموعها بسخاء ، تنظر لظلمه الطريق من خلف زجاج القطار بعينين تائهتين ، تتنهد بحسره وقله حيله:
– طيب اعمل ايه انا دلوقتي ؟
وتذكرت ما فعله بها عمها وتجاهله لها كأنه لم يراه أو استمع إليها، وقد عاد الألم يخترق فؤادها من شده القسوه ..، تقسم داخلها إنها ستنال منهم حقها يوما
*****
الفصل الخامس عشر
******
وقفت امامه وقد ظهرالنعاس فوق ملامحها ، بسبب قيامها بترجمه بعض الأوراق وإرسال الأيميلات ، أنتظرت إشارة منه حتي تنصرف ..، ولكنه ظل يُدقق في الاوراق التي أمامه وهي لا تستوعب كيف يعمل هذا الرجل هذه الساعات دون أن يشعر بالتعب ..، فقد أصبحت تشعر بانهاك قواها منذ أن عملت معه في ترجمه الايميلات المرسله والتواصل مع الشركه الالمانيه حتي إنها لمرات عدة قررت أن تترك هذه الوظيفه ..، ولكنها كانت مجبره حتي توفر أحتياجات عائله عمتها
رفع عيناه أخيراً عن الأوراق ، يرمقها بنظرات ثاقبه
– أتمني مالقيش غلطه تاني
حدقت به “صفا” بجمود ، وقد أحتقنت ملامحها من اسلوبه الفظ
– ما دام حضرتك عندك خبره في اللغه ، مبتجرمهاش ليه يا فندم
احتدت عيناه وهو يسمعها ، وارتجف جسدها وهي تراه يرطم سطح مكتبه بقوه
– وأنا مشغلك وبديكي مرتب كبير ليه يا أستاذه
أهانتها عبارته ، ولكنها قد أعتادت علي أسلوبه..، بل واصبحت ترد له الصاع , صاعين .. ولا تعلم لما حقاً ما زال يصبر عليها
– ليه بحس إنك بتحبي تستفزيني يا صفا
وبابتسامه سمجه كان يهتف عبارته ، فارتفع حاجبيها في ذهول ..، فكيف تحول هذا الرجل بتلك السرعه
– عارفه يا صفا ، أنا ليه صابر عليكي
واخيراً قرر يمنحها ان يُعطيها الأجابه عن تساؤلها ، لعلها تفهم غموض هذا الرجل
– لأنك مجتهده ..، لكن مش ديه اهم نقطه ..النقطه اللي بتعلي الناس عندي هي الثقه
وبنظرة جامده كان يُخبرها بتلك النقطه
– حفظتي السر ، ومتكلمتيش عن السبب الحقيقي ورا طلاقي
وتابع بتهكم وهو يتذكر ثرثرة الخدم ، ورغبه والدته في معرفة الأمر
– أنا بعرف أقدر الناس كويس
ولكن لطفه لم يستمر كثيراً كعادته ، فتجهمت ملامحه وقد عادت النسخه الأخري ل “عامر السيوفي ” التي تكرهها به
– وبعرف أعاقب كويس أوي ، ومبسامحش في أي غلطه
أمتعضت ملامحه ، وهي تستمع لتهديده
– هتعاقب مثلا عشان غلطه في فاكس ، ده حتي عيب في أخلاقك الكريمه يا عامر بيه
– صفا
وبنبره قويه كان يهتف ، لتجاوزها في الحدود معه كعادتها ، تعالت ضحكتها رغماً عنها ، فازدادت ملامحه قتامه
– والله ما قصدي أضحك ، بس أفتكرت صورة لممثل ما ، كان نفس التكشيرة سبحان الله
– إظاهر أن طردك هيكون قريب يا صفا
تلاشت ضحكتها ، ووقفت بثبات تنظر إليه
– أستسمحني عذرا سيدي ، ممكن أطلع اوضتي قبل ما اطرد فعلا
وغادرت علي الفور من أمامه ، دون أن يسمح لها بالأنصراف ..، تنهد بأرهاق وهو يُطالع الفراغ الذي تركته ..، ورغماً عنه كان يبتسم علي أفعالها وحديثها الذي أحياناً تقتبسه من بعض الكتب أو الافلام الوثائقيه التي تُشاهدها مع والدته ..، ولكن سرعان ما عاد الجمود يرتسم فوق ملامحه وهو يتذكر تلك التي منحها فرصه أن تصبح زوجه له ولكنها كانت ماكرة وقد عبثت معه ، واقترب وقت نيل حقه
………………………………………………………….
دفعتها والدتها فوق الفراش ، بعدما اخبرتها بحقيقة كذبها عليها ، لا تُصدق أن ابنتها تفعل هذا وتستغل ثقتها بها
– بتكدبي عليا يا جنه ، وتقوليلي كان عندي وردية ، وقال إيه أصل يا ماما كان تسليم طلبيه أدويه وكان معايا زميلتي ..، والصيدليه في مكان أمن
واردفت بتهكم وهي تسرد عليها كذبتها
– والصيدليه جانب مديرية الأمن ، وأنا زي الهابله صدقتك يا بنت بطني
وكادت أن تُبرر لها فعلتها ، وندمها علي قرارها الخاطئ ، ولكن “صافيه” كانت اسرع منها ، وانتشلت حذائها أمام نظراتها المصدومه
تعالا صراخها ووالدتها تهبط بحذائها فوق جسدها كالعادة إذا أخطأت ، فالسيده صافيه لا تتهاون في شئ
– كفايه يا ماما
– معرفتش أربيكي يا بنت بطني ، روحتي تتذلي علي اهل أبوكي
تعالت شهقات “جنه” بقوة بعدما سقطت تلك الصفعة فوق كفيها المجروحين ، انتبهت “صافيه” علي صراخها ..، فحدقت بها مُشيرة نحو كفيها
– مالها ايدك
سقطت دموعها وهي تفتح لها كفيها ، تقص عليها سبب سقوطها عليهما ، لعلها تنال شفقتها ..، ولكنها لم تنال إلا غضبها الذي أودعته في صفعاتها بحذائها الثقيل
– خلتيهم يرموكي قدام المصنع ، زي المتسولين ..، أه يا بنت بطني
توقفت عن ضربها ، بعدما استمعت لسعال زوجها وهتافه باسمها ..، اسرعت في مغادرة الغرفه واتجهت إليه حتي لا يُشك بشئ
– بتضربي البت ليه يا صافيه ، بنتك بقت عروسه وبتضربيها
أقتربت منه تعدل له وسادته ، بعدما أعتدل في رقدته
– مهما كبرت مش هتكبر علينا يا صابر
– براحه عليها يا ام جنه ، وفهميها غلطها براحه
– أجبلك علاجك يا ياحاج
تهربت من حوارهم حول أمر أبنتها ، والتقطت علاجه وكأس الماء
ابتلع حبة الدواء وعاد الأرهاق يحتل جسده ..، جلست قبالته لفتره ..، ثم نهضت من جواره بعدما تأكدت من غفيانه ..، عادت لتلك التي تكورت فوق فراشها وفور أن تعلقت عيناها بوالدتها ، وجدتها تقترب منها بماء دفئ وقطن
– هاتي أيدك
أسرعت “جنه” في تلبيه أمرها ، واعطتها كفيها
– هنبيع البيت وندفع تمن عملية أبوكي
اتسعت عيناها صدمه ، ولكنها أبتلعت حديثها ..، فوالدتها قد قررت الامر بحسم
………….
حديثاً طويلا قد دام بينهم ، ولكن وسط حديثهم المحفل بالاعمال والصفقات
قاطع اكرم حديثهم : هي صفا مجتش اجتماع النهارده ليه ؟
أنتبه “عامر” علي سؤاله وقد ترك القلم الذي يوقع به من يده ، لينظر نحو صديقه متعجباً من سؤاله عنها
– لا متخافش يا راجل أنا بحب مراتي ، سؤال فضولي مش أكتر
ضحك “أكرم” من هيئته التي تعجبها ، ورفع حاجبه متسائلا بشك
– اوعي تقولي إن صفا عجباك يا عامر ..، مش معقول أنت لسا خارج من تجربه أن واثق إنها لسا معلمه جواك رغم إني معرفش السبب
ولكنه كان قد حسم قراره ، لن يُعاقب “فريده ” و والدها وخاصه بعد طلاقها منه من زيجة لم تسمر إلا شهرين ثم ستأتيها الصفعة الأقوي هي و والدها زيجته التي لن تكون إلا عقابً
– أنا قررت أتجوز يا أكرم
لم يتفوه “أكرم” بحرف ، بل أنتظر سماع باقيه حديثه
– هتجوز صفا
أرتسم الذهول فوق ملامح “أكرم” ، فكيف يتأخذ صديقه هذا القرار ولم يمر علي طلاقه سوي شهراً ونصف
………………
تلاقت عيناها ب ابن أخيها، فابتسمت وهي تضع سبحتها بحجرها مشيرة إليه بأن يقترب، تقدم منها يلتقط كفها يقبله وهو يشعر بكفها الأخر يمسح فوق شعره
– ربنا يرضى عنك يا ابني
تمتمت بها السيد منيرة، هذه المرأة الصعيديه ذو الملامح الطيبة
– اخبار صحتك إيه النهارده يا عمتي
ومنيرة كالعاده تخبره بعبارتها
– هكون بخير لما تفرحني بيك، انت وابن عمك اللي بقى مقاطع الستات
ومن داخله كان يضحك بسخاء، فمن هو الذي هجر النساء، “جاسر ” ابن عمه، الذي لا يمر بضعة أشهر إلا وتزوج بأخرى بعيدا عن أنظار العائله، انتبهت “منيرة” علي شروده وتلك الابتسامه الساخرة المرتسمه فوق شفتيه ولكن سرعان ما انتبه “هاشم” علي حاله وجلس جوارها
– في حاجة عايز تقولها ليا، يا ابن اخويا
ولم تكن منيرة إلا أمرأه ذو نظرة ثاقبه بمن أمامها، ورغم طيبه قلبها إلا إنها كانت أمرأة حكيمة قويه..، انتبهت “منيرة ” علي كل كلمة يُخبرها به..، لا تُصدق أن ابنة شقيقها.. أتت المصنع تبحث عنهم وقد التقت بعمه “عبدالرحمن” وقد طردها دون أن يسمعها ويعرف سبب بحثها عنهم بعد هذه السنوات
وبحزن دفين، ودموع قد علقت في عينيها
– أكيد اخويا في حاجة، ده عمره ما فكر يرجع لينا تاني ورفض سنين طويله الفلوس اللي كنت ببعتها ليه
وببكاء كانت تتذكره، وتسرد لابن شقيقها كم كان عمه حنوناً وطيب القلب ولولا قسوة والدهم، لكان عاش بينهم هو وزوجته وابنته
– أنت عرفت منين يا هاشم
وهاشم كان يُخبرها باستفاضه عن الرجل الذي دسه هو وجاسر في المصنع الذي يديره عمه وابنه
……………..
كومة من التراب قد أصبح عليها هيئة بيتها بعد أن كان جنة تجمعها بوالديها، فوقف تتأمل بقايا حياتها التي انهدمت يوما مع هذا التراب ، انسابت دموعها وقد أخذتها الذكريات نحو هذا اليوم بتفاصيلها ، يوماً لن تنساه مهما مرت الأيام والسنين
اسرعت بخطاها هاربه ، بعدما التفت بجسدها تُلقي بنظرة أخيرة نحو المكان الذي جمعها باحبابها
التقطت أنفاسها وقد وقفت لمرة أخيرة قبل أن تغادر المنطقه باكملها ، و بعينين باكيتين وذكريات أصبحت تقتحم فؤادها دون رحمة ، قد عادت نيران قلبها التي لم تنطفئ ، وكل ذكري تعود إليها معهم..
ابتسمت بحزن وهي تتذكر عبارات والدها التي كان دوما يخبرها بها هي و والدتها عندما تصيبهم او تصيب غيرهم فاجعات الأقدار
– قطر وماشي يا بنتي ومسيرنا في يوم هننزل في محطتنا ..، ويابخت من كان ضيف خفيف عليها وسابها زي مجيه
وخزها الحنين بلوعة ، ودموعها التي تمالكتها ..، عادت تهطل فوق خديها
– ربنا يرحمك يابابا انت وماما ويجعلكم من اهل الجنه
وفتحت حقيبة يدها ونظرت لبعض الاموال التي اصبحت تحصل عليها من عملها في القصر كمرافقه وعملها كمترجمه في شركة ذلك المتعجرف ، غريب الأطوار
واقتربت من احد الرجال الجالسين علي الارض ، وقد افترش أمامه.. حزم من الجرجير لعله يُرزق منها
: بكام الجرجير
فأبتسم الراجل لها بطيب خاطر ، فأخيرا نظر احد إلى جرجيره وسيرزق
فهتف راضيا وهو ناظرا لجرجيره : الحزمه بجنيه يابنتي
فابتسمت صفا وانحنت تلتقط الحزم تتسأل عن سعرها :
– طيب لو اخدت كل الجرير ، هتدفعني كام
فارتسمت البشاشة فوق ملامح الرجل
– خديه ببلاش يا بنتي
ابتسمت علي طيبة هذا الرجل رغم فقره ، اخبرها الرجل بسعره وقد تهللت اساريره وهو يجدها صادقة القول وقد اشترت منه جميع الحزم ، وبدأت تخرج المال امام عينيه السعيده بمكسبه وقد ساق الله له الرزق دون أن يمدّ يده
دفعت صفا ثمنه .. فاندهش الرجل مما أعطته له ، فهذا ليس ثمن بيعته:
– بس انا معيش فكة ال 200 جنيه ديه يابنتي، استني اما اروح اشوف البقال اللي جنبنا وخليكي واقفه جنب الجرجير ..
وتابع حديثه ضاحكا وقد ارتسمت السعادة على ثغره وهو يُهرول من أمامها : ما بقي بتاعك خلاص
طالعته “صفا” حتي دلف لمحل البقاله القريب منه ، وابتسمت وهي تتذكر سعارته تاركة له حزم الجرجير والمال .
……………………………………………………….
ظلت علامات الصدمه مرتسمه فوق ملامح “اكرم” ، وقد ظل علي هيئته دون حديث ، واخيراً بدء يستوعب ما هتف به صديقه ، خاصه وهو يري تلك النظرة الحاسمه في عينيه
– يعني عايز تتجوز صفا عشان تعاقب بنت محسن الصواف .. ، يعني الفكره كلها إنتقام يا عامر
نهض “عامر” عن مقعده ، وقد علم الجواب من صمته
– رد عليا يا عامر ، قرارك أنتقام مش كده
التقط قداحته في صمت ، فازدادت ملامح “أكرم ” قاتمه وهو يري هيئته البارده
– طيب وصفا ذنبها إيه
– هتاخد فلوس ، محدش بيقول لاء للفلوس يا أكرم
أتبعه “اكرم” في وقفته ، وظهر الأمتعاض فوق ملامحه ، فلم يُعجبه قرار صديقه ..، إنه يظلم طرف أخر مقابل إنتقامه من أمرأه شوه والدها فيها سمعته
لا يُنكر إنها شعر بالضيق وهو يقرء بعدما تصريحات الصحافه ، بأن “عامر السيوفي” لم يتزوج إلا مؤخراً ثم أنفصل عن زوجته والأمر بالتأكيد وراءه سراً ..، والسر لم يكن إلا في رجولته
– أنا منكرش يا عامر أني نفسي تتجوز ، لكن مش بنفس أختيارك الأول ..، ما فريدة كان أختيارك ليه عشان الصحافة تسكت عن الكلام ..، المرادي برضوه هتعيد نفس الحكايه
– أكرم
هتف بها بحده كعادته ، عندما لا يُعجبه حديث أحداً
– صداقتنا تحتم عليا إني أنصحك يا صاحبي
وببطئ كان يلتف “عامر” إليه
– أنا مش باخد رأيك يا أكرم ، أنا خلاص أخدت قراري
وبالفعل قد أتخذ قراره ، ف “صفا” الوحيدة التي ستكون عقاب لفريدة ..، يتزوج مجرد فتاة يتيمه مرافقة لوالدته ..، يا له من أمر سيجعل به محسن الصواف يعض يده في حسرة
– أنت الوحيد اللي هتكون خسران يا صاحبي
والخساره التي يُخبره بها صديقه ، هو أصبح معتاد عليها من النساء ..، بدايه من والدته ، من تلك المرأه التي أحبها في شبابه ولم تتحمل طباعه ..، للمرأه التي أخذته عاطفته نحوها وقرر أن يتغاضي عن حبها لشقيقه..، ثم ظنها إنها ستقهر شقيقه عندما تصبح في سريره
– هتخسر البنت يا عامر ، لانها مش من النوع ده
ومبرر أخر كان يضعه أمامه صديقه ، وتلك المرة كانت تصدح ضحكتها عالياً
– جوازه سنتين من عمرها ، مش هتخسر فيهم حاجه
– ولو بقي في ولادك بينكم
وبقرارت لم يعد الواقف يفهم فيها صديقه
– لكل حديثً مقام يا اكرم
وعاد لمقعده ، ينظر نحو شاشة حاسوبه ..، زفر “أكرم” أنفاسه، يهز رأسه بيأس وقله حيله من صديقه ..، وكاد أن يهتف بنصيحته الأخيره
– خلينا نشوف شغلنا
……………………………………………………….
أبتسمت ناهد بسعاده وهي تستمع الي مزاحهم ودعاباتهم لتضحك من قلبها الذي ظنت إنه قد مات من قسوة الزمن عليه
فهتفت الخادمه صباح ذات اللسان الفكاهي :
– والله ياناهد هانم الواحد مش مصدق ان حضرتك قاعده وسطينا في مطبغنا المتواضع وبتحتفلي كمان معانا بعيد ميلادي العشرين
لتبتلع سعاد قطعة الكعك ، وقد وقفت في حلقها بعدما حشرت العديد من القطع مستمتعه بمذاقها ، اشتد سعالها من حديث صباح عن سنوات عمرها ، فمنذ سنوات وهي تخبرهم إنه عامها العشرون :
– يامفتريه صغرتي نفسك تسع سنين مره واحده
فتعالت ضحكات ناهد علي مزاحهم مجدداً ، فرفقتهم قد اعادت لقلبها السعاده ، قلبها الذي كان يملئه الكبر قديماً ، ولو كانوا التقوا بها في شبابها لمقتوها وكرهوا سماع اسمها كما كان الحال مع فريده التي سعدوا بطلاق رب عملهم لها ، فمن يصدق أن “ناهد” المتعجرفه التي كانت تنظر للناس بطبقية ، تجلس وسطهم الآن في المطبخ وتأكل معهم وتضحك ..
طالعت “صباح” حذائها الجديد الذي اهدته لها “صفا ” ، واتسعت ابتسامتها سعادة وهي تراه في قدميهابعدما قررت ارتدائه :
– مش ناقص غير الفستان وابقي سندريلا ..
والتفت نحو سعاد ترمقها بملامح ممتعضه متسائله :
– هتجبيلي أمتى الفستان ياسعاد .. الروج والكحل اللي انتي جبتهوملي مش عجبني غيري هديتك
ارتفع حاجبي “سعاد” دهشه ، فمنذ دقائق كانت سعيدة بهديتها وقد عانقتها ببكاء ، والأن تُخبرها إنها تُريد هدية أخري ، وسرعان ما كانت تدفع قطعة من الكعك داخل فمها ضاحكة علي هيئتها
– الهديه لا ترد ، مبرووك عليكي
فابتسمت “ناهد” علي دعابتهم لبعضهم ، وشعرت بالغرابة من صمت صفا التي لم تنطق بحرف منذ جلستهم وهذا ليس من طباعها المشاغبة مثلهم ، فهي من جلست القصر يشع فرحاً وبهجة منذ قدومها :
– مالك ياصفا من ساعة ماجيتي من مشوارك وانتي ساكته ، انتي مش مبسوطه اني قاعده معاكم
أنتبهت “صفا” علي حديثها ، وقد فاقت من شرودها ، فتلاقت عيناها بعينيهم القلقة علي حالها ،.. حاولت أن تبتسم وتخفي عنهم حزنها ، والتقطت احد الاطباق الموضوعه على الطاوله وبدأت في إطعام “ناهد” وهي تشاغبهم كعادتها :
– البت صباح بتعرف تعمل كيك حلو صح
فامضغت “ناهد ” قطعة الكعك، وابتسمت إليها مؤكده علي حديثها :
– فعلا ياصفا ، وبتعرف تضحكنا كمان
فتابعت صفا حديثها مازحة تنظرنحو صباح بمشاغبه ، ترفع لها حاجبيها :
– وكمان صوتها حلو ..
فابتعدت ناهد بفمها عن الطعام ، والتفت بعينيها بينهم ، تهتف بسعاده ورغبه في سماعها :
– طب خليها تغني لينا
فانتفضت “صباح” عن مقعدها مذعورة من الأمر ، فكيف ستغني أمام السيده الكبيره :
لا لا اتكسف ياجماعه الله
فانفجروا جميعهم ضاحكين علي عبارتها الفكاهية ..
صباح : هغني بشرط صفا ترقص ، وسعاد تطبل .. اومال هغني لفنانه العظيمه ليلي نظمي ازاي ..
وتابعت حديثها الفكاهي :
– صاحبة الأغنية العريقه خليها مفاجأه بقي الاغنيه
وتلك المرة كانت “ناهد” تُقنع “صفا” أن تُلبي الأمر من أجلها
ناهد : متخافيش ياصفا انا مش هشوفك ما انتي عارفه ، بس عشان خاطري ارقصي وافرحي معاهم وكمان انا عايزه افرح وسطكم .. بقالي سنين مفرحتش
وبعد محاولات ناهد ، أرضخت “صفا” حتي تُراضيها
وبدأوا ثلاثهم في عرض دورهم بسعاده ، وقد تناست صفا أحزانها قليلا بمغامرتهم البسيطه بينهم ، واخذت تتمايل وسط غناء صباح وحتي سعاد شاركتها في الرقص بفرح وفكاهة والسده ناهد تصفق لهم .
……………………………………………………
دخل عامر القصر وهو يستمع إلى أصوات الغناء الذي لا يدل سوي انه جالس بالشارع وليس قصر .. فامتقع وجهه من الغضب وسار بخطي غاضبه يصرخ باسماء الخدم ، ولكن لا أحد كان منتبهاً علي نداءه .، مما جعله يزداد توعداً لهم
تقدمت نحوه الخادمه “مارجريت” كالأفعه ، وقد كانت هذه فرصتها حتي يطردهم جميعهم ويعود الهدوء للقصر كما كان ، قبل أن تأتي هذه الفتاه وتقلق راحتهم :
– شايف مستر عامر ، البنت اللي اسمها صفا قلبت قوانين القصر ازاي .. ديه بتاخد ناهد هانم تقعدها مع الخدامين في المطبخ ، ديه مش بتحترم قوانينك خالص مستر عامر ، سامع الغنوه البلدي ديه يا مستر عامر… ايه ادلع ياعريس وام فاروق ده
هتفت “مارجريت” عبارتها ، دو، انقطاع مما زاد حنقه وقد تعالا صوت الغناء ..، بل وصحدت زغروطه في القصر ..، وكأنه في فرح شعبي
– بس خلاص ، اسكتي شويه
وسار بخطى سريعة نحو المطبخ متوعداً لهم ، هبط عدت درجات لأسفل نحو المطبخ وقد ارتسم التجهم فوق ملامحه الحاده
وعلي مقربة منهم ، كان يقف وقد تيبثت قدماه يشاهدها وهي تتمايل بجسدها وشعرها يتطاير من خلفها بخفه .. ، وقف لبرهة يُضحك بها وبملامحها السعيدة ، وبخطوات سريعه كان يصعد إلى حجرته ، يُلقي بسترته علي احد الارائك الوثيره متسطحاً فوق فراشه وهو يفكر في خطوته القادمه معها !
……………………………………………………..
ورغم ظهور علامات الشيب علي ملامح السيده منيرة ، إلا أنها ما زالت تحتفظ بجمالها و بشاشة وجهها وطيبتها ، اقتربت من فراش شقيقها .، وحديث أبنة أخيها ما زال يدور بعقلها ، ولم تتحمل الصمت خاصه بعدما تأكدت من إحتياج شقيقهم لهم .
التقطت كفه ، وانحنت تلثم جبينها ..، ففتح عيناه لها مبتسماً وحاول الأعتدال من رقدته :
– خليك يا حسن نايم ، يا اخويا
طالع ملامحها ، وقد تأكد من وجود شئ ما في عائلته
– مالك يا منيرة
– صابر يا حسن
تجمدت ملامح “حسن” وهو يستمع لاسم شقيقه ..، وقد أخذه الشوق إليه ..، ولكن القلب ما زال يحمل ما مضي مع الزمن
– اخوك مريض يا حسن ، اخوك حياته بتضيع
وأخذت تسرد عليه ما عرفته من “هاشم” ابن شقيقهم الراحل رحيم ، وما فعله شقيقهم “عبدالرحمن” بابنته بعدما جاءت إليهم تستنجد بهم
– يرضيك يا حسن ، يرضيك يا أخويا ..، بنتنا تمشي مكسورة الخاطر ..
واردفت متحسرة ، عندما وجدت جمود شقيقها
– اللي حصل زمان .. فات أوان العتاب في ,وانتهي ياحسن ، وانت راجل تعرف ربنا ، اديله ورثه ، وساعد أخوك في عمليته اخوك بيمـ,ـوت واحنا بأيدينا نساعده
حاول الاعتدال في رقدته ، وقد ساعدته “منيرة” بعدما شعرت برغبته ، فقد أنهكه المرض شقيقها واصبح ملازم الفراش
– صابر مالهوش ورث يامنيره انتي نسيتي ان ابوكي رفض يكتبله ورثه وحلف انه مش هيطول منه ولا حاجه
وتابع بقهر وهو يتذكر ما فعله به
– صابر قهرني زمان ، عيشني طول عمري بصلح غلطته
وتذكر أبنه البكر ، متسائلاً
– هاشم مبلغش ليه جاسر ..
فيمتقع وجه منيره من حديث اخيها لتخبره بنفاد صبر : انت عارف ان جاسر ابنك بيكره سيرة عمه ، خصوصاً لما عرف سبب طرده من العيله ، والحمدلله إنه مقبلهاش يا أخويا
وابتسمت بحزن وهي تتذكر الوصف الذي أخبرها به الرجل عن أبنه شقيقها
– البت حلوه اووي ياحسن لولا انك كنت في المستشفي كنت زمانك شوفتها ، ياحسن احنا كبرنا خلاص ياخويا والعمر مبقاش فاضل فيه كتير ليه لسا قلبكم قاسي علي اخوكم
– نسيتي عمل ايه في بنت عمك ، ودفعت أنا التمن .. ، اتجوزتها واتخليت عن حبي الوحيد لسميره بنت خالتك عشان ارضي ابوكي وعمي .. نسيتي يامنيره
وتابع بقهر حزناً علي حال شقيقه وعلي حاله بعد هذه السنوات الطويله
– أنا مظلمتش صابر يامنيرة ، صابر هو اللي ظلمني
-: ام جاسر بقيت في ذمه الله دلوقتي
حسن : فضلت تحبه طول حياتها يامنيره ، اخوكي كسر قلبها وقلبي
دمعت عينين “منيرة” ، وهي تتذكر تفاصيل الحكاية :
– ما انت لحد دلوقتي لسا بتحب سميره
فارتسمت السخريه فوق ملامحه علي حديث شقيقته :
– حب ايه بقي خلاص .. انا خلاص بقيت بودع من الدنيا ومنكم .. ابقي خلي بالك من حنين يامنيره ديه لسا صغيره ، وكمان جاسر ربنا يسامحها اللي كانت السبب في عقدته
– بعيد الشر عنك يا أخويا ، ربنا يعطيك الصحه و طولت العمر وتفرح بيهم
ارتسم الحزن فوق ملامحه ، متمنياً أن يري علي الأقل أولاد بكره الغالي ، الذي كره النساء بسبب أمرأه طعنت رجولته وخانته
ولا تعرف “منيرة” كيف ومتي أصبحت الفكرة في عقلها ، لم تنتظر التفكير في الأمر واندفعت تُخبره
– إيه رأيك نجوز بنت صابر .. لجاسر
انصدمت ملامح “حسن” من عبارة شقيقته ، وقبل أن يفوق من صدمته ..ويعترض علي ما تفوهت به وكيف فكرت بالأمر ..، كانت تخبره منيره بما يدور بخلدها
****
يتبع..
