من ورا الشباك امل نصر
بينما كانت ثريا تضع الأطباق على طاولة الطعام، راحت تنادي ابنتيها اللتين كانتا تتجهزان للمدرسة والجامعة، حثًّا لهما على اللحاق بوجبة الإفطار معها. صاحت قائلة:
— يا ريهام.. يا مرام.. يالا بقى الأكل هيبرد.
أنهت رصّ الأطباق، ثم عادت للصياح مجددًا حين لم تجد منهن استجابة:
— ما تيلا بقى يا بنت انتي وهي دي الساعة داخلة على سبعة ونص، امتى هتلحقوا؟
وصلها صوت إحداهما من الداخل:
— حاضر يا ماما احنا جايين متقلقيش.
تنهدت بيأس وجلست على مقعدها عند رأس الطاولة، واضعة يدها على خدها بانتظار قدومهما؛ فلم يكن يهنأ لثريا لقمة إلا وصغيرتاها معها. امرأة طيبة للغاية، ربت ابنتيها وحيدة بعد و,فاة زوجها منذ عشر سنوات، فكانت تقوم بدور الأب في الرعاية والشدة، مع حنان الأم الذي يحيط بالبنات من غدر الزمن بالتوجيه والنصيحة.
للمرة المائة نظرت في ساعة هاتفها المسند على سطح الطاولة، وخرجت منها تنهيدة غيظ لتصرخ فيهما ثانية:
— ما تيلا يا بت انت وهي الساعة داخلة على تمانية الله!
في داخل الغرفة، كانت ريهام تنسق شعرها قبل أن تضع حجابها أمام المرآة، وهي غارقة في الضحك قائلة لأختها:
— أمك من دقيقة واحدة كانت بتقول الساعة سبعة ونص ودلوقتي داخلة تمانية، وهي أساساً مكملة سبعة بالعافية!
بادلتها مرام الضحك وهي تنتعل حذاءها:
— ما انتي عارفة والدتك ياختي الساعة بتاعتها بتقدم وتأخر بكيفها، حبيبة قلبي دايما قلقانة وبتخاف ليفوتنا حاجة.
وصلهما الصوت مرة أخرى بصرخة مدوية:
— ياللا يا زفتة انتي وهي مش هتلحقوا تروحوا لا كلية ولا مدرسة اخلصوا.
ضحكت ريهام وهي تسحب هاتفها وحقيبتها قائلة لأختها:
— أنا رايحالها قبل ما تفضحنا في العمارة بصريخها، وانتي كمان خلصي نفسك وتعالي قبل ما تيجي وتهبش في رقبتك انتي عارفة عصبيتها.
هزت مرام رأسها ضاحكة:
— حاضر يا ستي قوليلها اني هراجع جدول الحصص وخارجالها.
— تمام.
قالتها ريهام وخرجت، بينما نهضت مرام عن سريرها لتقف أمام المرآة بزيها المدرسي الكحلي والقميص الأبيض الذي يبرز رشاقتها. تأملت نفسها وتسريحة شعرها؛ فوجهها جميل مشرق كالعادة، ومظهرها المرضي منحها ثقة لتمارس طقسها الذي تحبه كل يوم.
توجهت إلى شرفة الغرفة وفتحت بابها، ثم استنشقت نفساً عميقاً لتسيطر على أعصابها، قبل أن تبدأ بالتظاهر بسقاية الأزهار المزروعة في أصص متنوعة.
بالطبع، شعرت بوجود ابن الجيران مصطفى، الذي يقطن في آخر الشارع لكن مقهاه يقع مقابل منزلهم تماماً. تظاهرت بعدم الانتباه لنظراته، وهي تعلم يقيناً أنه يستيقظ باكراً كل يوم ليجلس على تلك الطاولة المواجهة لشرفتها خصيصاً ليراها؛ فهي ليست غافلة عن نظراته المصوبة نحوها الآن.
أنهت سقي الزرع واعتدلت لتستند بيديها على حافة الشرفة، متظاهرة بمتابعة حركة الشارع، حتى التقت عيناهما لثوانٍ، فابتسم في وجهها ونادى بصوت عالٍ على صبيّ المقهى:
— ولا يا حوكشة.. انت ياض!
— نعم يا معلمي.
— سيب اللي في أيدك ياض وروح اتشطر كدة وهاتلي ياض شاي بحليب وكتر الحليب عشان انا بمو,ت فيه.. بمو,ت فيه أوي!
كبتت مرام ابتسامة أمام تلميحه المبطن، قبل أن تضحك غصباً عنها على تعليق الصبي:
— طب وانت عايزني اروح فين ما تشرب شاي على ما يوصل المعلم الكبير بالطلبات اللي ناقصة القهوة، ولا هي حبكت بالحليب يعني؟
— يا بن الـ….!
صاح بها بعصبية جعلتها تبتسم وهو يتابع انفعاله:
— روح ياض واشتري حليب مخصوص من عند البقال ومتستناش المعلم، واهو بالمرة تعملي طبق مهلبية حكم انا بحب أي حاجة يدخل فيها الحليب.
قال جملته الأخيرة موجهاً نظره إليها بمغزى جعلها تخجل وتنسحب لداخل غرفتها، بينما سمعت تذمر “حوكشة” خلفها:
— كمان مهلبية؟ ناقص كمان اعملك رز بلبن عشان تبقى كملت!
— يا بن الـ… متخلنيش أعند معاك يا حوكشة!
أسرعت بخطاها وانفجرت ضاحكة على مشاكستهما اليومية التي لا تفشل أبداً في إضحاكها.
هدأت أخيراً وعادت للمرآة بفرحة غامرة، تتأمل نفسها وتتثنى بانتعاش يتكرر يومياً؛ فلا شيء أجمل من شعور الأنثى بالإعجاب، والأجمل أن يكون من تحب هو من يبادلها هذا الشعور.
كانت تعيش حالة من الهيام قبل أن تنتفض على صرخة والدتها وطرقة عنيفة على الباب:
— انتي يا زفتة ناوية تغيبي النهاردة عن مدرستك ولا ايه؟
شهقت مذعورة وقد عادت من عالمها الوردي إلى واقع غضب والدتها، فقالت بلجلجة وهي تسحب حقيبتها وهاتفها:
— أيوة يا ماما انا جاية اهو!
في المدرسة الثانوية التجارية، وخلال الاستراحة، فضلت مرام البقاء في مقعدها، رافضة الخروج مع الفتيات، لتختلي بصديقتها الوحيدة ندى وتحكي لها عن جارها مصطفى:
— يا ندى بقولك بيفضل مستنيني الصبحية كل يوم، واول ما اطل م البلكونة يرمي كلام بالسيم عشان يغازلني، زي ما بيعمل كدة كل ما اعدي عليه وانا رايحة المدرسة أو راجعة من أي مشوار.. دا أكيد بيحبني، معقول يعني اكون بيتهيألي؟
ضحكت ندى وهي تعلّق على كلام صديقتها:
— أكيد طبعاً مش بيتهيألك، بس يعني هو لازم يكون حب؟ مش يمكن يكون بيلعب وحابب لعبة الإعجاب ببنت الجيران الحلوة دي؟ ياما بتحصل على فكرة.
ردت مرام بضيق وهي تزفر بضجر:
— ياما بتحصل إيه؟ ما بلاش إحباط بقى الله يخليكي.. أووف.
ضحكت ندى بمشاكسة قائلة:
— يا ستي ما تبقيش حنبلية كدة دا مجرد رأي، ثم إنه كمان يعني ما تزعليش مني، انتي بقالك شهور بتحكيلي عن صاحبنا ده ولا مرة اتقدم ولا أخد أي خطوة تحرك الدنيا شوية.
— ويعني هي طارت يعني يا ندى؟ ما أنا لسة صغيرة ويدوب مكملة التمنتاشر سنة، ولا هتعملي زي الستات الكبار اللي كلامهم منحصر بس في الجواز والسترة والحاجات دي؟
— لا يا مرام أنا مش بعمل زي الستات الكبار، أنا بس بفكر معاكي؛ واحد بيحب واحدة على حسب كلامك، يستني ليه وهو ظروفه كويسة زي ما بتوصفي؟ يقعد بس يلاغي ويلقح بكلام حلو عليها في الرايحة والجاية وما ياخدش أي خطوة جدية ليه يعني؟
غضبت مرام وأشاحت بوجهها عن صديقتها، لترد بإنكار رغم أن داخلها يقر بصحة هذا المنطق:
— أكيد هيجي هياخد خطوة طبعاً، ما هي دي النتيجة الطبيعية لأي حكاية بين اتنين بيكون في ما بينهم إعجاب، وأنا عارفة وشايفة كويس إن هي دي الصورة الصح للموضوع بتاعي.
وفجأة، اخترق صوت مباغت خلوتهما متسائلاً بفضول:
— هو إيه موضوعك بقى؟
شهقت مرام مذعورة من صاحبة الصوت التي اقتحمت حديثهما فجأة، ووضعت يدها على صدرها وهي تتمتم بانزعاج:
— اخص عليكي يا لميا! كدة برضوا تخضيني؟
ضحكت لميا وهي تحشر نفسها بجانبهما على المقعد الدراسي قائلة بـ “غلاسة”:
— سلامتك من الخضة، أنا بس طبيت فجأة لما سمعت عن سيرة إعجاب وشباب.. إيه يا ميمو؟ هو إحنا فينا من الكلام ده برضوا؟ دا انتي طلعتي بلوة مسيحة انتي والكهينة دي!
أشارت بعينيها نحو ندى، فاستفز الأسلوب الأخيرة لترد بضيق:
— إيه كهينة دي؟ ما تخلي بالك من كلامك يا لميا أنا مبحبش كدة.
لوت لميا فمها وردت بتهكم وسخرية:
— معلش يا أبلة، هبقى أنقي كلامي مدام ما بتحبيش كدة.
شعرت ندى بالاختناق من أسلوبها، وزاد الأمر سوءاً حين تجاهلتها لميا تماماً ووجهت كامل اهتمامها لمرام تسألها:
— وانتي يا حلوة، مش هتقولي بقى قصتك؟
— قصة إيه؟
— يا بت بلاش تحوري، دا أنا سامعة بوداني ع اللي فيها.. قولي بقى ومتبقيش غلسة.
قاطعتها ندى بحدة:
— يعني كمان رامية ودانك معانا من فترة؟ على فكرة بقى عيب أوي اللي انتي عملتيه ده.
كشرت لميا بوجهها وهمّت بالرد، لكنها فاجأت ندى بتجاهلها للمرة الثانية، والتفتت لمرام وكأن ندى غير موجودة أصلاً:
— ها بقى يا ميمو، مش هتقوليلي عن الحلو اللي شاغلك؟
لم تعد ندى تحتمل هذا الوضع، فنهضت فجأة قائلة بنرفزة:
— أنا خارجة الحوش يا مرام، لو عايزاني حصليني.
همّت مرام باللحاق بها، لكن لميا أمسكت بها قائلة بعتب:
— ما تخلي عندك ذوق يا ست مرام، هتقومي وراها وتسيبيني؟
— مش قصدي والله، بس أنا عشان زعلها.. ندى على قد طيبتها لكن زعلها وحش. (قالتها مرام بإحراج).
— ويعني انتي غلطتي فيها عشان يهمك زعلها؟ ولا هي عايزة تتحكم فيكي وخلاص؟
سهمت مرام بتأثر بعد أن زعزعت لميا ثقتها بكلامها، وفي النهاية خرج صوتها مدافعاً:
— لا طبعاً أنا عندي شخصية ومش أي حد يمشيني على كيفه، بلاش تقولي كدة تاني مرة عشان مزعلش منك يا لميا.
ضحكت الأخيرة قائلة:
— حاضر يا حبيبتي مش هقول كدة، المهم بقى، ناوية تتكلمي ولا هتخافي من ست الناظرة؟
— مش حكاية أخاف منها والله.
— أمال إيه بقى؟ مش واثقة فيا مثلاً؟
— لا يا لميا متقوليش كدة.
— خلاص مش هقول كدة، بس انتي اثبتي.
خرجت من مرام تنهيدة طويلة تنم عن قلة حيلتها، قبل أن تستسلم أخيراً وتقص عليها كل شيء. وبإلحاح مبالغ فيه، أو ربما بسبب ضعف شخصية مرام التي قبلت مرافقة لميا لتعودا معاً من المدرسة إلى المنزل، لكي ترى لميا ذلك الجار الذي يغازلها كما تزعم.
نزلت مرام من الحافلة (الميكروباص) عند بداية الطريق، فاستنشقت الهواء باضطراب وهي تلتفت نحو لميا وتوصيها:
— احنا دلوقتي داخلين على الشارع اللي فيه بيت مصطفى والقهوة اللي بيقعد عليها قريب من بيتنا، ابوس إيدك يا لميا ما تعمليش اي حركة مش مظبوطة مش ناقصة اي مشاكل.
لوكت لميا العلكة في فمها وردت وهي ترفع حاجبها باستنكار:
— مشاكل ليه ان شاء الله يا ست مرام؟ هو انتي تعرفي عني بتاعة مشاكل ولا ايه يعني.
أجابتها مرام بقلق وخوف شديدين:
— والله ما قصدي، انا بس مش عايزة ماما تاخد بالها من حاجة اصلها صعبة اوي وتترعب من اي كلمة تتقال علينا.
— لا من الناحية دي اطمني، حركي رجلك بقى هو احنا هنفضل طول اليوم واقفين محلنا هنا ولا ايه؟
قالت لميا كلماتها وضر,بت ذراع مرام بخفة ثم تحركت تسبقها، بينما غمغمت الأخيرة برعب وإحساس بالندم:
— يا داهية سودة عليكي يا مرام! انا ايه اللي كان خلاني غلطت بس وقولتلها؟ دي ما صدقت وشيبطت.. اعمل ايه ياربي مع اللزقة دي!
التفتت لميا لتخرجها من شرودها:
— انتي لسة متحركتيش يا مرام؟ مش ناوية ترجعي بيتكم ولا ايه؟
اضطرت مرام للتحرك واللحاق بها وهي تعض على أصابعها من الغيظ، تلعن غباءها لأنها لم تستمع لنصيحة ندى وتحذيرها الدائم من الاختلاط بفتاة مثل لميا؛ تلك التي تُظهر نصف شعرها من الحجاب وتتحدث دائماً بلغة العيون والحواجب، فضلاً عن مزاحها الدائم مع الجميع في المدرسة لتتبدى مرغوبة في عيون الكل.
سألتها لميا بفضول:
— ها قوليلي حبيب القلب قاعد ولا لأ؟ في شوية شباب حلوين هناك اهو قلبي حاسس انه واحد منهم.
كانت مرام تشعر بخجل قاتل، فردت وهي توجه نظرها للأمام وتهمس:
— الله يخربيتك هتودينا في داهية، عيب تبصي ع الرجالة اللي ع القهوة هو انتي عايزة تفضحينا؟
— طب قوليلي طيب هو أنهي فيهم؟ (كررت لميا بإلحاح مستفز).
رفضت مرام بعناد وزادت من سرعة خطواتها:
— والله ما قايلة حاجة وماشية وسايباكي.
أسرعت مرام في مشيتها واضطرت لميا للهرولة خلفها، قبل أن تنتبه فجأة إلى الشاب الوسيم الجالس في الطرف الآخر من المقهى وحيداً، وعيناه مركزتان على مرام وهو يلقي بكلماته الجميلة كالعادة:
— ولا يا حوكشة.. روح اشتريلي عسل عشان انا بمو,ت في العسل.
قال جملته الأخيرة بابتسامة واسعة جعلت لميا تتأكد أنه المقصود، وحاولت التأكد من صديقتها، لكن مرام كانت غاضبة وتمشي بسرعة دون أن تلتفت، متجاهلة الأمر تماماً.
أما مصطفى، فقد ظل مركزاً يتابع أثرهما، رغم إحساسه بتغيرها، واستغرابه من أسلوب الفتاة المرافقة لها التي كانت تلتفت نحوه بشكل يثير الفضول.
بعد مدة وجيزة، كانت الفتاتان داخل غرفة مرام بعد أن تجاوزتا المقهى ودخلتا البيت، حيث استقبلتهما ثريا بترحاب:
— اهلا يا حبيبتي نورتينا وانستينا.
— الله يحفظك يا طنت دا نورك.. مرسي. (ردت لميا برقة أذهلت مرام).
— يا ختي مرسي على ايه بس؟ لكن دي اول مرة تنورينا، مجتش معاكم ندى ليه اهي تشاركم في المذاكرة؟
تطوعت مرام بالرد السريع:
— ندى روحت بدري مع اخوها النهاردة ملحقتش تمشي معانا، أكيد هو هيراجعلها ويسألها ما انتي عارفة مدرس.
تنهدت ثريا ورفعت عينيها نحو السماء قائلة:
— عقبالكم انتوا كمان، ما هي الثانوي الفني ليها مستقبل كمان لو كملتوا، شدوا حيلكم بقى.
— أكيد يا طنت ربنا كريم.
قالتها لميا، قبل أن تسحبها مرام من يدها وهي تستأذن والدتها:
— ربنا كريم ادعيلنا بقى يا ماما احنا راحين نراجع.
— روحوا يا حبايبي وانا هحضر لكوا غدا ربنا يوفقكم يارب وتجيبوا نتايج حلوة يارب.
على صوت الدعوات دخلت مرام غرفتها المشتركة مع أختها، وتبعتها لميا التي لم تصدق انفرادهما لتبدأ الحديث:
— يا لهوي عليكي يا بت يا مرام! دا الواد اللي بيحبك طلع حليوة وجامد، انتوا ازاي ما تخطبتوش لحد دلوقتي؟
وضعت مرام يدها على فمها بقلق وهي توشوشها:
— يا نهار اسود عليا وعلى سنيني! وطي صوتك لامي تسمعك ولا تيجي ريهام من جامعتها وتفاجئنا بحضورها.
كشرت لميا وخفضت صوتها:
— خلاص متخافيش اوي كدة انا بس فرحنالك، وعشان كدة بسألك.. انا خدت بالي من نظراته ليكي واحنا معدين دا كان هياكلك بعنيه، ولا شوفت كمان لما نده على الصبي بتاعه وقالوا: يا واد يا حوكشة هو الشارع منور اوي كدة ليه النهاردة؟
ابتلعت مرام ريقها وجلست على حافة سريرها بصمت، ثم سألت:
— يعني انتي بجد خدتي بالك بجد يا لميا؟ اصل انا بصراحة بعدي على طول ومش بقدر احط عيني في عينه.
— ايوة يا ختي وبتبقي عاملة زي الغفير! دا منظر ده؟ دا انا اتكسفت منك يا شيخة انتي مش بتديلوا فرصة يفتح سكة معاكي.
انفجرت مرام مدافعة عن نفسها:
— افتح سكة معاه ازاي يعني؟ انا بنت مؤدبة مينفعش اتكلم وارغي معاه لمجرد انه جارنا.
جلست لميا بجانبها بحماس:
— لأ يا حبيبتي ينفع مدام الأعجاب متبادل، اتحركي يا هبلة وحركيه معاكي، دا انتي بنفسك اللي قولتي انك ع الحال ده معاه بقالك فترة طويلة، اضر,بي ع الحديد وسجلي جون! دا الواد باين عليه مستريح من هيئته، وانتي كملتي التمنتاشر سنة واخر سنة في الدبلوم يعني ده الوقت المناسب عشان تتجوزي وتغيظي البنات بشبكتك.
كان كلامها مقنعاً لمرام لدرجة أنها سرحت معها، لكنها لم تقتنع بفكرة المبادرة، فردت بعدم رضا:
— يا لميا انا مقدرش اعمل كدة، ثم يعني هعملها ازاي دي؟ اروح اقعد معاه ع القهوة واعرفه مثلا؟ ولا انده عليه واخده على جمب؟ والنبي بلاش افكارك دي.
مصمصت لميا شفتيها ونهضت لتفتح باب الشرفة بجرأة، فانتفضت مرام تمسك ذراعها وتهمس بحذر:
— انتي رايحة فين؟ ومالك ومال البلكونة يا لميا؟
استغربت لميا من فعلتها، لكنها حين نظرت للشارع وفهمت الموقف ضحكت بصوت عالٍ:
— إيه ده إيه ده يا حلاوة؟ دا السلك ملمس هنا كمان والجو مودي على طول على سكة الحبايب!
همست مرام برعب:
— ابوس إيدك توطي صوتك وضحكتك مش ناقصة فضايح انا في الشارع اللي ساكنة فيه.
— هوطي صوتي وهبقى مؤدبة وقمورة كمان بس انتي سيبي دراعي، انا هديها باصة عادية من البلكونة فيها إيه دي بقى؟
استسلمت مرام وتركتها وهي توصيها:
— اديني سيبتك اهو بس وحياة الغالين عندك يا شيخة ما تعملي حاجة تضرني.
— وحياتك انتي عندي ما هعمل أي حاجة وحشة حصليني بقى.
وقفت لميا عند السور، وظلت مرام مكانها تبرطم بندم:
— كان لساني اتقطع يوم ما حكيتلك يا لميا.. استرها معايا يارب.
زاد غيظها حين التفتت إليها لميا تغمز بابتسامة:
— الجو هنا حلو خالص.. يا بختك يا ست مرام هههههه.
بتردد شديد، لحقت مرام بتلك المجنونة ووقفت بجوارها تستند على السور الخرساني، وكانت في غاية الخجل من نظرات الرجال الجالسين على المقهى.
وكزتها لميا بكوعها تداعبها:
— ايه يا بت منزلة عينك كدة ليه؟ مش تبصي ع الحليوة اللي بيبصلك من تحت وعينه راشقة في بلكونتك ناحيتنا.
اختطفت مرام نظرة سريعة نحو مصطفى الذي كان يراقب بالفعل، لكنها عادت سريعاً تتظاهر بالانشغال بمداعبة النباتات؛ حجتها الدائمة. لم يعجب لميا هذا الوضع فقالت بضيق:
— يعني ان شاء الله هتفضلي كدة باصة ع الزرع العبيط ده وتسيبي مستقبلك؟
رفعت مرام رأسها بغضب:
— متقوليش ع الزهور والنباتات الحلوة دي انها عبيطة! دي أجمل حاجة عندي، ثم إنه كمان انا مضايقة من وقفتنا هنا ما ندخل جوا نذاكر احسن.
شهقت لميا باستنكار:
— مذاكرة! مذاكرة ايه يا هبلة انتي؟ احنا فني صناعي، يعني الواحدة الشاطرة مننا تتخرج والدبلة في إيدها وعلى بيت جوزها عدل، بلا تعليم بلا زفت.. سيبك يا بت من الهبل ده، وتعالي ركزي في مستقبلك اللي قاعد تحت مستنكي، يا لهوي دا هيمو,ت عليكي!
للمرة الثانية اضطرت مرام للنظر نحو مصطفى، لكنها لاحظت أن عينيه تتنقلان يميناً ويساراً بشكل مريب، يركز مع المارة الذين يرفعون أنظارهم نحو الشرفة وليس معها كالعادة. شعرت بالانزعاج والاختناق فتركتها ودخلت الغرفة دون استئذان، فلحقت بها لميا مستغربة.
وجدتها تجلس على طرف السرير وتشبك كفيها بتوتر، فجلست بجانبها قائلة بسخرية:
— مالك يا حلوة زرعتيها مانجة طلعت بطيخ؟ في ايه يا ست مرام دا انا عمري ما شوفت واحدة خيبة زيك كدة!
— تاني خيبة؟ (قالتها مرام بغضب وتابعت): هو انتي ليه من ساعة ما فتحت معاكي الموضوع بتأنبيني؟ هي دي حاجة بتيجي بالعافية؟ دي حاجة بتبقى نصيب زي ما بيقولوا.
— يا بت انا مش بأنب فيكي انا بس بفهمك عشان تلحلحي وتخليه يجي على بوزو يلبسك دبلة الخطوبة وتغيظي بيها البنات، طب ياريت اكون انا مكانك وجارنا بيحبني كدة دا انا كنت سويت مصطفى على نا,ر هادية عشان يخطبني ويجيبلي كل اللي نفسي فيه.
كانت مرام تنظر إليها بحيرة وتشتت؛ فكلام الخطوبة يبدو جميلاً لكنها تشعر بخطأ ما، لذا فضلت الصمت. حينها خرجت لميا بفكرة جديدة:
— بقولك ايه هو اكيد ليه حساب ع النت.. تعرفي صفحته عشان نشوفها؟
هزت مرام رأسها بالإيجاب وأخرجت هاتفها وأعطته لها. شهقت لميا حين رأت الصورة:
— ايه الحلاوة دي دا حاططله صورة البروفايل وهو راكب ع الحصان.. يا ولد يا جامد ايه الحلاوة دي!
شعرت مرام بالغيرة وخطفت الهاتف:
— بلاش معكاسة عيب اساساً.
— عيب! حلوة عيب دي بقى.. اتضايقتي عشان بس بعاكس الصورة؟ دا انتي حكاية والله. (ضحكت لميا بصوت عالٍ).
زاد ضحكها من غضب مرام، فقالت لميا:
— بقولك ايه يا مرام ما تبعتيلوا طلب صداقة واهو كدة تبقي قصرتي نص المسافة عشان تحكوا وتكلموا بعض براحتكم.
ردت مرام بذهول:
— انتي بتقولي ايه؟ إذا كان هو معملهاش اعملها أنا؟
— وماتعمليهاش ليه؟ مش يمكن مكسوف عشان انتي جارته وخايف لتكوني مش بتبادليه المشاعر؟ كدة لما تكلميه هتفتحي طريق معاه دي حاجة ساهلة اوي.
— لأ يا لميا مش ساهلة ابدا بقولك والله بتكسف ازاي ابعتله واكلمه يعني.
— طلب الصداقة دا في كل الدنيا على فكرة مش اختراع هو.
— عارفة انه مش اختراع وانا ممكن أبعت لأي حد احسه كويس أو منشوراته تعجبني بس عند مصطفى…. (سكتت لفترة ثم تابعت): انا مقدرش.
زفرت لميا بضيق وأمسكت حقيبتها وقالت:
— بصراحة انتي يا مرام حالة صعبة اوي انا كان نفسي اساعدك بس للأسف انتي نفسك محتاجة مساعدة عشان تطلعي من الشرنقة اللي حابسة نفسك فيها دي.. يلا بقى عن اذنك.
خرجت لميا تاركة مرام في دوامة من التفكير، لا تدري أيهما أصح: طريقتها أم وجهة نظر صديقتها.
في المساء، وعلى مكتبها، كانت مرام في حالة شرود عميق؛ كلمات لميا تدور في رأسها، وفي المقابل تحذيرات والدتها من الحديث مع الغرباء.
أخرجها صوت أختها ريهام من شرودها:
— إيه مالك يا مرام إنتي بتكلمي نفسك؟
— هاا… لا متشغليش نفسك انتي دي حاجة بسيطة.
— هي ايه اللي بسيطة مدام بتفكري بصوت عالي؟ كمان دا معناه انها مش بسيطة.. قولي لو عندك مشكلة.
ارتبكت مرام وحاولت الإنكار:
— مش لدرجة مشكلة يا ريهام دي حاجة مش مستهلة.
— بسيطة بقى ولا مش مستاهلة؟ ما تقولي يا بنتي ع اللي شاغلك ولا هو سر حربي يعني؟
استغلت مرام الفرصة لتعرف رأي أختها الكبرى:
— لا والله ما سر حربي هو بس حاجة كدة سمعت عنها النهاردة في المدرسة وانا بتكلم مع البنات.. شوفي يا ستي اصلهم كانوا بيتكلموا عن واحدة زميلتنا بتحب واحد معاها في المدرسة بس أكبر منها، فنفسها تكلمه عشان هو باين عليه انه بيحبها وهو ساكت، وهي عايزاه يتحرك، فواحدة من زميلاتنا اقترحت عليها تقدم عنده طلب صداقة على حسابه ع النت عشان تسهل الدنيا عليه ويبقى فيه طريقة للتواصل.
أجابت ريهام بصرامة:
— غلط.
— ايه؟
— بقولك غلط.
— غلط ليه يا ريهام؟
ردت الأخت بنبرة حادة:
— عشان هو فعلا غلط، صاحبتك لازم تعزز نفسها، وهو لو بيحبها هيلاقي الطريقة اللي توصله بيها، وأكيد يعني الحلال مفيش احلا منه.. مع أني شايفة انه مينفعش وانتي بتقولي زميلها في المدرسة يعني حتى لو كبير هيبقى كام سنة يعني؟ سيبك منهم بلاش كلام فارغ وبصي لمذاكرتك، والدتك بتحوش القرش ع القرش عشان تأمن دخولك المعهد أو الكلية بعد ما تخلصي وانتي سرحانة في مشكلة صاحبتك؟ دا ايه الخيابة دي!
كانت الكلمات قاسية وأحرجت مرام، فقررت التركيز في كتابها خاصة وأن الامتحانات بعد شهر.
في اليوم التالي، استيقظت مرام وجهزت نفسها، وذهبت لشرفتها لتلقي نظرة على مصطفى، لكن المفاجأة كانت في غيابه عن مقعده المعتاد. بحثت عنه في أرجاء المقهى فلم تجده، وظلت تنتظر حتى داهمها الوقت ودخلت والدتها الغرفة:
— انتي يا بنت انتي الساعة داخلة على تمانية ناوية تغيبي النهاردة ولا ايه؟
اعتذرت مرام وأسرعت لمدرستها، آملة أن تراه عند عودتها، لكنه لم يظهر أيضاً. كاد جنونها يطبق عليها؛ فهذه المرة الأولى التي يمر فيها يوم دون رؤيته أو سماع صوته، وأقنعت نفسها بوجود عذر قاهر منعه. وظلت تردد بقلبها: “يارب ما يكون تعب ولا مريض”.
واستمر الغياب يوماً تلو الآخر، حتى انقضى أسبوع كامل دون أن تلمحه.
أقنعت نفسها بأنه لا بد من وجود مشغلٍ هام أو ظرفٍ قاهر منعه، فباتت دعواتها الصادقة: “يارب ما يكون تعب ولا مريض”، لا تفارق لسانها أبداً. وفي اليوم التالي تكرر الأمر، ثم الثالث والرابع، حتى مضى أسبوع كامل دون أن تلمح طيفه.
كان عقلها يكاد يطير من مكانه؛ فحر,قة السؤال عن سبب غيابه تنهش تفكيرها. لا بد من وجود أمر جسيم جعله يهجر مكانه المعتاد أمام شرفتها. فقدت شهيتها للطعام، وتعثرت في مذاكرتها، وبات كل شيء حولها باهتاً وفاقداً لقيمته؛ فرؤيته كانت بمثابة النافذة التي تطل منها على الحياة، وصوته كان أعذب من كل الأغنيات. كانت تناجي طيفه بمرارة: “يا ترى ايه اللي حصلك يا مصطفى وخلاك تغيب عن عيوني بالشكل ده؟”.
وفي ذروة شرودها، تناهى إلى مسامعها فجأة صوت يشبه صوته تماماً؛ فانتفضت فوراً نحو الشرفة لتستطلع الأمر. وبالفعل، وجدت مصطفى يتحدث مع صبيه في شأن يخص الزبائن. ركزت عينيها عليه بلهفة، منتظرة أن يرفع رأسه نحوها، لكنه ظل مشغولاً وقتاً طويلاً، وهي تكاد تمو,ت شوقاً لنظرة واحدة.
وحين حدث أخيراً والتقت عيناهما، صُدمت بنظرة غريبة جافة، خالية من أي بريق لمشاعر قديمة، ولا أثر فيها لهفة الاشتياق التي تملأ عينيها هي. “هو إيه اللي حصل؟!”؛ سألت نفسها هذا السؤال بوجع حين رأته يعاود تجاهلها بتعمد، وكأنه لا يراها أصلاً.
شعرت بحزن يمزق قلبها؛ فهذا الشخص بدا وكأنه غريب عنها، ليس مصطفى الذي تعرفه. لقد تغيرت معاملته تماماً، مما أكد لها أن غيابه كان مقصوداً. هل أخطأت في حقه؟ هل تسببت في زعلٍ لا تدركه؟
تكاثرت الأسئلة داخلها دون إجابات شافية، ولم تكن تتخيل أن تهون عليه بهذا الشكل. ومع استمرار مجيئه للمقهى وتجاهله المتعمد لها، قررت أخيراً اليأس من التفاتته، والالتفات بدلاً من ذلك إلى دراستها، محاولةً نسيان الأمر رغم علمها باستحالته. صممت على النجاح لتفرح قلب والدتها على الأقل، فمستواها الدراسي يؤهلها لتحقيق حلم الجامعة أو المعهد.
لكن المفاجأة الكبرى حدثت بعد أسبوع؛ فبينما كانت عائدة من مدرستها، وعلى وشك دخول شارعهم، اعترض طريقها فجأة ووقف أمامها. تسمرت مكانها تنظر إليه باستغراب، فهي المرة الأولى التي يبادر فيها بمثل هذا التصرف. حاولت التحرك وتجنبه، لكنه باغتها بسؤال أوقف أنفاسها:
— البنت اللي اسمها لميا تبقى صاحبتك؟
سألت باستغراب مضاعف:
— إنت بتكلمني أنا؟
— ايوة بسألك انت.. ردي يا مرام. (رد وعيونه تواجهها بقوة).
صدمتها جرأته، ومع ذلك لم تستطع الاحتجاج أو التجاهل، فابتلعت ريقها وأجابت بعفوية:
— هي زميلتي في المدرسة، يعني مش لدرجة صاحبتي.
— بس دي جات معاكي ودخلت بيتكم.
— ايوة دخلت بيتنا على اساس اننا كنا هنبقى صحاب فعلا، بس انا لقيت نفسي مش برتاح لها وفضلت مع صاحبتي الأساسية ندى.. ثم انت بتسأل ليه صح؟
تغيرت تعابير وجهه هذه المرة، ورد بنبرة ألطف:
— انا بسأل عشان مصلحتك، انتي جارتي ويهمني أمرك، وهقولك الأمر بصراحة عشان تعرفي يا مرام؛
وهقولك الأمر بصراحة عشان تعرفي يا مرام؛ البنت اللي بسألك عنها دي انا أول ما شوفتها معاكي في البلكونة كنت بشبه عليها، ولما سألت عنها عرفت انها كانت ماشية مع واحد صاحبي وللأسف كانت بتعلب بيه، دا غير اني سمعت عنها قصص كتير وخوفت لتكوني ماشية انتي كمان زيها.
هتفت تدافع عن نفسها بصدق:
— والله العظيم انا عمري ما كلمت ولد غريب عني ولا عملت أي حاجة وحشة.
أجابها بثقة أذهلتها:
— عارف يا مرام.. انا اعرفك اكتر من نفسك.
جعلتها جملته الأخيرة تنظر إليه بعدم فهم، فأكمل موضحاً:
— ايوة يا مرام عارفك اكتر من نفسك، انتي بريئة ونقية زي الزهرة، بس مكدبش عليكي بصراحة زعلت منك وخوفت لبرائتك مع واحدة زي دي تخليكي تغلطي، بس الحمد لله ربنا ستر وتربية الست الوالدة مخيبتش معاكي.
شعرت بارتياح نسبي، لكن نظراته المصوبة نحوها جعلتها تخجل وتنكفئ على نفسها، فقالت محاولة المغادرة:
— ماشي.. ربنا يخليك، عن اذنك بقى.
وقبل أن تتحرك خطوة واحدة، أوقفها بسؤال آخر:
— بقولك ايه يا مرام.. هو انا لو اتقدمت لوالدتك تقبل تجوزنا؟ وانا والله هبقى اخليكي تكملي تعليم في بيتي ان كان جامعة ولا معهد.
شهقت بصدمة ممتزجة بالخجل:
— انت بتقول ايه؟ انا لازم امشي!
قالتها وأسرعت بخطواتها، لكنه نادى خلفها بصوت مبهج:
— انا هبعت والدتي عندكم، وحياة الغالين عندك يا شيخة لا تخليها توافق!
أجبرتها خفة دمه على الالتفات نحوه بابتسامة جميلة، جعلته “يهيص” فرحاً وكأنه نال الموافقة. أكملت طريقها للمنزل بخطوات سريعة وقلب يدق فرحاً؛ فمصطفى عاد إليها بشخصيته المرحة، وعادت إليها روحها التي تاهت منها، بل وطلبها للزواج أيضاً! يا له من يوم لا يُنسى.
تـمـت