غريبة في عالمك 4
الحلقة الحادية والعشرون
*عودة الماضي*
دخل وليد مكتب أخية الذي كان يجلس على كرسيه يطالع بعض الاوراق, فلفت وليد انتباهه مازحا: مش محتاج أي مساعدة ولا قررت انك خلاص هتستغنى عن خدماتي؟
فهب يوسف واقفا مظهرا مدى سعادته برؤية أخيه الصغير وتقدم نحوه يدفعه الشوق والحنين فاتحا ذراعيه: وليد بيه, مش معقول؟! وحشتني يا غالي.
فبادله وليد العناق وقد كان بالفعل يشتاق الى حضن أخيه كثيرا ولكنه فضل العتاب بلهجة مرحة وهو يدفعه بعيدا عنه بلطف: يا عم اوعى كدة. دة انت حتى ما كلفتش خاطرك واتصلت تسأل عليا ولو مرة واحدة.
ظهرت الجدية على وجه يوسف ولكنها كانت مبطنة بروح الفكاهة: معلش بقا يا صاحبي أصلي خفت ع الرصيد وانت عارف بقا اخوك كارت مش خط.
وليد محذرا: يوسف! انت هتعملهم عليا ولا ايه؟ انا بتكلم بجد.
يوسف: اتصل بيك فين يابني؟ انت نسيت؟ انت عريس واكيد ما كنتش فاضي للكلام دة. دة غير مراتك اللي ممكن ساعتها تخليك تتبرى مني, الا قولي صحيح , هي عاملة ايه؟
ثم غمز له بنظرة خاصة وهو يدفعه بكتفه قليلا: وانت عامل ايه معاها؟
ورغم انه كان قد أعد بعض الردود الخاصة لتلك الاسئلة الا انه شعر ببعض التوتر في صوته وهو يجيب: الحمد لله, احنا بخير.
وبالطبع فهو يستطيع أن يخدع الجميع بابتسامته الكاذبة وسعادته الزائفة إلا شخصا واحدا وهو يوسف جلال الذي لم تنطلي عليه تلك الحيلة, ولكنه قرر ألا يتدخل في الأمر الا اذا طُلب منه ذلك. فألقى نظرة سريعة الى ساعة يده, واكتسى وجهه بالجدية وهو يقول بصوت أراده أن يكون صارما: طيب قولي بقا انت ايه اللي اخرك؟ ولا الجواز علمك الكسل؟
وليد وهو يمسك بيد أخيه ليجلسه بجواره: طب تعالى بس اقعد عشان انا عاوزة اكلمك في موضوع مهم.
يوسف وهو يجلس بجوار أخيه: دة انت مش جاي عشان الشغل بقا.
وليد: ما هو الموضوع اللي انا هكلمك فيه دة هو موضوع شغل بردو.
يوسف مازحا: شكلك كدة عاوز زيادة في المرتب طبعا بقا يا سيدي مانت بقيت رب اسرة. ع العموم اطمن انا عملت حساب الموضوع دة.
وليد جادا: لا يا يوسف, انا كنت عاوز أستقيل من الشغل.
يوسف مندهشا: تستقيل! ازاي يعني؟ طب ليه؟
وليد: مانا يا عم يوسف مش هفضل حابس نفسي في وظيفة ومرتب طول العمر.
يوسف: مانت اللي كنت عاوز كدة. مانا ياما عرضت عليك تمسك معايا الادارة وانت كنت دايما بترفض. ع العموم احنا لسة فيها, والشركة شركتك زي ما هي شركتي ودة حقك يابني.
وليد: يا يوسف انت فهمتني غلط. انا بفكر في حاجة تانية, بصراحة كدة انا عاوز افتح شركة لوحدي, وكنت جاي أخد رأيك في الموضوع.
يوسف بعد لحظات من التفكير: تشتغل لوحدك؟!اممممممم, انت فكرت كويس في الموضوع دة؟
وليد: مانت عارف يا يوسف اني بفكر فيه من زمان.
يوسف: اه بس ما كنتش عارف انه هيحصل بسرعة كدة.
وليد ببعض الاحباط: لو انت عاوزني اجله مفيش مشكلة.
فربت يوسف على كتفه بتشجيع: لا يا صاحبي, اعمل انت بس دراسة جدوى وشوف هتبدأ امتى؟
وليد بحماس زائد: انا اليومين اللي فاتوا دول كنت بعمل دراسة الجدوى وخلصتها تقريبا وناوي ان شاء الله أبدأ في أقرب وقت.
يوسف مداعبا: عملت دراسة الجدوى في اليوم اللي فاتوا؟
ثم أكمل ساخرا: وهي العروسة فتحت نفسك ع الشغل بالشكل دة؟!
أدرك وليد الخطأ الذي أوقع نفسه فيه, وقد لام نفسه كثيرا على ذلك فهو يعلم جيدا أن أخيه لا يفوته شاردة أو واردة, لذا حاول تدارك الأمر سريعا فاغتصب ابتسامة وهو يقول: وبعدين معاك يا يوسف. انت مفيش كلمة بتعدي عليك أبدا من غير ما تعلق عليها؟
يوسف بجدية ونظرات معاتبة:: دة لانها اول مرة تكدب عليا فيها يا صاحبي.
بدا ان وليد لم يدرك ما يقصده أخوه فسأله مستوضحا: وانا كنت كدبت عليك في ايه يا يوسف؟
يوسف بنظرة خاصة: يعني انت مش عارف؟
وليد بصدق: لا مش عارف, طب قولي انت يمكن أكون مش واخد بالي.
فأمال يوسف ناحيته قليلا و وقرر أن يكون سؤاله مباشرا بدلا من تلك المراوغة العقيمة التي لم يعتادها مع اخيه: انت ليه لما سألتك قبل جوازك اذا كان فيه حاجة حصلت بينك وبين حياة أنكرت؟
وليد: لان دي هي الحقيقة, ما كنش فيه حاجة حصلت بيني وبينها قبل الجواز.
ثم أكمل يقول لنفسه بألم: ولا بعد الجوز.
بدا ان يوسف لم يكتفِ بهذا الرد, بل انه لم يقتنع به على الاطلاق لذا أكمل استجوابه: أمال ليه كان كل اللي حصل دة في ليلة الدخلة؟ انت عارف لو كان أهلها صمموا ع اللي هما عاوزينه ما كنش حد هيقدر يمنعهم ولا انا شخصيا.
وامتلأ صوته بنبرات العتاب واللوم وهو يستطرد: ليه يا وليد؟ مادام كنت ناوي تتجوزها من البداية يبقا ليه تستعجل وتحط نفسك في موضع شبهة؟
شعر وليد بأن كل كلمة يقولها يوسف وكأنها سكين بارد يمزقه إربا, أو كأنها الملح الذي وُضع على جراحه ليزيد من آلامه, ولانه لم يستطع أن يتحمل نظرات الاتهام في عينيه فاندمع مدافعا عن نفسه بصوت أجش: هتصدقني يا يوسف لو قولتلك اني بريء م التهمة دي؟ واني والله ما لمست حياة قبل الجواز؟
يوسف: امال مين؟
صدمه السؤال ولم يستطع ان يرد عليه, فقال يوسف ليستحثه على الكلام: شوف يا وليد, انا مش بس أخوك الكبير دة انا كمان اللي مربيك, يعني انا ادرى واحد بيك, وانت من ساعة ما قررت انك تتجوز حياة وانا شاكك ان فيك حاجة غلط, يمكن صحيح تكون بتحبها بس انا ما شفتش في عنيك فرحة العاشق الولهان اللي صبر ونال. وليد! انت أخوية, وحياة بقت خلاص مراتك, يعني سمعتها عندي بقت من سمعتك وانا هقدر أحافظ ع الاتنين.
لم يجد وليد مفر من الرد على أخيه الذي لن يهدأ الا اذا علم الحقيقة كاملة كما انه كان في حاجة اللى دعم أخيه في هذا الشأن.
فاستجمع كل شجاعته وهو يقول: انا هقولك على كل حاجة يا يوسف لاني بجد بقيت محتاجلك اوي وما بقتش عارف اعمل ايه ولا اتصرف ازاي؟
يوسف: قول وانا سامعك.
وأخذ وليد يسرد على أخيه كل قصته مع حياة بالاضافة الى ما علمه من مريم الى ان انتهى وهو يقول بتنهيدة كبيرة تدل على ما يعانيه من الم و حيرة: هو دة كل اللي حصل.
تعاطف يوسف مع أخيه وهو يتخيل ما يحمله على عاتقه من هم صعب على أي انسان ان يتحمله, فسأله بثبات وقد قرر التزام الموضوعية في تعامله مع هذا الأمر: وناوي على ايه؟
وليد: مش عارف.
يوسف: أهم حاجة انك تكون واثق ان مراتك ضحية ومالهاش أي ذنب في اللي حصل, ولازم تتصرف معاها ع الاساس دة. وتعيش حياتك بقا. دي بقت مراتك خلاص
فأومأ وليد برأسه قليلا وهو يقول بغموض: ان شاء الله.
يوسف بتشكك: مش عارف ليه حاسس ان في دماغك حاجة تانية ومش عاوز تقولها.
وليد بتأكيد: بصراحة كدة اه, انا كنت محتاج مساعدتك في حاجة كدة هتوفر عليا كتير.
يوسف: حاجة ايه؟
هقولك بس مش دلوقت, انا كل اللي يهمني دلوقت اني افتح الشركة الاول وبعد دراسة الجدوى فاتضح اني هحتاج ع الاقل خمسة مليون جنيه كبداية, عشان كدة فانا كنت عاوزك تشتري نصيبي في الشركة و لو مش فيه سيولة كافية تغطي نصيبي فممكن تديني الخمسة مليون دلوقت وبعدين تديلي باقي المبلغ على دفعات. او زي ما تحب.
فسأله يوسف بعيون غاضبة: انت عاوز تنفصل عني للأبد بقا.
فسارع وليد الى النفي: لا طبعا انا ما كنش قصدي كدة, انا بس كنت………..
فقاطعه يوسف بحسم: خلاص يا وليد, بس انا عاوز اقولك حاجة مهمة لازم تحطها حلقة في ودنك, احنا ما ينفعش ننفصل عن بعض لاننا ملناش غير بعض, وطول ماحنا سوى هنبقا أقوياء ومحدش هيقدر يتغلب علينا, لكن لو كل واحد فينا مشي في سكة لوحده فهيبقا سهل أوي لاي راجل اعمال تاني انه يكسر شوكتنا, فاهمني يا صاحبي؟
وليد باذعان: فاهمك يا يوسف.
يوسف:اوك, يبقا من بكرة ان شاء الله هتلاقي المبلغ موجود في حسابك بالبنك, واي مبلغ تاني هتحتاجه قولي عليه من غير ما تتردد, فيه حاجة كمان كنت عاوز أطلبها منك.
وليد: ايه؟
يوسف: انا عاوز الشركة بتاعتك تكون قريبة من هنا, عشان خبر زي دة ممكن يهز السوق ويعرفوا ان حجم تعاملتنا كبر.
وليد: مفيش اي مشكلة بس فين المكان اللي ممكن ينفع؟
يوسف: فيه فيللا قريبة من هنا صاحبها عارضها للبيع بحوالي مليون ونص تقدر تشتريها وبشوية ديكور بسيط ممكن تتحول لشركة.
وليد: تمام أوي كدة ودة ممكن يوفرلي في التكاليف كمان. دة غير ان الموقع هنا ممتاز.
يوسف: اوك, يبقا من بكرة ان شاء الله هتصل بصاحب الفيللا .
وليد بحماس: وليه من بكرة يا عم يوسف, ما خير البر عاجله ونروح النهاردة.
يوسف موافقا: أوك, انا هخلي مي تجيبلي رقمه وهتصل بيه وأحدد معاه ميعاد.
وليد: اوك يا صاحبي, ويبقا اتصل بيا وبلغني بالجديد.
يوسف: ان شاء الله. وفيه طلب كمان ياريت تنفذه.
وليد: طلب ايه؟ عينيا يا كبير.
يوسف: انت هتفضل في مركزك بالشركة هنا لحد ما تخلص اجراءات شركتك او ع الاقل لحد ما نلاقي حد تاني ممكن يقوم بشغلك.
وليد: طبعا يا يوسف من غير ما تقول.
يوسف بابتسامة عريضة وهو يمد يده الى وليد: يبقا اتفقنا يا صاحبي.
فصافحه وليد بحرارة كعلامة للاتفاق: احنا عمرنا ما اختلفنا يا كبير, ويارب دايما ما نختلف.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
بعد ان استقبلها الجميع بالحفاوة والترحاب سألتها هالة بمشاكسة: بس ايه دة؟ دة انتي طلعتي جبارة على كدة, ازاي قدرتي تقنعي جوزك انك تنزلي تالت يوم جواز.
حياة بابتسامة مزيفة وهي تخفي مدى الالم الذي يعتصر به قلبها: لا, ماهو انا ووليد كنا متفقين على كدة من الاول. وهو كمان نزل الشغل من النهاردة.
سلمى بصرامة: طب ياللا بقا يا حياة وبلاش تضييع وقت اكتر من كدة, كفاية الايام اللي فاتت.
حياة بانصياع لاوامر صديقتها المخرجة: اوك وأنا جاهزة.
ثم تلفتت حولها وسألت: امال فين البنت مريم؟ وكمان استاذ خالد مش ظاهر ليه؟
سلمى: استاذ خالد استأذن انه هيتأخر النهاردة يعني شوية كدة وهييجي ان شاء الله, اما مريم فاتصلت بيا وقالتلي انها مش هتقدر تيجي دة غير انها طلبت مني اني اسمحلها تنفذ الشغل المطلوب منها في البيت. وابقا اروحلها عشان اشوفه.
حياة مندهشة: غريبة اوي! وما قالتش ايه السبب؟
سلمى: حاولت اني افهم منها لكن واضح انها ما كنتش حابة تقول اي حاجة, عشان كدة مش رضيت اضغط عليها ووافقت على اقتراحها.
حياة: واضح ان الامر ما يطمنش. ع العموم بعد ما نخلص هبقا اعدي عليها ان شاء الله وافهم منها ايه اللي بيحصل.
سلمى: اوك, ويبقا طمنينا بردو اصلها تعبت شوية امبارح ويمكن دة السبب اللي خلاها ما عرفتش تيجي, وقوليلها ان شاء الله اني هعدي عليها بكرة.
وهنا دخل خالد ملقيا التحية بلهجة مرحة ومشددا على كل كلمة بها: السلام عليكن ورحمة الله وبركاته.
فرد الجميع: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
ثم وجه كلامه الى سلمى: اولا انا اسف ع التأخير.
سلمى: مفيش داعي للاعتذار, حصل خير
وأكمل ناظرا تجاه حياة: وثانيا, حمدالله ع السلامة يا مدام حياة, والف مبروك ولو انها جات متأخرة شوية.
حياة بابتسامة هادئة: الله يبارك فيك.
سلمى موجهة اوامرها للجميع: اوك. بما اننا اكتملنا دلوقت فنقدر بقا نبدأ شغلنا, احنا هنبدأ الاول بالمشاهد اللي فيها حياة عشان نعوض اللي فات.
فسأل خالد بعد ان أجال بنظره في القاعة: امال فين مريم؟
سلمى: اتصلت وقالت انها مش هتيجي, اظاهر كدة انها لسة تعبانة.
فقال خالد في نفسه مخفيا دهشته امام الجميع: معقول يكون غيابها بسبب الموقف بتاع امبارح؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وبالفعل زارت حياة صديقتها في الفيللا للاطمئنان عليها ولتستفسر منها عن سبب غيابها وبعد الحاح كبير اضطرت ان تقص مريم عليها كل ما حصل ابتداء من لقائهما هي وزوجها بخالد صلاح في المطعم منتهية بقرارا زوجها الحاسم بعدم زهابها الى المسرح مجددا.
وبعد ان انتهت وعلى غير ما توقعت تماما وبدلا من الاندهاش أو المواساة رأت صديقتها تضحك بشكل اغاظها كثيرا فسألتها: ممكن اعرف بقا حضرتك بتضحكي على ايه دلوقت؟
حياة: مانتي لو كنتي بتفهمي كويس يا عبيطة كان زمانك بتضحكي معايا.
مريم بحيرة: اضحك على ايه؟ هو فيه حاجة من اللي انا قولتها تضحك؟
حياة: طبعا, دي تضحك وتضحك, وتخليكي أسعد واحدة في الدنيا كمان.
مريم: يعني ايه بقا؟ ما بقتش فاهماكي يا حياة.
حياة موضحة: أفهمك انا, تفتكري يوسف جوزك, عمل كدة ليه؟ وأكيد يعني قراره دة ما كنش من فراغ.
مريم بغيظ: استبداد بعيد عنك, اهو عاوز يفرض سيطرته وخلاص زي ما هو كمان عارف اني مش هقدر اعارضه ع الاقل اليومين دول بسبب وجود جدو هنا.
حياة: مش بقولك عبيطة
فرفعت مريم يدها مهددة: بت انتي, اتلمي احسن اضربك, وفهميني كدة بالراحة انتي تقصدي ايه؟ وشايفة يعني ليه يوسف بيعمل معايا كدة؟
حياة بصوت حالم: عشان بيغير يا جميل.
تفاجأت مريم من الكلمة ورددتها بدون وعي: بيغير!
ثم اسبعدت الفكرة سريعا وهي تقول: انتي بتقولي ايه؟ لا طبعا مش صح, وهو ايه يعني اللي يخليه يغير؟ يا بنتي اللي بيغير على حد دة يبقا اكيد بيحبه ويوسف جلال ما يعرفش الكلمة دي, يعني مش موجودة في قاموس تعاملاته.
حياة باستنكار: ليه بقا؟ هو مش راجل زي كل الرجالة ولا ايه؟!
مريم: راجل اه, بس مش زي كل الرجالة.
حياة: يعني ايه بقا؟ فهميني يا أم العريف.
مريم ساخرة: افهمك ايه اذا كنت انا اصلا مش فاهمة, المهم سيبك مني انا بقا وقوليلي وليد عامل معاكي ايه؟
أجابت حياة بألم وقد اختفت الابتسامة من وجهها: وليد! اهو دة بقا اللي انا فعلا ما بقتش فاهماه.
مريم: يعني ايه؟ بيعاملك وحش؟
حياة: لا وحش ولا حلو, هو تقريبا اصلا بيتجنب اي تعامل معايا.
مريم: ازاي بقا؟ مش المفروض انكم متجوزين وعايشين مع بعض في شقة واحدة؟
حياة: اهو زي مانتي بتقولي كدة المفروض.
مريم بعدم فهم: يعني ايه؟
حياة: يعني زي ما قولتلك, من ساعة ما اتجوزنا وهو بينام في اوضة وان في اوضة تانية وكل اللي بينا السلام عليكم و صباح الخير ومساء الخير, وهو معظم الوقت حابس نفسه في اوضة المكتب بيشتغل, وتقريبا كلامه معايا بالقطارة او تقدري تقولي انه منعدم يعني مجرد بيرد على كلامي باختصار, واكتر من كدة مفيش.
مريم بحيرة: بس تصرفه دة مناقض تماما للي قالهولك قبل الجواز لما سألتيه عن سبب اصراره للجواز منك.
حياة: ماهو دة اللي محيرني فعلا يا مريم. انا بجد ما بقتش فاهمة حاجة.
فوضعت مريم يدها على ذراع حياة تواسيها: معلش يا حياة, هو اكيد لسة مجروح. بس ان شاء الله مع الوقت هيتعود على وجودك معاه وينسى كل اللي حصل, وتبدأوا مع بعض صفحة جديدة.
حياة: وانتي بقا امتى هتبدأي مع يوسف صفحة جديدة؟
مريم: لا انا ويوسف متفقين من الاول, ان حياتنا مع بعض هتنتهي بمجرد ان جدو يخف تماما ويرجع زي الاول عشان الصدمة ما يكونش ليها تأثير كبير على صحته.
حياة بخضة: يعني هتطلقوا؟
مريم بألم محاولة اخفاءه وراء ابتسامة لم تستطع ان تخدع بها صديقتها: ايوة دة كان اتفاقنا.
فقالت لها حياة بغيظ وهي تميل نحوها: طب عيني في عينك كدة.
مريم وهي تبتعد عنها بضيق: اوعي يا رخمة و كمان انا عيني بتوجعني.
حياة مغيظة اياها وقد تأكدت من صحة ظنونها: على ماما يا ماما؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي منزل العائلة بسوهاج وتحديدا في حجرة النوم الخاصة بهدى, نجد هادية تجلس على سرير ابنتها وهي تقول رافضة بشكل قاطع: انا جولت لا يعني لا.
فجلست هدى بجوارها وهي تتوسل في محاولة لاقناعها: ليه بس يا اماي؟ انتي يرضيكي يعني اني مستجبلي يضيع اكدة؟
هادية: لا ما يرضنيش. وكمان ما يرضنيش اني اسيبك تعيشي لحالك في مصر. حتى اخوالك مش هيوافجوا على اكدة.
فأوشكت هدى على البكاء وهي تقول: يعني اعمل ايه بس ياربي؟ وهو كان بيدي بردك اللي حصل دة؟ ما هو مكتب التنسيج هو اللي حولني على جامعة القاهرة. وانا لازم اروح عشان اكمل تعليمي, ومش هينفع واصل اني اروح واعاود في نفس اليوم وعشان اكدة لازم افضل هناك لحد ما الدراسة ما تخلص, وكمان انا مش هكون لحالي , انا هيكون معايا زملاتي المغتربات.
هادية وهي تصر على اعتراضها: بردك هيبجا اسمكم بنات وعايشين لحالهم. ومفيش حد هياخد باله منيكم.
وبدأت دموعها تتساقط وهي تجهش بالبكاء: يعني اعمل ايه عاد؟ انا مجدرش اهمل دراستي واصل. وانتي ما يرضكيش ان حد يجول على بنتك انها جاهلة وما كملتش تعليمها.
هادية: جطع لسان اللي يجول اكدة.
ثم استطردت وقد بدأت تلين قليلا: بس انا بردك يا بنيتي مش هجدر اجنع اخوالك بكدة. انتي عارفاهم زين. عمرهم ما هيجبلوا بكدة واصل.
فكرت هدى سريعا الى ان لمعت عيناها فجأة وهي تقول: انا عندي الحل اللي هيخلي اخوالي يجبلوا اني اروح مصر ويكونوا مطمنين عليا كمان.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي مكان اخر, بفيللا واسعة ذات أثاث فخم نجد رجل الأعمال شاكر عزالدين يقف عاقدا ذراعيه حول صدره وهو يتابع المشهد بين زوجته وابنه في صمت, فلقد كانت الام تعانق ولدها بحرارة وشوق وهي تردد كلمات مثل: عماد! ابني, وحشتني اوي اوي يا حبيبي, وانت عامل ايه؟ وخاسس اوي كدة ليه يا حبيبي؟ انت ما كنتش بتاكل ولا ايه؟
فتبسم عماد وهو يهم بالرد ولكن كان والده اسرع منه: خاسس ايه يا مديحة؟ ما ترحمي الواد بقا, اكيد راجع من السفر تعبان. خليه يطلع يستريح شوية.
مديحة وهي ما زالت تتشبث بذراع ابنها وكأنها تخشى ان يهرب من بين يديها: اسيبه ازاي؟ انا لسة ما شبعتش منه, دة كأنه كان غايب عني من عشر سنين.
عماد متبسما من مبالغة والدته: يااااه عشر سنين ايه بس يا ماما؟ دول كلهم سنتين وانا جيت هنا من حوالي سنة تقريبا قضيت معاكم العيد وانتي كمان زورتيني في لبنان مرتين, آخر مرة كانت من حوالي خمس شهور
مديحة: اديك قولت بلسانك, يعني بقالي اكتر من خمس شهور ما شفتكش فيهم, يبقا ليا حق بقا انك توحشني ولا لا؟
فأومأ عماد برأسه موافقا: طبعا ليكي حق يا ست الكل, بس مش ليكي حق خالص في انك تسيبي نهال واقفة لوحدها كدة من غير حتى ما تسلمي عليها.
وأخيرا تذكرت مديحة زوجة ابنها التي انشغلت عنها في ذروة ترحيبها بقرة عينها _ولدها الوحيد_فاتجهت عيناها ناحية تلك الفتاة الطويلة التي ترتدي ثيابا ضيقة وتسرح شعرها بطريقة عصرية علاوة على كمية المساحيق الكبيرة التي استخدمتها لتزين بها وجهها وابتسامة صفراء تعلو ثغرها, فمدت لها مديحة يدا لمصافحتها: اهلا وسهلا بيكي يا بنتي, معلش بقا, انشغلت عنك, اصلك ما تعرفيش الواد دة كان واحشني اد ايه؟
وشعرت مديحة بأصابع باردة تصافحها وهي تستمع لذلك الصوت الرنان الذي يقول لها بجمود: ولا يهمك يا طنط, مانا صاحبة بيت بردو.
صدمها الرد, ولكنها تداركت ذلك سريعا وهي تقول بابتسامة مرتبكة: طبعا طبعا يا بنتي البيت بيتك, مانتي خلاص بقيتي واحدة مننا.
فاقتربت نهال من زوجها وهي تسأله بدلال: طب يا حبيبي مش هنطلع اوضتنا بقا, انا بجد تعبت اوي من السفر وعاوزة استريح.
مديحة: طيب مش هتتعشوا الاول؟
نهال: لا يا طنط انا عاملة رجيم.
مديحة بتهكم لم يلاحظه احد: وانت يا عماد هتتعشا ولا عامل رجيم بردو؟
عماد: لا يا ماما معلش انا هطلع مع نهال, انا اصلا اكلت في الطيارة. تصبحو على خير.
مديحة: اللي يريحك يا بني, وانت من أهله.
ووضع وليد ذراعه حول خصر زوجته واتجه بها الى الدور الثاني, وعندما تأكدت مديحة من صعودهما وعدم سماعهما لها اقتربت من زوجها وهي تقول بضيق: مش عارفة ليه يا شاكر انا قلبي مش مستريح للبنت مراة ابنك دي؟
شاكر مبتسما بمشاكسة: اه, هو احنا ابتدينا الغيرة بقا ولا ايه؟
مديحة: غيرة ايه؟ انتي فاكرني بهزر؟
شاكر: يا حبيبتي, ابنك لو كان اتجوز اي واحدة غيرها كنتي بردو مش هتستريحيلها, لانها في نظرك هتكون واحدة ست جات خطفت منك ابنك الوحيد.
مديحة نافية: لا يا شاكر, انت عارفني انا كنت بحلم باليوم اللي الاقي فيه عماد متجوز وعايش حياة مستقرة, بس البنت دي مش مظبوطة.
شاكر: يبقا ملناش دعوة, ابنك هو اللي اختارها وهو اللي يتحمل نتيجة اختياره, ومين عارف, ما جايز كل شكوكك دي تطلع مش صحيحة ويبقا هي دي فعلا البنت اللي هتقدر تسعده.
فقالت مديحة بتمني: يارب يكون كلامك دة صح, وانا هكون عاوزة ايه يعني من الدنيا غير اني اشوف ابني مبسوط ومتهني مع مراته, واشوف ولاده بيجروا ويتنططوا ادام عينيا.
ثم قالت وهي تهم بالذهاب: لما اروح بقا اقول لسعدية تجهز العشا لينا احنا الاتنين.
فقال شاكر مازحا وهو يحاول ان يقلد صوت نهال: لا خليه لواحد بس اصل انا عامل رجيم.
فتبسمت زوجته ردا على مزاحه, وهي تتجه ناحية المطبخ بسعادة تغمرها وهي تحمد ربها على عودة ولدها من جديد بعد غياب طويل حتى وان كانت في صحبته زوجة كنهال.
الحلقة الثانية والعشرون
*حليف جديد وعدو آخر*
كان يوسف يجلس على الأريكة في قاعة الاستقبال بفيلته وبجواره زوجته مريم وبصحبتهما عمته هادية وابنتها, فقال يوسف بلهجة ودودة: ودي محتاجة سؤال بردو يا عمتي؟ أكيد يعني هدى تقدر تشرفنا في أي وقت ولحد ماهي ما تحب.
هادية : والله يا ولدي أنا ما كنت هوافج أبدا على اكدة لولا الظروف.
يوسف معاتبا برقة: ليه بس يا عمتي؟ وهي هتقعد عند حد غريب؟ مانا بردو في الاول وفي الاخر ابن خالها وهدى طول عمرها زي أختي الصغيرة, ولا ايه؟
ثم نظر الى هدى وسألها بابتسامة ودودة: قوليلي بقا يا هدى انتي قبلتي في كلية ايه؟
هدى باندفاع وهي تقول بشيء من الغرور: قبلت في الكلية اللي انا اخترتها. كلية إعلام.
مريم باندهاش قليل: واشمعنى يعني اعلام؟
هدى بنظرة تحدي: وليه يعني مش اعلام؟ ولا اللي دخلوا اعلام يعني يبقوا احسن مننا؟
فهمت مريم الام تشير تلك الفتاة فتداركت الأمر سريعا وهي تقول بابتسامة دافئة محاولة امتصاص غضبها: لا طبعا يا حبيبتي, دة انا حتى متوقعالك من دلوقت انك هتبقي اعلامية شاطرة وزي القمر.
فردت هدى على ابتسامتها بابتسامة باردة وتقول بلهجة مقتطبة: متشكرة.
وهنا قال يوسف محاولا تلطيف الجو قليلا محدثا زوجته: طب لو سمحتي يا مريم, قولي لام ابراهيم تجهزلنا العشا.
احتجت هادية برفق وهي تتثاءب: يجعل بيتك عمران بكل خير يا ولدي, بس انا مليش نفس واصل وكمان مجدراش أجعد اكتر من اكدة, عن اذنكم بجا انا رايحة انعس في اوضتي عشان اجدر اجوم الصبح بكير وأعاود على البلد.
وبالفعل نهضت هادية لتتوجه الى حجرتها وكذلك فعلت ابنتها, فقال يوسف وهو يقترب منها: بس معقول هتمشي بسرعة كدة؟ طب ما تخليكي قاعدة معانا يومين او تلاتة كمان.
هادية: مانت خابر يا ولدي اني ما برتاحش غير في بيتي.
يوسف موافقا: خلاص اللي تشوفيه.
هادية وهي تضع يدها على كتفه في حنان: مش هوصيك عاد على بت عمتك. دي امانة في رجبتك يا ولدي.
يوسف مطمئنا:ما تخافيش يا عمتي, هدى في عينيا الاتنين.
هادية: تسلم عيونك يا ولدي. ياللا تصبحوا على خير بجا.
مريم ويوسف: وانتي من اهل الخير.
وصعدت هادية الدرج وبرفقتها ابنتها هدى, ثم نظر يوسف الى زوجته التي جلست مكانها مرة أخرى, فقال لها باقتطاب: طيب انا هدخل المكتب عشان عندي شغل لازم اخلصه.
مريم: اوك, طيب تحب أعملك حاجة تشربها؟
يوسف: ياريت فنجان قهوة.
مريم: ماشي, خمس دقايق ويكون عندك.
وتوجهت مريم ناحية المطبخ لتعد القهوة, اما يوسف فتوجه الى مكتبه لانجاز أعماله.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت حياة تقف في المطبخ تغسل بعض الأطباق بعد تناول العشاء بصحبة وليد, وبعد أن انهت عملها ولأنها لم تكن تشعر برغبة في النوم وخصوصا في هذا الوقت المبكر لذا قررت أن تشغل نفسها قليلا في ترتيب وتنظيف مطبخها وقد استغرق منها ذلك بالفعل بعض الوقت, ولكن مازال الوقت مبكرا. فكرت حياة في أنه لم يعد لديها سوى خيارين فإما ان تخرج لتجلس برفقة وليد الذي كان يشاهد التلفاز كعادته دائما كل مساء وفي تلك الحالة يجب أن تكون مستعدة تماما لسماع تعليقاته المريرة أو أن تكون قادرة على تحمل تجاهله الذي لا يطاق, وإما أن تتوجه إلى غرفتها لتجلس بمفردها وتصبح عرضة لتلك الذكريات الأليمة التي كانت تراودها منذ ذلك الحادث, ولكنها حسمت أمرها أخيرا لتختار أهون الأمرين فأعدت كوبين من النسكافيه وتوجهت إلى حيث جلس وليد, ولكنها وجدت أن التلفاز كان مغلقا و وليد كان مشغولا في قراءة شيء ما, وعندما دققت النظر وجدت أنه لم يكن سوى سيناريو المسرحية التي تقوم بتمثيل دور البطلة بها, وضعت حياة الصينية التي كانت تحملها على المنضدة الصغيرة التي أمام وليد و هي تقول ببعض الحذر وخوفا من أن يصدها كعادته: انا عملتلك كوباية نسكافيه معايا.
ولكنه لم يرفع نظره عن السيناريو الذي في يده واكتفي بقول كلمة واحدة: شكرا.
فأخذت حياة الكوب الخاص بها ثم جلست على كرسي بجوار الاريكة التي كان يجلس عليها وليد وهي تنظر اليه بتوجس, فبدا أنه قد أعطى كل تركيزه لهذا السيناريو, فهل حاز على اعجابه بالفعل؟ وقررت أن يكون ذلك هو محور نقاشهما فربما يكون هذا الموضوع هو نقطة التقائهما, لذا سألته ببعض الشجاعة التي قد تحلت بها ولكن بصوت ضعيف: عجبتك؟
يبدو انه لم يسمعها , فكررت السؤال بنبرة أعلى: بقولك المسرحية عجبتك؟
رفع وليد نظره عن الورق الذي في يده لينظر الى حياة وكأنه لم ينتبه لوجودها الا في هذه اللحظة, ثم أغلق السيناريو و وضعه على المنضدة بجوار الصينية التي أخذ منها كوب النسكافيه وارتشف بعضا منه, وعندما بدأت حياة تيأس في احتمالية رده على سؤالها ,قال أخيرا: هو مين اللي بيقوم بدور البطل؟
حياة: معيد عندنا في الكلية اسمه خالد صلاح.
وليد: بس انتي ما قولتليش قبل كدة ان هيكون معاكم راجل في المسرحية.
حياة وقد أربكها كلامه: احنا اصلا ما جتش اي فرصة قبل كدة عشان نتكلم فيها عن المسرحية. لكن زي مانت شايف هو راجل واحد والمفروض انه البطل بس بالاسم بس لان مفيش رجالة غيره في المسرحية لكنه بيظهر تلات مشاهد كل واحد فيهم ما بيزيدش عن خمس دقايق دة غير ان التلات مشاهد دول دايما بيكون معانا فيهم البنات سواء وهما صغيرين او وهما كبار.
فأومأ وليد برأسه متفهما: ع العموم السيناريو مش بطال مع ان القصة خيالية و صعب انها تحصل في الواقع.
حياة: ليه يعني؟
وليد: أصل صعب أوي أصدق ان ممكن تكون فيه ست زي وسام البطلة, يعني مش قادر اتصور ان النوع دة لسة موجود, الست المكافحة اللي بتعيش على ذكرى جوزها المتوفي لحد ما بتربي بناتها التلاتة وتطلعهم زي ما كانوا بيتمنوا هما الاتنين. على حسب علمي ان النوع دة انقرض خلاص.
حياة: اسمحلي اقولك انك غلطان, لان لو الواحدة فعلا كانت بتحب جوزها فبتفضل مخلصة لذكراه حتى بعد وفاته.
وليد مكررا كلماتها بسخرية ظاهرة: لو بتحب جوزها, ودة بقا معناه اني مستثنى من القاعدة دي؟
فوجئت حياة بسؤاله ولم تدرِ بم يمكنها ان تجيب فلزمت الصمت, ثم احتست كمية كبيرة من النسكافية مرة واحدة لتتجنب نظراته المهاجمة, وقررت أن تغير دفة الحديث فسألته: هو انت ليه ما بقتش بتروح شغلك بدري زي ما قولتلي قبل كدة؟
شعرت حياة بالندم من القائها لهذا السؤال ومما ذاد من شعورها ذلك تلك الفترة المليئة بالصمت عقب سؤالها مما جعلها تقول باعتذار وخجل شديد: انا اسفة؟
وليد مندهشا: اسفة! على ايه؟
حياة: عشان واضح اني اتعديت حدودي للمرة التانية وسألت عن حاجة ما تخصنيش.
وليد بنظرات باردة: يمكن يكون عندك حق, لكن مفيش حاجة تستدعي السرية, لان دلوقت او بعدين مسيرك تعرفي, انا حاليا بفتح شركة خاصة بيا, واحنا دلوقت في مرحلة اعداد المقر ودة مش مستدعي اني اكون هناك طول الوقت مجرد متابعة من وقت للتاني وطبعا ساعات بروح الشركة الرئيسية أتابع مع يوسف لحد ما يشوف حد يحل محلي.
حياة بابتسامة هادئة: الف مبروك وربنا يجعلها فتحة خير عليك ان شاء الله.
وليد وهو يصحح لها مشددا على كلمته: علينا.
لم تفهم حياة مقصده في البداية الا أن قال لها موضحا: المفروض انك مراتي واننا اسرة واحدة, وأنا مش هفضل على طول أفكرك بدة؟ المفروض انك خلاص اتعودتي على كدة.
فأومأت حياة برأسها موافقة, ثم نهضت وهي تقول: طب عن اذنك انا هدخل انام عشان اقدر اقوم الصبح بدري لأن سلمى دقيقة اوي في موضوع الحضور بدري دة, تصبح على خير.
وليد: وانتي من أهله.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
غفت مريم على الأريكة التي كانت تجلس عليها, في حين كان يوسف لا يزال في مكتبه يعمل الى أن رن جرس الباب فأفاقت من غفوتها على صوته, ونظرت الى الساعة المعلقة بالحائط لتجدها قد قاربت على الواحدة صباحا, وبالطبع كان جميع الخدم يغرقون في سبات عميق, لذا كان عليها هي ان تنهض لتفتح الباب وهي تتساءل عمن عساه يأتي في تلك الساعة المتأخرة, وما ان فتحت الباب حتى تفاجأت بعمتها تقف أمامها بعينين دامعتين فخرجت من فمها الكلمات دون ان تدري: عمتو! مش معقول.
فقالت وردة بصوت باكي: جرى ايه يا مريم, مش هتقوليلي ادخلي؟
فأسرعت مريم تقول وقد تنحت جانبا لتفسح لها مجالا للدخول: لا طبعا ازاي يا عمتو؟ اتفضلي.
فتقدمت وردة الى الداخل بخطى متثاقلة, وبعد ان اغلقت مريم الباب أشارت الى وردة بيدها: اتفضلي يا عمتو.
وفي تلك اللحظة خرج يوسف من المكتب ليتفاجأ بدوره هو الأخر لوجود وردة في ذلك الوقت ولكن ردة فعله كانت مختلفة فقد رحب بضيفته بكل ود: عمتي! اهلا و سهلا بيكي.
فقالت وردة موجهة حديثها لابنة أخيها وزوجها وهي تشعر بالحرج الشديد: انا اسفة اني جيت في وقت متأخر زي دة, بس انا عارفة ان بابا قاعد هنا وان الفيللا بتاعته أديلها فترة مقفولة.
وكان يوسف أسرع من مريم في الرد: حضرتك البيت بيتك, وممكن تيجي في أي وقت. بس هو حضرتك جاية لوحدك؟
وردة بصوت متحشرج وقد تلألأت الدموع في عينيها: كمال لما رجع من السفر وعرف اني قابلت بابا وكمان جيت معاه هنا زعقلي ولما حاولت ارد عليه طردني من البيت, وماهر لسة ما رجعش من برة, دة انا حتى جيت في تاكسي.
فقال يوسف بعيون متحجرة وغضب مكتوم: تاكسي لوحدك و في ساعة زي دي؟ دة كدة بقا كمال وهدان زودها اوي.
ثم نظر الى مريم ليقول لها وقد هدأت حدة صوته قليلا: مريم! خدي عمتك وطلعيها فوق عشان تستريح شوية, جدك زمانه في سابع نومة وما ينفعش نصحيه دلوقت.
مريم: حاضر.
ثم اقتربت مريم من عمتها وهي تحيط كتفيها بذراعه في محاولة بسيطة منها لمواساتها: تعالي معايا يا عمتو.
ثم صعدتا الى الدور الاعلى, و عاد يوسف الى مكتبه مرة أخرى.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
في فيللا كمال وهدان كان وجه ماهر يحمر غضبا وهو يمسك بهاتفه الخلوي ويحاول أن يتصل بأحدهم ولكن يبدو ان هذا الشخص لا يجيب مما جعله يهتف في وجه كمال الذي كان يجلس على كرسيه خلف المكتب بكل هدوء: ازاي بس يا بابا تسيبها تمشي لوحدها في ساعة زي دي؟
كمال: معرفش بقا أهو اللي حصل, خرجت عن شعوري وهي كمان استفذتني
ماهر: الله أعلم بقا هي راحت فين دلوقت او حصلها ايه؟ تليفونها مقفول وكمان عند جدي محدش بيرد واكيد يعني هي مش ممكن تكون راحت البلد دلوقت.
كمال: تلاقيها راحت عند يوسف جلال, هي عارفة ان جدك قاعد عنده.
ماهر: انا مش معايا رقم يوسف, بس اكيد هلاقيه في الدليل هروح اشوفه.
ثم خرج سريعا دون ان ينتظر اي تعليق من والده.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كان يوسف لا يزال جالسا في مكتبه يطالع بعض الاوراق حين رن جرس الهاتف, فرفع السماعة ورد قائلا: الو…….ايوة انا يوسف جلال.
ثم تبدلت ملامح وجهه فجأة ليحل محل الهدوء الغضب وهو يقول: ايوة يا ماهر….تفتكر ان من الشهامة اللي والدك عمله دة؟………..ايوة هي لسة واصلة من شوية………لا تلاقيها نايمة دلوقت تقدر تتصل بيها بكرة……..أكيد طبعا تقدر تشرف في أي وقت……..اوك مستنيك بكرة………مع السلامة.
وانهى يوسف المكالمة ليعيد السماعة مكانها مرة أخرى, وقد أخذ يفكر قليلا وقد ظهرت الحيرة على وجهه وهو يقول محدثا نفسه: يا ترى ناوي على ايه يا كمال انت وابنك؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ارتمت وردة في حضن والدها وهي تجهش بالبكاء فأخذ عبد الرءوف يطيب خاطرها بكلماته الحنونة حيث كان قلبه يتمزق لبكاء ابنته, ووقفت مريم بجوارهما وهي تربت على كتف عمتها علها تخفف من حزنها: خلاص بقا يا عمتو, ان شاء الله كل حاجة هتتصلح.
وسمعوا طرقا على الباب فقالت مريم للطارق: ادخل.
دخل يوسف بابتسامته المشرقة الكفيلة باذابة أي حزن: صباح الخير.
فرد الجميع: صباح النور.
وقال عبدالرءوف بلهجة مرحة: معلش بقا يا يوسف ع الازعاج دة, وواضح كدة ان احنا هنزحملك الفيللا.
يوسف بنظرة لائمة: انا هعمل حساب انك لسة مريض ومش هينفع أحاسبك على كلامك دة دلوقت بس انت عارف كويس انه عيبة في حقي.
عبدالرءوف معتذرا: في دي بقا عندك حق, معلش بقا يا سيدي انا مريض و شكلي بخرف.
وردة: بعد الشر عليك يا بابا, بس انا بعد اذنك شايفة اننا لازم نمشي بقا ونرجع الفيللا وانا هكلم الشغالين عشان يروحوا ينضفوها الاول.
فقال يوسف بلهجته الحاسمة التي لا تقبل أي نقاش بعدها: عمي لسة ادامه ع الاقل يومين لحد ما يقدر يقوم من السرير, يعني مش هينفع يسيب هنا دلوقت.
وردة: خلاص هروح انا الفيللا وابقا اجي كل يوم اطمن عليه.
يوسف: ومين قال لحضرتك ان انا او عمي عبدالرءوف هنسمحلك بانك تروحي تقعدي هناك لوحدك؟ حضرتك هتقعدي هنا معززة مكرمة لحد ما الدكتور يسمح لعمي بالحركة , وبعد كدة لو هو قرر انه يرجع فيلته يبقا تروحي معاه.
فقالت وردة بتردد وهي تشعر بالخجل الشديد: بس يابني……….
فقاطعها يوسف: مفيش بس.
وأكدت مريم على كلامه محاولة اقناع عمتها ولكن ببعض اللين: ارجوكي يا عمتي وافقي دة انا من ساعة ما جيت مصر وانا مش عارفة اقعد معاكي فيبقا دي فرصة بقا.
فامتثلت وردة لرأي الاغلبية: خلاص اللي تشوفوه, بس انا مش جايبة معايا اي هدوم, فهروح اجيب الهدوم اللي كنت سايباها عند بابا.
يوسف: اوك, و مريم تروح مع حضرتك عشان تساعدك وفيه عربية هنا هتكون تحت أمرك في اي وقت.
فنظرت اليه وردة بامتنان: متشكرة اوي يا يوسف.
يوسف: على ايه بس؟ دة أقل واجب.
ثم قال وكأنه تذكر امر ما: أه على فكرة, ماهر اتصل بيا امبارح عشان يسأل على حضرتك لانه لقى موبايك مقفول وكمان اتصل بفيللا عمي فمحدش رد عليه طبعا, وانا طمنته ان حضرتك موجودة هنا فقالي انه هييجي النهاردة عشان يطمن عليكي بنفسه.
ثم نظر يوسف الى زوجته, وقال: ما تنسيش تعملي حسابه النهاردة ع الغدا معانا يا مريم, وانا كمان هعزم وليد وانتي يبقا كلمي حياة عشان نتلم كلنا.
مريم مندهشة: بس انت عمرك ما جيت ع الغدا.
فابتسم يوسف وهو يلمس خدها بحنان ويقول لها قبل ان يغادر: تقدري تقولي ان وحشني اكل البيت وخصوصا بقا لما يكون من ايد مراتي.
وكما اقترب فجأة ابتعد عنها فجأة: عن اذنكم بقا. سلام.
فردو عليه: مع السلامة.
فقال عبدالرءوف وقد اكتست نبرته بروح الدعابة وهو يغمز لابنته مشيرا الى مريم التي كانت لا تزال تقف مشدوهة وعينيها معلقة على الباب بعد خروجه: قال وحشه أكل البيت قال؟
فبادلته ابنته الابتسام بينما كانت مريم في عالم أخر وتشعر وكأنها في حلم جميل لا تريد أن تصحو منه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت الشمس تميل الى الغروب, وأشعتها التي قد اكتسبت اللون الأحمر تملأ المكان لتضفي عليه مزيدا من السحر والجمال والرومانسية. وكانت هدى تجلس في حديقة الفيللا تحت المظلة وهي تلاعب قطة صغيرة حين سمعت صوتا مازحا يأتي من خلفها يقول: خلي بالك عشان ممكن تخربشك.
نظرت هدى الى صاحب الصوت ليظهر ماهر ببشرته الداكنه وابتسامته الصادقة لأول مرة والمشاكسة في نفس الوقت و التي منحته الكثير من الجاذبية, كانت هدى سترد عليه بلهجة قاسية ان كان ظهر في وقت آخر لكن يبدو ان عامل الجو والمكان قد أكسبتها هي أيضا بعض الهدنة مع نفسها ومع الغير جعلها تتخلى قليلا عن طبعها الحاد, لتجيب بابتسامة هادئة وهي تتلمس شعر القطة في رقة: لا ما تخافش دي صاحبتي من أكتر من ساعتين, دة انا حتى لسة مأكلاها من شوية.
ماهر: مش بيقولوا بردو ان القطط بتاكل وتنكر؟
فضحكت هدى بصوت ساحر وهي تقول: لا, اكيد ساعتها ما شافوش بوسي.
ماهر: انتي سمتيها بوسي؟
فقالت هدى وقد نهضت من مكانها حاملة القطة وهي ترفعها أمامه : ايه رأيك مش اسم حلو؟ وكمان لايق عليها مش كدة؟
فداعب ماهر رأس القطة: حقيقي لا يق جدا, بس ممكن أعرف بقا اسمة صاحبة بوسي؟
وفجأة تذكرت هدى بأن هذا الشخص لا يزال غريبا عنها ولا تعلم لماذا تبسطت معه في الحديث الى هذا الحد؟ فقطبت جبينها سريعا و هي تسأله: حضرتك اللي مين؟ وازاي تدخل كدة من غير استئذان؟
تفاجىء ماهر قليلا بسرعة تغير مزاجها ولكنه قد أرجع ذلك الى حداثة سنها فقد بدت له كطالبة مدرسة مشاغبة ويبدو ان هذا هو ما جذبه لها فور رؤيتها عندما دخل الفيللا ووجدها تلعب مع قطتها تحت المظلة فظل واقفا بعيدا يراقبها في صمت , الى ان قادته قدميه رغما عنه ليقاطع ذلك المشهد البرىء, وجدها تنتظر ردا على سؤالها, فقال لها وكان لم يتخل بعد عن ابتسامته: انا ماهر كمال ابن عمة مريم مراة يوسف جلال صاحب الفيللا, ممكن بقا أعرف الانسة تطلع مين؟
هدى بلهجة جادة لا تليق بسنها كما تصور ماهر مما جعله يبتسم: انا الانسة هدى عبدالعظيم, بنت عمة يوسف جلال نفسه صاحب الفيللا.
فهتف ماهر: معقول؟! دة احنا طلعنا قرايب بقا.
فصححت هدى له بتكشيرة صغيرة: نسايب مش قرايب.
فوافق ماهر على الفور فقط لامتصاص غضبها الذي كان على وشك الانفجار: ماشي يا ستي, نسايب ولا تزعلي. قوليلي بقا هو يوسف وماما جوة؟
هدى: مامتك جوة, بس يوسف لسة ما جاش.
ماهر: طيب باعتبارك قريبة صاحب الفيللا تسمحيلي ادخل؟ وعلى فكرة انا استأذنت من يوسف قبل ما اجي.
هدى وهي تحاول ان تقوم بدور سيدة المنزل والمضيفة: طبعا يا فندم, اتفضل.
وتوجهت هدى الى داخل الفيللا ويتبعها ماهر.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وقفت مريم في مطبخ الفيللا تساعد ام ابراهيم في اعداد الطعام وبرفقتهما حياة التي حضرت فور مكالمة صديقتها لها, فقالت مريم وهي تشعر بالضجر حيث لم تكن من هواة فن الطبخ بل لقد أجزمت حياة منذ دخولهما المطبخ بأنها فاشلة تماما في ذلك الأمر: انا مش عارفة ليه يعني ما جبناش أكل من برة بدل كل التعب دة؟
فافتر ثغر ام ابراهيم بابتسامة رزينة وهي تقول: وهو أكل برة يابنتي هيبقا أحسن من أكل البيت؟
ثم غمزت الى حياة وهي تكمل: وكمان مادام الباشمهندس وليد هيتغدى هنا يبقا مش هيعجبه أكل برة لانه دايما بيحب أكل البيت.
مريم بغيظ:بقا كدة , يبقا الله يكون في عونك فعلا يا حياة, أكيد مقضية كل حياتك في المطبخ.
فتبست حياة وهي تقول بنبرة صادقة: وايه يعني؟ يا بنتي المطبخ دة مملكة الست, وكمان بيقولوا ان اقرب طريق لقلب جوزك معدته يا هبلة.
مريم مازحة: كدة يبقا ام ابراهيم قاعدة ومتربعة في قلب جوزها.
فضحكت ام ابراهيم وحياة التي قالت لصديقتها وهي تدفعها بعيدا بكتفها: عقبالك يا فالحة.
مريم محتجة: لا يا ستي, انا معدة جوزي واخدة على أكل برة.
حياة: يختي وهو كان لقى أكل جوة وقال لا. ماهو شايف الست هانم بتاعته زي خيبتها, طيب حاولي انتي بس كدة تعمليها وتفاجئيه انك انتي اللي طابخة, وهتلاقيه بعد كدة هو اللي بيصر انه ياكل في البيت على طول.
مريم وهي تزم شفتيها بتبرم: بس انا مش بعرف أطبخ.
حياة: يبقا لازم تتعلمي يا ماما.
مريم: واتعلم ليه؟ ماهو الخير والبركة في ام ابراهيم بقا.
فقالت ام ابراهيم مؤيدة لكلام حياة: ست حياة عندها حق, انتي لازم تتعلمي, افرضي يعني ان انا ما كنتش موجودة, وانك مش لاقية حد يعملك الاكل, ساعتها بقا هتتصرفي ازاي؟
فردت مريم سريعا دون تفكير: هطلب دليفري من برة.
فنظرت اليها كل من ام ابراهيم و حياة بيأس, وقالت حياة لام ابراهيم: سيبك منها يا ام ابراهيم, دي مفيش فايدة فيها. على راي الدكاترة حالة ميئوس منها.
مريم بتأفف: طب وهو احنا مش المفروض اننا خلصنا بقا؟
فقالت حياة وهي تهم بغسل يديها: اه خلاص, كل حاجة كدة ناقصة ع الفرن.
مريم بسعادة غامرة كالطفل الذي قد انهى واجبه: اخيرا, طب ياللا بقا عشان نغير هدومنا.
حياة موبخة: بابنتي اصبري شوية بقا لما الاكل يطيب.
فقالت لهما ام ابراهيم وهي ترى تكشيرة مريم التي عادت الى وجهها من جديد: لا , كفاية عليكم كدة يا ست حياة, روحوا انتو اجهزوا وانا هخلي بالي من الصواني.
فشكرتها حياة وهي تدفع صديقتها الى الخارج: قدامي يا مغلباني.
فتبسمت ام ابراهيم وهي تقر في نفسها بأن تلك السيدة الشابة هي بالفعل أنسب زوجة للمهندس يوسف جلال, فبصغر سنها و خفتها تستطيع أن تخرجه من القوقعة التي قد حبس نفسه فيها, وان تفتح له نافذة جديدة للحياة يستطيع أن يطل منها على عالم من المشاعر كان قد أنكر وجوده منذ زمن بعيد.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ وفي الجانب الاخر قال ماهر لهدى التي كانت تجلس بجواره بصوت خافت: وانتي بقا عملتي ايه يا انسة هدى؟ ولا انتي لسة صغيرة على دخول المطبخ؟
فشعرت هدى بالغضب يشعل وجنتيها, ولكنها حاولت السيطرة على انفعالها حتى لا يلاحظ أحد ذلك, فردت عليه وهي تصر على اسنانها من شدة غضبها الذي تحاول كتمانه: انا مش صغيرة, انا داخلة اولى اعلام السنادي.
ماهر: طب خلاص خلاص, وزعلانة كدة ليه؟ انا اسف يا ستي. انتي كبيرة وكبيرة اوي كمان.
ثم نظر الي امه التي كانت تجلس على الجانب الاخر له وقال بصوت سمعه الجميع: ماما! ان شاء الله بقا بعد ما نتغدى, هتروحي معايا.
وردة: لا يا ماهر, انا مش هرجع معاك بعد اللي عمله باباك, انا مليش عيشة معاه بعد كدة. انا هقعد مع بابا هنا لحد ما يقدر يتحرك و بعدها نرجع سوا على فيلتنا.
حاول ماهر الاعتراض: بس يا ماما…………
فقاطعه يوسف قائلا: لو سمحت يا ماهر سيب مامتك على راحتها, وسواء هنا او في فيللا عمي عبدالرءوف فهي مش هتبقا قاعدة مع حد غريب ع الاقل لحد الامور ما تهدى.
وكالعادة لم يستطع ان يعترض أحد على كلامه, فامتثل ماهر لامره المبطن في صيغة طلب.
وتناول الجميع وجبة الغداء ثم القهوة الى ان حان الوقت لمغادرة ماهر, فودع ماهر الحاضرين ثم خرج وفي اثره يوسف الذي قام بتوصيله حتى باب الفيلا فصافحه ماهر وقال له بامتنان حقيقي: انا متشكر اوي يا يوسف ع اللي عملته مع ماما وبتعمله دلوقت مع جدي.
يوسف: انا ما عملتش اي حاجة تستاهل الشكر.
ماهر: ازاي بقا؟ الموقف بتاع امبارح دة لوحده يخليني مدينلك بحياتي كلها, واحد غيرك كان بعد اللي عمله بابا معاك وانا كمان كان ممكن يطرد ماما من بيته والله اعلم كان هيبقا مصيرها ايه دلوقت؟
يوسف: اديك قولت بنفسك, واحد غيري يعني مش انا. يا ماهر انا لو باباك نفسه رغم عداوتي معاه واللي انت عارفها كويس, فلو جه يوم ودخل بيتي يتحامى فيه انا مش هقدر اتخلى عنه.
ماهر بخجل شديد: عشان كدة انا بجد اسف للفكرة اللي كنت واخدها عنك, وياريت تسامحني على كل خطأ ارتكبته في حقك.
يوسف وهو يربت على كتفه بابتسامة صادقة: عيب تقول كدة, دة احنا في الاول وفي الاخر اهل.
ماهر: وانا لاول مرة هقولك اني بجد سعيد جدا بالنسب دة, عن اذنك.
يوسف: مع السلامة.
ماهر: الله يسلمك.
ورحل ماهر ونظرات يوسف الباسمة تشيعه وقد كان يشعر بالرضا التام لانه اليوم فقط قد كسب في صفه حليفا جديد , ولكنه كان يجهل انه في نفس اليوم قد تحالف ضده عدوا آخر.
الحلقة الثالثة والعشرون
*لم أعد طفلة!*
ماهر بصوت حاد: يعني اللي سمعتيه كويس يا علياء, انا مش هشترك معاكم في اللعبة دي.
فقالت علياء ساخرة التي كانت تجلس على الاريكة بكل استرخاء: ودة من امتى بقا يا سي ماهر, مانت كنت أول واحد نفسك تزيح يوسف جلال دة من ادامك عشان يحلالك الجو مع حبيبة القلب.
ماهر: اولا مريم لا هي حبيبة القلب ولا حاجة, وثانيا بقا انا فعلا كان نفسي اخلص من يوسف جلال بأي طريقة, لكن دلوقت لا.
علياء: وممكن اعرف بقا ايه اللي جد خلاك تغير رأيك بالسرعة دي.
فقال ماهر بنبرة صادقة: لاني لحد امبارح بس ما كنتش اعرفه على حقيقته, بس لما قربت منه اكتر واتعاملت معاه وجها لوجه عرفت هو اد ايه انسان يستحق كل تقدير واعجاب وما يستاهلش اننا نأذيه.
علياء بلهجة غاضبة: يعني دة اخر كلام عندك يا ماهر؟
ماهر: ايوة يا علياء دة اخر كلام عندي. مش بس كدة, دة انا كمان لو عرفت انكم نفذتوا اي حاجة من اللي بتفكروا فيها ساعتها بقا ههد المعبد ع اللي فيه وهعترف بكل حاجة.
اثارت جملته الاخيرة حنق علياء التي نهضت لتقف بجانبه وتضع يدها على كتفه وتقول له بصوت يشبه الفحيح: وماله يا بابا, بس احب اقولك ان اللي ممكن يشيل الليلة دي كلها في الاول وفي الاخر هو حضرتك يعني أول طوبة هتقع من المعبد اللي ناوي تهده هتنزل على راسك انت. فاعقل كدة بقا يا امور, وخلينا ماشيين زي ماحنا.
ساد الصمت الثقيل بعد ذلك التهديد الصريح من علياء, اما ماهر فقد أصبحت ملامحه واجمة وفي حيرة من أمره بين أن يحافظ على نفسه من السجن وربما القتل وبين ان يشارك في أذية يوسف جلال ذلك الرجل الذي أصبح مدينا له بالكثير.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
بعد أن وضعت حياة كوبا من النسكافيه كان قد طلبه منها وليد منذ قليل أمامه على المكتب وسمعته يوجه اليها كلمة شكر مقتطبة, ولكنها وقفت مرتبكة تنظر اليه في حيرة من امرها لا تدري اترحل أم تفاتحه في ذلك الموضوع الان ولكن عندما لاحظت انه مشغول كثيرا بتدوين بعض الملاحظات الخاصة بمشروعه حتى بدا انه لم يلاحظ بقائها معه في غرفة المكتب قررت أخيرا ان الوقت غير مناسب , لذا همت بالمغادرة إلا ان صوته أوقفها: حياة!
تجمدت حياة في مكانها ونظرت اليه لتقول بلهفة: خير يا وليد؟ عايز حاجة؟
وليد وقد رفع عينيه اليها بتساؤل: انتي اللي عايزة حاجة؟ اديلك خمس دقايق واقفة مكانك زي ما تكوني عاوزة تقولي حاجة بس مترددة.
حياة وقد شعرت بحرج شديد: انا اسفة, شكلي عطلتك, انا همشي بقا واسيبك تكمل شغلك.
استوقفها صوته مرة أخرح قبل ان تندفع خارج الحجرة: لسة ما قولتليش كنتي عاوزة ايه؟
حياة وقد زاد توترها: لا خلاص بقا, الموضوع مش مستاهل.
وقف وليد وتقدم نحوها وهو يقول بصوت حاسم: انا اللي اقدر اقرر اذا كان الموضوع يستاهل ولا لا.
وقد اصبح قريبا منها لدرجة جعلتها تشعر بأنها اصبحت محاصرة تماما وأسيرة لنظراته الملاحقة فقالت بصوت مرتعش: انا كنت عاوزة اقولك ان البروفات بتاع المسرحية تقريبا خلصت والمفروض ان العرض هيكون اول يوم في الدراسة, وكل واحدة فينا معاها خمس تذاكر عشان تقدر تعزم قرايبها, وكنت بفكر لو انك يعني….قصدي لو كنت فاضي…..
ولكنها لم تجد الشجاعة الكافية لتكمل جملتها او بالاحرى دعوتها, فأكمل هو بالنيابة عنها: اني احضر العرض.
فأسرعت حياة تقول: بس مفيش مشكلة, لو كنت مشغول عادي يعني, مش لازم تحضر.
فقطع وليد السنتيمترات القليلة التي كانت تفصل بينهما, ولأول مرة منذ فترة طويلة ترى ذلك الدفء في عينيه وهو يلمس شعرها ويلف خصلة صغيرة منه على أصابعه وهو يقول بصوت حنون ومزاح رقيق يخلو من أي سخرية جعلها تتجمد في مكانها من شدة اندهاشها: وعاوزاني افوت على نفسي فرصة زي دي وانا بشوف مراتي نجمة اد الدنيا؟
لم تعلم ان كان ذلك يحدث في الحقيقة ام انه عقلها هو الذي يخيل لها ذلك, ولكن سواء اكان هذا ام ذاك فلم تكن تبالي بالأمر كثيرا فكل ما كان يهمها ان تستمتع بتلك اللحظات من السلام والمشاعر الصافية التي لم تحسها منذ زواجهما, ولكن بدا ان القدر يعاندها كثيرا ويأبى ان تستمر تلك السعادة لفترة أطول من ذلك فقاطعهما رنين هاتف المكتب, لم تكن تعلم ان كانت تلك النظرات التي رأتها في عينيه فور سماعه لصوت الهاتف هي نظرات حانقة أم مؤنبة.
توجه الى مكتبه ورفع سماعة الهاتف, وسمعته يتحدث الى أحد العاملين معه وقد كان صوته غاضبا, وبدت لها ان المكالمة ستطول, لذا قررت ان تتركه يكمل عمله وغادرت المكتب وأغلقت الباب خلفها.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
أمام طاولة الطعام, اجتمعت العائلة المكونة من الاب والام والابن وزوجته يتناولون طعام الافطار, فسأل عماد وهو يرفع فنجان القهوة الى شفتيه: ما قولتليش يا بابا انت تعرف يوسف جلال صاحب شركة المعمار للمقاولات؟
فقال شاكر وهو يفرد قطعة من الجبنة على رغيف من الخبز المحمص: ومين من رجال الاعمال ما يعرفش الباشمهندس يوسف؟
عماد: لا انا قصدي تعرفه معرفة شخصية؟
شاكر نافيا: للأسف لا, صحيح انا يمكن اكون شفته مرة او اتنين في حفلات عامة بس مش اكتر من كدة. لكن انت بتسأل ليه؟
عماد: اصلي كنت عاوز شركته هي اللي تتولى المشروع السكني دة اللي ناويين نعمله.
فقال شاكر مؤيدا وهو يقول بلهجة مليئة بالاطراء: يا ريت والله, لان سمعة شركته وسمعته هو شخصيا في المجال دة هتبقا مكسب كبير لينا.
عماد: يبقا خلاص انا هتصل بيه في مكتبه النهاردة وهحاول اخد معاه ميعاد عشان اقابله في اقرب وقت واتفق معاه.
شاكر: مفيش مانع.
وهنا قالت نهال وهي تزفر بضيق: يوووووه, هو على طول شغل شغل كدة؟ انا زهقت بقا. هو انا جيت هنا مصر عشان اتحبس بالشكل دة؟
فحاول عماد ان يطيب خاطرها وهو يحتضن أصابع يدها بكفه: معلش بقا يا حبيبتي مانتي شايفة بنفسك, وكمان مانتي تقدري تخرجي وتتفسحي, يعني عندك النوادي والمحلات, وممكن تنزلي تعملي shopping وتضيعي فيه وقتك.
نهال محتجة: بس بردو هبقا لوحدي.
فرفع عماد اصابعها نحو شفتيه وقبلها بكل رقة, وقال لها محاولا القضاء على القلة الباقي من اعتراضاتها: خلاص يا حبيبتي كلها اسبوع او اتنين بالكتير اظبط فيهم شغلي وبعدين هبقا فاضيلك ع الاخر وساعتها بقا يبقا نخرج ونتفسح زي ما تحبي.
نهال باستياء: لما نشوف.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كان يوسف يقف امام المرآة يعدل رباطة عنقه مستعدا للخروج في حين استيقظت مريم من نومها, وقالت له وهي تتثاءب: صباح الخير.
اجابها يوسف دون ان ينظر اليها: صباح النور.
مريم وهي تغادر السرير: انت ماشي دلوقت؟
يوسف بابتسامة مازحا: الساعة عشرة يا مريم, صحيح انا صاحب الشركة لكن ما ينفعش اتأخر أكتر من كدة.
مريم: طيب هترجع امتى؟
نظر اليها متشككا وسألها: ليه؟ كنتي عاوزة حاجة؟
مريم وهي تفرك يديها بتوتر شديد وهي تحاول ان تختار كلماتها بعناية فائقة وهي تقول: بصراحة بقا, اه كنت عاوزة, شوف يا يوسف انت طلبت مني اني ما اروحش الجامعة تاني عشان المسرحية, وانا نزلت عند رغبتك وكملت باقي الشغل المطلوب مني في البيت هنا وكنت ببعته مع السواق. بس سلمى جاتلي امبارح وقالتلي انهم خلصوا بروفات و العرض هيكون اول يوم دراسة يعني بكرة وكمان عطيتني خمس تذاكر عشان اديهم لقرايبي, لكن كان عندها طلب صغير كانت عاوزتني اروح النهاردة عشان اتمم ع الديكور قبل العرض صحيح انا كنت بتابعهم بالتليفون بس بردو لازم اكون موجودة واشوف كل حاجة بنفسي.
انهت كلامها لتنظر اليه منتظرة رده على كلامها, وعندما طال الصمت, قالت له برجاء: يوسف عشان خاطري.
مقابل رجاءها ذلك ونظرات التوسل تلك التي يراها في عينيها كان مستعدا ان يوافق على أي شيء تطلبه منه, ولكنه لم يرد ان يظهر لها شعوره ذلك فقال لها بصوت جامد: اوك يا مريم, تقدري تروحي النهاردة بس ما تأخريش.
مريم بسعادة ولهفة وهي تطمع فيما اكثر من ذلك: وبكرة؟ اصل مش معقول يعني بعد كل التعب دة مش هحضر يوم العرض.
ظنت في البداية انه سيرفض الى ان قال والابتسامة تداعب شفتيه: انتي مش قولتي انك معاكي خمس تذاكر.
فأومأت مريم برأسها ان نعم, فقال لها والابتسامة تزداد على شفتيه: خلاص يبقا احجزيلي منهم واحدة.
فسألته مريم وهي لا تصدق اذنيها: احجزلك واحدة؟ يعني ايه؟ قصدك يعني انك عاوز………..
فهز رأسه موافقا: هو فيه مانع لو حضرت العرض معاكي؟
مريم وهي تسارع بالنفي و علامات الفرحة تظهر بوضوح على وجهها: أكيد لا طبعا مفيش مانع خالص, بالعكس.
والتقط يوسف كلمتها الاخيرة لينصب لها فخا: بالعكس ايه؟
بحثت مريم عن الكلمات المناسبة لتخرج من هذا المأزق بسلام: قصدي يعني بالعكس ان انا ما كنتش لاقيه حد اديله التذاكر اللي معايا, يعني ما كنش فيه غير عمتو وجدو زي مانت شايف مش هيقدر ييجي عشان كدة كنت عاوزة استأذنك في حاجة.
تظاهر يوسف بالاقتناع بمبرراتها الواهية وسألها: حاجة ايه؟
مريم: كنت عاوزة اعزم هدى, اصل زي مانت شايف على طول قاعدة لوحدها كأنها حاسة بالغربة وكمان دي هتبقا فرصة كويسة كأول يوم ليها في الجامعة عشان تتعرف على زمايلها.
يوسف موافقا: عندك حق.
وساد الصمت من جديد ومريم لاتزال تشعر بالتردد وقد لاحظ يوسف ذلك فسألها متشككا: مش دة هو فعلا اللي كنتي عاوزاه. فيه ايه يا مريم؟
مريم: بصراحة بقا انا كنت عاوزة اعزم ماهر ابن عمتو وردة كمان, اصله زي مانت شايف من يوم ما جه عشان يطمن على مامته وهو مش بيحاول ييجي تاني كأنه مكسوف يعني واهي هتبقا فرصة بردو يطمن عليها وهي كمان قلقانة اوي عليه ونفسها تشوفه.
كانت دائما تبهره بمراعاتها لشعور غيرها وحرصها الشديد على اسعاد كل من حولها رغم حداثة سنها, فوافق على الفور طامعا في الحصول على تلك الابتسامة الساحرة التي دائما ما توجهها اليه كلما وافقا على أمر ما, وهي ايضا لم تبخل عليه بها.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
استقبل يوسف عماد شاكر في مكتبه بكل ود وترحاب, فلقد كان لاسم شاكر عز الدين وزنه في سوق المال والاعمال, وبعد ان طلب القهوة لكليهما, قال يوسف بنبرة ودودة: الحقيقة يا استاذ عماد انت شرفتنا النهاردة وزي ما بيقولوا بقا خطوة عزيزة.
عماد مازحا: وزي ما بيردوا بردو, الله يعز مقدارك, الحقيقة يا باشمهندس انا كان نفسي اقابلك من زمان من كتر الكلام اللي سمعته عنك.
يوسف: يارب يكون اللي سمعته خير.
عماد: اكيد خير طبعا, هو مفيش اصلا حد يعرف حضرتك غير لما يشكر فيك وفي شغلك.
يوسف: دة بفضل الله اولا ثم والدي الله يرحمه وعمي عبدالرءوف الكامل من بعده.
تصنع عماد الدهشة وهو يقول: عبدالرءوف الكامل! معقول؟! هو عبدالرءوف بيه الكامل يبقا عمك يا باشمهندس؟ انا اول مرة اعرف المعلومة دي بصراحة.
يوسف مصححا: مش عمي بالظبط بس هو يبقا جد مراتي.
عماد: اه, ع العموم ونعم النسب بردو. المهم بقا خلينا نتكلم في الشغل.
يوسف: انا تحت امرك.
عماد: شوف يا باشمهندس, انا وبابا قررنا اننا نبني مشروع سكني في مدينة ستة اكتوبر, بس عاوزينه بمواصفات خاصة شوية.
يوسف: اه, بس ايه العلاقة مابين مشروع زي دة وبين عربيات النقل اللي شركتكم شغالة فيها؟
عماد: لا. ما هو احنا قررنا اننا نجرب حظنا في المقاولات ولو الموضوع نجح معانا ممكن نتوسع فيه. وطبعا حضرتك هيكون ليك الفضل الاول في دة وبردو حقك محفوظ. واكيد مش هنختلف يعني.
يوسف بلهجة حازمة: انا اخر حاجة ممكن اختلف مع العملا بتوعي عليها بتكون الفلوس يا استاذ عماد, لان كل الناس عافة شغلي كويس.
فقال عماد سريعا في محاولة منه ليصحح الخطأ الذي بدا انه قد وقع فيه دون ان يقصد مما جعله يدرك مدى قوة وذكاء الشخص الذي يتعامل معه: اكيد طبعا, سمعتك سابقاك يا باشمهندس,وانا ما كنتش اقصد اي حاجة غلط ممكن تكون فهمتها.
يوسف: ع العموم حصل خير, وانا اسف لاني مضطر ارفض عرض حضرتك, الحقيقة انا حاليا شغال في مشاريع ارتبط خلاص بيها ومش هقدر اخلصها قبل فترة طويلة ومش هينفع اني اقبل شغل تاني دلوقت وخصوصا اني بحب دايما ادي لكل حاجة حقها.
شعر عماد بخيبة الامل تتسرب اليه وبأنه على وشك ان يخسر الجولة الاولى امام خصمه العنيد, ولكنه قرر الا ييأس فقرر ان يحاول معه مرة اخرى لاقناعه فحاول ان يتحدث مجداا ولكنه منعه صوت طرقات خفيفة على الباب فقال يوسف بصوت هادىء: ادخل.
دخل وليد المكتب والقى التحية فرد عليه الاثنان, ودعاه يوسف ليقترب منهما حين لمح التردد باديا عليه وسمعه يتمتم بكلمات اعتذار خشية من انه قاطع حديثهما: انا اسف, شكلك مشغول يا يوسف. هبقا اجيلك بعدين.
يوسف: تعالى يا وليد, اكيد مفيش اسرار في الشغل عليك.
تقدم وليد منهما وعرف يوسف كل منهما على الاخر وقد بدأ بعماد: استاذ عماد شاكر ابن راجل الاعمال المعروف شاكر عز الدين.
فمد وليد يده لمصافحة عماد: اهلا وسهلا يا فندم.
فابتسم له عماد بتلقائية وهو يبادله المصافحة ويستمع الى يوسف وهو يقول: ودة بقا الباشمهندس وليد جلال اخوية وشريكي وفي نفس الوقت هو اللي ماسك قسم التصميمات بالشركة بس للأسف بقا ناوي يسيبنا قريب.
وليد: تشرفنا يا باشمهندس.
وليد:الشرف ليا يا استاذ عماد.
وبعد ان جلس الاثنان امام مكتب يوسف سأل وليد: بس خير يعني؟ الباشمهندس هيسيب الشركة ليه؟ هو الشغل هنا مش عاجبه؟
يوسف مازحا: لا يا سيدي, بس تقدر تقول كدة انه خلاص كبر علينا وقرر انه يفتح شركة لوحده.
عماد: كدة؟ الف الف مبروك يا باشمهندس, وناوي بقا تفتح شركة ايه؟
وليد: ان شاء الله شركة مقاولات.
عماد مداعبا: ايه دة؟ يعني ناوي تنافس الباشمهندس يوسف ولا ايه؟
وليد: لا طبعا, انا مقدرش,بس انا حبيت ابدأ شغل جديد بنفسي بس طبعا مش هبقا مستقل تماما عن هنا.
ثم لمعت الفكرة فجأة في عقله ليقول شارعا في تنفيذها: طب والله فكرة, ايه رأيك يا باشمهندس ان المشروع اللي كلمتك عنه يمسكه الباشمهندس وليد باسم شركته الجديدة.
فنظر وليد ناحية يوسف ليخبره بذلك الامر الذي يجهله, وبدا ان يوسف يفكر قليلا في الامر الى ان قال اخيرا: والله فكرة, وانا اضمنلك بنفسي الشغل دة.
عماد: وانا مش عاوز اكتر من كدة يا باشمهندس.
لم يطق وليد ان الصبر اكثر من ذلك فسألهما: طب ما تفهموني يا جماعة انتو بتتكلموا عن ايه بالظبط؟
فنظر يوسف الى ساعته وهو يتأهب للمغادرة معتذرا: انا هسيب بقا استاذ عماد يشرحلك الموضوع بالتفصيل, خدوا راحتكم خالص وانا عندي مشوار مهم هروح اعمله, وليد انا ممكن ما اجيش تاني النهاردة, استاذ عماد, طبعا المكتب مكتبك وسامحني بقا لاني مش هقدر اقعد معاك اكتر من كدة.
عماد متفهما: لا براحتك خالص يا باشمهندس, الله يكون في العون.
واستأذن يوسف, ثم رحل فشغل وليد الكرسي الخاص به خلف المكتب, و بدأ يتحدث بلهجة عملية: اتفضل يا استاذ عماد, انا تحت امرك.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
دخل يوسف محل الصائغ الذي كان معتادا على التعامل معه, وكما يحدث دائما استقبله صاحب المحل ورحدب به أشد الترحاب, وسأله بابتسامة واسعة: تحت امرك يا يوسف بيه, ايه طلباتك المرادي؟
يوسف: عاوز هدية حلوة على ذوقك وتكون قيمة للمدام.
الصائغ: وياترى فيه مناسبة معينة؟
يوسف: وهو لازم يكون فيه مناسبة عشان الواحد يقدم هدية لمراته؟
الصائغ بلهجة مرحة: والله حتى لو في مناسبة, اكيد الهدية هتبقا خسارة.
فتبسم يوسف وهو يقول: مش كل الجوازت بقا.
الصائغ مؤيدا: في دي بقا معاك حق يا يوسف بيه. وخصوصا لو كانت المدام بتاع حضرتك , حقيقي تستاهل انك تتاقلها بالالماظ.
وافقه يوسف على مضض حيث لم يعد يتحمل ان يسمع كلمة مدح اخرى من رجل في حق زوجته, فلقد بدأت بالفعل تشتعل في قلبه نيران الغيرة.
وبينما كان الصائغ يعرض علي بعض قطع المجوهرات ذات الذوق الرفيع و الثمن الباهظ, فهو يعلم ان عميلا كيوسف جلال لن يهمه المبلغ الذي سيدفعه في الشيء الذي سيرغب في شرائه, سمع يوسف من خلفه صوتا انثويا رنانا يقول له مبديا الدهشة في نبرته: معقول؟ يوسف بيه جلال بنفسه؟ انا مش مصدقة نفسي.
لم يحتج يوسف الى الالتفات خلفه ليعلم من تكون صاحبة هذا الصوت, فهو لايزال يتذكره جيدا, ولكنه كان مضطرا الى ان يواجهها ويقول بصوته الرزين: ازيك يا علياء, عاملة ايه؟
فصافحته علياء بدلال وهي تقول بغنج: ايه دة؟ الحقيقة مش مصدقة انك لسة فاكر اسمي لحد دلوقت.
فقال لها يوسف محاولا تحاشي نظرات الصائغ الفضولية المتجهة اليهما: ازاي بقا؟ انا طول عمري فاكرك بكل خير؟ بس اظاهر ان انتي بقا اللي نسيتي ان فيه شغل بيننا.
علياء وقد ابت ان تسحب يدها من يده: اظاهر انت اللي نسيت يا باشهمندس, وبقيت بتبعت اخوك الباشمهندس وليد بدالك عشان يشرف على المشروع.
يوسف معتذرا بتهذيب: انا بجد اسف, بس فعلا عندي شغل كتير, دة غير بقا ان وليد بقا احسن مني في الموضوع دة لدرجة انه خلاص بيفتح حاليا شركة لحده.
فقالت علياء وهي تغمز له بعينها بنظرة فهمها يوسف جيدا: بس انا والباشمهندس وليد مش عارفين نتفاهم خالص عكسنا انا وانت.
تنحنح يوسف قليلا بحرج بالغ, وقال محاولا التملص منها: معلش يا علياء انا هبقا اتكلم مع وليد وهشوف بنفسي الموضوع دة.
علياء محبطة كل محاولاته للهروب: طيب ماهو الاسهل انك تتكلم معايا انا, ماهو انا ادامك اهو. ولا انت كمان بقيت مش عاوز تتكلم معايا.
يوسف: لا طبعا, بس اكيد المكان مش مناسب.
علياء وقد سجلت اعتراضه الواهن ذلك كنقطة انتصار لصالحها, وانتهزت الفرصة لتقول له: طيب ايه رأيك نروح في مكان مناسب ينفع نتكلم فيه.
وجدته يحاول ان يبحث عن اي سبب يخول له حق الاعتراض فقررت ان تقطع عليه الطريق لتقول: جرى ايه يا يوسف؟ هو انت اتعلمت البخل بعد الجواز ولا ايه؟ يعني حتى مش عاوز تعزمني ع الغدا النهاردة.
لقد حاصرته من كل جانب فلم يبق امامه اي مجال للرفض, فوافق راضخا: زي ما تحبي, شوفي المطعم اللي يعجبك ونروح نتغدى فيه.
وبالفعل جلس الاثنان امام طاولة صغير في مطعم هادىء انيق بدا شاعريا الى حد كبير بموسيقاه الهادئة الحالمة, وذلك بعد ان اشترى اسورة انيقة من الالماس ومطعمة بالزمرد قد ساعدته علياء على انتقائها بعد ان اقترحت ذلك فوافق على الفور حيث كان دائما يشهد لها بالاناقة والرقي في اختيار جميع مقتنياتها من المجوهرات.
وبعد ان اختارا من قائمة الطعام ما يرغبان بتناوله وقد ابلغا النادل به, انتظرت علياء الى ان ابتعد ثم وجهت اهتمامها الى يوسف لتلقي بسؤال مباغت: يوسف! انت ليه بتتهرب مني؟
من شدة المفاجأة لم يستطع الرد في البداية , ولكنه استعاد هدوئه سريعا وابتسم وهو يجيب: ومين بس اللي قال اني بهرب منك؟
علياء بجدية: انا مش محتاجة حد يقولي يا يوسف, انا ست ومش صغيرة واقدر احس كويس اوي بمشاعر اي راجل من ناحيتي.
يوسف: علياء انا…….
لم تنتظر ان ينطق بالمزيد فاشرت بيدها ناحية فمه وكأنها تمنعه من الكلام لتقول له بابتسامة حزينة: ارجوك ما تكملش, انا عارفة كويس ان مشاعرك من ناحيتي ما بقتش زي زمان, وانا مش هقدر الومك لانك كنت صريح معايا من البداية, يعني انت ما وعدتنيش باي حاجة وما نفذتهاش, وكون ان مشاعرك اتحركت في اتجاه تاني فدة ما يبقاش ذنبك, وانا مش زعلانة بالعكس يا يوسف انا لاني بحبك بجد فبتمنالك السعادة من كل قلبي سواء كانت معايا او مع غيري. وبتمنى ان غيري دي انها تكون تستاهل حبك ليها وتحبك زي مانا بحبك واكتر كمان لانك بجد انسان تستاهل كل خير.
ومن ذلك الرجل الذي يمكنه ان يشك في تلك النبرة الصادقة, حتى يوسف جلال نفسه لا يمكنه ذلك فشكرها بصوت مليء بالامتنان: انا متشكر اوي يا علياء على شعورك الصادق دة.
علياء وهي تكافح لتمنع دموعها من السقوط محاولة اخفائها خلف ابتسامة واسعة: بس انا بقا ليا عندك طلب اتمنى انك مش ترفضه.
يوسف: تحت امرك.
علياء برجاء: اوعدني اننا نفضل اصدقاء على طول, اصدقاء يا يوسف بجد.
ومدت يدها ليوسف تستحثه للرد على طلبها, ولم يتردد كثيرا فاحتضن يدها بكفيه وهو يقول بابتسامته الجذابة: اوعدك يا علياء.
فشعت عينيها ببريق الامل من جديد, ولكنه حذرها قائلا: لكن مش اكتر من كدة.
علياء موافقة على الفور: عارفة, وعشان كدة بقا ايه رأيك نبدأ من النهاردة.
يوسف بعدم فهم: ازاي يعني؟
علياء: ايه رأيك اعزمك النهاردة على العشا انت والمدام, واهو بالمرة تعرفني عليها اكتر وانا حاسة اننا هنبقا اصحاب ويمكن اكتر كمان.
يوسف: انا معنديش مانع, بس مش هينفع النهاردة, هي عندها حفلة في الكلية, وبعدها انا ناوي اخدها ونخرج برة في مكان لوحدنا عشان مناسبة خاصة.
علياء بنظرة ماكرة: المناسبة اللي انت اشتريت عشانها الخاتم؟
فاكتفى يوسف بايماءة بسيطة من رأسه موافقا, فتقبلت علياء الامر ببساطة, ثم قالت مقترحة: ع العموم ربنا يسعدكم, طب ايه رأيك بقا نخليها بكرة وعندي في الشقة؟ انا كنت عاملة بارتي صغير كدة بتمنى انكم تشرفوني فيه.
يوسف مازحا: بمناسبة عيد ميلادك بردو.
فابتسمت علياء لمزاحه وقالت: لا, المرادي بقا بمناسبة اني فتحت فرح جديد للبوتيك بتاعي وعاملة الحفلة دي يعني كدعاية.
يوسف: الف مبروك يا علياء, وبالتوفيق ان شاء الله.
علياء: يعني هتيجي.
يوسف: ان شاء الله هكون موجود انا ومريم.
وجاء النادل حاملا معه اطباق الطعام ويضع كل في مكانه وقد انشغل يوسف بالحديث معه , فبدأت ابتسامة خاصة تداعب شفتي علياء بسبب الانتصار الجديد الذي سجلته اليوم.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وقفت كل من حياة ومريم وسلمى وكل من ساهم في المسرحية تقريبا خلف الكواليس وقد كانت فرحتهم لا توصف وهم يستمعون الى صوت تصفيق الجماهير الحاد بالخارج الذي لم ينقطع حتى الان منذ ان انتهى العرض, فقالت نورا بطريقة طفوليه: شفتوني يابنات وانا بمثل, انا ما كنتش مصدقة نفسي بصراحة, لدرجة اني بدأت اقتنع فعلا ان انا بنت حياة.
فدفعتها حياة بعيدا عنها وهي تمزح: بنت! انتي صدقتي نفسك ولا ايه؟ دة انا من دور عيالك.
فضحك الجميع, بينما قالت لهم سلمى بصوت رزين وجاد: مبروك عليكم يا بنات, بجد كنتو هايلين.
فاحتضنتها مريم وهي تقول لها: مبروك عليكي انتي يا سلمى, انتي اللي عملتي للمسرحية روح, واحنا كما كناش هنقدر نعمل حاجة من غيرك.
فابتسمت سلمى بخجل,في حين اتاهم صوت ذكوري رخيم يقول: الف مبروك يا بنات, عقبال حفلة التخرج بقا.
وبالطبع كان ذلك صوت خالد صلاح بطل المسرحية, فقالت له سلمى ردا على تهنئته: الله يبارك فيك يا استاذ خالد, وبجد انا بحيي حضرتك ع المجهود الرائع دة, انت فعلا قدرت بصوتك انك تدخل الناس في جو المسرحية.
لم يستطع خالد الرد عليها بكلمات مناسبة لذا اكتفى بكلمة: متشكر
مع ابتسامة عبر بها عن مدى ما يشعر به من سعادة وهو يشاركهم فرحتهم. ثم نظر الى مريم ليقول لها: حمدالله على سلامتك يا مريم.
فردت مريم وهي تتحاشى نظرته حيث شعرت بالضيق لسبب تجهله: الله يسلم حضرتك.
خالد معاتبا برقة: بردو حضرتك؟! احنا مش كنا اتفقنا خلاص اننا نرفع الالقاب.
ثم نظر الى سلمى وكأنه يطلب منها ان تؤيد رأيه وسألها: مش كدة ولا ايه سلمى؟
فردت سلمى مازحة: اه, بس دة كان ايام البروفات, لما كانت الادوار بتختلف, لكن دلوقت……
وأكملت بطريقة مسرحية وهي تتصنع الحزن: رجعت ريما لعادتها القديمة, وبقينا تاني احنا طلبة سنة رابعة وحضرتك المعيد بتاعنا اللي بيطلع عنينا.
فضربتها حياة بقدمها موبخة: يا بنتي لمي لسانك دة بقا.
فاحتجت سلمى: فيه ايه؟ مش هي دي الحقيقة؟ مش هو بيطلع عنينا في السكاشن؟
فتبسم خالد رغما عنه من تلقائيتها, وجرأتها, حيث ان قوة شخصيته تمنع اي طالب من ان يتحدث اليه بتلك الطريقة, لذا قال مدعيا الحزن بسبب كلامها: ياااااااه! هو انا كنت وحش اوي كدة وانا معرفش؟
فعالجت سلمى الامر سريعا: لا, حضرتك ما كنش قصدي كدة, انا بس كان نفسي تعلمونا بالراحة شوية, وتسمعونا زي ماحنا بنسمعكم وعلى رأي المدرس القدير محمد فؤاد لما قال يا عم حمزة حلمك علينا, احنا التلامذة وبكرة لينا.
بالطبع لم يستطع أحد منهم ان يخفي ضحكته او ابتسامته اثر تفوها بتلك الكلمات الى ان قال خالد اخيرا: ع العموم, خلاص يا سلمى انا هبقا اقعد مع استاذنا محمد فؤاد وافهم منه المبادىء الاساسية للتدريس عشان احسن من اسلوبي شوية, وياريت يا بنات بعد كدة تبقا تعتبروني اخوكم الكبير, واي واحدة فيكم عاوزة اي حاجة ياريت ما تترددش انها تيجي وتطلبها مني وانا هحاول اعمل اللي عليا ان شاء الله, والكلام دة موجه كمان لمريم.
انتبهت مريم على ذكر اسمها بعد ان كانت تنظر الى الارض شاردة بفكرها بعيدا عنهم تماما, وسمعته يكمل: ياريت يا مريم اي صعوبة تواجهك في الكلية تيجي تبلغيني بيها وانا ان شاء الله هحاول احلها.
فأرغمت مريم نفسها على الابتسام وهي تقول: متشكرة اوي.
ولم تعلم لم كان ذلك الشورشعور الذي يراودها بأن هناك من كان يراقبها الى ان أدارت بالفعل وجهها الى الناحية الأخرى لتراه متقدما نحوهم وعلامات الاستهجان بادية على وجهه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
: انا سبق وحذرتك يا مريم.
كان مريم تتوقع الكثر من كلمات التأنيب والتوبيخ ولكنها لم تكن تتوقع ذلك الغضب الشديد الذي تواجهه الان, وهي من وجهة نظره لم ترتكب اي خطأ يستدعي غضبه لذلك الحد, وقد عبرت عن ذلك بالكلمات وهي تحاول ضبط انفعالها ولكن يبدو انها لم تفلح: انا ما عملتش اي حاجة تستاهل كل دة.
فقال يوسف بصوت كالجليد: لا عملتي يا مريم, انا سبق وطلبت منك انك ما تتعامليش مع البني ادم اللي اسمه خالد دة وانتي عصيتي اوامري ووقفتي واتكلمتي معاه.
مريم بلهجة دفاعية: اولا انا كنت واقفة مع صاحباتي وهو اللي جه وقف معانا عشان يباركلنا على نجاح المسرحية, وثانيا احنا مش كنا واقفين لوحدينا, وثالثا بقا انا كنت مجرد برد على كلامه مش اكتر.
فقال لها يوسف متوعدا: دي اول واخر مرة يا مريم هسمحلك فيها انك تخالفي اوامري.
مريم وقد وصلت حدة انفعالها الى الذروة: انا مش جارية عندك يا يوسف عشان انفذ اوامرك وبس.
يوسف بصوت كالرعد: مريم!
بدا انها لم تشعر بمقدار الغضب الذي حملته طريقة نطقه لاسمها فاستمرت تقول وهي غير واعية تماما بما تتفوه به وقد كانت على وشك الانهيار وهي تقول بطريقة تشبه الاطفال في غضبهم: لا يا يوسف انا مش هسمحلك انك تتحكم في حياتي اكتر من كدة وكأني طفلة صغيرة مش عارفة الصح من الغلط, انت لازم تعرف يا يوسف اني خلاص كبرت وطريقة الترهيب والثواب والعقاب دي مش هتنفع معايا.
وكأنها لمست وترا حساسا لديه مما جعل مزاجه يتغير فجأة ويتلاشى الغضب من ملامحه لتحل مكانه نظرات مليئة بالتساؤل والحيرة, وكان سؤاله المباغت لها: انتي متأكدة انك كبرتي يا مريم؟!
الحلقة الرابعة والعشرون
*عشيقة أخرى*
زارت علياء مكتب يوسف في شركته, وقالت له وهي تجلس على الكرسي امام المكتب وقد بدت على وجهها تعبيرات القلق والاهتمام الحقيقي وهي تقول: ولا يهمك يا يوسف, انت لما اتصلت بيا واعتذرتلي وقولت انك مش هتيجي الحفلة, حسيت ان صوتك متغير وكأنك زعلان, عشان كدة جيت اطمن عليك, وشكلي كدة اللي حسبته لقيته, مالك يا يوسف؟
فقال يوسف بابتسامة بسيطة محاولا بها اخفاء الحزن الذي يعتمر قلبه: مفيش يا علياء, كل الحكاية ان عندي شغل كتير اليومين دول مخليني متوتر شوية.
وبالطبع لم تصدق علياء ما يقول فشككت في كلامه وهي ترمقه بنظرات متفحصة: شغل ايه يا يوسف اللي يعمل فيك كدة؟ انت مش شايف انت اتغيرت ازاي؟ مش انت خالص يوسف اللي كان معايا من يومين والسعادة بتطل من عينيه.
ثم امالت نحوه قليلا واستطردت: هو فيه حاجة حصلت بينك وبين مراتك؟ زعلتوا مع بعض يعني؟
يوسف: انتي ليه بتقولي كدة؟
علياء: لان بخبرتي بالناس عموما وبيك انت شخصيا اقدر اقول ان السبب اللي كان مخليك فرحان من يومين هو نفس السبب اللي مزعلك دلوقت.
ارتسمت على شفتي يوسف ابتسامة مندهشة من فطنة صديقته.
علياء: افهم من ابتسامتك دي ان انا كلامي مظبوط, وان فعلا فيه مشكلة بينك وبين مراتك, شوف يا يوسف انا مش عاوزة اتدخل في حياتك الشخصية, بس في نفس الوقت مش مستحملة اشوفك كدة وافضل ساكتة, شوف يا يوسف انا ست واقدر افهم مريم ومشاعرها اكتر منك, فممكن تقولي ايه اللي حصل, ومين عارف؟ مش جايز تلاقي عندي الحل؟
خدعه كلامها الذي لا يستطيع ان يشك أحد في صدقه, وبما انه بالفعل كان في حاجة للتحدث الى شخص ما اي كانت هويته, لذا فقد أخبرها بما حدث بينه وبين مريم, وبعد ان انتهى رأى ابتسامة تعلو وجهها وسمعها تقول وهي صوتها نبرة سخرية: معقول! انت بتغير يا يوسف؟
يوسف: وليه لا؟ هي مش مراتي بردو ومن حقي اني اغير عليها؟
علياء: اه طبعا من حقك, بس مش يوسف جلال يعني هو اللي يدخل في منافسة مع حد.
فقال يوسف ثائرا: منافسة ايه يا علياء؟ ومين دة اللي ممكن ينافسني؟ كل الموضوع اني متضايق شوية لانها دايما بتحب تخالف اوامري.
علياء: مانت لازم كمان تراعي انها مش واخدة ع الكلام دة, ومش لازم يكون كلامك ليها على طول كله اوامر, جرى ايه يا يوسف؟ هو انا بردو اللي هقولك تعامل مراتك ازاي؟
يوسف: مش عارف يا علياء, هي دايما بتستفذني وبتخليني اخرج عن شعوري.
علياء: لا يا يوسف, دة انت لازم تبقا اهدى من كدة معاه, ما تنساش انها لسة صغيرة واكيد مندفعة شوية, ودورك انت بقا تمتص غضبها واندفاعها دة بالمسايسة يا يوسف.
يوسف: يعني المفروض اني اعمل ايه؟
علياء: شوف, الستات في السن دة بيحبوا الفسح والخروجات والهدايا والكلمة الحلوة. الا قولي انت اديتها الاسورة ولا لسة.
يوسف: لا لسة, اللي حصل دة بوظ كل حاجة.
علياء: خلاص يبقا تصلحها انت, انت لما تروح تقولها كلمتين حلوين كدة يخليها تنسى اللي حصل دة وبعدين تعزمها ع العشا برة في مكان رومانسي وسيب اختيار المكان دة عليا, وهناك بقا تديلها الهدية. واكيد هي هتنسى كل حاجة وتبدأوا مع بعض صفحة جديدة.
كانت نظرات يوسف متشككة فسألته علياء: ايه يا يوسف؟ انت بتبصلي كدة ليه؟
يوسف: اصلي عاوز اعرف انتي بتعملي كدة ليه؟ معقولة انتي فعلا عاوزة علاقتي بمريم تتصلح.
علياء: وايه الغريب في كدة؟ يا يوسف اللي بيحب بجد بيتمنى انه يشوف الانسان اللي بيحبه دة سعيد حتى لو كان مع حد غيره. وكمان احنا اتفقنا اننا هنكون اصحاب, مش كدة؟
فأومأ يوسف برأسه موافقا في حين نهضت علياء وهي تستأذن للرحيل: طيب همشي انا بقا واسيبك تشوف شغلك, بس ما تنساش اللي اتفقنا عليه وانا هحجزلكم ترابيزة في مطعم شيك وابلغك باسمه في التليفون, اتفقنا؟
فقال يوسف وهو يصافح اليد الممدودة له: اتفقنا.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
جلست حياة بجوار مريم في كافيتريا الجامعة كعادتهما دائما, وكانت حياة تقول بجدية معاتبة: لا, انتي فعلا غلطانة يا مريم فاللي عملتيه, وما كنش لازم تقولي كدة.
مريم وهي لا تزال تشعر بالغضب: انتي ما شوفتيش هو كان بيتكلم معايا ازاي, ولا كأني تلميذة بيأنبها على انها ما عملتش الواجب. وهو قالهالي كدة بنفسه, قال ان انا لسة طفلة. بقا انا طفلة يا حياة؟
فابتسمت حياة من طريقة صديقتها في التعبير, فهي حقا لاتزال طفلة مشاكسة, ولكن لحرصها الشديد على الا تجرحها, لم تشأ أن تقر بذلك الواقع, واتخذت اسلوب الحيلة: مش جايز طريقتك في التعامل معاه هي اللي بتخليه يصدق انك لسة طفلة؟
فقالت مريم وهي تمط شفتيها بتكشيرة: وانا كنت بعمل ايه يعني؟
حياة: كفاية انك بتخالفي اوامره على طول يا مريم, يعني طالما هو طلب منك انك ما تتعامليش مع استاذ خالد فانتي كان لازم تتجنبي اي موقف ممكن يجمعك بيه.
وعندما لاحظت ان صديقتها على وشك الاحتجاج تابعت كلامها باسلوب اقناع جديد: يا حبيبتي انتي لازم تفهمي ان جوزك مش طلب منك كدة الا لانه بيغير عليكي, ومش عاوزك تكلمي راجل تاني غيره, ودة حقه.
مريم بعصبية: يوووووه, انتي كمان هتقولي حقه؟ طيب فين حقي انا بقا؟
حياة: قبل ما تطالبي بحقك يا مريم فانتي لازم تقومي بواجبك الاول, يا بني الرجالة دول زي الاطفال اللي ممكن تزعلهم كلمة و تفرحهم مصاصة, والمصاصة دي بقا هي الحنية والرقة بتوع الستات, صدقيني يا مريم دول سلاحين مفيش اي راجل يقدر يقاومهم.
فاندفعت مريم كعادتها وكان سؤالها المباغت: وياترى الاسلحة دي نفعت مع وليد؟
فقالت حياة بصوت مليئ بالالم وهي تبتلع ريقها بصعوبة: يا مرم انا حياتي مع وليد مختلفة, وانتي عارفة كدة كويس, وليد مش قادر ينسى لحد دلوقت, وشكله كدة مش هينسى ابدا مهما عملت معاه, وليد بقا بيحس بنفور ناحيتي, وبقا واضح جدا انه صعب اوي يغير فكرته دي.
وضعت مريم كفها لتحتضن اصابع يد صديقتها وهي تشعر بالشفقة على حالها: انا اسفة يا حياة, ما كنتش اقصد.
فتبسمت حياة لتخفي مسحة الحزن التي سادت الموقف: يا ستي ولا يهمك, انا خلاص بدأت اتعود على حياتي معاه بالشكل دة, اما انتي بقا يا مريم فلازم تلحقي نفسك وحاولي تحافظي على جوزك.
مريم بنبرة حزينة ساخرة: جوزي؟! جوزي ايه يا حياة؟ مانتي عارفة احنا اتجوزنا ازاي؟ ولا انا ولا هو قادرين ننسى دة لحد دلوقت.
حياة: لسة ادامك وقت تصلحي اللي حصل وتسدي الشرخ اللي بينكم, وخصوصا اني لاحظت ان يوسف بقا مهتم بيكي بشكل كبير, ودة مش معناه غير حاجة واحدة, انه بدأ يحبك يا مريم, وانتي بقا عليكي انك تكبري الحب دة وتحسسيه انه اد ايه هو مهم بالنسبالك وانك انتي كمان بتحبيه.
“بحبه” رددت مريم هذه الكلمة في عقلها وأخذت تتساءل هل هي بالفعل تحب يوسف؟ والاهم من ذلك هل هو ايضا يبادلها نفس الشعور؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
لم تكن تعلم سبب بكائها في تلك اللحظة بالذات, ولكنها فجأة شعرت بحاجة الى البكاء ووجدت عينيها تهطل بالدموع وهي تجلس بمفردها على السرير في غرفة نومها وتدفن وجهها بين رجليها ولا تعلم مالذي دهاها؟ فكل ما كانت تفكر فيه الان هو حديثها مع مريم و نصائحها لها في حين انها هي التي كانت بحاجة الى النصائح. فهي رغم كل ما كان يفعله او يقوله لها لم تستطع ان تكرهه مع انها حاولت ان تفعل ذلك كثيرا, وحينما رأت ان قلبها لم يرضخ لرغباتها علمت في ذلك الوقت انها تحبه, بل تعشقه رغم علمها باستحالة ان يبادلها نفس الشعور او ع الاقل ان يتقبل وجودها في حياته, فهي ما زالت حتى الان تجهل سبب زواجه بها, ولكن كل تصرفاته معها تثبت انه لم يفعل ذلك الا بغرض الانتقام لقلبه الجريح. ولكنها لا تعلم الى متى سيستمر انتقامه, وماذا سيحدث بعدها؟ اسيقرر انها لم تعد جديرة بقربها منه فيطلقها. لا, فانها لن تتحمل بعدها عنه, فهي على استعداد لتحمل قسوته وسخريته الى مالا نهاية ولكن لتبقى بجانبه فقط.
سمعت طرقا خفيفا على الباب وبالطبع فلم يكن ذلك الطارق غيره, جففت دموعها بيديها في عجلة ولكنها بالطبع لم تستطع ان تخفي احمرارا عينيها, وبما انه لايجب ان تدعه ينتظر طويلا بالخارج حتى تغسل وجهها فدعته للدخول, وكان اول ما لاحظه فور دخوله هو عينيها الباكية ولكنه لم يعلق على الامر, بل قال بلهجة باردة: انا كنت هعمل لنفسي نسكافيه تشربي معايا؟
فاسرعت حياة تقول: مفيش داعي تعطل نفسك, روح انت كمل شغل وانا هعملنا احنا الاتنين.
فوافق وليد قبل ان يغادر الحجرة سريعا فانه لم يعتد ان يطيل البقاء في تلك الحجرة اكثر من اللازم.
دخلت حياة الحمام لتغسل وجهها اولا وتداري اثار الدموع بعينيها ثم توجهت الى المطبخ لتعد النسكافيه ثم وضعت الكوبين على الصينية التي حملتها وخرجت بها اليه لتجده جالسا على كرسيه الدوار امام طاولة الرسم الخاصة به, وكان منهمكا في احد الرسوم الهندسية, فوضعت حياة الصينية على طاولة صغيرة من الزجاج امام أريكة بالمكتب وأخذت احد الكوبين وقدمته لوليد: اتفضل.
فأخذ منها وليد الكوب وشكرها, ثم عادت حياة الى الطاولة مرة اخرى وحملت الكوب الخاص بها وهمت بالخروج الا انها سمعت صوته يناديها: حياة!
توقفت حياة ونظرت اليه: نعم؟
فأدار وليد كرسيه ليصبح مواجها لها وهو يسأل: انتي رايحة فين؟
تعجبت حياة قليلا من سؤاله: راجعة اوضتي. ليه؟
وليد: يعني لو مش وراكي حاجة تعمليها فممكن تشربي النسكافيه بتاعك هنا معايا.
فقالت حياة وقد زادت دهشتها, فتلك هي المرة الاولى التي يبين لها رغبته بصحبتها: اصلي مش عاوزة اعطلك.
وليد وقد نهض من مكانه وهو يرتشف من الكوب قليلا: لا مفيش عطلة ولا حاجة, انا اصلا محتاج راحة بعد اربع ساعات شغل متواصلة, اقعدي يا حياة.
فجلست حياة على الاريكة الوحيدة بالمكتب, وكانت تتوقع منه ان يجلس على كرسيه خلف المكتب ولكن لدهشتها الشديدة وجدته يجلس بجوارها على الاريكة, وساد الصمت المكان لدقائق, وقررت حياة ان تفتتح الحديث, فقالت وهي تحاول ان تبدي اهتمامها: هو ايه اللي انت كنت بترسمه دة؟ معلش اصلي ما بفهمش خالص في الشغل الهندسي.
توقعت حياة انه اما ان يتجاهل الرد على سؤالها او انه سيجيبها بسخريته اللاذعة التي تجعلها دائما تتجنب الحديث معه, ولكنها تشتاق كثيرا لصوته مهما كانت الكلمات الجارحة التي ينطق بها.
وفوجئت حياة بأنه قد أمسك يدها وأوقفها على قدميها وهو يقول بصوت ودود كانت قد افتقرت اليه معه: تعالي معايا.
وقادها وليد الى طاولة الرسم وقد انتابها الذهول عندما وجدته يشرح لها بصوت هادىء بعيدا عن الغضب او السخرية: دة مشروع سكني ضخم, وهو اول مشروع تمسكه الشركة بتاعتي.
فسألته حياة وهي تحاول ان تتناسى رهبتها منه او من اثارة انفعاله: هو انت خلاص افتتحت الشركة وبدأت الشغل فيها؟
فرد وليد بابتسامة واسعة: وتفتكري انا كان ممكن افتتح الشركة من غير ما تعرفي؟ مش المفروض انك مراتي بردو.
تجاهلت حياة سخريته في نطقه للجملة الاخيرة, فقط لانها لا تريد ان تفسد الود السائد بينهما في تلك اللحظة, فسألته: امال مشروع ايه اللي بتتكلم عنه دة.
وليد: دة مشروع يوسف رفضه لانه مشغول في مشاريع كتيرة ومش هتخلص دلوقت وصعب انه يقبل اي شغل تاني في الوقت الحاضر, فاقترح على صاحب المشروع ان شركتي هي اللي تاخده ودي بالنسبالي هتكون بداية ما كنتش احلم بيها بصراحة, دة غير ان خلاص مقر الشركة كلها يومين ويتشطب وبالكتير اوي على نهاية الاسبوع ان شاء الله هكون هيئة العاملين معايا, والشركة هتكون جاهزة للافتتاح وساعتها هيكون الرسم خلص ونبدأ شغل على طول بعد موافقة صاحب المشروع. اه وعلى فكرة يوسف اقترح عليا ان حفلة افتتاح الشركة تتعمل في الفيللا توفيرا للمصاريف يعني وانا وافقت.
حياة: ربنا يوفقك.
وسادت لحظات صمت فيها اللسان لتتحدث العيون الى ان وليد قرر ان ينهي سحر تلك اللحظات وهو يوجه نظرها ناحية الرسم ويقوا: شوفي بقا يا ستي هحاول اشرحلك الرسم دة وخلي بالك معايا.
حياة: ايوة بس انا مش بفهم اي حاجة في الهندسة.
وليد: يعني انتي كنتي اتولدتي اعلامية؟ كله بييجي بالتعليم, ركزي معايا بقا وانا هفهمك بالراحة.
لم تشأ حياة ان تعترض اكثر وتفقد لذة تلك اللحظات الساحرة برفقته, فأخذت تستمع اليه دون ان تستوعب كلمة مما يقول فانها لم تنتبه لشرحه حيث كان تفكيرها يتجه الى امر اخر, فقد كانت تتأمل ملامحه بكل تفاصيلها, وجهه, شعره, عينيه, كل ذلك يزيد من جاذبيته ورجولته, انها بالفعل تحبه ولكن لا تجرؤ بالاعتراف بذلك أمامه فبالطبع يمكنها ان تتوقع اعتراضه ورفضه لها, وقد اكتفت فقط بترديد جملة واحدة بصمت: ليتني قابلتك قبل ان يحدث ما يفرقنا الان!
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كانت ودة تجلس في فيللا عبد الرءوف بعد ان سمح له الاطباء بالانتقال, فاستأذن من يوسف وعاد هو وابنته الى فيللته, وكان ماهر دائم التردد عليهما تقريبا بشكل يومي, وفي احدى زياراته اليهما وقد كان يجلس برفقة والدته بالاسفل بينما كان عبد الرءوف يستريح في غرفته بالدور العلوي, وبينما كانت وردة تحمل في يدها فنجانا من القهوة قالت له: طيب وانت عامل ايه يا حبيبي دلوقت.
ماهر: الحمد لله يا ماما بس ناقصني وجودك في حياتي.
ثم اكمل مازحا: بجد بقا وحشتني اوي المحكمة اللي كنتي بتنصبيهالي كل يوم لما برجع متأخر, دة غير بقا الاكل اللي كنتي بتغصبيني عليه مع انك عارفة اني مش بحب الاكل البيتي نهائي اللي في حالات الطوارىء.
فتصنعت وردة الغضب وهي تقول: بقا كدة يا ماهر؟ ماشي اديني يا سيدي سيبتلك البيت عشان تعمل اللي عاجبك.
فأسرع ماهر, وقبل يديها: بجد وحشتيني اوي يا ماما, وانا مش قادر اتعود على بعدي عنك.
وردة ونظرات الحنان تطل من عينيها: وانت كمان يا ماهر وحشتني اوي, وبقيت بقلق اكتر من الاول ولولا اني متأكدة ان باباك مش هيوافق وممكن كمان يعملها مشكلة انا كنت طلبت منك انك تيجي تعيش معايا هنا انا وجدك.
ماهر: مش هينفع يا ماما, وخصوصا دلوقت. بس ع العموم اطمني ابنك خلاص عقل وبقا ما يتخافش عليه.
وردة: بردو قلبي هيفضل واكلني عليك لحد ما تريحني بقا وتختار بنت الحلال اللي تكمل حياتك معاها وتاخد بالها منك وساعتها بقا هكون اطمنت فعلا.
ماهر بنبرة خاصة: قريب اوي يا ست الكل ان شاء الله
وردة: ودة معناه ايه بقا؟ انت خلاص حطيت عنيك على حد؟
ماهر: يعني, حاجة زي كدة.
وردة: طيب ممكن اعرف هي مين؟
ماهر: مش دلوقت يا ماما, ع الاقل لما اتأكد من مشاعرها ناحيتي.
وكانت وردة كأي ام ترى ابنها أفضل مخلوق في وجود مهما كانت عيوبه, فهو بالنسبة لها خاليا من اي عيوب, فقالت: ودة اسمه كلام بردو؟ وهو فيه واحدة عاقلة في الدنيا تقدر ترفض واحد زيك مال وجمال وحسب ونسب؟ دي تبقا اكيد اتجننت.
ماهر مبتسما: دة عشان بس انا ابنك يا ست الكل فلازم تقولي كدة, لكن مش لازم ان دة يكون رأي كل اللي يعرفوني.
فربتت وردة على كتفه بحنان: ربنا يسعدك يا ابني, و يقربلك البعيد.
فأمن ماهر على دعائها وهو يمني النفس بتحقيقها, فلأول مرة قلبه يتعلق بفتاة ويخشى من ان يكون قد تعلق بسراب, فهو يرى الكثير من الحواجز التي تحول بينهما.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
دخل يوسف حجرة مريم ليجدها تقرأ في احد الكتب فبعد ان ألقى عليها تحية المساء وردت عليه بالمثل سألها باهتمام: ايه اللي انتي بتقريه دة؟
مريم: دي رواية.
يوسف: عن ايه؟
شعرت مريم بالاحراج وهي تجيب: دي رواية رومانسية.
يوسف وقد زاد اهتمامه للأمر: رومانسية؟! غريبة يعني!
مريم: وهو ايه الغريب في كدة؟
يوسف: اصلي ما كنتش فاكر انك بتهتمي بالحاجات دي.
مريم بنبرة حزينة لائمة: حقيقي انا ما كنتش بهتم في الاول, بس بدأت اهتم دلوقت عشان اكبر وما افضلش طفلة زي مانا, مش دة كان كلامك؟
فجلس يوسف بجوارها على السرير وسألها: وانتي شايفة بقا ان قرايتك للروايات دي هي اللي هتكبرك؟
مريم: معرفش, اديني بحاول.
يوسف: طيب ممكن بقا تسيبي الرواية اللي في ايدك دي وتقومي تلبسي؟
مريم وهي تسأله ببلاهة: ليه؟
يوسف: عشان هنخرج, انا عازمك النهاردة ع العشا برة, واعتبريه يا ستي عربون صلح وتكفير عن الكلام اللي قولته في لحظة غضب.
فنظرت مريم اليه باهتمام تحاول ان تستشف من تعابير وجهه ما اذا كان بالفعل صادقا في اعتذاره, ولكنها كالعادة تعترف بهزيمتها امامه, فهي لا تستطيع فهمه مهما حاولت , فلقد بدأت تشعر وكأنها بالفعل طفلة كما وصفها.
أخرجها يوسف من شرودها وهو يداعب شعرها الأحمر الطويل وسألها: ايه يا مريم؟ انتي مش عاوزة تخرجي معايا ولا ايه؟
انها في المواقف العادية لا يمكنها ان ترفض له طلبا, فما بالك وهو يتحدث اليها بذلك الصوت الجذاب ذات النبرة الرقيقة الساحرة؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
اجتمعت علياء بعماد في شقتها, وقد كانا يتناولان أحد المسكرات, فقالت علياء وهي تميل بدلال ناحيته: والله ووحشتنا ايامك يا عمدة.
عماد: انتي اللي وحشتني بجد يا لولو, عاملة ايه بقا في الشغل؟
علياء بتأفف: يوووووه, ودة وقت مناسب بردو نتكلم فيه عن الشغل؟ ع العموم يا سيدي اطمن خالص كله ماشي تمام وعال العال.
عماد: طيب نتكلم بقا عن اللي غير الشغل. قوليلي عملتي ايه مع يوسف جلال؟
علياء بنظرة خبيثة: ودة سؤال تسأله للولا بردو؟ مانت عارفني ما فيش حاجة تصعب عليا حتى يوسف جلال نفسه تقدر تقول اني خلاص طويته تحت جناحي, وزمانه دلوقت واخد المدام بتاعته وبيتعشوا في المطعم اللي انا حجزتله فيه.
عماد باعجاب: تمام اوي كدة. وجهزتي كل اللي اتفقنا عليه؟ وكلمتي صاحبتك؟
علياء: طبعا, وهو انا بردو تفوتني حاجة زي دي؟
عماد: شاطرة يا لولا.
علياء: تلميذتك يا عمدة, وزي ما اتفقنا كلها شهر بالكتير وتلاقيه مطلق الست هانم بتاعته اللي فضلها عليا.
عماد: اللا بقولك ايه يا علياء, هي فعلا مراته دي حلوة كدة زي ما بيقولوا عليها؟
فهمت علياء المغزى من سؤاله فقالت محذرة: لا, بقولك ايه يا عماد, احنا مش فاضيين للحاجات دي, خلينا نشوف شغلنا احسن.
عماد: ماهي دي حلاوتها, ان احنا نعرف ازاي نستفيد من شغلنا دة بكل الطرق الممكنة.
علياء: ماشي يا سيدي, وانت بقا عملت ايه مع وليد؟ الواد دة رخم اوي وانا بصراحة مش بطيقه, اصل واخدها جد اوي ومحبكها اكتر من اللازم, وممكن تتعب معاه.
فقال عماد بغرور: بس مش عليا يا ماما, هو خلاص بلع الطعم وقبل المشروع بتاعي دة غير انه كمان عازمني على حفلة الافتتاح بتاعة شركته يوم الجامعة الجاية, يعني تقدري تقولي ان كلها شهر بالكتير وهطويه تحت جناحي بالظبط زي مانتي عملتي مع أخوه, وما تنسيش ان كل انسان ليه نقطة ضعف تقدري تدخوليله منها, ووليد دة بقا نقطة ضعفه شغله.
فقالت علياء بنبرة مليئة بالكره: ياللا, خليهم يشربوا بقا, وعشان احنا كمان نقدر نشوف شغلنا كويس.
فنهض وليد وهو يقول: اوك يا حبيبتي, سلام بقا.
علياء: بدري كدة؟
عماد: مانتي عارفة بقا يا حبيبتي, انا بقيت راجل متجوز ولازم ارجع بدري عشان اتجنب السين والجيم.
علياء ساخرة: يا عيني عليك يا عمدة. وانت كان مالك ومال الجواز بس, مانت كنت عايش حياتك بالطول والعرض زيي, ليه تكتف نفسك التكتيفة دي؟
عماد: اعمل ايه بقا؟ مانتي عارفة انا راجل صاحب مزاج, و نهال دي من يوم ما عرفتها وانا مشدودلها جامد وعاوز اوصلها بأي شكل, لكن بالرغم من كل عيوبها الا اني ما قدرتش اطولها من غير جواز.
علياء: طيب وانت ايه جابرك انك تفضل عايش معاها لحد دلوقت؟ ما تطلقها وتخلص.
عماد: للأسف مش هينفع. نهال بقت عارفة كل اسرار شغلنا دة غير اني ساعات بحتاجها في الشغل وكمان اهي واجهة ليا في الوسط الاجتماعي, مانتي عارفة بقا, عماد بيه وحرمه. ياللا, سلام بقا يا قمر, وخلينا دايما على اتصال لو حصل اي جديد.
علياء: اوامرك يا برنس.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
دخل عماد حجرة نومه على أطراف اصابعه حتى لا يزعج زوجته التي كانت تغط في النوم العميق, فهو يخشى ان تستيقظ فتلقي على اذنيه نفس الاسطوانة التي أصبح يحفظها عن ظهر قلب.
وجد عماد الحجرة غارقة في ظلام دامس, فلم يحاول ان يضغط زر الاضاءة وهو يخلع سترته, ولكنه أغمض عينيه فجأة حين سطع ضوء الحجرة في عينيه فجأة ووجد زوجته تجلس على السرير وهي تنظر اليه بغضب: ماهو بدري يا سي عماد.
عماد: نهال! انا مش في مزاج يسمح اني اسمع منك اي كلمة تأنيب.
نهال: طبعا, ماهو اكيد بعد السهرة اللي الله اعلم انت قضيتها مع مين, مش هتبقى طايق تبصلي حتى.
عماد وهو يحاول ان يسيطر على انفعاله: مفيش داعي للكلام دة يا علياء, انتي عارفاني كويس اوي قبل ما نتجوز, ووافقتي عليا وانا كدة, يبقا مش من حقك انك تشتكي.
نهال: كنت فاكرة انك ممكن تتغير.
عماد: يبقا دي مشكلتك انتي, لان انا صعب اني اتغير, ودة اللي لازم تفهميه كويس اوي. ولازم تتعودي على الحياة معايا بالشكل دة.
نهال: وانا ايه اللي يجبرني على كدة؟
عماد: حاجات كتير اوي, زي مثلا الشهرة اللي بقيتي بتتمتعي بيها وكلمة نهال هانم اللي بتتقالك في كل مكان, والفلوس اللي من غير عدد وعمالة تصرفي فيها من غير حساب, والرحلات اللي بتعمليها في اشهر اماكن في العالم, اعتقد ان كل دة يا نهال يستاهل منك التضحية البسيطة دي.
لم تعلق نهال بشيء, واكتفت بمشاهدته وهو يستلقي على السرير بجوارها قبل ان يقول: تصبحي على خير, وياريت تطفي النور عشان أعرف انام.
وأطفأت علياء الاضاءة لتغرق الغرفة في الظلام من جديد.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
خرجت مريم برفقة يوسف وتوجها الى المطعة الذي اخبرته علياء باسمه عن طريق الهاتف كما وعدته, وبعد ان اتاهما النادل بقائمة الطعام وطلبا ما يريدان تناوله على العشاء, قالت مريم بسعادة: ميرسي اوي يا يوسف, حقيقي المكان هنا هادي وساحر.
فقال يوسف الذي بالطبع لم يخبرها ان علياء كانت صاحبة القرار في اختيار هذا المطعم الذي نال اعجابها: كويس انه عجبك, لاني بصراحة بقا دة كان كل اللي يهمني النهاردة, اني اعمل اي حاجة ممكن تفرحك؟
مريم: واشمعنا النهاردة يعني؟
يوسف: عشان النهاردة انا عاوز احتفل بعيد ميلادك.
مريم بحزن: ياااااااااااه. انت لسة فاكر؟ انا عيد ميلادي كان من يومين. و تقريبا كل الناس يومها قالتلي كل سنة وانتي طيبة الا انت دة حتى جدو حطلي مبلغ كدة بحسابي في البنك كهدية من غير ما يقولي قبلها لانه عارف كويس اوي اني مش بقبل الهدايا.
يوسف بأسف: مانا عارف, كان يوم حفلة الجامعة, وكنت عامل حسابي على كدة بس اللي حصل بينا بعد الحفلة لغى كل الخطط اللي كنت مرتبلها, بس انا بقا قررت اني اعوض كل حاجة النهاردة, دة لو انتي موافقة طبعا, قولتي ايه بقا؟ موافقة!
ونظر اليها بترقب فوجدها تبتسم له بهدوء وهي تومىء برأسها كعلامة للقبول.
وعلى الفور أخرج يوسف تلك العلبة القطيفة صغيرة الحجم من جيب سترته وفتحها لتظهر بداخلها الاسورة الي قد اشتراها سابقا بمساعدة علياء, قدمها يوسف لها وقد كانت تتلألأ بألوانها التي تخطف الانظار: تسمحي بقا تقبلي مني الهدية دي, صحيح انتي مش بتقبلي هدايا من حد, بس انا واثق انك مش هترفضي هديتي.
مريم وهي تنظر الى الاسورة بمشاكسة: وانت بقا جبت الثة دي منين؟
يوسف: احساسي بيقولي كدة, كل سنة وانتي طيبة يا مريم.
مريم: وانت طيب
وأخذت مريم منه العلبة وأخرجت الاسورة و ظلت تتأملها وهي في اصابعها للحظات وقد زاد لمعانها في ضوء المطعم ذات الالوان المتعددة.
فمد يوسف يده ناحيتها وهويقول: تسمحيلي؟!
فهمت مريم بالضبط ماذا يريد؟ فاعطته الاسورة, ومدت ذراعها الأيسر اليه, فقام يوسف بتثبيت الاسورة فيه, وكأي طفل يحصل على لعبة جديدة, أخذت مريم تتلمس الاسورة بيدها الاخرى وهي سعيدة باقتنائها فقط لانها منه هو وحده.
أما يوسف فكان يتابعها في صمت وهو معجب بتلك الطريقة الطفولية التي تزيد من جاذبيتها و كذلك من انجذابه اليها.ولكنه قرر ان يشاكسها قليلا: واضح جدا انها عجبتك, لدرجة انك نسيتيني انا شخصيا وانا قاعد ادامك.
مريم بصراحتها المعهودة: حقيقي يا يوسف جميلة اوي.
يوسف بفخر: طبعا لازم تكون جميلة, مش انا اللي اشتريتها؟
فنظرت له مريم بغيظ, فقال يوسف: لالالا بلاش التكشيرة دي , النهاردة بقا انا مش عاوز اشوف غير الابتسامة وبس.مفهوم؟
مريم بانفعال: ماهو انت اللي بتستفذني.
يوسف بعيون ضاحكة: خلاص يا ستي مش هستفذك تاني, فين بقا الابتسامة الحلوة؟
فابتسمت مريم رغما عنها, فمن الواضح انه لا يزال يعتبرها كالطفلة وهذا يتضح حتى في طريقة مداعبته لها, ولكنها تفضل ذلك عن غضبه الذي يصعب التعامل معه.
وبينما وهما في غمرة سعادتهما جاءهما من الخلف صوت انثوي رنان يقول: ايه دة معقولة؟ يوسف! انا مش قادرة اصدق! فينك من زمان وفين ايامك؟
استطاعت مريم ان تفهم من كلام تلك المرأة ونبرة صوتها وكذلك من ارتباك يوسف, بأنها كانت احدى عشيقاته القديمات, ولكنها حاولت ان تخفي ضيقها الشديد وخصوصا في حضور تلك السيدة, واكتفت بمراقبة زوجها الذي قد نهض ليسلم عليها بكل ود: ازيك يا سمر, عاملة ايه؟
سمر بدلال: يعني هو انت كنت بتسأل؟
حاول يوسف ان يتجاهل كلامها وقال وهو يشير الى مريم: اسمحيلي اقدمك مريم مراتي.
ثم اشار الى المرأة الاخرى وهو يكمل التعارف: ودي يا مريم سمر وهيب.
لاحظت مريم وهي تصافح تلك السيدة ذات اليد الباردة بأنه قد اكتفى بذكر اسمها فقط وتجنب ان يذكر مدى علاقته بها, فعلمت انه في حيرة من أمره, فماذا يمكنه ان يقول؟ هل يقول صديقتي ام عشيقتي؟
وعندها شعرت بالدموع الحارة تملأعينيها ولكنها حاولت ان تخفيها خلف ابتسامته الباهتة وهي تستمع الى تعليقات سمر ذات النبرة الساخرة التي بدا على يوسف بأنه لم يلاحظها: الف مبروك يا مدام, بجد برافو عليكي انك عرفتي توقعيه, احنا عمرنا ما كنا نتوقع ان يوسف ممكن يدخل القفص أبدا.
وكان يوسف هو من تولى الرد عليها محيطا كتف زوجته بذراعه: وليه بقا ما تقوليش ان انا اللي عرفت اوقعها, مريم دي جوهرة, وانا فعلا محظوظ انها بقت من ممتلكاتي.
فأكدت سمر على كلامه بنفس سخريتها المبطنة: معاك حق يا يوسف, مراتك زي القمر, ربنا يسعدكم, اسمحولي بقا استأذن, شكلي كدة قطعت عليكم الجو الرومانسي الحلو دة.
يوسف: طيب ما تقعدي تتعشي معانا.
سمر: لا يا سيدي, انا مستنية ناس عازميني هنا هروح استناهم على ترابيزتنا, بتمنالكم سهرة سعيدة بقا.
وقبل ان تغادر قالت: يوسف ما تنساش تبقا تكلمني, اكيد انت لسة معاك رقمي, وانتي كمان يا مدام مريم.
فهزت مريم رأسها موافقة بينما قال لها يوسف: ان شاء الله.
وابتعدت سمر فجلس يوسف على كرسيه مرة أخرى وعندما لاحظ مسحة الحزن التي تكسو وجهها حاول تدارك الامر واستعادة الجو الشاعري الذي كان يسودهما قبل مجيء سمر, فقال بابتسمة ساحرة, ولكنها لم تؤثر على مريم هذه المرة: قوليلي بقا يا مريم احنا كنا بنقول ايه قبل ما سمر تيجي؟
فقالت مريم بنظرات حادة وصوت قاطع: يوسف! انا عاوزة اروح.
الحلقة الخامسة والعشرون
*مزيدا من الآلام*
لم تعلم على من يمكنها أن تلقي باللوم؟ فهل ستلوم الظروف التي دائما ما تعترض طريق سعادتها معه وتبعدهما أميالا كلما حاولا الاقتراب خطوة؟ أم تلوم هؤلاء الاشخاص الذين يظهرون غالبا من العدم ليعكرون صفو حياتهما؟ أم تلومه هو ذلك الشخص ذو الماضي الذي لا تستطيع أن تتقبله بكل مساوئه؟ أم انها توجه اللوم الى نفسها لأنها تعلقت بالشخص غير المناسب, رجل لا يمكنه ان يسلم قلبه بسهولة لأي إمرأة حتى وإن كانت زوجته؟ هكذا قضت مريم ليلتها يجافيها النوم وهي تفكر في حل مناسب لمشاكلها التي لا تنتهي عندما يمون يوسف جلال طرفا فيها وتتساءل ما إذا كان هو الآخر يشغل نفسه بتلك ا؟لأمور ويريد لعلاقتهما النجاح أم أنها هي البلهاء الوحيدة التي تسعى وراء السراب؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
أقيم حفل افتتاح شركة My Life للمعمار الخاصة بوليد جلال في الفيللا كما كان متفقا عليه من قبل, وقد أعدت كل من مريم وحياة لهذا الحفل بكل دقة وترتيب حيث أخرجتاه في أكمل صورة. كان كل من وليد يوسف يقومان بدور المضيف وقد تلقى وليد الكثير من التهانىء والمباركات, ويوسف كذلك حيث كان البعض يعتقد ان تلك الشركة ما هي الا فرعا جديدا لشركة المعمار الأم وهذا باضبط ما كان يريده يوسف لأن اسم شركة المعمار سيضيف الكثير لأخيه في بداية طريقه. وكان الضيف يتجمعون في حلقات حول بركة السباحة وكل منهم يتناقش مع الاخر فيما يتعلق بالعمل والصفقات المختلفة, فكعادة رجال الأعمال دائما يتصيدون كل فرصة مهما كانت صغيرة في القيام ببعض الأعمال التي تعود عليهم بالمزيد من الأرباح حتى في المناسبات الاجتماعية, فما بالك باحتفال أقيم خصيصا لهذا الغرض؟
كان الاخوان هما نجمي الحفل بوسامتهم وجاذبيتهم وكذلك ذكائهم في التعامل ولباقتهم في الحديث يتنقلان من حلقةإلى أخرى, ويقوم يوسف بتقديم أخيه إلى جميع رجال الأعمال والمهندسين مع كلمات المدح والإطراء التي لم يجد صعوبة في العثور عليها ليذكي بها شقيقهبل لنقل ابنه الكبير كما كان يعتبره.
ورغم غرابة الأجواء بالنسبة لكل من مريم وحياة الا انهما قد استطاعتا اثبات كفاتهما في ذلك المجال وقد تعرفتا خلال وقت قصير جدا على معظم الزوجات اللاتي حضرن الحفل وقد كانت النساء تعجبن من لباقتهما وحسن ضيافتهما رغم صغر سنهما ويجذبهن حجابهن الجميل والأنيق والذي كانت تفتقر اليه الباقيات.
وفي الوقت الذي كانت تقف فيه مريم وحياة مع بعض النساء يتحدثون في بعض أمور ربات البيوت التي لم تكن تشغل فكرهما كثيرا لانهما كانتا بعيدتين كل البعد عن تلك الصفة,جذب انتباه مريم تلك المرأة التي اقتحمت فجأة الحلقة التي كان بها زوجها, هذه المرأة التي تتذكر جيدا مدى أنوثتها وجاذبيتها فإنها بالطبع لم تكن سوى علياء! لاحظت مريم من بعيد رغم انها لم تسمع حديثها معهم إلا أن جميع الرجال قد تقبلتها في حلقتهم بكل بساطة وكان ذلك واضحا تماما من تلك الضحكات التي استطاعت سماعها جيدا من مكانها ذلك, لاحظت حياة انشغال صديقتها بأمر ما كما شعرت بتغيير تعابير وجهها فوجهت عينيها إلى حيث كانت تنظر مريم لتعلم السبب وراء تجهمها ذلك, فهمست اليها دون أن يلاحظ أحد بذكائها المعهود: أكيد دي علياء.
هزت مريم رأسها بشكل تلقائي مؤكدة تخمين صديقتها التي استمرت تقول: شكلها كدة مش سهل خالص.
ومرة أخرى تهز مريم رأسها بعفوية مؤكدة على كلام حياة وهي تشعر بنيران تتأجج في صدرها كما أنها شعرت أيضا برغبة ملحة في الذهاب الى علياء وطردها من المكان أمام الجميع ولكن منعها من ذلك حرصها الشديد ان تبدو بمظهر الضيفة الودودة أمام الجميع عامة وأن تبدو بمظهر الزوجة الذكية الحريصة على مصلحة زوجها أمام يوسف خاصة, سمعت حياة تقول لها مشجعة: يمكن صحيح تكون منافسة قوية لكن انتي بردو لسة أدامك الفرصة انك تحافظي على جوزك وتحميه.
حادت مريم بنظرها بعيدا عن المكان الذي كانت تقف فيه علياء وهي تميل إلى زوجها وتهمس له ببضعة كلمات تجعله يضحك بصوت عال أما هي فتبتسم ناظرة اليها بتحد واضح دون أن يراها أحد بشكل, شعرت مريم ولأول مرة استطاعت مريم أن تعترف لنفسها على الأقل بأنها كانت تشعر بالغيرة من علياء ومن سمر ومن أي إمرأة أخرى تقترب من زوجها ولكنها حاولت جاهدة أن تبدو هادئة وهي ترد على حياة قبل أن تنسحب من بين تلك المجموعة بثبات وهي ترسم على شفتيها ابتسامة زائفة وكأن الأمر لا يعنيها: ومين قالك ان انا عاوزة أعمل كدة؟ الموضوع مش فارق معايا أصلا, يعملوا اللي هما عاوزينه.
تغيبت مريم لفترة عن الحفل, حيث دخلت الفيللا وجلست وحدها على أحد الكراسي في الصالون لتنفرد بنفسها قليلا بعيدا عن يوسف وبعيدا عن علياء وعن كل من يمكنه أن يزعجها. فلقد اكتشفت لتوها أنها تغير عليه وقد شعرت بأن تلك الغيرة تقتلها في أكثر من موقف. فهل الغيرة هي دليل الحب كما يقول البعض؟!
: أنصحك بلاش.
انها هي نفس نبرة الصوت التي أصبحت تزعجها كثيرا, لذلك لم تفاجىء مريم كثيرا عندما نظرت خلفها لتجد علياء ترمقها بنظرات متكبرة أغاظتها كثيرا ولكنها قررت ألا تسمح لتلك المرأة باستفزازها فنهضت وهي تقول بابتسامة حاولت أن تحمل بها الكثير من الود الذي ل تشعر به تجاه هذه المرأة وتقول: اهلا مدام علياء, أي خدمة ممكن أقدمها لحضرتك؟
بدأ أن كلامها لم يرق لعلياء, فقالت وهي تتقدم لتجلس على أحد الكراسي واضعة قدما فوق الاخرى بكل تعالي وكبرياء: بصراحة أنا اللي جاية أقدملك خدمة عمرك يا مريم, تسمحي أقولك مريم كدة من غير ألقاب؟
تجاهلت مريم السؤال الأخير لأنها بداخلها لا تريد رفع الألقاب بينها وبين تلك المرأة, فذلك لا يحدث سوى بين الأصدقاء وعلاقتها بعلياء بعيدة كل البعد عن الصداقة, وحاولت أن تتحلى بالهدوء وهي تجلس قبالتها وتسألها:الحقيقة مش فاهمة, ياترى ايه هي الخدمة اللي ممكن تقدميهالي؟
علياء: أنا جاية عشان أجاوبك ع السؤال اللي محيرك لحد دلوقت وانتي مش لاقيه ليه أي إجابة مناسبة.
مريم بدهشة: سؤال ايه؟
علياء: هو يوسف اتجوزك ليه؟ مش دة هو السؤال اللي مطير النوم من عينك؟
حاولت مريم أن تحافظ على هدوءها قدر المستطاع رغم البركان الذي كان تفجر بداخلها بسبب تدخل تلك السيدة في حياتها بهذا الشكل الغير لائق, ولكنها لم ترد أن تكون فظة في حديثها معها وهي تقول لها: والله أعتقد ان دي حاجة ما تخصش حضرتك.
لاحظت مريم أن كلامها قد أغضب علياء بعض الشيء وظهر ذلك جليا في نبرة صوتها التي ارتفعت قليلا وهي تقول بحدة: انتي غلطانة يا مريم, لان الموضوع دة يخصني زي ماهو يخصك.
مريم: ودة يخص حضرتك في ايه بقا؟
علياء: يخصني لأن يوسف دة بتاعي, ملكي انا يا مريم, ومش هسمح لأي واحدة تاني انها تاخده مني, انتي فاهمة؟
لم تندهش مريم من معنى كلامها بقدر ما اندهشت من جرأتها وهي تتفوه به, ولكن ما زالت مريم تحافظ على هدوءها وهي تقول: المرادي بقا انتي اللي غلطانة يا مدام علياء, لانك واضح جدا انك نسيتي ان يوسف دة بقا جوزي انا.
وبعكس توقعاتها سمعتها مريم تضحك بصوت عال يكاد يصم أذنيها, ثم قالت ساخرة: أي جواز دة اللي بتتكلمي عنه؟ قصدك يعني ع العقد دة اللي بينك وبينه واللي سهل أوي انه يتلغي في أي وقت؟
إذن فهي تعلم كل شيء! ومن الواضح أن يوسف هو من أخبرها به, وقد كانت تلك الحقيقة هي ما صدمتها كثيرا, ولكنها لم تعلق بشىء, مما سمح لعلياء بالاستمرار في حديثها بطريقتها المستفزة التي أصبحت لا تطاق مؤكدة شكوكها: ما تستغربيش أوي كدة, انا يوسف عمره ما بيخبي عليا حاجة, احنا أصدقاء من زمان وفاهمين بعض أوي عشان كدة بقولك ان انا كنت اكتر واحدة جديرة بيه.
استطاعت مريم بصعوبة أن تمنع تخفي نيرة الحزن في صوتها ليبدو ثابتا وهي تقول: لو كان صحيح اللي انتي بتقوليه دة, يبقا ليه ما فكرش انه يتجوزك؟
اكتسب صوت علياء الكثير من الحقد وهي تجيب: عشان جيتي انتي وجدك ووقفتوا بيني وبينه.
مريم: ازاي؟
علياء: صحيح انا صاحبة سلسلة بوتيكات مشهورة, بس مهما كان بردو اللي عندي أقل بكتير من ثروة جدك عبدالرءوف دة غير الشراكة اللي بتجمع بين شركة يوسف وشركة جدك, واللي ممكن بكل سهولة تتحل لو بعد الشر يعني جدك مات, ودة طبعا هيسبب خسارة كبيرة ليوسف, عشان كدة كان محتاج نوع معين من الضمان يضمن بيه مستقبل شركته, وانتي بقا يا مريم كنتي الضمان دة.
مريم: انا!
علياء: طبعا, مش انتي أحد الورثا, دة غير كمان ان ليكي النصيب الكبير في ثروة جدك, ويوسف بجوازة منك هيبقا من السهل عليه انه يتحكم في نصيبك وبكدة تفضل الشراكة مستمرة او على الأقل حتى لو اتفكت مش هيكون خسر كتير, بالعكس طبعا ميراثك لوحده هيبقا أكبر مكسب ليه في صفقة جوازكم.
بهتت مريم لسماعها هذا الكلام عن حقيقة جوازها بيوسف, أيمكن لهذا الشخص الذي اعتقدت بأنها أصبحت تعرفه جيدا يكون بتلك الوضاعة والانتهازية التي تصورها لها علياء؟ لكن ما زال هناك جزء من عقلها يرفض تصديق ذلك فمهما كانت عيوب يوسف كثيرة الا انهالا يمكنها أن تتخيله أبدا ذلك الشخص الذي لا يحركه سوى الطمع, وبدا أن علياء قد شعرت بمدى الحيرة التي قد استولت عليها, فأصبح صوتها يحمل بعض الود وهي تقول: أنا عارفة يا مريم ان صعب أوي تصدقيني, وانك يمكن كمان تكوني اتعلقتي بيوسف لدرجة انه بقا مستحيل عليكي تصدقي عنه حاجة زي كدة, بس أنا بقا عندي الدليل على كل كلمة قولتهالك.
فانتبهت مريم اليها بكل حواسها وعينيها مليئة بالتساؤل, ولم تجعلها علياء تنتظر كثيرا, فأخرجت هاتفها من حقيبة يدها وضغط على بعض أزراره ومريم تنظر اليها بعيون جامدة وأعصاب مشدودة وسمعتها تقول: اللي هسمعهولك دلوقت تسجيل صغير لكلام يوسف بنفسه.
وفجأة سمعت مريم صوت زوجها الذي لا يمكن أن تخطئه أبدا يتردد عبر الهاتف وهو يقول: علياء .كل اللي انا عاوزك تفهميه كويس ان الجوازة دي كانت جوازة مصلحة, يعني تقدري تسميها صفقة مش اكتر.
علياء بعدم تصديق: صفقة! وعاوزني انا اصدق الكلام دة!
يوسف: تصدقي أو لا دي مشكلتك مش مشكلتي , بس انا اللي عندي قلته.
علياء: بس يا يوسف انا اللي اعرفه بقا ان كل صفقة بيبقا ليها ميعاد محدد تنتهي فيه,يا ترى انت بقا جوازك من النوع دة ولا من نوع الى الابد الى الابد؟!
يوسف: انتي كدة بدأتي تفهميني, انا فعلا ناوي انهي جوازي بعد فترة,بس لما يحصل اللي انا عاوزه الأول.
وأغلقت علياء التسجيل وهي تعلق بنبرة حزينة مصطنعة: للأسف موبايلي جه لحد هنا وفصل شحن, بس طبعا انتي تقدري تستنتجي الباقي, ومش محتاجة أقولك هو ايه اللي يوسف كان مستنيه يحصل عشان يطلقك, طبعا كان يقصد انه لما يحط ايده الأول على كل ممتلكاتك وميراثك.
بدت مريم عاجزة عن الكلام وهي تنظر الى الفراغ والدموع تتجمع في عينيها اثر الكلام الذي سمعته, فأكملت علياء وهي تقترب من مريم بخطوات ثابتة مواسية: انا اسفة يا مريم, انا عارفة ان الكلام اللي انتي سمعتيه جرحك اوي بس أعتقد ان دة أفضل بكتير من انك تفضلي مخدوعة على طول, وكمان عشان تقدري بعد كدة انك تتحكمي في مشاعرك من ناحيته, لأن يوسف دة لا بتاع حب ولا جواز, يوسف الحاجة الوحيدة اللي ممكن تحركه هي المصلحة, و أنا عارفة كويس انه بعد ما يطلقك هيلاقي مصلحته معايا, وهترجع علاقتنا زي ما كانت في الأول.
مريم وهي تحاول أن تخفي نبرة الاحتقار التي تخللت صوتها: وانتي ازاي هتقبلي ترجعيله تاني وانتي عارفة كل الكلام دة؟
فابتسمت علياء بشيطانية وهي تجيب: أولا يوسف مش هيرجعلي ولا حاجة, لأنه وبكل بساطة هو أصلا ما سابنيش, وعلاقتنا زي الأول ويمكن أحسن كمان, ثانيا بقا أن كل الكلام دة مش هيفرق معايا كتير لأن زي ما يوسف مصلحته معايا أنا كمان مصلحتي معاه, يعني الصفقة اللي هتبقا بينا هيبقا فيها مكسب للطرفين بعكسك انتي تماما.
أحست مريم بأنها قد تلقت طعنة قاتلة في قلبها ولكنها استطاعت أن تتغلب على دموعها الحارقة وبعد مجهود كبير استطاعت أن تخرج صوتها من جديد بعد أن كانت ظنت أنها ستعجز عن الكلام ومع أنه كان صوتا ضعيفا مرهقا ولكن استطاعت أن توقف به علياء في مكانها بعد أن كانت تستعد للرحيل: لو سمحتي سؤال أخير.
اكتفت علياء بنظرات الترقب ناحية مريم التي قالت: انتي ايه اللي خلاكي تيجي دلوقت وتقوليلي كل الكلام دة؟ يعني بمعنى أصح ليه ما استنتيش لما يوسف ينفذ خطته وبعدين تتجوزوا زي ما كنتم متفقين؟
وكأنها كانت تتوقع السؤال, فأجابت بكل بساطة وتلقائية: لأن زي ما قولتي, دي كانت خطة يوسف مش خطتي وأنا وافقته بس عليها عشان أرضيه على أمل , سوري يعني, ان جدك لاقدر الله يموت في العملية اللي كان هيعملها, لكن دة ما حصلش ولما حسيت ان الفترة اللي كنا متفقين عليها ممكن تطول أو ان يوسف ممكن يغير رأيه…….
وقبل أن تكمل جملتها سألتها مريم بقلق: يغير رأيه ازاي يعني؟ قصدك انه يخطط انه يقتل جدو عبدالرءوف بنفسه؟
فابتسمت علياء ابتسامتها الكريهة وهي تنفي بكل تأكيد: لا طبعا, يوسف مهما كان بيب مصلحته الا ان عمره ما هيفكر في القتل, بس كان ممكن يعمل تغيير بسيط في الخطة بتاعته, يعني بدل ما كان مزيف ولفترة محدودة فكان ممكن يخليه جواز حقيقي و اهو كدة كدة كسبان من كل ناحية يعني بما ان عبدالرءوف بيه بقا بيثق فيه أكتر من أي حد فسهل أوي انه يخليه المتحكم الاساسي في كل أملاكه زي ماهو تقريبا عامله دلوقت وأهو بالمرة يبقا واخد عروسة فوق البيعة.
وعندما رأت نظرات مريم الغاضبة التي تشتعل نارا متجهة ناحيتها علمت أنها قد تمادت في استفذاذها, فقررت أن تصحح هذا الخطأ فورا فاستطردت حديثها قائلة باعتذار: انا اسفة ما كنتش أقصد, بس يوسف جلال انتي ممكن تتوقعي منه أي حاجة, لأن محدش يقدر يعرف اللي في دماغه.
فهزت مريم رأسها وكأنها تؤكد على كلامها فابتسمت علياء ابتسامة انتصار لم تلحظها مريم, وأكملت علياء وهي تهم بمغادرة المكان بنبرة مستكينة هادئة وكأنها تتوسلها: مريم! انا كل اللي بطلبه منك هو يوسف.
وعندما رأت نظرات الشك في عينيها أكملت: ما تستغربيش, انا للأسف برغم كل عيوبه الا اني فعلا بحبه وهو دة اللي خلاني جيتلك هنا واعترفتلك بكل اللي حصل, انا بجد لو يوسف ضاع مني مش عارفة ممكن يحصلي ايه؟ سيبيه يا مريم لأنك بكل بساطة مش هتقدري تتعاملي معاه ولا هتقدري تعيشه في دنيته اللي هو عملها لنفسه, انتي مهما حاولتي تقربه منه هتفضلي بردو بعيدة وغريبة عنه, وقبل ما امشي ليا طلب أخير, ياريت يوسف ما يعرفش اني كلمتك في أي حاجة ولا يعرف كمان انك اكتشفتي حقيقته لأن لا أنا ولا انتي هنقدر نستعمل عقابه. عن اذنك.
وغادرت علياء بعد أن فجرت قنبلتها لتحرق كل من حولها وأولهم مريم تلك الصغيرة التي أصبحت تشعر بالضياع وبمدى سذاجتها عندما تخيلت في بعض الأوقات بأنها استطاعت أن تجذب إليها يوسف أو تقربه منها ولو قليلا, بل كان كل ذلك مجرد خدعة كان هدفه الوحيد من ورائها هو ثروة جدها. لم تعلم مريم كيف يمكنها أن تتصرف معه بعد الآن؟ بل كيف يمكنها أن تلتقي به دون أن تلقي في وجهه سلسلة من الاتهامات بناء على ما اكتشفته وسمعته بأذنيها؟
وظلت هكذا واجمة لبعض الوقت حتى أتتها بعض الأصوات من الخارج, فتذكرت الحفل الذي كانت قد تغيبت عنه كثيرا, وبعد أن كانت قد قررت أن تصعد الى غرفتها حيث لم يعد لديها الرغبة في رؤية أحد أو الدخول في أي نقاش الا انها عدلت عن رأيها أخيرا لآنها لا تريد أن يلحظ أحد تغيبها حيث أعتزمت أن تخفي الأمر عن الجميع وخصوصا هو الى أن تكشفه أمام جدها أولا ثم باقي الناس ممن يكنون له كل احترام وتقدير.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
نعود مرة أخرى الى الحفل لنجد هدى تقف بعيدا منبهرة بكل ما تراه من أجواء و ثياب لم ترى مثيلا لها الا على شاشات التلفاز أو اغلفة المجلات.
وبالطبع لم يبد أحد أي اهتمام بتلك الطفلة الصغيرة ذات الشعر الغجري الطويل التي تبدو لكل من يراها للمرة الأولى حادة الطباع كما لم يعلم عنها أحد سوى أنها قريبة صاحب الحفل, لذا فنجد أن الجميع قد تجنب الاحتكاك بها وقد ساعدتهم هي في ذلك حيث تجنبت هي أيضا الاشتراك في أي حديث فهي تجهل هوية الجميع, واكتفت بالمشاهدة من بعيد.
: مساء الخير.
فاجأها الصوت في البداية الى أن علمت صاحبه فابتسمت مرحبة: مساء النور, بس انت مش ملاحظ ان دي تاني مرة تخضني فيها؟
ماهر بابتسامة مشاكسة: اعملك ايه بقا؟ مانتي السبب. على طول مش مركزة, بس ممكن أسألك يا ترى المرادي مشغولة بايه؟
هدى بدون اهتمام: ابدا, بتفرج.
ماهر: ويا ترى عجبك السيرك؟
شعرت هدى بالاهانة لسخريته فاحمرت وجنتاها غضبا وقد لاحظ هو ذلك فازدادت ابتسامته اتساعا مما جعها تقرر أن ترد له الصاع صاعين فردت مراوغة: أكتر حاجة عجبتني هي القرود اللي فيه.
وبالطبع كان ماهر من الذكاء ليعلم بأنه تقصده هو بهه الكلمة ولكنه لم يبد عليه الضيق الشديد بل كانت مجرد تقطيبة بسيطة على جبينه وقرر بعدها تغيير موضوع حديثهما فسألها: قوليلي بقا, عاملة ايه في دراستك؟
فردت هدى بارتياح بعد أن قد سجلت نقطة في صالحها حيث نجحت في استفذاذه هي أيضا: عادي. كلها دراسة.
ماهر: أفهم من كدة انك مش حابة دراستك في كلية الاعلام؟
هدى: مش بالظبط, بس مش فارقة معايا كتير. انا كان هدفي اني ادخل الجامعة وأكمل تعليمي وخلاص, ومش شرط بقا في كلية معينة.
ماهر متعجبا: ازاي يعني؟! يعني انتي مش ناوية تشتغلي بعد ما تتخرجي؟
هدى بسخرية: لا طبعا, انا ناوية اتجوز وأقعد في البيت أربي العيال.
ماهر: انتي بتتريقي؟
هدى: أكيد طبعا بتريق؟ أنا يمكن صحيح دخلت الكلية دي كتحدي ومش عن افتناع أوي الا اني مش بحب أفشل في أي حاجة بعملها وأكيد بعد ما اتخرج ناوية أشتغل .هو انت مش مؤمن بعمل المرأة ولا ايه؟
لم يعلم ماهر بم يمكنه أن يجيب سؤالها؟ فقد كان حريصا كل الحرص على ألا يثير غضبها ففكر قليلا في أحد الحلول الوسطية ولكنه في النهاية قرر أن يقول الصدق: في الحقيقة لا, انا عن نفسي شايف ان عمل المرأة الحقيقي في بيتها مع جوزها و اولادها.
هدى باستياء: بقا موضة قديمة أوي الكلام دة.
ماهر مداعبا: طيب مانا ممكن أجدد نفسي, اعمليلي انتي بس أب تو ديت كدة وأنتي هتلاقيني أحدث موديل.
فابتسمت هدى وكان الخجل يشوب ابتسامتها الصافية, ثم قال لها ماهر بكلمات مترددة: هدى! هو أنا ممكن أسألك سؤال؟
أجابتة هدى بهزة خفيفة من رأسها, فكان سؤاله المفاجىء: أنا على حسب علمي انك انتي ووليد كنتم شبه مخطوبين, فياترى انتي لسة بتفكري فيه دلوقت؟
رأى ملامحها قد تبدلت لتعبر عن الامتعاض الشديد وقد انتظر أن تخبره بأن ذلك ليس من شأنه ولا يحق له التدخل في هذا الأمر ولكنه سمعها تقول بعفوية وكأنها كانت بحاجة إلى من تتحدث إليه بحرية, شخص ليس من حقه انتقادها أيا كان ما ستقوله له: ما اكدبش عليك و أقولك اني نسيت اللي حصل وإن بجوازه من حياة أهني إهانة كبيرة, لكن مش حاسة أوي اني خسرت كتير لما خسرته.
فظهر شبح ابتسامة على محياه وهو يقول: دة معناه انك ما كنتيش بتحبيه أصلا.
هدى: الحقيقة مش عارفة, أنا كل اللي أعرفه اني من يوم ما وعيت ع الدنيا وأنا بسمعهم يقولوا ان وليد وهدى مخطوبين واننا من نصيب بعض لحد مانا خلاص بقيت بتعامل ع الأساس دة بالرغم من ان وليد نفسه عمره ما حسسني ان الموضوع مهم أوي بالنسباله زي ما كنت بعتبره مهم بالنسبالي.
ماهر: يعني لو اتقدملك دلوقت واحد مناسب شايف انه هيقدر يسعدك ممكن توافقي عليه؟
شعرت هدى بالاحمرار يغزو وجهها عندما فهمت ما يقصده وحاولت الهروب من نظرات عينيه التي تطالبها بالاجابة على سؤاله, ولم تجد هدى من ينقذها من هذا الموقف المحرج غير صوت حياة التي ظهرت فجأة أمامهما تقول لهما برفق: السلام عليكم.
وانتظرت حتى رد الاثنان السلام , وقال لها ماهر بينما أشاحت هدى بوجهها عنها: اهلا مدام حياة, الحقيقة أنا بحيي حضرتك على التنظيم الرائع دة للحفلة.
حياة: متشكرة ليك جدا يا استاذ ماهر بس الحقيقة انا جيت عشان أقولكم ان وقفتكم كدة بعيد لوحدكم مش كويسة أوي دة حتى وليد لاحظ كدة وهو اللي بعتني.
وقبل أن يرد ماهر كانت هدى أسرع منه بنبرة حادة غاضبة: وانتم بقا مالكم ومالي؟ انا اعمل اللي انا عاوزاه, وما افتكرش ان حد عينكم أوصيا عليا سواء انتي أو جوزك.
شعر ماهر بحرج حياة فحاول أن يتدخل لمعالجة الأمر بصوت هادىء معتذرا: أنا آسف يا مدام حياة, حضرتك معاكي حق بس احنا مش بنتكلم في أسرار يعني دة غير اننا مش بعيد أوي للدرجة.
فاتجهت هدى بغضبها اليه: انت كمان بتعتذرلها؟ هي مش ليها حق تتدخل في حياتي, انتي فاهم, مفيش أي حد من حقه انه يتدخل في حياتي مش كفاية انك أخدتي وليد؟ عاوزة تاخدي مين تاني؟
ثم ركضت إلى داخل الفيللا وهي في قمة غضبها تتبعها نظرات حياة المليئة بالشفقة, وتابع ماهر اعتذاره لها: ياريت حضرتك ما تاخديش على كلامها, هي أكيد ما كانتش تقصد.
بالطبع لم تكن حياة بهذا الغباء لتلوم هدى على ما تفوهت به في لحظة غضب بل إنها أعطتها كل الحق فيما قالت وتمنت لو تستطيع في تلك اللحظة أن تخبرها بحقيقة زواجها من وليد وتخبرها أيضا بأنها تتعذب في قربها منه كما تتعذب هي في بعدها عنه.
وفي مكان آخر, كان يوسف يمسح المكان كله بعينيه وكأنه يبحثعن شخص ما, حتى فوجىء بعلياء تقف أمامه وتقول له بابتسامة ودلال: يا ترى بتدور على مين؟
يوسف: بدور على مريم, اديلي فترة مش شايفها, متعرفيش هي فين؟
فكذبت علياء وقالت: لا يا سيدي ما شفتهاش, وتسمحلي بقا أمشي وأسيبك تدور براحتك؟
يوسف: بدري كدة؟!
علياء: تقول ايه بقا, أصلي بقيت بنام بدري تقدر تقول كدة اني بحاول أتعود على حياة الزوجية.
فضحك يوسف وهو يقول: مفتكرش انك هتنجحي.
فمطت علياء شفتيها باستياء وهي تقول: أديني بحاول يا سيدي, وما تنساش بقا انت معزوم عندي يوم الخميس زي ما اتفقنا, وعلى فكرة انا عزمت مريم بس هي قالتلي ان ملهاش في نوع الحفلات بتاعتي, شكلها كدة واخدة على الحفلات الأورديحي اللي زي دي.
يوسف: طيب ما تعفيني أنا كمان.
تظاهرت علياء بالحزن الشديد وهي تقول: أخص عليك يا يوسف, بجد هزعل أوي لو اعتذرت انت كمان, مش كفاية مراتك يعني؟
ولأنه كان من غير اللائق أن يرفض دعوة كهذه لذا قال بدون حماس يذكر: خلاص, ان شاء الله هاجي.
علياء بسعادة بالغة دفعتها إلى أن تمسك يديه وتضغط عليها بامتنان: أنا كنت متأكدة بانك مش ممكن تكسفني يا يوسف, وخصوصا انك عارف ان أد ايه حضورك مهم بالنسبالي, هستناك بقا ما تنساش, ياللا سلام.
ثم غادرت علياء المكان ويوسف يشيعها بعينيه ولم يعلم أن هناك عينان أخريان تتابعاه من بعيد, وبالطبع لم تكن سوى عيني مريم التي لم يعد لديها أدنى شك في صحة ما قالته علياء.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
انتهى الحفل وعادت كل من حياة و وليد إلى شقتهما بعد أن رفض هذا الأخير دعوة أخيه لقضاء تلك الليلة في الفيللا, كان كل منهما يشعر بارهاق شديد بعد هذا اليوم الطويل المليء بالعمل المتواصل والمجاملات التي لم تنقطع, وقد شعرت حياة بحاجة شديدة إلى أخذ قسطا من الراحة فقالت وهي تتوجه الى حجرة نومها: تصبح على خير.
ولكن أوقفها صوت وليد الهادىء: حياة!
وعندما التقت عيناهما تابع قائلا بكل صدق: أنا متشكر أوي.
حياة: على إيه؟
وليد: على الحفلة, الحقيقة كانت بجد هايلة, وكل المعازيم مشيوا وهم بيشكروا في التنظيم والجو الجميل اللي كنتي عاملاه انتي ومريم.
وعندما لمحت نظرات الاعجاب في عينيه التي أثبب لها أنه كان بالفعل صادقا في شعوره بالامتنان لها وردت وهي تشعر بالارتباك: انا ما عملتش غير واجبي.
فرأته يبتسم وهو يقول لها بلهجة غامضة: ويا ترى بقا أنا ممكن أطمع في انك تكملي واجبك دة.
أساءت حياة فهمه في البداية لذلك شعرت بوجنتيها تحمران خجلا وهي تدعي عدم الفهم: قصدك ايه؟
وجدته يتحدث بجدية مطلقة وبأسلوب عملي: الحقيقة أنا بفكر أعمل حفلة صغيرة هنا في الشقة هعزم فيها طبعا يوسف ومريم وهدى و وكام واحد كدة من رجال الأعمال اللي ظروفهم ما سمحتش انهم يحضروا حفلة النهاردة. انتي ايه رأيك؟
حاولت حياة أن تخفي خيبة أملها وهي تبتسم وتقول: اوك, مفيش مانع, تحب تكون امتى؟
وليد: انا بقول خير البر عاجله ونعملها بعد بكرة, دة مناسب بالنسبالك؟
حياة: اه, مناسب ان شاء الله, بس يبقا قولي ع العدد كله اللي هييجي أول ما تحدده.
وليد: اوك, روحي نامي بقا عشان شكلك تعبانة أوي, تصبحي على خير.
مازال يعاملها بنفس الجفاء ذاته, ولكنها التمست فيه بعض اللين عن ذي قبل لعل ذلك يشير إلى أن هناك أمل ولو ضئيل في استجابته لنداء قلبها الصامت في يوم ما.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
اختلطت ضحكاتهما معا وهي تتعالى شيئا فشيئا وهما يجلسان معا في شقة علياء حيث قال لها عماد بنظرات مليئة بالاعجاب: دة انتي مش ليكي حل, دة الشيطان نفسه يقولك يا أستاذة.
علياء بدلال: تلميذتك يا أستاذ.
عماد: بس تلميذة متفوقة, صحيح واضح أوي انك اخترتي الوقت المناسب اللي تضربي فيه ضربتك.
علياء: لا بصراحة بقا الفضل في الموضوع دة يرجع لماهر هو اللي خلاني أستنى لحد ما ييجي الوقت المناسب, انا كنت هستعجل وأبين التسجيل قبل دلوقت بكتير بس هو قالي انه ما كنش هيبقا ليه مفعول جامد طالما لسة بينهم عداوة, لكن لما شفت نظرات الغيرة النهاردة في عنين مريم وهي بتبصلي وأنا بكلمه عرفت ان دة هو الوقت المناسب, وفعلا كلامي ليها مع التسجيل اللي بصوت يوسف كان ليهم مفعول السحر عليها ولسة.
عماد: انا خلاص بقيت معتمد عليكي في الموضوع دة.
علياء: اطمن, انا زيك بالظبط عاوزاهم يتطلقوا النهاردة قبل بكرة عشان ع الأقل أشفي غليلي, بس انت ليه ما جيتش الحفلة؟
عماد بنظرة خبيثة: أنا زيك بالظبط مستني الوقت المناسب عشان أظهر فيه, لأن واضح جدا ان وليد دة مش سهل خالص, وان التعامل معاه لازم يكون بحرص شديد.
علياء: ماشي يا عمدة بس ما تتأخرش احنا عاوزين نخلص بقا من الموضوع دة بسرعة عشان نشوف شغلنا احنا بقا.
عماد: اطمني, الضربة القاضية لأولاد جلال سليم الاتنين هتكون قريب أوي.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
يُعاد المشهد مجددا, حيث نرى حياة تقف في المطبخ وبرفقتها مريم تساعدها في إعداد الطعام ولكن تلك المرة في شقة حياة نفسها, كانت مريم تفعل ما تطلبه منها حياة بصمت وهي منشغلة البال وقد لاحظت حياة ذلك فسألتها فجأة: مالك يا مريم, مسهمة كدة ليه؟ انتي تعبانة؟
حاولت مريم إخفاء نبرة الألم في صوتها وهي تجيب: لا أبدا, أنا كويسة ما تشغليش بالك.
ثم أرادت إلهاء صديقتها بأمر آخر فسألتها: هو وليد قالك مين اللي هييجي النهاردة؟
حياة وقد بلعت الطعم الذي ألقته مريم: لا, يمكن عشان هو متأكد اني أكيد مش هكون عارفة أي حد من الوسط دة, بس هو قالي انه زيادة علينا هيكون فيه اتنين من رجال الأعمال المهمين.
وسمعت كل منهما صوت الهاتف تتعالى رناته في الخارج إلى أن انقطع فجأة كما ظهر فجأة حيث بدأ أن أحدهم قد تولى الرد عليه, وبعد دقائق قليلة دخل وليد المطبخ وهو يقول لحياة وقد بدا عليه الانزعاج: حياة! فيه واحد من الضيوف اعتذر لأنه حصل عنده ظرف طارىء خلاه يسافر فجأة.
حياة: طيب والتاني؟
وليد: مادام لسة ما اعتذرش يبقا اكيد هييجي. انتوا خلصتوا ولا لسة.
فردت حياة وهي تضع إحدى الأواني في الفرن: تقدر تقول خلاص, يعني كلها ان شاء الله نص ساعة بالكتير وتكون كل حاجة جاهزة.
وبعد مرور نصف الساعة تقريبا أحاط الجميع بطاولة الطعام وكانوا وليد و يوسف وهدى وكذلك عماد شاكر, وكانت هدى تتحدث بتلقائية منقطعة النظير الأخرون يشجعونها مرة بالمديح وأخرى بنظرات الاعجاب, أما مريم وحياة فكانتا لا تزالان في المطبخ لوضع اللمسات الأخيرة, إلا أن سمعتا نداء وليد العالي الذي يستحثهما على الإسراع: هو احنا مش هناكل النهاردة ولا ايه؟ ولا أقول للضيف يفوت علينا بكرة.
ثم أعقبت دعابته ضحكات الآخرين, فابتسمت مريم وهي تقول لحياة: جوزك دة فضيحة. بس ابن حلال.
فنهرتها حياة وهي تحمل طبقا كبيرا محملا بالطعام وتخرج به من المطبخ: طب بطلي غلبة وحصليني بالباقي.
وخرجت حياة متوجهة إلى حجرة الطعام وتزين وجهها ابتسامة حلوة تسحر القلوب, وتقدمت منهم لتضع الطبق الذي في يدها في المنتصف من الطاولة وهي لا ترفع عينيها عنه, فقال وليد مداعبا: يااااااه, كل دة عشان حتة ديك رومي, دة خلاص عماد كان قرب ياكلنا احنا شكل كدة مراته مجوعاه في البيت زي مانتي ما بتعملي فينا دلوقت.
فرفعت حياة حينيها لأول مرة وهي تتمتم بكلمات الاعتذار المعهودة: أنا آسفة, الديك كان لسة…………
ثم ماتت باقي الجملة على شفتيها فور أن تعرفت على الضيف, نعم هو!, انها لم تستطع نسيانه طوال هاتين السنتين الماضيتين, فكيف للضحية أن تنسى وجه الجاني مهما طالت السنوات. ولكن أيعقل أن يكون هو من بين كل رجال الأعمال في الدولة صديق زوجها؟! والتقت عيناهما وقد ظهرت على وجهه علامات الحيرة وكأنه يحاول أن يتذكر أين رأى ذلك الوجه سابقا؟ بالطبع فكيف له أن يتذكر ضحية واحدة من بين ضحاياه التي لا تعلم لهن عددا؟ ماذا تقول؟ بل ماذا تفعل وكيف تتصرف في هذا الموقف الذي لا تحسد عليه؟
وبدأت حياة بالفعل تشعر بالخدر يتسلل إلى كل مكان في جسمها حتى أخذت الدنيا تغيم في عينيها فلم تعد ترى أو تسمع شيئا مما حولها إلى أن أغمى عليها وكان وليد أسرع في ردة فعله حيث تمكن من الامساك بها قبل أن تسقط على الأرض.
