الشيخ سالم و زوجته ريناد يوسف ١
الفصل التمهيدي
أو…جاع الماضي
كان طفلاً بريئاً، ذنبه الوحيد أنه وُلد في عالمٍ قاسٍ، حيث الأطماع تجاوزت الحدود، والقلوب أغلقت أبواب رحمتها في وجهه من أناسٍ لا يعرفون إلا القسوة..
قـ,ـتلوا أخاه الوحيد، وعزموا على قتـ,ـله وبدأوا في الزحف نحوه، ولكن الأب تدخل في الوقت المناسب؛ نحى عاطفته جانبًا، ود….عس على قلبه بأقدام القسوة، وسلّم للصبر زمام أمره؛ فأرسل طفله إلى الصحراء..
حيث استودعه في رعاية “منصور”، شيخ القبيلة، ليكون درعاً له وسط جيوش من المخاطر تلتف حوله..
تحمل الأب وزوجته مرارة الفراق، لكن ما عاناه كان مجرد شظا……يا مقارنة بما مرّ به ذلك الصغير؛ الذى وجد نفسه بين ليلة وضحاها وحيد غريب.
ككائن فضائي هبط علي كوكب غير كوكبه، فلا هذه الحياة التي إعتاد عليها ولا البشر من حوله يشبهون البشر التي يعرفها!
اختبر الجوع القارص، تعرض للدغ من الثعابين عمداً، أُجبر على الصيد وذراعه بالكاد كانت تقوى على حمل القوس والسهام!
ورغم كل ذلك.. الاستسلام لم يكن من ضمن الخيارات المتاحة له؛ فإنه عالم لا مكان فيه للضعفاء، وكان عليه أن يثبت نفسه أو يد؟؟عس قـ,ـهرًا أسفل أقدام أقرانه من الأطفال، ويُرجم بوابل من السخرية حتى تُزهق كرامته.
فخاض حربه من أجل البقاء بطاقة لا تنضب، وإرادة لا تُكـ,ـسر؛ حول أ……لمه إلى قوة، وصار يعلو فوق المصاعب وكأنها ذرات غبار، عزمه أصبح أقوى من الجبال، وعقله أسرع من الرياح..
تغلغل داخل القبيلة وأندس بين أهلها حتى أصبح واحدًا منهم لا يفرقه عنهم أحد! بل أفضلهم. حلق في سمائها بقوة تشبه قوة “طائر الفنيق” الذي ينهض من رماد المعاناة ليحلق ويعلو وكأنه ُبعث من جديد بعد مو……ته.
في القبيلة، كان بدوياً أصيلاً، لكن في العالم الذي صنعه بنفسه؛ أصبح نجماً يشع بالحكمة والذكاء، محاطاً بهالة من الهيبة تسبق خطواته، فتجعل القلوب تخفق إعجاباً، وحضوره يفرض احترامه على الجميع..
وصل السن المناسب وكان عليه العودة للانتقام، وتغيير مجرى رياح الظلم والجبروت التي دمرت حياة أسرته بالكامل، وتوجيهها لتعصف بمن كان يُطلقها عليهم، وإدخاله بالقوة في دائرة العدالة حتى يتذوق مع دورانها انقلاب الحياة رأسًا على عقب كما أذاقها لغيره
ولكن وهو في طريقه للانتـ,ـقام حدث مالم يكن في حسبانه.. عشق، وعشقه كان من المستحيل أن يتوج بالوصال!..
فتخلى وابتعد، حاله حال “سالم” صديقه الصدوق ورفيق دربه وطفولته فكلاهما لم يحظَ بمن أحبها مع اختلاف الأسباب.
فـ”سالم” ربّى ابنة عمه على كتفيه من وقت أن كانت طفلة تحبو، كان لها الأب والأم التي رمتها باعتبارها نذير شؤم ولم تأبه لأمرها؛ فأعطاها كل ما تحتاج من رعاية واهتمام، مشاعر وحب واحتواء.
وفي النهاية، حين عرفت ما هو الحب، أُعجبت بصديقه المقرب، كسـ,,ـرت قلبه ورفضته!
وحينما عرفت حقيقة مشاعرها وأنها لم تعشق سواه، وأن ما حدث كان مجرد خروج عن المألوف والمتاح دائمًا أمامها، وتمرد على ما يُفرض عليها من وجهة نظرها!
استفاقت، وجاءت صحوتها متأخرة؛ فقد تزوج سالمها وأصبحت له حياة وزوجة، وحين عرضت عليه نفسها رفضها ثأراً لكرامته المُهانة..
فقررت أن تحيا على أطلال محبته، لا يقربها بشر ولا تسمح لغيره أن يكون له عليها سلطان..
ودارت السنين وكبرت وكبر هو، أنجب من الذكور خمسة، وهي تراقبهم يكبرون أمام عينيها وتتحسر على ما ضيعته من يدها!
جميلة هي حياة البوادي وعادات القبائل، محبوبة حد العشق والهو……س في نظر البعض، إنما في نظر البعض الآخر هي جحيم..
يصلي ويتضرع إلى الله بكرة وعشية كي يجتنب دخوله، ولكن تُرى هل جميع الدعوات تُجاب؟
هذا حال إحدى بنات “قياتي” والصغيرة بينهم، “نوف” التي رُهنت للزواج من ابن عمها “هلال” وابن شيخ القبيلة “قصير”، وكانت خطبته لها تشبه تأشيرة لها لدخولها الجحيم؛ فهي لا تحب القبيلة ولا عيشتها.
على عكس أختها “عفراء”، عاشقة القبيلة والمغرمة بحياة البادية، تتمنى لو أنها هي من جاءها عرض الزواج في البادية، ولكن لسوء حظها حين عرضها أبيها للزواج لم يتقدم لرهنها” طلبها للزواج” أحد من اهل القبيلة!
ولأن العادات جرت أن لا تتزوج البدوية غير بدوي من أولاد عمومتها لم يكن بيدها حيلة سوى انتظار أحدهم، حتى وإن طال الانتظار.
الحياة القبائلية لها عادات كثيرة خاطئة وظالمة كحال أي مجتمع، والجميع يمشي عليها أعمى، ناسين أن تلك العادات وضعها بشر في زمن غابر، عقله لم يكن بوعي اليوم!
مواريث الذ….ل والقـ,ـهر واقتصار الحرية على الذكور فقط، ولتذهب الإناث للجحيم! فالفتيات مصيرها محتوم من يوم ولادتهن بالزواج من أحد أولاد عمومتها، دون اختيار أو سؤال، دون رأي، فقط من يسبق إليها ظفر بها.
ومن اكبر الكبائر في عُرف القبائل البدوية أن تتزوج القبائلية بغير قبائلي.
ونظرًا لتفوق عدد الإناث على الذكور في القبائل أدى ذلك إلىأن يتزوج الرجل مثنى وثلاث ورباع، بحجة تحقيق التوازن بين أعداد الذكور والإناث الذي أفسدوه جهلًا. فأصبحت الزوجة تعلم مسبقًا أنها لن تكون الوحيدة في حياة زوجها وعليها التقبل، إلا ما رحم ربي.
ونتيجة لذلك تستمر الحرب الأبدية بين الزوجات، والصراعات المستمرة التي لا تنتهي، ويظل الزوج هو الشغل الشاغل لزوجته أو لزوجاته، واستقطابها له لخيمتها دون غيرها هو مبلغ همها!
نعم، تغيرت بعض العقليات، ولكن الفئة الأكبر باقية على العهد القديم.
ناقشنا كل ذلك في الجزء السابق الإلكتروني بإستفاضة وكُتبت النهايات، ولكن هل للقدر رأي آخر في قصتهم؟ وهل هناك أمل أن ترفع الستائر التي أُسدلت على النهايات، ويعود الأبطال للعب أدوار مختلفة ونستمتع بنهايات مختلفة للقصة؟!
الفصل الأول
تضارب طباع
هل يمكنك أن تتخيل أن يزول تأثير المُخدّر عنك وأنت في أصعب لحظات إجراء جراحة خطيرة، حيث لا يمكنك التحرك أو الصراخ وعليك التحمل والصبر إلى أجل غير معلوم؟!
هكذا يفعل بعض الأشخاص، يتركون أيدينا في منتصف الطريق، في أحلك الأوقات ظلمة وأشدها حاجة، فقط.. يديرون ظهورهم ويغادرون، غير ابهين بما قد يحدث لنا.
وعندما يعودون، يريدون أن نكون كما كنا، بنفس اللهفة ونفس العشق ونفس كل شيء، ومهما حاولت أن تخبرهم لا يدركون أن مافعلوه بنا قبل رحيلهم كان ذنبًا عظيمًا لا يُغتفر، والجروح التى خلفوها لنا وإن شُفيت مع الوقت تترك ندوباً لا تُنسى.
وأن أطيافها تحوم حولنا من حين لآخر لتؤكد بقاءها في أعماق الروح وتذكرنا دومًا بفعلتهم.
ندم وتمني
هناك حيث البوادي والوديان والصحراء الشاسعة، وأفئدة الناس التي اجتمعت على المحبة، نُسجت العديد من الحكايات، وغُزلت مشاعر الحب العذري البريء في الخوافق، فاحتضن القلب قلبًا آخر، والتفت الروح على الروح كخيوط الصوف المتشا…بكة.
الشيخ “سالم” يقف وسط أولاد القبيلة في الوادي البعيد، يُعلّمهم التصويب تارة بالسهم، وتارة بالسلاح، وتارة أخرى بالأحجار، يُدربهم على أن الأهداف يمكن إصابتها بكل ما تطاله الأيدي.
«هذا ثعبان وهذا ثعلب، وذاك أرنب بري، هذا شاهين وذاك حُر»
ثرواتٌ تطير في الهواء، والبراعة تكمن في مَن يستطيع بمهارته أن يلتقط منها شيئاً.
وبينما كان منشغلاً معهم، سمع صوتاً يستغيث به:
_ يا شيخ، يا شيخ غيّتنا! الشيخة تجولك مرتك “مزيونة” ماسكة وحدة من صبايا القبيلة ونازلة فيها طقش، وما أحد قادر يفض بينهن ويا تجي تحل المشكلة مع مرتك يا تحلها هي بمعرفتها، وحلّها ما بيكون هين.
عجل؛ لأن الشيخة إن تدخلت ما راح يصير خير، و المشاكل مارح هتلاحق عليها منها ومن مرتك!
تأفف “سالم”، وامتطى حصانه وغادر على الفور؛ عازماً على وضع حدّ لتلك المجنونة التي تبدل حالها في الآونة الأخيرة من النقيض للنقيض، وكأن مسًا أصابها! وأمر المرسال بمتابعة الأولاد واستكمال درس الصيد معهم.
وصل إلى القبيلة أخيراً و وجد “مزيونة” زوجته تصول وتجول وسط الخيام! تدفع هذه وتهدد تلك، ولا تصغر لنصيحة الكبار، فترجل عن حصانه وهرول إليها وأمسكها من ذراعها وهزها بعنف قائلاً:
_إيش بيكِ انكلبتي إنت ولا ايش؟ أنا مو نبهت عليكِ لا تسوين طلايب كل شوي، يعني ما يوم يفوت إلا وتسوي جـ,ـريمة، وتغيلي وحده من نساء وبنات القبيلة؟ إيش أسوي فيك وراسي صار هاك كبره والوجيج أصبح ما يفارقه منك ومن أفعالك؟
نظرت له “مزيونة” وأردفت بضعف:
-إي انكلبت يا “سالم” وتوي وصلت حد السعار مو بس الإنكلاب؛ إذ صبايا القبيلة صارن فوانص (ليس لديهم حياء) وما يتحشمن على وجوههن، صارن يطلبنك مني زوج لهن أو لبناتهن عيني عينك، من وين تريد يضل بي عقل وما انكلب؟
ضرب “سالم” كف على كف وتأفف وهو يقول لها بغضب:
اسمعي-يابت الحلال، انتِ تعرفين زين إني إذا حطيت هالشي براسي ما راح تردعني كل أفعالك هَادي، وراح أتزوج رغم أنفك، فأقول يا “مزيونة” أعقلي وردي لرشدك ولا تكبريها براسي؛ أنا عنيد وأنت ما شفتي مني عِند لليوم فما تجبريني أوريك أسوأ طباعي.. أنا ما حابب بس أنت تلحين.
صمتت ونظرت له وترقرق الدمع في مقلتيها وهي تتأمله، نعم هو الجميل حلو اللسان وحلو المعشر، دافئ الجوار وتطيب مجالسه للجميع، من يوم أن أصبح شيخ القبيلة وهبطت عليه من السماء هيبة وحضور وبراعة في كل شيء جعلته “منصور” آخر، وكأن روح الشيخ “منصور” بُعثت فيه من جديد!
فأصبح حديث كل القبائل.. وأصبحت عيون جميع النساء عليه، الشيخ صغير السن بهي الطلة وليس لديه سوى زوجة واحدة، وهذا في عرف قبيلتهم نقص لديه يجب أن يكتمل بزوجة أخرى أو أكثر وهم يسعون ويطلبون التوفيق من رب المساعي..
وما أكثرهن المتطوعات لسد نقطة النقص في حياة شيخ قبيلتهم؛ فالكلام أصبح على العلن وعروض الزواج تنهال عليه يومياً، نعم هو الرافض الأبي، ولكن المغريات كثيرة وتعلم “مزيونة” بأن هناك لحظة ضعف ستأتي بأي وقت!
ولن يشفع لها ذكورها الخمس التي أنجبتهم له، ولا عشقها، ولا أي شيء فعلته وتفعله أمام متعة جديدة وحياة أخرى، وتجربة مثيرة يخوضها “سالم” بشغف وحماس للبدايات الجديدة المختلفة.
وهي لن تتحمل، فمجرد التفكير في الأمر يرهقها، خو….فها من خسا……رته أصبح هوس تهلوس به في صحوتها ونومها ويقض مضجعها؛ لذلك تحاول أن تمنعه بكل الطرق.
قديمًا كانت “رجوه” هي جميع مخاوفها، أما اليوم من كثرتهم تمنت لو أنها “رجوه” فقط، وتزوجها وانتهى الأمر ولا ألف “رجوه” يدورون حوله.

