رواية نعيمي وجح,يمها(الفصل السادس والخمسون إلى الستون)بقلم أمل نصر

الفصل السادس والخمسون

بإرادة فولازية كانت تجاهد لتُسيطر على التوتر الذي يكتنفها وهي ترتشف من فنجان قهوتها أمام المرأة بثباتٍ تحسد عليه، رغم خفقان قلبها المتسارع من خوف ينتابها على غير عادتها، ترسم ابتسامة على وجهها وهي تتبادل الحديث مع المرأة بمودة حقيقة لا تديعها رغم كل شئ.

– فرحتيني اوي بمجيتك دي يا كاميليا، بس ليه كارم مقاليش ولا اداني فكرة عشان كنت عملت حسابي
اهتز فنجان القهوة الذي بيدها على ذكر اسمه ولكنها تداركت سريعًا ارتباكها سريعًا لتجيبها:
– إستقبال أيه يا طنط بس؟ ما انتِ قولتِ اني مش غريبة، ثم إن هو كمان ميعرفش بزيارتي، لأني بصراحة ملحتقتش اقوله.
سألتها المرأة باستفهام:
– ملحقتيش ليه؟ هو انتوا ما بتتكلموش مع بعض في التليفون .
أجابتها على الفور بسرعة بديهه:
– لا طبعًا ازاي بس يا طنت؟ دا طول الوقت بيتصل بيا وانا بكلمه، انا قصدي اني كنت في مشوار قريب من هنا، ولقيت نفسي قدام الفيلا بتاعتكم وانا ماشية بالعربية، بصراحة مقدرتش امنع نفسي ان ادخل واطمن عليكِ، أصلك وحشتيني أوي يا طنت وقولت اطمن عليكِ
تأثرت بشدة المرأة بكلماتها المعسولة لتردف لها بسعادة:
– يا حبيبة قلبي ربنا يخليكِ ويسعدك، انا مكنتش اعرف أن كارم بعد الصبر دا كله، هيعرف يختار الجمال والكمال كله، دا طلع عفريت بجد بقى.

تكلفت بتصنع الإبتسامة مرة أخرى لتردف بحذر في محاولة للوصول الى هدفها:
– تسلمي يا طنت ع المجاملة الرقيقة دي، بس بنات الحلال كتير واكيد اللي وقعه فيا هو النصيب.
– فعلًا هو النصيب
قالتها المرأة وهي تومئ برأسها مسبلة أهدابها عنها متأثرة بالجملة وكأنها ذكرتها بشئ ما، إستغلت كاميليا سكونها لتسألها مباشرةً:
– أنا كنت بتفرج على حائط النياشين والأوسمة، بسم الله ماشاء الله، حاجة كدة تثير الفخر.
ارتفعت أبصار المرأة نحو ما تقصده كاميليا لترد بابتسامة زاهية:
– الحمد لله، تاريخ المرحوم كان مشرف ويستحق الفخر والإعتزاز بحق.
– ألف رحمة ونور عليه.
قالتها كاميليا كبداية لتستطرد بادعاء الحزن:
– يا خسارة بقى لو كان كارم كمل زيه؟
تغضن وجه المرأة على الفور بالحزن مع تذكرها لتردف بمرواغة:
– الحمد لله على كل شئ، اهو دلوقتي كمان بقى مدير لمجموعة من أكبر المجموعات الاقتصادية في البلد، ودي حاجة مش هينة.
إجابة زكية جعلت كاميليا تفور من الغيظ ورغم ذلك تابعت بمغامرة غير محسوبة وهي ترتشف بفنجانها:
– طبعًا أكيد، بس انا بقى بتكلم عن حلمه، منه لله بقى اللي كان السبب .
أسقطت المرأة على الفور فتجانها على الطاولة القريبة منها لتسألها بحدة:
– هو قالك ؟
سيطرت كاميليا على إجفالها رغم استغرابها من تغير لون وجه المرأة وانعقاد جبينها، وقالت بلهجة هادئة ترواغها هي الأخرى وهي تضع فنجانها وتفعل المثل:
– إحنا قابلنا اللي اسمه كريم فوزي ومراته دي اللي اسمها ندى في حفل عيد الميلاد بتاع رنيم بنت العقيد نجيب.
ضيقت حاجبيها أكثر المرأة لتقول بدهشة:
– دا كمان قالك على كريم فوزي وندى ! ياااه، دا الظاهر بقى إن كارم بيحبك قوي.
لم تجيبها كاميليا وانتظرت متابعة المرأة التي أكملت وهي مطرقة رأسها بتفكير:
– انا مش عارفة هو فهمك الموضوع ازاي، بس انا مقدرش ادعي على كريم زيك، دا كان من اعز صحاب كارم وياما كل عيش وملح معانا، دا غير اللي حصله كمان ورقدته في المستشفى شهور..
قطعت تخرج تنهيدة طويلة من العمق، لتستطرد:
– ولا قادرة كمان اللوم ع البنت مع إنها هي اللي عشمت ابني في حبها الأول قبل ما تشوف كريم وتتعلق بيه، بس ياللا بقى، أهم التلاتة خسروا، كارم واطرد من الكلية وكريم وطلع منها بأصابة مستديمة في رجله وندى اتجوزت كريم بعيبه وسابت معاه البلد. حكم القلوب دا مشكلة كبيرة اوي .
قالت الاَخيرة وعينيها تعلقت بكاميليا التي أومأت برأسها بتفاهم، وعقلها يخمن باقي الحقيقة وحده بعد أن علمت عن العرج الذي رأته في سير الرجل زوج ندى ؛ والتي اتضح انها هي صاحبة الموضوع الأصلي وليس العكس كما ادعى، ولكن يتبقى الجزء المهم ماذا حدث لكريم ليجعله طريح المشفى لشهور وبعدها يخرج منها ومن كلية الشرطة بإصابة قدمه؟ وما كان دور كارم إن كان تسبب في ذلك ليُطرد من الكلية بسببه؟.

❈-❈-❈

خرج من مصعد البناية الحديثة يسرع بخطواته حتى إذا وصل الى شقة شقيقته وضع يده على الجرس يضغط بتواصل لم ينقطع سوى بفتح الباب من قبل الطفل الصغير والذي هتف برؤيته:
– خالوا حبيبي.
رفعه إليه يقبله من وجنتيه ليحمله على ذراعه ويلج به في الداخل قائلًا له:
– يا حبيب خالك انت، ماما فين؟
همس الطفل بإذنه:
– ماما جوا مع الست صاحبتك .
– صاحبتي مين يا اهبل؟
قالها إمام مستنكرًا قبل أن يلتقي بشقيقته التي تلقفته بالترحاب من وسط الشقة:
– تسلملي يا حبيبي، جيت ع الميعاد ومتأخرتش يعني؟
قبلها على وجنتها أولًا ثم خاطبها بإجفال:
– خير اللهم اجعله خير، انا خدت إذن وجيت هوا على تليفونك، حد من العيال جراله حاجة؟ بس انا شايف الواد عمر كويس اهو، ولا تكون البت روان؟
– لا دا ولا دا.
قالتها سريعًا وهي تُنزل الطفل من يديه وتأمره للذهاب واللعب لغرفته على الفور، تابع بسؤاله عقب انصراف الطفل:
– في إيه يا خلود؟ أنا كدة قلقت.
سحبته من كفه الغليظة إلى غرفة المعيشة متمتمة بصوت خفيض:
– تعالى معايا الأول وانت تفهم .
غمغم حانقًا من خلفها ببعض الكلمات المستهجنة لفعل شقيقته في عدم طمأنته ولو بكلمة، حتى إذا وصل للغرفة المقصودة، اصطدمت عينيه برؤيتها، جالسة مطرقة رأسها للأرض وكأنها تبكي والصغيرة روان بجوارها تربت على كتفها بحنان، انخلع قلبه لهيتها، ليهتف جزعًا مناديًا بإسمها:
– غادة! انتِ إيه اللي حصلك؟
رفعت عينيها إليه وأنزلتها سريعًا بدون رد ليتجه
لشقيقته مرددًا:
– ماتقولي انتِ يا خلود إيه الحكاية؟
أومأت له بعينيها قبل أن تأمر الصغيرة كما فعلت مع شقيقها، همت روان بالإعتراض ولكن والدتها كررت بحزم:
– إخلصي يا بنت اخرجي على طول وسيبي الكبار يتكلموا مع بعض .
دبت روان بأقدامها على الأرض قبل أن تتركهم وتذهب مذعنة لأمر الوالدة التي تكلمت فور مغادرتها:
– انا كنت في طريقي للبيت بعد ما خلصت شغلي في العيادة ساعة ما اتصلت بيا هي وقالتلي انها محتاجة إنك تساعدها ضروري، وانها عايزة تكلمك بس مكسوفة .
مال برأسه يرمقها بتشكك مردفًا:
– مكسوفة ازاي يعني؟ إنتِ مكسوفة مني أنا يا غادة؟
رفعت رأسها إليه تجيبه وهي تجفف دموعها:
– عارفة ان الجملة عجيبة ومستغربها على ودانك، بس هو دا اللي حاصل فعلًا، انا مش قادرة احط عيني في عينك بعد اللي حصل واكتشفته……
قطعت لتكمل بدموعها التي تسيل بدون توقف:
– انا كنت هبلة وعبيطة، مكنتش اعرف ان الدنيا وحشة أوي كدة، دماغي كانت واقفة على حاجات بإصرار إني أحققها…. وعيوني معمية عن كل اللي بيحصل حواليا…. انا شاركت بغبائي في أذية أقرب ما ليا….
سمع منها بتفهم لكل ما اردفت به من كلمات رغم عدم فهمه للجملة الاَخيرة، فأردف يسألها على الفور مباشرةً:
– إيه الحكاية يا غادة؟

بعد قليل
وقد قصت كل ما تفوهت به ميرفت وطلبته منها، مع الإثبات بإخراج الصور التي على هاتفها والتي كان يتطلع بها الاَن بأنفاس متلاحقة؛ مع صعود وهبوط صدره العريض بتسارع شديد بانفعاله، مع فوران الدم برأسه يجعله يأن بألم لن يهدأ سوى بضر,ب أحدهم وبقوة، حتى يشفي غليله:
– يعني عملالك فيديوهات كمان وبتتهددك أنها تنشرها؟
سألها في عز انشغاله بالتقليب في الصورة المرسلة.
لتومئ برأسها تجيب مع بكائها الحارق:
– وعايزاني اساعدها في أذية بنت خالي على شرط انها متنشرهاش وتشوه صورتي قدام اهلي وكل الناس اللي يعرفوني…..
قطعت مرة أخرى لتشهق بنشيج عالي مكملة بتساؤل لخلود التي كانت بجوارها:
– طب هي مكفهاش اللي كانت هتعمله فيا لولا ستر ربنا؟ دي اعترفتلي وبكل بجاحة انها كانت قاصدة عشان اضطر واساعدها في أذية زهرة وجوزها، أتاريها كانت بستغل صحبتي بيها للغرض ده، وانا زي الهبلة كنت فاكرها بتحبني بجد… أنا متخلفة واستاهل كل اللي يجرالي، انا المو,ت ارحملي من المرار ده….
– بس يا بت انتِ متدعيش على نفسك، هو انتِ عبيطة بجد ولا إيه؟
هتفت بها خلود سريعًا بحزم، وجاء رد إمام من خلفها بخشونة اَمرًا:
– اخرسي يا بت ومتقوليش الكلام دا تاني، وإن كان ع الصور او الفيدوهات، ما تشليش همها نهائي، انا هعرف اجيبها بمعرفتي.
– بجد يا إمام والنبي تقدر تجيبها صح؟
هتفت إليه بأعين راجية تبتغي الأمان، والذي نقله إليها من نظرة قوية منه، ومشبعة بمئات الرسائل المطمئنة، ثم أردف في الاَخير بخطر:
– هي مش اعترفت بنفسها على عمايلها معاكِ ….. تتحمل بقى!

❈-❈-❈

في الصباح وقبل أن تذهب إلى عملها ، وصلت كاميليا إلى المشفى كي تطمئن على لينا قبل خروجها لمنزلها الذي لا تعلم عنوانه، طرقت بخفة على باب الغرفة لتطل برأسها وتلقي التحية بابتسامة مشرقة:
– صباح الفل، عاملة إيه القمر بتاعتنا النهاردة؟
تببسمت لها لينا متمتمة ببشاشة، وجاء الرد من الناحية الأخرى في الغرفة:
– صباح الفل يا بنتي، اتفضلي.
تطلعت كاميليا سريعًا للمرأة الجميلة والتي كانت تشبه لينا قليلًا بلون البشرة ولكن بعينان عسليتان، على ابتسامة ساحرة رغم بهتان الوجه نتيجة المرض، فاتجهت إليها تصافحها بمودة وقد استنتجت هويتها:
– صباح الخير، انتِ والدتها صح؟
– أيوة يا حبيبتي صح، أهلا بيكي.
قالتها بأعين سائلة، لتجيبها كاميليا على الفور.
– أنا كاميليا يا ست….
لم تكمل العبارة فقد خطفتها سريعًا المرأة لتحتضنها مغمغة باشتياق وكأنها على معرفة معها منذ سنوات وليس الاَن:
– يا حبيبة قلبي، عرفتك والله ومن غير ما تقولي كمان. يا حبيبتي.
تلقت كاميليا معانقة المرأة وترحيبها الحار بها بكل ترحاب رغم تعجبها الشديد لهذه الألفة السريعة منها، لتأخذ جلستها بعد ذلك معها ومع لينا، قبل أن يأتي طارق بجلبته:
– ممكن أدخل ولا استنى شوية؟
قالها دافعًا باب الغرفة بكتفه، ووجهه لخلف للناحية الأخرى، ضحكت كاميليا كفعل لينا ووالدتها التي دعته بغبطة ساخرة:
– خش يا خويا خش، محدش فينا خالع راسه على رأي الصعايدة، قال يعني بيتكسف قوي؟
سمع منها ليدلف إلى الغرفة مسبلًا أهدابه وعيناه تنظر نحو الأرض وهو يدعي الحياء ليقول بصوته الخفيض أيضًا:
– برضوا لازم الواحد يكون مؤدب.
تعجبت كاميليا لفعله حتى كادت أن تصدق قبل أن تصعق بمزاحه بصوت عالي:
– عاملة إيه يا نوسة وحشتيني؟
اطلقت المرأة ضحكة مدوية فور أن باغتها بضمها من كتفيها بكفيه مهللًا بكلماته لترد هي الأخرى بمزاحه:
– مافيش فايدة فيك، هتعيش وتمو,ت وانت عيل صغير.
تبادلا الإثنان حديثهما المرح قبل أن يستقيم بجسده يلقي التحية على الفتاتين:
– صباح الخير يا كاميليا، عاملة إيه يا بت؟
قال الاَخيرة كتحية إلى لينا التي بادلته الرد بقرف:
– أهلًا.
التفت إليها كاميليا تسألها بدهشة:
– إيه هو ده؟ أمال فين يا فندم بقى والحركات دي؟
أجابتها لينا بكل بساطة:
– واقوله يا فندم ليه؟ هناك في الشغل بحترمه عشان هو رئيسي وهاخد على شغلي فلوس، إنما برا الشغل احترمه ليه؟
عقب على قولها طارق ليزيد من زهول كاميليا:
– مادية حقيرة.
– الله يحفظك.
رددتها من خلفه لينا وكأنها لغة عادية بينهم، ليتمازحا ثلاثتهم ببعض الكلمات وكامليا تراقبهم بسعادة لهذا الإندماج الواضح بينهم، والذي يؤكد صدق قوله عن المرأة وابنتها

بعد دقائق
وبعد مرور الطبيب الذي رأى حالة لينا والتحسن الذي بدا عليها ليأمر لها بالمغادرة، انتظرت كاميليا طارق خارج الغرفة حتى تجهز المرأة ابنتها للخروج بصحبته مع توليه مسؤلية إعادتها إلى المنزل مع والدتها:

– صريحة اوي لينا وواضح كدة انها بتحترمك.
قالتها كاميليا متفكهة في بداية حديثها معه، ليستجيب بقوله لها:
– أوي، هو إنتِ مخدتيش بالك جوا ولا إيه؟
– أه طبعًا خدت بالي، دا باين جدًا كمان..
قالتها وضحكت في ختام جملتها لتكمل بجدية بعدها:
– بس على فكرة انتوا ممثلين وخدعتوني بجد.
هتف لها مستنكرًا:
– إحنا خدعناكي؟ حرام عليكِ يا شيخة دا احنا ناس غلابة.
– اه صحيح دا انتوا غلابة اوي.
قالتها بسخرية في استجابة أخرى للمزاح الذي استمر لعدة لحظات قبل أن تقطعه فجأة بسؤالها:
– لكن انت ليه مشلتش مني يا طارق ولا كرهتني؟
سألها باستفسار رغم فهمه لمقصدها:
– واكرهك ليه؟
– إنت فاهم قصدي.
قالتها لتجده صمت برهة قبل أن يجيبها بصدق:
– عشان مقدرتش، انا مقدرش أشيل ولا اكرهك يا كاميليا مهمها شوفت منك، يمكن في الأول كنت هتجنن من تصرفاتك معايا، بس لما بعدت هديت وعقلت شوية.
لم تعقب على كلماته لأنها كانت تتأمل به صامتة، وعقلها يستعيد حديث الأمس عن ما اكتشفته حديثًا عن الزوج المستقبلي، وما يخبئه خلف هيئته البراقة لشخص اَخر هي لا تعلمه.
أما هو فقد كان مأخوذًا بلون القهوة المحبب لقبه بعينيها مع النظر بهن عن قرب، يشعر بتغير شئ ما بها، يبدوا من كلماتها ونظرتها إليه أيضًا.

– إنت يااا….
اجفل الاثنين على الصوت القريب منهما، ليغمغم طارق بصوته الخفيض بسبة وقحة بمجرد رؤية الشاب، والذي كرر بعنجهية لا تليق به على الإطلاق:
– يااا استاذ بسألك، يعني لازم تنتبهلي وانا بكلمك .
– إيه ده هو بيعمل كدة ليه؟
تسائلت كاميليا مندهشة لتفاجأ بطارق الذي التف يحدثها من تحت أسنانه:
– ما هو دا بقى يا ستي الخيبة التقيلة اللي بقولك عليها، إنتِ مش شايفة الهيئة ولا التناكة اللي انا مش عارف صراحة جايبها على إيه؟ دا شاعر الغبرة.
قالها ونهض على الفور من جوارها ليتحدث مع الشاب رغم ضيقه.
– شاعر الغبرة!
رددتها من خلفه لتتطلع بالشاب العشريني من بداية شعره المجعد الكبير بهياش لتركه بدون تصفيف، على لون بشرته القمحية، وهو يرتدي في الأعلى تيشرت خفيف وطويل بنصف كم على بنطال جينز باهت اللون في الأسفل، واقفًا بزهو مبالغ فيه أمام طارق يحدثه من طرف أنفه، والأخر يبادله الرد بضيق بدا واضحًا من حركة جسده أمامها،
غمغمت ضاحكة وقد تبينت هوية الشاب مع تذكرها لأشعاره الغريبة:
– يخرب عقلك يا لينا، دا مجنون.
انتبهت فجأة على حدة الحديث التي ازدادت وقد بد أنهما على وشك الدخول في مشاجرة، نهضت لتلحق بهما قبل أن يتطور الأمر بينهم.

– يا أستاذ بقولك هادخل يعني هادخل، انا مفيش حد يقدر يمنعني من إن اشوفها.
– انت اهبل يالا؟ بقولك مفيش دخول دلوقت، هي خارجة أساسًا.
– صوتكم عالي كدة ليه يا طارق، الناس بدأت تاخد بالها منكم.
قالتها في محاولة للتهدئة، ليسبقه الشاب في الرد مخاطبًا لها:
– تعالي يا اسمك إيه انتِ، شوفي البتاع ده عايز يقعدني في الإنتظار عشان اقدر اشوفها وانا معترض.
إسلوبه في لفظ الكلمات بتعالي نحوها جعلها
لم تقوى على كبح ابتسامة اختفت سريعًا مع رؤيتها لوجه طارق الذي تغضن بشراسة وهو يردد ماقاله الشاب:
– انت بتقولي انا بتاع؟
تخصر رافعًا رأسه للأعلى يجيبه بتعالي:
– أمال عايزني اقولك إيه؟
استشاط منه طارق وقبل أن يهم بالفتك به أجفل على صوت أنيسة والدة لينا وهي تتسائل من خلفهم:
– في حاجة يا ولاد؟
اسرع الشاب نحوها لمجرد رؤيتها يُعرفها عن نفسه: كزميل سابق لابنتها ويود الإطمئنان عليها، رحبت به المرأة لتدخله لغرفة ابنتها قبل مغادرتها للمشفى، لحق بهما طارق وكامليا معه، ليقفا على مدخل الغرفة متابعين وجه لينا الذي تورد واشرق بالفرح مع رؤيتها لشاعرها المجنون والذي لم تخف عنجهيته حتى في الحديث معها، رغم ابتسامته .
– عشان لما اقولك خيبة تقيلة تبقي تصدقيني
همس بها طارق لكاميليا التي تمتمت بالضحك هي الأخرى مع اندهاشها:
– يا نهار أبيض، دا كلام الأمثال طلع حقيقي بقى، لما قالوا إن مراية الحب عمية

❈-❈-❈

على اَريكته كان عامر متكئًا يقلب بجهاز التحكم عن بُعد في قنوات الشاشة العملاقة، وعينيه متابعة هذا المجنون، وهو يتحرك في الغرفة بغير هوادة، إذا جلس لم يصبر ثانيتين حتى يقف؛ ليخرج أو أن يفعل شئ ما يربكه في جلسته الهادئة، حتى فاض به ليصيح به:
– ولما مش قادر تصبر ولا تستنى، مروحتش ليه معاهم وخلصتنا؟
إلتف إليه يردد بانفعال:
– أخلصك! أخلصك من إيه يا عم؟ هو انا بعملك إيه بالظبط؟
مال برأسه عامر يجيبه بلهجة ماكرة:
– أنا قصدي كنت روحت مع مراتك واطمنت بنفسك من الدكتورة، بدال الهيرة والنكتة اللي انت قاعد فيها دي.
دفع جاسر هاتفه بع,نف على الطاولة التي أمامه ليرد بقوله:
– اولًا أنا مش بهري وانكت عشان مروحتش معاهم، لا يا سيدي انا عندي موضوع مهم شاغل دماغي، ثم حكاية المشوار دي كمان، الست الوالدة هي اللي أصرت إني مروحش معاهم عشان تاخد راحتها مع الدكتورة، فهمت بقى يا باشا؟
أجابه عامر غامزًا بوجنته بابتسامة متسعة:
– فهمت، يعني هو دا السبب اللي معصبك؟ عشان كان نفسك تروح بنفسك وتكلم الدكتورة ليتفقوا عليك هي ولميا زي ما عملوا المرة اللي فاتت .
تسمر بجلسته يتطلع إليه بصمت يكتنفه الذهول لخبث هذا الرجل وهو يتكلم وكأنه قرأ الأفكار التي برأسه، ليزداد اتساع ابتسامة عامر وقد علم بصدق تخمينه فتابع له بنبرة تبدوا جدية:
– بس انا لو منك مكنتش سكت وروحت معاهم ولو بالغصب حتى، ما انت لازم تثبت وجهة نظرك.
سمع منه جاسر ليرد بلهجة هادئة باقتناع:
– انا فعلًا كنت عايز اروح، بس مش عشان اللي في دماغك، دا كان بس عشان اطمن بنفسي.
– وحتى ولو اطمنت، برضوا أمك هتمشي اللي في دماغها ههههه.
اردف بها عامر لينطلق بموجة ضاحكة مستمتعًا بمشاكسة ابنه الذي كان يستشيط غضبًا منه.
إرتفعت راس جاسر فجأة على أصوات قدومهن لينهض عن مقعده سريعًا وقبل أن يتحرك خطوة وصله قول عامر من خلفه ساخرًا:
– طب اتقل شوية طيب على ما يجوا بنفسهم، خلاص مش قادر تستنى.
فاض به جاسر لينفض سترته بعن,ف وكأنه يضع بها غضبه، قبل أن يعود لجلسته مرة أخرى، يزفر بضيق وهو يشيح بوجه عن أبيه الذي وضع كفه على موضع قلبه خوفًا من أذية نفسه من فرط ضحكه المكتوم على هيئة ابنه الغاضب، مع سعادة غامرة لرؤيته وقد عاد بشر عادي بعد أن تخلى عن جموده القديم .

دلفت إليهما زهرة بوجهها الضاحك تلقي التحية عليهما ثم تسأله باندهاش:
– إيه دا إنت لسة قاعد ومخرجتش من البيت؟
سبقه عامر في الرد ساخرًا:
– أصله كان معاه موضوع مهم ومينفعش يفكر فيه غير في البيت!
عض بأسنانه على طرف شفته يكظم غيظه من أباه الذي لا يمل أبدًا من إستفزازه.
– إيه مالك؟ ما ترد يا جاسر ساكت ليه؟
قالتها بابتسامة شجعته ليسألها مباشرةً:
– إيه الأخبار؟ الدكتورة طمنتك؟
– طمنتها يا سيدي واطمنت انا كمان معاها، افرح يا جاسر.
هتفت بها لمياء من خلفها لابنه الذي اشرق وجهه بالسعادة حتى صار يضحك ويتمتم بالحمد في اَن واحد،
وخلفه عامر كان يفعل المثل وقد ذهب عن وجهه العبث، ليداعب خياله حلمه الدائم بحمل هذا الطفل على يديه.
قبل أن تتابع لمياء بتحذير مخاطبة جاسر:
– أه يا حبيبي بس برضوا الدكتورة نبهت على الحرص وعدم الإجهاد عشان صحتها.
رد جاسر على الفور بدفاعية:
– طيب ما هو دا اللي انا بقوله على طول، انها متجهدتش نفسها في الشغل، مدام حملها صعب كدة.
سمعت منه لمياء لتلتفت لزهرة قائلة:
– وانتِ تتعبي نفسك في الشغل ليه يا زهرة، ما بلاها الشغل خالص، اهم صحة البيبي.
تلجمت زهرة شاعرة بالصدمة وعينيها تتنقل من لمياء التي ظهر على وجهها الأصرار وجاسر الذي صمت عن الرد، لتسدير عنها قائلة
– طب عن إذنكم أنا طالعة اريح شوية:
وقالتها وانصرفت مسرعة من أمامها، تبعها جاسر وقد علم بغضبها، فجلست لمياء على كرسيها بوجه واجم بتفكير، ثم التفت فجأة قائلة لعامر الذي شعرت بسهام عينيه المصوبة نحوها:
– إيه بقى يا استاذ عامر؟ هو غلط إني اخاف ع البيبي اللي بنترجاه انا وانت من الدنيا دي بقالنا كتير؟

❈-❈-❈

وفي الطابق الثاني وبعد ان لحق بها بالغرفة، وجدها كما توقع متلحفة بالفراش ومتكومة على نفسها، فاستنتج من نفسه بكاءها.
اقترب ليجلس بجوارها متفكهُا بمزاح:
– إيه دا يا زهرة؟ بسرعة كدة دي لحقتي تنامي؟ ويا ترى بقى غيرتي هدومك ولا لأ؟
قالها الاَخيرة في محاولة لكشف الغطاء ولكنها تمسكت معترضة حتى صدرت منها صوت شهقتها، فعبس ليرفع عن وجهها الغطاء بقوة حتى أصبح مكشوفًا إليه، فصاحت غاضبة من بين بكاءها:
– بتكشف وشي ليه دلوقت؟ سيبني بقى لوحدي عشان عايزة انام .
قالت الأخيرة لتلتف بجانبها عنه وتغطي وجهها بذراعيها، فاقترب ليدنو برأسه إليها ليهمس بجوار أذنها بصوته الأجش:
– طب ولما انزل واسيبك لوحدك، هتفضلي تعيطي برضوا ولا هتسكتي بمجرد ما اخرج؟ لو هتفضلي معيطة يبقى انا اَخد حذري من أولها واروح انده لوالدتي، دي هتقلب الدنيا لما تعرف ان البيبي ممكن تحصله حاجة بسبب زعلك .
نهى جملته ليجدها التفت إليه فجأة ناظرة بأعين متسعة بذهول مع غضبها تتسائل إن كان صادقًا بما يقول أم لا، فاستغل هفوتها ليميل برأسه عليها قائلًا بمشاكسة:
– يعني اتعدلت على طول اهو اول أما جيبت سيرة الست الوالدة، للدرجادي انتِ بتخافي منها؟
اعتدلت عنه بجذعها لترد بغضب:
– أنا مبخافش منها، أنا بقدرها زي ما بقدر عمي عامر بالظبط.
رد متبسمًا وكأنه وصل لغايتة:
– حلو الكلام يا زهرة، يعني بتسمعي الكلام عشان بتقديرها وتحترميها، انا كمان زيك ما بخفش، وممكن اخدك على كدة دلوقت ونرجع على بيتنا نعيش حياتنا واعملك اللي انتِ عايزاه، بس انا كمان بقدر أهلي، وعارف كويس مدى احتياجهم للطفل ده، يمكن زمان ماكنتش بفكر ولا مهتم عشان ما كنتش عايز اخلف من ميري اساسًا، لكن معاكِ انتِ لما ربنا كرمني، وشفت اللهفة في عيونهم ، بقيت اعد الايام والدقايق عشان اشوف اليوم ده.

بدا على وجهها الإقتناع رغم الحزن الذي ظهر في صوتها العاتب:
– انا فهماك يا جاسر وحاسة بكل اللي بتقوله، بس انا شغلي دا بحس فيه بذاتي. دا الحاجة الوحيدة اللي قدرت اثبت فيها نفسي، بعد الضعف والخوف اللي فضلوا ملازمني طول حياتي.
– وانا مش هحرمك منه.
تفوه بها سريعًا ثم استطرد:
– انا بس عايزك تصبري شوية وتتحملي، اتحمليها يا زهرة عشان خاطري، وانا اوعدك كل اللي انتِ عايزاه هنفذه تمام؟
صمتت قليلًا بتفكير قبل أن تومى بهزة خفيفة من رأسها، تقبلها هو ليضمها إليه مشددًا عليها بذراعيه قبل أن ينزعها عنه بإدراك لما غفل عنه منذ دقائق:
– استني هنا صحيح.
تطلعت إليه بتساؤل ليردف لها بحاجبين متراقصين، وعينان ارتسما بداخلها الفرح جليًا:
– معنى كدة إن انا اتفك عني الحصار وارجع تاني لمكاني هنا ع السرير.
تسمرت قليلًا بإجفال، قبل أن تستوعب مغزى حديثه، لتغطي بكفيها على وجهها الذي أصبح كتلة حمراء من الضحك والخجل في اَن واحد .

❈-❈-❈

تأنق كعادته كل مساء في نفس ميعاده اليومي، بارتداء الملابس الفاخرة ونثر العطور الباريسيه لجذب انظار النساء إليه، يلهو ويرقص ويقيم العلاقات مع هذه وتلك وتلك في روتين يومي لا يمل منه أبدًا، هذا هو عالمه الذي نشأ عليه، لا شئ يعلو فوق المتــ عة، المتــ عة فقط.
خرج من منزله متوجهًا نحو سيارته ليتفاجأ بنداء حارسه الشخصي رعد يوقفه قبل أن يعتلي سيارته:
– ماهر بيه ماهر بيه
إلتف إليه ليُجيبه بضيق :
– نعم يا زفت بتنده ليه؟
تعلقت أبصار رعد بالاَخر يخاطبه برجاء:
– أبويا يا سعادة البيه، اختي اتصلت بيا وبتقول إنه اتزحلق في الحمام ورجله اتكسرت، وهي دلوقت مزنوقة بيه ومش عارفة تروح بيه فين؟
رد ماهر رافعًا طرف شفته العليا باستنكار:
– مش عارفة ازاي يعني؟ متقدرش تتصل بالإسعاف او حتى أي تاكسي يوصلها لاقرب مستشفى؟
أجابه رعد متشدقًا:
– هتعرف ازاي بس يا بيه؟ دي عيلة ١٦ سنة وأمي في البلد النهاردة عند أخواتها، ابوس إيدك يا بيه معلش اسمحلي أروح دلوقتِ الحقهم، وابقى اخصملي اليوم كامل حتى.
حدجه ماهر بقرف يشير إليه بطرف يده قبل أن يلتف ويعتلي سيارته:
– خلاص غور
غمغم رعد بالأدعية وكلمات الشكر على نبل سيده وهو يتابعه حتى اعتلي السيارة ومعه السائق وحارسه الاَخر، ثم ادرا المحرك وسار بها، فاستقام رعد وقد ذهب عن وجهه البؤس، ليتمتم بصوت خفيض:
– تستاهل كل إللي يجرالك

❈-❈-❈

وبداخل السيارة التي كانت تقطع الطريق المؤدي إلى الملهى الليلي وجهته، وهو جالسًا في الخلف بارتخاء يردد مع أغاني مشغل الموسيقى في السيارة، انتفض فجأة على هزة أجفلته بالسيارة ليهتف بغضب على سائقه:
– مش تفتح يا حيوان انت وتسوق كويس.
غمغم سائقه بالاعتذار ، وماهي إلا دقيقتين إلا واهتزت السيارة مرة أخرى بع’نف ليعود ماهر هاتفهُا بالسباب على السائق، والذي رد بدفاعية هذه المرة:
– يا سعادة الباشا في عربية جيب سودا بتضيق علينا في الخلف، أول مرة افتكرتها صدفة، لكن المرة التانية بانت قوي انها مقصودة.
اعتدل ماهر يلتف برأسه ليراقب ويتابع من الزجاج في الخلف، أو في المرأة الجانبية، ليُفاجأ بصدق السائق وهذه السيارة الكبيرة وهي تسير مرافقة لسيارته بالدقة ولا تحيد عنها، لتعود بصدم سيارته من الخلف مرة أخرى لتجعله يندفع للأمام بقوة ويهدر بحارسه والسائق:
– ما تتصرف يا زفت انت، وانت حيوان ماتجري واهرب منهم.
صرخ السائق مرددًا:
– أتصرف ازاي بس يا بيه، ودول زنقونا في شارع مقطوع وضيق، انا بحاول بس مش عارف .
أكمل على قوله الحارس وهو يطل برأسه للخلف:
– عندك حق دول باينهم بلطجية وعددهم كتير، انا حتى مش شايف أي بني أدم منهم، دول بينهم مخبين وشوشوهم.
– مقصودة يا عني إيه؟ اتصرفوا يا حيوانات وخلصوني.
صرخ بها ماهر وسائقه زاد من سرعة السيارة والأخرى أيضًا حتى تفاجئوا بتصدر دراجة بخارية في وسط الطريق الضيق لتجبرهم على الوقوف،
صرخ ماهر :
– وقفت ليه زفت ما تكمل.
رد السائق بأنفاس متهدجة وقلب مزعور :
– مقدرش اخش في المكنة دي ممكن تنفجــ ر بيننا.
كاد أن يصرخ بلهجة باكية وقد وقع قلبه في أقدامه، فتدارك بلهجة اَمرة يغلفها الرجاء:
-حاول تتصرف يا عبيد، اعمل أي حاجة.
– ما انا بحاول اهو يا ماهر بيه .
تفوه بها السائق وهو يتراجع بغرض الخروج من الشارع، ليندفع فجأة على اثر صدمة قوية من الخلف وقد عادت السيارة السوداء لتتوقف سيارتهم قصرًا ، بعد أن حاصرتهم وترجل منها الرجال الذين حاوطوا سيارة ماهر من جميع الجهات ليكون الحارس اول من يقع بأيديهم، من أجل الأمان، وبعد ذلك كان السائق،
بقلب كاد إن يقفز من صدره من الخوف وعينانٍ زائغة كان يتطلع لهذا الكابوس حوله، ثم تفاجأ به أمامه
صاحب الجسد الضخم، مكمم الوجه يقف أمامه بتحفز للقتال وعينان تطلقان شررات نا,رية، ليعرفه على الفور ماهر من نظرة عينبه المخيفة ونفس هيئته في المرة الماضية، دنى بجسده ليقترب منه من نافذة السيارة قائلًا بلهجة هادئة ومريبة:
– قاعد في عربيتك مستني إيه؟ زي الحلو كدة انزلي حالا وبمزاجك كمان… دا لو انت خايف على نفسك.

 

الفصل السابع والخمسون

عاد بخطواته المسرعة صباحًا ليلج إلى منزله اَخيرَا بعد قضائه عدة ساعات في البرد وتحت رحمة هذا المجنون، ليُفرج عنه اَخيرًا بعد أن استكفى منه، وقد نال من الإهانة ما يجعله يود القضاء على كل من يراه أمام، فما بالك بما كانت السبب الأساسي لما حدث له!
وصل إليها ليجدها جالسة على مائدتها تتناول وجبة إفطارها، بيدها شطيرة صغيرة من الخبز المحمص، مغمسة بالمربى تقضم منها بتمهل ويدها الإخري تقلب في الهاتف وتتصفح به، رفعت رأسها فجأة على قدومه من الخارج في هذا الوقت من الصباح بوجه متجهم، وهيئة مبعثرة لا تدل على هيئته المعتادة على الإطلاق، حتى أنه لم يكلف نفسه عناء القاء التحية عليها، لتسأله باستغراب:
– هو انت خرجت امتى عشان ترجع كدة؟ في حاجة يا ماهر؟
ألقى مفاتيحه بإهمال قبل أن يجلس على إحدى الكراسي أمامها، يفرك بكفيه على وجهه بعن,ف متجاهلًا الرد عليها، لتعيد السؤال مرة أخرى بقلق:
– انا بسألك يا بني، رد عليا على الأقل بكلمة طمني بيها.
التف أليها يحدق بوجه مظلم ونظرات نا,رية ليصرخ بها هادرًا:
– كنت متثبت أنا والسواق بتاعي والحارس يا ميرفت، متثبت في عز البرد وانا عريان بالأندر وير، وعارفة مين بقى اللي كان مثبتني يا أختي العزيزة؟
طالعته باستفهام مع ارتياع قلبها مما ذكره لها لتجده متابعًا بصراخ،
– اللي كان مثبتني هو نفس الحيوان الضخم اللي خطف غادة من داخل البيت هنا وبعد ما ضر,بني.
صاحت به مستنكرة وهي تنهض عن مقعدها:
– يعني أيه الكلام ده؟ هو ازاي الحيوان دا أساسًا يتجرأ ويعمل حركة زي دي مع أسياده، هو فاكرنا قليلين في البلد دي ولا ايه؟ دا أنا….
قاطعها بصرخته ضاربًا بكفيه على سطح المائدة حتى اهتزت بعن’ف:
– إنت السبب يا ميرفت، عشان نزلتِ بمستواكِ ومستوى العيلة، وجرأتي الناس دي علينا، لولا عملتك الزفت لما خدت الصور ع البت دي وهددتيها بيها، مكانش الحيوان دا ذنبني أنااا واخدلي صور وفيديوهات وانا بالطقم الداخلي بتاعي ويقولي احمد ربنا اني برضوا مراعي الستر معاك ومش عايزلك الفضيحة، أنا يتقالي كدة من ناس زي دي؟ تتهان كرامتي وابقى مهدد في أي وقت بنشر الصور اللي خدهالي لو بس فكرت وأذيت السنيورة بتاعته.
– دي بني أدم غبي وانا هعرف أربيه كويس هو والجربوعة اللي بيدافع عنها .
صاحت بها تعقيبا على كلماته وكانت النتيجة أنه ثار أكثر بها:
-دا انتِ اللي غبية عشان مستهونة بالناس دي وفاكراهم مش قد مستوى ذكائك، دا قالهالي بنفسه يا ميرفت وهو بيستهزأ بيا، قالي انت باشا كبير وصورة زي دي لو عملنالها فيديو حلو هتجيب ألاف المتابعات وتبقى نجم، انتِ فاهمة دا معناه إيه؟ معناه دمار لسمعتي، ومهما كانت الصور اللي انتِ خدتيها للبت دي مش هيبقالها نص التأثير اللي هيحصل معايا لو نفذ تهديده ، انا صباعي بقى تحت درس الولد ده وانتِ السبب يا ميرفت بحوارتك الهبلة.
برقت عينيها وهي تطالعه بعدم استيعاب، جسدها يهتز من فرط أنفعابها وعقلها يرفض التصديق، حتى صرخت بدورها عليه:
– ولما زفت زي دا يثبتك، حراسك كانوا فين؟ اللي اسمه رعد دا اللي مرافقك زي ضلك فايدته إيه لما يحصلك انت حاجة زي دي؟
-رعد ما كنش معايا يا ميرفت .
هتف بها ردًا على سؤالها وأستطرد:
– رعد استأذن مني فجأة عشان يلحق والده اللي رجليه اتكسرت بالصدفة امبارح، والحارس التاني ولا السواق محدش فيهم قدر يصُد ولا يرد بعد ما تحاصرنا في الشارع الضيق وحاوطونا رجالة الباشا ده، شوفتي بقى اللي كنتِ فاكرها هتبقى خاتم في صباعك، طلعت مرافقة ناس بلطجية وبيعرفوا يوقعوا اللي زينا بالمظبوط .
صمت يحدق بها بغيظ يدفعه للفتك بها انتقامًا لما حدث له، وكاد ان يتسبب بمقت,له لو تهور هذا الضخم وق,تله في لحظتها، ليختم بقوله في الاَخير وهو يتناول سلسلة مفاتيحه على سطح المائدة:
– انا البلد دي مابقاليش سكن فيها تاني .
أوقفته بأعين راجية قبل يغادر:
– تقصد إيه بكلامك ده يا ماهر؟.
– قصدي اني هسوي كل أموري هنا وهسافر يا ميرفت.
قالها واستدار عنها متجهًا نحو الدرج ليصعد إلى غرفته، وتسقط هي بحملها على الكرسي بأقدام مرتخية لم تعد تحملها تردف بقنوط:
– برضوا حتى دي كمان فشلت، ن,ار قلبي دي هتفضل كدة دايمًا ما فيش حاجة تهديها؟ لكن لأ.
توقفت لتغمغم بتصميم:
– مهمها حصل انا مش هسكت غير لما اَخد حقي بحر.ق قلوبهم زي ما حر,قوا قلبي، ساعتها بس اقدر اسافر واسيب البلد كلها كمان .

❈-❈-❈

جالسة على فراشها متكتفة الذراعين، مستندة بظهرها على الوسادة خلفها تتطلع إليه بغيظ وهو يتزين أمام المرأة ويرش بكثافة بعطره المميز على عنقه وبعض أجزاء من قميصه، بعد حرمانها من الذهاب إلى عملها معه، ليتبقى لديها فقط مراقبته وتفحصه جيدًا ولكن يبدوا لها اليوم يزيد بتأنقه ومزاجه العالي في الغناء بهذه الأغاني الأجنبية التي لا تفهم منها شيئًا ولكنها تليق على صوته الأجش القبيح…
– زهرة انتِ سرحانة؟
قالها بعد أن استدار إليها فجأة يجفلها، تداركت لتنفي بهز رأسها، فتبسم يفرد ذراعيه إليها بتخايل قائلًا:
– إيه رأيك بقى؟
– رأيي في إيه؟
تسائلت باندهاش ليُجيبها على الفور:
– في البدلة يا زهرة، اصلها جديدة وقولت اشوف رأيك فيها عشان عندي النهاردة مشوار مهم .
– وحشة.
– نعم !
قالها بصدمة من ردها ليلتف مرة أخرى للمراَة ويتفحص حلته بتمعن، فتراجعت في قولها لتردف بفضول:
– أنا مش قاصدي انها وحشة وحشة، انا بس عايزة اعرف مشوارك المهم عشان ادلك .
قال بعدم تركيز وهو يلتف يمينًا ويسارُا يبحث عن
العيب في ما يرتديه:
– مشوار إيه بقى اللي احضره بيها بعد اللي قولتيه ده، أنا طالع معايا اغيرها كلها ، مع اني مش شايف فيها حاجة وحشة والله.
– ماهي مش بطالة يا جاسر، إنت بس قولي ع المشوار وانا اقولك تليق ولأ.
رفع رأسه فجأة وقد انتبه اخيرًا ليُجيبها كابحًا ابتسامة ملحة:
– عندي مقابلة انا ومصطفي عزام شريكي مع وفد أجنبي يا زهرة، أديكي عرفتي المشوار، ها إيه رأيك بقى؟
صمتت لتطالعه من جديد بتشكك مع هذا التأنق المبالغ فيه ثم اعتدلت لتنزل بأقدامها على الأرض، لتتحرك نحوه قائلة باهتمام الزوجة المخلصة:
– مدام قولت ع المشوار المهم يبقى اقوم اشوفها عن قرب بقى، عشان بالمرة دي اتأكد من لونها، هي مش زرقة باين؟
– زرقة ازاي يا زهرة دي كحلي!
هتف بها مذهولًا، ليجدها اقتربت منه مرددة:
-اه صح دي فعلًا كحلي، شكلي كدة لخبطت من الشمس، لكن الوفد دا فيه ستات يا جاسر؟
باغتته بسؤالها ليفتر فاهه بابتسامة متسلية يسألها هو الاَخر:
– وانتِ عايزة تعرفي ليه؟ دي مقابلة شغل يعني مش فسحة.
زامت بفمها ترمقه بغيظ قبل أن تجيبه:
– دا سؤال عادي، انا مقصدتش بيه حاجة على فكرة.
تحرك من جوارها ليرد وهو يضبط رابطة عنقه مع انتباهه لتحديقها به وتخصرها خلفه بتحفز:
– تمام يا روحي فهمتك، بس عشان تعرفي يعني انا قريت الأسامي بسرعة ومقدرين اتأكد ان كان فيهم ستات ولا لأ.
– ياراجل!
تفوهت بها ساخرة من خلفه لتجده استدار إليها قائلا بمرح:
– هو انتِ ليه محسساني انك مش مصدقة، طب يعني تيجي معايا تتأكدي بنفسك؟
– صحيح يا جاسر بجد، يعني انا ممكن اجي معاكم؟ انا فعلا نفسي اخرج والله عشان اتخنقت.
قالتها بلهفة وحماس لتجده أجابها بهدوء يغيظ:
– طبعًا يا قلبي زي ما تحبي أكيد، بس انتِ ناسية بقى مشوارك مع ماما النهاردة وحكاية شرا الهدوم وحاجة البيبي؟
عضت على شفتيها بتفكير ثم خاطبته برجاء وهو يدور من حولها يبحث عن أشياءه قبل المغادرة:
– طب ماهي محبكتش يعني النهاردة، دا انا لسة في الخامس وباقي شهور ع الولادة ، والست والدتك محسساني إن الولادة بكرة، ما تكلمها انت يا جاسر تأجل.
رفع رأسه عن الحاسوب الذي القى على شاشته المفتوحة نظرة سريعة يقول بجزع:
– يا نهار أبيض، لا طبعًا مقدرش يا زهرة، خصوصًا وانا شايف حماس الوالدة بتحضير أؤضة البيبي والألوان والتجهيزات اللي عملتها، لو عايزة تكلميها انتِ ماشي بس انا متحملش غضبها.
استشاطت غيظًا لتزفر هاتفة بإحباط وتزيده استمتاعًا بمشاكستها:
– يعني انت متقدرش وانا اللي اقدر!
صمتت برهة بتفكير ثم قالت بتذكر:
– طب كلها كام يوم وفرح خالي يتم ، وانا بقى كنت عايزة احضر التحضيرات وليلة الحنة والحاجات البلدي اللي احنا متعودين عليها، يعني ابات الكام يوم دول هناك، هترفض هي بقى على كدة كمان دي؟.
ترك ما بيده لينتبه لها، ويرد بجدية ووجه غاب عنه الهزل:
– معلش بقى يا زهرة عشان الرفض هيبقى مني انا المرة دي.
تطلعت إليه باستفهام، ليتابع لها:
– بصراحة بقى رغم كل احترامي وحبي لرقية وفرحتي لخالد كمان، لكن انا لا يمكن هقدر اطمن واسيبك تباتي هناك، حتى لو قولتي انك متعودة والكلام ده كله، لكن برضوا وربنا ما هقدر احط راسي على المخدة، اقسم بالله، دا غير والدتي كمان، يستحيل توافق، واذا اصريتي مش بعيد تبات معاكِ، ما انتِ عارفها بتعيد على مواعيد علاجك انتِ ووالدي بالثانية.
تنهدت بيأس تتكتف بذراعيها وتبتعد عنه، ليصبه الحزن لمشاهدتها هكذا، فاقترب يحاوطها من الخلف بكفيه على أكتافها، ليهمس بجوار أذنها بصوته الدافئ:
– عارف انك زعلانة، بس انا عايزك تقدري خوفي من حاجة زي دي انا شوفتها بنفسي، العمارة ايلة للسقوط يا زهرة، ثم انه كمان نصبر شوية مدام الحال اتعدل، خالك وهيغير السكن بعد جوازه من نوال، ورقية وهتتنقل مع العروسين بعد رجوعهم من شهر العسل، يعني ساعتها بقى هنقدر ننقل اخواتك البنات للبيت اللي اخترناه انا وانتِ قبل كدة، عشان والدك لما يخرج قريب من المصحة ان شاء الله، يسكن معاهم على طول .
صمت برهة ليسألها بقبلة كبيرة على وجنتها :
– ها بقى اقتنعتي باللي بقوله؟
هزت برأسها بخفة كموافقة، لتزيد بداخله الحماسة بضمها أكثر ويزيد معها من قبلاته الناعمة على وجنتيها مرددًا:
– عايزة اسمعها بصوتك مش بهز الدماغ.
اجبرها بمناكفته على الضحك لتبادله المزاح ولكن بقصد:
– ماشي دي اقتنعت بيها ، فاضل بقى تقنعني بالثانية:
سألها بإجفال:
– ايه هي التانية؟
اعتدلت ليُصبح وجهها مقابل وجهه سائلة بتصميم:
– تقنعني انك مش عارف الوفد الأجنبي في ستات ورجالة ولا رجالة بس .

❈-❈-❈

بجلستها معه في كافتيريا الشركة ورغم أنها المرة الأولى التي يتم فيها ذلك، إلا أنها كانت منطلقة في الحديث وكأنها تجلس معه كل يوم، تقلب في صور الهاتف التي التقطها أمس لهذا المدعو ماهر، بعد تهديدات شقيقته لها ثم تطلق ضحكتها بفرح منها بعد حالة الخوف التي تملكتها الليلة السابقة لدرجة الرعب:
– يالهوي دا شكله مسخرة هههه، لا وكمان واقف بتناكة كدة ههه
رغم سعادته بمشاركتها لهذه الجلسة إلا أن ضحكاتها العالية كانت تدفعه للغضب منها، فيتمتم يحذرها بهدوء وعينيه تتلفت حولهم:
– قلبي كمان وشوفي بقية الصور بس وطي صوت الضحك شوية.
اومأت برأسها له على عجل وهي تركز في الصورة الأخرى لماهر وهو جالس على ركبتيه كطفل مذنب في مدرسة، لتقهقه غير قادرة على التوقف:
-وربنا يستاهل الأهبل ابن الهبلة ده.
تبسم ضاحك ببهجة من داخله بعد أن التزمت قليلًا بالصوت وظهر سنها بضحكة من القلب دون تصنع أو ادعاء، أجفلته بنظرة متسعة من عينيها سائلة بهمس
– دا قلع القميص…
غمز بوجنته يجيبها بابتسامة شريرة:
– وقلع البنطلون كمان.
سمعت منه لتنسى جميع تحذيراته وتطلق ضحكة صاخبة بصوت لفت انتباه رواد الكافتيريا حولهم، بشكلٍ أثار حميته ليخطف الهاتف منها فجأة ويهدر من تحت أسنانه:
– قولتلك وطي صوتك الناس بتبص علينا .
أومأت برأسها وقد أسكتتها نظراته المرعبة، ثم قالت تخاطبه بتردد:
– طب اشوف بقية الصور .
رد بحزم وهو يدخل الهاتف في جيب ستريته:
– كفاية عليك كدة، الباقي مالوش لازمة أصلًا.
أسبلت أهدابها وهي تزم شفتيها بطاعة جديدة عليها، جعلته يتراجع عن حدته ويتابع لها ناصحًا:
– خلي بالك يا غادة مش كل الناس ضميرها سالك عشان تسمع ضحكتك وتسكت أو تنبسط لانبساطك، واحنا مش هنفتش على ضماير الناس، بس ع الاقل نلتزم من نفسنا وناخد بالنا.
أطرقت رأسها بانكسار أظهر تأثير كلماته عليها ليستطرد بمرح:
– بس ضحكتك عسل .
اشرق وجهها الذي رفعته أليه مستجيبة بابتسامة لمدحه، وتابع :
– بس تضحكيها لوحدك أو في بيتكم، لكن برا لا .
أومأت برأسها كإجابة مع راحة أصبحت تغمرتها بهذا الشعور الجديد عليها، أن تجد من يوجهها بخوف عليها ونية خالصة، ليست بقصد اَخر ، والأروع من هذا كله هو الأمان وإحساس الحماية التي يحاوطها به، فقالت تخاطبه بامتنان:
– أنا متشكرة أوي يا إمام، بجد مش عارفة اقولهالك على إيه ولا أيه؟
– ولا على اي حاجة، مافيش داعي للشكر أصلًا .
رددت خلفه بتصميم:
– لأ في وفي كتير أوي كمان، انا لو قعدت العمر كله اشكرك مش هكفيك ولا اوفي حقك بجد ربنا يسعدك.
أومأ بهز رأسه مع طيف خفيف من الخجل فضحته عيناه التي زاغت مقلتيها في التجول حولها رغم خشونة هيئته، ليزيد من اندهاشها ورؤيتها الجديدة عنه، فتابعت هذه المرة بسؤال:
– هو انا ممكن اكلم خلود واصاحبها ؟
اجيبها على الفور:
– طبعًا دي مش محتاجة استئذان، اعتبريها زي اختك كمان.
ازداد اتساع ابتسامتها لتردف بطلبها الاَخر:
– طب انا كنت عايزة اعزمك على فرح خالد خال زهرة، انت أكيد هتيجي طبعًا عشان شغلك مع جاسر باشا، بس انا بقى عايزاك تدخل وتبقى تبع المعازيم .
صمت قليلًا يرمقها باستغراب لتفكيرها في شئ كهذا وتدعوه عليه فقال يجيبها بتحفظ:
– ان شاء الله خير وأكيد هاجي طبعًا.
ظهر على وجهها الفرح لتقبله دعوتها، لتنظر بساعتها وتنهض على عجل مرددة:
– طب انا هستأذن بقى عشان البريك بتاعي خلص، سلام .
غادرت من أمامه ليجد الفرصة في النظر إليها من الخلف، ترتدي ملابس عادية تليق بالعمل وليست مبهرجة ولا قصيرة بتعمد للفت الأنظار، خطواتها رغم سرعتها لكن مظبوطة من غير ميلان أو ادعاء الدلع، غمغم بصوت خفيض:
– الظاهر كدة في أمل إنها تتعدل.

❈-❈-❈

– عجبتك الصورة؟
تفوه سائلًا بها لها وهي واقفه باندهاش أمام الإطار المعلق على الحائط لصديقهم الثالث وشقيق لينا رمزي، اثناء أنتظارهم بغرفة المعيشة في المنزل المتوسط الحال لكن برقي، ردت تُجيبه بشرود :
– مش حكاية عجبتني، بس الصورة قريبة من القلب فعلا وكأن الواحد يعرفه من سنين…
التفت أليه تكمل:
– مش عارفة ليه بقى؟ يمكن عشان يشبه لينا بلمحة بسيطة او لون العيون المشترك ما بينهم، ولا يمكن عشان يشبهك أنت يا طارق .
عقد جاجبيه يلتف للصورة خلفها ينظر بتمعن ويسألها بعدم تصديق:
– في أي حتة بالظبط؟ دا راجل بشعر اصفر وعيون فيرزي، بشرته رايحة ناحية الخواجات، لكن انا بقى مصري في كله، البشرة القمحي والعيون العسلي والشعر الأسود، فين الشبه يا كاميليا؟
– في الروح .
قالتها كإجابة سريعة بدون تفكير لتكمل:
– ملامحه الطيبة كدة وهو بيضحك فكرتني بيك،
اومأ بسبابته نحوه مع ابتسامة ماكرة :
– انا روحي طيبة؟
– ضحكت تجيبه:
– جدًا يا طارق، حتى لو بينت غير ذلك .
تبسم يخفض عينيه يرد بادعاء الخجل:
– الله يحفظك يارب ويسعدك وليه الإحراج دا بس؟
قالها وارتفعت رأسه فجأة على ضحكتها التي أطلقتها بحرية وبدون تحفظ، فصمت يشاهدها حتى انتهت لتردف له:
– اللي يشوفك وانت منزل عينك كدة يصدق انك بتتكسف هههه
شاركها هذه المرة الضحك مع قوله:
– يعني ولا كدة عاجب ولا كدة عاجب.

– وانت من امتى بتعجب حد اصلًا.
قالتها لينا وهي تلج إليهم بخطواتٍِ متأنية ووجه عابس حتى وصلت لترحب بهما بالتصافح وإلقاء التحية، قبل أن يجلسا ثلاثتهم، فبادر طارق بمشاكشتها كالعادة
– قالبة خلقتك كدة ليه يا زفتة؟ دا شكل تقابلي بيه ناس لاول مرة تدخل بيتك؟
– انت عارف اني مش قاصدة كاميليا.
هتفت بها إليه بابتسامة صفراء قبل تتوجه لكاميليا بقولها:
– وانتِ أكيد عارفة اني مش قاصداكٍ صح؟.
اومأت برأسها كاميليا لها كإجابة، فتدخل طارق بقوله:
– الله، دا انتِ قاصداني انا بقى.
ردت بتأكيد لتخمينه:
– أيوة قصداك انت، عشان اللي عملته مع نيازي في المستشفى، هو حكا…..
قطعت مجفلة من هيئته وهو يكاد أن يقع على الأرض من الضحك مرددًا:
– طب بذمتك دا إسم واحد ترتبطي بيه واحدة؟ حتى اسمه مش لا يق عليكِ يخرب عقلك، لينا ونيازي ههههه
اكمل بالضحك غير قادر على التوقف حتى أصابت كاميليا العدوى على الرغم من محاولاتها للكبت أمام لينا التي كانت تفور غيظًا، وهو ترمقه محدقة به بعضب، حتى التفتت لكاميليا تخاطبها:
– عاجبك اللي بيعمله ده ؟ وهو بيستهزأ بيا وباختياراتي؟
أجابتها كاميليا بابتسامة تجاهد لكبحها:
– انا متسألنيش يا لينا، سيبيني في حالة الذهول اللي انا فيها دي ، الشقلبة دي اللي انتوا عملتوها في دماغي، اقسم بالله انا لسة باستوعب أساسًا .
– تستوعبي إيه بالظبط؟ ممكن تفهميني؟
رمقتها كاميليا من اعلى رأسها حتى اقدامها لتُجيبها :
– كلك على بعضك يا لينا، اللي يشوفك في الشغل باللبس العصري والمكياج اللي يهبل ولا الشعر الحرير، عكس اللي شايفاها قدامي خالص، البيجاما دي اللي انتِ غرقانة فيها، الشعر المنعكش ولا الشبشب اللي في رجلك، دي مش اللهلوبة خالص يا قلبي.
– نيازي بهت عليها .
هتف بيها طارق ليُشعل غضبها مرة أخرى وهي تجيب كاميليا وتتجاهل استفزازه لها:
– اولا دا انا عشان عيانة وعملية وانتِ عارفة طبعًا، وثانيًا بقى عشان في فرق بين الشغل وبين البيت، ما انا قولت امبارح. الشغل دا أكل عيش..
أومأت لها كاميليا تدعي الفهم برغم عدم اقتناعها، وتمتم طارق .
– وحتى لو مش عيانة، برضوا نيازي أثر عليكِ.
زفرت تنفخ بفمها كالأطفال لتردف لكاميليا بسأم:
– شايفة استفزازه، قوليلوا يقعد ساكت احسن.
لم تتمكن كاميليا فهي أيضًا كانت تضحك ولا تستطيع التوقف حتى انتبهت على دخول والدة لينا بصنية كبيرة، من المشروبات الساخنة وعدة أطباق من الحلويات، تلقي التحية وهي تضعها أمامهم:
– ها يا ولاد عاملين إيه؟
– فل يا أنيسة فل والله.
هتف بها طارق وهو يتناول أحد الأطباق سريعًا بلهفة ليقدمه لكاميليا التي حاولت الرفض:
– لأ لا انا مش هشرب ولا هاكل أي حاجة.
خاطبتها المرأة بمودة صادقة تشدد:
– لأ بقولك ايه، دي عادة وانا اتعودت عليها مع احبابي بس، يعني مش مع أي حد.، لمتا تدخلي عندي لازم تشربي الحاجة السخنة او الساقعة وتاكلي معاها الحلويات، ولا انتِ مش معتبرة نفسك من حبايبي.
– لا طبعًا أكيد من حبايبك.
قالتها كاميليا ردًا للمرأة التي أحرجتها بزوقها لتقبل الدعوة وتتناول من طبق الحلوى مع ثلاثتهم طارق ولينا ووالدتها، في جلسة عائلية يغمرها الدفئ الأسري ومشاكسات طارق ولينا الناقمة عليه، لسخريته الدائمة من شاعر قلبها؛ نيازي

❈-❈-❈

في التجمع التجاري الكبير
وبعد أن انتقت مع لمياء معظم احتياجات الطفل من ملابس، والعاب وبعض الاشياء التي تزين الغرفة، تبقى فقط اَخر محل تدخله معها لاختيار ملابس واسعة لها تناسب وضعها الجديد في الشهور القادمة.
– شايفة يا زهرة، اهو ده هيبقى حلو قوي عليكِ.
قالتها لمياء وهي تفرد أمامها إحدى القطع بصحبة عاملة المحل، تناولته منها زهرة تطالعه بتمعن قبل أن تدلى برأيها:
– بس دا ممكن يحزأ عليا شوية، حاسة كدة قماشته خفيفة.
القت نظرة نحوه لمياء قبل ان ترد:
– لا يا زهرة انا مش شايفاه خفيف لدرجة وحشة بالعكس، انتِ هتحتاجي الأنواع دي صدقيني .
تدخلت العاملة:
– فعلا يا فندم ، كل ما الحمل بيكبر كل ما كانت الأنواع دي من القماش مطلوبة اكتر، ودا صنف فاخر مصنوع لراحة المدام الحامل، خصوصًا في الشهور الأخيرة.
أثنت على كلمات الفتاة لمياء لتردف لزهرة:
– عندها حق على فكرة، انا باخد بالي، فعلا هو دا النوع اللي سائد كموضة للحوامل الايام دي وبشوفه كتير، ها إيه رأيك بقى؟.
اومأت لها رأسها بتعب :
– خلاص يا طنت زي ما تحبي، بس مش كفاية كدة بقى، احنا اشترينا كتير اوي النهاردة.
ردت لمياء بإصرار:
– لا طبعا كفاية دا أيه؟ انتِ لسة عايزالك كام طقم استقبال، ولا انتِ ناسية ان هتيجي ناس كتير تزورنا.
– اَه
تفوهت بها باستسلام رغم اعتراضها من الداخل ، وذلك لمعرفتها الكبيرة بعدم جدوى النقاش مع لمياء والتي تتعامل مع الوضع وكأنه سيصير غدًا وليس بعد شهور بولادة الطفل، فقالت:
– ماشي يا طنت اختاري مجموعة وانا هنقي منهم، بس اسمحيلي بخمس دقايق بس، اعمل مكالمة تليفون.
– تمام، بس متأخريش.
قالتها لمياء لتتخذها فرصة زهرة وتتناول هاتفها لتتصل به.
و في خارج المحل وقفت أمام واجهة العرض الزجاجي، تنتظر إجابة اتصاله، والتي أتت بعد وقت بصوت قلق:
– الوو… أيوة يا زهرة، بتتصلي ليه دلوقت؟ في حاجة؟
أجابته بهدوء:
– لا مافيش حاجة، أنا قولت بس اطمن عليك، لكن انت بتنهت ليه؟
أجابها على عجالة:
– بنهت يا زهرة عشان سيبت الإجتماع المهم وخرجت من الجلسة على اتصالك، خوفت ليكون حصل حاجة .
ردت بلهجة مطمئنة قبل الوصول لهدفها
– لا الحمد طبعًا اطمن مافيش حاجة، انا بس قولت اسألك عن الشركا وعن الجلسة.
– بعدين يا زهرة بعدين، هقولك على كل حاجة، سبيني دلوقت ارجعلهم ، مصطفى لوحده بيتفاوض معاهم جوا.
هتف بها وهمَ لأنهاء المكالمة ولكنها لحقته بقولها:
– طب دقيقة بس يا جاسر هاسألك قبل ما تقفل.
تنهد بسأم يجيبها:
– لخصي يا زهرة وقولي بسرعة.
عضت على شفتيها بحرج قبل أن تسأله بتردد وصوتٍ خفيض:
– بعد ماشوفت الوفد كدة بنفسك وقعدت معاهم، هما بينهم ستات؟
شعرت بضحكته رغم صدورها من غير صوت، ليردف لها باقتضاب قبل ان يغلق الهاتف:
– هبقى اقولك بعدين، سلام بقى .
نظرت لهاتفها الذي انتهت به المكالمة، لتتمتم بالكلمات الحانقة عليه وعلى مرواغته الدائمة لها، لتختم بتوعد:
– ماشي يا جاسر.
قالتها والتفت لتستدير، فارتدت منتفضة للخلف برؤية اََخر شخص تود رؤيته الاَن وفي أي وقت، واقفًا أمامها بهيئته القبيحة ونظراته الوقحة وكأنها تجردها مما ترتديه:
– إنت ايه اللي موقفك هنا قصادي يا حيوان؟
قالتها بقوة تدعيها رغم الرعب الذي يسطير عليها بداخلها، سمع منها وتبسم لها بسنه المكسور ليرد بعدم اكتراث:
– انا واقف بقالي وقت هنا من ساعة ما شوفتك، بصراحة مقدرتش امنع نفسي، وحشتي عمك فهمي يا زهرة.

❈-❈-❈

بداخل السيارة العائدة بهم للشركة، كانت ما تزال لا تستطيع التوقف عن الضحك معه، كلما تذكرت مشاكساته مع لينا التي تدافع بشراسة عن شاعرها المجنون ولا تتحمل عليه نقد:
– حرام عليك اللي عملته فيها والبنت تعبانة أساسًا، دي هتكرهك بجد على فكرة .
مط بشفتيه يدعي التأثر وهو يقود السيارة بجوارها، ليقول:
– عارف اني زودتها عليها، بس انا كمان معذور يا كاميليا، نفسي الاقي ميزة واحدة في الولد ده لكن مش لاقي، دا حتى اسمه….
توقف على مقاطعتها له مكملة من بين ضحكاتها:
– لينا ونيازي ههههه كل ما افتكر شكلها وهي بتنفخ زي القطة الشرسة اللي عايزة تهجم عليك في أي لحظة ههههه فظيعة، بمجرد بس ما تجيب سيرته، دي شكلها بتحبه بجد باينها!
أومأ لها يردف وقد توقفت ضحكاته:
– يا خوفي ليكون بجد يا خوفي .
توقفت هي الأخرى لتسأله:
– يا خوفك ليه بقى؟ مش دا اختيارها وهي حرة .
– هي فعلا حرة .
تفوه بها قبل أن يلتف إليها برأسه متابعًا:
– بس بقى لو حصل وأصرت على اختيارها ده، طبعًا انا مش هقدر اعترض على اختيارها، وهضطر اقبل بيه وأرحب، لا دا كمان ولو وصلت لكتب الكتاب هبقى وكيلها، بس كل ده هيبقى غضب عني، عشان بصراحة مش عجبني طريقة تفكير الولد، بس لازم اقف جمبها.
تسمرت قليلًا تستوعب كلماته قبل أن تسأله:
– لدرجادي انت بتحبها؟
أجابها على الفور بدون تفكير:
– ما انا قولتلك قبل كدة يا كاميليا، لينا اختي .
شدتها العبارة وهي تستشعر صدق ما يقوله من واقع ما التمسته بنفسها ورأته في تعامل الإثنان مع بعضهما بالإضافة إلى حنان المرأة والدة لينا معه وكأنه من الأسرة بالفعل، غلبها الفضول وهمت لتسأله عن طفله الذي يتركه وحده بدون أب تربيه عائلته المهاجرة في دلولة أخرى، كما أخبرها كارم ولكنها أجفلت على توقف السيارة متمتمًا:
– خلاص وصلنا.
ليتبع قوله بغمغمة واضحة:
– ودا من امتى رجع من سفره؟
انتبهت على جملته فانتقلت عينيها إلى ما ينظر إليه أمامها، لتفاجأ بجلوس زوجها المستقبلي أمامها على مقدمة سيارته، بهيئته البراقة دائما ونظارة شمسية أكملت المشهد،
تناولت حقيبتها واستأذنت مغادرة على الفور من السيارة، فخطت حتى توقفت أمامه تبادر بإلقاء التحية:
– مساء الخير يا كارم، حمدلله ع السلامة، انت رجعت امتى؟
اعتدل عن جلوسه بتأني ليقبلها على وجنتيها بابتسامة مريبة:
-الله يسلمك يا روحي، وحشتيني، وحشتيني أوي يا كاميليا.
– وانت اكتر، ما قولتش يعني انك راجع النهاردة.
قالتها بمجمالة قبل سؤاله وهو أجاب:
-حبيت اعملهالك مفاجاة، انا جيت من المطار على هنا على طول .
أومات برأسها ترد بشبه ابتسامة:
– حمدلله على سلامتك مرة ثانيه، طب اطلع معايا المكتب بقى، على ما اخلص الحاجات اللي في أيدي .
تبسم لها يلقي نظرة على طارق الذي كان يركن سيارته التي خرجت منها هي منذ قليل، ليسألها :
– هو انا غيبتي طولت اوي لدرجادي يا كاميليا؟

 

 

الفصل الثامن والخمسون

لم تأتي بتخطيط ولا حتى عن توقع، أن يراها هكذا فجأة وهو يتسوق بداخل المجمع التجاري الشهير؛ إنه لمن أسعد الأشياء التي قد تمر به بيومه، أن يجمعك القدر بمن يحترق قلبك لرؤيته، في ترتيب عجيب وهي وحدها ملتهية عنه بالتحدث بالهاتف، حتى تعطيه الفرصة للتحديق بها عن قرب وحفظ تفاصيلها التي غابت عنه من زواجها بهذا الملعون الذي خطفها منه، إنها بالفعل ما يطلق عليه الصدف الجميلة، لا بل هي التي ينطبق عليها القول الشهير، رُب صدفة خير من ألف ميعاد.

حينما راَها بجوار محل الملابس النسائية لم يدري بأقدامه التي انساقت نحوها على غير إرادته، حتى وقف خلفها بالظبط، في انتظار انتهاء مكالمتها وصدره يصعد ويهبط بقوة ابتهاجًا برؤية من كانت حلم ليله ويقظته؛ وما تزال حتى الاَن، عاشر العديد من النساء في الحلال والحرام، ولم تتمكن واحدة منهم أن تنسيه لمستها أو القبلة التي خطفها منها وهي في بداية إزدهارها كوردة جميلة تتفتح حديثًا، لم ولن ينساها إلى الأبد.

-وحشتي عمك فهمي يا زهرة.
قالها متابعًا إلتهام تفاصيل وجهها وهذه التغيرات الذي زادت من جمالها لأضعاف مضاعفة، بعد أن التفت إليه لتُصعق لرؤيته وتتوسع عينبها برعب تملكها بالفعل، لتهتف بشراسة غير لائقة بها وبوضعها الجديد:
-أبعد عن سكتي يا جدع انت وغور في داهية من وشي انت مش قد جوزي واللي هيعملوا فيك لو لمحك بس دلوقتي.

أطلق ضحكة خشنة مقيته ليردف بعدم تصديق لها:
-جوزك مين يا برنسيسة اللي يشوفني؟ هو الباشا برضوا هيسيب أشغاله ويجي يلف معاكي في المول يدور ع الهدوم اللي تناسب…. الوضع الجديد.
قال الأخيرة متنهدًا وعينيه تركزت على بروز حملها من الفستان الذي ترتديه مما جعل كفها ترتفع عليه بغريزة أمومية لحماية طفلها.
-بتخبي العيل بكفك ليه؟ ولا تكونيش فاكراني هحسدك مثلا؟
قالها ساخرًا ثم أكمل بملامح ارتسم عليها الغل والحقد:
-كان هيبقى عيلي انا ده دلوقت لولا غراب البين اللي خطفك مني على اَخر لحظة.

هتفت بازدراء للفكرة نفسها وهي غير قابلة بكلمة سوء على زوجها:
-غراب في عينك، دي مين دي اللي كانت هتشيل طفلك يا حيوان؟ دا انا كنت امو,ت نفسي احسن ولا اتجوزك.

أثارت شياطينه فتقدم نحوها بوجه مظلم وعينان تبرقان بالغضب ذكرتها بحادثتها القديمة معه، لينتفض قلبها من الرعب وهي ترتد بأقدامها للخلف، رغم مجاهدتها للتماسك، وهي تسمعه يزأر بفحيح:
-صوتك علي يا بت فهمي وبتدافعي كمان عن الكل… جوزك بعد كل اللي عملوا فيا، لما خرج ابوكي وحط أسمي مكانه، أوعي تكوني فاكراني هفوت حقي فيك ولا حقي في اللي عملوا جوزك فيا، دا انا مبقاش فهي صنارة لو معرفتوا مقامه، وانتي…

على وشك السقوط وقلبها يكاد أن يتوقف من الزعر الذي يسببه لها هذا القبيح، رغم علمها بموقعها في هذا التجمع التجاري الكبير والذي يضج بالحركة الدائمة للبشر وبالزحام المنتشر حولهم، وأنه حتى لو أراد أن يأذيها لن يقدر، لكن ومع ذلك لا تضمن بخوفها القديم منه وتهديده لها بحياة زوجها وطفلها….
على خاطرها الأخيرة تشبث كفيها على موضع جنينها وهي ترتد للخلف وهذا يتقدم نحوها بملامحه البشعة في نظرها، يتابع بغل:
– مش هفوت حقي فيكي ومسيرك ترجعيلي يا زهرة بعد ما ارد لكل واحد قلمه، جوزك وابوك الأهبل، انا مبنساش حقي يابت ولا بسيب حاجة نفسي فيها من غير ما اطولها.
– زهرة .
أتت كنجدة لها من خلفه لتلتف إليها وتلتف رأسه هو معها، فتراجع للخلف سريعًا حتى يتمكن من الهرب ولكن زهرة استدركت لتهتف على لمياء بصوت متهدج ومنقطع الأنفاس وهي تشير بيدها على الحارسين الوقفان في جهة أخرى وقد غفلوا عن مراقبتها في غمرة الزحام الكثيف:
-قوليهم يجروا بسرعة يمسكوا الحيوان ده ارجوك يا طن….
قطعت لتقع على الأرض مغشيَا عليها ولمياء تصرخ باسمها وبأسماء الحراس ليلحقوا بفهمي قبل ان يختفي في الزحام .

❈-❈-❈
دلفت لدخل غرفة مكاتبها وهو خلفها وفور ان انغلق باب الغرفة عليهما أجفلها فجأة بجذبها من ذراعها لتصطدم بصدره العريض ، ويحاصرها بذراعه، شهقت هاتفه بغضب:
– إيه اللي انت بتعمله دا يا كارم؟ إبعد أيدك عني وعيب كدة.
تبسم يرد بنبرة هادئة:
-عيب ايه؟ انتي مش واخدة بالك إني راجع من السفر ومن حقي عليكي استقبال كويس يليق بيا كزوج مستقبلي.
دفعته بكفيها حتى تستطيع الأبتعاد عنه لتردف بلهجة لا تقبل النقاش:
– بلاش الأسلوب دا معايا يا كارم، إنت عارف اني محبش الكلام ده، وكذا مرة انبهك.
عاد مرددًا بصيغة أخرى:
– خلي بالك انا راجع من السفر بشوقي ليك، انتي بقى مشتاقتليش؟
تود قول الأخيرة، ولكن مع وضعها بهذه اللحظة فلا يصح، لذلك أجابته بمرواغة:
-حتى لو كان شوقي ليك أضعاف، انا برضوا محبش اخالف مبدئي، أرجوك بقى تحترم رغبتي، ثم متنساش كمان اننا في المكتب، يعني مينفعش.
– ولو كان برا المكتب كنتي هترضي؟
سألها في رد على كلماتها، فردت تُجيبه بالنفي:
– لا يا كارم عشان المبدا زي ما قولت.
صمت قليلًا يتطلع إليها بانفاس هادرة كانت تشعر بها، وغلاف وجهه الغامض يخفي عنها أي شرح لتفاصيل ما يفكر به، ثم ما لبث أن يتركها بدون أنذار ليتحرك ويجلس على كرسيه أمام المكتب وكأن شيئا ما لم يكون ليردف بكل هدوء بعد تنهيدة طويلة أظهرت تحكم هائل في كبح انفعال جسده بعد فشل تمكنه بالقرب منها:
– ها بقى، إيه أخبارك؟
رغم الارتياح الذي شعرت به فور تركها لها، إلا أن مشاهدت انقلابه فجأة هكذا جعلت حالة من الدهشة تكتنفها بشدة، ولكنها تداركت لتُعدل من هندامها وتجلس على المكتب بعملية أمامه، وهي تجيبه:
– الحمد لله بخير، المهم بقى انت عملت ايه في سفريتك؟
على نفس الوتيرة الهادئة المريبة كان يجيبها:
– هايلة يا كاميليا، كل حاجة كانت بيرفكت، ماكنش ناقصني غير وجودك بس معايا عشان احس بطعم النجاح.
تبسمت له بمجاملة لتجده تقرب برأسه يستطرد:
– انا اخترت الأماكن اللي هنقضي فيها شهر العسل، حاجة كدة ولا في الخيال.
ارتدت برأسها للخلف وهي تطالعه بنظرة مجفلة لتردف سائلة بدهشة:
– شهر عسل إيه؟ هو احنا لسة كملنا شهرين خطوبة؟
اعتدل عائدًا بجسده للخلف ليقول بابتسامة لم تفهمها:
– وافرضي حتى الخطوبة مكملتش اسبوع ، مدام كل حاجة جاهزة، يبقى ننتظر ليه؟
كان هذا دورها لتعتدل وتجيبه بقوة:
– عشان الفيلا اللي مخلصتش تشطيب يا استاذ كارم، ولا انت نسيت؟
ازداد اتساع ابتسامته لتزداد بداخلها استغرابًا منه، ويباغتها هو بقوله:
– لا طبعًا منستش، بس انا فكرت كويس واكتشفت ان مدة الخطوبة هتستمر على الاقل شهور تانية على ما تجهز الفيلا، فعشان كدة غيرت رأيي وبقول بقى نتجوز في بيت العيلة على ما تجهز الفيلا براحتها.
همت لتعترض ولكنه تابع:
– اصل بصراحة حسيت بالذنب، امي ست كبيرة وقاعدة لوحدها والبيت طويل عريض عليها زي ما انتي شوفتي بنفسك كدة في زيارتك ليها، دي انبسطت قوي على فكرة ، بجد انا مش عارف اشكرك ازاي على الحركة دي يا كاميليا، دي ماما دلوقتي بتقول فيكي شعر.
طالعته بصدمة تبتلع ريقها الجاف بصعوبة، فبرغم لهجته العادية وترحيبه بزيارة والدته إلا أن شئ ما لا تعرف وجهته لا يجعلها تشعر بالراحة، تماسكت تجلي حلقها ثم قالت باعتراض:
– من غير شكر، والدتك زي والدتي وانا عملت الواجب، بس بقى حكاية اننا نتجوز معاها في الفيلا دي انا مفكرتش فيها نهائي، وكمان من حقي ان يبقالي بيت لوحدي، دا غير كمان انك فاجأتني بتغير ميعاد الفرح، وانا برفض الاسلوب د…..
– براحة شوية يا كاميليا .
قالها بمقاطعة ليُكمل:
– مش عايزك تقولي اي رأي دلوقتي، خدي فرصتك في التفكير الأول، المهم بقى .
-ايه هو المهم بقى؟
سألته عاقدة حاجبيها باستفهام، فرد يجيبها وهو ينهض عن مقعده:
– المهم انك هتيجي معايا بكرة عشان الست الوالدة بعد زيارتك ليها، مُصرة انها تقوم بواجبها معاكي وعزماكي ع الغدا احتفالًا كمان برجوعي من السفر.
نهضت تقابله قائلة باعتراض:
– اروح معاك فين يا كارم؟ وهي لازم العزومة تبقى في بيتكم يعني؟
تبسم يجيبها قبل وهو يرتدي نظارته الشمسية استعدادًا للإنصراف:
– وماله يا حبيتي البيت؟ دا هيبقى في بيتك في الأول والآخر، ولا انتي معجبكيش استقبال الست الوالدة بقى في زيارتك ليها؟
تلجمت تنظر إليه بازبهلال وقد ألجمها بحجته، لترى اتساع ابتسامته مرة أخرى ليرسل لها قبله في الهواء قبل أن يغادر ويتركها في حالة من التشتت وحيرة قاسية من الأفكار المتواترة، لاتعرف لها حلًا على الإطلاق.

❈-❈-❈

– إيه اللي حصل؟ ما لها زهرة؟
هتف بها جاسر فور ولوجه للمنزل على أثر المكالمة التي تلقاها من أبيه ليحضر على الفور، مع محاولاته المتكررة بالإتصال بها وعدم ردها على أي واحدة منهم، طالعه عامر وهو جالس بتحفز مشبكًا كفيه للأمام، زامًا شفتيه بخط قاسي على وجه مظلم قلما يراه منه حتى لو مع خصومه واعدائه، بسبب طبيعته المتساهلة دائما، ولكن معنى أن يصل إلى هذه المرحلة، فهذا يُنبؤه أن الأمر جلل.
– مالها زهرة يا والدي؟ في حاجة حصلتلها او مست ابننا؟
سأله جاسر وقلبه يكاد أن يسقط منه من الرعب، أجاب عامر بكلمات مقتضبة:
-ان شاء الله ما فيش حاجة اطمن يا جاسر.
صاح جاسر بعدم تصديق ونفاذ صبر:
– اطمن ازاي بعد اتصالك بيا وانت شكلك أصلًا ميطمنش؟
— ما قالك اطمن يا بني مافيش حاجة.
قالتها لمياء وهي تهبط الدرج من الطابق الثاني، تقدم نحوها جاسر ليتقفلها فور ان هبطت اقدامها على الأرض ليسألها:
– ما هو لا بيتكلم ولا بيريحني، اتكلمي انتي ياماما وريحيني، ولا اطلع انا بنفسي اطمن عليها .
أوقفته والدته بجذبه من ذراعه، وهي تخاطبه بمهادنة:
– طب اسمعني بس الاول قبل ما تطلعلها، وانا افهمك زي ما انت عايز، انا مصدقت انها نامت أساسًا.
تخشب محله وحديث والدته المبهم زاد من قلقه حد المو,ت، فهتف صارخًا:
-طب فهميني يا ماما أرجوكي، انا حاسس قلبي هيوقف من الخوف على مراتي وابني.
تنهدت بقوة لمياء في محاولة للسيطرة على توترها هي الأخرى، فهذه الساعات العصبية لم تصادفها من وقت مرض زوجها وحادثة ابنها قبل ذلك، فابتعدت قليلًا حتى جلست على أقرب كرسي وجدته أمامها، لتستطيع التماسك وإخراج الكلمات اَخيرًا:
– مراتك النهاردة وقعت مني في المول بعد ما اتعرضلها واحد بلطجي، انا مش عارفة ايه اللي حصل بالظبط لأني كنت داخل المحل بنقيلها كام فستان، وهي كانت بتكلمك في التليفون، بس لما اتأخرت وخرجت لها، لقيتها صرخت بأسمي على طول أنا والحراس عشان ننقذها من الراجل ده، اللي بعد ما شافني حاول يهرب على طول…
-والحرس البهايم راحوا فين وسابوكم؟
صاح بها بمقاطعة حادة، ردت والدته على الفور لطمأنته:
– يا حبيبي مكانوش واخدين بالهم من الزحمة وكانوا فاكرينها معايا في المحل، بس لما ندهت بإسمي وصرخت على البلطجي ده قدروا والحمد لله يمسكوه.
صمت قليلًا وكأن استيعاب فهمه لكلمات والدته يأتي متأخر مع رفض عقله للتصديق، ثم ما لبث أن يردف سائلَا بعدها:
-اسمه إيه البلطجي ده؟
ردت لمياء:
– انا معرفش اسمه بالظبط؟ لأني كنت مشغولة مع زهرة، بس هي كانت بتخرف بأسم كدة….
أوقفت وهي تحاول التذكر فتدخل عامر والذي علم بالأسم من التحقيقات الأولية للشرطة:
-اسمه فهمي يا جاسر.
– أيوة فهمي .
هتفت بالأسم من خلفه لتتابع مرددة:
– بس زهرة كانت بتقول عليه فهمي برشام .
ردد جاسر أيضًا الأسم ولكن بغضب شديد:
– فهمي زفت اتجرأ واتعرض لمراتي انا؟
هدر من خلفه عامر:
– الواد ده لازم يتربى يا جاسر..
هم أن يرد جاسر ولكنه أجفل مع والديه على صوت صرخة قوية أتت من الطابق الثاني في الأعلى، ليتمتم سريعًا قبل أن يركض إليها في غرفتها:
– زهرة .

❈-❈-❈

وصل إليها وهي تصرخ بهيستريا مع انطفاء الضوء ليشعل عليها الأنوار سريعًا وينضم إليها على التخت ليضمها بقوة حتى يمتص زعرها الذي كان يُترجم بالصراخ الدائم والهذيان بالكلمات:
-الضلمة، الضملة لا ياخالي، الضلمة لأ يا جاسر، حد فيكم يلحقني، التعابين وفهمي برشام هيخنقني تحت بير السلم..
صرخ بصوته العالي مع تشديده بذراعيه:
-اهدي يا زهرة اهدى، انا جاسر وانتي قاعدة في ح,ضني.
مع صرخته الأخيرة صمت صوتها، ولكنها كانت ترتجف بح,ضنه وهي تبكي بحر,قة وهو يزيد بضمها ومهادنتها بالكلمات المطمئنة حتى دلف إليه والديه، ليصرخ برؤيتهم:
– مين فيكم اللي طفي عليها النور يا ماما؟ انتوا مش عارفين ان زهرة بتخاف من الضلمة؟
ردت لمياء بارتياع لمشهدها المؤلم:
– أنا اللي طفيت النور يا جاسر عشان ترتاح، مكنتش اعرف ان عندها فوبيا من النور المطفي.
ررد بصوت متحشرج من وجع قد مس قلبه من الخوف عليها:
– دي بتترعب يا ماما، مش بتخاف وبس، بتترعب.

تسمر عامر وزوجته التي لم تقوى على كبح دموعها مع رؤية ابنها الذي يجاهد بشتى الطرق لتهدئة زوجته التي كانت تهذي وتبكي دون توقفت وصوت نشجيها يجعل قلب الحجر يلين لها، ضم عامر المتماسك زوجته بذراعه من كتفيها ليردف لها هامسًا:
– يالا بينا يالميا، خلينا نسيبهم وحدهم .
اعترضت لمياء قائلة من بين بكاءها:
– نسيبهم ازاي انا خايفة عليها قوي؟ نطلبلها دكتور طب يهديها؟
هتفت بالاَخيرة نحو جاسر الذي تمدد باقدمه على الفراش، ليميل بزهرة بين ذراعيه حتى تتمكن من النوم، فقال بصوت خفيض:.
– بعدين يا ماما، بعد ما تصحى مش دلوقت.
أومأ له عامر ليسحب زوجته ويخرج بها ضد ارادتها مع رغبتها الشديدة بعدم تركهم.

بعد مدة طويلة من الوقت وبعد أن غفت لفترة ليست بالقليلة وغفي هو معها أيضًا، وذراعه لم تتركها أو تبتعد عنها على الإطلاق، استفاقت اَخيرًا على رائحة عطر قميصه التي تخللت حواسها، ظلت لعدة دقائق تتطلع إليه صامتة، مستمتعة بدفء جسده والذي كان يبث إليها الاَمان بغمرته القوية لها، لا تريد الاستيقاظ وقد وجدت مسكنها بح’ضنه، تود أن تظل هكذا ولا تفترق عنه أبدًا.
يبدوا أنه قد شعر بتحديقها به فاستيقظ هو الاَخر ليُقابل عينيها بخاصتيه ويظل حديث الأعين لعدة لحظات قبل ان يُبادر بقوله لها:
– إيه الأخبار؟
أومأت برأسها له كطفلة صغيرة تجيب أباها، تنهد بصوت عالي بارتياح ليُقربها إليه حتى يُقبلها على جبهتها قبلة طويلة وعميقة، حتى ظنت أنها لن تنتهي ليتركها اَخيرًا ويتطلع إليها بحنان بسؤاله لها:
– لسة حاسة نفسك خايفة برضو؟.
نفت برأسها أيضًا بصمت لتُثير ابتسامة مشاكسة على وجهه في مخاطبتها:
– إيه بقى؟ هي الحلوة هتفضل اليوم كله النهاردة تجاوب بدماغها بس من غير ما تتكلم؟
ردت بابتسامتها ولكن خرج صوتها باهتزاز متأثرًا بالأحداث السابقة:
-ما خلاص يا جاسر، هو انا لازم اقوله بلساني يعني؟
– اَه يا روحي لازم تقولي بلسانك عشان اطمن امال ايه؟
وعشان كمان تحضري نفسك للأستجواب؟
قالها بلهجة عملية عن قصد، مما جعلها تعتدل عنه بجذعها لتسأله باستغراب:
– تستجوبني في إيه بالظبط يا جاسر؟
اعتدل هو الاَخر ليقابلها وليرد على سؤالها:
– استجوبك في اللي حصل يا قلبي، ما هو مش معقول يعني هنعدي الأمر كدة من غير ما اعرف الحيوان ده عمل معاكي إيه؟ وازاي قدر يسببلك حالة الرعب الشديدة دي؟
اعتدلت متذكرة لتنفص رأسها صائحة بخوف:
– يانهار اسود، هو فهمي صحيح راح فين؟…
اوقفها فجأة بوضع كفه على فمها ليخاطبها بلهجة هادئة مطمئنة:
– اهدي يا زهرة، الزفت اتقبض عليه.
سالت دموعها حتى بللت كفه ليعود بسؤاله مرة أخرى بعد نزع كفه عنها:
– الهستيريا الشديدة ترجعني تاني لنفس السؤال، الزفت ده هددك بإيه عشان تخافي كدة؟
سهمت تنظر إليه منعقدة اللسان لا تود البوح بما أخبرها به هذا الرجل الكريه، ولا تريد التحدث عن أي شئ مع جاسر قد يؤدي لجرها إلى الجر,ح القديم والحادثة التي زادت على عقدتها الأزلية،، حتى أثرت بشخصيتها فجعلتها هذه الإنسانة الجبانة التي تخاف من الظلمة كالأطفال.
– لدرجادي السؤال صعب يا زهرة؟
هتف بها يقطع عنها شرودها، طالعته قليلًا بتفكير قبل ان تُسمعه ردها ألرافض:
-ممكن يا جاسر تعفيني من الإجابة، عشان انا بصراحة مش هقدر اقول ولا اتكلم في أي حاجة دلوقت.
– يعني لما تهدي بعد شوية هتتكلمي؟
قالها في محاولة أخرى بإلحاح، وكان ردها أن نهضت من أمامه على الفور تجيبه باعتراض:
– لأ يا جاسر.
نهض هو الاَخر ليُقابلها مرددًا خلفها بصدمة:
-لأ يا زهرة! طب ليه؟
اسبلت بأهدابها حتى لا تواجه عينيه ويدها اليمنى تتلاعب بأطراف أنامل كفها الأخرى بصمت جعل غضبه يزداد اشتغالات مع محاولاته الشديدة لكبح الانفــ جار بوجهها، يشعر بحالة من الاحتقان تجعل صدره كبركان يغلي بداخله:
– يا زهرة اتكلمي وقولي الحيوان دا قالك إيه؟ أنا مش هستريح غير لما اعرف .
رفعت رأسها إليه رافضة بعن,ف:
– أرجوك يا جاسر ارحمني وريح نفسك، انتوا بتقولوا انه اتحبس ، يبقى خلاص بقى لأن انا مش قادرة اتكلم بصراحة .
ختمت لتُجفل معه على صوت طرق الباب، لتلج منه لمياء بعد سماح جاسر لها بالدخول وفور ان رات زهرة واقفة أمامها بحالة مختلفة عما سبق هتفت بلهفة تردد وهي تقترب منها وتفحصها جيدًا:
– الحمد لله يارب انتي كويسة يا زهرة؟ حاسة بأي حاجة دلوقتي؟ والبيبي عامل إيه؟ طب أنتي أكيد جعانة، يبقى لازم تاكلي دلوقتي عشان تأكلي الببيي كمان معاكي.
كانت تتلقى أسئلتها وتُجيبها بهدوء مع تنقل انظارها إليه مع شعورها بسهام عينيه التي تطالعه بغصب يشوبه العتب.

❈-❈-❈

في اليوم التالي
كانت الجلسة في منزل عامر، بحضور رقية التي لم تستطع الانتظار فور ان علمت من ابنها ما تناقلته وسائل السوشيال ميديا عن تهجم أحد الأشخاص على زوجة رجل الأعمال جاسر الريان مع ذكر اسم زهرة وبعض التفاصيل المبالغة عن الحادث والقبض عن المجرم، ثم صورتها وهي مغشيًا عليها زادت من الأمر قلقًا
ليتنفض خالد من بكرة الصباح كي يأتي ويطمئن عليها بصحبة والدته وسمية ومعها صفية شقيقتها الصغرى .

على الأرض كانت جالسة ورأسها بحجر جدتها وذراعيها ملتفان حول المرأة ذات الجسد الهزيل وهي تربت بكفها وتلمس بحنان على شعر رأسها بالآيات والأدعية الحافظة.
– إيه ده؟ زهرة انتي قاعدة ليه كدة ع الأرض؟
قالتها لمياء بصدمة فور رؤيتها بهذا الوضع وهي في طريقها لاستقبال الحضور بصحبة جاسر والذي هتف يجيبها:
– سبيها يا ماما هي متعودة على كدة.
– متعودة ازاي يعني؟
غمغمت بها بصوت خفيض قبل ان تضطر صاغرة باستسلام لتخطيها والذهاب للترحيب بالباقي ثم جلست معهن تستمع للنقاش الدائر بين جاسر وخالد الذي كان يهدر بغضب:
– الحيوان دا انا لو كنت شوفته وقتها، اقسم بالله ما كنت هسيبه غير ع النقالة في الإسعاف.
– ومين سمعك بس؟ دا انا دمي بيغلي من وقتها، ونفسي اعرف قالها ايه يخليها تترعب بالشكل ده،؟ عشان اربيه واندمه ساعتها العمر كله .
تدخلت سمية:
– دا بلطجي وطول عمره بيأذي شباب الحارة بالبرشام اللي بيبعه، ربنا يجازيه، على العيال اللي بياخد ذنبهم .
سألتها لمياء باستفسار:
– برشام يعني إيه؟
– يعني مخــ درات يا ماما.
قالها جاسر في إجابة عن سؤالها قبل أن يلتف لخالد يسأله بصوت خفيض وهو يقرب رأسه منه:
– هي زهرة عندها عقدة تانية غير الضلمة .
– تقصد إيه؟
تفوه بها خالد عاقد الحاجبين باستفهام قبل ان ينتبه على اقتراب عامر ليرحب به ويصافحه قبل أن يذهب لرقية ثم سمية، ليتوقف عند صفية ليغازلها بصوت لفت انظار الجميع نحوه:
– يا مشاء الله، إيه البنوتة الحلوة دي؟ انتي مين يا قمر؟
خجلت صفية من كلماته لتشيح برأسها لتخفي ابتسامتها منه، فصاح مشاكسًا:
– دي كمان بتتكسف يا جاسر، دي إيه الجمال ده؟

تبسم له الاَخير يرد وهو يهز رأسه بيأس منه:
– دي صفية اخت زهرة من والدها وامها الست سمية اللي قاعدة جمبها دي .
– يا أهلا يا هانم.
قالها عامر يرحب مرة ثانية بالمرأة قبل أن يجلس بالقرب من صفية التي مازالت تضحك بخجل ليردف مندهشًا وهو ينظر إليها جيدًا من خلف نظارته:
– حلو جو البنات اللي بتتكسف ده، زي زهرة مرات ابني، هو انت متأكد ان البنت دي اختها من الوالد بس؟ دي حتى في الشكل تشبها.
قال الأخيرة مخاطبًا جاسر، ليرد خالد بزهو:
-لا لو ع الأدب والكسوف، البت دي تربيت ايدي زيها زي اختها الكبيرة بالظبط .
– برافو يا خالد .
قالها عامر بإعجاب، فتدخلت سمية تكمل على قول الاخر بسجيبتها:
– و لو ع الشكل هي فعلًا تشبها، عشان انا بصراحة كنت بحب زهرة اوي وهي صغيرة، وطول شهور الوحم بتاعتي بقعد ابصيلها كدة كتير أوي عشان يطلع اللي في بطني زيها.
– والله وانتي كمان برافو عليكي، ما هو اللي يلاقي حاجة حلوة، لازم برضوا يتمني يجيب زيها، يا زين ما ما ربيتي ويا زين ما خلفتي، بنتك يا قمر والله قمر .
قالها عامر وارتفعت رأس زهرة عن حجر جدتها تشاركهم الضحك فتدخلت رقية تخاطبه:
– يا راجل بطل معاكسة، وفر كلامك الحلو ده للست اللي قاعدة جمبك دي.
سمع منها ليلتفت إلى زوجته التي كان تبتسم إليه صامتة فقال بمناكفة:
– مراتي؟ دي حبيبة قلبي، ايه اللي انتي بتقوليه دا بس يا رقية؟.
ضحكت لمياء على قوله كما ضحك الجميع، بمشاكسات عامر مع رقية التي أشاعت جوًا من المرح قليلًا وبعيدًا عن التوتر، حتى أتتت كاميليا ومعها غادة لتنضما إليهم في الاطمئنان على زهرة.

❈-❈-❈

والى مكان اَخر
حيث كانت ميرفت تشاهد في الهاتف الخبر الذي انتشر من الأمس، وهي لا تمل من القراءة على أي صفحة تناقلته او موقع، حتى وهي تتحدث إلى ميري في الهاتف الاَن:
– ايوه يا ميري، سماعاكي كويس اتكلمي.
وصلها وصوت الأخرى بصياح:
– اتكلم إيه انتي كمان، هي شغلانة، بقالي ساعة بشرحلك، الزفت مارو اتفق مع بابا وعايز كتب كتاب وفرح على طول، وابويا مصدق عايز يخلص مني.
ضحكت ميرفت بدون صوت قبل أن تجيبها بتمثيل المؤازرة:
– يا حبيبتي يا ميري، طب انا اعملك ايه طيب ؟ ما هو والدك دماغه ناشفة بصراحة، وانا اخاف اكلمه .
وصلها صوت صرخة ساخطة لتزبد من مرحها والأخرى تتابع برجاء:
– حاولي يا ميرفت، وحياتي عندك يا شيخة، انا الواد ده قرفت منه أساسًا من ساعة الفضيحة اللي عملاهالي لما خسرني فرصة عمري في رد اعتباري بجد، بعد طلاقي من جاسر، ولا ووالده ده كمان راجل بلدي ومحدث نعمة على اقل حاجة يقول انا جيبت وعملت، وانا مش طايقة اعاشر الناس دي، وبابا اهم حاجة عنده الفلوس .
– خلاص با حبيبتي احاول عشان خاطرك .
قالتها لتنهي المكالمة بسأم من الإطالة، رغم ما كانت تشعر به من مرح بالذي أصاب ميري هذه الحمقاء الغبية ليقع نصيبها اَخيرًا على مارو الشاب الذي يصغرها بعدة سنوات، تدعي دعمها في الأبتعاد عنه، هي تتمنى بشدة ارتباطها به، فهذا ما يليق بها كامرة تافهة وحمقاء.
صدر صوت أخيها من الخلف يهتف بإسمها بعد عودته من الخارج، لتلتف إليه ويخاطبها في محاولة أخرى لإقناعها:
– انا خلاص حدتت ميعاد سفري يا ميرفت، لسة برضوا مصممة ما تجيش معايا؟
أجابته نافية برأسها قائلة:
– سافر يا قلبي وانا أكيد هحصلك، بس بقى حسب الظروف، يعني ممكن بعد شهر او اتنين او حتى سنة، اكيد هحصلك .
– انتي حرة .
قالها يشير بيده قبل أن يتابع طريقه إلى غرفته وتكمل هي مغمغمة مع نفسها وهي تنظر لصورة فهمي التي أوقفت عليها الشاشة:
– بس لما اعمل اللي في دماغي الأول .

❈-❈-❈

وعودة الى منزل عامر
والذي كان ممتلأً بالأفراد الذين تفرقوا جماعات، الكبار رقية وعامر ولمياء، والفتيات كاميليا وزهرة وصفية وغادة، والشباب خالد وجاسر الذي اصر أن ينفرد بالاَخر كي يعرف منه، مارفضت البوح به زهرة .

– بير السلم ! يعني ايه مش فاهم؟
كان سؤال خالد لجاسر الذي تابع بتركيز:
– انا بسألك عن الكلام اللي كانت بتهذي بيه زهرة، التعابين والضلمة انا عرفت قصتهم المرتبطة بو,فاة والدتها، اما حكاية بير السلم والخنقة دي مع اسم الحيوان دا اللي اتعرضلها، ايه مناسبتهم؟ واشمعني بعد ما شافت الزفت دا يحصل معاها كدة؟
تطلع إليه خالد بصمت وقد فهم مقصده بعد أن ربط الخيوط ببعضها، ليتنبه إلى تعابير وجهه جاسر، ليخاطبه على يقين:
– إنت عارف الحكاية صح؟ طب ياريت بقى بجد تحكيلي عشان انا مش ههدى غير لما اعرف كل حاجة النهاردة.

❈-❈-❈

-كسر حقه! قال حقه حال؟
هتفت بها غادة بحمائية بعد سماع ما قصته عليهن زهرة، لتتبعها كاميليا أيضًا بالقول:
– دا بني ادم مريض، والظاهر كدة ان البرشام اللي بيتاجر فيه، مسح مخه هو كمان .
ردت زهرة على كلماتهن:
– انا كنت همو.ت من الرعب وهو بيهددني، حتى برغم وجود الزحمة والناس برضوا قلبي كان هيوقف من الخوف.
صاحت غادة بهمس حتى لا تلفت النظر إليها:
– دا انتي كنت فقعتي عينه اللي تدب فيها رصاصة دي، ايه بابت اللي يخليكي تخافي منه؟ دا انت جوزك يقدر يوديه ورا الشمس.
هزهزت زهرة رأسها باعتراض:.
– لا يا بنات انا مقدرتش اتكلم ولا اقول حاجة قدام جاسر، بصراحة خوفت قوي يجرني للكلام القديم .
– ليه يا زهرة تخافي ولا تتكسفي، دي حاجة تدينه هو مش تدينك انتي؟
قالتها كاميليا برفض قاطع لموقف زهرة، قبل ان تجفل على اتصال كارم، بتنبيه لها للخروج، فنهضت من جوارهم مستأذنة:
– طب يا زهرة بقى انا مضطرة امشي واسيبك، عشان كارم بيستعجلني .
سألتها غادة:
– ويستعجلك ليه؟ وراكم مشوار.
ردت بسخرية قبل أن تتبعد بخطواتها عنهم :
– اصله عازمني ع الغدا عند والدته، في بيت سيادة اللوا حمايا المرحوم، ادعولي بقى عشان ماوقعش تحفة ولا أنتيكة من المتحف هناك .
ردت غادة في استجابة لمزاحها:
– يااه لدرجادي؟
– واكتر من الدرجادي كمان والله .
قالتها ثم انصرفت لتلحق مشوارها مع كارم

 

الفصل التاسع والخمسون

– إمام .
هتفت بإسمه تناديه بعد خروجها من منزل عامر الريان وبحثها عنه حتى وجدته واقفًا بجوار إحدى الشجيرات قرب مدخل المنزل، يعطي تعليماته لأحد الحراس، والذي انتبه مع ندائها لتلتف رأسهِ إليها مع إمام الذي خطف نظرة سريعة نحوها قبل أن يُجفل الشاب بدفعة بكفه على كتفه من الخلف ينهره:
-هي بتقول يا إمام ولا بتقول يا ابراهيم؟
رد الشاب بالاعتذار على الفور:
-أسف يابرنس سامحني.
دفعه مرة أخرى ليهدر به:
– طب اخلص نفذ اللي قولتلك عليه.
سمع منه إبراهيم وذهب تنفيذًا للأمر بإذعان، وتحرك إمام نحوها رافعًا حاجبه مع قوله:
– أهلًا يا غادة عاملة إيه؟
ردت بابتسامة تحمل المودة له:
– الحمد لله فل، وانت بقى
رد على قولها بخشونة:
-وانا كمان كويس، بس كنتي بتندهيلي ليه؟
أجفلها برده المباغت فتلجلجت تجيبه بحرج:
-جرا إيه يا إمام؟ انا كنت عايزة بس أسلم عليك واسألك عن خلود اصل عرفت منها ان روان امبارح كانت سخنة فقولت أسألك يعني عشان اطمن.
أنتعش بداخله على هذا التغير الذي بدا واضحًا بكل تصرفاتها او حتى كلماتها فقال يجيبها:
-روان كويسة والحمد لله انا بس اللي اتعصبت عليكي لما ندهت عليان وانا مع الواد ابراهيم، ودا خفيف وما بياخدتش باله من الحاجات دي، الواد لف براسه ناحيتك من غير انتظار.
أجابت ببلاهة:
– وإيه يعني؟ ما يلف براسه ناحيتي ولا يبصلي، حيصل ايه؟
-نعم يا ختى .
صدرت منه على الفور فطالعته مزبلهة باستغراب وهو يتابع بشر:
– ماتظبطي كدة يا غادة عشان ما اتعوجش انا عليكي.
ارتدت رأسها للخلف لتزداد ذهولًا مع قولها:
– تتعوح عليا ازاي يعني وانا هظبظ ايه يعني مش فاهمة؟
رد بخشونة:
– ايه هو اللي مش فاهمة؟ انا قصدي يعني لما تشوفيني مع حد ماتندهيش بإسمي عشان مايحصلش اللي حصل دلوقتي.
أومات راسها بتفهم مرددة:
– حاضر تمام .
– شاطرة وع العموم عشان منعًا للاحراج انتي ممكن تاخدي نمرتي وتتصلي بيا أسهل.
قالها بمكر أربكها لتُخرج هاتفها على الفور بدون تفكير وتسجل أرقامه فبادلته بأرقامها، ليردف لها مدعي الجدية:
-كدة تمام قوي وقت ما تحبي تطلبيني هتلاقيني في وشك على طول، من غير ما تندهي بإسمي بقى وتتعبي نفسك.
ردت بعفوية:
-طب انا كنت عايزة ازور روان .
اجابها مرحبًا:
– وماله في اي وقت اتصلي وبلغيني عشان اظبطلك ميعاد واخدك معايا.
-خلاص اتفقنا.
قالتها وهمت لتعود لداخل المنزل ولكنها وقبل تستدير عنه جيدًا توقفت تلتف إليه سائلة:
– صحيح انا كنت عايزة أسألك، هما ليه بيندهولك يا برنس؟
أجاب رافعًا حاجبه بزهو مع ابتسامة واثقة:
– عشان انا فعلا برنس.
تبسمت صامتة عن الرد وقد اخجلها بخفة ظله، لتلتف بعد ذلك وتعود لجلستها في الداخل.

❈-❈-❈

– يعني اتحر,ش بيها الحــ يوان ده وفي الضلمة كمان؟
هتف جاسر بالسؤال بدم يغلي بين أوردته بعد أن قص عليه خالد وبعجالة وبدون تفاصيل ما حدث مع زهرة من هذا الرجل القبيح في بداية مراهقتها.
وتحمحم المذكور يجيبه بحذر:
-زي ما بقولك كدة، هي كانت راجعة من الدرس بعد العشا، لما شدها من إيدها في الضلمة، بس ولله الحمد انا لحقتها وجريته زي الخروف في قلب الشارع وسففته التراب….
– بس المشكلة دي فضلت مع زهرة وزودت على مشكلتها القديمة.
قالها جاسر بمقاطعة ورد خالد بالتأكيد:
– دا حقيقي بس انا ووالدتي كنا دايمًا معاها وبنحاول على قد مقدرتنا عشان نخليها تتجاوز وتعدي اللي مرت بيه بس للأسف، الحاجات الصعبة دي بتفضل في عقل الست مهما كبرت ولا عدى عليها سنين.
أكمل على قوله جاسر كازا على أسنانه:
– خصوصا كمان لما تقابل صاحب المشكلة اللي حصلت معاها ويهددها.
رد خالد بنبرة تفيض بالحزن:
– للأسف هو مكانش بيهددها بس، دا كان عايز يكرر الكابوس دا معاها من تاني بالجواز منها غصب عنها، قبل انت ما تتجوزها، حسب ما عرفت بعد ما جيت من السفر.
كور قبضته بتمتم جاسر يهدر بغضب حارق:
– الحيــ وان القذر، اه بس لو تطوله إيدي دلوقتي، لكنت اشرب من دمه حالًا، ليه مقولتليش من الأول يا خالد، ليه هي مرديتش تجاوبني على سؤالي
-ما انا قولتلك يا عم جاسر، دي حاجة ماتقدرتش تعترف بيها الست وبالذات لراجلها، غير لما هي تقرر من نفسها ساعة ماتحس انها تقدر تتجاوز وتعدي.
تفوه بالكلمات خالد قبل ان ينهض ويستأذن:
-اسيبكم بقى مدام اطمنا عليها.
اعترض جاسر وهو ينهض معه:
– ماتستنى يا بني وكملوا اليوم معانا انت ورقية، دا زهرة وشها نور بحضوركم.
– معلش بقى اعذرني انا اليومين دول مسحول في تجهيز الشقة عشان الفرح دا اللي فاضل عليه أيام بس. وكمان عشان نسيبها ترتاح شوية.
قالها خالد بإصرار قبل أن يغادر بصحبة من حضروا معه

❈-❈-❈

– ما تكملي يا كاميليا وقفتي ليه؟
هتف بها من خلفها بعد أن دلفت معه لداخل منزلهم، ف التفت إليه سائلة:
-أقدم فين تاني؟ مش لازم الست الولدة تستقبلني برضوا؟ هي فين مش شايفاها يعني؟
اقترب يجيبها قبل ان يتحرك ويسبقها بخطواته:
-هو انتي غريبة يا كاميليا ولا محتاجة عزومة في بيتك؟ ولا انتي مش حاسة انه بيتك؟
زفرت داخلها بسخط ثم تحركت لتلحق به لتجلس على أول كرسي قابلته أمامها، وعينيها تجول يمينًا ويسارًا، خلع هو سترة حلته ليجلس مقابلها بالقميص الأبيض المنشي والبنطال الأسود ليطالعها بنظرة مطولة بتمعن قبل ان يردف لها:
-منورة بيتك يا كاميليا.
-البيت منور باصحابه.
أجابته بمجاملة على عجالة قبل أن تتابع بسؤالها:
– هو انا ليه حاسة إن الدنيا هدوء زيادة عن اللزوم؟ ماما فين؟
– ماما خرجت وراحت المقابر لوالدي.
-نعم؟
هزهزت رأسها باستفهام لتتأكد من صحة ما سمعته، فردد هو كلماته على الفور بكل بساطة:
-بقولك ماما خرجت وراحت المقابر لوالدي، دا بعد ما انا اتصلت بيها وقولتلها اننا احتمال مانجيش ع الغدا عشان تخرج هي وتروح مشوارها في زيارة قبر والدي.
فغرت فاهاها لتعتدل بجلستها وترد على سهولة ما تفوه به:
– ياراجل؟ ودا من إيه ان شاء الله؟ قصدي ليه يعني؟.
اعتدل هو الاَخر بجسده ولكن للخلف، ويُجيبها باسترخاء وابتسامة غريبة اعتلت وجهه:
– من غير ما احلف يا كاميليا، أنا اساسًا عامل المشوار دا كله عشان اريحك انتي واجاوب ع الأسئلة اللي محيراكي.
– قصدك إيه؟
سالته بقلق وكان جوابه:
– انتي عارفة قصدي، فمفيش داعي نلف وندور على بعض.
اثار غضبها لتنهض هادرة به:
– الكلام دا تقوله لنفسك مش ليا انا؟ بقى بتخدعني وتجيبني في بيتكم في غياب الست الوالدة وبعدها تقولي انا اللي بلف وادور؟
– اقعدي يا كاميليا.
هدر بها بدوره ليكمل بلهجة مسيطرة لم تسمعها منه قبل ذلك:
– اقعدي وبلاش شغل العيال ده، ولا انتي مش واثقة في نفسك؟
استفزتها كلماته لتجلس وتجيبه بعند:
-بلاش النبرة دي معايا عشان انت عارف لوحدك الإجابة، لكن انا اعتراضي على الأسلوب نفسه، اسلوب الخداع والكدب.
-وإيه تاني يا كاميليا؟
باغتها بسؤاله الغريب ليصمت فمها عن الرد وتابع هو بنبرة معاتبة:
– يومين بس اغيبهم في السفر يخلوكي تقلبي عليا كدة؟
رددت من خلفه بنفاذ صبر:
-يومين إيه اللي انت بتتكلم عليهم؟ انا الأسئلة دي في دماغي من الاول، عايزة افهم وانت بغموضك وتصرفاتك بتزيد الأمر معايا، يعني بلاش بقى تلميحاتك دي اللي انا فهماها كويس قوي.
سمع منها ليميل برأسهِ نحوها ويرد بكل هدوء:
– خلاص بلاش تلميحات وندخل مع بعض بكل صراحة، إيه السؤال اللي محيرك بقى؟
تحفزت بجلستها أمامه لتساله على الفور:
– ندى وجوزها، إيه قصتك معاهم؟
تبسم ليُجيبها على الفور أيضًا ودون مواربة:
-ندى دي بنت عمتي اللي انا كنت بحبها الأول، وكريم دا كان صاحبي في كلية الشرطة، والده كان نائب مجلس الشعب في دايرته، يعني كان كبير ناس وأهله، بس بقى صداقتنا انتهت بعد ما اتعرف على ندى من ورايا وخلاها تحبه.
-سألته بعدم اقتناع:
– بس كدة؟
سمع منها ليجيبها:
-لا طبعًا مكانتش الحكاية بالسهولة دي؟ انا راجل ما بسبش حقي ودا واحد خاين، لف عليها من ورايا وكان بيروح لها الكلية لحد اما علقها بيه، واتفقوا مع بعض على الجواز، بعد ما كنت أنا مقرر مع والدتها اني هتقدملها بعد ما اخلص الكلية.
توقف لتردف هي بتركيز:
– وبعدين؟ يعني لما عرفت حصل إيه؟
أقترب بوجهه أكثر يرد بملامح شرسة لم تراها منه قبل ذلك:
-خدت حقي، عرفته هو مقامه، وعرفتها هي حجمه… انا اتفقت معاه على مباراة ودا كان في قلب الكلية وقدام مجموعة كبيرة من زملائنا في الحلبة، تعرفي الصرصار لما تدوسيه برجلك يا كاميليا وتفعصيه؟
توسعت عيناها تطالعه بارتياع مع انتظار الباقي، فاستطرد هو:
– صوت صريخه مع كل عضمة اتكسرت منه كانت بتسمع لبرا صالة الألعاب، الكل كان شايف حالته ومحدش فيهم قدر يقربلي عشان مركز والدي دا غير اني مكنتش هسمح لأي حد إن ينجده من تحت أيدي…. طبعًا الموضوع ده أثر على مركز والدي خصوصًا وان والده وصل الموضوع للسلطات العليا واضطرت الإدارة تصرفني من الكلية، لكن المقابل كان إيه؟ كريم فضل شهور في المستشفى بين العمليات والعلاج وفي الاخر والده سفره لبرا مصر، لكن برضوا عاش بالعرج اللي انا عملتهولوا.. وندي اتجوزتوا بعرجه.
– انت وحش.
خرجت منها بدون تفكير، فردد هو خلفها:
-فعلًا تقدري تعتبريني وحش، بس في حقي.. ندى كانت مكتوبالي ومن هي في اللفة وانتي…. وانتي مكتوبة دلوقتي على إسمي…. يبقي حقي فيكي اكتر منها واوعي تفتكري اني هكون اقل شراسة من زمان .
ارتجف قلبها بداخلها ولكنها تماسكت تجاهد لعدم إظهار الخوف منه، فقالت بدفاعية وهي تحاول انهاء النقاش والخروج من هذا المنزل على الفور والنفاد بجلدها منه:
-انا مش فاهمة بصراحة، ايه لزوم نبرة التهديد دي؟ دا كان سؤال عابر لوالدتك، مكنتش حكاية هي؟
وقف يجيبها بعد أن نهضت من أمامه ليقابلها برده:
– لا مكانش سؤال عابر يا كاميليا، عشان انتي لفيتي على كذا فرد في العيلة وسألتيه حتى مرات نجيب قصدتي تقابليها مخصوص في النادي اللي هي بتروحه دايمًا لتدريب أولادها، وسألتيها برضو….
قاطعته فجأة لتسأله بفطنتها الحاضرة دائمًا:
– استني ثواني… هي مرات نجيب ايه اللي يخليها تتصل بيك وانت برا مصر وتبلغك بحاجة زي دي؟ هو دا موضوع يستاهل ان واحدة زي دي وف وضعها تتصل بواحد قريب جوزها عشان تقولوا…..
توقفت فجأة تحدجه بنظرة نا,رية وهي تتابع بصدمة:
– هو انت على علاقة يا كارم مع الست دي؟
أجفل من ردها المباغت ليتراجع فجأة عن بروده ويهدر بلهجة فضحت اضطرابه:
-بلاش تأويلات بكلام فارغ من دماغك، ولا انتي عايزة تقلبي الطرابيزة عليا بتفسيرك الغريب ده؟
واجهته بثقة ازدادت من تخمينها:
-دي مش تأويلات ولا تفسير غريب، دا من كلامك وارتباك الغلط هو اللي كشفك، انا بجد مكنتش اعرف اتصور إنك تكون بالوضاعة دي .
توحشت ملامح وجهه بعد ان استفزت هذا الجزء بشخصيته والتي لا يقبل ان تشوبها شائبة ليصيح بها:
-بتتهميني أنا بالوضاعة يا كاميليا؟ امال بقى مين فينا الشريف؟ طارق باشا اللي كل يوم مع واحدة ست؟ ولا الست الوالدة اللي سابت ابنها على عمر سنة عشان تتجوز واحد تاني غير جوزها وابو عيالها؟
جحظت عينيها لتهتز أمامه كورقة جافة تهددها رياح الخريف القوية السقوط؛ وقد صعقها بذكر أخطر أسرارها، ليستغل وضعها ويزيد بقوله:
-مصدومة ليه يا كاميليا؟ ولا انتي كنتي فاكراني هتجوزك من غير ما اجيب أصلك ولا فصلك؟ ولا مفكرة اني واحد زيي هتفتوت عليه حاجة زي دي؟
تماسكت تحتجز الدموع بصعوبة حتى لا تظهر له ضعفها، وردت بقوة تدعيها وتحدي لم تكن تقصده ولكنه نبع من شخصيتها العنيدة دائمًا:
– اولًا.. لو هتفتكر نفسك احسن من طارق، فانت أكيد واهم عشان طارق راجل صريح وما بيخفش من حد عشان يخفي عيوبه اللي بيظهرها بكل شجاعة في العلن ولو هتتكلم عن أمي…
توقفت لتصرخ بوجهه بقهر:
– فاانا لا يمكن هسمحلك تجيب سيرتها على لسانك ده تاني فاهم ولا لأ؟ ولو مش عجبك يبقى غور وخلصني .
ختمت لتعدل من وضع حقيبتها لتتحرك وتتخطاه حتى تذهب وتغادر منزله، ولكنها تفاجأت به يوقفه بجذبها من ذراعها يخاطبها بنبرة مريبة:
– رايحة فين يا كاميليا؟ هو دخول الحمام زي خروجه؟
هتفت تحاول نزع كفه من ذراعها:
– خروج إيه وزفت إيه؟ أوعى إيدك عني وسبني اروح .
اطلق ضحكة خشنة وهو يعدل وقفتها لتُصبح مقابله، حتى يخاطبها باستخفاف:
-وتمشي من هنا عشان تنفذي تهديدك العبيط، بإنك تخلعيني من حياتك وترجعي لحبيب القلب، بعد ما أجبرتيني اني اقولك على سري القديم؟
ظلمة عينيه وحدها وهذه النظرة الغريبة بها وهو يخطابها، كانت كافية وحدها على أن توقف قلبها من الرعب، ولكنها ما زالت تجاهد حتى تستطيع الخروج من المنزل الاَن وبسرعة، فحاولت مرة أخرى بتخليص ذراعها مع رد التهديد لكن بحرص:
– سيبني اخرج يا كارم دلوقتي، وبعدها نبقى نكمل كلامنا، زهرة وعيلة جوزها كلهم كانوا قاعدين لما خرجت معاك.
سمع منها ليقول بسخرية:
– ولو الدنيا كلها شافتك معايا حتى؟ انتي ناسية انك مراتي.
لم تستوعب جملته سوى بعد ان وجدته فجأة يرفعها بذراعه الثاني من خصرها ليكمل وهو حاملها بطرفة عين:
– يعني كل اللي هيحصل ما بينا دلوقتي حلال ولا يعاقب عليه القانون .
صرخت وهي تحاول فك نفسها منه بعد أن طوقها بذراعين كالحديد بقوتهم:
– اقسم بالله لو كارم لو ما سيبتني لكون مندماك على كل الغلط اللي عملته في حياتك، أوعى سيبني سيبني..
هدر من تحت أسنانه وهو يتحرك بها رغم كل محاولاتها العنيفة لتخليص نفسها من يده:
– انا مش هأذيكي يا كاميليا، انا بس هرحمك من الحيرة اللي تاعبة نفسك فيها، لازم يا حبيبتي تفهمي عملي ان مالكيش حد غيري، لأني مش هسيبك.
كانت تقاوم وبكل قوتها للإفلات منه وبصوتها تصرخ
للنجدة علٌ أحد ما يسمعها، لتجده يضحك مع قوله لها:
– اصرخي ولو بأعلى صوتك حتى، البيت واسع وكبير، دا غير ان محدش يقدر يقرب من بيت اللوا اساسًا.
– ابعد وسيبني يا حيوان
صرخت بالاخيرة وقد وجدت نفسها داخل غرفة نوم كبير ليزداد صراخها ومحاولاتها البائسة لفكها حتى القاها على التخت واعتلاها ليقيد ذراعيها بيديه بجوار رأسها، ويحاصر أقدامها بين قدميه، لتصرخ مخاطبة ضميره بعد ان نزع منها بقوته حق ميزتها الوحيدة في المقاومة:
-للمرة الأخيرة يا كارم بحذرك، انا مغلطتش فيك عشان تأذيني؟
جالت عينيه على ملامح وجهها الفاتن وما ظهر من فتحة فستانها في الأعلى برغبة مظلمة قبل أن يرتكز بأنظاره على عينيها يردف بقوة:
– ومين قالك اني عايز اعاقبك أو أذيكي، انا بعمل بس اللي يضمن وجودنا مع بعض، انا حبيتك بجد يا كاميليا ودي حاجة ما بتحصلتش معايا غير نادرًا، قلبي دا مفتحتهوش غير ليها وليكي، بس هي كانت حب مراهقة انما انتي الحقيقي .
صاحت وهي ترفع رأسها هادرة به:
-إنت ما بتفتحش قلبك، إنت بتفتح سجنك.
– صح ومافيش منه هروب .
هتف بها قبل أن يرفع ذراعيها إلى أعلى رأسها ليُقيدهم بيد واحدة ويكتم بفمه صرخاته واليد الآخرى تتكفل بالباقي.

❈-❈-❈

بعد مصاحبته لخالد ورقية في مغادرتهم بإحدى السيارات التي أمر بها لتُقلهم مع سمية وابنتها وغادة أيضًا، عاد إلى منزله فوجد والديه فقط في انتظاره، طالعهم بتساؤل فهمه عامر ليرد عليه:
-مراتك طلعت سبقتك على أوضتها فوق.
هم ليصعد إليها ولكن والده اوقفه بمتابعة لقوله:
– استنى قبل ما تطلع لها عشان عايزينك انا ووالدتك .
رددت لمياء خلف زوجها:
– ايوة يا جاسر احنا عايزينك في موضوع مهم .
– قطب ليجلس أمامهم ويسألهم على الفور:
-خير ان شاء الله .
– كل خير .
رددها عامر قبل أن يدخل في الموضوع مباشرة:
– متزعلش مني يا جاسر، بس انا لازم أسألك، هو انت كنت عارف بالمشكلة اللي عند مراتك دي قبل ما تتجوزها؟
– مشكلة ايه؟
سأله جاسر بوجه شحب على الفور مع ذهاب عقله لما كان يتفوه به منذ دقائق مع خالد، لتزداد مع كلمات والدته:
– انت عارف احنا بنتكلم عن ايه يا جاسر، ولا عقلك وقف ونسيت اللي احنا فيه؟
مسح بكفه على صفحة وجهه باضطراب لم يقوى على إخفاءه ليهدر به والده:
– في إيه يا بني؟ ما ترد علينا بقى، هو انت بلعت لسانك؟
لوح يفرد كفيه أمامهم بعجز ليجيبهم :
– ما انا مش فاهم انتوا تقصدوا أيه بكلامكم ده بصراحة يعني؟
صاحت والدته بنفاذ صبر:
– هو ايه اللي انت مش فاهمه بالظبط يا جاسر؟ بنكلمك ع الصريخ والفوبيا الشديدة من الضلمة، هي دي حاجة هينة عشان تنساها؟
سمع منها وتنفس الصعداء بقوة بعد أن فهم بالمقصد الحقيقي خلف حديثهم، فرد اخيرًا بعد أن اطمأن ليشاركهم بذهنٍ صافي بعض الشئ:
– لا بصراحة مكنتش اعرف، لكن هي مش مشكلة كبيرة يعني عشان اقلق منها .
هدر به والده:
– مش مشكلة كبيرة ازاي يعني؟ البنت كانت مرعوبة وصريخها واصل لخارج الفيلا، وتقولي مش مشكلة، زهرة محتاج علاج ودكتور نفسي
اردفت على قول زوجها لمياء:
-ايوة طبعا، دا شئ لازم وضروري، حتى عشان الطفل اللي جاي.
أومأ لهما جاسر وهو ينهض من جوارهم:
– دا أكيد ان شاء الله، انا كنت حاطط الموضوع دا في دماغي من الأول، بس بقى انشغلت.
– لا يا حبيبي دي حاجة ماتتنسيش، انا من بكرة هدور على اسم دكتور كويس.
قالتها لمياء بانفعال تقبله جاسر وهو يتحرك بخطواته من جوارهم متمتمًا:
– تمام يا أمي، اللي تشوفيه، اسيبكم بقى عشان اريح شوية

❈-❈-❈

دلف إليها ليجدها استلقت على ألاَريكة الجانبية في الغرفة، على جانبها متكفتة الذراعين ومغمضة عينيها بتعب، وجهها المغضن أمام عينيه أظهر إليه جيدًا ما يبدر بذهنها من أفكار مؤلمة علمها هو منذ قليل، خطا ليجلس على عقبيه مقابلها، مستندًا بمرفقه على طرف الاَريكة بجوار رأسها ، ليتفكه في بداية حديثه لها:
-ليه بس يا زهرة بتفكريني بنوم الكنبة؟ هو انتي ليكي غرض تقلبي عليا المواجع النهاردة؟
نجح بمزحته ليجعل ملامح وجهها المتشددة ترتخي بابتسامة في استجابة له، لتفتح أجفانها بالنظر إليه تجيبه:
– وليه ما تقولش ان قلبك الأسود، هو اللي بيفكرك دايمًا بالأفكار الغريبة دي؟
أومأ لها بتأكيد:
– أنا فعلا قلبي اسود في الحتة دي أوي، يعني تخلي بالك جدًا منها دي.
ضحكت على كلماته، لتجده فجأة نهض لينضم إليها وينحشر بجوارها متمتًا:
– بس لو هتشاركيني النوم عليها مستعد ما فيش مانع .
رددت بسأم:
– يعني قدامك الأوضة طويلة عريضة وملقتش غير الحتة اللي قاعدة فيها يا جاسر عشان تزنقني؟
رد يجيبها بجدية:
– والله ما حدش قالك تسيبي الأوضة الطويلة العريضة وتيجي في المكان الصغير؟ مدام عارفة ان جوزك مش هيسيبك تتنفسي بعيد عنه أصلًا:
رفعت عينيها إليه بجوارها لتردد بتساؤل:
– حتى النفس؟ يعني مينفعش اتنفس بعيد عنك يا جاسر؟
اومأ لها بتأكيد:
– وانتي تتنفسي بعيد عني ليه؟ إيه السؤال الغريب دا يا زهرة؟
ارتفع حاجبيها متبسمة بذهول لتردد له:
-لا عندك حق بصراحة، انا اللي بتكلم بحاجات غريبة فعلا.
– اه طبعًا غريبة وغريبة جدًا كمان .
ردد بكلماته، ثم ضمها بقوة ليُقبلها على أعلى رأسها يتنفس عبيرها بعمق، واستسملت هي لغمرته القوية كي تخرج من دوامة الأفكار البائسة في تذكر الماضي الذي انعاد شريطه أمامها الاَن وبقوة، بعد مقابلتها لهذا البغيض بتهديده لها.. ظلا على وضعهما لعدة دقائق بصمت قطعه جاسر بعد ذلك بقوله:
– زهرة عايزك تجهزي نفسك قريب، لمشوار الدكتور اللي اتفقنا عليه عشان مشكلة الضلمة والكوابيس
ارتفعت برأسها إليه سائلة:
– دكتور ايه يا جاسر؟ ما انا قولتلك اني مش مريضة، دا مجرد خوف من الضلمة مش أكتر
تطلع إليها قليلًا بتفكير، شئ يدفعه لقول السبب الأساسي الذي يبتغي من خلاله عرضها على الطبيب من أجل ما تعرضت له بيد هذا الحــ يوان، فترك أثره بعقلها حتى الاَن، وصوت يأمرها لعدم فتح حديث معها؛ رفضت هي البوح، ليختار الاَخير مرددًا بلهجة مسيطرة لا تقبل النقاش:
-انا قررت وخلاص يا زهرة، يعني ريحي نفسك بقى.
تطلعت إليه تود الجدال، ليلحق بجذبها من ذراعها لتصطدم بصدره العريض قائلًا بحزم:
– ونامي بقى عشان انا كمان عايز انام .

❈-❈-❈

بأعين جفت بها الدموع وصوت بح من كثرة الصراخ الذي ليس به فائدة، كانت تطالعه بجمود، وكأنها فاقدة الإحساس او ألحياة .
لقد نجح بكسرها ليفعل ما لم يستطع فعله الاَخرون، كسرها امام نفسها بعد أن شل مقاومتها واستطاع النيل منها، الكابوس هو اقل تفسير لما تشعر به الآن، هي المعتزة بنفسها دائمًا تأتي عليها اللحظة لتترجي رجل مثله غلبها بقوته الجسدية حتى يتركها، ولا يفعل، هي التي ظنت بأنها تستطيع النجاة بنفسها من مصير سئ قد نال من غيرها، تجد نفسها وقعت في مصير أسوء مما قد يشطح به خيالها!

– بتفكري في إيه يا كاميليا؟
هتف بها بعد أن رفع رأسه إليها ليواجه عينيها بخاصتيه، يتطلع إليها بابتسامة منتشية، بعد أن توقفت عن المقاومة واستسلمت له كما كان يظن بعقله قبل أن يرى هذه النظرة الغامضة منها، فهبط برأسه ليدفنها بتوجيف عنقها مغمغمًا:
– انتي مش جميلة وبس، انتي تقريبًا مكتملة من كل صفة جميلة، وانا مكنتش اعرف اني بحبك قوي كدة .
عارف اللي بيدور في دماغك دلوقتى، بس عايز افكرك، اننا كنا ماشين تمام، وانتي اللي اخترتي الطريق الصعب
يمرر بشفتيه على عنقها ووجنتيها وهو يتابع:
– بس احنا نقدر نعدي ونتجاوز وننسى اللي حصل، زي أي اتنين مرتبطين وبيمروا مشاكل، أنا من ناحيتي هعمل كل اللي يسعدك، وهعملك فرح يبقى ترند في مصر لأيام وشهر العسل زي ما اتفقنا، هيبقى في أحلى مدن أروبا، انا مش هسيبك أبدًا يا كاميليا، انتي حقي.
قال الأخيرة لينظر داخل عينيها بقوة ثم تابع:
– كل حاجة ممكن تتصلح، لو ع اللي حصل ما بينا، فدا شئ عادي بيحصل بين أي اتنين مرتبطين، واحنا متجوزين رسمي يعني مش أي كلام، ولو فكرك اني ممكن اخونك. عشان يعني شوية اخطاء عديت بيها وانا راجل عازب، فا أنا بأكدلك إن دا لا يمكن يحصل وانتي مراتي، اما بقى….
توقف ليشدد على كلماته:
– لو هتفكري بخيانتي والتفكير في حد غيري، ودي مظنش انك ممكن تعمليها، عشان أخلاقك اللي انا واثق فيها طبعًا، دا غير اني كمان حكتلك عن مصير الخيانة عندي… ماشي يا كاميليا؟
قال الاَخيرة وكأنه يريد سماع الإجابة، ولكنها أشاحت بوجهها عنه ليعيده بقوة بعد أن أمسك باسفل ذقنها، ويختم حديثه بقبلة قوية وكأنه يريد الأثبات لها بأنه صاحب القرار، لينهض فجأة يرتدي ملابسه وهو يردف لها بعجالة:
– أنا هخرج من هنا على والدك على طول عشان أحدد معاد الفرح بالكتير اسبوعين، ومن بكرة هبدأ بالتجهيزات، ياللا عشان نتغدى قبل ما نمشي، تحرك خطوتين ثم عاد متذكرًا:
– اه صحيح، كنت عايز اقولك كمان، ان موضوع والدتك لا يمكن هفتحه عشان خاطرك، وعشان خاطر ميدو كمان، ما هو مينفعش يعرف حاجة زي دي، دا ممكن يتعقد.
ختم غامز بوجنته ثم خرج وتركها بالغرفة وحدها، تتطلع الى السقف بقهر ترفضه، بانهزام لا تتقبله، بدمع تحتجزه، تحاملت على نفسها لتنهض من فراشه وعقلها قد أخذ القرار.

 

الفصل الستون.
رغم مرور عدة أيام على الحادثة وبعد الذي علمه من خلفها، ورغم ألإصرار الذي وضعه في ذهنه بعدم التحرك على الفور حتى لا يرتكب جريمة بق,تل هذا الحقــ ير في مخفر الشرطة العام، وتتوسع الإشاعات بعدها لتطولها مرة أخرى، وهي لا يُنقصها، فقد أصبحت بالكاد تتخطى الأحداث القديمة والجديدة، بعد إطمئنانها بسجنه وبعد التزامها بتوصيات الطبيبة خاصتها الان، لكن ماكان يخطط له ويظن انه قد أهل نفسه إليه بالتحكم في أعصابه والتزام ضبط النفس، ذهب ادراج الرياح فور رؤيته واقفًا الاَن أمامه، إن تغاضى عن تشعث شعر رأسه، ورائحته الكريهة مع اتساخ ملابسه كنتيجة طبيعية لمحبسه منذ عدة أيام، فكيف إذًا يمكنه التغاضي عن الباقي، جسده الضخم، وصورة وجهه المنتشر بها الندبات بكثرة، مع هذا الحاجب المقطوع لنصفين، بهيئة اجرامية بكل المقاييس، قد تخيف الرجال، فما بال محبوبته والتي كانت طفلة في بداية بلوغها سن المراهقة، هذا ال….. تجرأ ولمسها ليترك في ذهنها ندبة لم ولن تموحها السنين مهما مرت.
-لا مؤاخذة حضرتك مين يا باشا؟ وغرضك أيه من البص في خلقتي وانت ساكت كدة بقالك ساعة؟
هتف بها فهمي سائلًا الذي كان يحدجه بنظرات نا,رية صامتة منذ أن ولج إليه في غرفة معاون المباحث، والذي كان كان جالسًا على مكتبه يراقب بينهم، فتقدم جاسر نحو الاخر مضيقًا عينه، بتجهمه القديم مع أظلام وجهه من فرط الد,ماء المحتقنة به، ليقترب أمامه مباشرة يهدر من تحت أسنانه:
-إيه يا حيــ وان، نظرك ضعف ولا انت جاهل عن الناس النضيفة؟
اقترب فهمي برأسه يتأمله قليلًا ، ثم افتر فاهه بابتسامة قميئة مثله وقد علم بهويته، ليردف له باستفزاز:
-اَه طبعًا عرفتك، وهل يخفى القمر، إنت الباشا جوز المو….
قال الأخيرة بغمزة وقحة جعلت جاسر يخرج عن شعوره، ليدفعه برأسه نحو وجهه بقوة، فيصيبه على الفور بكسر على عظمة أنفه، صرخ الاخر مع الألم الشديد ورؤية الد,ماء التي سالت بغزارة على أصابعه:
-انت جاي تضر,بني في حما الحكومة؟ والنعمة للبسك قضية تندمك عمرك كله
صاح به جاسر محذرًا بسبابته:
– واكسر بقية عضمك كمان يا حيــ وان، لو لسانك الزفر دا جاب سيرتها بحرف واحد.
هم ليكمل ما بدء به، فمنعته ذراعي الضابط المسؤل، بعد أن حاوطه بشدة لينمع عنه التهور الذي قد يؤذيه هو أيضًا، مغمغًا له بصوت خفيض:
– براحة يا باشا، بلاش تأذيني، وتأذي نفسك كمان بيها دي، كفاية عليك اللي عملته عشان كمان نعرف نلم .
زرأ جاسر كوحش بري محبوس في قفص لا يناسبه، يود تحطيمه حتى ينقض على الفريسة التي في خارجه:
-،سيبني يا اَمين أفش غليلي وبعدها يحصل اللي يحصل.
هتف فهمي مع شعوره بالألم الفتــ اك الذي اصاب عظمة أنفه:
– ومين اللي هسيبك، وربنا المعبود لاكون موديك في داهية بالبلاغ اللي هقدمه، انا مش جاهل في القانون، دا لعبتي يا سعادة الباشا….
– اخلص يالا واعرف مين اللي عايز تتبلى عليه؟
هتف بها الضابط لينعقد لسان المذكور بعدم استيعاب ازداد مع متابعته لباقي الكلمات.
– بقى تتخانق مع اصحابك اللي كسروها وذلوك، وليك عين كمان تتكلم وتصرخ:
تدلى فك فهمي بشدة وعينيه تيبست مقلتيها عن الحركة ليردف بعقل كاد أن يطير منه مع ذهوله:

– دا هو اللي ضر.بني وكسر مناخيري، يعني الباشا بتاعكم يكسر مناخيري في قلب القسم، وأنتو يا حكومة بدل ما تجيبولي حقي،،عايزين تكسروا عيني وسط المساجين.
أردف الضابط بتحدي وعدم اكتراث:
– اَه يا حبيبي والبسك قضية كمان بأن انت اللي اعتديت ع الباشا عشان تلبس أحكام زياده.
صرخ فهمي بلهجة المظلوم وألم إنفه ازداد لأضعاف:
– كمان؟! دا يرضي مين يا ولاد؟ يرضي مين الظلم ده؟
تابع له الضابط بحزم:
– يرضينا احنا يا حبيبي، يا شويش عبد الرازق، تعالى خد السوابق ده على مستشفى السجن وشوفوا لو عنده شكوى.
هتف بالاَخيرة غامزًا بعيناه لفهمي، الذي صرخ مع سحب الرجل له للخارج وهو يردد:
– حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل،
صار يردد بها حتى اختفى صوته بالخارج.
-دلوقتي عرفت ربنا؟
تمتم بها جاسر عقب مغادرة المذكور، ثم هندم من ملابسه جيدًا قبل أن يتلفت للضابط يشكره بامتنان:
-انا مش عارف اعبرلك عن اللي جوايا ازاي دلوقت؟ بجد الف شكر.
رد الضابط وهو يتراجع للخلف بعد أن فك ذراعيه عنه:
-العفو يا باشا متشكرنيش، الأشكال دي فعلا عايزة التربية، واوعى تفتكر اني عملت كدة عشان كارم بن عمي، دا كله كان حبًا فيك ومعزتك والله.

❈-❈-❈

بغرفة المكتبة كان جالسًا على كرسيه يُطالع إحدى الكتب كعادة يوميه اللتزم بها منذ سنوات طويلة، حينما اقتحمت عليه الغرفة متمتمة بتحية الصباح إليه بوجه مشرق كان مفتقده منذ أيام :
-صباح الفل على أحلى أب.
تبسم لها صامتًا حتى طبعت بقبلة كبيرة على وجنته، ليُجيبها اَخيرًا بالتحية وابتسامة ازدادت اتساعًا:
-صباح الورد الجوري على أحلى كاميليا في الدنيا كلها، نورتي المكتبة يا قلب ابوكي .
ردت وهي تجلس على الكرسي المقابل له:
– المكتب منور بأصحابه يا سي بابا، ها بقى عامل ايه النهاردة؟
ردد خلفها:
– انا زي الفل يا ست الكل. انتي بقى اللي عاملة ايه؟ عيني باردة عليكي النهاردة، وشك منور ويشرح القلب
تبسمت له صامتة، ليردف هو:
– لكن مقولتليش، هو انتي ايه اللي كان مزعلك الايام اللي فاتت ومخليكي قافلة الأؤضة عليكي ليل ونهار؟
تلعثمت قليلًا في الرد بقولها:
– مم عادي يعني، كانوا شوية تعب وراحو لحالهم،
– كاميليا.
هتف بالأسم يطالعها بنظرة كاشفة قبل أن يتابع بسؤاله:
– اديني اهو بسألك للمرة الألف، لو مالكيش رغبة في الجواز من كارم، قولي يا بنتي واحنا نفضها سيرة…
قاطعته بقولها:
– مين بس اللي جاب سيرة كارم يا بابا؟ وايه دخل التعب بس بالموضوع ده؟
رد والدها بعدم تصديق:
– يا حبيتي ما انا كمان بصراحة مش قادر انسى نظرتك ولا شكل وشك اللي كان متغير ساعة ما وصلك كارم وطلب مني تقديم ميعاد الفرح
توقف قليلًا ثم أردف بإلحاح:
-يا كاميليا قولي وانا الغي كل حاجة لو الجوزة دي مش حاسة انها مش هتريحك.
نفت برأسها تجيبه باعترلض:
– لا يا سي بابا، انا موافقة وموافقة جدًا كمان، يعني خليك على ثقة وامشي في التحضيرات مع كارم.
– ماشي يا ستي براحتك.
قالها والدها بيأس قبل أن ينتبه على دلوف ابنه الصغير
يلقي تحية الصباح، ثم اقترب من شقيقته لتقبله على الغمازتين الاتي تعشقهن على وجنتيه، قبل أن يخاطبها بضيق:
– الجدع ده اللي اسمه خطيبك وصل تحت ومستبكي في عربيته.
سأله والده باستغراب:
– وانت مالك بتقول اسمه كدة بقرف؟
هز ميدو رأسه بامتعاض وتكفلت بالإجابة كاميليا نحو والدها ونحو الصغير:
– معلش بقى يا سي بابا، اصل القبول ده من عندك ربنا، وهو مش متقبله، نديله العذر فيها دي.
حدق بها شقيقها بنظرات متسائلة ولكن كاميليا قطعت عليه لتنهض فجأة مستئذنة من الأثنان:
-طب يا جماعة اللحق انا بقى أجهز والبس بسرعة عشان انزله واللحق مشوار الشغل، دا انا غايبة عنه بقالى أيام .

بعد قليل
كانت خارجة من مبنى مسكنهم لتلحق به ولكنها تفاجأت بوقوف شقيقتها معه وهي تتحدث بطلاقة وضحك، اقتربت منهما بوجه متغضن هاتفة بإسمها:
– رباب
التفا الأثنان إليها برؤسهما فتقدمت بخطواتها ليرتسم على وجهها ابتسامة أجادتها:
– صباح الخير، عامل ايه يا كارم؟
قرب المسافة بتقبيلها على وجنتيتها يرد لها التحية قبل أن تلتف لشقيقتها هاتفة بها:
– واقفة مستنية إيه ومروحتيش جامعتك؟
قطبت شقيقتها تُطالعها باندهاش فجاء الرد من الجهة الأخرى:
-انا اللي وقفتها يا كاميليا عشان أوصلها معانا:
– وتروح معانا ليه وتعطلك؟ مش لاقية تاكسي ولا أوبر يوصلها؟
قالتها بحدة أجفلت شقيقتها التي أخذتها الكرامة على الفور لتٌرد بلهجة مرتبكة من الإحراج:
– لا طبعًا فيه، وانا حالاً اهو ماشية عشان اللحق جامعتي، عن إذنكم .
قالتها وانصرفت على الفور فوجدته يُخاطبها بعتب:
-ليه كدة يا كاميليا؟ طب على فكرة بقى انا قصدت كدة عشان ارحمها من زحمة الموصلات.
تطلعت إليه بابتسامتها الجديدة قائلة باقتضاب قبل أن تعتلي لمكانها في السيارة:
– خليها تعتمد على نفسها.
اعتلى هو الاَخر واتخذ مكان القائد في السيارة ليُدير المحرك ويسير بها نحو وجهتم، بعد لحظات التف برأسهِ إليها مبادرًا في حديثه:
– شايفك متغيرة يعني مع رجوعك للشغل بعد الأيام اللي غيبتيها؟
تطلعت إليه تُجيب بنبرة من الدلال الحديث عليها:
– ما انت قولت، بعد غيبة من الشغل وتفكير مع النفس ودي أول خروجة لينا بعد اتفاقك مع والدي، يعني بقى كان لازم البت دي تخلى عندها إحساس من نفسها.
عاد إليها بابتسامة جانبية قائًلًا:
– يعني عايزة تفهميني انك فكرتي وحسمتي؟
اومأت برأسها دون صوت، ليُجفلها بقوله:
-أكيد طبعًا انتي موافقة بخاطرك من غير تهديد، او ربما لما فكرتي كويس بعد الخضة الأولى، اكتشفتي أكيد مدى التضحية اللي انا قومت بيها، لما منعت نفسي عنك على اَخر لحظة، عشان تعرفي بس اني يهمني رضاكي أوي .
ارتشعت عضلة بوجهها مع تذكيره لما حدث لها منه، فحاولت بصعوبة السيطرة عليها مع برودة شديدة سرت بأطرافها، جاهدت أيضًا حتى لا ينتبه لها بارتجاف كفيها بحجرها، يتحدث وكأنه يمُن عليها أن ابقى لها الجزء الاَخير من روحها وكأن انتهاك حرمة جســ دها بالشئ الهين، والذل الي قسم كرامتها بترجيه والبكاء حتى يتركها بالشئ المعتاد على واحدة معتز بنفسها ورافعة الرأس بوجه كل من يناطحها مهمها كانت صفته، هذا الرجل كسر قد بداخلها ثوابت وأشياء مهما مر عليها من الوقت لن تندمل او تطيب سوى ب……
– سرحانة في إيه يا كاميليا؟
قطع بسؤاله شرودها لتستفيق له بشبه ابتسامة تخاطبه:
-كارم ممكن بليز متفكرنيش باللحظات الصعبة دي تاني أرجوك.
اعتلى وجهه ابتسامة منتشية ظهرت لها من جانب وجهه وهو يقود قبل أن يلتف برأسهِ إليها يجيبها:
– أكيد يا قلبي، احنا مش مضطرين نجيب سيرة القصة دي تاني، مدام ماشين كويس وتمام.
أهدته ابتسامة صفراء لتردف له:
– اه بس انا مش هنسى أبدًا وعدك ليا، عايزة فرح كبير، مصر كلها تشهد بيه وبالمعازيم المهمة فيه، دا غير الفستان عايزاه يجي من أفخم دور الأزياء في باريس، وشهر العسل، انا اللي هنقي ألأماكن، دا انا اعرف جزيرة مشهورة أوي للعرسان الجداد في ايرلندا تجنن، بس بصراحة تكلفتها غالية أوي .
– ولا يهمك يا قلبى من الفلوس دي اخر حاجة تهمنا، أهم حاجة سعادتنا.
اومأت له برأسها مع ابتسامتها المصطنعة، لتنتبه على وقوف السيارة بجوار مبنى العمل، تناولت حقيبتها للاستعداد للترجل، ولكنه اوقفها بتناول كف يدها يقبلها، ثم اردف بلهجة متحشرجة من فرط ما ينتابه من مشاعر بقربها:
– انا مشتاق يا كاميليا أوي لليوم ده، اللي نكمل فيه اللي بدأناه، انتي متعرفيش مقدار المعاناة اللي حسيتها وقتها ساعة لما بعدت عنك، عشان بس تعرفي مقدار غلاوتك عندي.
هذه المرة لم تقوى على السيطرة على ارتعاش شفتيها في ابتسامة تجاهد لصنعها كاستجابة لقوله وهو يزيد بتقبيل يدها بنعومة مهلكة، حتى إذا صرفها ترجلت سريعًا من سيارته، تتنفس الصعداء اَخيرًا بأنفاس احتجزت بداخل محيط سجنه او سيارته.

❈-❈-❈

على كرسي مكتبها الذي لم تكد تجلس عليه جيدًا لتباشر عملها بعد انقطاع أيام مرت في غيابها عنه، انتفضت بقوة حتى كادت أن تقع، مُجفلة على أقتحامه غرفتها كالإعصار هاتفًا بوجه مكفهر:
-اَخيرًا شوفنا وشك يا أستاذة؟
بلعت ريقها لتُهدئ من روع قلبها في البداية قبل أن تتماسك لترد بغضب:
-إيه يا طارق هو اتجننت؟ في حد في الدنيا يقتحم على ع الناس بالشكل ده؟
تقدم بغضبه يردف لها غير اَبه بصيحتها:
-اَه في، لما يبقى في ناس معندهاش زوق زيكم، أكيد هيبقى في ناس تقتحم بالشكل ده.
رددت خلفه بعدم إستيعاب:
-أنا معنديش زوق يا طارق؟ طب ليه؟
تقدم نحوها ليفاجأها بإلقاء شيئُا ما على سطح المكتب عرفته على الفور، حتى توقعت صيحته التالية:
-خطيبك المحترم بيبعتلي الدعوة الزفت دي ليه؟ على أساس ان الصداقة ما بينا مقطعة بعض، ولا هو قاصد يستعبط معايا وانتي كمان موفقاه؟
تلبكت لتُجيبه بحرج رغم ادعاءها غير ذلك:
-أنا مكنتش اعرف إنه هيبعتلك، بس يعني حتى لو كان فيها ايه؟
-فيها إيه؟
رددها خلفها ليدنو بجسده نحوها، ضاربًا بكف يده بقوة على سطح المكتب أمامها ليردف وراسه بالقرب منها:
-هو انتي البعيدة معندكيش دم ولا إحساس؟
-طارق ما فيش داعي للغلط .
قالتها لتفاجأ بصيحة اقوى :
-غلط إيه؟ هو انتي خليتي فيها غلط ولا صح، أنتي حكايتك إيه بالظبط معايا يا ست انتي؟ فجأة توصليني لسابع سما، وبعدها في ثواني تقلبيني لسابع أرض.
يهدر بوجهه القريب من وجهها ليزيدها الأمر صعوبة عليها، ولكنها تمالكت لترد بدفاعية مفرطة:
-خلي بالك من كلامك يا طارق، وافتكر كويس إني موعدتكش بحاجة، ثم انت عارف من الاول اني مخطوبة ومكتوب كتابي، يعني دي النتيجة الطبيعية.
-دي النتيجة الطبيعية.
أعاد بالترديد على أسماعها بصوت غريب وكأنه لا يستوعب، ونظرات عينيه الثاقبة نحوها تشعر بأنها تخترفها من الداخل، لتزيد من الاضطراب الذي تجاهد لأخفاءه، حتى لا يرى منها ضعفًا، أو شيئًا ما يعلقه بأمل كاذب.
حتى فاجأها بصيحة أخيرة وهو يستقيم بجسده من جوارها:
-انتي فعلا عندك حق، وانا كمان عندي حق إني ارفض أمور الاستعباط بتاعة خطيبك دي، لكن بقى تتجوزا ولا متتجوزش تتحر,قوا بجاز وسخ حتى، مليش دعوة، انتو حرين، يعني تبعدوا بقرفكم عني، فاهمة ولا لأ؟
صرخ بها لتومئ له برأسها صامتة بخوف، حتى خرج من أمامها صافقًا الباب خلفه بقوة جعلتها تنتفض مكانها مرة أخرى، لتطلق زفرة ارتياح اَخيرة، فكلماته القوية، تساهم بقوة في زيادة الحمل الذي يقسم ظهرها.

❈-❈-❈

وخارج الغرفة التي غادرها توقف للحظات يحاول بصعوبة التمالك وضبط نفسه، حتى لا يدخل إليها مرة أخرى، ليفرغ الغضب الكامن بداخله منها حتى لو أدى لخنــ قها، أو تكسير رأسها اليابس حتى تعود لصوابها، ولكن وما الفائدة التي يرجوها بعد ذلك؟
تنهد بتعب يحرك أقدامه نحو الخروج نهائيًا من المكان الذي جمعه معها وكان من أهم الأسباب التي ساهمت لتعلقه بها وبهالتها الكاذبة، تناول هاتفه بأول شخص طرأ في باله على الفور، وفور أن جاءه الرد هتف سريعًا:
-جاسر انا عايز اشوفك حالا دلوقت، إنت فين؟……. طب كويس قوي، عدي عليا بعربيتك بقى عشان انا مخنــ وق ومش هقدر اسوق….. بعدين بقى لما اشوفك….. يالا بقى انا هنزل استناك في عربيتي .

❈-❈-❈

أمام المرآة كانت تتأمل هيئتها مع تجربة للفستان الجديد بمناسبة حفل الزفاف المنتظر لخالها خالد، تضع كفًا على موضع الطفل البارز من الفستان، والأخرى على اذنها، بالهاتف الذي تتحدث من خلاله لمحدثها من الجهة الأخرى:
-امممم …… وأيه تاني كمان؟……… لا معرفش…… امممم……. ماشي…… تمام تمام ……… طيب انا في انتظارك….. خلاص اتفقنا.
انهت المكالمة والتفت بالفستان يمينًا ويسارًا لتُعيد على تفحصه جيدًا، بلونه الذهبي وقصته المنسدلة بنعومة عليها، كانت تود إخراج عيب ما به؛ بتمرد طفولي على اختيار لمياء التي أصبحت تشاركها كل صغيرة وكبيرة وأي شئ يخص مظهرها الشخصي، بالإضافة إلى الإستعدادت الجنونية للطفل قبل مولده، التفت مرة أخرى، تطالع القصة من الخلف، لتزفر بغيظ محبطة، فالفستان فعلا يعجبها، ورفضه سيكون دربًا من الغباء، لو فعلت بالاعتراض كما تتمنى دومًا.
-زهرة هانم.
قالتها الفتاة الخادمة من خلفها، لتقطع عنها الشرود بأفكارها الجامحة، التفت إليها تدعي الرزانة بقولها
-أيوة يا أمينة عايزة إيه؟
أجابتها الفتاة وعينيها على الفستان الذي تجربه زهرة:
-جاسر باشا وصل تحت ويبلغك تنزلي تقابلي معاه طارق صاحبة.
سألتها زهرة باندهاش:
– هو طارق تحت؟
أومأت لها الفتاة قبل أن تصرفها زهرة بقولها:
-خلاص روحي انتي وقوليلهم اني نازلة.
ذهبت الفتاة والتفت زهرة برأسها نحو المراَة عدة لحظات بشرود قبل أن تتحرك لتبدل الفستان، وترتدي شيئًا مناسب.

❈-❈-❈

وفي الأسفل
كان جلست الصديقين، طارق والذي كان متجهمًا بوجه مظلم وجاسر الذي كان يربت على ركبتيه بتهوين:
-فك يا عم طارق كدة وهدي نفسك، أكيد ان شاءالله ليها حل.
ردد طارق بنفاذ صبر:
-حل فين تاني يا عم؟ استناها لما تخلف منه يعني؟ دي قاصدة تجيبلي جلطة ولا تشلني، انا مش فاهم هي بتعمل معايا كدة ليه؟
توقف برهة ليكمل بلهجة مُعذبة:
-انا بس لو مكنتش متأكد من اللي جواها ناحيتي، عمري ما كنت أبدًا هتعب معاها كدة، مش انا اللي ارمي نفسي على واحدة مبتحبنيش.
هم ليرد جاسر ولكنه انتبه على اقتراب زهرة فهتف بانفعال:
– تعالي يا زهرة شوفي صاحبتك دي بتعمل معانا كدة ليه؟
سمعت منه لتًبادر بلهجة هادئة في إلقاء التحية:

-مساء الخير، استنى طب الأول اسلم ع الراجل، ازيك يا طارق.
بادلها المذكور المصافحة قبل أن يعود لجسلته، وردد جاسر مخاطبًا لها بعد أن جلست هي الأخرى:
-أديكي سلمتي وقعدتي، شوفلنا بقى الموضوع ده، الراجل برج من عقله هيطير بسبب صاحبنك.
سألت مدعية عدم الفهم:
-مالها صاحبتي؟
هتف طارق مستنكرًا لها:
-يعني عايزة تفهميني انك معرفتيش بفرحها اللي قدمت ميعاده وفاضل عليه بس أيام؟
-لا طبعًا عارفة، بس يعني انا في أيدي إيه؟
قالتها تدهش طارق واستفزت جاسر ليصيح بها:
-ازاي يعني في إيدك إيه؟ مش انتي صاحبتها؟ وانتي اللي قولتيله يستنى في البلد ويقعد قصادها عشان تحن، طب اهي محنتش، إيه الحل بقى؟
هتفت ترد باعتراض:
-طب وانت بتزعق فيا كدة ليه؟ أنا إيه ذنبي؟ مهما كنت صاحبتها وليها معزة عندي، مش هجبر عليها يعني؟

بنصف شهقة كتمها جاسر ليُحدجها بنظرة مخيفة محذرة، تجاهلتها لتلتف لطارق الذي بدا على وجهه التأثر على وقع جملتها الاًخيرة، لتستدرك هي وتخاطبه بأسف:
-معلش يا طارق، لو دبيت في الكلام معاك، بس انا بجد زي زيكم، ومعدتش عارفة اعمل معاها إيه؟
قالتها لتلتف لزوجها الذي كان يعض على شفتيه غيظًا منها، قبل ان تنتبه على قول طارق الذي خرج صوته بحزن:
-لا ولا يهمك يا زهرة، انتي فعلا صدقتي، انا اللي كنت غلطان من الأول .
مطت شفتيها لترد بتأثر:
-ولا كنت غلطان ولا حاجة، بس الحكاية، هي إن كل حاجة نصيب، هنعمل إيه يعني؟
بنصف شهقة كتمها جاسر ليُحدجها بنظرة مخيفة محذرة، تجاهلتها لتلتف لطارق الذي بدا على وجهه التأثر على وقع جملتها الاًخيرة، لتستدرك هي وتخاطبه بأسف:
-معلش يا طارق، لو دبيت في الكلام معاك، بس انا بجد زي زيكم، ومعدتش عارفة اعمل معاها إيه؟
قالتها لتلتف لزوجها الذي كان يعض على شفتيه غيظًا منها، قبل ان تنتبه على قول طارق الذي خرج صوته بحزن:
-لا ولا يهمك يا زهرة، انتي فعلا صدقتي، انا اللي كنت غلطان من الأول .
مطت شفتيها لترد بتأثر:
-ولا كنت غلطان ولا حاجة، بس دي كل حاجة نصيب، هنعمل إيه يعني؟
اومأ لها برأسه طارق متنهدًا بقوة، فقد كانت كلماتها هي عين الواقع في نظره، أما جاسر فلم يرفع عينيها عنها، مستغربًا هذا الهدوء الغريب، لتزيد عليه بقولها:
-انا أسفة يا طارق كان نفسي اقعد معاكم أكتر من كدة، بس انت عارف بقى، ان النهاردة فرح خالي، يعني يدوبك أقوم من دلوقتي اجهزة نفسي.
أومأ لها طارق بصمت، فلم تعد بها طاقة للكلام، فنهضت على الفور لتنصرف من أمامهم، متجاهلة النظر نحو زوجها الذي كان يمنع نفسه بصعوبة عن توقيفها

❈-❈-❈

بعد قليل
وبعد أنهى جلسته اليائسة مع صديقه، صعد إليها على الفور، وجدها جالسة على طرف التخت، تتمم على بعض الأشياء في حقيبتها، فهتف يجفلها:
-يعني لسكِ مكانك اهو ومجهزتيش؟
طالعته باستفهام ليردف لها بغيظ وهو يجلس بجوارها فاردًا أقدامه في الأسفل، وذراعيه استند بهما على الفراش وعينيه مثبتة عليها :
-قصدي لما استئذنتي من طارق وقولتي انك هتجهزي، كدة وعلى ١١ الصبح، بيني وبينك حسيتك هتبقى مكان العروسة.
رفعت رأسها عما تفعله لتقابل بعينيها خاصتيه، وتجيب على سخريته:
-أنا قولت هجهز يعني هحضر حاجتي، هدومي مكياجي، شنطتي، الحاجات دي يعني، عشان الميكب ارتست لما تيجي، يبقى عقلي فاضي، انا كدة طول عمري اجهز حاجتي بدري.
اردف مستمرًا بسخريته:
-يا شيخة! تصدقي أقنعتيني!
زمت شفتيها تدعي العتب في قولها:
-الله يسامحك يا جاسر، انا مش هرد عليك .
نزع السخرية عن وجهه ليرد بانفعال:
– هو انتي حكايتك ايه بالظبط؟ حاطة على قلبك مراوح كدة وانتي شايفة الراجل بيتعذب قدامك، من افعال صاحبتك اللي معندهاش دم دي، وتقوليله نصيب، دا بدل ما تفهمي البت دي بتعمل كدة ليه؟
ردت منفعلة بدورها:
-يعني هتكون بتعمل كدة ليه؟ اهي اتنيلت على عينها واتدبست في اللي اسمه كارم ده، أنا بقى هعمل إيه؟ أطلقهم مثلًا؟
مال برأسهِ إليها ليُعبر عن دهشته وعدم استيعابه لقولها، فزفرت تنهض من جواره لتنهي النقاش:
-يا عمي بقى، انا رايحة اتصل بالعرسان واشوفهم، وبالمرة كمان اتصل على البت صفية، واسألها عن ابويا دا اللي هيخرج النهاردة، عن إذنك بقى.
قالتها لتتناول الهاتف من جواره على الفراش، لتفاجأ بإمساكهِ لرسغها قائلًا:
-طب وماتتكلمي هنا في الأوضة، عايزة تخرجي ليه؟
نزعت يدها عنه، ترد بعن,ف لم يتوقعه:
– طب والخصوصية يا جاسر، هي دي كمان عايزة إيضاح عشان افكرك عليها؟ دا انت غريب أوي النهاردة.
ختمت بالاَخيرة ثم ذهب على الفور من أمامه، لتتركه يغمغم من خلفها بعدم تصديق:
-بقى أنا اللي غريب يا زهرة؟ ولا انت اتغيرتي عليا…. كدة بعد جلسة واحدة بس مع الدكتورة النفسية!

❈-❈-❈

في المساء
وفي القاعة التي ضمت بداخلها العروسين، واختلط الأفراد بها، اهل الحارة الفقراء واهل المدن الجديدة والراقية، فتنوع البشر، ما بين عمال كادحين واسر متوسطة، من اهل العريس، وبين مستشاري واساتذة جامعات من اهل العروس، فروق شاسعة بين الطبقات جمعها العشق الذي اذاب قلبين، قلب نوال ، وحبيبها خالد.

بدأ الحفل برقصة رومانسية بين العروسين، خالد الذي اشرقت الفرحة بوجهه اليوم فبدا وكأنه شاب في بداية العشرين، يضم ويتمايل مع وليفته بحديث اعين تنقل بداخلها اجمل كلمات والغزل، نوال والتي ارتدت اليوم فستان الأبيض بعد سنين عجاف، تحدت بها والديها لعدم الارتباط بغير وليفها والإصرار على الزواج منه، حتى لو ظلت هكذا دون زواج، وهل يصح ان يرتبط اسمها بغيره.

قطع خالد الصمت هامسًا:
-مقولتليش بقى، عجبك الفرح يا استاذة ؟
زمت شفتيها تجيبه بدلال هامسة:
-يعني .
عقد حاحبيبه الغزيران وقد أعجبه ردها المشاكس، ليرد هو :
– انا ملاحظ ان الأستاذة بدأت حربها بدري، ودا بقى خطر ليه؟
-أيوة ليييه
رددتها خلفه بحماس، ليكمل هو:
-عشان يا حلوة انا ممكن المها من دلوقتي ونروح على بيتنا، لان كفاية اوي عليا حلاوتك دي، يرضيك يا أستاذة نسيب الفرح وانا راجل صارف ومكلف؟
ضحكت بدون صوت لتجيبه بكل بساطة:
– بصراحة اه يرضيني، لان انا اهم حاجة عندي ان اتجوزك وخلاص، حتى لو من غير فرح عادي يعني، بس عشان منظرك والكلام ده نصبر وخلاص.
-تصبري وخلاص!
قالها وعض على شفتيه يرد بغيظ:
-مش بقولك بدأتي الحرب بدري اوي، ااه .
تأوه بالاخيرة، ليضم رأسها أليه بقوة، وهي تشدد بذراعيها غير اَبهة بأي حد غيره .

وعلى طاولة كبيرة ضمت جاسر ووالديه وزهرة ورقية التي كانت مائلة بجلستها على كرسيها، وتغمغم بالهمس مع حفيدتها دون أن تفوت شاردة أو واردة:
– شوفي شوفي ياختي، الواد وعمايلة، يخرب عقلك، مش قادر يستنى على ما يتقفل عليكم باب واحد المنيل؟
شهقت زهرة تحاول كتم ضحكتها:
– ايه اللي بتقوليه دا يا ستي، وطي صوتك هتفضحينا .
أكملت رقية دون أن تسمع لها:
-والنبى انا كنت عارفة من الأول إنه نمس، وشكلها هي هي كمان مصيبة .
-يا لهوي بس يا رقية، دا انتِ شكلك هتفضحينا بجد.
قالتها زهرة ولم تعد تقوى على كتم ضحكاتها مما دفع جاسر للسؤال:
– انتوا بتقولوا أيه؟ ما تضحكونا معاكم .
ردت زهرة تصدمه بقولها:
– ملكش دعوة انت، دا كلام ستات.
سمع عامر ليتدخل هو الاَخر:
-ومالوا يعني لما يسمع جوزك كلام الستات يا زهرة؟ ولا انتو بتقولوا حاجة غلط؟
قال الاَخيرة بمكر نحو رقية التي اومأت له بابتسامة خبيثة هي الأخرى. لتشهق زهرة بحرج، فانطلقت ضحكات جاسر مع عامر، لتتمتم لمياء نحو زهرة بيأس رغم ابتسامتها تشير على عامر ورقية:
– دي غلطتنا عشان الاتنين دول على مينفعش يقعدوا طوابيرة واحدة أبدًا

❈-❈-❈
على الطاولة المجاورة التي ضمت محروس الذي خرج اليوم من مصحة الإدمان، ومعه كان اسرته وشقيقته وابنتها غادة التي كانت عينيها تبحث طوال الوقت عنه، حتى يأست من حضوره، رغم مجيئه مع جاسر وأسرته،
إحسان والتي كانت تراقب بتفحص لكل ما تقع عليه عينيها، جذبت غادة فجأة من ذراعيها لتُجفلها بقولها:
-بت يا غادة، هو انتي كنتي تعرفي ان نوال ليها اخ قيمة وحليوة كدة؟
ردت المذكورة بعدم تركيز:
-اخ حليوة! لا انا اعرف إن ليها اخوات وبس، ماشوفتش حد .
أشرق وجه إحسان لتشير لها على مجموعة من الشباب، اومأت بعينيها على أحدهم تقول بغمزة:
-زي القمر صح؟
عبس وجه غادة وقد فهمت ما ترمي إليه والدتها، والتي تابعت لتزيد من حنقها:
– قومي بقى نروح نسلم على عيلتهم، دول جمبنا قريب هنا قريب.
نهضت فجأة تريد سحبها من يدها، ولكن غادة نزعتها عن رافضة:
-انا مش رايحة في أي حتة، واياكي تاني تمسكي فجأة، انا مش بهيمة عشان اتجر معاكي؟
قالتها بحدة لفتت انظار باقي المتواجدبن على الطاولة معهم، لتربك والدتها من الحرج، خصوصا مع قول شقيقها:
-هو هتتخانقوا ولا إيه؟ خلوا بالكم مش عايزين فضايح.
اشاحت إحسان بوجهها عنه لتغمغم بالسباب نحو ابنتها:
-ماشي يا بت الجزمة إن ما ربيتك مبقاش انا .
اومأت لها غادة بعدم اكتراث، لتبتعد بانظارها عنها فاتفاجأت به يتحدث مع احد الرجال، نهضت على الفور نحوه، ولكن وقبل أن تصل إليه تذكرت حتى لا تثير غضبه بالنداء عليه بإسمه أمام الرجل، فتناولت الهاتف لتتصل به ولكنه انتبه وحده، فترك الرجل ليكمل بخطواته نحوها حتى التقاها، فبادرته بالسؤال على الفور:
-اتأخرت ليه؟ دا انا بقالي ساعة مستنياك؟
شملها بنظرة مقيمة قبل أن بجيبها، وقد اعجبه نظامها الجديد في الحشمة بتعقل.
– معلش اصل كان لازم اطمن على حالة الأمن برا قبل ما ادخل، بس إيه الحلاوة دي؟
اشرق وجهها تسأله بمرح:
-بجد؟ يعني مش مجامله؟
رمقها بنظرة اعجاب أسعدتها، ليردف لها:
– عسل.

حتى في غزله خفيف الظل، قالتها بداخلها قبل ان تدعوه ببهجة ليبتعدا عن انظار والدتها في أحد الأركان البعيدة عن الإزدحام نسبيًا، وتلقى هو الدعوة بكل ترحيب ، ليُتابعا فقرات الفرح التي اشتعلت برقص خالد بالعصا وعروسه معه لينضم معهما العديد الشباب الصغار، حتى زهرة شاركت مضطرة بعد إلحاح خالد عليها، ولكن برزانة وخفة لوضعها كحامل وحتى لا تثير غضب جاسر الي تحول وجهه فور نهوضها من جواره، لتعود إليه بعد وقت فصير، فاتفاجأت بحضور كاميليا مع اشقاءها رباب وميدو على الطاولة، اقتربت لترحب بالشقيقتين قبل تتناول الصغير تشاكسه:
-حلاوتك يا ميدو وحلاوة غمازاتك، دا وحشني اوي والنعمة،
– مرسي يا خالتو زهرة.
قالها ميدو بحرج، لتهتف زهرة بمرح لصديقتها:
-وكمان بيقول مرسي، دا يجنن يا كاميليا، شكلنا كدة هنبقى اصحاب انا وهو .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *