كان ياسين الجارحي يؤمن بأن النفوذ والمال كفيلان بحل أي عقدة، حتى غدت طفلته الرضيعة هي العقبة الوحيدة التي يقف أمامها عاجزاً. الرجل الذي تصدرت صوره مجلات المال والأعمال كأحد أصغر وأعتى رجال الدولة، والذي تُحسم بقراراته صفقات بملايين الجنيهات في دقائق معدودة، بات يقضى ليلته عند أعتاب غرفة طفلة لم تتجاوز شهوراً قليلة، ينتظر أن تهدأ من بكائها المتواصل، دون أن يملك لخوفها أو بكائها حلاً. فتح باب الغرفة وجسده مجهد، ليرى الطفلة وهي تصرخ حتى احمرّ وجهها الصغير. سأل بصوت يملؤه التوتر: ـ مالها؟ أجابت المربية ونظراتها معلقة بالأرض: ـ حاولنا معها يا بيه... مش راضية تهدأ أبداً. ـ والمرضعة؟ ـ مشت. عقد حجبيه بغضب وسأل: ـ مشت ليه؟ ـ البنت رفضتها وما رضيتش تأخذ منها حاجة. ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يتمتم وهو ينظر للطفلة: ـ دي خامس واحدة تطفش. ـ أيوه يا بيه. ابتسم بسخرية مريرة: ـ خامس واحدة في أقل من شهر! اقترب من المهد، ورفع بنته بين يديه بحذر، لكن بكاءها اشتد وزاد صراخها، فحاول هزها برفق دون جدوى. نظر إليها بعجز لم يعهده في نفسه من قبل، وقال بقلب مثقل: ـ إنتي عايزة إيه مني؟ لم تتوقف الطفلة، لكن السؤال ظل يتردد في ذهنه مترافقاً مع أسئلة أعمق: من أنتِ؟ ومن تكون أمك؟ ولماذا تركتكِ عند عتبة بيتي واختفت؟ لم يعد ياسين كما كان منذ تلك الليلة التي وجدها فيها. تذكر كيف هرع إليه الحارس عند البوابة الخارجية للقصر ليخبره بوجود طفلة ملقاة في السلة، وكيف اتجه نحوها لتتجمّد دماءه في عروقه وهو يراها ملفوفة ببطانية بيضاء بجوارها ظرف مغلق. كان بالظرف ورقة واحدة كُتب عليها بخط مختصر: "البنت دي بنتك." لا اسم، لا تفاصيل، ولا أي إشارة تضيء طريق البحث. كانت أولى خطواته إجراء تحليل الـ DNA، وجاءت النتيجة كالصاعقة لتؤكد نسب الطفلة إليه. تحول ذهوله الأوليّ إلى غضب عارم؛ كان مستعداً لتجاوز أي شيء إلا أن تتخلى أم عن طفلتها بهذه القسوة وتتركها للمجهول. سخر كل سلطته للوصول إليها: تتبع كاميرات المراقبة، فحص سجلات السيارات التي مرت بالمنطقة، استجوب الحراس، وفتش في المستشفيات والعيادات، لكن السيدة تبخرت وكأنها لم تطأ الأرض قط. لم يكن يسعى خلفها شفقةً أو ليعيدها لطفلتها، بل كان يريد الإجابات... والحساب. تذكر كلماته الصارمة لمدير أعماله عندما سأله عن الخطة حال العثور عليها: ـ لما تلاقوها... محدش يمسها. ـ أمال نعمل إيه يا بيه؟ رد ياسين ببرود حاد: ـ جيبوها لحد عندي... وأنا هعرف إزاي أخد حقي منها. في جانب تاني خالص من المدينة، في شقة بسيطة والهدوء ماليهم... كانت قاعدة جنب الشباك، بتبص على المطر اللي نازل على الزجاج بشرود تام، وماسكة كوباية الشاي بين إيديها اللي كانوا بترعشوا بحركة خفيفة من التوتر. ملامحها كانت رقيقة بس عينيها فيها حزن كبير، وشعور بالفراغ خانقها ومش قادرة تفهمه. قرب منها الراجل بخطوات هادية، وكان باين عليه الخجل والذنب اللي مش مفارقينه من ليلة الحادثة. قعد قدامها، وبص لها بنظرة كلها شفقة وندم، وأخد نفس طويل وقال: ـ "برضه مفيش أي حاجة افتكرتيها؟ أي اسم.. أي مكان.. أي وش جالك في بالك حتى؟" بصت له بضياع، وهزت رأسها ببطء، وجاء صوتها مبحوح ومكتوم: ـ "ولا حاجة.. كل ما أحاول أفتكر، بحس بصداع يفرتك دماغي، وكأن في جدار أسود واقف بيني وبين كل حاجة قبل الحادثة. أنا مش عارفة أنا مين، ولا اسمي إيه." نزل الراجل رأسه في الأرض، وقال بأسى: ـ "أنا آسف.. صدقيني كل يوم بيمر عليا وأنا بشوفك كده، بحس إن ذنبك في رقبتي. لولا الفرامل اللي خانتني في الليلة دي، ما كانش زمانك في الضياع ده. أنا سألت في كل المستشفيات والأقسام القريبة من مكان الحادثة، محدش بلغ عن غياب بنت بملامحك خالص." سكتت شوية، ومسحت دمعة نزلت على خدها، وابتسمت ابتسامة باهتة: ـ "حضرتك عملت معايا أكتر من اللي أي حد يعمله.. نقلتني المستشفى وقعدت جنبي لحد ما قمت، واستضفتني في بيتك مع أسرتك كل الشهور دي.. أنا مش زعلانة منك يا أستاذ سليم، ده قدر." ساد الصمت ثواني، قبل ما تبص له بإصرار ونظرة مصممة: ـ "بس أنا مش هقدر أضل قاعدة كده أكتر من كده.. أنا خفيت تماماً. محتاجة أنزل أشتغل.. محتاجة أحس إن ليا قيمة أو أعتمد على نفسي لحد ما الذاكرة ترجع لي." استغرب سليم وقال: ـ "تشتغلي؟ تشتغلي إيه بس وأنتِ لسه مش فاكرة حاجة؟ وبعدين البيت بيتك.." قاطعته برفق: ـ "عارفة والله.. بس القعدة دي بتقتلني. أي شغلانة بسيطة أقدر أعملها." فكر سليم شوية، وافتكر مكالمة مع صاحبه من كام يوم، وبص لها وقال: ـ "طب إيه رأيك.. في شغلانة ممتازة وأمينة جداً، وعن طريقي أنا؟" رفعت عينيها باهتمام: ـ "شغلانة إيه؟" سليم بجدية: ـ "صاحبي، راجل أعمال كبير، عنده طفلة رضيعة ومحتاج حد يكون أمين يعيش معاهم في القصر ويهتم بالبنت.. هو يدور على واحدة ثقة جداً بقاله فترة، وأنا أضمنك برقبتي.. إيه رأيك؟" أول ما سمعت كلمة "طفلة رضيعة"، حست بنبضة غريبة وسريعة في قلبها، وكأن جسمها استجاب للكلمة قبل عقلها. ما فهمتش سبب القشعريرة دي، بس هزت رأسها بالوافقة على طول: ـ "موافقة.. طالما طفلة، أنا موافقة جداً." في قصر الجارحي... كان الجو متوتر جداً. صوت عياط الطفلة الصريخة جايب آخر القصر. ياسين الجارحي كان رايح جاي في الصالة، فك أزرار قميصه، وشعره متنعكش من كتر ما كان بيمرر إيده فيه بغضب وعجز. بص لمدير أعماله وصرخ فيه بحدة: ـ "يعني إيه مش عارفين تلاقوها؟! الملايين اللي بتتدفع للشركات والحراس دول بيروحوا فين؟! ست مشيت في الشارع وشايلة طفلة، الكاميرات ما جابتهاش؟! الأرض انشقت وبلعتها؟!" رد مدير الأعمال بتوتر: ـ "يا ياسين بيه، الكاميرات في الليلة دي كان فيها عطل، وسجلات العربيات مسجلتش حد نزل هناك.. احنا دورنا في كل المستشفيات والـ DNA أكد إن البنت بنتك، بس الست مالهاش أي أثر كأنها أختفت!" ضرب ياسين بإيده على الترابيزة بقوة: ـ "اختفت إزاي يعني! الست دي لعبت لعبتها ورمت البنت عشان تذلني! أقسم بالله لما تقع تحت إيدي، لا هرحمها ولا هخليها تشوف النور تاني.. هعرفها إزاي ترمي لحمها وتلعب مع ياسين الجارحي!" في اللحظة دي، خرجت المربية من أوضة الطفلة مرعوبة: ـ "يا بيه.. البنت ريقها جف من العياط ورافضة اللبن خالص.. ومش راضية تسكت!" توقف ياسين عن الكلام، وبص ناحية الأوضة بصدمة وعجز مكتوم، صوت العياط كان بينهش في قلبه، وقال بغضب: ـ "ادخلوا لها تاني.. اتصرفوا!" التفت لمدير أعماله وقال بنبرة قاسية: ـ "دوروا تاني.. جيبوها لي هنا.. ولو تحت الأرض!" يتبع الفصل الثاني ياسين الجارحي بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. عدّى يومين، والوضع في قصر الجارحي كان بيزداد سوء. الطفلة صرخاتها ما كانتش بتهدى، ووشها بقى شاحب ومجهد من كتر البكاء ورفض الرضاعة. ياسين كان حاسس إن أعصابه بتتلف، المال والنفوذ اللي بيمتلكهم ما قدروش يشتروا راحة باله ولا يهدوا طفلة عمرها شهور. في الوقت ده، وصلت عربية سليم قدام بوابة القصر. نزل ونزلت معاه نور، كانت بتتأمل سور القصر الضخم بذهول ورغبة مبهمة في الخوف، بس قلبها كان بدق بسرعة غير طبيعية كل ما تقرب من الباب الرئيسي. دخل سليم واستقبله ياسين في صالون الضيوف، الملامح على وش ياسين كانت مرهقة جداً وعينيه أحمرت من قلة النوم. سليم بابتسامة محاولة لتهدئة الجو: ـ "مساء الخير يا ياسين.. جيبتلك المربية اللي قلتلك عليها، وأنا أضمنها لك بنفسي، بنت أمينة جداً وأخلاقها عالية." ياسين بص لنور بنظرة سريعة وخالية من أي اهتمام. كانت لابسة هدوم بسيطة جداً، ووشها خالي من أي مساحيق، وعينيها فيها شرود غريب. رد ياسين بنفاذ صبر ونبرة جافة: ـ "سليم.. أنا مش فاضي لتجارب. دي خامس واحدة تدخل البيت ده في أقل من شهر، والبنت رافضة كل الستات وبتصرخ لما حد يقرب منها. أنا دماغي هينفجر." قبل ما سليم يرد، خرج صوت صراخ الطفلة من الدور الثاني حاد وموجع جداً. نور أول ما سمعت الصوت، جسمها قشعر بالكامل. نبضات قلبها دعت بسرعة رهيبة، وحست بحاجة بتشدها لفوق، حاجة أقوى من عقلاها اللي مش فاكر أي حاجة. بدون ما تطلب اذن، ولأول مرة تظهر جُرأة غير متوقعة منها، تحركت خطواتها تلقائياً ناحية السلم الصاعد للأوضة. ياسين اتفاجئ بحركتها، وعقد حواجبه بغضب: ـ "أنتي رايحة فين؟! استني عندك!" بس ما سمعتوش، كانت ماشية ورا صوت الصراخ كأنها مخدرة. ياسين مشي وراها بخطوات سريعة وزعق، وسليم لف وراهم بتوتر. فتحت باب الغرفة. المربية كانت واقفة بعجز والطفلة في المهد بتتلوى من العياط ووشها محمر جداً. قربت من المهد بخطوات هادية، دموع مجهولة جمعت في عينيها. مدّت إيديها المرتعشة، وشالت الطفلة بالراحة بين إيديها ورفعتها لحضنها. في اللحظة دي بالذات... حصلت المعجزة. الطفلة بمجرد ما لمست صدرها وشمت ريحتها، الصراخ العالي تحول لبكاء خفيف... وبعد ثوانٍ معدودة، سكتت خالص! فتحت الطفلة عينيها الصغيرين وبصت في وشها، ودفنت رأسها الصغير في رقبتها، وأخدت نفس عميق ونامت في حضنها باستكانة وأمان تام، كأنها أخيرًا لقت المكان اللي كانت بتدور عليه. ياسين وقف عند باب الأوضة، متثمر في مكانه. عينيه اتوسعت بصدمة وذهول مش قادر يستوعبهم. الستات والمربيات المتخصصات فشلوا، والبنت اللي رفضت الدنيا كلها، سكتت ونامت في حضن البنت الغريبة دي في ثواني؟! قرب ياسين منها بخطوات بطيئة، ونظراته حادة ومشوهة بالدهشة، وقال بصوت واطي ومشدود: ـ "أنتي عملتي لها إيه؟... سكتت إزاي كده؟!" رفعت عينيها في عين ياسين بثبات غريب، وصوتها طلع هادي ومطمن: ـ "ما عملتش حاجة.. هي بس كانت خايفة ومحتاجة تحس بأمان." إيدها كانت بتمسح على ظهر الطفلة بحنان خالص، وحركة إيديها كانت تلقائية جداً، كأن جسمها حافظ اللمسة دي من زمان رغم إن عقلها مش فاكر منها حرف واحد. الطفلة أخدت نفس عميق ونفسها اتنظم تماماً وهي كامشة في هدومها. ياسين كان واقف يبص لها بصدمة وذهول مش عارف يداريهم. الراجل اللي ما بتفوتوش تفصيلة، بقى عاجز يفهم اللي بيحصل قدامه. قرب خطوة كمان، ونظراته الحادة كانت بتتفحص وشها البسيط، عينيها التائهة، وملامحها الخالية من أي خبث. سليم قرب من ياسين وابتسم براحة: ـ "قلتلك يا ياسين.. هي أمينة جداً وقلبها أبيض، وأنا مسميها (نور) عشان تيسر أمورها لحد ما نتوصل لأهلها.. والبنت حست بالراحة معاها." ياسين بلع ريقه وصمته طال لثواني، كان حاسس بشعور متناقض ومريب.. الطفلة سكتت وأخيراً لقى اللي تهديها، بس في نفس الوقت كان في حاجة في ملامح الفتاة الغريبة دي بتخليه يستفز أو يحس بتوتر مش فاهم سببه. التفت ياسين لسليم وقال بنبرة جافة وهو بيحاول يسترد جموده المعتاد: ـ "تمام يا سليم.. طالما البنت سكتت معاها، تبدأ شغل من النهاردة." وبص لنور بعيون ثاقبة: ـ "أنتِ هتقعدي هنا في القصر.. مش هتمشي، ومسئولة عن البنت 24 ساعة. أي حاجة تحتاجها الطفلة اطلبيها من الخدم." هزت رأسها بالموافقة وهي عينها مش مفارقة وش الرضيعة: ـ "حاضر يا بيه." مرت الأيام، واستقرت في قصر الجارحي. الطفلة ما بقتش ترضع ولا تنام إلا في حضن نور، وكان ارتباط الطفلة بيها بيزيد يوم عن يوم بشكل يلفت نظر الكل. كانت بتتعامل مع الطفلة بلهفة وأمومة فطريين، تقعد الساعات تطبطب عليها، وتغني لها بصوت واطي وهي مش فاهمة هي ليه بتحبها بالدرجة دي، وليه قلبها بيوجعها لما تسمع عياطها. أما ياسين... فكان بيراقبها طول الوقت. من مكتبه في الدور الأرضي، كان بيتابع حركة نور في الجنينة وهو ماسك كاس القهوة، أو يقف على باب الأوضة بالليل يبص عليها وهي نايمة والطفلة في حضنها. كان جواه نار ما طفيتش؛ البحث عن "أم الطفلة" الحقيقية كان لسه شغال على قدم وساق، ورجاله قلبوا البلد عليها عشان ياخد حقه منها. وفي نفس الوقت، كان عنده فضول قاتل ناحية نور... البنت اللي مفيش على لسانها غير كلمة "مش فاكرة"، واللي سكنت قصر الجارحي وغيرت هدوءه. في ليلة من الليالي، كان القصر هادي جداً. ياسين كان راجع متأخر من شغله، وجسمه مجهد وعقله مشغول بالتفكير في القضية وفي الست اللي اختفت. قرر يطلع أوضة بنته يتطمن عليها. فتح الباب بالراحة وبص على السرير. كانت نور قاعدة على الكنبة جنب السرير، رأسها مائل ونايمة من التعب، والطفلة نايمة في حضنها ومبتسمة. ياسين قرب بخطوات بطيئة ومن غير صوت، ووقف قدامها. ضوء القمر كان نازل على وشها، مظهر ملامحها الناعمة والدقيقة. لأول مرة، ياسين يركز في تفاصيل وشها بجد... شفايفها، عينيها المقفولة بتعب، وشعرها اللي نازل على كتفها. وفجأة... صورة ضبابية مرت في عقل ياسين زي البرق! صورة ليلة الفندق القديمة.. ليلة السُكر اللي مش فاكر منها غير طيف ست، نفس الملامح الناعمة.. نفس انحناءة الوجه! ياسين اتجمد في مكانه، قلبه ضرب بقوة وشدة كأن طبول حربية اشتغلت في صدره. عينيه اتوسعت برعب وذهول، وبص للفتاة النايمة قدامه، وبعدين بص للطفلة اللي في حضنها. أنفاسه بقت متقطعة، وعقله بدأ يربط الخيوط في ثواني: الطفلة اللي رفضت كل المرضعات وسكتت في حضن دي بس؟ الورقة اللي اتكتبت؟ حادثة فقدان الذاكرة؟ نزل ياسين لمستواها بالراحة، وصوته خرج مرعوب ومبحوح وهو بيهزها بشويش: ـ "نور... اصحي!" فتحت عينيها بتعب وشرود، وبصت له باستغراب: ـ "في حاجة يا ياسين بيه؟ الطفلة جرت لها حاجة؟" ياسين مسك دراعها بقوة وعينيه مثبتة في عينيها بنظرة مرعبة: ـ "أنتي مين؟... قولي لي الحقيقة، أنتي مين?!" يتبع الفصل الثالث ياسين الجارحي بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد. أنتي مين؟ نور انتفضت في مكانها، وحست بضغط إيديه القوية على دراعها كأنها كَلّاب من حديد. بصت له بذعر والطفلة في حضنها بدأت تتحرك بتقلق، صوتها خرج مرعوب ومبتور: ـ "ياسين بيه!.. حضرتك بتوجعني.. في إيه اللي حصل?!" ياسين ما نزلش عينيه من على وشها. النظرة الحادة اللي كانت في عينيه اتتحولت لشلال من الغضب والشك الممزوج بالصدمة. كان بيتنفس بسرعة، وعروق رقبته برزت من شدة التوتر. سحب إيده بشويش عشان الطفلة ما تفزّش، بس فضّل مائل عليها، وقال بنبرة واطية زاي الخناجر: ـ "أنتِ جاية هنا إزاي؟ وسليم جابك منين بالظبط؟ قوليلي كل كلمة قالها لك ليلتها!" نور لفت إيديها أكتر حوالين الرضيعة وهي بترجع لورا على الكنبة، وعينيها دمعت من الخوف: ـ "والله العظيم ما أعرف حاجة! أستاذ سليم هو اللي أنقذني بعد الحادثة.. أنا صحيت في المستشفى مش فاكرة اسمي ولا أهلي ولا أي حاجة قبل الخبطة! هو اللي سماني نور جابر عشان يعرف يطلع لي ورق مؤقت.. والله ما بضحك عليك يا بيه!" ياسين قام وقف بطوله، وحط إيديه في جيوبه وهو بيلف في الأوضة زي النمر المحبوس. عقله كان بيغلي: هل دي تمثيلية؟ هل الست دي بتدّعي فقدان الذاكرة عشان تهرب من عقابه وتفضل جنب بنتها؟ ولا القدر يلعب معاه أحقر لعبة ويجيب الأم لحد بيته من غير ما هي حتى تعرف؟! التفت لها وقال بصوت جاف كالصلب: ـ "من النهاردة.. ممنوع تطلعي برة الباب ده من غير إذني. ومفيش خروج للجنينة. فاهمة؟" نور هزت رأسها بالوافق من غير ما تنطق، ودقات قلبها بتضرب في ضلوعها. نزّل ياسين الدور الأرضي فوراً، وطلب مدير مكتبه في التليفون الساعة ثلاثة الفجر. أول ما التليفون اتفتح، ياسين زعق بنبرة تخرّش الحجر: ـ "تصحى دلوقتي وتجيب لي أستاذ سليم وتاريخ البنت اللي عنده خطوة بخطوة! من ساعة ما العربية خبطتها لحد ما دخلت بيتي! وبكرة الصبح بدري تعمل لي تحليل DNA تاني.. بين الطفلة وبين البنت دي من غير ما تحس!" مدير المكتب اتخض: ـ "تحليل بين البنت ونور المربية يا ياسين بيه؟!" ياسين قفل السكة في وشه من غير ما يرد، وبص للشباك العالي المطلع على عتمة الليل. لو طلعت هي... لو طلعت نفس الست اللي رمت لحمها قدام البوابة وجاية دلوقتي تعمل دور البريئة الفاقدة للذاكرة... مش هيرحمها. هيدفعها ثمن كل لحظة عجز عاشها قدام عياط بنته، وثمن الجرح اللي سابته في كبريائه. تاني يوم الصبح... كان الجو في القصر مشحون برهبة مش طبيعية. ياسين ما نزلش شركته، فضل قاعد في مكتبه يقيد ويسود. نور كانت فوق في الأوضة، حاسة بخوف مبهم. الطفلة كانت نايمة على صدرها بتهدئة، ونور بتمسح على شعرها الصغير ودموعها بتنزل في صمت: ـ "أنا ليه حاسة إن قلبي مقسوم نصين؟ وليه حاسة إن المكان ده مرعب وفي نفس الوقت مش قادرة أبُعد عنك؟" فجأة، الباب اتفتح بهيبة مرعبة. دخل ياسين، وفي إيده ظرف أبيض مقفول. ملامحه كانت خالية من أي تعبير، بس عينيه كانت بتلمع بشرار مخيف. نور وقفت برعب والطفلة في حضنها: ـ "ياسين بيه..." ياسين قرب منها ببطء شديد، لحد ما بقى واقف قدامها مباشرة. رفع الظرف وحطه قدام وشها، وقال بنبرة هادية بس ترعب الأبدان: ـ "النتيجة طلعت يا... ملك." نور رفعت عينيها باستغراب وذهول: ـ "ملك؟! مين ملك؟" ابتسم ياسين بسخرية مريرة وقاتلة، وقرب من ودنها يهمس ببرود: ـ "ملك.. اسمك الحقيقي اللي مكتوب في بلاغ الحادثة القديم اللي سليم ما وصلوش.. والأهم من كده..." فتح الظرف ورمى الورقة في أحضانها: ـ "إن البنت اللي في حضنك دي... بنتك. وأنتي الأم اللي رمتها قدام باب قصر الجارحي ومشت!" الكلمة نزلت على راسها زي الصاعقة. "بنتك?!" ملك بصت للورقة اللي وقعت في حضنها بإيدين بترتعش. عينيها كانت بتتحرك على الحروف الإنجليزية والنسبة المكتوبة تحت: 99.9%. النسبة دي ما كانتش مجرد أرقام، دي كانت مفتاح الباب المقفول جوة عقلها. فجأة... الصداع المرعب اللي كان بيموتها كل ما تحاول تفتكر، هجم عليها بضراوة! ضربات في نفوخها زي المطارق، صور سريعة ومتشابكة بدأت تلمع في خيالها زي شريط سينما مقطوع: غرفة فندق ضلمة... دموع مكتومة على مخدة غريبة... اختبار حمل إيجابي وإيدين بتترعش في حمام ضيق... شهور الفقر والجوع... وش التعب والولادة... وأخيرًا، ليلة المطر وسلة خوص بيضا بتتحط قدام بوابة قصر فخم، وورقة صغيرة بتتكتب بدموع عينها: "البنت دي بنتك." ملك حطت إيدها على راسها وصرخت صرخة مكتومة من وجع الصداع والذكريات اللي اندفقت مرة واحدة. الذاكرة رجعت... بس مع رجوعها، الوجع أكل قلبها! بصت للرضيعة اللي في حضنها، وبقت تبكي بهستيريا وتشهق، وجسمها كله بيتفض. ضمّت الطفلة لقلبها بكل قوتها وكأنها خايفة تروح منها تاني، وجاء صوتها مشروخ ومكسور: ـ "بنتي... إنتي بنتي أنا؟! أنا ماسبتكيش في الشارع... أنا ما رمتكيش والله ما رمتك! ياسين كان واقف يتأمل انهيارها ببرود قاسي، بس في أعماقه، رد فعلها التلقائي وصدمتها الشديدة هزت حاجة جوة قلبه لأول مرة. ومع ذلك، غروره وكبرياءه رفضوا يستوعبوا. قرب منها خطوة وشد الورقة من إيدها، وقال بنبرة مليانة سخرية وسم: ـ "ما رمتيهاش؟! أُمال اللي حصل ده تسميه إيه؟ جاية تمثلي عليا دور الفاقدة للذاكرة ورجعتي تدخلي بيتي بتدبير عشان تفضلي جنبها؟! ملك رفعت راسها وبصت في عينيه، وعينيها كانت حمرا من كتر البكاء، وصوتها طلع قوي ومستغيث في نفس الوقت: ـ تدبير إيه يا ياسين بيه؟! أنا لو كنت فاكرة، كنت هخاف أجي هنا! أنا سيبتهالك عشان كنت بموت ومش لاقية لقمة آكلها ولا علاج أجيبهولها لما تتعب! سيبتهالك وأنا قلبي بيموت، وقلت ياسين الجارحي هيحميها من الفقر اللي أنا فيه! أنا لما لفيت وشي وجريت قبل ما ارجع اخدها فحضني تاني ليلتها، عربية خبطتني وطيرتني، وصحيت مش فاكرة اسمي ولا فاكرة إن كان عندي طفل أصلًا!" ياسين اتجمد مكانه، وعينيه اتوسعت بذهول. الكلام نزل عليه يربك كل حساباته. افتكر تقرير مدير مكتبه اللي جاله الصبح، واللي أكد إن بلاغ الحادثة كان في نفس ليلة العثور على البنت وبفارق لحظات عن الميعاد، وأن الحادثة كانت قوية وسببت لها غيبوبة وفقدان ذاكرة حقيقي بتوصية طبية. ملك مسكت في جاكيت ياسين بكفوفها المرتعشة، واترجته وهي بتعيط بحرقة: أنت كسرتني وأخد اغلى ما عندي البنت بتحافظ عليه طول عمرها ـ "أنا مش عايزة منك حاجة.. ولا عايزة فلوس ولا أي حاجة.. أرجوك يا ياسين بيه، خليني جنب بنتي ماتحرمنيش منها.. دي الحاجة الوحيدة اللي حسستني إن ليا وجود في الدنيا دي! ياسين بص لإيدها اللي ماسكة في هدومه، وبعدين بص لعينين بنته الصغيرة اللي كانت باصة لأمها وساكتة تماماً كأنها حاسة بأمان الدنيا كله. الغضب اللي كان قايد جواه عشان يعاقب الست اللي أذت كبرياءه، بدأ يتحول لمزيج معقد من الشعور بالذنب، والدهشة، والارتباك قدام مشاعر أمومة صادقة ما قدرش النفوذ أو المال يشتريها. سحب دراعه بالراحة من إيدها، ولف وشها الناحية التانية وهو بيحاول يسيطر على تشتت أفكاره، وقال بنبرة حادة بس خالية من الانتقام: ـ "البنت دي شايلة اسم الجارحي.. ومفيش أم لبنتي هتعيش في الظل ولا هتمشي من القصر ده تاني. ملك رفعت راسها بذهول: ـ "يعني إيه؟" التفت ليها ياسين وعينيه متثبتة في عينيها بثقل وكبرياء: ـ "يعني هتقعدي هنا.. مش كمربية، ولا كست غريبة.. هتقعدي كأم لبنتي، لحد ما أعرف إزاي هصلح الخرابة اللي أنتِ عملتيها دي أمام العالم كله." يعني إيه يا ياسين بيه؟ أنت بتقول إيه؟" ياسين حط إيديه في جيوب بنطلونه، ووقفته كانت مليانة هيبة وسيطرة، بس عينيه كانت بتلمع بتفكير حاد. قرب منها خطوة، ونزل بجسمه لمستواها وهو بصص في عينيها مباشرة: ـ "يعني ياسين الجارحي ما بيسمحش بوجود نقطة ضعف في حياته. البنت دي بنتي، ونسبها اتكتب خلاص.. ومحدش في البلد دي كلها هيقول إن أم بنتي كانت شغالـة عندي أو كانت مجهولة النسب والذاكرة!" ملك بلعت ريقها بصعوبة، ودموعها جفت على خدودها من كتر الصدمة: ـ "بس أنا مش عايزة حاجة من ده كله! أنا مش طمعانة في اسمك ولا فلوسك.. أنا بس عايزة أفضل جنب بنتي.. أربيها وبس!" ابتسم ياسين بسخرية باردة، وقام وقف بطوله وهو بيبص لها من فوق: ـ "أنتِ فاكرة إنك عندك حق الاختيار؟ أنتِ هنا في قصري، وتحت شروطي أنا. خرجوكِ من هنا معناه إن البنت هتفضل معايا وأنتِ مش هتشوفي وشها تاني.. تقبلي باللي أقوله، ولا تطلعي برة الباب ده دلوقتي وحافية؟" ملك ضمّت الطفلة لكتفها بقوة، وكأنها بتستمد منها القوة، وهزت رأسها بسرعة وبخوف: ـ "لا! مش همشي.. أي شرط تقوله أنا موافقة عليه، بس ما تبعدنيش عنها." ياسين هز رأسه برضا جاف، وقال بصرامة: ـ "كويس.. من بكرة هتبدأ ترتيبات جوازنا رسمياً أمام العيلة والصحافة. هتدخلي البيت ده بصفة مراتي وأم بنتي، وهيتعمل لك وضع يليق باسم الجارحي. بس افتكري كويس..." قرب منها وهلمس نبرته قسوة تحذيرية: ـ "الجواز ده صورياً.. عشان حماية البنت وشرف الاسم. أنتِ هتعيشي هنا مع بنتك، ليكي كل احترامك، بس مفيش أي حقوق تانية هتاخديها.. ولا تفتكري إن اللي حصل زمان في الفندق هيخلينا أزواج بجد." ملك بصت له بانكسار، بس هزت رأسها بالقبول. ما كانش فارق معاها أي حاجة في الدنيا غير إنها تمسك إيد طفلتها كل ليلة وتنيمها في حضنها. مرت الأيام، واتم الزواج بعيداً عن صخب الحفلات، بس بعرف ومظاهر تناسب مكانة ياسين الجارحي. ملك اتنقلت لـ جناح خاص في القصر، وبقت تهتم ببنتها "ليلي" اللي تسمت باسم أخت ياسين المتوفية. الطفلة كانت بتكبر وضحكتها مالية القصر، ورفضها للمرضعات والمربيات اختفى تماماً بمجرد ما بقت أمها جنبها طول الوقت. أما ياسين... فكان بيعيش صراع داخلي ملوش أخر. كل يوم يرجع فيه للقصر، كان رجليه بياخدوه بغير إرادته ناحية جناح ملك وبنته. يبص لملك وهي بتلعب مع البنت، يلاحظ رقبتها وضحكتها الهادية، ويتفتكر الليلة القديمة اللي كانت غايبة عن وعيه. الغضب اللي كان جواه ناحيتها بدأ يدوب ويتلاشى، ويحل محله شعور غريب بالاهتمام والغيرة غير المبررة كل ما حد من الخدم يكلمها أو يقرب منها. في ليلة، كانت ملك واقفة في بلكونة الجناح، المطر كان نازل هادي والجو بارد. ياسين فتح باب الجناح ودخل، شافها واقفة بلبس ناعم وشعرها السايب بيتحرك مع الهواء. قرب منها بخطوات هادية، وحط الجاكت بتاعه على كتافها من غير ما ينطق. ملك اتخضت ولفت وشها بسرعة: ـ "ياسين بيه!" ياسين بص في عينيها بنظرة غريبة، مش نظرة التحكم أو البرود المعتادة، كانت نظرة مليانة دفا وتساؤل: ـ "بلاش ياسين بيه دي تاني يا ملك.. احنا خلاص مبقناش غراب." ملك نزلت عينها للأرض بتوتر وسألت بصوت واطي: ـ "حضرتك محتاج حاجة؟ ليلي نايمة جوة." ياسين مسك دقنها برفق، ورفع وشها لعند عينيه، وقال بنبرة دافية لأول مرة من يوم ما عرفها: ـ "مش محتاج ليلي.. أنا داخل أتطمن عليكي أنتي. ملك حسّت بقشعريرة سرت في جسمها كله أول ما صوابعه لمست دقنها، ونبرة صوته الدافية اخترقت هدوء الليل وربكت كل حساباتها. ضربات قلبها بقت مسموعة، وبصت في عينيه بشرود وتوتر مش عارفة تداريه. سحبت نفسها لورا خطوة بالراحة عشان تهرب من قُربه اللي كان بيلخبط كيانها، ونزلت عينيها في الأرض وهي بتشد الجاكت بتاعه حولين كتافها: ـ "أنا بخير يا ياسين بيه.. قصدِي، يا ياسين. الحمد لله ليلي كويسة، وده كل اللي يهمني في الدنيا." ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة هادية وصافية لأول مرة تظهر على وش الراجل الحاد اللي كانت الصحافة بتتكلم عن قسوته وجفافه. خطى خطوة تانية ناحيتها، وسند بظهره على سور البلكونة وهو بيتأمل ملامحها الناعمة في ضوء القمر. قال بصوت هادي يملؤه الندم: ـ "أنا ظلمتك يا ملك مرتين.. مرة يوم الفندق واللي حصل مكنتش في وعي.. والتانية ليلة ما لقيت البنت، الغضب كان عماني. كبريائي ما قبلش فكرة إن واحدة ترمي طفلة على باب بيتي وتمشي.. بس لما عرفت الحقيقة، وعرفت إنك اتعرضتي لكل الوجع ده لوحدك، اتمنيت لو الزمن يرجع عشان أكون أنا السند مش السبب في الكابوس ده. ملك رفعت عينيها وبصت له بصدمة.. ما كانتش متوقعة إن ياسين الجارحي، بنفوذه وكبريائه، ممكن يعترف بذنبه أو ينطق بكلمات آسفة بالشكل ده. دمعة خفيفة لمعت في عينها، بس المرة دي ما كانتش دمعة حزن، كانت دمعة راحة من عدل ربنا. قالت بصوت مبحوح: ـ "كل حاجة كانت قدر يا ياسين.. المهم إن ربنا جمعني ببنّتي تاني، وإنها في أمان معاك. ياسين قرب منها وسحب إيدها المرتعشة بين إيديه الكبار، وضغط عليها برفق وأمان: ـ "البنت دي مش بس في أمان معايا يا ملك.. البنت دي رجعتلي روحي، وأمها ردتلي قلبي اللي كنت فاكر إنه مات من زمان. أنا قلت لك في الأول إن جوازنا صوري حماية للاسم.. بس النهاردة، أنا بطلب منك تديني فرصة نكون عيلة بجد.. زوج وزوجة وأم وأب لـ ليلي. ملك بصت لإيديه اللي ماسكة إيدها، وبعدين بصت في عينيه اللي كانت مليانة صدق ورغبة حقيقية في بداية جديدة. حسّت إن كل المرار والفقر والضياع اللي عاشته في حياتها كان تمهيد لللحظة دي.. لللحظة اللي تلاقي فيها الأمان اللي انحرمت منه طول عمرها. هزت رأسها بابتسامة دافية والدموع نازلة على خدها: ـ "مواقفة يا ياسين.. نفتح صفحة جديدة." في اللحظة دي، خرج صوت مناغاة خفيفة من الأوضة جوة. ياسين التفت وبص لملك، وضحك بصوت عالي وهادي وهو بيمسك إيدها وبيمشوا سوا ناحية الأوضة. كانت "ليلي" صحيت ومفتحة عينيها الصغيرين، وأول ما شافتهم داخلين سوا، ابتسمت ابتسامة بريئة وسكتت، كأنها كانت مستنية اللحظة دي بالذات عشان تعلن إن قصر الجارحي أخيراً بقى فيه بيت ودفء حقيقي. مرت الأيام والشهور في قصر الجارحي، والهدوء اللي اتعود عليه المكان أتبدّل بضحكات وصوت جري ليلي في الممرات. القصر اللي كان زمان عبارة عن جدران باردة وحراسة مشددة، بقى ماليان دفء وحياة. ياسين اتغير تماماً؛ الراجل اللي كانت الجرايد بتوصفه بالقسوة والجمود، بقى بيسيب اجتماعاته المهمة عشان يلحق ميعاد عشا بنته، أو يرجع بدري مخصوص عشان ياخد ملك وليلي في جولة في الجنينة. في يوم، كان ياسين قاعد في مكتبه بيراجع ورق صفقة جديدة، فتح باب المكتب بالراحة وتسللت ملك ومعاها صينية فيها قهوته المضبوطة. قربت منه بابتسامة هادية وحطت الفنجان قدامه: ـ "القهوة اللي بتحبها.. عشان عارفة إنك مجهد من الصبح." ياسين ساب القلم من إيده، ومسك إيدها وشدها بالراحة لحد ما قعدت على كرسي جنب مكتبه. بص في عينيها بنظرة مليانة امتنان وحب حقيقي: ـ "أنا مش مجهد من الشغل يا ملك.. أنا بكون مجهد طول ما أنا بعيد عنكم. البيت ده ما بقاش له قيمة عندي غير لما دخلتيه أنتِ وليلي." ملك ابتسمت بخجل، وحطت إيدها التانية فوق إيده: ـ "ربنا يديمك لينا يا ياسين.. أنت عوضتنا عن كل يوم مرار عشنا بعاد." وفجأة، اتفتح باب المكتب وجمعت ليلي، اللي بقت تطبق سنتين، وهي بتجري بخطواتها الصغيرة وتصرخ بفرحة: ـ "بابا!" ياسين شالها بسرعة ورَفَعها لفوق وضحكته رنت في الأوضة، وحطها في حضنه، وضم ملك بإيده التانية لقلبه. في اللحظة دي، ياسين بَص لشباك مكتبه العالي اللي كان زمان بيقف قدامه بعجز وغضب يدور على الانتقام، وأدرك إن أعظم صفقة كسبها في حياته ما كانتش بالملايين ولا بالنفوذ... كانت العيلة اللي اتولدت من قلب المعاناة والقدر. النهاية