الهوس 1
وقفت جوار نافذة غُرفتها، تضم بكفيها عضديها من الرياح القارصة التي تضرب بـ جسدها .. و رُغم ذلك تتحملُه فقط في مُقابل أن تراه، معشوقها الذي منذ أن أُعلن وصول خبر مجيئه و عودته من إحدى الدول العربية و القصر بأكمله قُلِب رأسًا على عقب، الخادمات يطوفون هُنا و هناك، والدته السعادة تغمُرها و والدُه يتابعه كل دقيقة منذ نزوله من الطيارة، و ها هي منذ سماعها ذلك الخبر و هي تقف أمام الشرفة حتى تكاد تقسم أن قدميها قد غزاها الإزرقاق، لن تنسى شرودها و زوجة عمها تهزها بحماس كبير و تقول:
– ريان جِه يا ليل .. ابن عمك جه أخيرًا
إبتسمت عندما تذكرت شرودها الذب لم تفيق منه سوى على صوته في مكبر الصوت و عمها يهاتفه، سماعها لصوته جعل تستفيق و تبتسم و صوته العميق الرجولى قد غزى جوارحها:
– أنا خلاص يا حاج على وصول ..
إستفاقت على صوت سيارة من سيارات عائلة الشافعي، شهقت ليل و تشبثت بـ ستارة النافذة تخفي جسدها و وجهها عدى عيناها، تهمس بصوت شديد الخفوت و الحروف تهتز على لسانها:
– ريان!
إبتسمت و هي تضع كفها على قلبها، تكاد دقات ذلك اللعين تصم أذنيها، و تُقسم أن أنفاسها إهتاجت من شدة سعادتها أنها تراه أمامها، بهيئته شديدة الوسامة .. و طوله المَهيب مع منكبيه العريضان، تلك الذقن التي نمت على وجهه بشكلٍ مُشذبٍ، إزدردت ريقها و هي تراه يقترب بخطوات واقفة من القصر حتى سمعت صوت زغاريد تصدح من زوجة عمها، أسرعت تتفخص مظهرها فإبتسمت بـ رضا، كانت جميلة .. ذات عينان عسليتان كـ حبات القهوة الفاتحة، و بشرة بيضاء مع شعر طويل بني أيضًا لون عيناها، كانت ململمة إياه على هيئة كعكة للخلف، ترتدي زي جميل أزرق اللون يصل لما بعد الركبة و واسع لكن يضيق على خصرها ذي أكمام تصل لمنتصف رسغيها، ذلك الخلخال الجميل يُزين قدمها اليُسرى، و ترتدي في قدميها حذاء جميل أرضي باللون الأسود أظهر بياض بشرتها، توقفت لبضع دقائق قبل أنا تفتح باب غرفتها و تذهب ناحية الدرج، تراه يُرحب بهم بدءًا بوالدته و والدته و عمته و إبنتها المقربون للعائلة بشكلِ كبير، إبتسمت و بدون هوادة كانت ترتجل الدرج و الإبتسامة تشُق ثغرها، وقفت أمامه تقول بأعين قد فضحتها لمعتها و بصوتها الجمبل:
– إزيك يا أبيه ريان!
إبتسم ريان لها بمجاملة أصابت قلبها، و قال بـ نبرة غزتها برودتها رغم تلك الإبتسامة المتكلفة الموضوعة على شفتيه:
– ليل .. أخبارك إيه!
عجزت عن الرد، إنطفأت مِحياها .. و تلاشت إبتسامتها و هي تراه يتجاوزها و يصافح عمته و إبنتها .. ربما بحرارة أكثر منها، لم ينتبه أحد لعيناها الشاردة و الدموع التي سكنت محجريها، تكاد تقسم أنها تشعر بـ دوار غريب داهمها، تراجعت خطوتان عندما وجدتهم يتجهوا لسفرة الطعام و زوجة عمها تناديها، وقفت تنظر أرضًا كـ طفلة مخذولة حتى تحركت للسفرة، جلست على آخر مقعد تنظر للمقعد الذي جاورُه و التي جلست جواره ابنة عمته مستغلة تلك الفرصة، لطالما كان هذا المقعد يخصها، لطالما كان يطلبها بالإسم لكي تجلس بجانبه عندما كانت صغيرة، بل و يطعمها بيداه .. ماذا تغير، كيف له أن يكُن بهذا البرود الآن، أخفت دمعاتها و عبثت في طبقها دون أن تأكل تستمع لحديثهم الذي يدار:
– وحشتنا أوي يا حبيبي .. كُل دي غُربة يا ريان، نهون عليك تسع سنين كدا من غير م تشوفنا؟
قال ريان بهيبته المعهودة:
– والله ما تهونوا عليا يا أمي بس أعمل إيه، إنتِ عارفة أد إيه مهنة الطب صعبة و دايمًا محتاجة مذاكرة بإستمرار حتى في سني ده لسه بذاكر، و كان لازم أشرف على العيادة لحد م كبرتها الحمدلله و بقت في طائف و الرياض
إبتسمت والدته دليلة على نجاح إبنها و قالت لعمته مفتخرة:
– شايفة يا سُهير .. هو دايمًا كدا من و هو صغير لما بيحط حاجة في دماغه لازم بيعملها!
إبتسمت سهير تقول و هي تبتسم لها بفرحة:
– طبعًا يا حبيبتي إنتِ هتقوليلي عن ريان!
ثم تابعت و هي تربت على ظهر إبنتها التي كانتتختلس له النظرات بهيام:
– شايف إسراء يا ريان .. كِبرت و إحلوت غير م إنت سيبتها خالص!
هتف ريان بمزاح:
– إسراء حلوة طول عمرها يا عمتو!
– قلب عمتو!
هتفت الأخيرة و السعادة تنطق من عيناها، بينما أعتُصِر قلب تلك الجالسة و تكاد تقسم أن هنالك خدر يسير في كامل أطرافها، كانت تشعر أنها منبوذة، لينتشلها عمها من تفكيكرها يطالعها بقلق:
– إيه يا ليل يا حبيبتي .. من ساعة م قعدتي و إنتِ سرحانة و طبقك زي م هو!
رفعت وجهها تبتسم له بإمتنان حقيقي .. تقول بصوتٍ مسموع بالكاد:
– أصلي شبعانة يا عمو، بس قولت أقعد معاكوا عشان ريان ميتدايقش!
ثم وجهت أنظارها له .. لتقبض على المعلقة تعتصرها بألم و هي تراه لم ينتبه لها بالأساس .. أو ربما هذا ما ظنته، يأكل دون أن يبالي بها، لاحظ عمها نظراتها و هو خير شاهد على مقدار العشق الذي تكنه لإبنه، فـ قال عصام و كأنه يحاول لفت نظر وحيده لها:
– ولا ليل بقى يا ريان .. بقت عروسة زي القمر، ده أنا مش عارف ألاحق على العرسان يابني والله!
رفع ريان عيناه لها يشملها بنظراته فـ إرتبكت و نظرت لطبقها و هي بالكاد تسير على دقات مُعذبها، ذلك الذي سقط أرضًا عندما قال و هو ينظر لطبقه و يأكل:
– لسه صغيرة أوي يا حاج على الجواز!
كتمت شهقتها .. صغيرة! هي ثغيرة و تلك الـ إسراء جميلة منذ الصغَر .. أهكذا يراهما؟ صمتت و شعرت أنها لو جلست أكثر من ذلك ستنهار باكية أمامهم و ستؤكد له نظرته بها، فـ إنسحبت تقول بهدوء:
– عن إذنكوا .. هطلع أكمل مُذاكرتي!
رفض عصام بشكل قاطع يقول بتوبيخ:
– مذاكرة إيه يا حبيبتي دلوقتي .. هي المذاكرة هتطير! أقعدي معانا و مع ابن عمك و كملي أكلك، ولا عايزاه يأكلك زي زمان!
تخضّبت وجنتبها إحمرارًا و جلست تقول و هي تنظر لأناملها:
– حاضر يا عمو .. هقعُد
جلست بالفعل مجددًا، تغصب نفسها على الطعام دون شهية، و هو كالصنم .. جالس ولا يُعلق أبدًا، إلتفت لإسراء يقول بإهتمام تمنى لو كان موجّه لها:
– دخلتي كُلية إيه يا إسراء؟
هتفت إسراء مبتسمة من إهتمامه:
– دخلت حاسبات يا ريان .. مستقبلها حلو و شغلها بيبقى كويس و فيها فرص كتير!
إبتسم لها الأخير بهدوء:
– فُرصها كويسة فعلًا!
إنتظرت أنه يوجه لها نفس السؤال لكن هيهات، لتُنقذها والدته دليلة تقول بفخرٍ:
– و ليل حبيبتي دخلت فنون جميلة يا ريان .. إنت عارف من صغرها تم.وت في الرسم!
قال و هو ينظر لأمه:
– توقعت يا أمي .. ليل فنانة في الرسم!
لا تعلم لما لم تتقبل هذا الإطراء، لمحت به شبح سُخرية لكن صمتت، أهو قد كرهها؟ ماذا فعلت له؟ لطالما إنتظرته بشوقٍ وقلب ملتاع، أهذا جزاؤها؟
سأل ريان عمته:
– أومال سيف فين يا عمتي .. ماجاش يشوفني يعني!
هتفت سُهير بحرج:
– أعمل إيه يا حبيبي إنت عارف سيف مقضي معظم حياته يا إما في الجيم يا إما مسافر .. هو زمانه جاي هتصل أستعجله دلوقتي!
نهض ريان يقول بلا مُبالاة:
– لاء خليه ييجي براحته، ألف هنا يا جماعة أنا حاسس إني هنفجر .. تسلم إيدك يا ست الكُل!
– تسلم يا حبيبي .. يلا إطلع إرتاح شوية إنت جاي من سفر و تعبان!
– لاء أرتاح إيه بقى .. أنا هدخل مكتبي كدا أخلص شوية شغل أونلاين .. عايز بس حد يعملي قهوة مظبوط كدا أحبِس بيها بعد الأكلة الحلوة دي!
أسرعت عمته تقول بلهفة:
– حالًا يا حبيبي هخلي إسراء تعملج أحلى فنجان فهوة!
صمت قليلًا قبل م يقول:
– ماشي
ثم رمق تلك الجالسة للحظات معدودة قبل أن يتجه لمكتبه، كانت تحترق ألمًا، نهضت و هي تنتوي الفرار لغرفتها لكن أوقفتها دليلة تقول بجدية:
– إستني يا ليل .. روحي إنتِ يا حبيبتي إعمليلُه القهوة و وديهالُه و إنتِ ساعديني يا إسراء نشيل الأكل!
قُتم وجه إسراء و والدتها و لكن قالت رغمًا عنها:
– حاضر يا مرات خالي!
ذهبت ليل و هي تكاد تطير سعادةً، تذهب نحو المطلخ و تعد لها القهوة بكل دقة، تعلم كيف يشربها، وضعت جوار القهوة حبات من البسكوت كانت قد خبزتها له هو خصيصًا تتمتم:
– يارب يعجبه
ذهبت لمكتبه تحمل القهوة بحذر، و طرقت على الباب قبل أن تدلف فـ سمح لها بالدخول
دلفت تراه منكب على الأوراق أمامه، إقتربت من المكتب و وضعت الصينية بعيدًا عن أوراقه، رفع نظره لها يقول بهدوء و هو يعود يدون بعض الملاحظات:
– مش إسراء تقريبًا اللي كانت هتعملها؟
شُحب وجهها .. و قالت و هي تتراجع:
– بتساعد ماما دليلة!
صمت يومئ لها، و ألقى نظرة على البسكوت الذي يجاور فنجان القهوة، إلتقط منه واحدة يقول و هو يستند بظهره على المقعد:
– أنا مقولتش إني عايز بسكوت!
توقفت تقول و هي خجِلة من تحديقه بها بتلك الطريقة:
– كنت عاملاه النهاردة الصبح، قولت تدوقه ..
ثم هتفت:
– أشيله لو مدايقك؟
تذوقه قبل أن يرد عليها، حاول ألا يظهر إستمتاعه به و بمذاقه الفريد، ليقول بهدوء:
– لاء خليه عادي ..
طالعته بحزن .. و تشجعت تجلس أمامه على المكتب، تقول و قد إمتلئت عيناها بالدموع:
– هو .. هو أنا مزعلاك في حاجة؟
نظر لها للحظات، عيناها المغرورقة بالدمعات، و وجهها الأحمر، لا يعلم كيف لهذه البراءة .. و ذلك الوجه يختبئ خلفه شيطانة تختلف تمامًا عن تلك التي تربت على يداه، لما يجيبها .. يقول بهدوء:
– سيف أخباره إيه؟
لم تنتبه لسؤاله الضمني .. تقول برجاء:
– ممكن تجاوبني؟
– إنتِ شايفة إنك عملتي حاجة مزعلاني؟
قال و هو يعبث بهاتفه .. يهرب من تلك الدمعات، قالت و هي تعبث بأناملها:
– لاء .. أنا مش شايفة إني عملت حاجة!
– يبقى معملتيش يا ليل!
قال و هو لازال ينظر لهاتفه .. تدايقت و نهضت تقول بثبات:
– عن إذنك
و بخطوات سريعة خرجت من مكتبه .. ليتها لم تدلف، ليت إسراء هي التي طهت له قهوته، صعدت لغرفتها و اغلقت الباب خلفها ترتمي على الفراش تجهش في بكاء عسيرٍ، حتى ضاقت أنفاسها، فـ أسرعت تنهض تجثو على على ركبتيها جوار الكومود تأخذ بخاخ الربو الذي لطالما أنقذها من نوبات ضيق التنفس التي تأتي لها كل حين و آخر، بخت به الأوكسجين في فمها، و إستندت بـ ظهرها على القدم الفراش، تضع كفها على صدرها تقول و هي تحاول أن يجعله يهدأ:
– إهدى .. إنت اللي عملت في نفسك كدا، علّقت نفسك بيه على الفاضي!
أزالت دمعاتها و أخذت أغراضها تخرج من غرفتها و تترجل على الدرج، تذهب لملاذها الآمن .. مرسمها، لكن وسط دمعاتها إرتطمت بصدر عريض و كان ذلك سيف، سيف الذي تعتبره كأخيها العزيز على قلبها، يقول بمزاحه المعتاد:
– إيه يا ست إنتِ واخدة في وشك و رايحة كدا على فين!
جلست على ركبتيها تلملم أشيائها تحاول إخفاء دمعات عيناها، لكنه أمسك لذراعها يوقفها و يقول بقلق:
– ليل؟ إنتِ معيطة؟
نفت براسها بسرعة بتقول مبتسمة:
– لاء يا سيف دي حاجة دخلت في عيني بس .. عامل إيه؟
حاوط وجنتيها يزيل دمعاتها و يقول بحنان:
– بتعيطي أهو .. إيه مالك يا لولا؟
خجلت من قُربه و لمسته لوجنتيها، و لم تكن تنتبه لـ أعين راقبتهما بـ كُل شراسةٍ و غضب مُضقع، للدرجة التي جعلته هيدلف لمكتبه مرة أخرى و يصفع الباب، إنتفض جسد ليل و لم تفهم ما الذي حدث، لكنها إبتعدت عن سيف تقول ببراءتها المعهودة:
– مافيش صدقني يا سيف إفتكرت ماما و بابا بس!
قال سيف بذات النبرة الحنونة:
– الله يرحمهم .. مش عايز أشوفك دموعك دي أبدًا يا ليل إتفقنا؟
طالعته بإمتنان و أومأت له تقول بلُطف:
– حاضر ..
– رايحة المرسم السري بتاعك ده؟
– آه
قالت مبتسمة، فـ ربت على خصلاتها و قال بهدوء:
– طيب روحي .. و أنا هطلع أغير كدا و أخد دش و أسلم على ريان و بعدين لينا قَعدة!
– ماشي
قالت و غادرت تتمسك بأشياءها، دلفت للمرسم و بدأت في رسم بعض الرسومات، ألقت بنظرها على تلك اللوحات التي رسمتها له .. كانت مُبدعة .. و كأنه بالفعل هو، لطالما ما كانت تأخذ صور متنوعة له و ترسم له عدة رسومات دون أن تمِل، و عندما تخرج تغلق ذلك المرسم بمفتاح لا يملكه إلا هي، قضت الكثير من الوقت في المرسم حتى أُرهقت .. و لم تنتبه أن الليل قد حلّ، فـ خرجت من مرسمها القابع في حديقة القصر، و جلست على الأرجوحة تعود بظهرها للخلف مستندة برأسها تجعلها تهز جسدها كما تشاء، شعرت بمن يجلس جوارها، فـ إنتفضت بفزع لكن هدأ جسدها عندما نطق سيف:
– ده أنا يا بنتي إهدي!
– خضتني يا سيف حرام عليك!
قالتها ليل واضعة يدها على قلبها مغمضة عيناها، فـ هتف سيف بشخصيته المرِحة:
– بصراحة لقيتك في حالة السكون دي قولت لازم آجي أنكُشك !شوية!
قالت و هي تضم قدميها لصدرها:
– ماشي يا عم سيف .. عايز مني إيه بقى؟
– إيه اللي في شعرك ده؟
قال بدهشة عندما لمح ورقة من شجيرة عالقة لخصلاتها، إقترب منها على نحو خطير، فأسدلت بأبصارها بخجل شديد، بينما حرر هو خصلاتها من تلك الورقة، و أمسك بذقنها يقول مبتسمًا يقرصها:
– الكتكوتة بتاعتي بتتكسف مني ولا إيه؟
قالت و هي تحاول أن تجعل مسافة بينهما:
– أيوا متكسفش ليه يا أستاذ سيف؟
– يا بت ده إحنا كُنا بنستحمى مع بعض و إحنا صغيرين!
قالها سيف بعفوية فـ شهقت ليل تضرب كتفه تقول بصدمة:
– يخربيتك يا سيف إيه قلة الأدب دي
ضحك سيف بصوتٍ عالٍ، لتضحك هي على ضحكته و أخذا يتبادلا الحديث
في جانب آخر، و خلف الزجاج الكاشف للحديقة كان يقف و يكاد يقسم من يراه أن هنالك أدخنة تتصاعد من أذنيه، عيناه حمرواتان بقسوة، و شفتيه غُرست بأسنانه تطلب منه الرحمة، و كفه قابض على كوب من المياه، و بقوة ألقى الكوب الزجاجي على الأرض، كاد أن يصدق .. يصدق براءة وجهها و عيناها، و لكن لم يكن يعلم أن هنالك قناع تختفي خلفه ليست سوى عاهرة! نعم ..
قربهما هذا لا يدُل إلا على أن هنالك أكثر من هذا يحدث بينهما .. يكاد يقسم أن الدم يغلي بعروقه، ضرب على سطح مكتبه بكفيه مرة تلي الأخرى يسُبها في نفسه، يريد أن يفصل رأسها عن جسدها علُه يهدأ ..
جلس على مكتبه تطوف في ذاكرته ذكرياتهما سوى عندما كانت أصغر بكثير، يتذكر اليوم الذي كان على وشك السفر فيه، عندما كانت لا زالت في الثانية عشر من عمرها، و كان هو في الخامس و العشرون، كانت تعانقه و هي تبكي، تشدد على أحضانه و تتسود صدره تقول برجاء:
– أبيه ريان .. متسبنيش غشان خاطري يا أبيه .. طب خدني معاك و أنا مش هدايقك والله
هتف ريان بحنان يربت على ظهرها:
– يا قلب أبيه ريان مش هينفع .. مدرستك و حياتك كلها هنا
نفت برأسها تقول و هي تخرج من أحضانه و تنظر له:
– لاء لاء .. إنت حياتي أنا عايزة أفضل عايشة معاك يا أبيه!
إبتسم على براءتها و حاوط وجنتيها يزيل دمعاتها:
– و إنتِ قلبي .. بس لو عايزة فعلًا تفرّحيني تركزي في مُذاكرتك .. عايز أشوفك أشطر بنوتة في الدنيا إتفقنا يا حبيبتي؟
اومأت له مسرعة ببراءة، لتعود و تدفن نفسها بأحضانه و تبكي و يربت هو على ظهرها و خصلاتها، تتمسك بقميصه و تقول ببراءة:
– متتأخرش يا أبيه ..
نظر لهم من حولهم في مزيج من الدهشة و الحزن، فـ دليلة و عصام يطالعونهما بحزن على مغادرة إبنهما و على تلك اليتيمة التي قد تعلقت به بشكلٍ كبير، و دهشة من جانب سيف و إسراء التي كانت تماثل عمرها .. بينما الحقد كله يأتي من سُهير التي همست لـ دليلة:
– البنت جريئة اوي يا دليلة .. مش كبرت على الأحضان دي؟
قالت دليلة بدهشة:
– إيه يا سُهير التفكير ده .. ليل لسه صغيرة و بريئة و إنتِ عارفة متعلقة بـ ريان أد إيه!
صمتت سُهير تمصمص شفتيها بـ إستنكار، بينما إقتلعت ليل ذاتها من أحضا.نه و وقف على جنب تراهم يودعوه، ألقى عليها نظرة أخيرة يشاور لها فـ إزداد بكاءها و هي تشير له
إستفاق من شروده يفرك جانبي رأسه بتعبٍ و صداع يفتك بهما .. تلك ليست صغيرته البريىة التي كانت لا تطمئن سوى بأحضانه. ها هي بين أحضان سيف دون ذرة خجل .. ناهيك عن تلك الصور التي كانت تؤخذ لهما و تُرسل له من قِبل إسراء التي لم تكن راضية عن علاقتهما و هذا ما كانت توضحه برسالاتها، و رغم قربهما إلا أنه ظن أن الأمر عاديًا أو إسراء هي التي تضخم من الوضع لأنه يعلم جيدًا الغيرة التي تكنها لـ ليل
لكنه لم يكن يتخيل أنه سيأتي و يرى تلك المشاهد المثيرة للإشمئزاز أمامه، غلى الدم في عروقه و نهض يطوي الأرض أسفله قاصدًا غرفتها، قابل والدته في منتصف الطريق تقول بحنان:
– رايح فين يا حبيبي .. هتنام؟
قال و هو يحاول أن يُسكن نبضات قلبه العالية:
– هجيب شوية ورق من أوضتي يا أمي و هنزل أكمل شغلي .. و شوية و هنام!
مسحت على وجنته تقول برقة:
– طيب يا حبيبي .. تصبح على خير
أمسك بـ كفها يقبله و هو يقول بإبتسامة:
– و إنتِ الخير كلُه يا ست الكل
تركته و عادت لجناحها مع زوجها، و أكمل هو صعوده لغرفتها و هو ينتوي الكثير
كانت قد صعدت ليل من جلستها مع سيف، ترتدي قميص للنوم بلون الورد الروزي .. بنصف أكمام و يصل لربكتيها و مفتوح الصدر قليلًا من خامة الليكرا، و تصفف خصلاتها و تهتم ببشرتها قبل أن تدلف للفراش علها تُلهي عقلها عنه
لكن جسدها بأكمله قفز بفزع عندما فُتح الباب، إلتفتت منتوية أن تصب كامل غضبها على من فعل لكن جحظت بعيناها و تجمعت حبات العرق على جبينها عندما وجدته هو، لتتراجع تجذب ما ترتدي لأسفل لعله يخفي قدميها:
– أبيه ريان! في .. في حاجة؟
لف ريان و أغلق الباب خلفه فـ توترت أكثر، لاسيما تلك النظرات التي لم ترحمها .. كان ينظر لها بمزيج من الإشتياق و الغضب معًا .. مزيج مُهلك، ها هي صغيرتُه قد كبرت و باتت أنثى مكتملة الأنوثة، و بذات الوقت غاصب منها إلى حدٍ فاق توقعاته هو، لا يعلم كيف غلب غضبه و إقترب منها يشير لها بسبابته:
– القذارة اللي كانت بتحصل في غيابي دي مش هقبل بيها في وجودي أبدًا يا ليل!!
قطبت حاجبيها و ثُلج جسدها تقول بأعين مصدومة:
– قذارة؟ مش فاهمة؟
إمتدت يداه لتقبض على ذراعيها العاريان يقول بحدة:
– أنــا مِـش عايز إستعباط فـاهـمـة!!
تابع و هي تنكمش بخوف منه لأول مرة:
– المسخرة اللي دايرة بينك و بين سيف دي متنفعش .. لو هتمو.تي عليه و عايزة تتجوزيه أوي كدا قوليلي!!
هتف جملته الأخيرة بكل غضب .. صمتت و لازالت الصدمة متملكة منها، ليتابع بكلمات أشد قسوة كالسوط:
– على الأقل يا شيخة إعملي حساب اللي ربوكي و إعتبروكِ بنتهم و متمرمغيش سمعتهم و شرفهم في الأرض!
كتمت شهقتها في جوفها، و إتملئت عيناها بالدموع و هي تقسم أن ليس هناك ذرة واحدة من الدماء في جسدها، لم تجد ما تقول .. نست الحروف و نست كيف تتحدث، فقط تنظر له بأعين دامعة و ذاهلة
نفضها من ذراعيه فـ تراجعت للخلف خطوات .. و غادر كما أتى مُسرعًا و دون مقدمات، جلست هي أرضًا تحاول السيطرة على رجفة جسدها لا تردد سوى:
– أنا عملت إيه .. معملتش .. حاجة .. والله!
نشيج من البكاء جعلها تستلقى على الأرض و تضم قدميها لصدرها كالجنين تبكي بحُرقة لا مثيل لها
*******
اليوم الموالي، جلسوا على سفرة الإفطار، الجميع حاضر عدا هي، فـ قالت دليلة بقلق لـ إحدى الخادمات:
– سالي إطلعي نادي ليل هانم .. شوفيها منزلتش ليه لحد دلوقتي!
شرد قليلًا قبل أن يكمل أكلُه، قطب حاجبيه عندما قالت سالي بهدوء:
– مرضيتش خالص يا هانم .. حتى قولتلها أطلعلها الفطار فوق بس بردو مرضيتش!
قطبت دليلة حاجبيها بقلق، فـ قال سيف و هو ينهض:
– هطلع أنا أناديها يا عمتو!
أومأت له دليلة فـ طرق الأخير بـ ملعقته على السفرة يقول و قد إنفجر غضبًا:
– أقعد يا سيف!! تطلع أوضتها إزاي يعني إفرض لابسة خفيف ولا مش لابسة خالص .. أقعد و اللي مش عايز ياكل عنُه م طفح!!
جلس سيف مدهوشًا من طريقته، لتقول دليلة بإستغراب؛
– إيه يا ريان مالك يا حبيبي إهدى .. خلاص هطلع أنا!
– يا أمي لو سمحتِ أقعدي .. مدام مش عايزة تنزل هي حُرة مش هنتحايل عليها ..أقعدي كملي أكلك بدل م أقسم بالله هقوم أروح شغلي!
أسرعت دليلة تجلس لا تجد سببًا لذلك الغصب لكن قالت:
– خلاص يا ريان قعدت
طالعه عاصم للحظات و صمت، بينما شمتت إسراء بما يحدث تنظر لأمها بنظرات ذات مغزى فـ بادلتها سهير نظرات خبيثة
أكل الجميع و غادر ريان .. فـ صعدت دليلة لها بالطعام لكنها كانت متكورة غلى الفراش رافضة أي شيء، و ظاهر على جفونها المتورمة أنها قضت ليلتها تبكي، وضعت الصينية على الطاولة و ركضت لها تبعد عنها الغطاء و تمسمح على شعرها تقول بلهفة:
– يا حبيبتي يا بنتي .. مالك في إيه، بتعيطي ليه!
نظرت لها ليل و أجهشت في البكاء بأحضانها تقول:
– هو أنا وحشة يا ماما دليلة؟ زعلتكوا في حاجة قبل كدا؟
قالت دليلة بدهشة:
– يتطقع لسانه اللي يقول كدا ده أنا إنتِ أحلى و أجمل و أرق بنت في الدنيا! إيه يا حبيبتي مين قال كدا؟
نفت براسها تقول بألم:
– مافيش يا ماما أنا كنت بفكر كدا مع نفسي
تنهدت دليلة بحزن تقول بحنو:
– طب يا حبيبتي يلا قومي كُلي و بعدين هاخدك و ننزل أجيبلك لبس و اللي نفسك فيه!
نفت برأسها تقول برجاءٍ:
– لاء يا ماما ممكن معلش تسبيني بس لوحدي النهاردة .. و الله م قادرة أعمل حاجة
قال دليلة بضيق:
– مستحيل أسيبك كدا .. قومي طيب كُلي لقمة!
نفت برأسها تقول:
– لاء يا ماما والله م قادرة والله خاسة إني لو كلت حاجة هجيب كل اللي في بطني!
– لا إله إلا الله .. طيب يا حبيبتي هسيب الصينيية عندك و لما تجوعي كلي
أومأت لها ليل، فـ خرجت دليلة تضرب كف على آخر و تقول:
– لا حول ولا قوة إلا بالله
********
ظلت على وضعها، رافضة الأكل و والشرب ليوم كامل .. و كلما تصعد لها دليلة ترى الطعام كما هو .. حتى عندما أتى ميعاد الغداء و إلتفوا جميعًا حول الطاولة كانت هي الوحيدة التي لم تجلس، لم ينكر قلقه عليها، و سؤاله الضمني عنها فـ قالت دليلة بحسرة:
– مكلتش حاجة من الصبح يا ريان .. إبقى إطلع شوفها يابني يمكن ترضى معاك!
أومأ لها و في دوخله لن يصعد لها أبدًا، هو لا يريد رؤيتها و لا يريد التعامل معها بعد آخر موقف جمعهما، لم يأكل هو الآخر و عاد لعمله مقررًا على عدم العودة سوى بعد منتصف الليل، و بالفعل أنهى كشفه مع النساء اللواتي حضرن ليكشفن، و عاد مُرهقًا فـ وجد القصر دامس الظلام عدا نور خافت يأتي من المطبخ، ذهب ناحيته و كما توقع وجدها تقف أمام الثلاجة و تشرب، كانت ترتدي منامية حريرية محتشمة و تلملم خصلاتها للخلف، لم تنتبه له و جلست على الطاولة تستند برأسها فوق ذراعيها عليها، لا يعلم لما نغزُه قلبه و أشفق عليها، إقترب منها و قال بهدوء و هو يشرب و كأنه أتى فقط لذلك الغرض:
– إيه اللي مقعدك هنا دلوقتي؟
نظرت له فـ إنقبض قلبه من شحوب وجهها و عيناها المتورمة و تلك الهالات السوداء التي تحاوط جفونها، لتقول و هي تنهض بإرهاق و تمر من جانبه:
– هطلع أهو
قبض فوق ذراعها و أعادها أمامه، يقول بضيق:
– مكلتيش ليه من الصبح؟
– مش جعانة
قالت بتعب و هي تشعر بالأرض تميد بها، و بالفعل أسندها و قد ظهر القلق على محياه، مسح على خصلاتها يقول بتوجس :
– تعالي أقعدي
تألم قلبها لتمسيده على خصلاتها مثلما كان يفعل منذ زمن، أجلسها على المقعد، و أشعل البوتجاز على الطعام و عندما سخن وضع لها في أطباق، جلس جوارها و بدأ في إطعامها يقول بصرامة دون نقاش:
– يلا إفتحي بؤك!
أفرغت ما بين شفتيها بطاعة فـ هي تضور جوعه من ناحية و من ناحبة أخرى إعتادت على أن تطيعه منذ الصغر، كان هو الوحيد الذي يطعمها بيدُه و بالفعل أكلت منه حتى قالت برجاء:
– كفاية مش قادرة
لم يرد أن يضغط عليها فـ وضع الملعقة جانبًا، مد كفه و تفقّد حرارة وجهها فـ أغمضت عيناها تشعر بإرتخاء رهيب أثر ملامسة كفه لـ بشرتها، ليقول مقطبًا حاجبيه:
– إنتِ متلجة!
تابع و هو ينظر لما ترتدي:
– طبعًا م إنتِ لابسة بيجامة ستان لازم تتلجي ..
قالت و هي تربت على ذراعيها تحرك كفيها عليهما علها تدفئ، فـ نزع عنه جاكيت بذلته و وضعه حول كتفيها، ضمته هي لها مغمضة عيناها مستمتعة بـ رائحته التي ملئت رئتيها، فـ قال بإستغراب و هو يظنها لازالت متعبة، ليقول برفق:
– لسه دايخة؟
نفت برأسها تقول و هي تنكس برأسها، لتنهض قائلة بـ إرتجاف:
– هطلع أنام
أومأ لها فـ نهض و هو يراقبها و هي تصعد، ليصعد هو أيضًا لجناحه الخاص، فـ قد رق قلبه لها، بدل ثيابه و جلس على الفراش مُتعبًا يعبث بهاتفه، إستند بظهرها و قادته أنامله لـ تلك الصور التي بعثت بها إسراء من قبل، فـ غضب مجددًا، كانت الصور لهما يضحكان معًا و يضربان كفًا على كف بعضهما البعض، و يهمس في أذنها في صورة أخرى، يعانقها .. نعم يعانقها، كيف تسمح له أن يقترب منها لتلك الدرجة .. كيف لهذا العناق الذي كان يظنه مخصص له هو وحدُه بات متاح هكذا؟!
ضرب بالهاتف على الفراش و لم يزور النوم جفونه، لم ينام بل ظل مستفيقًا طيلة الليل حتى نهض مبكرًا ينتوي الذهاب لعيادته لعله يتناسى ما رآه، و لكن لم يحسب حساب أن يجد سيف يخرج من غرفتها! لم يستطع هنا السيطرة على نفسه، إنتفضت كل خلية بجسده و إنقض على سيف يجذبه من ياقة قميص يدفعه على الفراش و يصرخ به بعنف:
– إنت كنت في أوضتها بتعمل إيه يا زبـــالــة إنــت!!
إنتفض سيف متفاجئًا من وجودُه الآن، توتر و لكن قال يحاول لملمة شتاته:
– في إيه يا ريان! كنت بطمن عليها راحت جامعتها ولا لاء عشان من إمبارح و هي قافلة على نفسها .. و دخلت ملقتهاش فعلًا
دفعه من كفيه بعنف يرمقه بأعين مخيفة، يذهب لغرفتها و إقتحمها ليجدها بالفعل فارغة، أغمض عيناه يزفر براحة، ليعود لسيف مجددًا يمسك بـ فكه العريض يقول بقسوة:
– إياك ألمحك معدي بس من جنب أوضتها يا سيف .. فاهم؟ إياك!
دفعه و نظر لها بإشمئزاز ثم غادر، بينما مسح الأخير على وجهه بعنف
عادت ليل من جامعتها تبحث عنه بعيناها، لكن لم تجدُه فـ يئست و توجهت لغرفتها، إستوقفتها دليلة عندما غمفمت مبتسمة:
– ليل حبييتس .. أحنا رايحين البلد يا حبيبتي .. فرح راوية بنت عمك محمود النهاردة .. جهزي نفسك عشان تيجي معانا
قالت ليل بخدوء:
– معلش يا ماما مش هقدر .. عندي بكرة إمتحان صعب أوي و محتاجة أذاكرلُه كويس .. روحوا إنتوا و إتبسطوا
قالت دليلة بضيق:
– يخربيت الأمتحانات و سنينها .. طيب يا حبيبتي بس كنت عايزاكي تيجي و تتبسطي معانا .. ريان بؤدو ثالي عنده شغل كتير و مرضيش
أومأت لها ليل بهدوء تقول مبستمة:
– تتعوض مرة تانية يا قلبي .. أخلص إمتحاناتي بس و نخرج و نروح في كل حتة .. إنتوا هتيجوا إمتى؟
– هنبات الليلة عندهم و الصبح بدري إن شاء الله هنبقى هنا .. خدي بالك من نفسك يا حيييتي و ذاكري كويس و زي م قولتي خلصي بس و أنا أوديكي المكان اللي إنتِ عايزاه!
– حاضر يا حبيبتي
و صعدت لغرفتها تستحم و تستذكر دروسها
حتى أتت دليلة و من خلفها إسراء و عمتها يودعونها قبل ذهابهم، مر ريان من جوارهم يقف على أعتاب غرفة ليل يقول:
– خلاص هتمشوا؟
هتفوا بالإيجاب، بينما توترت ليل عندما رأته، لكن بحثت بينهم عن سيف تسأل ببراءة و صفاء نية:
– هو سيف رايح معاكوا؟
لم تلاحظ تلك النظرات النارية التي وُجهت لها، و لم تلاحظ قبضته التي إشتدت و إبيضت
قالت دليلة:
– في الجيم يا قلبي و هييجي يغير و ييجي ورانا .. هو عارف المكان
أومأت لها الأخيرة بصمت، بينما ذهب هو خارج القصر بأكمله يقود سيارته بجنون، ذهب ليجلس في أحد الكافيهات التي كان يتواجد قبل سفره جلس ساعة كاملة لا يفعل شيء سوى شرب القهوة و الشرود أمامه .. قرر أنا يغلق صفحتها من قلبه تمامًا،
إن كانت لا تحبه لن يعيش في ذلك الوهم و إن كلفه الأمر إنتزاع قلبه
*********
كانت جالسة تتمطع بإرهاقٍ من مذاكرتها، فتحت هاتفها من خلال كلمة السر لتظهر صورته التي تعشقها، إبتسمت و جلست تتأمله بعشقٍ لا يُضاهيه عشق، لكن إنتفض جسدها عندما دلف سيف للغرفة، لتغلق الهاتف مسرعة تقول بحدة:
– يايني هو إنت مصمم تقطعلي الخلَف .. هتفرح يعني لما معرفش أجيب عيال .. و يعدين في حد يقتحم أوضة بنوتة رقيقة جميلة زيي كدا من غير م يخبط
ضحك سيف و قال و هو يغلق الباب:
– يا قلبي مليون مرة أفهمك إن موضوع الخلف اللي يتقطع ده للراجل مش ليكي خالص، و بعدين م أنا عارف إنك بتذاكري
لم تنتبه لإغلاقه الباب، لتقول و هي تضحك:
– تصد
شهقت الأخيرى مصدومة و سعيدة في نفس الوقت، بينما إبتسمت ليل تتابع نظرات ريان الذي ظهرت الفرحة في عيناه و كأنه يتمنلى لحظة كـ تلك، و لكن إنمحت إبتسامتها عندما وجدت الأخيرة ممسكة بكفيها الإثنين كف ريان تقول بكل فرحة:
– أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه أنا بشكرك أوي أوب والله مش هتتخيل فرحتي و فرحة جوزي!
هزت ليل قدميها بتوتر من شدة غضبها،وبينما قال الأخير و هو يربت على كفها قائلًا بإبتسامة يبدل نظراته بينها و بين ليل الغاضبة:
– ألف مبروك يا مدام نهى .. متنسيش المتابعة كل شهر .. هكتبلك على فيتامينات تواظبي عليها و أشوفك زي النهاردة الشهر الجاي
– حاضر يا دكتور طبعًا
أخذت منه الروشتة و خرجت، بينما إتجه الأخير لتلك الجالسه تهتز من الغضب، أخذها من ذراعها يمنع ضحكاته بصعوبة يوقفها أمامه محاوطًا وجنتيها يقول برفق:
– بُصيلي يا ليل .. إنتِ بتغيري غليا يعني؟
أبعدت كفيه تقول و هي بتتعد عنه تعطيه ظهرها:
– و هغير عليك ليه؟ أنا بس مش عجباني طريقتك!
تركها و جلس على سطح المكتب يقول بمكر:
– طب تعالي أقفي قدامي و متتهربيش
طالعته بعناد و تقدمت منه بحدة تقول بنبرة غاضبة:
– إنت مستفز يا ريان .. حقيقي بني آدم مستفز و أنا مستحيل آجي معاك هنا تاني و أحرق دمي!!
ضحك الأخير يعود محاوطًا وجنتيها و وخصلاتها قائلًا:
– أيوا بردو ليه! عملت إيه أنا دلوقتي؟
قال و لا تعلم كيف عيناها فضحتها و إغرورقت بالدموع هكذا:
– بتمسك إيديها و بتحسس عليها أوي و هي معندهاش دم ولا حَيا و أول م نامت فتحت رجليها على طول كإنها متعودة .. أنا مش عارفة أقولك إيه .. أنا عايزة أمشي يا ريان!
قرب رأسها منه يُقبل شفتيها قبلات متقطعة رقيقة ختمها بأخرى تعمق بها .. كانت تحاول مقاومته و لكن يبدد هو جميع مقاومتها، حتى إبتعد عنها يقول و هو يهمس أمام شفتيها:
– أنا عايزك تهدي .. و تفكري بعقل، أنا مبعملش حاجة غير شغلي .. و غيرتك اللي حبيتها أوي دي .. صدقيني مالهاش لازمة!
تركته تمسح شفتيها قائلة بعِند:
– بس بردو عايز أمشي
– شوية و هنمشي سوا .. يلا أقعدي بقى عشان مش هعرف أركز كدا
تركته وجلست، و كانت بقية المريضات محترمات إلى حدٍ ما، حتى إنتهى و أخيرًا يمسح جبينه المتعرق مستندًا بظهره على المقعد:
– تعبت أوي
نهضت و تقدمت منه ترفع جسدها على المكتب لتجلس أمامه تقول بهدوء:
– هنروّح؟
– آه .. أريّح بس شوية
تفاجأت به يضع رأسه فوق فخذيها محاوطًا خصرها، يغمغم بإرهاق:
– إلعبيلي في شعري شوية
تنحنحت بحرج و بخجل لم تفعل، فـ بدون أن يرفع رأسه أمسك بكفها وضعه على خصلاته الناعمة، فـ أخذت تمسد عليهم ليقول هو متلذذًا:
– آآآه الله .. كمان .. حاسس أمي اللي بتلعبلي في شعري!
إبتسمت، و مالت على خصلاته تستنشقها بعشقٍ، أنفاسها الضاربة في فخذها أسارت القشعريرة في جسدها، ولا تعلم لما إمتلئت عيناها بالدموع تغمغم و هي بالكاد تكبح ذاتها من الإنفجار بكاءً:
– هو إنت ليه بتكرهني؟
صدرت تنهيدة أكبر منه، يرُد بينه و بين نفسه:
– أنا محبتش في حياتي أدِّك
نهض عنها يأخذ مفاتيح سيارته و هاتفه يقول بنبرةٍ خاوية التعبير:
– يلا نمشي!
صمتت ليل تنهض عن المكتب و من شرودها إلتوى كاحلها فأصدرت صرخة موجوعة إنتفض لها قلبه يلتفت لها لتُسرع بالإستناد عليه، أمسك ذراعها يقول بلهفةٍ:
– إيه اللي حصل!!
قالت بأنين:
– آآآه .. رجلي إتلوِت!
أجلسها على المقعد و يملس على الأرض على كاحليه يتلمّس قدمها و ينزع عنها حذائها، وجدها متوىمة قليلًا بالفعل ليرفع رأسه لها يقول بقلق:
– وارمة شوية
نست كل شيء، نست تورم قدمها و نست ألم كاحلها و إنتبهت فقط بكل جوارحها على جلوسه أمامها بتلك الطريقة و تلمُّسه لقدميها هكذا، لكن فورما ضغط على موضع الألم حتى صرخت و أمسك بكتفه تقول و هي على وشك أن تبكي:
– بالراحة يا ريان لو سمحت!
قال مسرعًا:
– حاضر معلش .. أنا هقوم أشوفلك مرهم عشان متقبلش كدمة!
جاء بالمرهم يفرغ منه القليل على إنمله و يمسح به فوق كاحلها، إزدردت ريقها بخجل منه .. من جلوسه هكذا أمام قدميها و من فعلتُه، حتى قالت بحرجٍ:
– خلاص يا ريان .. كفاية كدا، هحاول أقوم
وقف أمامها معتدلًا بوقفته، و مد كفيه لذراعيها ليجعلها تنهض، فـ نهضت بالفعل لكن تثاقلت بجسدها عليها تقول بألم:
– بتوجعني لسه
مال عليها و لم يجد حلًا سوى حملها، شهقت بخجل تتمسك بعنقه قائلة:
– إنت هتشيلني كدا قدام البنت اللي برا؟
فتح الباب بعدما أسندها بكفه الموضوع أسفل ركبتيها و فتح بكفه الآخر باب المكتب، يخرج منه و هو يحملها بينما ناظرته مساعدته غير مصدقة ما يحدث، إلتفت لها يقول بجمود:
– إقفلي الكلينك كويس و إبعتيلي على الواتس مواعيد بكرة
خرج من العيادة و إتجه للسيارة، أجلسها في المقعد جواره و جلس في مقعده بينما هي بالكاد تستطيع أن تكتم ضحكاتها الفرحة السعيدة لإهتمامه الغريب هذا بها، جلس جوارها فـ إستنشقت نفحات عطره لتبتسم أكثر، قاد بها يقول بإهتمام ملتفت لها:
– واجعاكِ لسه؟
قالت بحرجٍ:
– يعني مش أوي
أومأ لها دون رد، فـ أجلست المقعد قليلًا حتى و نامت على جنبها تنظر له .. تتأمله، بدايةً من خصلاته الناعمة المصففة، نزولًا لعيناه القاتلة .. لم يطن بهما شيء مميز سوى أنهما حادتان قليلًا، و رُبما كانا مميزتان في عينتها هي، و ذلك الأنف الحاد المرفوع بغطرسةٍ، شفتيه الرفيعتان الحادتان، و ذقنه المنمقة تلك عنقه الذي توسطته تفاحة آدم .. كم تمنت تقبيلها يومًا ما .. لم تفعلها يومًا و لا تعلم لِمَ .. فـهو بات زوجها و تستطيع فعل ذلك ببساطة و إن كان نائم، تنهدت و قبضته فوق المقود بـ كفٍ واحد لفتت أنظارها .. لاسيما عندما أدار المثود بيدٍ واحدة ببساطة شديدة ثم أعاده لمكانه، يده التي إمتلئت بالعروق و برزت في ذراعه بكثرة، كانت قد تلمستها امن قبل في لحظاتهما الخاصة، كانت تكتشفه و كأنها تراه للمرة الأولى، ماذا سيحدث لو قضت بقية عمرها في أحضانه، و ماذا سيحدث لو بقي هكذا مهتم بها، قاطع شرودها به عندما قال يغمز لها بمكر:
– إيه .. هو أنا حلو أوي كدا؟
جحظت بعيناها، لتختنق فجأة و سعلت بقوة جعلته يقطب حاجبيه مُربتًا على ظهرها و هو يجمع بنظراته بينها و بين الطريق يقول:
– اسم الله عليكِ .. إيه يا بنتي بتشرَقي من الهوا
سف السيارة على جانب الطريق عندما وجدها لازالت تسعل، أسرع بأخذ زجاجة من المياة كانت فوق تابلوه السيارة، و وضع كفه تحت ذقنها يجعلها ترتشف المياه و وضعت كفها فوق كفه بعفوية، حتى أبعدت رأسها علامةً أنها قد إستكفت، مسح بـ إبهامها شفتيها يمسح بقايا المياه من على فمها، خجلت لتعود مستلقية على جنبها .. فـ يقول بهدوء و كفه يمسد على خصلاتها:
– إنتِ تمام؟
أومأت له، فـ تمتم بـ لين:
– طيب نامي شوية .. شكلك تعبان
أومأت له تنظر لعيناه و لا تعلم كيف تستجيب هكذا لما يفعل، تقسم أنها تتعرض الآن للتنويم المغناطيسي من خلال عيناه، أسدلت عيناها .. و لكن توقفت أنفاسها تمامًا عندما شعرت بشفتيه على جبينها في قبلةٍ عميقة، ثم إبتعد و عاد يسير بالسيارة و كأنه لم يبعثر مشاعرها للتو .. تلك المرة الأولى التي يقبلها فيها على جبينها .. كم كانت قبلة جميلة لن تنساها طيلة حياتها، قبلة في أساسها ليست شهوانية أبدًا، بل تُعبر عن عشقٍ خالص تُشكك هي في يوجوده في قلبها، لماذا فعلها .. أهذا ردًا على سؤالها؟ إبتسمت بشدة حتى أنها أخفت وجهها بكفها لكي لا يتبين له تلك الإبتسامة التي شقت وجهها و لا تعرف كيف نامت .. غلبها النوم
بينما تأكد هو من نومها، حتى وضع إنمله أمام أنفها يتأكد من إن كانت وتيرة أنفاسها منتظمة أم أنها تصتنع النوم، وجدها بالفعل نائمة، فـ تنهد و عاد يقبض على المقود قائلًا بصوته الرجولي:
– بقى أنا بكرهك .. ده أنا محبتش في حياتي أدك، ده إنتِ من أول م دخلتي بيتنا و إنتِ بنتي .. و حبيبتي و كل حاجة في حياتي، ياريت أقدر أكرهك .. يمكن ساعتها بس هعرف أقسى عليكي من غير م ضميري يوجعني، و قلبي يقولي حرام عليك .. مش دي اللي تعمل فيها كدا .. مش هي دي اللي تتغابى عليها أوي كدا، إنتِ عُمري .. عارفة يعني إيه عُمري .. يعني عمري كله بيتلخّص فيكي، معنديش أغلى منك .. أنا اللي مش عارف ليه أذتيني كدا .. أنا عارف إنك بتحبيني .. يمكن بتحبيني كـ أب .. أو أخ .. أو يمكن عشان أنا أول حد يديكي حنان و إهتمام .. بس اللي عارفُه و واجعني إنك بتحبيه، اللي مش قادر أصدقه إنه عرف ياخد قلبك مني .. لدرجة تنامي في ح.ضنه و إنتِ مش خايفة .. يمكن الليلة اللي لقيته عندك في الأوضة إتغابى عليكي مثلًا أو فاجئك فـ صرّختي .. يمكن لو مكنش عمل كدا كنتِ هتسلميلُه نفسك عادي، أنا حاسس إني بمو.ت .. بمو.ت من التفكير .. قلبي و عقلي رافضين اللي بيحصل، مش عارف أعمل إيه
فرّت دمعة من عيناه فـ مسحها بعنفٍ، قبض بقسوة فوق المقود حتى إبيضت كفتيه، و بعد سويعات يقود فيها وصل و أخيرًا، ترجل مم السيارة و وإتجه لها، فتح الباب و مال عليها يحملها بين ذراعيه لترتمي برأسها داخل أحضانه، ضمها لصدره بتملكٍ وسار بها يشير للبواب لكي يسير أمامه .. أمرهُ بنبرة حادة:
– هات الأسانسير و سجلّي
فعل البواب مسرعًا، ليصعد ريان الأدوار بالمصعد ينظر لها بعشقٍ لا يستطيع وصفُه، وصل المصعد فـ أسندها على الأرض فورما خرج من المصعد لكي يفتح باب الشقة ولكن لازال محتفظًا بجسدها على صدره محاوطًا خصرها الرفيع، دفع الباب بيدُه و حملها و دلف يغلق الباب بقدمه، وضعها على الفراش و مسد على خصلاتها، يقول مبتسمًا:
– نومك تقيل و غبي زي زمان .. الطبل البلدي ميصحكيش!
أسند جبينه فوق جبينها هامسًا بنبرة يشوبها الألم:
– بمو.ت فيكِ
إعتدل بجلسته و نزع عنه قميصه و حذائه، و نزع عنها أيضًا حذائها، يبدل ما كانت ترتديه بـ منامية خفيفة كي لا تُدايقها .. و لا يعرف كيف تحكم بـ ذاته أمامها، هو رغم النساء اللواتي يتمنين نظرةً فقط منه أو تلميح صغير لكي يعرضن أنفسهن عليه .. يهيم بها هي .. و يضعف أمامه أدق و أصغر تفاصيلها .. يجن عندما يراها بملابس قصيرة أو بدون .. يعود كـ مراهق لازال يكتشف الجنس الآخر، إبتسم على حاله يغمغم لنفسه:
– ده أنا بشوف ستات عريانة في العيادة كل يوم .. إشمعنا الجزمة دي اللي ببقى همو.ت عليها كدا!
ضحك على حاله و هو يضع عليها ملابسها و يقسم أن أناملخ ترتجف فإنفجر ضاحكًا بسُخرية متمتمًا:
– و إيدي بتترعش كمان .. ده أنا خِبت ع الآخر
مال عليها يُقبل شفتيه بحُب قبلة سطحية رقيقة .. و إبتعد عنها يقول بمكرٍ:
– أحلى حاجة في الموضوع إنك لسه نايمة .. مش عارف إزاي!
أغلق الأنوار و إستلقى جوارها ، يسحبها من خصرها او ظهرها يقابل صدره ، رأسها اأسفل رأسه فأسند ذقنه فوق فروة رأسها بعدما أخذ نفسًا عميقًا من عبق خصلاتها الناعمة .. يُقبلها و كفه يصعد و ويهبط على ذراعها هامسًا:
– تصبحي على خير يا حبيبتي
إستفاقت من نومها من قبلُه، نظرت لثيابها التي تم تبديلها ولا تعلم كيف، لكن علمت أنه من فعل، إغرورقت عيناها بالدمعات فجأة، ظلن تناظره و هو نائم على معدته جوارها وجهه في قبالتها غارق في نومه و عاري الصدر يستند برأسه فوق ذراعه العضلي، بكت حتى تعالى صوتها، فـ إستفاق يفرك عيناه ثم تأفف بضيق:
– يا صباح النكد .. بتعيطي ليه يا أخرة صبري
لم تجيبه بل نظرت له بضيق أكبر تنهمر دمعاتها ثم نهضت من جواره، ف قال بحدة و هو يرفع رأسه عن ذراعه:
– لما أكون بكلمك تيجي هنا تترزعي قدامي و متسيبينيش و تمشي .. تـعـــالــي!
ذهبت له و الخوف يضرب فرائصها جلست جواره تجف دمعاتها مغمغمة بحزن:
– في إيه!
نام برأسه على ذراعه، يتفحص هيئتها القابلة للأكل بالنسبة له، يود لو أن يقضم تلك التفاحتان على وجهها و الكريزتان تلك أسفل أنفها، يقول بعد شروده بها للحظات:
– إنتِ اللي في إيه؟! بتعيطي ليه ع الصبح
إنفجرت به تبكي بحُرقة كالأطفال تضرب بذراعيها الفراش جوارها:
– أنا إتخنقت بقى و زهقت أوي، قاعدين هناك بقالنا كتير و أنا ماما دليلة وحشتني و بابا كمان وحشني أوي أوي
كتم ضحكته يراها تبكي كطفلٍ صغير إشتاق لأمه، فـ نهض يستند بظهره على ظهر الفراش جاعلًا من خصره على الفراش، يلتفت لجلواره ليأخذ من علبة سجائره لُفافة تبغ، يُشعلها بقداحته و يقول و هو ينفث دخانها ينظر لها نظرات كالصقر و يفرد ذراعه الأيمن على ناحيتها:
– طب تعالي .. تعالي في ح.ضني شوية
نظرت له بإرتباك، لم تستوعب طلبه من الأساس، حتى أنها تلَبدت و لم تتحرك إنشًا، لتجده يجذبها من ذراعها، يضع رأسها فوق صدرها لتنهمر خصلاتها على جزعه، مسح على ذراعها العاري علوًا و هبوطًا، مما جعلها تزداد في بكاءها فـ قال بهدوء:
– إهدي شوية، مش فاهم أصلًا بتعيطي ليه؟ تعالي قوليلي بكل هدوء أنا عايزة أرجع البيت و هقولك ماشي!
– بجد؟! هتوديني!
رفعت رأسها له، دون أن تبتعد عن صدره و هي في غاية إستمتاعها كونها تتوسط أحضانه، فـ قال ناظرًا لعيناها الجميلتان:
– آه بجد .. بس مش دلوقتي!
قطبت حاجبيها تقول بإلحاحٍ تزيل دمعاتها:
– إمتى طيب؟
– لما أرجع من السفر!
قال و هو ينظر أمامه متحاشيًا النظر لعيناها، فـ إن نظر لها يقسم أنه لن يذهب من جوارها، إبتعدت عنه تنظر له للحظات و قد إنقبض قلبها، تُردف بإرتجافةٍ:
– تسافر؟ تسافر فين؟ من غيري؟!
هتف بإستخفاف:
– مش صغيرة إنتِ يا ليل عشان أخدك معايا، و بعدين أنا هقعد شهر واحد وهاجي على طول!
أدركت الأمر، فـ وقفت على الأرض مبتعدة عنه تقول بحدة و دموعٍ:
– هو إنت بتتكلم بجد!! عايزني أفضل قاعدة هنا لوحدي لحد م سيادتك تحِن عليا و ترجعلي؟! عايز تحبسني هنا!!!
تابعت بقوةٍ لا تعلم كيف فتلبستها:
– عايز تسافر إنتَ طريق السلامة .. لكن أنا هرجع البيت و مش هقعد هنا دقيقة واحدة و إنت مش معايا!
كان هادئًا أكثر من اللازم، كان هدوءه يشبه ما يسبق العاصفة، حتى نهض واقفًا أمامها بعدما دنى بخطوات بطيئة، يقول و هو ينفث دخان سيجارته بعيدًا عنها:
– عايزة ترجعي ليه .. عشانُه صح؟!
طالعته للحظات بيأسٍ .. حتى حاوطت رأسها من الجنبين تنهار في البكاء مبتعدة عنه تجلس في زاوية بالغرفة تبكي بإنهيار على حبٍ ذهب إدراج الرياح .. عشق لن تطوله منه و شك سيظل يلاحقهما، فقدت شتات نفسها، حتى بقيت تضرب على رأسها للدرجة التي جعلت الصداع يشتد به، أسرع هو بالإقتراب منها يجلس أمامها على الأرض على ركبتيه جاعلًا من كامل جشده على كاحليه يلقي بالسيجارة جانبًا و يمسك كفيها مبعدًا إياهما عن رأسها يقول بقسوةٍ و صوت عالي:
– إهـــدي هــا!! أنــا مــش عــايـز جـنـان!
بكت أكثر تاركة كفيها اللذان يرتجافن في يديه تستند برأسها فوق ركبتيها، أشفق عليها .. هي لم تمثل البكاء بحياتها .. ناهيك عن أن شهقاتها تلك من المحال أن تكون زائفة، حاوط وجهها يرفعه له، فـ وجد عيناها شديدة الإحمرار كـ بقع الدماء إزدرد ريقه يمسح على خصلاتها يقول و قد دغدغ القلق قلبه عليها:
– إهدي شوية .. محصلش حاجة عشان تعيطي العياط ده كله!
طالعته بسخرية، تبعد وجهها عن مرمى كفيهتضم ركبتيها لصدرها دافنة رأسها في ركبتيها، لا تستطيع أن تبرر له شيء، أو حتى تخبره أنها كانت و ستظل بريئة، لم تقُل أي شيء؛ مما جعله يزداد قلقًا عليها فـ قال:
– قومي طيب .. قومي إلبسي هنروح!
نفت برأسها تقول بصوت شديد البحة:
– مش عايزة .. عايزة أقعد هنا لوحدي مش هقعد مع حد!
مسح على خصلاتها ببعض من الحنو، يقول:
– طب إرفعي وشك و بصيلي
نظرت له بنظراتٍ صدمته .. كانت نظراتها كارهة له أو هذا ما ظنُه، مما جعله يقول بهدوء مزيلًا دمعاتها بإبهامه:
– عايزة تقعدي لوحدك ليه؟
قالت ببكاءٍ:
– انا مش هستحمل تشك فيا تاني بقى .. أنا تعبت و لو عليا ورحمة ماما أمو.ت نفسي أهون من العيشة اللي كلها سوء ظن دي .. والله لولا إنه حرام كنت موِّ.ت نفسي!
تابعت تعيد خصلاتها للخلف:
– روح سافر، خد التليفون عشان تتأكد إني مش هكلم حد، و إقفل عليا الباب بالمفتاح حيمكن الشقة تولع و معرفش أخرج و أبقى مُت و خلِصت بقى!!
صدم من أفكارها السوداوية، صمت للحظات و لا يعلم كيف آل بها الأمر إلى هُنا، مما جعله يقول يرفق شديد يحاوط وجنتيها:
– بلاش هبل يا ليل .. أنا مش هسمح إن ده يحصلك
نظرت له تبكي قائلة بصوت ينفطر له قلوب الكافرين فـ ما بال هو لا يشفق عليها:
– أنا مبحبش أقعد لوحدي .. إنت عارف كدا مش بحب أفضل لوحدي دماغي بتودي و تجيب و بقعد أفكر في الساعات اللي قعدتها لوحدي بعد م ماما و بابا راحوا! أنا مش هقعد هناك عشان حد .. أنا عايزة بابا و ماما بس!
لانت تعابيره، و مسح حلقه يضم رأسها لصَدرُه ماسحًا على خصلاتها مغمضًا عيناه، يقبل خصلاتها فـ تعود قائلة:
– ليه كل م بنطلع لقدام خطوة بترجّعنا مية خطوة لـ ورا؟ ليه مش قادر تصدق إني بريئة .. ده إنت و ماما و بابا اللي ربتوني .. مطلعني زبالة أوي كدا ليه؟
رفع رأسه لأعلى، هي إن كانت تتعذب هو يتعذب أضعافها، تنهد بألمٍ و لم يقُل شيء، لكنه أخذ ذراعها و نهض يُنهضها معه، لازال محتفظًا بها في أحضانه، يقول برفق:
– روحي حضّري الشنطة!
نفت برأسها تبتعد عنه، تمسّكت بوجنتيه تقول بهيستيرية:
– مش هروح في حتة غير لما ترد عليا، إنت ليه بتعمل كدا معايا؟ ليه بتكرهني كدا؟ ده إنت كنت أحن واحد عليا .. أنا مكنتش بطمن غير في ح.ضنك زمان .. إيه اللي إتغير .. بالله عليك رد عليا أنا حاسة دماغي هتنفجر من الأسئلة، عشان خاطري و حياة ماما دليلة قولي بس ليه بتعمل كدا
ثُقل قلبه أكثر، أثقلته بالأسئلة .. مما جعله يتهرب مجددًا يحاول الإبتعاد عنها بعيناه و بجسده لكنه مسكت ذراعيها العضليان تقول و هي ترجوه:
– متمشيش دلوقتي .. قولي أنا عملت إيه لكُل ده؟
– بـــتـــحـــبــيــه!!!
صرخ في وجهها يدفعها بعيدًا عنه، صدمت و وقفت مشدوهة تنظر له، فـ تابع بقسوةٍ يشير له:
– إنتِ إديتي للي كنت بتطمني في ح.ضنه و رباكي بالجــزمـة، و رورحتي حبيتي واحد في سنك! حبيتيه للظرحة اللي خليتك تسمحيه و بكـل بـجـاحـة يـلمسـك!! تنامي في ح.ضنه! يحط إيده عليكي، تدخليه أوضتك و يحاول يعتدي عليكي و وأنا متوقع إنه دخّلك بغشومية .. و أنا عارفك كويس .. عارف إنك متجيش غير بالراحة و الحنية .. بس هو طبعًا عايز يلحق نفسه قبل م يتكشف فـ صرّختي، و أنا متأكد زي م ما أنا شايفك قدام عنيا كدا إنه لو كان خدك بالراحة .. كنتي هتسلميله نفسك!


