ياسمين2الاخير
الفصل التاسع
عندما احس أنها وصلت لمرحلة صعب ان يتجاوب معها، ازاحها بقوة ثم صكها بقوة على وجنتيها، وقذفها بغضب قائل:
– انتي زيگ زي الحيـ,ـوانه؛ طول الوقت بتدور على غريزتها الشـ,ـهوانية وبس، مفيش في دماغگ غير كده.
نهض بعد ان القى عليها نظرة نارية، وتركها ودلف داخل غرفته، يلوم نفسه ويجلدها بقوة، فقد كان هذا القلم ماكان إلا أنه يضـ,ـرب نفسه على ما وصل إليه من عجز، تألم على حالتها وحالته، بينما هي مازالت اثار ضـ,ـربته على وجنتيها، واضعه كفها عليه، وتسأل نفسها ما الذي جنته تستحق منه رده هذا ؟!
هل اجرمت حين اقتربت من زوجها؟ الم يكن الجالس حقها على سنة الله ورسوله؟
لماذا يعاملها كأنه آتى لها من إحدى البارات، او انها عاهرة؟
لما جـ,ـرحها في عواطفها وطـ,ـعنها في كبرياءها بهذه الطريقة المهينه؟
والأهم من كل ذلگ؛ لماذا تزوجها من الأساس؟
دارت كل هذه الأسئلة داخلها، ولم تجد لها اي إجابه، جففت السيل المتساقط من عيناها، وضمت بيدها جسدها الحزين تربت عليه بشفق، في حركة اكتسبتها مأخرا من طول تصرفاته الغريبه معها،
فام تجد يد غير كفها من يخفف الامها.
غفت مكانها على تلگ الاريكة التي شهدت عذابها منه.
تستيقظ “ياسمينا” من نومها متأخرة في غير عادتها، لم تشعر بإستيقاظ زوجها وذهابه لعمله، نظرت حولها تعجبت انها غفت ليلتها على هذه الاريكة التي شهدت ليلة بارحة جفاف مشاعرها ولحظات حرمانها وكلامه الاذع لها، نهضت بخيبة أمل ترتب منزلها وتعد وجبة الفطور لذاتها.
دلفت للمطبخ وفتحت المبرد امسكت بيدها علبة الجبن، لتخرجها، رمقتها بسدة نفس، ثم ادخلتها مره ثانيه، واغلقت المبرد، وتوجهت تعد كوب من النسكافيه لشعورها بألم شديد في رأسها، لكنها اكتشفت بأن العلبة فارغه، زفرت انفاسها بغيظ، وهاتفت محل البقاله القريب منها؛ لتبضع بعض المشتريات للمنزل، جلست تنتظرة بعد ان املت عليه كل ماتريد، بعد مرور خمسة عشر دقائق ودق باب شقتها برجل الدليفيري، نهضت وفتحت له، وطلبت منه ادخالهما للمطبخ، وتوجهت لغرفة نومها تجلب له النقود، ودفعت حسابهم، وما أن اغلقت الباب كان “جاسم” يصعد درجات السلم ممسگ بيده باقة من الورود كان ينوي ان يقدمها لها ليصالحها على ما بدر منه، لكنه تفجأ بهذا الرجل يغلق باب شقته، أسرع خطواته وانقض عليه يمسكه من تلابيب قميصه متسائلا عن هويته وماذا يفعل هنا، اجابه بخوفٍ ورعب متلجلج في حروفة:
– أنا بتاع الدليفيري، بوصل طلبات لمدام ياسمينا.
رمقه بنظرات حاده مرعبه حينما نطق حروف اسمها، جعلت ارجل الرجل ترتعش خوفًا من نظراته التي كان الشرار يتطاير من مقلته، قذفه بطول ذراعه بعيدا، جعلته يكاد ان يقع ويتدحرج على درجات السلم.
بينما هو وضع مفتاح شقته وفتح الباب وولج للداخل وصوته يعلو في جدران المنزل منادي عليها بكل مايحمله من نيـ,ـران الغضـ,ـب قائلا:
– انتي فين ياهانم؟
يا ياسمينا انتي فين؟
اتاها صوتها من داخل المرحاض قائلة:
– أنا في الحمام ياجاسم.
رد بغبـ,ـاء شديد:
– بتعملي اية؟
هزت راسها بقلة حيلة متعجبه من رده، فقالت بسخرية:
– بلعب مع الخبـ,ـث والخبـ,ـائث، تحب تلعب معانا؟
– طب اخلصي اطلعي حالا لحسن العب في وشك البخت.
فتحت باب المرحاض وهي تحدث نفسها بصوت منخفض:
– اللي يسمعك ملهوف اوي على طلوعي يقول هتهد الحيطان.
– متقلقيش ما أنا ههدها فعلا.
وقعت عينيها على ما يحمله بيده من باقة ورد فرفعت رأسها مبتسمة من جرأته في الحديث ورومانسيه على باقة الورد فغمزت له وهي تبلغه بمشاكسه، وتناست كل ما بدر منه ليلة أمس:
– هو أنت طلعت سسسسس وأنا اللي كنت زلماك.
رد عليها بعنف وهو يتمنى يقسم رأسها نصفين:
– وليكى نفس كمان تتكلمي، ده انتى ليلة اهلك سوده.
وأكمل بأتهام من خياله المريض:
– الزفت اللي لسه نازل من شقتي كان بينيل ايه ؟
تحولت حالتها للنقيض في ثانية، ورمقته بقهر وخذلان، وسبت عقلها الذي يوهمها دائما بأفكار ليس لها عـ,ـلاقة بواقعها المرير؛ فنطقت وهي تكبح دموعها:
– أنت أنسان مريض واناني، ابعد عني بقى يا أخي.
تلجم عندما سمع كلمتها الاخيره، امسكها من معصم يدها قبل أن تتحرك وابلغها بضعف:
– ياسمينا أنا مش اخوكي، أنا جوزك.
شعر بمراره مما سيقوله لها، لكنه اغمض عيناه مجبرًا عيناه ان تحبس دمعه تريد السقوط، وقال بوجع وصل لفؤادها:
– والله أنا عمري ما كنت كده.
قال كلامه بنبره حزينة مغلفه بوجع شديد بداخله، كم حاول اخفاءه والآن خرج دون ارادته، بينما هي استنتجت من حديثة شيء ما فـ اباحت به عن خجل قائلة:
– كلامك ده يدل أنك عملت علاقات قبل كده؟
هز رأسه وكانت تتساقط دموعه التي عاندته وتحررت للتو، من قهره على رجولته الذي لا يعلم ما أصابها واعترف لها:
– اه….وعمري ما كنت كده ؟!
ووالله قبل ما اعرفك من زمان.
– مش فارق معايا قبل ولا بعد، المهم ليه وصلت لكده؟
– مش عارف والله مش عارف، كل ما بحاول برجع للصفر.
نظرت له باشفاق على حالته، واقتربت منه وجففت عبراته بأطراف اناملها، وضمت رأسه لصدرها في حنو، ممسده بيدها على خصلات شعره كأنها أمه وليس زوجتة، ثم قالت هامسه:
– طيب ممكن العيب فيا أنا ؟!
تحب البس ايه أعمل ايه…؟
قول يا جاسم انت بتحب ايه وأنا أعمله من غير تردد؟
أنا نفسي نعيش سوا حياة عادية زي اي اثنين متجوزين، تعالى ندور على حل عشان نعيش سعداء سوا.
خرج من احضانها، ورمقها بحزن وقلة حيله، كم شعر بضعف رجولته برغم تكتل جميع عضلاته في بنيان جسده القوي، لم يجد حل لديه، تركها ونزل من المنزل وظل يجوب بالشوارع يحاول يصل لأجابه هو نفسه يجهلها، حتى تردد على مسمعه اخر كلام قالتها:
– طيب ممكن العيب فيا… ؟!
فكر مرارا وتكرارا فيه حديثها وهز رأسه، هي انثى رقيقه ليست شبيه لمن كان يعرفهم قبـ,ـلها في شبابه، فكلهم نساء خبيرات متمكنات فأكد لنفسه هي لا تعرف كيفية تحريك رجولته وغـ,ـزيزته نحوها، وكان عليه أن يذهب لمن يحركها حتى يطمئن على ذاته، وبالفعل حرك سيارته اتجاه منزل معرف لل**د** عا **ره، ودخل أختار آمرأه لا يتجادل احد على مفاتنها الفياضة، دخلت معه الغرفه، ومددت جسدها الممشوق فوق الفـ,ـراش، وانتظرته يقول شيء، لكن لم يقل، فنتظرت يفعل، لكنه لم يفعل، كان كالجبل واقف لا يهزه ريح، تأففت من وقوفه هكذا، واخذت هي أولى خطواتها نحوه في جرأه عادية لمثل من تعمل في هذا المكان الموبوء، فنهضت وسارت نحوه بغنج، واقتربت ومدت يداها تفتح له ازرار قميصه، وهي تسير بداخل صدره تعزف على اوتار قلبه، ثم ابلغته بمرقعه:
– تحبه سوفت ولا هت ؟!
تنحنح وهو يستحى من نفسه ويرفع يده يمسح حبيبات عرقه:
– لا.. مش ده طلبي.
الفصل العاشر
دفعته بقوه على الفراش وهي تعتليه، وتحرك أنامها على صدره العاري:
– طب تحب ازيت ال ك ر با. ج ؟
– بلع ريقه ولم يجد ما يرطبه من كثرة الخفاف :
– اصل حضرتك…..
اطلقت ضحكاتها الرنانه وهي تسخر منه:
– حضرتشي هيهيهيهيهي، اوعى تكون منهم.
سأل كالابله وهو يحاول الهروب من تحتها:
– من فين يا فندم؟
وقفت وهي تهز كتفيها العاري:
– عايز حد يهزقني، يهزقني.
رمش بعينه بأحراج:
– يا آنسه…..
قطعته وهي تضحك ضحكات مدروسة:
– هيهيهي كمان آنسه، لا لا لاااااا أنت كده بتشكك في قدراتي.
ثم أكملت وهي تجذبه من حزامه الجلدي عليها:
– اوعى تكون فاكر أني شمال.
رمقها بأستغراب وهو يحاول الإفلات من اغوائتها الفاشلة معه:
– لا طبعا لا سمح الله، حضرتك أكيد غلطتى في رقم الشقه بس.
اعترضت على ما فهم بشهقه:
– لاااااا، أنا واخده الموضوع ده هوايا…
ثم غمزت له وهي تصفعه على كتفه:
– حتى ولا يهمني الفلوس يا شبح، عايزاك تسبلي نفسك خالص وأنا هثبتلك كلامي واظبطك، واروقك على الاخر.
أغمض عينه وانصاع معها لكن شعر بخـ,ـنق في تنفسه وهيجان في عقله،
فحالته كما هي مع زوجته لا جديد فيها، نهض وجلس يشعل سجارة وجد العلبه على الكومود الموجود بجانب الفراش، التقطها وزفر انفاسها بحرقة لا تماثل ما بداخل قلبه، برغم عدم اعتياده على التدخين، لكن في هذه اللحظة كانت هي منقذه الوحيد، بينما هي اعتدلت في جلستها، ولوت جانب شفتها واخذت منه السيجاره تاخذ نفسًا منها ثم اخرجته قائلة بسخرية:
– هو أنت طلعت منهم، بتوع الصيت ولا غنى؟
نظر لها بشرار يحـ,ـرقها، انتفخت كل عروقه، حروفها كانت بمثابة الكبريت الذي اشعل نيـ,ـرانه ووهـ,ـجها، لم يشعر بنفسه إلا وهو ينهض يضـ,ـربها صفعات متتالية، جعلها تصرخ بكل صوتها،
كانت كل صفعه منه عليها يريد أن يوجها لنفسه، وما فعله بها ليصل لهذا المصير، تركها بعد أن هلكت قواه، ثم جلس على طرف الفـ,ـراش، وضع رأسه بين يده من التعب، وبعد لحظات في صمت اخرج من جيبه مبلغًا كبيرًا من المال رماه بجانبها وقال:
– بعتذر ليكى…. ممكن لو مش فيها مضايقه لما اطلع من هنا تقولي كان عنتر معايا في الاوضة.
كانت ترمقه بنظرات حاده تتمنى أن تقتـ,ـله، لكن الجمت نفسها، وهي تضحك ساخره منه:
– هيهيهييهي عنتر ؟!
وماله بس سيفك ضاع منك ولا ايه يا عنتر عصرك وزمانك؟
نظر لها بخذلان فهو تأكد أنه به شيء يمنعه:
– والله لو كنتى شوفتينى من كام سنه كنتى حلفتي أنك كان معاكي أسد.
ردت ساخره من تشبيه لنفسه:
– لكن دلوقتي طلع بردعه.
تركها ورحل يلم ما تبقى من كرامته، استقل سيارته، وانطلق بسرعة عالية، ولا يعرف إلى أين يسير، لكنه أراد أن يكون بمفرده، فالدنيا اصبحت داخل عيناه في حجم خرم ابره، فقد كان يريد الصراخ ولا أحد يسمع صوت نواحه، ولا يشعر بوجوده، لكنه تفاجأ بعربة تفتح النور وتغلقه تريد منه المساعدة، وقف سيارته وترجل لهم، حتى يثبت لنفسه أنه رجل بأي شيء، فظن انهم في مشكلة خصوصا في هذا الطريق الصحراوي، وعليه مساعدتهم، لكنه تفاجأ بمن يحاصرونه بالمطاوي وواحد يبلغه:
– من سكات ومن غير عوء طلع اللي في جيوبك.
حاول يأخذ معهم موقف لكن كيف وكلهم يمسكون سلاح أبيض، فأخرج كل ما في جيبه ووجد واحد منهم افرغ تنك سيارته من الجاز، وانسحبه على الفور، جلس أرضًا ينعت حظه وعلى ما وصل له من حال مأسف.
خرجت من فاه صرخة مدوية وصل رنينها لعنان السماء، رفع بصره لأعلى مناجيًا ربه قائلا:
– يارب ارحمني من العذاب اللي انا فيه، انا مش عارف عملت اية في دنيتي استاهل عليه كل اللي انا فيه ده…. بيتي على وشك الخراب… حياتي ادمرت… فقدت أغلى ما يملكه راجل… ودلوقتي وصل بيا الحال اني مكسور… مهزوم مش عارف حتى اروح لبيتي… يارب الطف بيا وارحمني.
ظل يصرخ ويبكي ويبكي وبداخله اوجاع لا يوجد بشر يشعر بما يكنه.
طال وقته حتى لمح على بعد بصره سيارة نقل تسير بسرعة، اشار لها بكلتا يداه محاولا لفت انتباه السائق، لاحظ السائق اشارته، فوقف بالقرب منه، تنهد براحة وتقدم منه فقال له السائق:
– اي خدمه اقدمالك يا استاذ.
– ياريت لو ممكن اعمل مكالمه من تلفونك، انا طلع عليا حرامية وسرقوا كل حاجة معايا.
– اه ياباشا اتفضل، ربنا ينتقم من ولاد الحرام.
التقط الهاتف منه بسرعة واجرى مكالمه هاتفية لزوجته، وحين ردت قال باختصار:
– ياسمينا أنا هتأخر متقلقيش عليا.
ليه ياجاسم، انت فين؟
– طلع عليا شوية حرامية وسرقوا كل اللي معايا،
وهستني لحد ما الاقي عربية تقطرني.
اعتدلت من مجلسها وقلبها يكاد ان يخرج من اضلعها ونست في لحظة ما حدث منذ قليل بينهما وقالت له:
– طب انت كويس ياحبيبي؟
– الحمدلله، متقليش
– امال رقم مين ده؟
– سواق كتر خيره اخدت تلفونه اطمنك، سلام دلوقتي عشان مطلوش عليه.
أغلق معها وقدم الهاتف للسائق وشكره، ثم تقدم نحو سيارته ليجلس بداخلها يحتمي من برد الشتاء القارص.
بينما “ياسمينا” كانت تجوب الغرفة ذهابًا وايابًا قلبها يرتجف من شدة الخوف عليه ان يصيبه مكروه، ظلت تزفر انفاسها الغاضـ,ـبه فهي لا تستطيع الانتطار، كل دقيقة تمر تنظر لساعة الحائط، لكنها تكاد ان تعاندها؛ فالوقت لا يمر، عيناها تعبت من النظر للنافذة لعله يعود للتو، لكنها عند هذه اللحظه لم تحتمل، توجهت لخزانة ملابسها وارتدت ثيابها واقامت باتصال هاتفي تطلب سيارة أجرة (اوبر) دقائق مرت وهبطت ودلفت للداخل تشرح له الموقف، وسارت لنجدة زوجها، واثناء سيرهما توجهت لاقرب بنزينة تجلب منها زجاجة نزين كبيرة لتمون بها سيارتهما، ونظرًا للوقت المتأخر من الليل وصلت إليه في زمن قياسي.
بحثت عنه في المكان فلم تجده، زاد قلقها عليه، فأين ذهب في هذا المكان المجهور؟ هاتفت الرقم الذي حدثها منه، لتسأل عنه فأجابها السائق بأنه تركه في نفس المكان الذي حدده، لكنه اخبرها بأن هناك استراحه على بعد امتار قليله، فربما توجه إليه، شكرته بشده واغلقت معه، ثم وجهت حديثها لكابتن السيارة قائلة:
– معلش يافندم ممكن بس تمشي شوية كمان بيقول في كافتيريا على بعد كام متر.
– تمام يافندم مفيش مشكله، بإذن الله هتلاقيه هناك، وأنا مع حضرتك لحد ما توصلي ليه بالسلامة.
– متشكرة اوي لذوق حضرتك.
مر خمس دقائق وإذا بها تراه جالسًا على مقعده يرتشف فنجان قهوة.
توجهت له وبيدها ممسكه زجاجة البنزين، وحين نادت عليه تفاجأ بوجودها وقال:
– ياسمينا …!! مش معقول؟!
اية اللي جابك هنا يامجنونه؟
اقتربت منه ووضعت الزجاجة على المائدة، وضمت اكتافه قائلة:
– يعني عايزني اشوفك في الزنقة دي واسيبك وانام.؟!
طب تيجي دي ازاي ؟!
الحمدلله انك كويس، وفداك اي حاجة تتعوض، المهم سلامتك.
– الله يسلم قلبك ياقلبي.
مين اللي وصلك.
– طلبت اوبر، والكابتن كتر خيره مسبنيش غير لما وصلتلك، وكمان اشتريت بنزين عشان تملى العربيه.
– والله برافو عليكي، مجنونه بس بميت راجل.
ضحكت ودفعت ثمن المشروب، ثم توجهان للكابتن وشكره بشدة، وركبا معه ليقوم بإيصاله لسيارته، ثم دفعت الحساب له مع زيادة تقديرا لتعبه معها.
املئ “جاسم” السيارة بزجاجة البنزين، وجلسا بالداخل وقالت له في حب:
– كنت همـ,ـوت لو جرالك حاجة وحشة.
– وأنا كنت هتجنن عليكي، ونفسي ارجعلك واخدك في حضني.
ارتمت في احضانه تلتمس منه الأمان الذي فقدته في غيابه، ثم بعد مده قليلة سار متوجهين لمنزلهما.
★******★
وبعد مرور شهر على هذا الحال من الجفاف العاطفي وتصحر المشاعر،
قد انطفأ لون وردتها، وذبل رونقها بالكامل من كثرة آلامها النفسي وزاد عليه اليوم ألم لم تتحمله داخل معدتها، مغصة تأتي وتذهب، مع الشعور بالتقئ، وحين استنشقت عطر ينثره احدى المتدربين، نهضت مهرولة نحو المرحاض لتفرغ مافي معدتها، كانت عاملة النظافة تراقبها خلف الباب، منتظره خروجها لتطمئن عليها، لكن وجودها بالداخل طال عندما اتاها مكالمه من والدتها، وردت عليها رادفة بوهن تخرج كلامتها بصعوبه على سؤالها المتكرر للخلفه:
– الحمدلله، احسن ياماما…. إزاي بس أقوله دلوقتي….. لا طبعا مينفعش…. إحنا لسه متجوزين مش بقالنا كتير…. ومن الاخر خايفة يرفض او يعترض….. خلاص بقى يا ماما، ربنا يسهل لو قدرت ابلغه هقوله وربنا يسترها.
انهت معها وخرجت وجدت العامله تبحلق فيها، فنظرت لها “ياسمينا” قائلة بأرهاق وأعين متعبه، بوجه اصفر كـ لون الليمون:
– أنا طالعه يافاطمة، لما يرجع جاسم قوليله اني فوق.
– حاضر ياست ياسمينا، الف سلامة عليكي.
اومأت بعيناها، وسارت بخطى بطيئة لشقتها.
صعدت للداخل وارتمت على أقرب اريكة، تمدد جسدها المتهالگ فوقها، وهي تتذكر حديث والدتها لها، اغمضت عيونها بألم.
★****★
في الصالة الرياضية جاء “جاسم” بهيئته البهية يبحث بعيناه عن زوجته لمحته “فاطمة” اسرعت نحوه والابتسامة تعلو وجهها قائلة:
– الف مبروك ياكابتن، قدوم ولي العهد عن قريب.
كان “جاسم” يرفع قارورة الماء نحو فمه حتى يروي ظمأه؛ وعند سماعه حروف المتطفله بثق المياه وهو يبلغها بهلع:
– انتي بتقولي اية يازفته انتي؟
– بقولك مبروك، ست ياسمينا حامل، انت لازم بقى تحليلي بوقي بورقة كبيرة ام متين جنيه.
انصدم حين سمع خبر حملها، برغم انها أربع حروف لكنها كانت قادرة علي طعنه في قلبه بأربع طعنات متتاليه تقضي عليه للتو، لم يرد عليها وصعد يركض لأعلى يسابق الريح ليصل لها، وحين ولج للداخل، سمع صوت تقيئها صادر من المرحاض، نادى بأعلى صوته، فقد كان صوته مثل زئير الأسد يهتز له كل الجدران، خرجت برعب من صوته ومنظره، تسائلت عن سبب هذا الهياج، لم تجد منه رد الا أنه سحبها من خصلات شعرها يجرها ارضًا، صرخت وتألمت بشده متسائلة عن السبب، وهو يضـ,ـرب بها بكل ما أُوتي من قوة في كل اجزاء جسدها هاتفا بغضب عامر يحتله:
– أنا بتخونيني يا فاجرة؟
وحامل من مين ياوسخ..
الفصل الحادي عشر
لم تجد منه رد الا أنه سحبها من خصلات شعرها يجرها ارضًا، صرخت وتألمت بشده متسائلة عن السبب، وهو يضـ,ـرب بها بكل ما أُوتي من قوة في كل اجزاء جسدها هاتفا بغضـ,ـب عامر يحتله:
– أنا بتخـ,ـونيني يا فـ,ـاجرة؟
وحامل من مين ياسـ,ـافلة ياوسـ,ـخ..
كان اصواته عالية، تكلمت عند اتهامها بهذه التهمه الشـ,ـنيعه قائلة بنبره مبحوحه:
– اية الكلام التخريف ده، جبته منين؟ مين اللي قالك الكلام ده بس؟ بقى دي اخرتها ياجاسم بعد كل اللي مستحملاه معاگ وأنا ساكته، ومش عايزة اتكلم.
قالت كلامها والدموع تنهمر من مقلتيها، ونزيف انفها يسيل من كثرة ما تلقت من لكمات منه، استغلت سماعه لحديثها ونهضت بصعوبه، ووقفت وقدماها تعلن عليها العصيان بالوقوف، ترتجف من شدة الوجع، ابتلعت لعابها وقالت:
– والله العظيم مش حامل، ولو عايز تتأكد ابعت هات تست حمل من أي صيدلية عشان اثبتلك ان كلامگ ده ملوش اي اساس من الصحه.
ثم قيدت يدها على صدرها وقالت وهي تقصد أن توجعه كما أوجعها:
– ولا ليه ده كله تعالى نروح حالا لدكتورة تقولك المدام فيرجن.
ارتمى بثقل همومه على المعقد واخذ يزفر انفاسة عاليًا ثم قال بحده:
– امال البنت فاطمة جابت الكلام ده منين؟
– معرفش؟ يمكن خمنت لما لاقتني برجع وماسكة بطني بوجع.
– تقوم تقول كده؟
– عادي هو ده طبع الناس، أول مايشوفوا واحده متجوزة بترجع ونفسها غامه عليها يقولوا كده، وأنا بطني فيها برد جامد ومقلوبه.
نهض محاول إصلاح مابدر منه، لكنها ابصرته بحزن وخذلان منه، رفضت بشدة أن يقترب أو يلمس جـ,ـروحها، ونظرات العتاب واللوم تجلده بسواط على جسدة كما فعل بها منذ قليل، ودلفت داخل غرفتها ترتمي فوق فـ,ـراشها، محتـ,ـضنه وسادتها التي تؤنسها طوال وقتها.
شعر بتأنيب الضمير، وتوعد للعامله بأقصى جزاء لما تسببت فيه من غباءها في فعلته هذه.
********
حاول كثيرًا “جاسم” ارضاءها بكافة الوسائل، حتى يعوضها بالنزهه والخروجات التي، وايضًا العزومات، لا تنكر انه عرف يراضيها، لكن هناك احتياج لا يمكن ان تطيبه بكلمات، او هدايا، ومر شهر أخر والحال كما هو عليه بينما يحاولان التأقلم والتعود، وكل الذي جد انهما ينامان في احضان بعضمها، فهذا كل ما يتمناه، وهي ايضًا مثله.
كان “جاسم” يباشر عمله في الصالة الرياضية جاءه اتصال، وحينما سمعت زوجتة صديح رنينه، تقدمت نحوه وامسكته لترد على والدته قائلة بحب:
– ازيك يا ماما الحجة، صحتك عامله ايه؟
– ازيك يا ياسمينا يابتي، أنا زينة طول ما ولدي الغالي زين وياكي، مع إني نفسي تيچي تبشريني بالخبر اللي عيشرح چلبي ويچعله يفط تنطيط من مكانه.
قبضت بين حاجباها، وعبس تقسيمات وجهها مستدعية الغباء للتو رادفة متسائلة:
– خبر اية اللي تقصيده ياماما الحجة؟
– وه وه معرفاشي خبر اية كيف؟ خبر أنك تبجي حبله يامرت ولدي !!
– حبله !!
رددتها بهمس، فهي لم يخطر ببالها هذا المأذق، فكيف تتهرب منها؟ وكيف يحدث ذلك وهو لا يقترب منها، وإذا اقترب اصـ,ـابته الرعشه وتقلب معدته؟ وعندما طال صمتها افاقتها الاخرى فردت عليها:
– معاكي يا ماما، وكل حاجة بتيجي في وقتها ولما ربنا يريد بإذن الله هيحصل اللي يفرحك.
– يارب يابتي، هو فين ولدي؟
– ثواني اديله التليفون حاضر.
تقدمت نحوه ومازال العبوس مسيطر عليها، فقالت له وهي تمد يدها له:
– مامتك رد عليها.
تبسم لها وهي انصرفت من أمامه صاعده لشقتها، تريد ان تبقى بمفردها بعد ما سمعته منها، ولومها على شيء ليس لها ذنب فيه.
انتظر اختفاءها من امامه بعد ان بلغته بصعودها، واكمل حديثة قائل:
– معاكي ياست الكل، كيفك وكيف اهل البيت كلاتهم؟
– كلنا زين ياولدي، ومتشغلش بالك، وركز وهاتي الوِلد اللي عحلم بيه ليل نهار، اني معرفاش اية اللي مأخرك، لحد دلوجيت؟ بقالك شهور متچوز.
حين سمع حديثها انقبـ,ـض قلبه واعتصر المًا، وتلعثم وتاهت حروفة الابجدية في بحور الامه وقال بعد تفكير بتلجلج:
– ياماي ياسمينا محباش تشغل حالها بالعيال دلوجيت، وأحنا لسه متچوزين من هبابه.
– اية الحديت الماسخ اللي ميلدش عليا بجرش صاغ، اني خلفتك قبل ما تعدي التسع شهور كنت منور الارض والدنيا كلاتها، تيجي دلوجيت تقول مخبراش اية.
أسمع ياجاسم هي كلمة ومش هتنيها وانت هتعرف ان رئيسه امك لما تقول حاجة لازمًا تتنفذ ولو فيها تقطيع رقاب.
– خير بس يا اماي، اهدي بالله عليكي عشان صحتك.
هدأت نبرات صوتها واخفضت حدة نبرتها وقالت:
– ربنا يخليك ليا يا ولدي، ويفرح قلبك ويراضيك، متل ما عتراضي امك،
بت خيتي اتفشكلت خطبتها من كام يوم.
قاطعها وقلبه تزداد دقاته، ويرتجف خوفًا من القادم، سألها مستفسرًا:
– وإني مالي بالحديت ده يا اماي؟
– اصبر ياولدي، عقولك اهو، البت صغيرة وعتبقى تحت طوعك؛ لما تجولها خلفه متمانعش ولا تحوش نفسها، عشان اكده تيجي من بكره عشان تكتب عليها، اني كلمت خيتي وهي ممنعاش.
مسد بيده على وجه في محاوله لامتصاص غضبه، ثم قال بغضب:
– كيف يا اماي؟ هو أني بت عشان متاخديش رأي، طب عقول لمرتي اية لو عرفت؟ أني بحبها ومش عايز اتچوز عليها.
– حب اية، وعشـ,ـق اية اللي عتقول عليه، اظاهر جعادك في بحري خلى جلبك رهيف، وخرع كيف المَرة.
– يا اماي…
– بلا اماي ولا بوي، أنت اللي حداك مش شوي، وعتقدر تفتح بدل الدار اتنين وتلاته كومان، اية المانع في ده؟ ولا تبقى ولدي لو ماتنفذش اللي راح قولت عليه، وعمـ,ـوت وجلبي غضبان عليك.
هي كلمه ياجاسم، هتيچي بكره وعستناك، ومعنديش حديت تاني غير ده.
اغلفت في وجه المكالمه دون ان تنتظر منه رد، او اعتراض، وكيف له ان يقف في وجه والدته؛ فـ الجميع يقفون امامها ولا أحد يستطيع رد حرف خرج من ثغرها، ولابد ان يلبون مطلبها على عجل.
نظر لهاتفه وبداخله حيرة ومتاهه دلف بداخلها ولا يعرف متى سيخرج منها؟ وماذا ستكون العقائب؟
ظل جالسًا صامتًا لا يتحدث، فيكفي ما يحمله عقله من تشتت وخوف يخشاه إذا علمت زوجته بما سينوي فعله ؟!!
فهو يحبها حقًا، وفي نفس اللحظة لا يستطيع مخالفة أمر والدته… !!
فهو يشعر بأن فؤاده في مأزق، القرب من حبيبته عذاب، يريد النعيم بقربها ولا يستطيع، وفكرة القرب من غيرها اشد عذاب واحتراق لفؤاده المعذب؛ فكيف له الهروب؟
ومر الوقت وصعد لشقته تناول مع زوجتة طعام العشاء، وكل منهما يكبح بداخله تساؤلات وحديث، لا تستطيع الشفاة البوح به.
