رائعة جديدة حصري من26للاخير
الفصل السادس والعشرين.. “أنانيًا”
“لحظة الإدراك هي اللحظة الأخطر على عقلك، حين يبدأ في استيعاب ما غاب عنه للحظات، يكن بين الصدمة والزعر، فيسقط صريعًا بينهما، لولا عناية الله، لفقد الكثير منا عقله في تلك لحظات الإدراك العصيبة التي مرت بهِ”
وأتت لحظة الإدراك لها الآن، وهي تستوعب أنها طعنت بشرًا! طعنته في منتصف صدره دون تردد، مندفعة بتمسكها بشرفها، ارتعشت كفها الحاملة للسكين وهي تقترب منهُ في صدمة تامة مسيطرة عليها، انحنت فوقه وكل ذرة بها ترتعش متفحصة نبضه، وقد لقت ما خشته، لم تشعر بنبضة واحدة حتى، ذهب نبضه وذهب تنفسها معه، اتعشت بشدة واقعة أرضًا بجواره، ولم تستطع فعل أي شيء، لدقائق لم تحسب لها عددًا، وبالأخير اقتحم الصمت دلوفه من باب الشقة، لم تنتبه له حتى وهي تنظر للجثة القابعة أمامها بصمت مخيف.
أخبره رجله الذي كلفه بمراقبة بيتها بدلوف ذلك المخنث للبيت، وفقط مسافة وصوله من المطعم لبيتها، الأمر لم يأخذ دقيقة ربما، فقد قطع المسافة ركضًا وهي قريبة بالأساس، وقف يلتقط انفاسه الهادرة بعنف وهو لا يصدق أن تلك المدة القصيرة أحدثت كارثة كهذه، دقيقة واحدة جعلتها ! إذًا لقد حاول ايذائها فور دلوفه.. ويستحق ما لاقاه على يدها.. يبدو أن فتاته الصغيرة تعلمت كيف تدافع عن ذاتها أخيرًا..!!
اقترب منها بخطوات ثابتة غير مبالية بالراقد غارقًا في دمائه، انحنى عليها يأخذ السكين من بين يدها، لتنتفض مستوعبة وجوده، نظرت له بتيه، ليخبرها بلطف:
_ متخافيش.
وهل هذه كلمة مناسبة لموقف كهذا! يخبرها ألا تخاف وهي للتو أحدًا ودمائه لم تجف على كفها بعد!
_ أنا… هو..
حاولت قول جملة مفيدة لكنها فشلت، ليقترب منها يفعل ما يشعر بهِ الآن، ألا وهو عناقها… وبمعنى أدق احتوائها، وبالفعل طوقها بين ذراعيهِ، وفي خضم تشتتها تعلقت بشدة في أحضانه وهي تشهق ببكاء اندفع فجأه خارجة عن حالتها الصامتة، شدد من احتضانها وهو يهمس في أذنها بنبرته المألوفة لها:
_ اهدي يا ديجا.
شهقت شهقة قوية شعر فيها بخروج روحه معها لينحني مقبلاً رأسها يدعمها، فاستمع لها تقول بينما تدفن رأسها في صدره، وتخرج منها الكلمات بلا وعي:
_ هو.. هو الي كان هيأذيني.. هو السبب.. انا.. انا كنت بدافع عن حقي.. كنت بدافع عن نفسي يا مراد، انتَ قولتلي مسيبش حقي صح؟
حُبست انفاسه في صدره وهو يستمع لإسمه من بين شفتيها، لأول مرة تهتف باسمه وهي تعنيه، تقصده هو بشخصه، توجه حديثها ل “مراد” وليس ل “زين”، تحتمي ب”مراد”، تذكره بما قاله لها في الماضي حين أخبرها مرارًا ألا تترك أحد يؤذيها، ألا تتنازل عن حقها، كل هذا كان أكبر من أن يستوعبه قلبه دفعة واحدة، ناهيك عن وجودها بهذا القرب، بين أحضانه، رأسها تستند على قلبه تمامًا، حاول تجميع شتات نفسه للتخلص من ذلك الذي يبدو أن روحه قد فارقت جسده، وقال لها بمهاودة:
_صح يا حبيبتي، قومي معايا يلا.
انهى جملته وقد نهض بها عن الأرضية ولكن قدميها لا تحملها حرفيًا، فانحنى هو يضع ذراعه أسفل ركبتيها ورفعها بكل سهولة حاملاً إياها وكأنها فراشة، دلف بها للغرفة التي قابلته ووضعها فوق الفراش وهي مازالت ممسكة بهِ بشدة، لا تريده أن يتركها في خضم ذعرها هذا، وبصعوبة كان يسلت نفسه منها بعدما همس لها:
_ هرجعلك، خليكِ هنا متخافيش محدش يقدر يقربلك طول مانا هنا.
وطواعيةً كانت تتركه مُفلته يدها الممسكة بقميصه، لينسحب للخارج، واغمضت هي عيناها محاولة تخطي الصدمة او على الأحرى الهرب منها…!
وبالخارج وقف أمام الجثة بابتسامة متشفية، على أي حال إن لم تفعلها هي لكان فعلها هو، والنتيجة واحدة، بل والآن الوضع بات أفضل وسيسهل له أمورًا كثيرة فيما بعد! اقترب من المثجي أمامه وانحنى هاتفًا بغضب عاد إليه في هذه اللحظة:
_ رحمتك مني ليك… رغم إني مش طايقك بس مانكرش إنك هتفيدني كتير.
في ظرف دقائق كان قد طلب رجله الواقف بالأسفل ليأخذ الجثه ويتصرف بها كما يجب، والآخر قام بدوره باتقان حين لفَ الجثة في أحد الأفرشة واستطاع بحنكته واعتياده على مِثل هذه الأمور أن يخرج بها من البيت دون أن يلفت الانظار، وكانت السيارة قد اصطفها أمام الباب تمامًا، وبالأعلى…
بمهارة واتقان كان قد محى أي أثر للجريمة، حتى سكين الجريمة لفه في كيس بلاستيكي محكم الغلق ووضعها في ظهره بين حزام بنطاله وجسده، ودلف لها مرة أخرى..
ابتسم باتساع وقد رأى ما توقعه، لقد هربت للنوم كعادتها، مازالت كما هي تمامًا، لم يغيرها شيء، وهذا ما جعل ابتسامته تتسع وهو يشعر أن تلك العشر سنوات التي مرت في الحقيقة لم تمر، يشعر بهذا مع كل مرة يرى فيها لمحات من طفلته المفقودة، اقترب منها جالسًا أمامها فوق الفراش يتابع ملامحها بشغف، هذا أجمل منظر قد يراه بلا مبالغة، يكفيه أن تطل عيناه عليها، ولكنه الآن يطمع في المزيد، فما المانع من عناقها! أو التمدد بجوارها! ليس هناك مانع بناءً على معتقداته، لذا وبدون تردد كان ينوي فِعل ما أراده، ولكن ما إن تحرك حتى فتحت هي عيناها بذعر منتفضة من نومتها، كأنها رأت كابوسًا، أمسكها من ذراعيها وهو يهدأها:
_ اهدي يا ديجا، مفيش حاجة خلاص.
نظرت له تستنجد بهِ بنظراتها:
_ أنا .. مراد أنا واحد صح؟ أنا ازاي عملت كده!؟
وآهٍ من “مراد” التي تنطقها بكل أريحية هكذا، تجعله يذوب حين يسمعها، رغم تأذم الموقف، امسك كفيها بين كفيهِ مرددًا بهدوء تام وكأنها لم بشرًا للتو:
_ عشان ده الصح، عشان لو مكنتيش كان هيأذيكِ، مش هو كان جاي ؟
نفت برأسها بقوة وهي تخبره ببكاء بدأت بهِ مرة أخرى، ومن بين شهقاتها كانت تجيبه:
_ لأ، مكانش.. جاي ..هو..هو..
لم تستطع المواصلة لكنها احتضنت نفسها بذراعيها تلقائيًا فأوشت له بما تعرضت له، طحن أسنانه حتى كاد يكسرها محاولاً كبح لجام غضبه الحارق، زفر انفاسه بتروي كطريقة منه لتهدئة ذاته، قبل أن يقول مبتسمًا:
_ شوفتي يعني كان هيأذيكِ، وأنا قولتلك قبل كده اوعي تسيبي حقك واللي يأذيكِ قيراط أأذيه ٢٤ حتى لو كان ابوكِ نفسه..
اغمضت عيناها لتنهمر دموعها بغزارة تِباعًا، فمد أصابعه يزيلها بلطف بالغ، وقال بحدة طفيفة:
_ بطلي عياط يا ديجا، قولتلك أنتِ عملتي الصح، اهدي بقى ومتندميش إنك .
فتحت عيناها وكادت تتحدث له لكنها توقفت وهي ترى شبحها خلفه، اتسعت عيناها وهي تسمعها تقول بنظرات متشفية وابتسامة مقيتة:
_ يا خديجة! بقيتِ قاتلة زيك زيه!
وهذه المرة وهي بهذه الحالة لم تستطع تجاهلها، لتنطق بوهن مدافعة عن ذاتها:
_ كنت بحمي نفسي، انا من غير سبب.
ظنها تحادثه فأجاب وهو يهز رأسه بتأكيد:
_ بالضبط يا حبيبتي، ده الي لازم تقنعي عقلك بيه.
_ برافو يا خديجة بقيتِ قاتلة زيه! دلوقتي بقى تقدري تسامحيه، كده كده بقيتوا شبه بعض.
فقدت أعصابها فهاجت وهي تهتف بها بصراخ:
_ قولتِلك كنت بدافع عن نفسي، أنتِ ليه دايمًا بتشيليني الذنب.. ليه بتحمليني ذنب حاجات مليش ذنب فيها!
انتبه الآن انها لا تنظر له! هي تنظر لشيء ما خلفه، التف للخلف ولم يجد أحد، فعاد إليها ليجد انظارها مثبتة على نقطة فارغة، لم يفهم ما بها، لكنه ارجع الأمر انها لربما فقدت اعصابها مما هي فيه، فاقترب منها يحدثها بحنو وهو يجذب وجهها تجاه لتنظر له وبالفعل فعلت:
_ ديجا، انتِ أعصابك تعبانة لازم تنامي تريحي شوية، اوك؟
اومأت برأسها بضعف، لتتسطح فوق الفراش المتهالك مرة أخرى، وجذب هو فوقها الغطاء وما كاد يبتعد حتى أمسكت كفه بذعر وهي تردد برجاء ظهر واضحًا في مقلتيها:
_ متسبنيش يا مراد.
جملتها هذه التي أحيت قلبه بلا مبالغة، وهل له أن يتركها أساسًا!؟ لكن أن تطلبها هي شعور مميز للغاية كان بحاجة إليهِ، وفي الوضع الطبيعي أي شخص آخر لكان اسند حديثها الآن لحالتها الغير طبيعية، فهي لا تشعر بما تقوله او بما تفعله، وخير دليل على هذا أنها تدعوه “مراد” بتلك الاريحية! ولكنه هو الأكثر دراية بهذه الحالة، حالة الذعر والخوف تلك هي الأصدق على الإطلاق، فكل ما تتفوه بهِ الآن لا يمر على عقلها، بل يخرج من خضم مشاعرها وقلبها للسانها مباشرةً، لذا فهي الأصدق! وربما هذا ما يسعده ويؤجج مشاعره بالراحة.
جلس جوارها ممسكًا بكفها بقوة وهو يخبرها بكل ثقة:
_ عمري في حياتي ما هسيبك يا ديجا، حتى لو أنتِ الي طلبتِ ده.
أغمضت عيناها براحة وكأنها التمست آمانها المفقود..
____________________
كان يسير في طرقات المستشفى متابعًا عمله قبل أن يتوقف فجأة وهو يراها تخرج من أحد الجوانب، عقد حاجبيهِ مستغربًا وجودها هنا، وهي لم تنتبه له فكادت تكمل سيرها للخارج إلا أنها توقفت حين استمعت لصوته يناديها، التفت له بملامح جامدة، استغربها، ولكنه ابتسم ابتسامة صغيرة وقد وقف أمامها مرددًا:
_ ايه ده بتعملي ايه هنا؟
اجابته بنفس ملامحه الواجمة:
_ كنت عند مريضة بزورها.
وبغرابة كان يعقب:
_ بس مقولتليش إنك جاية؟ بعدين مريضة قريبتك؟
لم يبدو أن مزاجها جيد، فاجابته بضيق:
_ معتقدش اني ملزمة اقولك!
استغرب هجومها ليخبرها بهدوء حذِر:
_ مقولتش إنك ملزمة! بس كنا بنتكلم الصبح ومقولتيش إنك جاية كنت قابلتك.
مسدت جبينها بكفها بتعب وهي تقول:
_ سوري يا باهر انا بس مش في المود، يلا باي.
انهت جملتها ناوية الذهاب لكنه شعر بأنها ليست على ما يرام فوقف أمامها بحذر كي لا يلامسها وهو يوقفها:
_ استني بس، أنا حاسس إنك مش كويسة.. مالك يا جاسمين؟
اخفضت نظرها للأرضية وقد ادمعت عيناها بشدة ولكنها تصنعت الابتسام وهي تخبره دون ان تنظر له:
_ مفيش حاجة، بقولك ايه لو فاضي تعالى اعزمك على الغدا.
رفعه حاجبه باستنكار وهو يدرك محاولتها للهرب من الحديث، وهو لم يرد الضغط عليها، فسار مع تيار حديثها وهو يخبرها ساخرًا:
_ أنتِ الي تعزميني؟
رفعت عيناها له وقد نجحت في محو دموعها اللامعة من مقلتيها وعادت بسمتها وهي تخبره:
_ جنتل بقى وكده! خلاص يلا اعزمني أنتَ، بس مترجعش تشتكي من الحساب.
ابتسم لها براحة:
_ ياستي اطلبي براحتك، هضيع مرتب الشهر ولا يهمك، هغير بس هدومي واجيلك.. معايا ساعة بريك عشان النهاردة هاخد النبطشية ل ١٠ بليل…
_ مش المفروض بتخلص ٦ المغرب!
_ لا ما الدكتور هيتأخر النهاردة لظروف خاصه فهستمر ل١٠، دقايق وهرجعلك.
اومأت برأسها وذهب هو بعيدًا ليغير ثيابه، بينما وقفت هي وقد طفرت الدموع في عيناها مرة أخرى، الأمر فوق طاقة تحملها لكنها تلتزم الصمود ليس لأجلها بل لأجل عائلتها.. والدها، ووالدتها، حتمًا سيتأذون بشدة إذا علموا مصابها، وهي لن تسمح أن يعيشوا اوقات عصيبة هكذا، يكفي هي ما تعيشه لمدة سنة وستة اشهر للآن!
___________________
فاقت بعد نصف ساعة فقط لتجد نفسها بمفردها، وفجأة ضر*ب بعقلها ماحدث، لتخرج مهرولة من الغرفة وهي تتوقع رؤية الجثة بالخارج لكنها توقفت محلها بصدمة وهي ترى الشقة كما كانت وكأن شيئًا لم يكن، حتى أنها شكت في كونها قد توهمت ما حدث، وقفت ضائعه ما بين التصديق وعدمه، هل كل ما رأته كابوسًا! أم خيالها المريض تدهور لهذا الحد؟ “زين” هو الفاصل بين الحقيقة والخيال، اتجهت لهاتفها فورًا تلتقطه من حقيبتها وهي تطلب رقمه، مع كل جرس يصدح في أذنها كانت اعصابها تُهلك، حتى اجاب أخيرًا:
_ زين!
قالت اسمه بهمس خائف، ليجيبها هو متفهمًا أن خوفها وترددها مما حدث:
_ متخافيش يا خديجة، أنا اتصرفت في الجثة ومحدش هيعرف حاجه عنها، ده سر هيدفن بيني وبينك متقلقيش…
هوت جالسة ارضًا وسقط الهاتف من يدها، واعصابها في حالة تشنج تام، دموعها هي ما تعبر عن شعورها، وهي تسمح همس “سارة” في أذنها وهي تكرر عليها:
_ بقيتِ قاتلة خديجة… بقيتِ مجرمة خلاص!
ظل الوضع هكذا لدقائق طويلة قبل أن تجهش في بكاء مرير وهي تردد بدون وعي:
_ مكانش قصدي.. مكانش قصدي..
________________
اغلق المكالمة معها وجلس يفكر في حالتها الآن، لابد أنها مذعورة، وفي حالة صدمة مما ارتكبته، ولربما أو بالتأكيد سيعود لها ذكريات الماضي، مسد وجهه بكفه بسأم من الوضع برِمته، وعقله يحدثه أنه استغل الأمر لصالحه، ولربما يُعد هذا تصرفًا أنانيًا، نهض مطفأً لفافة تبغه، ووقف أمام الشرفة بصدره العاري مرددًا بشرود بينما ينظر للخارج:
_ مكانش ينفع الموضوع يخلص غير كده، مكانش ينفع اضيع فرصة جاتلي على طبق من دهب زي دي، لو كنت بلغت الشرطة كانت هتخرج منها بسهولة وهيكون واضح أنها حالة دفاع عن النفس، بس أنا مكنتش هستفيد حاجة، لكن دلوقتي الي حصل هيقربنا من بعض…
تخيلها أمامه ليبتسم لها بيأس وهو يخبرها:
_ مكانش قدامي حل تاني، مسبتليش خيار تاني يا خديجة، أنتِ قافلة كل الطرق بينا.. دلوقتي هكون بالنسبالك بطلك الي انقذك من جريمة واتستر على جريمتك معاكِ، وحتى بعد كده لما تعرفي إني مراد، مش هتقدري تتهميني إني اختك، لأن زي واحد عشان تدافعي عن نفسك وأنتِ مش قاصدة ، أنا كمان عشان ادافع عنك… بس الفرق…
لمعت عيناه بنظرات غامضة، مليئة بالشر، وعيناه الخضراء الممزوجة بالرمادية حال لونها للأخضر الداكن المخيف، وهو يردد بابتسامة عابثة:
_ اني كنت كده كده حتى لو موقعتكيش يومها…!!!!!!!
#يتبع
الفصل السابع والعشرين “حاسة سادسة!”
جالسة أمامه في ذلك المطعم الراقي الذي أتيا إليهِ لتناول الطعام, شحوبها وتبدل حالتها المزاجية على عكس المعتاد هو ما دفع فضوله للتحرك متسائلاً عن سبب حالتها هذه, ولعلَّ علاقتهما التي توطدت قليلاً في الفترة الأخيرة هي ما اعطته الجرأة لسؤالها عن ما أصابها, فلم يمنع لسانه من السؤال وهو يسألها:
– أنتِ كويسه؟ حاسس في حاجة قالبة مودك, وبعدين مش حاسس انك كنتِ في المستشفى بتزوري مريضة.
رفعت عيناها عن طبقها الذي كانت تعبث بهِ, ونظرت له لدقيقة تقريبًا بلا أي حديث, حتى أن نظرتها وترته, بدت شاردة بنظراتها لحظة وتفكر لحظة أخرى, ولا يعلم أكان سؤاله يستحق كل هذا التفكير؟ كاد يسحب سؤاله شاعرًا بتسرعه في طرحه, علّها لا تريد إخباره, فلِمَ تطفل لهذا الحد؟! لكنها اوقفته وهي تقول بنبرة هادئة تمامًا وكأنها لا تلقي على مسامعه خبر فاجع الآن!
– أنا عندي الحاسة السادسة.
نظر لها لثواني وكأنه يستشف إن كانت تمزح أم تتكلم بجدية! وصمود ملامحها وثبات نظراتها أكدت له أنها لا تمزح, ولكن لِمَ يجعلها هذا واجمة لهذا الحد؟! استند بمرفقيهِ على الطاولة أمامها وهو يعقب باستغراب:
– لو بتتكلمي جد, ليه مضايقة! دول بيقولوا الحاسة السادسة دي هبة من ربنا!
هزت رأسها باستنكار وهي تخفض عيناها لوهلة تستعيد ثباتها, قبل أن ترفع رأسها له وهي تخبره بنبرة بدت سخريتها:
– دي لو زي مانتَ فاهم, قولي تسمع ايه عنها؟
تنحنح واعتدل في جلسته حين وصلت إليهِ سخريتها التي شعر بأنها تخفي ألمًا ما خلفها, فتحدث بجدية أكثر وهو يخبرها:
– الموضوع له علاقة بالطب النفسي أكتر, بس أنا سمعت عنه أيام الكلية, هي ممكن تبدو للبعض خرافة, لكن هي واقع بيحصل مع بعض الناس, وهي انهم بيشوفوا الحاجة قبل ما تحصل, أو بيحسوا بيها, تنبؤ يعني سواء كان بدليل زي حلم أو رساله من اشخاص مجهولة, أو من غير دليل زي مجرد إحساس, والموضوع كان غريب بالنسبالي لدرجة إني بحثت عنه وقتها وحبيت اعرف رأي الدين فيه كمان, وعرفت انه هبة من ربنا, ومش حرام مادام الانسان مسعاش ليها زي حوار الروحانيات والكلام ده, وحصلت مع واحد صاحبي مرة, حلم ان اخته حامل رغم ان الدكاترة اكدوا أنها مستحيل تخلف, وفعلاً بعد يومين عرفوا انها حامل وكانت معجزة وقتها, فعشان كده مستغرب ضيقك للدرجادي.
لم تعقب على استغرابه وهي تخبره بابتسامة مُرهقة:
– أنا مكنتش بزور مريض في المستشفى, أنا كنت بزور ميت في المشرحة.
عقد ما بين حاجبيهِ باندهاش وهو يسألها:
– قريبك؟
التواء ساخر ظهرَ من جانب فمها وهي تجيبه:
– ولا عمري قابلته تخيل!
بدى الأمر محيرًا لهُ, وبدت هناك الغاز حول الأمر, فتعاظم اهتمامه وهو يخبرها بجهل:
– مش فاهم.
اغمضت عيناها تتنفس باختناق, محاولة الهدوء, الذي لم يأتي لها, بل بالعكس فقد انتابتها رغبة عارمة في البكاء, ولم تستطع كبحها, فكانت بدايتها شهقة فاجأته وبعدها رأى سيل من الدموع يغطي وجنتيها قبل أن ترفع كفيها لتحجب عنه رؤية وجهها بأكمله منتحبه في صوتٍ منخفضٍ, اربكه بكائها ولم يعرف ما عليهِ فعله, سوى أنه حاول تهدئتها ببعض الكلمات الواهية, وهو يتململ في جلسته بغير راحة وكأنه يمنع ذاته من النهوض ومواساتها بالطريقة التي تناسب الموقف.
– ممكن تهدي طيب, وأيًا كانت مشكلتك اكيد لها حل, وانا هساعدك تلاقي الحل ده, بس اهدي وفهميني.
وهل ستتحكم في بكائها من بضع كلمات؟ أخذ الأمر منها دقائق تحت نظراته الحزينة عليها وعجزه عن تهدئتها, حتى أزالت كفيها أخيرًا وهي تمسح دموعها جيدًا كأنه لا يعرف أنها كانت تبكي! التقطت أنفاسها وهي تتجنب النظر إليهِ, فنظرت لكفيها اللذان تفكرهما بتوتر, وهي تسرد على مسامعه قصتها التي اكتشفت أنها مأساوية قبل ساعات قليلة:
– من لما كان عندي 15 سنة وأنا بحلم بأحلام غريبة, ناس معرفهمش ولا عمري شوفتهم بشوفهم في حلمي بيحصلهم حوادث وحشة, ولأني معرفهمش مهتمتش, وعمري ما فكرت ابحث عن الموضوع او اشغل دماغي بيه, كنت بعتبرها مجرد كوابيس ملزماني, ورغم انها كانت بترهقني لكني اتعودت عليها مؤخرًا من كتر ما بقت تزورني, يمكن مبشوفهاش بشكل يومي, بس غالبًا مبيعديش شهر من غير ما احلم بكابوس منهم, واوقات كنت بحلم بيهم مرتين في الأسبوع, كل ده كان عادي, وممكن يحصل لناس كتير, لحد اول امبارح…
التقطت أنفاسها مرة أخرى, قبل أن تطفو الدموع في مقلتيها, وبدأ كفيها في الارتعاش وهي ترفع نظرها له مُكمله بشفاه مهزوزة:
– من كام يوم حلمت بشخص عمري ما شوفته بيعدي الطريق وبتخبطه عربية وبيم*وت, حلمت بكل تفاصيل الحادثة لحد ماتنقل للمستشفى والدكاتره قاله انه كويس ومات بعدها فجأة, وكالعادة مهتمتش للحلم, رغمه انه دايمًا بيكون في ترتيب احداث غريب, والاغرب اني بفتكره, بفتكره بكل تفصيله فيه, اول امبارح كنت رايحة النادي, وانا في الطريق العربية الي جنبي خبطت واحد كان بيعدي فجأة, وقفت طبعًا ونزلت اشوف حصله ايه, ووقتها اتفاجأت بانه نفس الشخص الي شوفته في حلمي, رجلي خدتني وراه لحد المستشفى.. كل الي شوفته في حلمي حصل بالضبط, حتى والدته الي شوفتها في الحلم جت وانا في المستشفى, الدكتور بعد شويه قال انه كويس مجرد رضوض وكدمات وكسر في رجله مش اكتر, مشيت وانا مرعوبة, لأني شوفت ده في حلمي, وشوفت بعدها والدكتور واقف جنبه والممرضة بتقوله “ازاي مات يا دكتور ده حالته كانت كويسة” عشان كده اترعبت لده كمان يتحقق, سِبت رقمي لموظفة الاستقبال وقولتلها انه قريبي وتبقى تبلغني لو حصل حاجة..
سقطت دموعها ولم تخفيها هذه المرة, بل انتحبت بقوة وهي تكمل سرد باقي قصتها من بين شهقاتها وقد تفاعلت يدها مع سردها للأحداث:
– كلمتني من شوية … وقالتلي انه مات, حسيت اني اتشليت لما عرفت الخبر, فضلت شوية مش مستوعبة الي بيحصل, وبعدها جريت… على المستشفى, وسمعت نفس الجملة والدكتور والممرضة واقفين قدام المشرحة… عشان يسلموا جثته لأهله, سألت الدكتور عن سبب الوفاة, قالي مفيش سبب واضح, بس اشتباه في وجود نزيف داخلي مظهرش في الاشاعات, خرجت من هناك وانا مش شايفة قدامي ومش فاهمة تفسير للي بيحصل… سألت عن دكتور نفسي ودلوني على دكتور… كان في جلسه مع مريض, استأذنت وقاطعت جلسته وحكيتله الي حصلي, وهو الي قالي عن الحاسة السادسة.. او الي بيسموها في الطب النفسي الحدس, وقالي ان ممكن كل الي شوفته قبل كده.. اتحقق هو كمان بس انا معرفتش..
التقط كوب ماء يناوله لها وهو يحدثها بشفقة:
– اهدي يا جاسمين, خدي نفسك واشربي, حالتك دي غلط وممكن تدخلك في مشاكل نفسية سيئة.
التقطت منه الكوب بكف مرتعش, وشهقاتها لم تهدأ بعد, ارتشفت القليل منه, ووضعته جانبًا وهي تكمل حديثها بعدم تصديق بدأ يعود لها مرة أخرى:
– أنتَ متخيل أنا شوفت كام واحد بيم*وت, طيب سيبك من دي, تخيل شوفت كام واحد وكان ممكن الحقه بس بغبائي اتجاهلت الموضوع.
عقد ما بين حاجبيهِ بغرابة وهو يسألها:
– أنتِ تعرفي أماكنهم؟
هزت رأسها نافيًة, وهي تمسح دموعها بكفها, ليبتسم على تفكيرها المضطرب وهو يخبرها:
– كنتِ هتنقذيهم ازاي؟
رفعت منكبيها بجهل وهي تجيبه:
– مش عارفة بس حاسة إن كان المفروض اعمل حاجة, وخايفة اوي ان اشوف الي بحلم بيهم من هنا ورايح, هيبقى الموضوع صعب اوي عليَّا.
حاول ممازحتها ليصرف تفكيرها عن الأمر كارهًا رؤيتها في هذا الحزن, فقال بفكاهة زائفة أدركتها هي لكنها قررت تخطيها ومجاراته, ربما لأنها كرهت أن تبدو في موقفها هذا الذي يظهر ضعفها أكثر:
– تفائلي خير ان شاء الله ده مش هيحصل, وبعدين متركزيش مع الموضوع عشان متتعبيش, ويلا بقى أكل لاحسن خلاص بطني بتصوت وذنبها في رقبتك.
هزت رأسها له بابتسامة باهتة دون حديث آخر, ولكن عقلها لم يتوقف عن التفكير في الأمر رغم محاولاته لصرف ذهنها عنه.
———————-
في عصر اليوم التالي…
كان عليها أن تذهب لعملها رغم كل شيء, ليلة أمس كانت من أسوء الليالي التي مرت عليها بعد ليلة “سارة”, وربما تأتي هي في الصدارة من حيث الأكثر سوءً, فعلى الأقل هي لم سارة فعليًا, هي فقط شاركت في , بالصمت والتستر, ولكن هذه المرة هي فعليًا, وربما وقتها كانت أصغر سنًا وإدراكًا للموقف, لكن ما حدث بالأمس مختلفًا تمامًا, لا تعلم كيف مرَ عليها الليل, ولا تعرف متى ارتدت ثيابها وأتت للعيادة تباشر عملها, رفعت هاتفها لترى رقمه يزين شاشته للمرة التي لم تحسبها, فهو يهاتفها منذُ أمس, وهي لا تجيبه, ليست مستعدة لمواجهة الشخص الذي شهد على جريمتها ولا تعلم كيف جاء لمنزلها ولم تهتم بمعرفة السبب حتى, خرجت من شرودها على صوت الطبيب بجوارها وهو يقول:
– ايه يا خديجة لسه قاعده ليه؟
نهضت وهي تجيبه بتوتر:
– لا مفيش, هلم حاجتي اهو.
طالعها بتفحص ثاقب وهو يسألها:
– أنتِ كويسه؟
فتحت فاهه ناوية اخباره بما حدث وقد شعرت برغبتها بهذا, ولكنها تراجعت في آخر لحظة مستشعره خطورة الأمر فقالت:
– لا, أنا كويسه.
هز “كمال” رأسه يائسًا منها وهو يذكرها بحديثه محذرًا:
– خديجة, افتكري إني قولتلك الكدب مش هيوصلك لحاجة, ومش هيحل الأزمة, بالعكس هيعقدها, وانا دكتورك يعني مينفعش تخبي عليَّ او تكدبي.
وحديثه أفاقها بالفعل, وأشعرها بخطئها الذي ترتكبه لثاني مرة, فقالت بتنهيدة حائرة:
– أنا مش كويسه, وفي حاجة حصلت معايا بس… مش جاهزه اقولها دلوقتي.
ابتسم لها بهدوء وقد سعد بنجاح حديثه معها:
– خدي وقتك, وانا مستنيكي تيجي تحكيلي, يلا قفلي العيادة وامشي.
اومأت موافقة وهي تتابع ذهابه بتفكير, هل عليها أن تخبره وتطلب مساعدته لتخطي الواقعة؟ وهل يستطع مساعدتها بالفعل؟ أسيعيد قتيلها للحياة! أم سيخفف شعورها بالذنب؟ جلست خلف المكتب ووضعت وجهها بين كفيها بتعب وعقلها يكاد ينفجر من الحيرة والتفكير…والتشتت.
————————-
مساءً….
لم تأتي للمطعم اليوم ولا تجيب على هاتفه, لكنه علمَ بذهابها للعيادة, إذًا لِمَ لا تجيب اتصالاته ولم تأتي للعمل بالمطعم؟ أم أنها تقصد التهرب منهُ؟ لِمَ؟ أليس من المفترض أن يكون اقرب لها بعد ما حدث بالأمس؟ أم أتى بنتيجة عكسية؟ لكنه على أي حال لن يسمح لها بالبعد, ولن يسمح بوقوع النتيجة العكسية, زفر أنفاسه باختناق بعدما تعالى رنين هاتفه مرة أخرى برقم “طارق”, تجاهله لأول مرة لعدم رغبته في الحديث مع أحد الآن وهو بهذه الحالة العصبية, لكنه لم يستطع تجاهله للمرة الثانية, واجابه بضيق ظهر في نبرته:
– خير؟
أتاه الرد على الجهة الأخرى, ليستمع له بهدوء زائف قبل أن يهتف معقبًا بعصبية:
– يعني محصلش كارثة ولا الدنيا اتهدت! انت عارف اني مبحبش الزن, جرالك ايه يا طارق؟ رنيت مرة مردتش خلِصنا.
– أنا أسف يا باشا والله أنا بس…
لم يدعه يكمل حديثه ليغلق المكالمة والقى بالهاتف فوق الفراش بعصبية, واتجه لجزئه الخاص بمشروبه المفضل, تناول أحد الكؤوس الفارغة وصبَ فيهِ بعض المشروب من الزجاجة ذات المظهر الفاخر, رفع الكأس ليتناوله دفعة واحدة قبل أن يضعه مرة أخرى وهو يغمغم بأنفاس حارقة:
– ماشي يا خديجة… اما اشوف اخرتها معاكِ.
اتجه لمفاتيح سيارته وباقي اغراضه يجمعهم على عجاله قبل أن يتجه للخارج بخطوات مسرعة قاصدًا وجهه معينة..
————————
حاولت أن تبدو طبيعية وهي تستقبل ابنة عمتها التي جاءت في الموعد المحدد كما اتفقا سلفًا, وانقضت الجلسة على خير لحدًا ما رغم شعور “باهر” بشيء ما ليس جيد بها, “باهر” الذي تفاجئ من الشقة القاطنة بها ومدى تدهور حالتها, لم يعلق على ما رآه أمامهم رغم ظهور هذا جليًا على صفحة وجهه, والتقطته “خديجة” بسهولة لكنها اصطنعت عدم الملاحظة, حتى انقضت الجلسة أخيرًا, وما كادت تلتقط أنفاسها براحة, حتى حُبست تلك الأنفاس وهي تسمع لصوت “باهر” يحدثها بوعيد خفي:
– خديجة تعالي وصليني لتحت عشان تقوليلي اخرج منين.
هزت رأسها طواعية مجبرة, وهي تقوده بخطواتها للأسفل, وتستعد بداخلها للمواجهة التي لم تكن بعيدة أبدًا, فبمجرد وصولهما لمدخل البيت, حتى اوقفها بحديثه:
– مكنتش اعرف انك كدابة هايلة كده.
رفعت رأسها بتعب وهي تلتف له, حقًا ليست حِمل أي عتاب أو لوم, ففيها ما يكفيها ويفيض, تحدثت بهدوء تحاول شرح الوضع له:
– باهر, الي أنتَ شوفته ده مكانش ينفع احكي عنه لأي حد مهما كان مين, أنا أبويا الله يرحمه, في عز ماكنا بنبقى محتاجين عمره ما اشتكى ولا بين حاجته لحد, حتى لاخوه, وانا طلعاله في الموضوع ده, مقدرش ابين حاجتي لحد ويعطف عليًّ.
اغاظته بحديثها فانفعل عليها وهو يشيح بيده في غضب:
– أنتِ عبيطة يا به؟ عطف ايه وزفت ايه! انا ابن عمك, يعني مش واحد غريب عشان اعطف عليكِ, ده حقك عليَّ إنك لما تكوني في ضيقة أكون جنبك, اومال اسمنا قرايب ازاي؟ ولا هي القرابة عندك لها مفهوم تاني!
مسدت جبينها بتعب واضح وهي تخبره بمهاودة:
– أنتَ صح, عمومًا خلاص أنا دلوقتي فعلاً معايا فلوس ودخلي زاد, تعال بعد شهر وشوف الشقة دي هتبقى مليانة عفش ازاي.
رفع جانب فمه ساخرًا وهو يعقب:
– مش هستنى شهر يا حلوة, بكرة الصبح هتيجي معايا نشتري عفش للبيت بدل الكراكيب الي عندك دي.
رفعت حاجبها برفض تام وهي تقول:
– لا طبعًا, بعدين كراكيب ايه! انا العفش الي عندي حلو, هو بس ناقص شوية.
اشمئز بملامحه وهو يسخر منها:
– عفش! هو فين العفش ده عشان مشفتوش.
لم تهتم لسخريته وهي تخبره بضيق:
– باهر, مفيش داعي تتعب نفسك, أنا هدبر اموري.
– بس يا به.
اردف بها متحركًا وهو ينوي الذهاب ليغضبها عدم اهتمامه لحديثها فأمسكت ذراعه توقفه لتخبره بإصرارها على رفضها لتدخله, لكنها توقفت وهي تستمع لصوت مألوف يقول:
– مساء الخير.
شخصت ببصرها تجاه الصوت لتجده واقفًا أمام مدخل البيت, وعيناه ليست معها, بل هي مثبته تمامًا فوق كفها الممسك بذراع “باهر”, وكرد فعل تلقائي كانت تفلت ذراعه من قبضتها وهي تهمس بقلق من ظهوره في هذا الوقت بعد أن تعمدت تجاهل مكالماته:
– زين!
_______________
قبعت بين أحضانه براحة وسعادة فهي لا تصدق أنها تراه مرتان في نفس الأسبوع، تمرمغت في أحضانه أكثر كقطة لطيفة تأخذ حنانًا من صاحبها، ليضع لفافة تبغه جانبًا وهو يضحك بخفوت على تصرفتها مردفًا:
_ ايه يا جوجو أنتِ وخداكِ العاطفة ولا ايه؟
رفعت رأسها وهي مازالت على صدره تسأله برفعة حاجب:
_ عندك مانع؟
رفع كفه مستسلمًا يخبرها:
_ ابدًا يا كبير، بالعكس ياريت اوحشك كده على طول.
اعتدلت في جلستها وهي تنظر له بأعين تنضح عشقًا مردفة بصدق:
_ أنتَ بتوحشني و أنتَ معايا، عشان ببقى عارفه انك هتغيب عن عيني فترة بعدها.
رفع كفه يمسد خصلاتها وهو يقول مبتسمًا:
_ كله هيتحل يا روحي، ياما دقت على الراس طبول يا جوجو مالك كده!
امسكت كفه بين كفها وهي تخبره بنظرة حزينة:
_ المره دي أنتَ معايا والبعد تاعبني، وخايفة.. خايفة اوي ليحصل حاجه ويكتشفوا الي بينا.
اعتدل في جلسته وجذبها لأحضانه يطوقها بحنو، بينما قبل رأس وهو يخبرها بنبرته التي تبعث السكينة لنفسها الثائرة:
_ هاجر خلي عندك إيمان أننا مش هنفترق ابدًا، وخليكِ واثقة ان حبنا اقوى من أي وحش ممكن نقابله.
اغمضت عيناها وابتسمت بحالمية وهي تقول:
_ _ نفسي يكون عندي بيبي منك، امتى هنقدر نعيش حياتنا زي الناس بجد.
ضمها لصدره أكثر وهو يقول بتنهيدة حملت الكثير:
_ احنا الي اختارنا يا هاجر، ده كان اختيارنا من البداية، والغلط مش في اختيارنا، الغلط في حبنا لبعض وأنتِ عارفة ده، مكانش لازم نحب بعض للدرجادي، مكانش لازم تبقى العلاقة دي بينا أصلا!
أغمضت عيناها بتألم، وهي توقن واقعية حديثه وهمست:
_ عارفة..!!!
شدد عليها بين أحضانه وهو يخبرها بنبرة عاشقة بهذه المرأة منذُ أن وقع نظره عليها من عامان:
_ انا بحبك ياهاجر وعمري ماحبيت ولا هحب غيرك، وواثق اننا هنحقق كل الي بنحلم بيه في يوم.
شعر بابتسامة ثغرها الملاصق لصدره قبل أن يسمع صوتها المتأثر بدفئ مشاعرها:
_ وانا بعشقك يا طارق..
……….. انتهى الفصل…..
الفصل الثامن والعشرين “دروب العشق”
“عذرًا يا سيدتي فالعاشق غير مُلام”
لم يعتاد يومًا التحكم في ذاته كما يفعل الآن، لو كان الأمر مختلفًا، لاختلف رد فعله أيضًا، لو فقط كانت تعلم بهويته وأحقيته بها لآراها الآن كيف تضع يدها على جسد آخر، ضم قبضته بقوة مخفيًا إياها وراء ظهره يحاول اخراج غضبه بتلك القبضه، او ربما هي وسيلة ليتحكم في ذلك الغضب كي لا يظهر أمامهم الآن، ابتسم بالكاد وهو يهتف بنبرة هادئة كالصقيع:
_ مساء الخير.
شخصت ببصرها تجاه الصوت لتجده واقفًا أمام مدخل البيت, وعيناه ليست معها, بل هي مثبته تمامًا فوق كفها الممسك بذراع “باهر”, وكرد فعل تلقائي كانت تفلت ذراعه من قبضتها وهي تهمس بقلق من ظهوره في هذا الوقت بعد أن تعمدت تجاهل مكالماته:
– زين!
قطب “باهر” حاجبيهِ جهلاً بهوية من يقف أمامه، خاصًة وأنها تعرفه! فقد استمع لهمسها جيدًا، ليتحرك لسانه يسأله وهو يقترب منه خطوتان:
_ مساء النور، مين حضرتك؟
أو له الحق في التساؤل عنه؟؟ ايقربها لهذه الدرجة؟ ولِمَ لا وقد كانت تتمسك بذراعه منذُ ثواني! ضغط على نواجزه بغضب يعصف بصدره قبل أن يجيب الواقف أمامه:
_ أنا زين، زميل الآنسة خديجة في الشغل.
ازدادة تقطيبة حاجبيهِ وهو يسأله باستغراب أكثر:
_ ايوه وزميلها تجيلها البيت ليه؟
هنا ولم يستطع التحكم في ذاته أكثر، هل كان ولي أمرها ليقف أمامه يستجوبه بهذا الشكل؟ فاطلق العنان لذاته وهو يردف بنبرة هادئة تسبق عاصفة غضبه:
_ وحضرتك مين عشان تسأل!؟
ما هذا التبجح؟ هذا اول شيء جاء لعقله من رد هذا الغريب الذي استفزه بشدة، وما كاد يجيبه بحدة، حتى تدخلت “خديجة” تنهي سوء الفِهم بينهما حين شعرت بقرب تعقد الأمر:
_ ده باهر ابن عمي، وده زين زميلي في الشغل زي ما قالك يا باهر.
باهر! ليته لم يعرف هويته لكان أرحم مما شعر بهِ الآن، أهذا الذي كانت تحدثه وهي تضحك وتدلله ب “بهبوري” كما دعته حينها! أهذا هو ذلك السِمج الذي تمنى لو يقابله فيخنقه بيده جراء علاقته الغير ملتزمه بأي حدود مع فتاته! تفاقم غضبه، وازداد حنقه حيال الواقف أمامه، لقد كانت تمسك بذراعه منذُ قليل، ويترجل من شقتها، غير طريقتها مع في الهاتف، كل هذا جعله يشك في علاقتهما، هل يمكن أن تكن علاقة من نوع خاص! لقد سمع عن هذا الباهر منذُ عرِفَ بمكانها، وسمعَ عن علاقته بها، ولكن وعلى أي حال، ومهما كانت شكل علاقتهما فلا يهمه، فالحقيقة هو من سيحدد شكل هذه العلاقة لا أحد غيره، هو من سيضع الحدود التي نسيا أن يضعها، فليتركوا له هذه المهمة بكل رحب وسعة، استمع لصوت باهر وهو يتسائل بفظاظة:
_ ايوه حضرتك ماجاوبتنيش، جايلها البيت ليه؟
_ اعتقد هي عارفة.
قالها بعبث وهو يوجه نظراته لتلك التي انتفضت ذعرًا وقد أدركت مقصده تمامًا، فاسرعت تنهي اللقاء وهي تدفع بجسد “باهر” للأمام وهي تخبره:
_ يلا يا باهر هتتأخر، مش قولت عندك شغل.
حاول التوقف والتحرر من دفعها له وهو يقول بنزق:
– مش لما اعرف عاوز ايه الأول، في ايه يا خديجة اصبري يا بنتي!
تنحى “مراد” جانبًا وهو يبتسم بتشفي والأخرى تدفعه خارج مدخل المنزل بهذا الشكل، ولكنه لم يفته كفها الذي يدفع ظهر الآخر، فأمسك برسغها يوقفها وهو يهمس بصوت وصل لمسامعها هي فقط:
_ هو عارف طريق الباب.
وترك رسغها محذرًا إياها بعيناه من التمادي، اتسعت عيناها ذهولاً وهي ترى جرأته ليلمسها بهذا الشكل، لكنها فاقت من صدمتها على صوت “باهر” الذي أصبح خارج المنزل الآن وهو يقول بعدم رضا:
_ خديجة انا مش ماشي غير لما اعرف بيعمل ايه هنا ده، بعدين ازاي اسيبك معاه وامشي أنتِ اتجننتِ!
_ جن اما يلغلطك.
همس بها “مراد” بداخله ناقمًا على هذا السِمج سليط اللسان، ورفع صوته تاليًا يخبره بابتسامة بدت مُهذبه:
_ استاذ بهير، مفيش داعي للقلق ده، انا بس هبلغها حاجه عن الشغل وامشي، اتفضل أنتَ عشان متطعطلش.
_بهير!
رددها “باهر” بضيق وهو ينظر له وقد بدأ غضبه يتصاعد تجاه هذا الشخص ذو الابتسامة المستفزة، وأردف بنبرة ضائقة:
_ باهر يا استاذ اسمك ايه أنتَ، ثم مين قالك همشي واسيبها معاك؟
_ زين، شكلك بتنسى باين، معلش معذور باين انك دخلت في التلاتين تقريبًا! وفي ناس بتجيلها الاعراض دي في السن ده.
رغم كلماته التي تصرخ بالاستفزاز والوقاحة، إلا أن ملامحه الهادئة ونبرته الأهدأ وبسمته المزينة لثغره توهمك بأنه لا يقصد إهانه! ولكن “باهر” لم يستطع التحكم في غضبه من كلماته المستفزة، وما كاد يدفع “خديجة” دالفًا للداخل مرة أخرى يواجه المستفز بارد الأعصاب حتى سبقته “خديجة” وهي تخبره بهمس:
_ يا باهر عشان خاطري امشي، والله ماتقلق هو بس هيعرفني حاجه عن الشغل ويمشي.
رفع صوته وهو يهدر بها:
_ بطلي تقولي امشي، أنتِ شيفاني بقرون؟ والله ما همشي غير لما يمشي الأول.
وقفت حائرة بينهما، تعلم أن “زين” أتى ليتحدث معها في أمر جريمتهما، ولا يجب التحدث أمام “باهر” على أي حال، لذا عادت بنظرها ل “زين” الذي رفع حاجبيهِ إليها بعبث وهو يخبرها بمكر:
_ خليه عادي.
رفعت حاجبها الأيسر له بنزق، وتوعدته بسرها وهي تعود بنظرها ل “باهر” وتخبره بترجي:
_ خلاص هنتكلم وانت واقف، بس ممكن نتكلم بعيد شويه، اصل.. اصله هو غشيم شويه في كلامه واخاف يقولي حاجه كده ولا كده تمسكوا في بعض وانتوا اصلاً شكلكوا مش طايقين بعض.
_ وهو يكلمك وحش ليه؟ غشيم على نفسه.
_ ماهو اصل انا بقالي يومين مروحتش الشغل وهو رئيسي في الشغل.
_ هو زميلك ولا رئيسك ولا ايه مبقتش فاهمكوا.
رددها “باهر” ساخرًا، لتبتلع ريقها بتوتر وهي تجيبه كاذبة:
_ لا، هو زميلي اه، بس اقدم مني وكده فيعتبر مسؤول عن شغلي.
طالعها بضيق لثواني رافضًا رغبتها، ولكنه اسفل رغبتها الملحة وترجيها الظاهر في عينيها كان يقول:
_ ماشي، خمس دقايق مش اكتر وانا واقف اهو.
اومأت برأسها موافقة بلهفة، وهي تلتف متجهة ل “مراد” الذي نظر ل “باهر” الذي اتخذ باب المدخل مسندًا له وهو يعقد ذراعيهِ أمام صدره معبرًا عن عدم تحركه انشًا واحدًا، ليرفع جانب فمه ساخرًا واشاح بنظره عنه مثبتًا اياه على “خديجة” الواقفة أمامه ليبتسم لها بغضب دون حديث، فباشرت هي وهي تسأله:
_ أنتَ جاي ليه؟
التمعت عيناه بالغضب وهو يسألها:
_ وأنتِ مبترديش على مكالماتي ليه؟
اتسعت عيناها من جرأته الغريبة عليها لتهتف بنزق:
_ وأنا مش مجبرة ارد! افرض مش عاوزه ارد أنا حرة، بس ده ميخلكش تجيلي البيت!
_ قلقت عليكِ، خصوصًا إنك مجتيش الشغل، خوفت تكوني تعبتي بعد الي حصل وقولت لازم اجي اطمن عليكِ.
قال ما قاله برفق جعل غضبها يتبخر بلحظات، بل واصابها التوتر الذي اشعل وجنتيها بالحمرة، وهي ترى نظراته الخاصة التي تشعرها وكأنها شيئًا مهمًا له، فاخفضت نظرها عنه وهي تسأله خجِله:
_ خوفت عليَّ ليه؟
أتته فرصته على طبق من ذهب، وهو خير من يستغل الفرص، فلم يتوانى عن استغلال هذه الفرصة وهو يخبرها بصدق ونبرة اذابتها:
_ عشان في مشاعر جوايا ليكِ بتكبر كل يوم عن التاني، مسألتيش نفسك ليه مهتم بيكِ كده؟ ليه غضبت يوم ماعرفت ان الحيوان الي مات اتعرضلك؟ ولا ليه ساعدتك تخلصي منه؟ محدش هيعمل كل ده من فراغ يا خديجة، انا عملت كل ده عشان مشاعري الي بتحركني ليكِ، خوفي عليكِ هو الي خلاني مستعد حتى اشيل جريمته بس أنتِ متتأذيش.
رفعت نظرها له بوجهها المشتعل بالحُمرة، تشعر بحرارة قاتلة تغزو كل شبر في جسدها، لم تتعرض لموقف كهذا من قبل، قضمت شفتيها بتوتر وهي تعدل حجابها، لا تدرك ما يجب عليها قوله في هذا الموقف، وادرك هو حيرتها وخجلها، فابتسم بهدوء مقررًا رحم خجلها:
_ على فكره انا كنت عاوز اعترفلك من فترة بس مجاتش مناسبة.
تلفت حوله ليطالع المكان ساخرًا ثم قال باستنكار جعلها تضحك بخفة:
_ فملقتش انسب من بير السلم عشان اعترفلك فيه.
تنحنحت بارتباك وهي تسأله متحاشية النظر له:
_ بس.. يعني اكيد مكنتش بترن عليا وجاي هنا عشان كده.
رفع منكبيهِ وهو يجيبها:
_ قولتلك كنت جاي اطمن عليكِ.
_ مش هنخلص بقى ولا ايه؟
هدر بها “باهر” بضيق من طول مدة حديثهما، ليناظره “مراد” بتحدي قبل أن يتجه إليه يقف أمامه وجهًا لوجه وهو يخبره بتحدي وابتسامته المستفزة عادت لتزين ثغره:
_ استاذ باهر، انا عارف ان المكان مش مناسب، بس انا حابب اخد ميعاد عشان اتقدم للانسة خديجة.
شهقة منخفضة صدرت منها وهي تضع كفها فوق فمها غير مصدقة لعرضه الذي ظهر الآن فجأة! متى اعترف بمشاعره تجاهها ومتى طلب زواجها؟؟!
—————-
بعد ثلاث ساعات …
في ميناء الاسكندرية تراصت السفن الحاملة للصناديق الضخمة التي تخص الشحنة الجديدة لهم، اقترب “مراد” وهو يدخن سيجاره بكبرياء شامخ، تحرك بخطواته الثابته حتى وقف أمام من نزل من السفينة، كان رجلاً يرتدي بدلة وقبعة كلاسيكية، يبدو عليه الترف، اقترب من “مراد” وهو يهتف بلكنة ايطالية:
_ مرحبا سنيور ابرام.
هز “مراد” رأسه بهدوء وهو يجيب تحيته:
_ مرحبا سنيور ماركوس، هل كل شيء جاهز؟
اومئ “ماركوس” وهو يخبره بهدوء:
_ نعم، هل المال جاهز؟
_ وهل تسألني حقًا؟ وكأنك تتعامل معي للمرة الأولى!
اردف بها “مراد” ساخرًا، ليتنحنح “ماركوس” مجيبًا:
_ عذرًا، ولكن أتيت لأسلم الشحنة لسنيور فكتوار ولست أنتَ.
كاد أن يجيبه لينتبه لسيارتان يأتيان خلفا بعضهما، فالتوى فمه ساخرًا وهو يقول:
_ ها قد وصلَ.
وبالفعل توقفت السيارة ليترجل منها “دياب” ورِجاله ومن ضمنهما “هاجر” التي ألقتهما بنظرة غاضبة، قبل أن تتبعه، اقترب “دياب” منهم ليهتف بنبرة غاضبة موجهًا حديثه ل”مراد”:
_ أنتَ ايه الي جابك هنا؟
التفت له يحدقه بنظرته القاتمة وهو يجيبه:
_ نفس الي جاب جنابك.
_ هو الباشا من امتى بيجمعكم في مهمة واحدة!؟
أدرفت بها “هاجر” ساخرة، ليلقيها “مراد” بنظرة متهكمة قائلاً:
_ ابقي روحي اسأليه، بعدين ما تعلم رجالتك ميتكلموش في وجودك، ولا أنتَ قائد على ماتفرج!
ضغط “دياب” على أسنانه غاضبًا، وهكذا فعلت “هاجر” الذي شعرت بالغضب من اسلوبه المتهكم معها ونعته لفظ “رجال” عليها، ونظرت ل” طارق” الواقف خلفه بنظرة غاضبة، فحرك الآخر عينيهِ بعيدًا عنها غاضبًا من الموقف برِمته.
صدح صوت “مراد” يحدث “ماركوس” :
_ انا المسؤول عن اتمام الشحنة سنيور ماركوس، وحقيقًة لا أعلم ما هو الدور الخفي للسيد فكتوار.
كانت جملته الأخيرة تحمل سخرية واضحة، جعلت “دياب” يزمجر بغضب وهو يهتف:
_ أتيت بأمر من الزعيم، لأتفق مع سنيور ماركوس على شحنة جديدة.
قطب “ماركوس” حاجبيهِ مستغربًا:
_ ولكن لَمَ لم يكلف سنيور ابرام بالأمر؟ بما أنه هنا بالفعل ليستلم مني البضاعة.
لمعت عينا “دياب” بمكر وهو يجيبه:
_ سنيور ابرام لا يكن طرفًا في مثل هذه الصفقات، لديهِ معتقدات خاصة.
احتل الغضب الجحيمي وجه “مراد” وهو يردد من بين أسنانه:
_ تجارة اعضاء.
القى “دياب” نظره جانبية له قبل أن يشيح بنظره بلامبالاة، فكور “مراد” قبضته هادرًا ب “طارق” :
_ طارق أمن على البضاعة، خلينا نخفى من هنا.
تحرك “طارق” فورًا ينفذ الأمر، و”مراد” بالكاد يقف متحكمًا في اعصابه، دقائق وعاد “طارق” برجاله هاتفًا باختصار:
_ تمام.
_ هات الفلوس.
أمره “مراد” ليشير “طارق” لرِجاله فتحركوا على الفور يضعوا اربع حقائب سفر كبيرة ممتلئة أمام قدم قائدهم، وانحنى أحدهم يتولى فتح الحقائب لتظهر الاموال متراصة بالداخل، فهزَ “ماركوس” رأسه راضيًا وهو يهتف:
_ عهدتك أمينًا سنيور ابرام.
حرك “مراد” رأسه بلاهتمام وتحرك الرجال ينقلون البضاعة للسيارات الكبيرة، وما إن انتهوا حتى تحرك “مراد” واقفًا بجوار “دياب” يهمس له:
_احتفل بآخر صفقة هتعملها في الو**** دي عشان مش هتتكرر تاني، وبكره تقول مراد باشا قال.
انفجر صدر “دياب” غضبـًا من حديثه المقلل من شأنه، ليردف بنبرة كالفحيح وهو يميل على “مراد” أكثر:
_ معتقداتك معقدة زيك، السلاح والدعا*ره وتجارة المخدرات والاعضاء كلها واحدة يا… يا باشا، مفيش حاجة اسمها بعمل ده ومعملش ده، ولو طبلت على دماغنا هتطبل على الكل.
نفى برأسه وهو يقترب الخطوة الفاصلة مبتسمـا بخبث:
_ تؤ، فهمتني غلط، أنا قصدت آخر صفقة ليك أنتَ.
انهى حديثه وخبط بكفه على كتفه منفضًا غبار وهمي قبل أن ينسحب من أمامه بكبريائه الملازم له، وهيبته التي تفرض نفسها في أي مكان، قضم شفتيهِ غاضبًا وهو يهمس بينما عيناه مسلطة على ظهر “مراد”:
_ يابن ال****، اعمل بس خطوة واحدة، وانا اطلع عليك القديم والجديد يابن وهدان.
_ وليه تستناه ياخد خطوة؟ ماتخلص أنتَ منه يا باشا.
قالتها “هاجر” التي استمعت لهمسه ليجيبها باختناق:
_ البوص لو عرف اني هوبت ناحيته مش بعيد يخلص عليَّ، انتِ عارفة قواعد المنظمة، ممنوع حد منا يغدر بالتاني او يأذيه من غير مبرر يستاهل، وخصوصًا لو كان الحصان الأسود ده.
اومات برأسها بتفهم، وقد اتضح أمامها سبب تواني “دياب” عن أذية “مراد” بطريقة مباشرة رغم كرهه الواضح له..
______________
انتفضت فزِعه من نومها، وهي تلهث بتعب، قد كان كابوسًا آخر رأت فيهِ شخص جديد ، وللغريب هذه المرة رأت المكان جيدًا، حتى أنها شعرت بمعرفتها لهذا المكان، وبالفعل بعد بعض التفكير أدركت هويته، أنها المستشفى التي يعمل بها “باهر”!
انتفضت ممسكة بهاتفها وطلبت رقمه بانفاس لاهثة، ثواني وفُتح الخط، لتهتف بلهفة:
_ باهر، أنتَ في المستشفى صح؟
استغرب نبرتها الفزِعة لكنه رد بهدوء:
_ ايوه، أنتِ عارفة عندي نبطشية بليل النهارده.
_ أنا جيالك استناني في الاستقبال.
اغلقت الخط فورًا تاركه الآخر في حيرة من أمره، وليست حيرة فقط، بل فزع أيضًا، يبدو أن أمر جلل قد حدث لتحدثه بتلك النبرة وتأتي اليهِ والساعة قاربت على الثانية صباحًا.. الثانية صباحًا! وهل ستأتي بمفردها في هذا الوقت!؟
حاول مهاتفتها لأكثر من مرة لكنها لم تجيب، ليزفر بضيق ملقيًا الهاتف فوق المقعد لاعنًا من بين انفاسه الثائرة فلن يستطع فعل شيء الآن، لن يقدر على الذهاب اليها فبالتأكيد قد تحركت من المستشفى بالفعل، فما عليهِ سوى الانتظار الذي قلقًا..
____________
_ اه، تعبت خلاص مبقتش شايفة، هقوم انام.
أردفت بها “خديجة” وهي تنظر للساعة التي تخطت الثانية صباحًا، وقد قضيا الوقت في الحديث عن كل ما مر عليهما في الفترة السابقة، وانحصر الحديث بشكل خاص على “إبراهيم” وافعاله التي سخطت خديجة منها، فانهت حديثها لها بنبرة قاطعة:
_ فريال، طول مانتِ سلبية وهايفة كده في تعاملك معاه، هيركب ويدلدل رجليه يا حبيبتي، وبكره يعاملك زي الجارية عنده، ومش هتقدري تعترضي ولا ترفعي صوتك، الي بيتعود على حاجه بيتعود عليها دايمًا، ومستحيل تغيري فكرته بعدها، أنتِ الي بتفرضي شخصيتك متستنيش حد يعمل كده، خصوصًا مع عدو المرأه ده.
تنهدت “فريال” بتعب وهي تخبرها بحزن حقيقي:
_ بحبه يا خديجة، بحبه ومش قادره اخد موقف معاه.
لوت فمها ساخرة متشدقة:
_ حبيه يا روح قلبي بس مترجعيش تشتكي، يلا هقوم انام، سديتي نفسي بسيرته،انا عارفه بتحبي فيه ايه ده، ده حتى وشه يقطع الخميرة من البيت بتكشيرة امك دي.
_ الله! وأمي مالها؟
صاحت بها “فريال” معترضة، لتبتسم لها “خديجة” بسماجة:
_مهو امه وابوه مش كشريين، وناس زي السكر، محدش في العيلة يشبهه غير الحرباية عمتي.
شهقت “فريال” بتفاجئ من سب “خديجة” لوالدتها علنًا فحذرتها:
_ خديجة! دي أمي متنسيش!
اشاحت بيدها بلامبالاة مرددة:
_ والله لولا انها أمك كان زمانك بتشتميها معايا.
والتزمت “فريال” الصمت غير قادره على النفي، فحولت ضفة الحديث وهي تسألها:
_ قوليلي طيب، هتعملي ايه في العريس ده؟
ارتبكت، وتوترت ملامحها وهي تجيبها:
_ مش عارفة والله، هو فاجئني، متوقعتش انه يعترفلي بمشاعره من هنا، ويطلب يتقدملي بعدها بالشكل ده، حسيت اني اتشليت من المفاجأة، خصوصًا وهو بيقول لباهر هستنى ردك عليَّ بكره! مجنون ده في حد بيقرر في سواد ليل!
_ ليه باهر مقالوش كده؟
تنهدت حائرة وهي تجيبها:
_ لا باهر قاله، بس هو رد عليه وقاله انا بقالي معاها في الشغل اكتر من شهر ونص، هتفكر في ايه، مهو يا متقبلاني يا لأ.
اقتنعت “فريال” بحديثه لتقول:
_ بصراحة معاه حق، يعني لو عندك قبول له، ييجي ويتقدم انتوا مش هتتجوزوا، ده لسه هيتقدم ويقرأ فاتحة وبعدها خطوبة الموضوع طويل.
_ بس المفروض نسأل عليه يا فريال.
_ انتِ عارفه هو منين؟
ضمت شفتيها بجهل:
_ لا، بس المفروض باهر يعرف ويسأل عليه.
اقترحت “فريال” وهي تقول بحماس:
_ عندي فكرة، ايه رأيك ييجي ويتقدم وقبل ما تقرأوا فاتحة باهر يبقى يسأل عليه، اصل اكيد لما ييجي يتقدم هيجيب حد من اهله، وساعتها هنشوف برضو اهله ايه نظامهم، فهماني، يعني كحاجة مبدئية، وباهر بعدها ياخد وقت يسأل عنه براحته.
هزت “خديجة” رأسها موافقة وهي تهتف:
_ خلاص هكلم باهر بكره واقوله كده، اشوفه هيقتنع ولا ايه، ولو اقتنع اخليه يحدد معاه ميعاد ييجي يتقدم.
ابتسمت لها “فريال” باتساع وهي تضمها لها في عناق دافئ مردده بفرحة:
_ ربنا يرزقك بابن الحلال ويكتبلك الخير يا روح قلبي، ويجعل نصيبك احسن من نصيبي.
أردفت جملتها الأخيرة بحزن جلي، لتخرج “خديجة” من حضنها هاتفة بمغزى:
_ احنا الي بنختار نصيبنا بايدنا، محدش غصبنا يا فريال، وحتى لو في يوم اتغصبنا، اي خطوة بتيجي بعد كده بتكون بايدنا.
انهت حديثها وخرجت من الغرفة بهدوء لتدلف للحمام قبل أن تعود لتنام بجوارها، تاركة “فريال” غرِقة بأفكارها التي تعصف برأسها، وحديث خديجة لا يتوقف عن التردد في عقلها.
______________
وأخيرًا ابصرها تأتي تجاهه بمظهر مزري، لا يصدق أنها خرجت من المنزل بهذا الشكل! ترتدي ثياب بيتيه عبارة عن ترنج بكنزة قصيرة لحد ما، وبقدمها ارتدت خُف منزلي! حتى انها لفتت انظار الناس إليها، هرولت إليه حتى توقفت امامه، وقبل أن يسألها عن شيء كانت تبادر هي بالحديث:
_ انا شوفت واحد هنا، في حد هيدخل يخنقه، انا شوفت رقم الاوضة… ٣٤٥ هي فين يا باهر، يلا بسرعة أنتَ متسمر كده ليه؟
جذبته من يده قبل أن يُبدي أي رد فعل حتى، وهرولت بهِ في طرقات المستشفى وهي تخاطبه أن يرشدها لمحل الغرفة، وقد كانوا عرضًا مزريًا لكل من في المستشفى خصوصًا من يعرفه! وهم يرونه يهرول مع فتاة ترتدي ثياب بيتيه بل وهي التي تجذبه تحثه على الركض! ضاعت هيبته!!
وصلا أخيرًا للغرفة المنشودة لتقتحمها دون سابق إنذار فاتسعت عيناها ذهولاً وصرخت وهي ترى حلمها يتحقق، رجل يحمل وسادة ويضعها فوق وجه المسجي فوق الفراش، ازاحها “باهر” من طريقه حين اقترب الرجل منها يكتم صرختها، فواجهه “باهر” ودارت بينهما معركة دامية، اصبحت الغرفة ساحة قتال، وهي ركضت خارجة من الغرفة تصرخ في طرقات المستشفى تطلب الأمن، او المساعدة بشكل عام، فأتى الأمن وبعض الممرضين لينتشلوا الرجل من بين يدي “باهر”، وتدخلت الشرطة في الأمر بعد ان طلبوها، وتبين ان ذلك الرجل المريض لم يكن سوى لواء في الداخلية، وشُكر “باهر” من قِبل كل رجاله الذين اتوا للإطمئنان عليه، وبعد انتهاء الأمر، جلس “باهر” في غرفته الخاصة وامامه جلست “جاسمين” بابتسامة واسعة وهي تضع القطن المغموس في المحلول المطهر على جروحه المتفرقة في وجهه، اغتاظ من ابتسامتها ليهتف بضيق ضاربًا بشرتها بانفاسه الحارة:
_ بتضحكِ على ايه مش فاهم؟ أنتِ مبسوطة فيَّ؟
نفت برأسها بأعين لامعة:
_ لا، مبسوطة ليَّ، متتخيلش يا باهر مبسوطة ازاي..
وضعت القطن جانبًا وهي تتنهد براحة جمة:
_ انا انقذت حياة انسان، أنتَ متخيل، انا فرحانة اوي اوي، الحمد لله.
ابتسم هو أيضًا وهو يردف مرحًا:
_ هو اه انا اتعملي خريطة في وشي، بس معاكِ حق، احساس حلو اوي.
ضحكت بخفة وهي تضع اصابعها على أحد جروح وجهه وأردفت:
_ دي علامة شهامتك في انقاذ الموقف، يعني المفروض تشكرني، ده أنا حتى خليت رجالة الداخلية يقفوا يشكروك.
تاه في لمستها، وفي نظرات عينيها القريبة منها، قربها بهذا الشكل يشكل خطر على قلبه الذي ينبض بسرعة غير مسبوقة، فوجد لسانه يهمس:
_ جاسي..
توقفت عن الضحك وهي تشعر بنظرة مختلفة من عيناه، وتوترت لمناداته لها بتلك النبرة، شعرت أن القادم سيوترها أكثر ولا تعلم لِمَ، لكنها وجدت ذاتها تجيبه بنبرة خافتة وقد دق قلبها بقوة. وتاهت هي الأخرى في نظراته:
_ نعم؟
استفاق من سِحر اللحظة وشعر بتهوره إن كشف عن مشاعره الآن، لابد أن يتأكد أولاً، فابتسم بعبث وهو يخبرها:
_ امسحي رقمي من عندك، انا مش عاوز خرايط تانية في وشي يا حبيبتي، انا الحمد لله ربنا راحمني ومبحلمش بحد ولا بنقذ حد.
فاتسعت عيناها لجملته، توقعت أن يكن الأمر عاطفيًا أكثر، فالتقطت زجاجة المطهر تقذفه بها بغيظ، و التقطها هو بسهولة ضاحكًا، فاردفت وهي تنهض واقفة:
_ خسارة فيك إني عالجتك، وهتصل بيك غصب عن عينك، وهتساعدني يا باهر وابقى قول لأ، يا اسمراني أنتَ.
انهت حديثها تاركة اياه وذهبت، ليشخص ببصره وهو يردد لذاته بتعجب:
_ اسمراني! هي دي مدح ولا ذم؟؟!
_____________
في عصر اليوم التالي….
انتبه “باهر” لرنين هاتفه، فالتقطه وقد توقف عن عمله خارجًا من غرفة المريض الذي يتابعه بعد ان استفاق من أحد العمليات، كان رقمًا غير مسجل ففتح الخط مجيبًا:
_ السلام عليكم.
_انا زين، اعتقد فاكرني.
كان رده البارد الذي فاجئ “باهر” فهتف:
_ ما ترد السلام يا عم الأول.
_ اعتبرني رديته، ها ايه الرد؟
زفر “باهر” بغيظ وهو يجيبه:
_ للأسف خديجة موافقة، رغم إني شخصيًا مش موافق، لكن هي قالت نديك فرصة تيجي تتقدم، وأن شاء الله مش هتوافق بعد كده.
اتاه رده المستفز وهو يخبره:
_ مسألتكش أنتَ موافق ولا لأ، ميهمنيش رأيك، المهم هاجي اتقدم امتى؟
_ أنتَ انسان مستفز وبارد، أنتَ جبت رقمي منين اصلاً؟
وبنفس البرود اجابه:
_ مش مهم، المهم اجي امتى؟
_استغفر الله العظيم.
رددها “باهر” يحاول تهدئة نفسه بصعوبة، واردف من بين اسنانه:
_ اخر الأسبوع.
_ نعم! هو أنا قولتلك ترد عليَّ النهاردة عشان اجي آخر الأسبوع؟ بقولك ايه يا دكتور، انا هاجي بليل..
صاح “باهر” معترضًا:
_ بليل ايه يا جدع أنتَ هو سلق بيض! لا طبعًا.
_الساعة ٩ كويس؟
_ياعم انتَ مجنون؟
اردف بها “باهر” وقد علىَ صوته حتى التف المارة على صوته، فحاول التحكم في ذاته مراعيًا وقوفه في طرقة المستشفى، ولكن طار تحكمه وهو يستمع للآخر يقول:
_ يبقى كويس.. سلام.
نظر “باهر” للهاتف بفاه فاغر، حقًا! ياله من بارد، مستفز، سِمج، أحمق.. والكثير من تلك الصفات، هز رأسه بعدم استيعاب للموقف، وطلب “خديجة” وفور أن أجابت اخبرها بهياج عصبي:
_ ابن المجنونة الي وافقتِ عليه خد ميعاد من نفسه النهارده الساعة ٩!!
_________
وعلى صعيد آخر، ابتسم “مراد” براحة ما إن اغلق المكالمة، حتى أتى بعقله أحد الجمل التي قيلت اثناء المحادثة وهمس لذاته بسخرية:
_ قال رد السلام قال، عالم متخلفه.
انهى حديثه، متجهًا لكأس المشروب الخاص بهِ، ورفعه شاربًا اياه على دفعة واحدة، وما إن انتهى حتى طلب رقم “طارق” وفور أن اتاه الرد هتف:
_ طارق، الراجل الي طلبته منك يكون جاهز النهاردة الساعة ٩،وزي ما قولتلك لو غلط في حرف هطير رقبة امه.
اتاه رد “طارق” المتوتر:
_ ما تقلقش يا باشا انا فهمته هيقول ايه وهيتصرف ازاي، وحفظ دوره كويس!
#يتبع
الفصل التاسع والعشرين “حُنكة بن وهدان”
وها هي تدق التاسعة مساءً لتعلن عن موعد قدوم عريس الغفلة كما ذكره “باهر”..جلست “خديجة” على أحد الكراسي من ضمن ثلاث كراسي المتواجدين في صالة الشقة، التي تفتقر للكثير، بعدما تزينت في فستان اسود انيق رغم بساطته الشديدة، وحجاب احمر بهِ نقوش سوداء بسيطة، ولم تضع على وجهها أي مساحيق تجميل مكتفية ببشرتها الخمرية دون أن تحاول تغيير حقيقة لونها، فقط كحل اسود حددت بهِ عيناها السوداء ذات الأهداب الكثيفة، كبحت ضحكتها بصعوبة على مظهر “باهر” الجالس أمامها يتلوى في جلستها، وهو يردد بنزق:
_ الساعة ٩ وخمسة ياترى بقى البية ناوي ييجي نص الليل!
احتفظت بضحكتها وهي تجيبه بتعجب:
_ نص الليل عشان اتأخر خمس دقايق! باهر أنتَ ناوي تطفشه بطريقتك دي!؟
زفر باختناق وهو يغمغم بحنق:
_ وهطفشه ليه ياختي بيني وبينه ايه؟ انا بس مبحبش عدم الالتزام في…
وقبل أن ينهي جملته كان جرس الباب يعلن عن قدوم الزائر المنتظر، انتفضت واقفة وخرج “مصطفى” من الغرفة بعد أن انتهى من ارتداء ثيابه للتو، واردف ضاحكًا:
_ العريس ده محترم اول ما خلصت لبس جه على طول.
حدقه “باهر” بنظرات ضائقة مرددًا بسخرية:
_ محترم اه.
فتح “باهر” باب المنزل ليبصر عريس الغفلة ومعه شخص غريب!
_ اتفضلوا.
دلفا للداخل ووضع” مراد” علبة الحلويات كبيرة الحجم فوق الطاولة المجاورة للباب، اتخذت هي خطوتان للخلف مبتعدة عن الكراسي بعدما نظر لها “مراد” مبتسمًا وعيناه تلمع بنظرة خاصة، اشار لهما “باهر” بالجلوس، ليجلس “مراد” وبجانبه هذا الغريب، ثواني ودلفت “خديجة” للمطبخ وخرجت بأربع اكواب عصير، وضعتهم فوق الطاولة وما كادت تدلف مرة اخرى حتى سمعت صوت الغريب يهتف:
_ ما تقعدي يا عروسة.
ابتسمت بخجل واتجهت للجلوس فاسرع “مصطفى” يجلب كرسي لها من الداخل، فجلست محتفظة بخجلها، بدأ الحديث بصوت “باهر” يردف بنزق خفي:
_ منورين يا جماعة.
كانت جالسة بجوار “زين” والفرق بينهما عدة سنتيمترات لتسمعه يشيح بوجهه تجاهها وهو يهمس لها:
_ منورين وهو عاوز يطردنا اصلاً.
ضحكت بخفوت على حديثه الهامس، فعقب ضاحكًا:
_ بالضحكة دي قلبي متعلق.
ازدادت حمرة خجلها وهي لا تصدق لِمَ تسمعه منه، هل هذا هو “زين” الهادئ، المحترم!
_ ما تخليك معانا هنا يا عريس، ولا رقابتك ملووحه!
لف رقابته له وهو يبتسم باصفرار:
_ اه اصل باين كده نمت نومة غلط بليل، فرقابتي شادة بعيد عنك.
ضغط “باهر” على نواجزه سائمًا من هذا السمج، ونهض فجأة متجهًا لكرسيها وامرها:
_ قومي اقعدي مكاني.
نهضت على مضض فيبدو أنها أحبت همس الآخر! واتجهت لذلك الكرسي البعيد قليلاً جالسه فوقه، ليخبط “باهر” بكفه على فخذ “مراد” قائلاً:
_ منور.
ازاح “مراد” كفه برفق مبتسمًا باصفرار:
_ ده نورك.
_ وحضرتك بقى والده ان شاء الله؟
تسائل بها “باهر” لهذا الغريب الصامت، ليهتف:
_ لا أنا خاله ان شاء الله.
قطب حاجبيهِ متعجبًا، ليهتف “مراد” فورًا موضحًا بنبرة حزينة:
_ اصل انا اهلي متوفيين، مفاضلش منهم غير خالي، هو كمان مسافر كندا دي اجازة بس لكن مسافر بكره.
اومئ برأسه متفهمًا، ولانَ “باهر” قليلاً وهو يستمع لحديثه ونبرة الحزن الظاهرة بها، فتنهد قائلاً:
_ الله يرحمهم.
_ هو مين ده؟
قالها “مراد” بجهل مصطنع وهو ينظر ل “مصطفى” الذي تولى الرد معرفًا عن ذاته:
_ أنا مصطفى، اخو خديجة.
ابتسم له بود مردفًا:
_ عاشت الأسامي يا درش.
تنحنح الرجل وأردف بوقار:
_ المهم يا دكتور باهر احنا جايين نطلب ايد الآنسة خديجة لابننا زين.
اجلى “باهر” حنجرته قائلاً:
_ احنا عاوزين نعرف طيب تفاصيل عنه، احنا تقريبًا منعرفش حاجه عنه.
تولى “مراد” الحديث قائلاً:
_ أنا زين محمود السويسي، عندي ٢٣ سنة، شغال شغلنتين، واحده في المطعم، والصبح في مكتب هندسي، عندي شقة جاهزة فاضل بس العروسة..
قالها وهو ينظر ل” خديجة” مبتسمًا، ثم عاد يكمل حديثه:
_ جهزتها من ورثي، والحمد لله تقدر تقول شغلي ماشي كويس، يعني مش هحرمها من حاجة، واهلي زي ما قولتلك، وعمومًا الخطوبة بتتعمل ليه، مهو عشان تعرفني اكتر وتطمنلي.
نظر لها “باهر” بتفحص لعلّه يستشف ماهية الرجل الجالس أمامه، أهو جيد أم سيء؟ لكنه بالأخير فشل، فتنهد حائرًا واردف وهو ينظر ل “خديجة” :
_ تمام ماشي، بس خديجة محتاجه وقت تفكر وبعدها هنرد عليكوا.
ابتسم “مراد” بخبث قائلاً:
_ بس خديجة تعرفني بقالها فترة من شغلنا مع بعض، واكيد كونت وجهة نظر عني، معتقدش محتاجة وقت تفكر، هي اكيد حاسة هي عاوزاني ولا لأ.
ورغم رفض “باهر” لهذا التسرع إلا أن طرق “مراد” الملتوية اجبرته على الموافقة، بحنكته استطاع جعل الخطبة بعد يومان فقط من الآن!
اغلق الباب وقد ضاق ذرعه بما حدث، ليلتف لها بغضب حقيقي:
_ اي الواد ده! خطوبة ايه الي بعد يومين ابن العبيطة ده؟
رفعت منكبيها ببرود:
_ الله! مش أنتَ الي وافقت أنا مالي؟!
_ مهو بني آدم مستفز و..
_ هي معاها حق يا باهر، انتَ الي وافقت فعلاً.
هذا ما أردفت بهِ “فريال” وهي تخرج من الغرفة، ليزيد اشتعال غضب “باهر” الذي اشاح بيده وهو يلتقط اغراضه:
_ أنا مش ناقص حرقة دم، أنا ماشي.
خرج مغلقًا الباب خلفه، لتنفجر الاثنتان بالضحك على حديثه وغضبه، وما إن انتهيا حتى سألتها “فريال” بجدية:
_ المهم، أنتِ مرتاحة يا ديدا؟
اومأت “خديجة” مبتسمة بخجل فطري:
_ يعني.. تمام..
غمزت لها “فريال” بعبث مردفة:
_ لا ده شكله تمام جدًا مش تمام بس.
وانطلقت ضحكات الفتاتان تعم ارجاء الشقة من جديد..
بالأسفل..
ابتسم الرجل بسخافة وهو يردف:
_ ايه رأيك فيَّ يا باشا عملت الدور مظبوط صح؟
نظر له” مراد” بجانب عيناه دون أن يجيبه، ليكمل سخافته مرددًا:
_ دول صدقوا اني خالك بجد، ولو كنت قولتلي اقولهم إني ابوك كانوا صدقوني برضو.
توقف “مراد” بغتًة يحدقه بنظرات جامدة اثارت ريبته وهو يشير له بعيناه:
_ غور من هنا.
ولم يحتاج لكلمة اخرى قبل أن يفر هاربًا في الاتجاه المعاكس…
_______________
_ مراد.
توقف على صوت” ليلى” الذي علىَ يناديه، فالتف ليجدها في الطرقة المؤدية للغرف، سار ناحيتها بخطى هادئة مبتسمًا تلقائيًا كعادته حين يراها، انحنى أمامها يحدثها بلطف:
_ عاملة ايه يا لولا؟
ابتسمت له بحب مجيبة:
_ بخير يا عيون لولا، قولي وشك منور كده خير؟
اجابها بثبات تام:
_ ابدًا، بس حسيت خديجة بدأت تطمنلي.
عبست بوجهها تسأله:
– كل ده يا مراد ولسه هتطمنلك! اومال هتعرفها بنفسك امتى يابني؟
اقترب مقبلاً وجنتها وهو يخبرها بلطف:
_ كله بآوانه يا لولا.
تنهدت باستسلام:
_ ربنا معاك يا بني.
وقف مستأذنًا منها ودلف لغرفته، في نفس اللحظة التي صعد فيها “حسن” درجات السلم، وأصبح أمامها، التفت بكرسيها لتعود لغرفتها لكنها توقفت على صوته يقول:
_ ليلى عاوز اتكلم معاكِ.
التفت بالكرسي له تسأله باقتضاب:
_ حاجة تخص مراد؟
قطب ما بين حاجبيهِ ضيقًا:
_ هو مفيش كلام بينا غير إذا كانت حاجة تخص مراد!
اومأت مؤكدة برأسها:
_ اعتقد قولت ده من سنين ليك، ايه الي جد؟
زفر انفاسه مختنقًا وهو يخبرها:
_ الي جد إني تعبت يا ليلى، تعبت ومبقتش متحمل الوضع ده، هيفضل كده لامتى؟
وبجمود اجابته:
_ لحد ما حد فينا يمو*ت وينقضي اجله.
رفع عيناه للاعلى بملل واردف:
_ ليلى، ده مش حل! احنا متجوزين، بس بقالنا اكتر من ١٥ سنه عايشين كأننا اخوات! ده حتى الاخوات بيتكلموا مع بعض عننا!
_ وهنفضل كده، انا وانتَ استحالة نرجع زي الأول ولا ايه يا جورج؟ أنا ديني بيمنعني اعاملك كزوج.
اقترب منها خطوة يردد من بين اسنانه:
_ أنتِ عارفه انه مجرد اسم في بطاقة عشان الشغل و…
قاطعته باستهجان واضح:
_ يارتني كنت عارفه ده، المصيبة اني متأكده انه مش مجرد اسم في بطاقة، أنتَ مش مسلم يا حسن، لا قولاً ولا فعلاً.. انا عمري ما شوفتك بتصلي، عمري ما شوفتك بتصوم رمضان، وكنت دايمًا اقول بكره ربنا يهديه، عمرك ما ذكرت ربنا في اي حاجة اصلاً! إن كنت فاكر إنك تبقى مسلم لما تقول أنا مسلم، يبقى لازم تراجع دينك الي متعرفش عنه حاجه، وعزائي الوحيد في مراد انه جاي منك، هو اني مكنتش اعرف حقيقتك.. لكن رجوع تاني بيني وبينك انسى، مش هيحصل ابدًا.
انهت حديثها والتفت بكرسيها دالفة لغرفتها وخيم الصمت على المكان من حوله، لا يصدح فيهِ سوى صوت تنفسه العالي غضبًا…
___________________
يومان مروا…
وأتى اليوم الموعود..
اليوم اولى خطواته في امتلاكها، اليوم سيصبح جزءً منها ملكًا له، ويتطلع للحصول على الباقي في أقرب قريب!
_ اختاري الي تحبيه ملكيش دعوة بالسعر.
همس لها بينما يقف جوارها في محل الصائغ، وهي تنتقي ما يعجبها من ذهب شبكتها، اكتفت بنظرة خجِلة له بجانب عيناها وهي تومئ بحرج، دقائق اخرى وكانت تهتف:
_ خلصت.
رفع حاجبه الأيسر باستغراب مرددًا بينما يشير لِمَ وقع اختيارها عليه:
_ دول بس؟ خاتم ودبلة!
اومأت مؤكده، ليكمل حديثه:
_ لا اختاري حاجتين كمان.
نفت برأسها وقد أبت:
_ لا كفاية، مش عاوزه غيرهم.
_ لو حاملة هم الفلوس ملكيش دعوة، انا عاملي حسابي.
هزت رأسها نافية:
_ لا، مش فكرة كده، بس معلش انا هبقى مرتاحه اكتر بدول.
لم يرد الضغط عليها أكثر، ولكنه طالع المحل بنظرة شاملة لدقيقة ربما، حتى وقعت عيناه على سلسال ذهبي تتدلى منهُ فراشة رقيقة بها فصوص ماسية، فاشار للصائغ عليها مرددًا:
– هاتلي السلسلة دي، وحطهالي مع الحاجة الي اشترناها.
حاولت ان تبدي اعتراضها لتسمعه يهمس لها بحدة طفيفة:
_ دي هدية خاصة مني ليكِ ملهاش علاقة بحاجة، مش من حقك ترفضيها اصلاً.
فالتزمت الصمت مرغمة…
___________( ناهد خالد) ___________
القى بكل ما على مكتبه بغضب حارق، لا يصدق الوضع الذي بات فيهِ الآن، صفقته الأخيرة في تجارة الاعضاء لم تتم، علمت الشرطة بها واصبحت في قبضتها الآن هي وبعض رجاله، استمع لرنين هاتفه ورأى رقم الرئيس يزينه، ليحاول الاستعداد لهذه المواجهة، فاخذ نفسًا عميقًا، واخرجه بمهل، قبل أن يجيب على المكالمة..
_ ايه الي حصل ده يا دياب باشا! الشحنة اتمسكت! أنتَ عارف دي مكلفة كام؟ لو اشتغلت ٤ شحنات غيرها مش هتسد تمنها..
حاول الدفاع عن نفسه، فبرر بتوتر:
_ يا بوص والله أنا…
_ بوص ايه وزفت ايه، أنتَ وديتني في داهية، اعمل حسابك دي آخر صفقة ليك في الصفقات دي، وغلطه كمان يا دياب وهصفيك بنفسي..
واغلقت المكالمة!!
وهو يغلى بمراجل الغضب، بداخله يشتعل كلما اعاد حديث الرئيس برأسه، هل هو من توبخ بهذا الشكل قبل قليل؟ هل هو من أُقصيَ عن هذا العمل!؟ لم يكن في احلامه حتى أن يتعرض لموقف كهذا..
وفجأة ضر*ب بعقله سؤال، من افشى سر صفقته للشرطة ؟ ولم يحتاج لتفكير كثير، فالجواب واضح، هو لا أحد غيره، من هدده بآخر مرة واخبره بوضوح ان هذه الصفقة ستكون الأخيرة من نوعها.. ذلك الفاسق، الأرعن.. مراد وهدان!
وبفحيح مرعب كان يردد:
_ ماشي يا بن ال****، إن ما خليتك تلف حوالين نفسك مبقاش دياب..
وكان وعيدًا سيكن سببًا في شن الحرب بينهما ذات يوم!!
____________
تحرك كلاً من “خديجة، مراد، باهر، فريال” خارجون من محل الصائغ، وأصر “مراد” على أن يتناولوا الغداء معًا، ومع اصراره خضعوا لرغبته، وبعد تناول الطعام أصر ثانيًة على تناول أحد المشروبات في مقهى قريب، وأثناء تواجدهم بالمقهى..
_ ها يا خديجة ناوية تعملي هيصة وكده عشان الشبكة؟
قطبت حاجبيها رافضة الفكرة، وأردفت بنبرة قاطعة:
_ لا يا باهر، مش حاسه اني حابه اعمل حاجة، يعني كفاية الفرح ان شاء الله وخلاص، وعوزاه بعد سنتين، مش قبل كده.
اومئ برأسه دون حديث، ليتولى “مراد” الحديث هذه المرة وقد لمعت فكرة برأسه متجنبًا الحديث في موعد الزفاف الآن:
_ طيب بما إنك كده كده مش ناوية تعملي هيصة، ما نلبس الشبكة هنا وخلاص.
وهي لم يكن لديها مانع، فمن غيرهم ستريد حضوره!؟ وبالأخير الأمر لا يستحق تفكير، فبالنهاية هي مجرد خاتم ودبلة، لذا اومأت موافقة وتولت “فريال” أمر توثيق الذكرى بتصويرهما بهاتفها القديم.
وهو يرى الحلقة الذهبية تلتف حول إصبعها الرقيق شعور لا يمكن وصفه، راحة.. هي الشعور المسيطر، ويخلفها الكثير.. انتصار، حب، لهفة، ووله بتلك الجالسة أمامه.. لا يعلم إن كان هذا بمجرد خطبتها، إذًا ماذا عن ليلة العرس!!
وهي كانت النقيض تمامًا، وكأن هذه الحلقة الذهبية التفت حول رقبتها، حتى أن انفاسها خفتت لمجرد الشعور! لم تشعر براحة ابدًا، واقلقها الأمر، لكنها بالأخير حين رفع رأسه يبتسم لها، ابتسمت، وقررت تجاهل شعورها الأحمق، ونست أننا يجب أن نستمع لشعورنا أحيانًا! فربما هو مجرد إنذار من العقل!!
_مبروك.
همس لها بنبرة محبة، لتبتسم هامسة بالمثل:
_ الله يبارك فيك، مبروك لينا.
وهل باتت تجمعه معها في جمله؟ يا لسعده!
_ توعديني إنك متقلعيش دبلتك من ايدك مهما حصل؟
قالها بنبرة عميقة ونظرة خاصة اربكتها حقًا! وكالذي يراهن على بقاء السمك حيًا خارج المياة، كانت تهمس له بحماقة:
_ اوعدك.
_ الف مبروك يا ديدا، الف مبروك يا استاذ زين.
رددتها “فريال” مبتسمة، لتسمع ل “مراد” يحدثها:
_ بلاش استاذ بقى، زين كفاية، ده أنا خطيب اختك خلاص.
وانصهرت الجالسة بجواره خجلاً على لقبه الجديد الذي اطلقه للتو، بينما تستمع لمباركة “باهر” المقتضبه، ورد “مراد” الأكثر اقتضابًا، يبدو أن هذان الاثنان لن تنشأ بينهما علاقة طيبة!.
_____________
في المطعم الذي يعملان بهِ..
وقفا يستقبلان التهاني من زملائهما، وطارق يراقب الوضع من بعيد، وضع لا يعجبه بتاتًا، ولكنه مجبر على الصمت..
وبالبعيد أكثر كان يلتقط عدة صور لِمَ يحدث وارسلها لرئيسة على موقع التواصل الاجتماعي ، مسجلاً اسفلها مسجل صوتي يقول بهِ
“باشا، مراد باشا خطب واحده من المطعم الغريب الي شغال فيه، ودي صور وزمايلهم بيباركولهم على الخطوبة”
_________
وفي مكان ابعد بكثير…
وصلته الصور والرسالة، ليضحك غير مصدقًا وهو يريها ل “هاجر” الجالسة جواره مردفًا:
_ تتخيلي مراد وهدان يروح يخطب بت بيئة ملهاش اصل ولا فصل، لا وكمان يتنكر عشانها! تفتكري ايه هدفه؟
نظرت للصور بتمعن لتردف مبتسمة:
_ مش هدفه حاجة، هو بس بيحبها.
– نعم!؟
رددها “دياب” مستنكرًا وغير مصدقًا في الوقت ذاته، لتؤكد له مبتسمة:
_ شوف كده نظرته ليها وأنتَ تعرف يا باشا، ده واقع فيها خلاص.
التقطت الهاتف منها يطالع الصورة بتمعن، ثواني وكان ينتفض واقفًا وهو يردد بذهول احتل قسماته:
_ رنا!!!!
_ في حاجه يا باشا؟
لم يجيبها فقط طلب رقم ما، وما إن أجاب حتى أردف بسرعة:
_ سيبك من مراد والبت الي معاه، في بت لابسة ازرق واقفة وراهم في الصورة، البت دي اوعى تضيع منك، تمشي وراها وتعرفلي بيتها فين وتبلغني ومتتحركش غير لما اجيلك، فاهم؟
اتاه الرد، ليغلق الهاتف وهو يتنفس بسرعة، وعيناه لم يختفي الذهول بها، بينما يهمس بداخله:
_ يااه! دي الدنيا اصغر من علبة كبريت! بقى بعد كل ده الاقيكِ واعرف مكانك من صورة! والله ليكِ وحشة يام ابني..!
وكلمته الأخيرة قالها بأعين تحمل نظرات تشبه الجحيم بالوانه، وهو يتذكر طفله الذي لم يراه، بفضل فرار والدته بهِ، هاربة من وحش يطاردها، لم يكن سوى هو… والد الطفل! والآن سيبدأ عقابها!
—————
أواخر يونيو لعام… ٢٠٢٠..
وها قد مرَ عامان الخطبة وفوقهما اشهر قليلة، العامان التي قررتهما “خديجة” ورغم محاولات “مراد” معها لم تتنازل عن العامان، ولو بشهر واحد..
عامان وبضعة أشهر تغير فيهم الكثير والكثير…
تم زواج “باهر” و “جاسمين” خلالهما، بعد أن لم يجد “باهر” مفرًا من حبها، ووالدها كان أكثر من مرحب بهِ، وقد انتقى شقة جيدة الحال في مكان مترف نوعًا ما ليليق ببعض مستواها، زواجهما الذي تم منذُ ثلاثة أشهر فقط..
“جاسمين” التي تفاقمت لديها احلامها، وباتت اكثر من مرهقة، ورغم استطاعتها لانقاذ الكثير، الا ان البعض لم يُقدر له النجاة، فيصيبها بالاكتئاب، ومع ذلك فباهر لم يتركها لحظة، فكان خير العون لها، ولكن لنقول أن لكل شيء حد!
“فريال” اصبحت في عامها الدراسي الثالث، لم تبدأ بهِ بعد، و”ابراهيم” الذي لم يتغير ابدًا، كما هو غير مراعيًا لها ولا لمشاعرها، وهي تصبر كالعادة!
واما عن تعيسة الحظ “رنا” فقد نجح “دياب” في اعادتها لقبضته مرة أخرى لتلاقي الذل والمرار على يده، وتعيش ما لم تعشه معه من قبل، وكل هذا بصنع يديها!
واليوم…
اليوم هو يوم سعده، يومه الذي انتظره سنوات وسنوات، اليوم ستصبح ملكه قلبًا وقالبًا، سيمتلك كل أنش بها، ويدمغه بدمغه الخاص، ستصبح حرم” مراد وهدان” دون أن تعلم…!!!
الفصل الثلاثون والأخير “بعد فوات الأوان”
“كل شيء يسير بترتيب من الله عزوجل فلا تستعجل أمره أو تقنط من حكمته”
تصببت عرقًا وهي ترى كابوسًا أخر في نفس الأسبوع، ظلت تصارع، تتحرك بعصبية مبغتة، وتمد ذراعها كأنها تحاول الوصول لشيء ما، حتى أيقظت النائم بجوارها، فانتفض مستيقظًا وأنار الإضاءة التي بجانبه، ليراها بحالتها العصبية هذه، فاسرع يحاول افاقتها وهو يهزها بلطف مرددًا:
_ جاسمين، حبيبتي اصحي ده كابوس، جاسي.
انتبهت لمحاولاته لافاقتها ففتحت عيناها بخضة، وهي تلهث من فرط المجهود الذي بذلته داخل كابوسها وفي الواقع، وكان وجهه هو أول ما رأته، وهو يقول بينما كفيهِ يمسحان العرق من فوق وجهها بحنان:
– حبيبتي اهدي، خدي نفسك بهدوء يلا.
واستجابت لنصيحته، فبدأت تلتقط انفاسها بهدوء واعتدلت بمساعدته لها، ومرت دقائق بينهما يحاول هو فيهم تهدئتها كالعادة، وبعد فترة كانت قد هدئت، فاستمعت له يقول:
_ يلا يا حبيبتي نرجع ننام، النهار قرب يطلع وعندي شغل بدري.
نظرت له بتوتر وتردد بالغين، ففهم هو نظرتها وما ورائها فقال بتحذير:
_ يلا يا جاسي ننام.
لم تستطع الصمت أكثر لتعرب عن رغبتها، فقالت برجاء ظهر واضحًا:
_ باهر، ارجوك، المره دي بس..
امتعضت ملامحه ورد رافضًا:
_ لا، لان المره الي فاتت واللي قبلها كانت اخر مره، كفاية بقى بهدلة وقلة قيمة، أنتِ نسيتي كام مرة اتبهدلنا والناس مصدقتناش؟ نسيتِ كام مرة كانوا بيقولوا علينا مجانيين واطردنا من كام مكان، انا مش رايح في حتة تاني يا جاسمين.
انسدلت دموعها بغزارة وهي تنتفض من فوق الفراش صائحة بهِ بغضب:
_ أنتَ ليه مش حاسس بيَّ؟ ليه مش مقدر الي بمر بيه؟ عاوزني اشوف حياة حد بتنتهي او في خطر واسكت! اعمل نفسي مشوفتش حاجة؟ ولو عملت كده، هشيل ذنبه ازاي من على كتافي؟
انتفض يقف في مواجهتها وهي يهتف بعصبية:
_ وانا ذنبي ايه! قولتلك روحي لدكتور نفسي يساعدك تبطلي تشوفي الي بتشوفيه ده، وأنتِ الي بترفضي كأنك حابه تعيشي دور البطلة الي بتنقذ الناس.
اشارت لذاتها بذهول:
_أنا يا باهر؟ أنا حابه اعيش دور البطلة؟ أنتَ بجد شايف الموضوع كده؟ مش شايف قد ايه بعاني من الي بشوفه! انا حابه الي أنا فيه؟
وبنفس الغضب كان يجيبها:
_ اومال ليه رافضة تشوفي حل؟ ليه رافضه تروحي لدكتور او شيخ يمكن يساعدوكِ، انا تعبت، المرمطة الي احنا فيها كل يوم والتاني دي مش نافعة، فاكره يوم ما صحيتِ وصممتِ تسافري الغردقة عشان حلمك الي شوفتيه في مكان مشهور هناك، ومشيت وراكِ وطلعنا على الطريق الساعة ٢ بليل وفضلتِ تستعجليني لحد ما عملنا حادثة لولا ستر ربنا مكناش خرجنا منها بأقل الخساير كده، عارفه كام مرة بروح شغلي مش مركز ومش فايق بسبب مشاويرك دي، كام مرة بطلع معاكِ وارجع وش الصبح ملحقش انام واروح مصدع وعاوز انام ومبقاش مركز مع العيانين ولا في العمليات الي بدخلها، هي مش دي ارواح ناس برضو واتحاسب عليها! ولا المطلوب مني اسيب شغلي واقعد اتفرغ لمشاويرك؟
هزت رأسها بألم وهي تهتف بنبرة متهكمة رغم قسوة حديثه عليها:
_ لا مش مطلوب منك حاجة، بس أنتَ من قبل ما تتجوزني وأنتَ عارف حالتي دي، جاي دلوقتي ومش متحمل؟ أنا مخدعتكش ولا خبيت عليك، وأنتَ بنفسك قولتلي أنا هقف معاكِ وهنعدي اي حاجة تشوفيها سوا، وقولتلي برضو إنك هتفضل تساعدني ننقذ الي نقدر ننقذه، جاي دلوقتي وتخلف بكلامك معايا!؟
ضغط على نواجزه بغضب وهو يخبرها بضيق:
_ لا انا مبخلفش بكلامي، بس واضح إنك نسيتِ كام مرة وقفت معاكِ وساعدتك، نسيتِ كام مرة جريت معاكِ، وسفر وبهدلة، احنا بقالنا سنتين في الوضع ده، وبقالنا سنة متجوزين وعمري ما اشتكيت، بس الشيء لما بيزيد عن حده بيمسخ، وأنتِ مش قابله اي حلول بقدمهالك عشان نخلص من القرف ده.
– قرف!
رددتها “جاسمين” بوجه محتقن بحمرة الغضب، وبعدها بأعين دامعة من فرط عصبيتها كانت تشيح بذراعها بهياج:
_ أنا بقى لقيتلك حل هيريحك خالص، وهخلصك من القرف الي تاعبك ده.
انهت جملتها واتجهت لازرر الإنارة الرئيسية لتفتحها، فعم الضوء في الغرفة، وأسفل نظارته المتابعة لها اتجهت للخزانة تخرج ثيابها وجذبت حقيبة كبيرة من اسفل الفراش تضعها فوقه وتفتحها، ليستغفر بسره محاولاً تهدئة ذاته، قبل أن يردف بضيق:
– أنتِ بتعملي ايه دلوقتي؟ الموضوع مستاهل الي بتعمليه ده؟
رفعت عيناها الباكية له تجيبه:
_ اه يستاهل، هروح بيتنا عشان اشيل عنك القرف.
_ بيتكوا! اعتقد ده بقى بيتك دلوقتي.
_ لأ، بيتي هو بيت دادي، ده بيتك أنتَ، وانا هسبهولك عشان ترتاح من قرفي.
اشاح بيده بعصبية بالغه وهو يخبرها:
_ هو أنتِ مسكتِ في الكلمة! مكانتش كلمة قولتها وقت غضب، سيبي الي في ايدك ده وبطلي جنان.
عاندته وهي تقف في مواجهته مرددة بنفس عصبيته:
– لا مش هسيب، واه مسكت في الكلمة، عشان أنتَ قاصدها وفعلاً مبقتش متحملني، وأنا بقى مش هعيش مع حد شايفني حِمل عليه.
رفع حاجبه ناقمًا:
_ يعني ايه بقى الكلام ده؟
وبنفس اصرارها اجابته:
_ يعني هروح عند دادي، لحد ما الاقي حل لمشكلتي، بعيد عنك، عشان مترجعش تتفضل عليَّ باللي بتعمله معايا.
_ اتفضل عليكِ!؟
قالها بملامح مندهشه من جملتها وتفكيرها، وسريعًا ما تحولت ملامحه لتصبح أكثر جمودًا:
_ تمام، روحي ولو عاوزه تفضلي هناك على طول براحتك.
انهى حديثه وخرج من الغرفة بخطى عصبية لا يتحمل حتى النفس الذي يأخذه، وهي سالت دموعها مرة أخرى وهي تنظر لموضع خروجه بحزن، لم تتوقع أن يحدث بينهما ما حدث الآن ولكن الحياة ومواقفها دومًا غير متُوقعه، خصوصً فيما يتعلق بالعلاقات..
—————
_ لا بقى يا زين، أنتَ كده بتهزر، هو ايه الي ميحضرش كتب الكتاب أنتَ ناسي أنه ابن عمي!
هذا ما هتفت بهِ “خديجة” أثناء حديثها مع “زين” في الهاتف في صباح يوم عقد قرانها، حين أعرب الأخير عن رغبته في عدم حضور “باهر” لعقد القران، “زين” و “باهر” مازلا لا يتقبلان بعضهما بتاتًا وهي تقع حائرة في المنتصف بينهما، لا تعرف كيف عليها مراضاة الطرفين، اتاها صوته البارد يقول:
_ هو مش ده كتب كتابي ومن حقي اختار مين يحضر ومين لأ! ده واحد مبحبوش يحضر ليه بقى؟
_ ايوه بس كتب كتابي انا كمان، من حقي اعزم الي احب اعزمه، وده ابن عمي، يعني مش محتاج عزومه اصلاً.. انا عاوزه الفت نظرك لحاجه اكيد مش واخد بالك منها، وهي إن من غير وجود باهر مفيش كتب كتاب هيتم.
_ وده ليه بقى؟
سألها باستنكار واضح، لتتنهد بضجر قبل أن تجيبه:
_ عشان هو هيكون وكيلي، يعني من غيره مش هينفع كتب الكتاب.
_ يعني ايه وكيلك دي؟
سألها بجهل، لتقطب حاجبيها بتعجب من جهله بأمر بسيط كهذا، وظهر هذا في حديثها:
_ انتَ بجد متعرفش؟ وكيلي يعني الي هيجوزني ليك، الي هتحط ايدك في ايده في كتب الكتاب.
شعر بخطأه ليردف بمزح:
_ ايوه طبعًا مانا فاهم، بس يعني مينفعش أنتِ تقومي بالدور ده، ده حتى ايدي بتدفي في البرد الي احنا فيه ده.
هزت رأسها بيأس من حديثه الذي لا يخلو دومًا من الايحاءات لأي تلامس بينهما، وقالت:
_ لأ، انا مش مقطوعة من الأهل عشان اكون وكيلة نفسي، ومصطفى صغير مينفعش يكون وكيلي، عدي الليلة بقى يا زين بلاش نكد.
_ أنا بنكد يا بنت عمي محمود، طب اقولك بقى هتشوفي النكد الحقيقي لو مخدتش حضن وبوسة كتب الكتاب.
شهقت بتفاجئ مصطنع وهي تردف بحده:
_ بقى أنتَ مش عارف يعني ايه وكيلي وعارف بس الحضن وقلة الأدب، بقولك ايه انا مش مطمنالك، انا عاوزه افسخ الخطوبة دي.
اتاها صوته الخِطر وهو يخبرها:
_ وماله، عشان افسخ رقبتك عن جسمك يا حبيبتي.
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تجيبه:
_ ايه ده في ايه؟ انا بهزر يا حبيبي أنتَ مبتهزرش.
_ لا بهزر، وهوريكِ الهزار الي بجد بعد كتب الكتاب.
صاحت بهِ بضيق:
_ بقولك ايه متوترنيش زياده، انا اصلاً مش على بعضي من امبارح.
اتاها صوته اللعوب وهو يسألها:
_ متوترة يوم كتب الكتاب، الله! اومال هتعملي ايه يوم الفرح، وأنتِ بتفكري كده إنك هتروحي معايا و…
اغلقت الهاتف دون أن تستمع للمزيد، وقد اضرمت نيران الخجل في وجهها لمجرد تخيل ذلك اليوم، تعلم ان اعطته فرصة لسرح بخياله لأبعد من الذي قاله والأكثر خجلاً، فقد عهدته قليل الحياء، بهِ جرأه تجعلها تتمنى لو تختفي من أمامه، ولكنها وللعجب احبتها منه! طوال العامان ولم يمر حديث بينهما بسلام دون أن يلقي في منتصفه ما يخجلها ويجعلها تهرب من تكملة الحديث معه، لذا لم يعد الأمر غريبًا لها كما كان في بداية الأمر.
___________
اجرى مكالمة هاتفية ب “طارق” الذي اجابه على الفور ليسأله:
_ ها عملت ايه في موضوع المأذون؟
اجابه الأخير بنزق:
_ مفيش ولا مأذون وافق على الي سعادتك عاوزه، كلهم رفضوا ويقولوا حرام.
التوي فمه ساخرًا وهو يردد بعصبية:
_ حرام! أنتَ واقف تتساير معاهم يا طارق ولا تاخد رأيهم! هاتلي اي مأذون من قفاه واخلص.
حمحم “طارق” وهو يهتف بهدوء:
_ حاضر يا باشا.
اغلق الهاتف بضيق، لِمَ تسير الأمور ضد رغبته! استمع لصوت دقات فوق باب غرفته، فاتجه بخطى متريثة يفتحه وهو على الاغلب يعلم من الطارق، وبالفعل وجدها والدته “ليلى”، ابتسم لها ابتسامة صغيرة، وافسح المجال لتدخل، فتحركت بكرسيها حتى وصلت لمنتصف الغرفة، التفت له تسأله مبتسمه:
_ ايه يا حبيبي بقالك كذا يوم مشغول وبشوفك بالصدفة، ايه الي شاغلك اوي كده؟
وهل سيخبرها أن انشغاله يعود لتحضيراته الأخيرة لعش الزوجية، تلك الشقة الفاخرة التي اشتراها في أحد الأحياء الراقية بمدينة القاهرة، والتي سعى في تلك الايام الاخيرة لانهاء كل تجهيزاتها كما تريد “فتاته” بالضبط، لذا لم يترك الأمر لرجاله واعتنى هو شخصيًا بكل تفصيلة صغيرة، لن ينسى يوم أن نزل معها ليشتريا أحد مستلزمات الشقة، حينها وهما في إحدى المحال حين أحبت أن تأخذ برأيه وهي تسأله
” زين، ايه رأيك اجيب النجفة الفضي ولا الدهبي”
نظرَ لِمَ تشير له، ولم يبالي كثيرًا وهو يجيبها:
” هاتي الدهبي”
نظرت للاثنان بتفكير قليلاً قبل أن تقول للبائع:
” خلاص هاخد الفضي”
رفع حاجبيهِ مندهشًا من قرارها، إذًا لِمَ أخذت برأيه من الأساس!
وبعدها حين كانا يشتريا السِجاد سألته مجددًا:
” زين، اخد السجادة البني ولا الكاشمير؟”
نظرا للألوان بسأم مجيبًا:
” يعني دي لون ودي لون تاني خالص، حسب الوان الشقة بقى”
” ايوه مانا عندي الحيطة اوف وايت، والركنة هعملها كاشمير، بس حيطة الشاشة احنا عاملينها خشب بني، فالاتنين هينفعوا”
قلب عيناه بلا اهتمام مجيبًا:
_ هاتي البني.
اومأت باقتناع، او هكذا بدى، قبل أن تقول للبائع:
” خلاص هاخد الكاشمير”
” هو أنتِ بتسأليني ليه مادام مش هتعملي برأيي؟!! ”
سألها بتعجب وغيظ في الوقت ذاته، لتبتسم له تلك الابتسامة التي تسحره وهي تجيبه بنبرة بها بعض الدلال:
” يا حبيبي انا ببقى محتارة، بس أول ما باخد رأيك بلاقيني ارتحت لعكس الي اخترته تلقائي”
ضر*ب كفيهِ ببعضهما وهو يغمغم لذاته:
” حاجة تفقع المرارة، مش كفاية مراد وهدان نازل يلف على المعارض ويشتري سِجاد ونجف، لا كمان مش عامله رأيي حساب!”
“ها يا حبيبي، يلا؟”
نظر لها مبتسمًا بغيظ، وأومئ برأسه لتجحظ عيناه وهو يسمعها تخبره بينما سبقته بخطواتها للخارج:
“يلا هات السجادة بقى”
عاد من ذكرياته وهو يمنع ضحكته بالكاد، لا يستطيع أن ينسى مظهره وهو يحمل السِجادة ويسير بها وسط العامة، شعرَ حينها أن الجميع يعرفه ويستنكر فعلته، رغم أنه اختار مكانٍ لا يذهب إليهِ ذوي المكانة الرفيعة، ولكن الهواجس لم تتركه حينها.
” مراد؟ سرحت في ايه يا بني؟”
فاق من شروده ليجيبها بهدوء:
_ معاكي اهو يا حبيبتي، معلش كان عندي شغل كتير الفترة الأخيرة والفترة الجاية كمان هيبقى اكتر.
_ ربنا معاك يا حبيبي ويقويك يارب.
هز رأسه بلا اهتمام، واقبل عليها يقبل وجنتها بحنان وهو يخبرها:
_ أنتِ عامله ايه؟ محتاجه حاجه؟
نظرت له لثواني بتوتر وتردد ظهر واضحًا في عيناها قبل أن تقول:
_ مراد، انا.. انا.. يعني..
_ في ايه يا ماما ما تقولي!
قالها بتعجب من توترها البالغ، لتزفر انفاسها بضيق قبل أن تقول:
_ انا عاوزه حاجه فعلاً، بس مش عارفه هتقدر تحققهالي ولا لأ؟
ابتسم ابتسامة جانبية وهو يخبرها بثقة:
_ مفيش حاجه في الدنيا مقدرش انفذها، قولي بس عاوزه ايه؟
ادمعت عيناها، وفركت في كفيها بتوتر بالغ، وبصوت مهزوز قالت:
_ مراد أنا، أنا عاوزه امشي من هنا، عشان خاطري مشيني من هنا لأي حتة، بس مبقتش متحمله اعيش هنا اكتر، انا.. انا حاسه إني لو فضلت هنا اكتر من كده هم*وت.
تجمدت ملامحه وهو يسألها بنبرة تبشر بهبوب العاصفة:
_ بابا عملك حاجه؟ بيضايقك؟
نفت برأسها صدقًا:
_ لا، بس أنتَ عارف إن انا وهو منفصلين من سنين وعايشين مع بعض بس عشانك، لكن دلوقتي أنتَ كبرت، مبقتش محتاج لوجودنا احنا الاتنين سوا، انا اتحملت خوفًا عليك اني اسيبك لوحدك معاه وانا عارفه انه قاسي، لكن دلوقتي خلاص أنتَ كبرت ومبقتش محتاجني احميك، انا الي محتاجاك تحميني دلوقتي يا مراد وتحققلي الي يريحني.
لم يرد الضغط عليها أكثر وهو يشعر بقرب انهيارها، فأومئ لها برأسه وهو يخبرها:
_ حاضر، اديني بس كام يوم وهخرجك من هنا، مش لوحدك، هخرج أنا وأنتِ مش هتخرجي لوحدك، مش هسيبك تعيشي لوحدك بعيد، بس اديني فرصة ارتب أموري.
اومأت برأسها موافقة وهي تلتقط أنفاسها وكأنها ازاحت حملاً كبيرًا من فوق كاهلها، ولكن يبقى خوفها الأكبر منه هو.. حسن، بالتأكيد لن يمرر الأمر على خير.
__________
بعد ساعة طلبه “طارق” يخبره بوجوده برفقة المأذون، ليذهب لهما بالقرب من منزله، سار بخطواته الثابته وظهره المفرود تجاههما حين رأى “طارق” ورجل غريب يقفا خارج سيارة “طارق”، رأى اهتزاز حدقتي الرجل وهو يراه يقترب منهما، فابتسم بثقه وهو يتوقف أمامهما، يردف بصوت جامد:
_ خير يا حضرة المأذون، رافض تكتب الكتاب ليه؟
توتر في وقفته وهو يجيبه:
_ ياباشا البيه بيقولي اني هكتب باسم غير الأسم، وده حرام شرعًا.
هتف “مراد” بنبرة خِطرة:
_ بقولك ايه يا شيخ أنتَ راجل كبير في السن ومش عاوز ازعلك مني، هتكتب في الورق بتاعك اسم “مراد وهدان”، وفي الخطبة الي بتقولها دي قول “زين” سهله اهي.
بدى الامتعاض والرفض واضحًا على محيا الرجل وهو يقول:
_ ازاي بس يا بني، يعني اكتب في عقد القران اسم، واقول خطبة القران باسم تاني؟ واخد موافقة العروسة ازاي وهي فكراك شخص تاني! كده الجواز كله باطل!
اقترب ومد كف يده يضعه على كِتف الآخر وردد بتحذير قاتل:
– بقولك ايه يا شيخ، هتكتب الكتاب ولا اكتب أنا اسمك في تعداد الوفيات؟
ابتلع الرجل ريقه بصعوبة وهو يومئ برأسه موافقًا حين حرك “طارق” سترة بدلته وظهر المسدس المثبت في جانبه، فجعل الرجل يدرك مع من يتعامل.
————-
– يابنتي يعني ايه الي حصل؟
تسائلت بها والدة “جاسمين” لتلك الباكية التي لم تتوقف عن البكاء منذُ أن أتت، وترفض أن تبوح بشيء، وفي نهاية المطاف، كانت تجيبها من بين بكائها:
– مفيش يا مامي، زعلانه مع باهر شوية بس.
– طيب ايه الي حصل يا حبيبتي؟ غلط فيكِ؟ ض*ربك؟
نفت برأسها وهي تجيبها:
_ لأ، محصلش كده، هو بس سوء تفاهم، سبيني بس يا مامي وانا هبقى كويسه.
تنهدت والدتها بيأس وقررت ترك مساحه لها كي تستطيع اخراج حزنها دون حاجز، فانسحبت من الغرفة بهدوء، وانخرطت هي في بكاء اعنف وكل كلمة قالها لها تُعاد في ذهنها، والتي كان وقعها على قلبها اقسى من وقعها على مسامعها.
_______________
كان جالسًا في مكتبه في الشركة الخاصة بهِ، حين أتاه اتصال من الرجل المُكلف بمراقبة ولده، فاجاب على الفور وهو على ثقة أنه سيعلم جديد..
-ها؟
كان هذا رده الذي حث الأخير على الحديث حين قال:
_ باشا انا عرفت حاجه من شوية بالصدفة، وقولت لازم ابلغك.
_ اخلص.
_ انا شايف تجيهزات كده في بيت خديجة، ولما سألت اهل المنطقة قالولي أن النهاردة كتب كتابها على واحد من الي شغالين معاها في المطعم، واكيد ابن سعادتك مراد باشا.
انتفض “حسن” من مجلسه وهو يهدر بهِ:
_ كتب كتاب مين يا حيوان أنتَ؟ كتب كتاب ازاي؟ هم اتخطبوا امتى عشان يكتبوا كتابهم؟!
رد الرجل بتوتر:
_ ياباشا مهو طلعوا مخطوبين من سنتين لما سألت الراجل قالي كده، ومش عارف ازاي اتخطبوا وانا ملاحظتش، ده انا حتى سمعت انه كان بياخدها ويروح ينقوا العفش، معرفش كل ده حصل امتى وازاي.
_ أنتَ زي قلتك، لو تور كان عرف الي بتقول ده من زمان، حسابك معايا بعدين يا بهيم أنتَ.
اغلق الهاتف والقى بهِ أرضًا بعصبية بالغة، واخذ يدور حول نفسه في محيط المكتب، شاعرًا بقرب توقف عضلة قلبه من فرط غضبه، وهو يتمتم بين اسنانه:
_ عملتها يابن وهدان، عملتها وهتتجوز الجربوعه دي، لعبتها صح وعرفت ازاي تخبي عليَّ، بس ماشي، ابقى شوف مين هيسيبك تتمم الجوازه.
أردف بالاخيرة بغل وهو يتجه لهاتفه يلتقطه طالبًا نفس الرقم مره اخرى، وما إن سمع الاجابة حتى هتف:
_ هتسمع الي هقولك عليه وتنفذه بالحرف الواحد….
__________
واتى الموعد المنتظر..
بداخل غرفتها المتهالكة كانت تقف أمام المرآة وخلفها “فريال” التي تنظر لها مبتسمة بفرحة، ابتسمت “خديجة” والتمعت عيناها بالسعادة التي لم تعرف طريقها يومًا وهي تطالع انعكاس صورتها، ترتدي فستان ابيض بتصميم بسيط، بهِ بعض الكريستالات المرصعة عند منطقة الصدر، وحجابها الأبيض المماثل، واليوم سمحت لنفسها بوضح مستحضرات التجميل الخفيفة على وجهها، فبدت ساحرة!
_ وه! يابوي على الحلاوة، تتاكلي أكل يابت خالي.
أردفت بها “فريال” بابتسامة واسعة، لتلتف لها “خديجة” وهي تقول بتوتر:
_ انا خايفة اوي، وحاسه اني مش متمالكة اعصابي، متوترة وحاسة اني مش طالعة حلوه، وخايفة من الحياة الجديدة الي داخله عليها و…
_ بس بس، على مهلك، ايه يا خديجة كل ده، طبيعي تكون خايفه وجلجانة ومتوترة، انا لما كتبت كتابي كنت نفس احساسك ده، رغم اني خابره انه مجرد كتب كتاب والفرح بعد ٤ سنين، بس شعور طبيعي، فاهدي ومتجلجيش استعيذي من الشيطان اكده، واجري الفاتحة في سرك.
اومأت “خديجة” موافقة وأخذت تردد الفاتحة وهي تفرك كفيها ببعضهما بتوتر، حتى استمعت لطرقات “مصطفى” فوق الباب وتبعها فتحه وهو يخبرها بابتسامة:
_ يلا يا خديجة، المأذون عاوزك عشان يسمع رأيك.
زفرت انفاسها المتوترة مرارًا حتى استعدت للخروج..
وبنفس اللحظة اخبرتها “فريال” حين وقع بصرها على الطاولة المجاورة للباب وفوقها ظرف كبير:
_ ياخرابي على مخي، نسيت اجولك ان في حد جه جبل العصر وسابلك الظرف الي هناك ده.
قطبت “خديجة” حاجبيها متعجبة:
_ ظرف! ظرف ايه ده؟
واتجهت له ملتقطه اياه، وما كادت تفحته حتى استمعت لصوت “مصطفى ” يخبرها:
_ مش وقته يا خديجة، الناس مستنية بره، يلا وشوفيه بعدين.
فتركته فوق الطاولة مرة أخرى وخرجت، وفقط لو تعلم ما بهِ لتخلت عن أي شيء وفتحه، فقد كان منقذها… لكنها ترتيبات القدر!
طلت عليهِ لتأخذ دقات قلبه، طلتها جعلته يتصنم محله وهو يراها بهذا الجمال، وهذا السِحر، كأنها جِنية سحرته، أو نداهة تلك التي رويَ عنها في الاساطير قديمًا، وفجأة رآها تتجسد في صورة تلك الطفلة الصغيرة ذات الثماني سنوات، تلك “صغيرته” و “فتاته” التي ارتبط بها قلبًا وقالبًا، رآها مقبلة عليهِ، وابتسامتها تزين ثغرها، حتى أنها كاد ينهض ليلتقطها بين أحضانه لولا سماعه لصوت” باهر “الذي افاقه واعاده لأرض الواقع وهو يقول:
_ العروسة اهي يا شيخنا.
وعلى مضض كبير نظر لها الشيخ آسفًا وهو يسألها:
_ قوليلي يا آنسة خديجة، تقبلي تتجوزي الاستاذ…
صمت وكأن لسانه غير قادرًا على النطق بالزور، لولا نظرة “مراد” القاتلة له والتي جعلته يُكمل:
_ الاستاذ زين محمود السويسي.
اخفضت رأسها بخجل وهي تجيبه بخفوت:
_ ايوه، اقبل.
_ من غير ما يكون حد ضاغط عليكِ او جابرك؟
سألها الشيخ ثانيًة كأنه يتمنى لو تغير رأيها، لكنها خذلته وهي تؤكد بالقبول، ومرغمًا القى خطبته وتم عقد القران، لا يتوقف سوى على امضتها، والتي تولى “مراد” هذا الدور وهو يخبره:
_ عنك يا شيخ انا همضيها.
عارضه “باهر” وهو يقول ممتعضًا:
_ وممضيهاش انا ليه؟
نظر له “مراد” بجمود قائلاً:
_ عشان انا بقيت جوزها مثلاً!
انهى جملته واتجه لها بالدفتر، وضعه فوق قدمها واعطاها القلم، وتعمد وضع كفه على محل امضته هو، وكأنه يشير لها بمكان امضتها، وبحنكته المعهوده استطاع جعلها تمضي جميع الاوراق وتبصم دون أن ترى اسمه، حتى انتهت، فاسرع باغلاق الدفتر، واعطاه للمأذون..
خطوتان وعاد اليها ليباغتها وهو يلتقطها بين أحضانه، غير عابئًا بالجميع، ولا بشهقتها هي الخِجله، احتضنها وشعر حينها بأنه ملكَ العالم بأسره، كأنه للتو استطاع أن يتنفس، أغمض عيناه وترك خياله يسبح في هذه الضمة، ترك مشاعره تثور، وتعلن عن وجودها، ولم يشعر حتى بدمعته التي انسدلت فوق وجنته تعبيرًا عما هو فيه، ولأول مرة منذُ سنوات تعلن دموعه عن تواجدها، دفن رأسه في كتفها وهو يشدد من احتضانها، غير مباليًا بطول مدة العناق.
وعنها فجسدها ينتفض بين جسده، لقد ظنت انه حين قصد “حضن كتب الكتاب” سيكون بينهما، بمفردهما، لكنه فاجئها ولم يهتم لأحد، ولكن قلبها ما بهِ؟ انه ينتفض حقًا؟! تشعر بقشعريره لذيذة وغريبه تسري في جسدها، احبت عناقه، لكن وجود من حولها يثير خجلها أكثر ويوترها، حاولت ان تهمس له بأن يبتعد، لكن كيف سيسمعها وهي رأسها تقريبًا مدفون بكتفه، وجاءت النجدة من “باهر” الذي تنحنح وهو يقول بعدما صرفَ المأذون و “طارق” الذي حضرَ كشاهدًا، ورجل آخر من طرف “مراد”
_ مش كفاية كده ولا ايه؟
فتح “مراد” عيناه على جملة الأحمق، السخيف، ليتوعد له وهو يستقيم، ولم يفلتها، بل احاط كتفيها بذراعه بكل راحه وهو يقول:
_ مراتي، حد له عندي حاجه؟
ابتسم “باهر” بغيظ يخبره:
_ لا، بس في حدود برضو، بعد الفرح اعمل الي تعمله.
_ طيب مش من حقي اقعد معاها على انفراد دلوقتي؟
رددها ببراءة شككت “باهر” بهِ لكنه لديهِ حق، فمن سيعترض!
_ لا، حقك، انا همشي انا يا خديجة، تعالى يا مصطفى عاوزك.
قالها “باهر” وهو يخرج من الشقة و”مصطفى” يتبعه، تنحنحت “فريال” بحرج وهي تقول:
_ خديجة، انا هدخل يا حبيبتي اروق المطبخ وكده.
اومأت لها “خديجة” بخجل من الموقف بأكمله، لتسرع “فريال” في الاختفاء.
_ حبيبتي ما تسبقيني على اوضتك وهحصلك.
اتسعت عيناها فزعًا وهي ترتد للخلف وقد سقطت ذراعه من على كتفها:
_ اوضتي!! اوضة ايه يا زين؟ ده كتب كتاب مش فرح!
_ يا حبيبتي عارف، بس هنقعد في الصالة ازاي والي رايح والي جاي، مش هناخد راحتنا، ياستي لو عاوزه تسيبي باب الاوضة مفتوح معنديش مانع.
وما قاله بالأخير طمئنها قليلاً، وبالفعل شقتها صغيرة لدرجة إن جلسوا في الصالة وتحدثوا ستسمعهما فريال بالتأكيد وهكذا مصطفى حين يعود.
دلفت للغرفة بتوتر وتردد كبيران لكنها بالأخير فعلت..
انتظر حتى عودة “مصطفى” وابتسم له بلُطف زائف وهو يناديه:
_ تعالى يا درش عاوزك.
اقترب منهُ “مصطفى” مبتسمًا، لا يعرف لِمَ أحب هذا الرجل منذُ أول مرة رآه بهِ، وللعجب ليس هذا فحسب بل أُعجب بهالة من الكبرياء والشموخ التي تحيط بهِ رغم عدم رؤية أحد لهذا، لكنه رآها بوضوح، رغم تعامله اللطيف والطبيعي! وهذا ما جعله لا يستطيع نُطق اسمه مجردًا.
_ نعم يا أبيه.
احاط “مراد” بذراعه كتفه وهو يسأله بود:
_ قولي باهر كان عاوزك في ايه؟
اجابه بصدق:
_ كان بيقولي اول ما تمشي اتصل عليه اعرفه، ولو طولت اتصل عليه قبل ما تمشي، عشان هو يتصرف ويخليك تمشي.
ضاقت عيناه بمكر وهو يستمع لحديث الآخر، إذًا “باهر” يريد فرد سلطته حتى وهو بعيد! إن بدأ هذه اللعبة فهو خير من ينهي المباراة لصالحه، فاخرج من جيبه حافظته وعبث بها قليلاً مخرجًا بعض العملات الورقية ربما تخطت الربعمائة جنيهًا، ووضعهم في جيب “مصطفى” أسفل نظرات الآخر المصدومة، ليبتسم له “باهر” بود قائلاً:
_ خلي دول معاك يمكن تحتاج حاجه للدروس، ومن هنا ورايح اي حاجه تحتاجها تقولي انا عليها ملكش دعوه بخديجة، وياريت متعرفهاش عشان الجنونة بتاعتها متقومش علينا وتقف تدينا محاضرة عن الكرامة وعِزة النفس.
ضحك “مصطفى” بسعادة بالغة وهو يومئ برأسه سريعًا:
_ لا لا مش هقولها خالص.
ربط على كتفه وهو يقول:
_ جدع يا مصطفى، عاوزك بقى كمان عشر دقايق كده تتصل بابن عمك ده وتقوله اني مشيت، ماشي يا حبيبي؟
وبدون تفكير كان “مصطفى” يجيبه:
_ عشر دقايق بالثانية وهكلمه.
_ جدع يا درش.
رددها وهو يبعثر خصلات شعره بمرح، وتركه متجهًا لغرفة “فتاتة”….
دلف الغرفة ليتسمر محله وهو يراها واقفة أمام المرآة بعد أن تخلت عن حجابها سامحة لخصلاتها السوداء بتغطية ظهرها، مازالت بنفس فستانها وزينتها البسيطة، لكنها تخلت عن حجابها فقط، رآها تفرك كفيها بتوتر واضح، واخفضت نظرها فور انعكاس صورته في المرآة خجِلاً، اقترب بخطواته التي ترفع من دقات قلبها وقلبه هو قبلها، حتى أصبح خلفها تمامًا، فقبض على كتفيها برفق يديرها له، فاستدارت ومازال نظرها يطالع الأرضية، استمعت لتنهيدة عميقة خرجت منه قبل أن تسمعه يقول بنبرة لم تسمعها منهُ من قبل، نبرة مليئة بالمشاعر:
_ وهل يرضيكِ إن أهديت عيني إلي عينيــكِ
تنظـرها ثواني
فأسقط والفـؤاد صريع حبٍ
ومغشيٌّ عليه بمـا غشـانـي
وحسبي في الهوى أنّي جليسٌ
لمن جلست على عرش الحِسانِ
تفيض من الرّبيع أريج عطرٍ
وتمـلأ روحهــــا ريـح المكـانِ
هي الحسناء ما أسكَتُ عنها مساعي القرب
لو جاءت زماني
ولكنّ البديـع أراد منهـا عزيـزاً في المنال لكي أعـاني.
رفعت نظرها له مندهشه وسألته باستغراب:
_ أنتَ ليك في الشعر؟!
ضحك بخفوت وهو يجيبها:
_ عمري، بس حسيت إن أي كلام هقوله ليكِ مش هيوصلك الي جوايا، وكنت سمعت حد مرة قال أن الشِعر بيعبر عن الي منقدرش نعبر عنه بكل كلامنا العادي، ففضلت ادور وابحث لحد ما لقيت دي وحسيت إنها ممكن توصل جزء من احساسي.
ادمعت عيناها وهي تنظر له بامتنان جم وقالت ضاحكة:
_ حلوة اوي، عجبتني.
رفع كفيهِ ليكوب وجهها بينهما غير مهتمًا بتلك. النفضة التي اصابتها ولا بالقشعريرة التي انتابته، وأعينه تحمل حبًا وشوقًا، لهفًة وعشقًا، كان يهمس لها بأعين لامعة:
_ خديجة، أنا بحبك، بحبك أكتر حاجة في دنيتي، واكتر من أي حاجة ممكن تتخيليها، مش هبالغ لو قولتلك بحبك اكتر من نفسي بمراحل، بس ده هتكتشفيه لوحدك مع الوقت، هتعرفي إني مستعد أضحي بروحي عشانك، هتعرفي إن بكلمة منك تقدر تغير مزاجي وتقلب يومي كله، انا عمر ماحد قدر يسيطر عليَّ، ولا يفرق معايا لدرجة إني اغير قراري عشانه، عمري ما حطيت روحي في ايد حد، ولا سمحت لحد ياخد جوايا اكتر من اللي المفروض ياخده، لكن أنتِ…
تنهيدة أعمق وهو يهز رأسه يأسًا على حالته معها:
_ أنتِ كسرتي كل القواعد، خلتيني احط روحي في ايدك وأنا راضي، تخيلي!؟
انسدلت دمعاتها بسعادة، لم تتخيل في اضغاث احلامها أن تسمع كلامًا كهذا من أحد، لم تتوقع أن يحبها أحدهم هكذا!
_ أنا… أنا كمان بحبك، مش عارفة حبيتك ازاي وأنا كنت حالفة ما اعيش الحب ولا اجربه، بس لقتني بقع فيك من غير ما احس، لاقتني مهتمة بتفاصيلك وبسلامتك، لاقيت قلبي طاير لما اعترفتلي بمشاعرك وإنك جاي تتقدملي، كل يوم في سنتين الخطوبة كنت بحبك اكتر، لحد ما.. ما مبقتش شايفه حياتي من غيرك، أنا بحبك اوي يا…
قاطعها كي لا تكمل، قاطعها لأنه لا يريد أن يسمع لإسمه المستعار، لا يريد أن يفقد حلاوة حديثها بذِكرها لأسم لا يخصه، ومقاطعته لها كانت بشيء لم تتوقعه، شيء حبسَ أنفاسها بداخلها، حين اقتحم عذرية شفاتيها ليثبت أنه الآن بات زوجها بحق!
دقائق وصلت بها مشاعرهما لأقصى ما يمكن أن تصل بهِ، والاثنان لا يصدقان أنهما يمرا بتجربة كهذه، حتى ابتعد عنها ولم ينظر لها فقط احتضنها، وبقت في احضانه لأكثر من خمس دقائق.. لا حديث، فقط مشاعرهما تتحدث.
__________________
استمتعت لدقات فوق باب غرفتها التي تتخذها مخبأً لها، فاتجهت بكرسيها لتفتحه، فوجدت “حسن” أمامها، امتعضت ملامحها وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى وهي تغمغم بضيق:
_ نعم؟
ابتسم ساخرًا وهو يخبرها بينما يستند بذراعه على جانب الباب:
_ مش جاي ازعجك متخافيش، انا جاي ابلغك حاجة وامشي.
نظرت له بنفس ملامحها تحثه على الحديث لتسمعه يسألها:
_ اومال المحروس ابنك فين؟
عقدت حاجبيها استغرابًا، اجابته:
_ ايه الي فين؟ في الشغل.
ضحك بسخافة يخبرها:
_ شغل! لأ واضح إنك متعرفيش صحيح، ابنك يا ليلى هانم غفلني وغفلك.
_ أنتَ بتقول ايه ما تتكلم من غير الغاز!؟
هدرت بهِ وقد قلقت من حديثه على ولدها، لتراه يردد بكره حقيقي:
_ ابنك راح يتجوز، النهاردة كتب كتابة على بنت الخدامة فكراها؟ الي زمان قولتيلي عيال وبيلعبوا، واقولك الاكتر بقى…
اقترب بجسده منها وانحنى ليكن وجهه مقابل لوجهها وهو يخبرها بابتسامة متشفية:
_ ابنك راح يتجوزها باسم تاني وشخصية تانية، عارفه ليه!؟
ملامحها مصدومة، عيناها واسعتان غير مصدقة ما يقع على مسامعها، هل “مراد” خدعها وكذب عليها كل هذه الفترة السابقة!
رأى صدمتها ليبتسم أكثر وهو يقول:
_ هقولك ليه… عشان هو زمان اختها، سارة.. فكراها، يعني ابنك مش احسن مني يا ليلى.. قعدت سنين بتحاربي عشان يكون احسن مني، لكن الحقيقة انه من وهو عنده ١٢ سنة ! تخيلي…
حُبست انفاسها في صدرها لثواني، وتجمدت دمائها غير مستوعبة ما تسمعه، وكان أول ما هتفت بهِ وقد زينت دموعها وجنتيها، بانهيار تام كانت تقول:
_ لا.. لا انت كداب، ابني مش كده، ابني مش هيكون زيك، أنا ضيعت عمري عشان ميكونش زيك.. مراد مش كده، مش كده سامع يا حسن، سااااامع…
صرخت بالأخيرة بقهر وقد ذهب من أمامها، بلا مبالاة بحالتها، فقد اوصلها ما أراد إيصاله…..
________________
_ امشي بقى يا زين اتأخرت اوي..
أردفت بها “خديجة” وهي تسحب يدها من يده الممسكة بها منذُ ساعة مضت، اشبعها كلامًا معسولاً، حتى ارهق مشاعرها، خجلت بما يكفي اليوم، ألن يذهب إذًا!؟
تأفأف نازقًا وهو يخبرها:
_ أنتِ زهقانة مني؟
ابتسمت له وهي تجيبه:
_ لا والله، بس بجد كفاية كده، عشان برضو فريال مش واخده راحتها بره لتطلع في اي وقت.
وعلى مضض كان يعقب لاويًا شفتيهِ كالأطفال:
_ ماشي، بس هجيلك بكره تاني.
ضحكت وهي تهز رأسها بيأس على تذمره، وتمسكه بها وكأنها ستهرب، وبعفوية منها قرصت خده بلطف تخبره:
_ أنتَ تيجي في اي وقت براحتك اصلاً.
غامت عيناه بالمشاعر مرة أخرى واقترب بوجهه قليلاً يخبرها بوله:
_ همشي، بس هاتي قبلة الوداع.
انتفضت مبتعدة عنه ضاحكة:
_ وداع ايه أنتَ مهاجر! بطل قلة أدب بقى.
انهت حديثها وخرجت من الغرفة على الفور ليضطر هو أن يتبعها، وودعته أمام باب الشقة، وعادت لغرفتها تخبر “فريال” :
_ فريال هدخل اغير واطلعلك..
دلفت للغرفة مغلقة الباب خلفها استندت على ظهره تتنهد بحالمية، لقد كانت طوال الساعة المنصرمة ترتفع فوق السِحاب، تمنت لو لا يمر الوقت، تمنت لو بإمكانها الذهاب معه لشقته الآن…
خجلت من تفكيرها لتضر*ب جبهتها وهي تردد بمرح:
_ ايه الهطل ده، انا لازم اتقل شوية مش كدة، بس اتقل ازاي بعيونه الزرقا ولا الخضرا ولا الرمادي دي الي محدش عارفلها لون ولا كلامه اللي…
توقفت وهي ترى ذلك المظروف الذي اخبرتها عنه “فريال”، فاتجهت له تتفحصه باستغراب، وقررت فتحه فلترى ما بداخله…. قلم ناهد خالد
وياليتها بم تراه، ليتها لم تفتحه من الأساس..
اوراق، صورة بطاقة، وصورة من جريدة لصورة تضم “مراد” وهو ببذلة انيقة جدًا ويقف وبيده سيجار، وكُتب فوقها بالبنط العريض
” رغم صِغر سنه، استطاع رجل الأعمال” مراد وهدان” أن يُثبت جدارته خلال سنوات قليلة، ليترأس قائمة أفضل رِجال الأعمال الصاعدين”
ومرفق بهم صورة لها وله حين كانا طفلان….
“”
