رائعة جديدة حصري من16-20
الفصل السادس عشر “من الماضي!”
“إليك أربع معلومات عن الماضي
لا يندثر، لا يُنسى، يومًا ما سيعود، ومهما طال الزمن سيصر على إكمال القصة التي تُركت مفتوحة دون نهاية مُرضية!”
نظر لها بهدوء بعدما فتح المسجل وبدأ بالحديث:
_ قوليلي يا خديجة حاسة إنك مرتاحة؟
اومأت برأسها باستنكار وهتفت بملل:
_ دكتور انا قولت لحضرتك من فترة طويلة إني كويسة ومبقتش محتاجة الجلسات كمان بس حضرتك مُصمم!
ابتسامة باردة زينت ثغره وهو يقول:
_ انا اعرفك بقالي ٣ سنين يا خديجة، اول ما شوفتك حسيتك بنت بريئة وطيبه، لدرجة إني متوقعتش إنك في يوم تبقي كدابة شاطرة كده.
فاجئها بحديثه، فرفعت حاجبيها بذهول وهي تسأله باستغراب شديدٍ:
_ كدابة! انا؟ ليه حضرتك بتقول كدة؟
لوى فمه مستنكرًا وهو ينهض ملتفًا حول مكتبه وجلس أمامها مردفًا بغيظ خفي:
_ يعني بقالك سنة منيماني وعمالة تكدبي وبتتمادي في كدبك، قولت بعد فترة هتعقلي وتفكري صح وتبطلي الحوارات الي دخلتِ نفسك فيها برضو مفيش فايدة، انا مصدقتكيش من يوم ما جيتِ فجأة قبل وفاة والدك بشوية تقوليلي انا بقيت تمام يا دكتور، مبقتش اشوف سارة ومبقتش احلم بيها في كوابيسي، وخرجتِ من دور الاكتئاب الي جالك فجأة، كل ده مدخلش عقلي ولا صدقته، بس كنت عاوز اجيب اخرك، كنت عاوز اعرف عقلك بيفكر ازاي عشان تقرري تعملي الي عملتيه فجأة ده، لكن للأسف أخرك طول قوي وبوخ، وانا عشان خايف عليكِ مش قابل اسيبك في الي بتعمليه اكتر من كده.
تحفزت في جلستها بعدما شعرت بأنها باتت مكشوفة أمامه، لقد ظنت أنها استطاعت اقناعه بأحاديثها المخادعة، ظنت انه اقتنع بأنها أصبحت بحال جيد وانه يصر على استمرار الجلسات لزيادة الاطمئنان ليس إلا! رمشت باهدابها بتوتر بالغ استطاعت عيناه رصده بوضوح، فابتسم بثقة وهو يتأكد من شكوكه، اذردت ريقها بارتباك ولكنها حاولت رسم الثقة وهي تردد بعدم فهم مصطنع:
_ ليه حضرتك بتقول كده؟ يعني ليه انا هكدب وهعمل كل ده؟
رفع منكبيهِ بجهل حقيقي وأجابها:
_ مهو ده الي مستني اسمعه مِنك.
كادت تعقب ناكرة مرة أخرى أن يكون ما تخبره بهِ ليس حقيقي، لكنه قاطعها حين رأى الكذب يلون مقلتيها قائلاً:
_ بصي يا خديجة، انا اتعلمت في مهنتي كطبيب نفسي، إن المريض الي عندي ده عشان يتعالج لازم يمر بكذا مرحلة اقولهملك؟
هزت رأسها مستنكرة وقالت برفض مُهذب:
_ حضرتك انا مش شايفة إن في داعي اعرفهم، أنا مش بخطط اكون دكتورة، بعدي….
قاطعها للمرة الثانية بهدوء مستفز لها:
_ هقولهملك، اول حاجة ان المريض يعترف أنه عنده مشكلة ومحتاج حد يساعده، تاني حاجه انه لم يروح للشخص ده الي هو انا مثلاً يكون صريح معاه فعلاً، يقوله ايه سبب انه بقى عنده المشكلة دي، وايه الصراع النفسي الي حاصل جواه وهكذا، بعدها يتبع تعليمات الدكتور وينتظم على الادوية، وكده يكون ماشي في طريقه الصح للعلاج.. والأهم يتحلى بالصبر ويعرف ان مش بين يوم وليلة مشكلته هتتحل!
اغمضت عيناها لوهلة بنفاذ صبر قبل أن تفتحهما وهي تعقب على حديثه:
_ جميل، وانا عملت كده، اعترفت ان شوفتي لسارة دي مشكلة ومحتاجة حد يساعدني عشان مشوفهاش تاني، وجيت لحضرتك وحكيتلك حكايتي و…
قاطعها ساخرًا وقد وصلت للنقطة التي أرادها تمامًا، فاعتدل في جلسته بعدما كان يستند بظهره على ظهر الكرسي باسترخاء وخلع نظارته يضعها جانبًا فوق المكتب وقال بضيق ظهر في نبرته:
_ حكتيلي؟ حكتيلي ايه يا خديجة؟ قولتيلي الي اي واحد جاركوا هيكون عارفه مش الي المفروض يعرفه الدكتور الخاص بيكِ، الي هيساعدك زي ما بتقولي، اساعدك ازاي وانتِ حذِرة جدًا في كلامك معايا، بحس إنك بتفكري في كل كلمة قبل ما تقوليها، قولتيلي عن مراد..
صمت لوهلة ليتبين رد فعلها على ذِكره فابتسم متهكمًا وهو يشير لوجهها مرددًا:
_ شوفتي؟ اول ما بذكر اسمه بس وشك بيصفر وملامحك بتتوتر، ونفسك بيبقى مش مظبوط، زي دلوقتي كده، حكتيلي بقى ليه الشخص ده مجرد ذِكره بيضايقك؟ حكتيلي عملك ايه الطفل الي مكملش ١٣ سنة وقت ما بعدتي ورجعتي بلدك عشان متبقيش حابه تفتكريه كده؟ لأ، كل الي قولتيه حاجات عادية جدًا وانه كان صديق طفولتك وكان بيهتم بيكِ، مذكرتيش اي حاجة عنه مهمة يعتبر، حتى لما كنت بسألك علاقته بسارة كانت ازاي كنتِ بتتوتري وتتهربي! حكتيلي سبب ان سارة تظهرلك؟ وانا متأكد إنك عارفة السبب، والاغلب يا خديجة في حالات الهلوسة بالشخص الي مات او مبقاش موجود في حياتنا بتكون لسببين ياما كنا متعلقين بيه اوي وموته او فراقه كان صدمة متحملنهاش، يا ذنب عملناه فيه ولسه شايلينه جوانا مش عارفين نسامح نفسنا عليه، وبما إنك بنفسك قولتيلي إنك مكنتيش قريبة لسارة قوي، يبقى السبب التاني، ذنب ايه بقى الي مش قادرة تتخطيه؟ عملتِ فيها ايه عشان تظهرلك على شكل هلاوس؟ عارفه ليه مصدقتكيش انها مبقتش تظهرلك؟ عشان ببساطة مشكلتك مش هتتحل من غير ما تواجهي نفسك باسبابها وتكوني قادره تتكلمي عنها، معرفش أنتِ قررتي تتجاهلي
وجودها ولا بقيتِ تتعاملي معاها كأنها شخص طبيعي موجود، بس في كلا الحالتين، عقلك مش هيتحمل كتير ونهايته هتبقى مأساوية.
كان وجهها باهت من كثرة ما سمعته منه، صُدمت من انها باتت كالكتاب المكشوف أمامه هكذا! كل ما قاله حقيقة، لم يخطأ في شيء، ولكنها لم تريد أن تصبح شفافة هكذا، لم تريد أن تعود لتلك الدوامة مرة أخرى، ولكن جملته الأخيرة أرعبتها، ماذا يقصد بنهاية مأساوية؟ وهذا ما جعلها تذدرد ريقها بخوف قبل أن تسأله بخفوت من كثرة شعورها بالضياع:
_ يعني ايه؟ قصدك ايه؟
شعر بأنه قد حصل على الحصان الرابح في حديثه معها، فتنفس بهدوء وهو يقرر استغلاله اسوء استغلال ألا وهو ترهيبها، فقال بأسى:
_ بصي يا خديجة للاسف مكنتش حابب اقولك الكلام ده قبل كده عشان متخافيش، بس دلوقتي وأنتِ بتتهربي من العلاج وبتتجاهلي مشكلتك بالشكل ده لازم احذرك.
اخذ نفسه مرة أخرى ببطئ متعمد ليتآكلها التوتر أكثر، ثم قال:
_ العقل لما الضغط بيزيد عليه اوي بيقرر يهرب، والهروب بيكون بطريقتين.. يا انهيار تام فنضطر نعيشه على المهدئات، يا بيوصل أحيانًا للجنون.. وفي كلا الحالتين بيصبح الشخص مغيب عن الدنيا، خصوصًا لو كان الضغط ده نفسي، زي هلاوس، كوابيس صعبة ومتكررة، انفصام، وما شابه ذلك.. يمكن انتِ دلوقتي بتتجاهلي الهلاوس الي بتشوفيها وبتنجحي في ده، برافو.. بس الوضع ده مش هيستمر كتير صدقيني، وعقلك ده من كتر الضغط هيهرب بطريقة من الطريقتين، وفي كلا الحالتين هتغيبي عن الواقع ووقتها اسألي نفسك بقى اخوكِ هيجراله ايه،خصوصًا وانتِ قايلالي ان في مشكلة كبيرة حصلت مع اهلك في البلد، يعني اخوكِ مش هيعرف يروحلهم، المشكلة الي دخلتك في اكتئاب اسبوعين وبرضو معرفتش ايه هي.
حسنًا لقد نجح، نجح في بث الرعب بداخلها تجاه مصيرها مع تلك الهلاوس اللعينة والكوابيس الألعن، نجح في جعل عقلها يضطرب ويتوه غير مدركًا ما عليهِ فعله، لكن ما تدركه جيدًا ان القلق تملكها على مصير شقيقها أكثر، فماذا سيحدث إن غابت عنه لأي سبب؟ ماذا سيحدث له إن أصبح بمفرده؟ هل سيطلب مساعدة باهر أم سيكون ذو كبرياء أحمق مثلها، وحينها بالطبع سيترك دراسته ويعمل، والرب وحده أعلم بمن سيقابلهم في طريقه لربما يضلونه ويصبح شاب سيء الخُلق! كل هذا طاف برأسها بلحظة قذف “كمال” لكلماته القاسية عليها، ليست قاسية المعنى لكنها قاسية الوقع، رفعت عيناها التائهة له وقد التقط حيرتها وخوفها من القادم بوضوح، فأدرك أن حديثه قد أصاب الهدف، وهذا ما جعله ينهض واقفًا وهو يبدأ في تجميع أغراضه بينما يقول:
_ عمومًا براحتك يا خديجة، الجلسة انتهت، بما إن مفيش عندك حاجة جديدة تقوليها.
التفت لها بعدما انتهى وابتسم لها بهدوء مكملاً:
_ قفلي العيادة وامشي.
انهى جملته وخرج من الغرفة تاركًا اياها في دوامة لا تنتهي وقد بدأت تساؤولات جديدة تغزو عقلها، تساؤولات أكثر رعبًا من سابقتها، تساؤولات جعلتها تشعر بخطأها حين قررت تجاهل مشكلتها واهمالها، ولكنها هل هي كفيلة لجعلها تقرر النبش في حطام الماضي من جديد؟
________________
مساءً..
في أحد فيلل القاهرة..
اطفأت التلفاز وهي تزفر باختناق تشعر بملل كبير وهي تجلس وحيدة هكذا، تشعر بفراغ لغياب والدتها، لم تكن والدتها فقط بل وصديقتها المفضلة، والدتها هي اهم واغلى شخص بحياتها، ولا تنسى والدها أيضًا، لكنه لم يكن دومًا معها لكثرة مشاغله، وبرغم هذا لا تنكر حبها الشديد له، والدها الحنون المتفهم دومًا لها ولاحتياجتها رغم مشاغله الكثيرة، وكأنه جاء على ذِكره، فوجدت هاتفها يرن برقمه، التقطته بابتسامة واسعة وهي تهتف فور إجابتها:
_ دادي وحشتني اوي.
اتاها صوته الرخيم يجيبها بنبرة حنونة كعادته:
_ حبيبتي انتِ كمان وحشتيني، قوليلي عاملة ايه وأنتِ قاعدة لوحدك؟ اكيد زهقانة وزعلانة وكل المشاعر السلبية صح؟
التمعت عيناها لتفهمه لها وقالت بتأكيد:
_ ايوه، بصراحة مش قادرة اقعد لوحدي ومامي مش موجودة، حتى الدادة بنتها تعبانة اوي فراحت تشوفها.
اتاها صوته الذي تبدلت نبرته للقلق فورًا وهو يسألها:
_ أنتِ لوحدك في الفيلا يا چِسي؟ ازاي متعرفنيش حاجة زي دي؟
_ يا دادي مانا هعمل ايه بس، بعدين حضرتك عارف إن الكمبوند متأمن كويس.
رفض رفضًا قاطعًا وهو يخبرها:
_ مفيش الكلام ده سامعه؟ تقومي حالاً دلوقتي تروحي لناناة وتخليكِ عندها، قومي يلا من غير جدال.
تعلم نبرته هذه جيدًا فلن يتراجع بعدها أبدًا، فنهضت بضيق وهي تخبره:
_ حاضر يا دادي، هلبس واروحلها، رغم إن ناناة لو روحتلها وعرفت إن مامي في المستشفى هتصر تروحلها وحضرتك عارف صحتها متتحملش بس زي ماتحب بقى.
لعبت على الوتر الحساس لديهِ ظنًا منها أنه سيتراجع، لكنه أخبرها ببرود:
_ قوليلها إن أنا ومامتك روحنا نحضر حفلة عمل ضرورية في الجونة، وانا هكلمها.
صعدت درجات السلم الداخلي وهي تسأله:
_ وحضرتك هتيجي امتى؟
اجابها بهدوء:
_ بكره بليل هكون عندك، حجزت الطيارة خلاص.
ابتسم ثغرها بتلقائية وهي تهمس له:
_ توصل بالسلامة يا حبيبي، يلا جود باي.
اغلقت الهاتف واتجهت لغرفتها الواسعة التي لوُنت حوائطها باللون الرمادي الهادئ، يتوسطها سرير رمادي اللون ذو تصميم رائع، وبجواره كومود من نفس اللون، وعلى بعد قليل أريكة كبيرة تصلح للنوم، وُضعت أمام شاشة تلفاز كبيرة، وأمامها طاولة حديثة الطراز، غير المكتبة الضخمة الي تحتل الحائط المقابل للباب، والغرفة ملحقة بغرفة لتبديل الملابس ومرحاض، دلفت لغرفة تبديل الملابس والتي حوت عدد هائل من ملابسها وأحذيتها وحقائبها، كل هذا دلَ على رفاهية عيشتها، وتيسر حالتهم المادية لدرجة كبيرة… جدًا.
ارتدت بنطال اسود ضيق للغاية، وكنزة رمادية من لونها المفضل مفتوحة الصدر قليلاً وبنصف أكمام، ورفعت شعرها على هيئة ذيل حصان قبل أن تضع ملون شفاة باللون الوردي وعطرت جسدها بعطرها المفضل ببزخ، ثم ارتدت حذاء ذو كعب عالي اسود اللون والتقطت حقيبتها الصغيرة، وقد قررت المرور بوالدتها أولاً ورؤيتها رغم أنها رأتها عصرًا، ولكن لا يمنع أن تراها مجددًا بما أنها ستخرج.
__________________
كانت خارجة من منزل خالها بعدما اعطته الاوراق اللازمة كي يبقيها معه لحين قدوم موعد ذهابهم للقاهرة أخر الاسبوع المنصرم، وقد أخبرها أنه هاتف “باهر” ليقابلهما هناك، بل وجعله يبحث لها عن شقة سكنية مجاورة له كي لا تكن بمفردها، فهو لن يأمن عليها العيش في سكن جامعي لا يعلم ما أخلاقيات ساكنيه، ولم يمرر “باهر” الفرصة قبل أن يذُكر والده بتلك الحادثة المشؤمه، فعقب ساخرًا:
_ دلوجتي هتآمن عليها وياي؟ مخايفش يحصل كيف ما حصل مع خديجة ولا ايه؟ على الأجل اهنه مهيبجاش غيري انا وهيَ.
زفرة خانقة هي ما خرجت من فاه والده قبل أن يعقب بضيق حقيقي:
_ اباه عليك يا باهر وعلى حديتك الي كيف السم! انتَ ليه مُصر تجلب في الجديم يا ولدي؟
اتاه رده المتهكم رغم المه الداخلي:
_ الجديم؟ الجديم ده الي بسببه خيك هج وساب البلد، الي بسببه مش طايج انزل البلد، الي بسبه خيك مات وانتوا بعاد ومهتتحدتوش “مهتتكلموش”، وبرضك بسببه بنته رفضت ترجع تجعد في البلد وتايهه في بلاد الله محدش خابر طريجها.
تجمع الألم في رأس “منصور” وهو يتذكر تلك الأحداث الغابرة والتي قلبت حياتهم رأسًا على عقب بسبب تلك الحية المسماة بشقيقته، نكس رأسه بوجع وهو يتذكر كيف مات شقيقه وهو غاضبًا منهُ حتى وإن أخبره قبل ذهابه بالعكس، فهو يعلم جيدًا أن الأمر لم يخرج من قلب شقيقه، همس بتعب:
_ بكفياك تفكرني بحاجات منسيتهاش، بلاش تجلب عليا المواجع الله يرضى عنيك، وعن بت عمك، فانا خابر زين انك خابر طريجها بس مارايدش تريحني، ويمكن هي الي طالبه اكده، مهضغطش عليك بس مسيري اعرفه في يوم، الي مطمني هبابة انك اكيد معاهم ومسايبهمش، ولاه مهخافش على فريال منك يا باهر، انا خابرك راجل وميطلعش منك العيبة.
ولم يرد “باهر” الإطالة في الأمر أكثر فانهى الحديث في ذلك الموضوع واخبره انه سيبحث لها عن شقة قريبة له، فاخبرها “منصور” ان تتجهز آخر الاسبوع للذهاب للقاهرة لتقديم الاوراق ورؤية الشقة، والمكوث هناك يومان او ثلاثه لتجهيز كل شيء لها قبل بدأ الدراسة، توقفت ودق قلبها بنبضاته الصاخبة وهي تبصره قادم باتجاهها بعدما صف سيارته في موضعها في ذلك الفناء الواسع أمام المنزل، فركت كفيها بتوتر بالغ يصيبها دومًا حين تراه، وزين ثغرها ابتسامة تلقائية بلهاء، ولا تعلم ما عليها فعله حين يصبح أمامها، هل تلقي تحية وتذهب، أم تلقيها وتنتظر رده وربما يعطف عليها ويتخلى عن صمته المقيت ويسألها عن شيء ما فيطول الحديث بينهما قليلاً!
بينما هي في افكارها الحمقاء البريئة، كان هو يكتم تأفأفه ما إن رآها أمام باب منزله، ماذا آتَ بها لهنا هذه! أنه لا يطيقها في العموم، ولا يطيقها أكثر بعدما اخبره والده عن إكمالها للتعليم ويبدو أن الأمر برغبة والده أكثر من رغبتها هي شخصيًا وهذا ما جعله يصمت مرغمًا، وقف أمامها مبتلعًا امتعاضه منها وهو يردد بتحية باردة:
_ السلام عليكم، كيفك يا بت عمتي؟
حركت رأسها في توتر واضح وهي تخفض نظرها غير قادرة على النظر لعيناه التي تحيرها، فتارة تقع في عشقها وتارة تثير خوفها! بللت شفتيها وهي تجيبه بصوتها المنخفض على استحياء:
_ وعليكم السلام ورحمة الله، أنا زينة، كيفك انتَ؟
_ بخير يا بت عمتي.
رددها ببرود، فقطبت حاجبيها بضيق طفيف لا تعلم لِمَ لا يناديها باسمها يومًا! اهو ثقيل أم لا يدركه؟ ما مشكلته هو بحق الله؟!! ابتلعت ضيقها هي الآخرى وهي ترفع رأسها قليلاً ومازالت تطالع كفيها بتوتر حين سمعته يقول بنبرة لم تتبين هويتها:
_ سمعت إنك هتدخلي الجامعة، جامعة ايه بجى ان شاء الله؟
أخذت حديثه بنية جيدة وهي تجيبه بابتسامة جميلة ولمعة حماس بعينيها لسماع رده على ما ستقوله الآن:
_ جالي طب أسنان جامعة القاهرة.
وهنا اشتعل الغيظ بداخله اكثر، فرفع شفته العليا بسخرية واضحة وهو يردد بنبرة مستنكرة أدركتها الآن:
_ طب اسنان حتة واحدة! وبعد ما تجعدي ٥ سنين في الجامعة هتروحي لفين في الآخر؟ هنتجوز وهتخدميني وتخدمي بيتك وعيالك لزمتها ايه بجى وجع الجلب والكلام الفارغ ده؟
اختفت ابتسامتها، وماتت لمعة الحماس في حدقتيها، وارتجف فكها ضيقًا مما يقوله ومن طريقته المستهزأه بها وبأحلامها، ولكنها تنهدت بهدوء وهي تعقب وقد رفعت عيناها لتواجه عيناه الساخره:
_ العلام مش كلام فارغ يا وِلد عمي، ولو كان كلام فارغ اتعلمت ليه؟ بعدين مش ضروري بعد الجواز ميبجاش ليا حاجة غير خدمة بيتي وعيالي كيف ما بتجول، مين جالك اصلاً إني مهعملش فايدة بعلامي؟ أنا ناوية افتح عيادة اهنة و…
قاطعها بحاجبان مقطبان ولمعت حدقتيهِ بضيق واضح:
_ ايه يا ختي؟ عيادة؟ وناوية؟ ده مين الي ناوي؟ مين انتِ عشان تنوي ولا متنويش؟ اياك فاكرة بعد الجواز هيكونلك رأي عشان تجرري “تقرري” من راسك اكده؟ بعدين معندناش حريم تشتغل، فانسي الموضوع ده واصل، ولولا ان ابوي مصدر رأيه في حكاية الجامعة مكنتيش طبتيها من اساسه.
ترقرقت عيناها بالدموع وهي تستمع له يقلل من شأنها بهذا الشكل، نتيجة حديثه واضحه للأعمى، ألا إنها بعد الزواج لن يكن لها رأي أو كلمة حتى فيما يخص حياتها هي، ما قاله الآن يدل على معانتها معه في المستقبل، لن يكن الزوج اللين الذي يسهل التفاهم معه، ودومًا ستُجبر على فعل أي شيء لا تريده والتنازل عما تريد، وكأن زواجها منه تنازلاً منها عن حقوقها كأنسانه ليس إلا!! ولكن ماذا تفعل إن كان حبه يسكن ثنايا قلبها فيجبر أعينها على العمى والسير في طريق زُين باشواك الورد بدلاً منهُ، وللعجب انها ترى الاشواك واضحة كبزوغ الشمس ولكنها تتجاهلها وتنوي السير بهِ مُمنية ذاتها بانتهاء الاشواك رويدًا والشعور بملمس الورد الناعم ليعوضها لحظات الشقاء، فهل ستظهر الورود أم أنها اعتمدت على أمل ربما لن يصيب وتكمل سيرها على الاشواك؟!
اخفضت نظرها كي لا تخدعها دموعها وتسقط أمامه، وغمغمت بنزق:
_ الكلام ده سابج لآوانه وجتها نبجى نشوف، هروح عشان امي.
انهت حديثها وهي تذهب من أمامه بخطى سريعة وقد سمحت لدموعها بالتهاوي، لم تتوقع رد فعله هذا، تمنت لو رأت سعادته وفخره بها مثل خالها، تمنت لو لم يخذلها هكذا، لكنه “إبراهيم” الذي كالعادة لم يدعمها يومًا فهل يفعل الآن؟!
____________________
جلس خلف مقعد السائق بعدما انهى عمله وقرر العودة للمنزل، فك أزرر قميصه جميعها وهو يسمح للهواء بترطيب جسده أكثر، هذه الحركة التي دومًا ما يفعلها حين يشعر بالضيق او يتعمق التفكير في شيء ما، والآن هو يصب جم تفكيره عليها، ويحسب خطواته القادمة معها، عليه أن يكون حذِراً جدًا، فالأمر لا يحتمل خطأ صغير.
تعالى رنين هاتفه بتلك النغمة المخصصة ل “مينا”، فضغط على السماعه اللاسلكية المثبته في أذنه ليجيب على المكالمة، ارجع رأسه للوراء باسترخاء تام فور سماعه للأخر يقول:
_ تم ياباشا المطعم بقى مِلك سعادتك، تقدر من بكرة تعمل فيه الي تحبه.
تحركت شفتيهِ الغليظتان بحركات بطيئة، رتيبة، وهو يقول بهدوء:
_ تمام، والمعلومات؟
اتته اجابة “مينا” يقول:
_بص ياباشا هقول لحضرتك المعلومات الي قدرت اجمعها لدلوقتي، وهكمل بحث ولو وصلي حاجات تانية هبلغ سعادتك.
همهمة خافتة هي كل ما خرجت منه لتدفع الآخر للحديث، فتنحنح وهو يبدأ:
_ الي عرفته انها جت المنطقة من سنتين وكام شهر كده، وكان معاها ابوها واخوها، ابوها اشتغل نجار مع واحد هنا من المنطقة، وهي كانت وقتها في الثانوي وكان اخوها في الابتدائي، وحياتهم كانت ماشية طبيعي لحد ما مات ابوها في حادثة من سنة وشهرين بالضبط، وقتها راحت دفنته في البلد ومفضلتش هناك يوم واحد رجعت في نفس اليوم، والي عرفته ان في مشاكل كبيرة بينها وبين اهل ابوها، لدرجة انهم مجوش لها ولا مرة من وقت ابوها ما مات، وغالبا عشان كده ابوها ساب البلد ولنفس السبب لما راحت دفنته مقعدتش هناك، من بعد ابوها ما مات اشتغلت في عيادة الدكتور، الي كانت بتروحله ومتابعة معاه من اول ماجت القاهرة، بس ومن وقتها وحياتها مفيهاش جديد، الصبح الساعة ١١ بتروح العيادة، وبترجع الساعة ٤ العصر، والي عرفته برضو انها بقالها شهر مكلمة صاحب المطعم الي اشتريناه عشان يشغلها، عشان الحالة المادية يعني صعبة شوية، عرفت انها بعد موت ابوها بشهرين اضطرت تبيع حاجات من عفش البيت، ومن وقتها وهي حتى الحاجات الي بتشتريها من اهالي المنطقة بالدين وبتسدد الفلوس وقت ما يبقى معاها وكده، وفي ناس منهم معندهمش مانع وبتصعب عليهم عشان يتيمة وبتصرف على اخوها، وناس تانية مبتوافقش وناس مبتستناش على فلوسها، كده يعني.. عرفت برضو ان كان في واحد من المنطقة اتقدملها من قبل ابوها ما يموت بشهر بس هم رفضوا وقتها عشان كانت لسه مكملتش تعليمها وصغيرة.
نفسه الخارج والدالف هو فقط ما يدل على أنه جسد حي، غير هذا بدى وكأنه تمثال منحوت! ملامحه الجامدة بشكل مخيف، وعيناه الثابتة دون أن يرمش حتى، وكفه المثبت فوق المقود، وذراعه الموضوع باهمال فوق نافذة الباب المجاور له المفتوحة، هل يستمع للمتحدث؟ هل استمع لكل ما قيل أم أنه شارد؟؟؟ للوهلة الأولي تهاجمك تلك الاسئلة، ولكن في الوهلة الثانية تدرك أن الجحيم المستعر يكمن في جسده، فجسده المشدود بتلك الطريقة ليس شيئًا طبيعيًا، وكيف لا بعد كل ما سمعه؟ كيف لا بعد فظاعة ما سمعه؟! بدءاً من معانتها وحالتها المادية المفتقرة لذلك الأبله الذي تقدم لخطبتها! وكان أول ما نطق بهِ سؤال خرج من بين أسنانه:
_ عرفت هو مين؟
اتاه الرد سريعًا:
_ طبعًا يا باشا، طلع شاب كده ابن صاحب مكتبة هنا في الحي، واسمه جمال.
ضغط على أسنانه بقوة طاحنة حتى كاد أن يتسبب في كسرهم وهو يستمع لاسم ذلك الحقير، فلقد استمع لها تهتف باسمه حين دلفت تلك المكتبة المقيتة، حرر اسنانه وهو يهتف بجملة مختصرة:
_ بكرة تفتح المطعم عادي وانا على الساعة ٤ هكون عندك.
واغلق المكالمة دون كلمة أخرى، ض*رب بقبضته على المقود بض*ربات هادئة رتيبة، تثير الأعصاب، وهو يتذكر كل ما اخبره بهِ “مينا” منذ قليل، وضغطه على نواجزه يظهر بوضوح من تحرك عضلات وجهه، حتى هتف بعد فترة وقد توقف عن تلك الطرقات فوق المقود:
– ماشي… ماشي.
رددها بنبرة لم تظهر أهي توعد أم ماذا!؟ قبل أن يشغل السيارة وينطلق بها بسرعته العالية كالعادة، والهواء يعبث بقميصه المفتوح كيفما يشاء.
__________________
خرجت من غرفة العناية المركزة بعدما رأت والدتها لدقيقتين مثلما سمح لها الطبيب، عدلت من وضع حقيبتها فوق كتفها وهي تسير قاصدة الخروج من المستشفى، لكنها تفاجأت بمن يقول:
_ بقينا ندخل من غير وسايط اهو.
التفتت على ذلك الصوت المألوف، لتبتسم تلقائيًا وهي تجيبه بعدما أصبح أمامها فقد كان خارجًا من أحد الغرف حين رآها وقرر محادثتها:
_ الحمد لله، عشان مسمحش لحد يكون له فضل عليا.
التوى فمه بابتسامة طفيفة فبدى أكثر جاذبية وهو يعقب:
_ مش لم تسدي الفضل القديم الأول!
وهنا تذكرت ما حدث بينهما، لتقول بضيق وقد اختفت ابتسامتها:
_ مش أنتَ قولت عليا مجنونة، خلاص بقى.
رفع أصبعه شارحًا:
_ أولاً مقولتش مجنونة، قولت اثر الصدمة، ثانيًا كنت بخرج من الموقف مشوفتيش الناس كانت بتبصلنا ازاي.
رفعت رأسها بأنفه وهي تقول بإباء:
_ أيًا كان، دي قصاد معروفك كده خالصين.
كتم ابتسامته وهو يقول بضيق مصطنع:
_ ياساتر عليكِ، مستخسرة فيا فنجان قهوة حتى تعزميني عليه!
تغيرت ملامحها في ثانية واحدة وقد بدت حزينة وهي تخبره:
_ هعزمك بس عندي طلب.
تعجب من تغير ملامحها، وشعر بجدية الأمر فسألها:
_ ايه هو؟
اجابته بنبرة غلفها الرجاء:
_ عاوزاك تشوف والدتي وتعرفني حالتها ايه بالضبط، حاسة ان الدكتور مخبي حاجة عني.
_ هو دكتور مين الي متابعها؟
_ دكتور محمد المصري، دكتور القلب.
اومئ برأسه متفهمًا وقال:
_ حاضر، بس احب اعرفك إن دكتور محمد مبيحبش حد يدخل في المرضى بتوعه، فمش هعرف دلوقتي لأنه موجود، ممكن بكره الصبح ان شاء الله.
ابتسمت بامتنان حقيقي وأردفت:
_ مفيش مشكلة، مرسي اوي بجد.
رفع سبابته مرة أخرى مذكرًا إياها بمرح:
_ متنسيش فنجان القهوة.
ضحكت بخفة وهي تقول:
_ مش هنسى don’t worry, “لا تقلق”، يلا جود باي.
انهت حديثها مشيرة له بتوديع، ليجيب وداعها قبل أن يتحرك هو الاخر:
_ مع السلامة.
____________________
_ ناناة!
انتفضت بخفة على صوت حفيدتها، لتنظر لها بعتاب وهي تخبرها:
_ كده تخضيني يا چسي؟
بررت “جاسمين” وهي تجلس بجوارها محتضنة إياها بود:
_ يا حبيبتي والله فتحت الباب بالمفتاح ودخلت، وناديت من الصالة، ولحد ما وقفت قدام باب الاوضة أنتِ الي مش سمعاني، بصالي في الصورة وسرحانه خالص.
قالتها وهي تبتعد عنها مشيرة لتلك الصورة المنقلبة على ظهرها الممسكة بها جدتها بين كفيها، ابتسمت الجدة لتظهر تجاعيد وجهها أكثر، وهي تقول:
_ باباكي كلمني وقالي إنك جاية، بس أنا فعلاً سرحت شوية.
ابتسمت “جاسمين” لجدتها الحنونة التي تحمل حبًا خاصًا لها، ولكن فضولها تجاه من في الصورة جعلها تقول بمشاكسة:
_ مين بقى الي سرحانة فيه اوي كده؟ ها؟ اعترفي يلا صورة لجدو صح؟
نفت برأسها وهي تضحك على مشاكستها:
_ لأ يا غلبوية مش صح.
لمع الفضول اكثر في مقلتيها تسألها:
_ اومال مين ها؟
لمعت العبارات في أعين الجدة وهي تبتسم بحنين:
_ ده ابني، وعمك.
قطبت “جاسمين” حاجبيها بتعجب وعقبت:
_ عمي أنا؟ بس أنا مسمعتش عنه قبل كده!
عدلت الصورة ليظهر من بها، وهوت دموعها وهي تطالعها وقد شاركتها “جاسمين” في النظر للصورة:
_ عشان محدش يعرف عنه حاجة.
تذكرت أنها قد رأت تلك الملامح من قبل فقالت:
_ اه، انا شوفته قبل كده في صوره له مع دادي، شوفتها بالصدفة في درج مكتبه، بس فكرته صاحبة من زمان.
لم يأتي رد من الجدة لتكمل “جاسمين” تسائلها:
_ يعني ايه متعرفوش عنه حاجة يا ناناة؟ وهو اسمه ايه؟
رفعت الجدة عيناها الباكية وشردت بنظرها وهي تقول بقهر:
_ بعد ما اتجوز ماعرفناش عنه حاجه، بقاله ٢٤ سنة دلوقتي بعيد عننا، نفسي اشوفه، اعرف اخباره، المحه حتى قبل ما اموت… كان اسمه حسن، عمك حسن وكان اصغر من نبيل بسنتين.. انا… انا حتى معرفش هو عايش ولا ميت.. عشان كده مش عاوزه اسيب بيتي رغم ان نبيل اتحايل عليا كتير اوي بس لسه عندي أمل يرجع في يوم.. لسه عندي أمل بابي يدق ويكون هو..
انهت جملتها باكية بشدة، فاحتضنتها “جاسمين” وقد ادمعت عيناها بتأثر شديد….
….. انتهى الفصل…
الفصل السابع عشر ج١ “مألوف!”
” سميرة السيد” تلك السيدة العجوز التي يبدو أنها قاست كثيرًا ومازالت تقاسي، قاست قديمًا بين أب وابن لم يتفقا يومًا وكانت بينهما نزاعات لم تنتهي إلا بموت الأول، نزاعات كانت تقف هي بينهما حائرة لا تعرف مع منْ تنحاز وضد منْ! فالأول زوجها والثاني ولدها، زوجها الذي لطالما رآها أم مستهترة وفشلت في تربية وتهذيب ولدها “حسن” على وجه الخصوص، وولدها الذي سأم من صمتها وسلبيتها في مواقفه مع أبيه، رغم اعترافه أحيانًا بأنه ليس بيدها حيلة، ولكن أحيانًا أخرى كانت نفسه توسوس له وتقسو عليها فيحمل في قلبه بوادر العصيان عليها هي الأخرى، وأما مؤخرًا وحتى الآن، تحديدًا( منذُ أربعة وعشرين عامًا حتى الآن) فهي تعاني من قسوة الفراق، تعاني من قلب يتمزق شوقًا وخوفًا على الغائب، ولا تعلم هل ستبقى هكذا البقية القليلة المتبقية من عمرها أم سيكون لقلب ولدها رأيًا آخر! هدأت في بكاءها قليلاً فمسحت دموعها وهي تردد بوهن وقلة حيلة:
_ ربنا يرد الغايب يا بنتي.
علمت أن جدتها تنهي الحديث في الأمر، ولكن فضولها أبى أن تتركه دون فِهم أكثر، فسألتها بحذر:
_ ناناة هو ليه سابكوا أصلاً؟ حد يسيب أهله كل الفترة دي؟
غامت عين العجوز بالحزن وعقلها شردَ لذكرى بعيدة، ذكرى كان يقف فيها ندًا لنِد أمامها، أصوات عالية من كليهما انتهت بصرخة أخيرة خرجت منها وهي تهتف بجملة شقت قلبها هي أولاً…
صيف عام ١٩٩٣…
سأمت من الجدال، واحتدَ النقاش بينهما، وأصواتهما باتت تُسمع من الجيران، ففاق كل هذا قوة تحملها لتصرخ بهِ منهية الجدال واجزاء جسدها تحفزت للغضب:
_ ورحمة ابوك يا حسن ما أنتَ متجوزها، ولو اتجوزتها متورنيش وشك تاني ولا تدخل بيتي واعتبرني موت، ايه قولك بقى؟
هدأ كل شيء بعدها، الأصوات، الأنفاس، حتى نظراتهما المشتعلة هدأت، مع قوله الذي خرج كأنه غير مبالي رغم الحريق المشتعل بداخله:
_ يبقى أنتِ الي اختارتي.
أمسكت بذراعه حين مرَ من جوارها قاصدًا غرفته وقد بدى أنه سيجمع أغراضه ليذهب، طالعته بنظره تائهة وقلب يصرخ بها لاعنًا ما تفوهت بهِ منذ قليل، تساقطت دموعها كالامطار وهي تسأله بعدم تصديق:
_ بقى كده يا حسن؟ بتختارها هي؟ هتسيب امك وبيتك عشانها؟ هي عمياك للدرجادي!
نفض ذراعه من قبضتها بقسوة وهو يهتف من بين انفاسه الغاضبة:
_ هي ملهاش ذنب، أنتِ الي خيرتيني، وأنا اخترت، عشان مش هسمح ليكوا تضيعوها مني مرتين.. مرة جوزك ودلوقتي أنتِ!!
رفعت كفيها تض*رب صدرها بنواح وهي تهتف:
_ يابني دي اطلقت من جوزها الي كان صاينها ومهنيها عشانك.. باعته وغدرت بيه عشانك، ي…
قاطعها بنزق صارخ:
_ أنتِ قولتيها اهو، عشاني يبقى…
كان دورها هي هذه المرة في المقاطعة وهي تقول بينما تحرك ذراعيها مشيحة في كل الاتجاهات بعصبية:
_ يبقى هتسيبك عشان غيرك.. ليه مفكرتش في كده، تأمنلها ازاي دي؟
اغمض عيناه بتعب من الجدال في أمر منتهي بالنسبة له وقال:
_ هي مش كدة، هي سابته عشان بتحبني من قبل ما تتجوزه أصلاً.
_ وكلام الناس؟ يقولوا ايه، هيفكروا كنتوا متواصلين مع بعض وهي متجوزه، وكانت بتخون جوزها معاك.
“كلام الناس” تلك الجملة المقيتة التي كرهها من كثرة ما كان يرددها والده في كل موقف، والده المريض بهاجس “كلام الناس”، تلك الجملة التي ظن أنه لن يسمعها مرة أخرى مع موت والده، ولكن يبدو أن والدته قد انتقل الهاجس إليها من كثرة معاشرتها له!
كالثور الهائج تمامًا، كان هو بعد سماعه لجملتها لذا كان يصرخ بوجهها بشكل أفزعها وهو يقول:
_ يلعن**** كلام الناس، مش عاوز اسمع **** الجملة دي تاني، انتِ سامعة، اقولك انا هسيبلك *** البيت ده اشبعي بيه، وخلي الناس الي خايفة من كلامهم ييجوا يونسوكِ.
أفزعها صراخه عليها، وأدهشتها قسوته وطريقته الفظة معها، هل راعى حتى أنه يحدث والدته في انفعاله أو الفاظه البذيئة التي أطلقها؟ لا لم يراعي أي شيء، وهي ستضع حجرًا على قلبها ولن تمرر فعلته، هل قرر الرحيل؟ إذًا فليرحل لن تترجاه ولن تستميله ليبقى.
وبالفعل حين خرج بعد فترة يجر حقيبة كبيرة خلفه، شعرت أن الحقيبة تُجر فوق قلبها وليس فوق الأرضية الصلبة، ولكنها أبت أن تتراجع عن قرارها، فخرجت الكلمات من فاهها بقسوة ما تشعر بهِ وهي تصرخ بهياج:
_ في ستين داهية، لما تعرف ازاي تكلم أمك وتعاملها كويس ابقى ارجع، ابوك كان عنده حق، كان دايمًا يقولي عملنا ايه وحش في حياتنا عشان ربنا يبلينا بابن زيك يطلع عينا ويوجع قلبنا.. كنت بقوله متقولش كده ده شاب طايش زي باقي الشباب وبكره يعقل، بس دلوقتي بس عرفت انه عنده حق.
ومع آخر كلماتها كان يختفي من أمامها بعدما خرج من باب الشقة كأنه لم يسمعها، ولكن الحقيقة أنه سمعها بوضوح.. بوضوح لدرجة أنه كره سماع صوتها بعدها، هل باتت نسخة من أبيه؟ بئسًا لتغير الحال، هل هذه من كانت تدافع عنه، الآن باتت هي الأخرى تراه ابتلاء! حسنًا إن كان ابتلاء فسيبتعد كي يزيله عنها.. للأبد..
قسى وقسى قلبه عليها، ونسى قول الله تعالى:
«وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»
عادت من ذكرياتها الأليمة على صوت حفيدتها ينبهها، لتسرد لها ذكرى آخر لقاء بينها وبينه، وانتهت لتبدأ في سرد ملامسات المشهد الخفية:
_ مكنتش متخيلة انه هيغيب كل ده، كنت فاكرة انه هياخدله اسبوع ولا اتنين ولا شهر حتى ويرجع، عمري ما اتخيلت انه ميرجعش تاني فعلاً، لو كان رجع واتأسف كنت هجوزهاله والله، بس أنا عز عليَّ وقوفه قدامي وانه علىَ صوته عليَّ بالشكل ده عشانها، او حتى لو مش عشانها، وقوفه قدامي خوفني منه، معقول ده ابني الي ربيته! مقدرتش اتحمل طريقته معايا، سيبته يمشي وانا فاهمه انه هيرجع، لو كنت اعرف انه مش هيرجع والله ماكنت خليته يخرج من عتبة الباب حتى.
احتضنت جدتها بقوة حين اجهشت في البكاء مرة أخرى، لتشاركها بكائها بقلب منفطر عليها، واخذت تمسد بكفها على ظهرها بحنون وهي تقول:
_ اهدي يا ناناة عشان خاطري، ان شاء الله هيرجع في يوم.
نفت برأسها وهي بين أحضانها، ولسانها أقر بتلك الحقيقة المُرة وهي تقول ببكاءٍ:
_ مش هيرجع، لو كان عاوز يرجع كان رجع من سنين، انا بس الي بصبر نفسي وبكدب على حالي، لكن انا عارفه انه مش هيرجع.. ايه قساوة القلب دي يا حسن؟ وجعتي قلبي يا بني، وجعت قلب أمك عليك يا حبيبي.
لم تستطع “جاسمين” الصمود أكثر لتتعالى شهقاتها وتهاوت دموعها بانهيار وهي تستمع لحديث جدتها الموجع لقلبها… واستمر الوضع لأكثر من خمسة عشر دقيقة أخرين قبل أن تنجح “جاسمين” بتهدئها وجعلها تخلد للنوم بصعوبة.
__________________
عصر اليوم التالي…
واقفًا بالمطعم ينتظرها على أحر من الجمر، لا يصدق أنه بات قريبًا منها لهذه الدرجة، هل ستتاح له الفرصة ليتحدث معها اليوم؟ هل بات الأمر قريبًا هكذا؟ أنه لا يصدق أنه وجدها فماذا عن الوقوف أمامها ومحادثتها وسماع صوتها! انه هالك لا محالة!
_ مراد باشا انا محتاج افهم انتَ بتعمل ايه؟
رددها “طارق” الذي خرج من غرفة المكتب للتو، ليزجره “مراد” بنظرة حادة منه وهو يجيبه:
_ تعرف تروح تقعد على مكتبك وتسكت.
رفع حاجبيهِ بدهشة وهو يردد بعدم تصديق:
_ مكتب ايه؟ وايه الحكاية! نويت تتوب يعني وتغير نشاطك لشغل في مطعم؟ وحتى لو انا مال أمي ساحلني مع حضرتك ليه؟
علاقة العمل التي امتدت بينهما لثلاثة سنوات حتى الآن هي ما سمحت ل “طارق” بالحديث هكذا، رفع “مراد” جانب شفتيه ساخرًا وهو يسأله:
_ وايه لازمة حضرتك؟ بعدين عندك اعتراض ولا حاجة؟
ابتلع ريقه بارتباك طفيف من نبرة الأخير المُحذرة، ليهتف بضيق خفي:
_ ياباشا مش قصدي، انا كل الحكاية عاوز افهم عشان اعرف امثل الدور صح.
زفر بنزق قبل أن يشير بأصبعه لغرفة المكتب وهو يردد:
_ روح اقعد على المكتب، ولما البنت تيجي هتعمل معاها انترفيو كأنك صاحب المكان بجد، وبعدها هتقبلها وتقولها ان الشغل هيبدأ من النهاردة، وبعدها ملكش لازمة اصلاً، تمام!؟
هز رأسه بيأس واستسلام وقال:
_ تمام الي تشوفه.
تحرك للدلوف لتلك الغرفة لكنه توقف على قول “مراد” بتذكير:
_ متنساش، انا هنا شغال في المطعم.
التف له بغيظ من عدم فهمه لكل ما يحدث، وقال من بين أسنانه:
– ماشي..
ابتسم له “مراد” باقتضاب مستفز قبل أن يتجه للمطبخ الملحق بالمطعم.
ضر*ب “طارق” كفًا بالآخر وهو يغمغم بنزق:
_ يارب ارحمني من الجنان ده.
_ السلام عليكم.
انتبه لصوت فتاة رقيق يلقي السلام، ليلتفت لها فوجد فتاة ذات جمال بسيط ترتدي ثياب سوداء حالكة جميعها، حتى حجابها الذين زين وجهها، تنحنح في وقفته وهو يجيبها بهدوء:
_ عليكم السلام.
عقدت حاجبيها باستغراب وهي تنظر حولها قبل أن تسأله وهي تشير لغرفة المكتب:
_ هو استاذ مسعد جوه؟
سألها بعدم فهم:
_ استاذ مسعد مين!؟
_ صاحب المطعم، اصل انا عاوزاه في حاجة.
ذم شفتيهِ بأسف وهو يخبرها:
_ للأسف هو ساب المطعم، باعه يعني وانا اشتريته.
وفي لحظة احتل الحزن قسمات وجهها وهي تدرك أن فرصتها في الحصول على العمل قد ذهبت في مهب الريح، فاخفضت وجهها قليلاً باعين ملتمعة بالدموع وبنبرة بائسة رددت:
_ تمام شكرًا.
قطب حاجبيهِ مستغربًا رد فعلها ليسألها بفضول:
_ كنتِ عوزاة في ايه؟ يمكن اساعدك.
نفت برأسها وهي تقول بيأس بعدما تحكمت في دموعها بصعوبة:
_ لا خلاص، كنت قيلالة على شغل هنا بس يظهر مفيش نصيب.
تبًا انها هي! هذا ما ردده في عقله سريعًا بأعين متسعة حين قالت جملتها، اخبره “مراد” ان فتاة ما ستأتي بعد قليل لطلب العمل، وعليهِ أن يوافق فقط، تحدث سريعًا ما إن أبصرها تستدير ذاهبة:
_ استني بس مستعجلة ليه؟
توقفت والتفت له بوجه محبط ليكمل:
_ مش يمكن محتاجين حد يشتغل.
رددت بما أتى في عقلها وهي تقول:
_ اكيد جايبين عمالكوا معاكوا.
نفى برأسه مبتسمًا بهدوء:
_لا خالص، بالعكس محتاجين فعلاً ناس، مش شايفة المطعم فاضي ازاي.. اينعم هم زمنهم جايين فعلاً، بس برضو عندنا عجز.
ابتهجت ملامحها في الحال ورددت بلهفة:
_ بجد؟
اومئ برأسه بتأكيد وأشار لها على باب مكتبه وهو يدعوها للدلوف بلباقة.
اتته رسالة من “مينا” المراقب لها بأنها دلفت المطعم بالفعل، ومن حينها وقلبه لم يهدأ، ولا جسده! يلف في محيط المطبخ الواسع بلا هوادة، يفكر فقط في كيفية التحكم في مشاعره حين يراها، حرص ألا يسمع صوتها قبل أن يراها، فلزم مكانه في المطبخ يهيئ ذاته لاللقاء.
انهى المقابلة الشخصية معها وهو يسألها بلطف:
_ بتفهمي في ايه بقى؟
اجابته بحماس:
_ ممكن اغسل مواعين، او اقدم طلبات، او احاسب الطربيذات.. مش عارفة، بس للاسف معرفش اوي في الطبخ.
هز رأسه بتفهم وهو يخبرها:
– بصي، انتِ وشاب معانا هنا هتكونوا مسؤولين عن قسم المشاريب، تعرفي فيه!؟
اومأت بتأكيد:
_ ايوه، أن شاء الله يعني.
_ عمومًا هيكون معاكِ بنت تانية بتحضر مشاريب برضو، هتعرفك الي ناقصك، والشاب ده…
صمت قليلاً لا يستوعب ما سيقوله حتى، لكنه مُجبر:
_ هياخد منكوا الطلبات ويقدمها للزباين.
همس بصوت منخفض لم يصل لها:
“وربنا يستر”
التمعت عيناها بفرحة لتسهيل الأمور هكذا، وقالت بامتنان:
_ شكرًا جدًا لحضرتك، هبدأ شغل امتى، وبعد اذنك حابة اعرف المرتب كام؟
قالت الأخيرة بحرج طفيف، لدومًا كانت حساسة فيما يتعلق بالأمور المادية، استمعت له يجيبها بما جعل الفرحة تدب في كل خلية بجسدها وهي تلتمس فرج الله أخيرًا:
_ المرتب مبدئيًا ٢٥٠٠ جنية، وفي حوافز وover time “ساعات إضافية” ، وكمان بعد ٣ شهور هيوصل المرتب الاساسي ل ٣٠٠٠، الشغل هيبدأ من دلوقتي عشان زي ما قولتلك عندنا عجز، ومواعيد العمل من ٥ العصر ل ٢ بليل.
لم تصدق كل ما تسمعه، هذا المرتب الكبير، وساعات العمل المناسبة تمامًا لها كي لا تضطر لترك العيادة، كل هذا جعلها في تخمة من السعادة، تغطت على وجهها الذي ابتسم لأول مرة منذ مدة لا تعلم عددها.
_ نص ساعة وهيكون باقي الstaff “الفريق” هنا، دلوقتي هستدعي الشاب الي قولتلك عليه عشان يعرفك على المكان والشغل بالضبط، وتتعرفوا على بعض كمان.
اختفت ابتسامتها وفركت كفيها بتوتر، كعادتها حين تبدأ بشيء جديد، لا تحبذ أبدًا تغيير الأماكن ولا الأشخاص، لا تحبذ بدأ علاقة جديدة او التعامل مع اشخاص جدد، والاسوء أنها تتوتر من التعرف على شخص جديد خصوصًا إن كان رجل! ولكن طبيعة العمل تفرض عليها هذا، ولأنها بحاجة ماسة له، لابد لها أن تتأقلم.
_________________
ابتسامة هادئة زينت ثغره حين أخبرته الممرضة بأن فتاة تنتظره في الاستقبال تدعى “جاسمين”، لابد من أنها جائت لتعلم منه حالة والدتها، تحرك بخطواته الثابتة حتى وصل إليها، فوجدها تجلس على أحد المقاعد وبيدها كوب قهوة وبجوارها يقبع الآخر، ابتسم باستنكار.. حقًا! هل قررت فعل هذا في المستشفى! يا لكرمها الزائد! طالعها بتروي وهو يشعر بغرابة لتحرر ثيابها لهذه الدرجة، ليس لأنه يرى هذا لأول مرة بل بالعكس هو يقابل من هن متحررات أكثر منها، لكنه فقط يشعر أن ما ترتديه ويبرز أنوثتها ومفاتنها هكذا لا يلائمها ولا يلائم برائتها التي يشعر بها، هز رأسه بعدم استحسان وهو يلقى نظرة أخيرة على ما ترتديه قبل أن يقف أمامها، فقد كانت ترتدي تنورة واسعة ذات الوان متعددة وصلت لركبتيها تمامًا، وفوقها كنزة بدون أكمام وفتحة صدر ليست هينة وتصل بالكاد لبداية التنورة، ورغم عدم استحسانه لكنه حدث نفسه ان الأمر ليس له دخل بهِ، لذا ابتسم وهو يلقي عليها التحية كي تنتبه له فقد كانت تصب جم تركيزها على الهاتف:
_ مساء الخير.
رفعت راسها بلهفة على صوته، لتظهر عيناها الرمادية الساحرة، لن ينكر فعيناها بها جمال لا يعقل، لا تراه إلا من قريب، وكأنها تهديه للقريبين فقط!
ابتسامة زينت ثغرها الجميلة واظهرت هاتان الحفرتان الجميلتان المزينتان لوجنتيها وهي تجيبه:
_ مساء النور، اتفضل يا دكتور.
جلس على المقعد المجاور لها وهمَ يمد يده ليتناول كوب القهوة الفائحة رائحته، لكنها اسرعت بجذبه بعيدًا وهي تخبره:
_ في بنا اتفاق، لو قولتلي حالة مامي هعزمك على قهوة، so، مش هتاخد القهوة غير لما اعرف عندك معلومة ولا لأ.
طالعها بعدم تصديق تحول لاشمئزاز وهو يحدقها بنظراته المستنكرة:
_ ايه يا بنتي التناكة دي! اومال لو مكنش كرمك الفظيع خلاكِ تعزميني في مستشفى حتى مش كافية كنتِ عملتِ ايه؟
ابتسمت بسماجة تجيبه:
_ كنت دفعتك تمن القهوة.
رفع حاجبيهِ باندهاش لا يصدق أن تلك الرقيقة بكل هذا البخل!
_ ها مامي عاملة ايه؟
رفع جانب شفته العليا باستهزاء وهو يجيبها بما جعل عيناها تتوسع بغيظ:
_ عاملة حلة محشي وعزماكِ عليها..
__________________
خرج من المطبخ بعدما دلف “طارق” له يخبره سريعًا بما حدث وبأنها الآن ترتدي الزي الخاص بالعمل وعليهِ الخروج للقائها، خرج “طارق” بعدها وتركه يتخبط في دوامة مشاعره، قلبه تكاد دقاته تتوقف من فرط الحماس والقلق، الرغبة والخوف، التردد والإقدام، كلها متناقضات تشتعل في داخله الآن، شهيق ثم زفير ثم شهيق آخر تلاه زفير آخر ثم…. لأكثر من عشرة مرات فعلها قبل أن يتشجع أخيرًا ويستجمع “مراد وهدان” الذي يعرفه الجميع، القادر بشدة على اخفاء مشاعره، ودفع باب المطبخ وخرج، في نفس اللحظة التي كانت هي تخرج للصالة بعد أن بدلت كنزتها بالكنزة الخاصة بالمطعم وخرجت لترى ذلك الشاب الذي أخبرها عنه المدير.
توقف لثانية واحدة ينظر لها ولأول مرة عيناها تواجه عيناه، يعلم انه استطاع التحكم في ملامح وجهه وجعلها عادية لا يظهر بها شيء، لكن ماذا يفعل في دقات قلبه التي يشعر أنها ستخترق قميصه وتخرج، يخشى أن تكن ظاهرة لمرأى قزحتيها السودويتان كسواد الليل الحالك، وعيناها الواسعتان كعين المها الجميلة، وهل ترك كل شيء وبات يتغزل في عينيها الآن! اقترب منها بخطى بدت ثابتة رغم حقيقة ارتجافها، حتى بات على مقربة منها فتسرب لأذنيهِ صوتها العذب يسأله بارتباك ملحوظ:
_ حضرتك الي هتعرفني الشغل؟
قُضي عليهِ الآن! من أين يأتي بالثبات بحق الله!؟ أينقصه أن يستمع لصوتها الرقيق أيضًا، والغريب أنه في نفس اللحظة استمع لصوت طفلته “ديجا” تلك الفتاة البريئة التي عذبت قلبه ببعدها، وكأن أذنه ربطت تلقائيًا بينهما! ابتلع ريقه بصعوبة قبل أن يبتسم لها بلطف وهو يجيبها:
_ ايوه انا، اسمك ايه؟
ما بها عيناه؟ لِمَ تشعر أنهما ليستا غريبتان؟ تشعر بالألفة تجاههما بشكل غريب! وكأنها… وكأنها تعرفهما من قبل؟ ولِمَ دقَ قلبها بهذه الطريقة حين طلَ عليها؟ ماذا يحدث لها؟ تشعر أن هذا الشخص يعني لها بطريقة ما تجهلها! ماهذه الحماقة؟ أنها تراه للتو ولأول مرة في حياتها، وهذا ما جعلها تتجاهل شعورها ونبضات قلبها التي تعرفت على نبضات قلبه، كأنها تطمئنه وتخبره أنها قد عرفته، وهي تجيبه :
_ خديجة.
اومئ برأسه وعيناه تلتهم ملامحها حرفيًا مستغلاً توترها الذي جعلها تخفض عيناها بعدما ظلت تنظر لعيناه لثواني قليلة، تمتم باسمها يستشعر حلاوته مع صورتها أمامه:
_ خديجة، نورتي المكان.
رفعت نظرها لوهلة له قبل أن تشيح بهِ بعيدًا ثانيًة كأنها تتفحص المكان وهي تغمغم:
_ منور بحضرتك.
اتاها صوته الحنون الدافئ، الذي لا تعرف كيف تعترف بدفئه وهي للتو عرفت صاحبه! أي جنون هذا؟
_ لا بلاش حضرتك والرسميات دي، احنا زمايل في الشغل وهنتعامل كتير مع بعض، فقوليلي باسمي عادي.
عادت ببصرها له وهي تسأله بارتباك مازال متحكم بها:
_ اسم حضرتك ايه؟
ابتسم ابتسامة هادئة تمامًا وهو يخبرها بثقة ونظره ذات مغزى:
_ زين…
اتسعت عيناها بعدم تصديق، ورددت بدون وعي منها:
_ انا بحب الإسم ده اوي.
كان هذا قبل أن تدرك ما تفوهت بهِ، فعضت شفتها السفلى بحرج وخجل وهي تشيح ببصرها عنهُ.
وهو كان يجيبها في داخل نفسه بأنه يعلم حبها لهذا الإسم!!
وجملتها منذُ إحدى عشر عامًا تلوح في أفق الذكريات وهي تقول ” انا بحب اسم زين اوي.. ولما يكون عندي بيبي زي مصطفى اخويا هسميه زين”
جملة خرجت من فتاة في السابعة وطُبعت في ذاكرة فتى في الثانية عشر من عمره، واستغلها الآن!
___________
وفي مكان آخر….
اغلق المأذون دفتره وهو يقول باعتيادية:
بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير، بالرفأ والبنين ان شاء الله.
….. انتهى البارت…..
___________
الفصل الثامن عشر…. ” كما هي! ”
اتجهت معه للمطبخ النائي قليلاً عن صالة المطعم و المصمم على الطراز الأمريكي حيث تُصنع المشروبات هناك عكس المطبخ المغلق المخصص لطهي الطعام، وقفت تجاوره وهو يشير لها للمكان حوله بينما يشرح موضحًا:
_ شغلك كله هيبقى هنا أنتِ والبنت الي هتيجي كمان شوية، هتعملوا المشروبات وانا هاخدها للزباين، زي مانتي شايفة الي قاعد في الصالة برا مش هيكون شايفكوا، واعتقد ده أفضل عشان تكونوا على راحتكوا.
نظر لها بعدما كان يتجنب فعل هذا أثناء حديثه، فقد أراد التركيز في الحديث ولن يحدث هذا وهو ينظر لها أبدًا، والآن فقط فعلها وهو ينظر لها بأعين تلتمع حنينًا، وحبًا، وشوقًا لها إن رأتهم لشعرت حتمًا بشيء خاص يسكن نظراته، شيء كان سيثير ريبتها، وحمدًا لله أنها لا تنظر لعيناه دومًا، بل مجرد نظرة عابرة قبل أن تشيح بنظرها لأي مكان آخر كما فعلت الآن قبل أن تجيبه براحة:
_ ايوه افضل كتير، مبحبش احس ان في حد متابع تحركاتي.
ابتسم ثغره بحنين وهو يراها ما زالت متمسكة بنفس خصالها القديمة، مازالت كما هي، لطالما أخبرته حين كانت طفلة أنها لاتحب أن تُسلط الاضواء عليها، ولهذا لم تحبذ تلك الفقرة التي تخرج فيها امام المدرسة باكملها تحت مسمى الإذاعة المدرسية، ودومًا أرادت الهرب منها لولاه هو من كان يدفعها لفعل هذا ويشجعها الليل بأكمله حتى تستطيع فعلها في صباح اليوم التالي، ويبدو أنها رغم قربها من العشرين لم تتخلص من تلك العادة.
_ زين.
التفتا على صوت “طارق” الذي علىَ ينادي على الأخير وبجواره وقفت فتاة في منتصف العشرينات تقريبًا، ذات شعر أسود وبشرة بيضاء وملامح جميلة لحد ما، وثيابها المتكونة من تنورة تصل فوق ركبتيها تمامًا ذات لون بني فاتح، وكنزة بنصف أكمام وفتحة عنق واسعة بلونها الأخضر المنعش، مع حذائها ذو الكعب العالي التي أصدر صوتًا مسموعًا فوق الأرضية، ورغم عدم حبها لما ترتديه إلا أنها شعرت براحة من ملامحها التي بدت بريئة وهادئة لحد ما، وجدت “طارق” يشير لها وهو يعرفها قائلاً:
_ دي رنا الي هتشتغل معاكِ في القسم هنا يا أنسة خديجة.
اومأت برأسها تفهمًا وهي تقول بهمس مسموع:
_ اهلاً بيكِ يا رنا.
ابتسمت لها المدعوة “رنا” بهدوء وهي تجيب تحيتها بمرح طفيف:
_ اهلاً بيكِ أنتِ يا خديجة، إن شاء الله نعمل شغل حلو سوا.
ابتسمت لها “خديجة” وشعور الراحة يزيد داخلها:
_ ان شاء الله.
تركهم “طارق” بعدما انهى مهمته ولكن قبلها أشار ل “مراد” ليلحق بهِ، فاستأذن منهم وهو يقول:
_ هسيبكوا أنا بقى، نورتي يا رنا، أنا زين هكون معاكوا هنا.
يالها من عينان لم تراها من قبل! هل هما خضرواتان أم زرقاوتان لا.. يبدو أنهما رماديتان! ام مزيج من كل هذا!، تشعر وكأنه بطل سنيمائي خرج لها من أحد الأفلام الأجنبية التي تعشقها، ابتسم ثغرها تلقائيًا وهي تجيبه بوله:
_ والله العظيم نورك يا زين.
لم يشغله حديثها ولا نظراتها التي أوحت بانجذابها له، فهو معتاد على ما هو أكثر من هذا بكثير، لذا اكتفى بابتسامة مقتضبة لها قبل أن ينسحب من أمامها بهدوء، وبالطبع لم ينسى إلقاء نظرة أخيرة على خديجة التي كانت تكبت ضحكتها بصعوبة على الجملة الحمقاء التي هتفت بها تلك الغريبة.
اقتربت منها بعدما ذهب وهي تسير بظهرها ونظرها محل اختفاءه حتى أصحبت جوار “خديجة” فهتفت باندهاش وتلقائية جعلت ثغر “خديجة” يتدلى تعجبًا منها:
_ يا خرابي، ايه ده؟ حلويات مولد النبي دي؟
لم تجيبها بل ظلت صامتة، وهذا ما جذب انتباه الأولى لتنظر لها فوجدت معالم الدهشة تزين وجهها، فضحكت وهي تدرك سبب دهشتها وهذا ما دفعها للتوضيح وهي تقول:
_ لا فُكي كده، احنا هتبقى خلقتنا في خلقة بعض ١٠ ساعات فلازم نشيل الحواجز الي بينا.. بزمتك الواد مش مُز؟
ابتسمت “خديجة” وهي تهز رأسها بقلة حيلة يبدو أن هذه الفتاة كارثة متحركة، اجابتها بحذر:
_ معنديش مانع نشيل الحواجز، ونتكلم مع بعض زي ما تحبي، بس سوري مبحبش اتكلم في الحاجات دي.
قطبت حاجبيها بعدم فهم وهي تسألها:
_ حاجات ايه يا اختي؟
ضحكت بخفة وهي توضح:
_ قصدي الي قولتيه عن استاذ زين، مبحبش اتكلم بالطريقة دي عن شاب، مفيش داعي ناخد ذنوب على حاجات تافهة نقدر نتجاهلها.. حتى لو جواكِ حسيتِ ان شكله حلو بلاش تقولي ده.. يعني مش بايدك تمنعي نفسك تقولي رأيك فيه بس في ايدك تتحكمي في لسانك، ولا ايه؟
رفعت حاجبيها باعجاب بها وهي تقول:
_ شكلك نضيفة يا خديجة، وده نادرًا ما بلاقيه، هو عمومًا مش قصدي حاجة وحشة، انا خدتها من باب ال fun مش اكتر.
اومأت برأسها متفهمة وهي تعقب:
_ فاهمة، بس ال fun (المرح) الي يشيلنا ذنوب بلاش منه، كفاية الي احنا شايلينه.
ابتسمت لها “رنا” بود وهي تقول:
_ لا بقى ده أنتِ good girl جدًا. (فتاة جيدة)
ضحكت “خديجة” وهي تعقب:
_ وانتِ شكلك مسلية جدًا، مقابلتش حد زيك في حياتي.
رفعت منكبها بسأم وهي تذم شفتيها:
_ يبقى حياتك كئيبة يا اختي.
حركت رأسها بقلة حيلة:
_ للاسف مش بأيدي، واضح انك ربنا يسعدك يعني، حياتك كويسة.
ابتسمت بجانب شفتيها وهي تخبرها بمرح يحمل سخرية كبيرة:
_ جدًا، ده انا حتى واحدة مُطلقة ومعايا طفل عنده سنتين، وانا لسه عندي ٢٣ سنة، المفروض بربيه وانا لسه ناقصة تربية.
ضحكت بخفة في جملتها الأخيرة، تحت نظرات “خديجة” المصدومة بما عرفته عنها، لم تتوقع أبدًا أن هذه الفتاة التي بدت مرِحة تحمل في جعبتها الكثير…
ابتعد في هدوء بعدما اطمئن من تلك الفتاة التي أتى بها “مينا” للعمل يبدو أنها جيدة وستكون خير ونيس لخديجة الفترة القادمة، ابتسامة غزت وجهه وهو يتذكر حديثها لها عن عدم حبها للتحدث عن شاب بطريقة كتلك، امتلأ صدره فخرًا بصغيرته التي يبدو أنها تحمل الكثير من الأخلاقيات التي لم يسمعها عنها يومًا.
________________
لأول مرة والدتها تفعل شيء في صالحها، لأول مرة تعنتها وجبروتها يكن في صالحها.. او هذا ما صوره لها عقلها المعمي بحبه!
فركت كفيها بتوتر وهي تنظر له في الخفاء بينما المأذون يغلق دفتره وينهض ناويًا الذهاب، هل أصبحت زوجته؟ هل حقًا تحقق حلم طفولتها أخيرًا وباتت له وكُتبت على اسمه؟ تذكرت ذلك الشجار الطويل والعنيف الذي دار بين “سرية” وشقيقها ” منصور” حين وضعت الأولى ذهابها لجامعتها أمام زواجها من “ابراهيم” تتذكر جملتها النكراء التي قالتها وهي تقف في مواجهة شقيقها حين قالت
“أنتَ رايدها تدخل الجامعة من غير ما تكون مرته، وأبصر تجابل مين هناك ووجتها نلاجيها داخله علينا بعيل مايع وتجولك رايده اتجوزه، لاه مهيحصلش ياخوي البت دي لازمن تتربط بابن خالها جبل “قبل” الجامعة ياما مفيش جامعات وده اخر حديت عندي”
ورغم أنها شعرت بالحزن والغضب لعدم ثقة والدتها بها، وشعرت بأنها باصرارها هي على الزواج أنقصت من قدرها وكرامتها، ولكن رغم هذا شعور خفي بالسعادة تسرب إليها وهي ترى حلمًا بعيدًا بات أقرب مما تتصور، فارس أحلامها، رفيق طفولتها، وحب حياتها سيصبح ملكًا لها أخيرًا، وربما هذا ما دفعها للوقوف أمام خالها معربة عن عدم اعتراضها على شرط والدتها، وخاصًة حين رأت الأمر سيتطور لدرجة أن خالها كان مقبلاً *والدتها، وقتها انتفضت واقفة بينهما وأخبرت خالها بخجل أنها لا تمانع من الزواج في الوقت الحالي طالما أنه مجرد عقد قرآن، وبالفعل هدأت ثورة خالها وهو يوافق على الأمر مضطرًا وهذا ما اظهره في العلن فقط! أم بداخله فكان هناك أمر آخر دفعه للموافقة..
_ خلاص عملتِ الي ريداه؟ يلا طرجينا بجى.
نظرت لشقيقها بدهشة هل طردها للتو؟ نهضت عن الكرسي وهي تشير لذاتها بدهشة:
_ بتطردني من بيتك ياخوي؟
بملامح جامدة كان يكرر جملته:
_ روحي بيتك، سيبي البت رايد اتحدت وياها.
ضغطت على أسنانها بغيظ وهي تومئ برأسها منسحبه من أمامهم بعد أن ألقت نظرة أخيرة لابنتها وهي تخبرها:
_ متعوجيش “متتأخريش”.
أشار لهما للجلوس بعد أن ذهبت “سرية” فجلسا بتعابير وجه مختلفة تمامًا، ف “فريال” كانت خجِلة، متوترة، تشعر بمشاعر كثيرة متضاربة ولكن جميعها ترجع لفرحتها الداخلية.
وأما عن “إبراهيم” فقد كان وجهه لا يحمل أي شيء، أي شيء تمامًا، وكأن عقد القرآن الذي حدث منذ قليل لا يخصه.
أخذ “منصور” نفس عميق وهو لا يعرف هل ما فعله صواب أم خطئ، ولكن ماحدث قد حدث، والآن يجب وضع النقاط فوق الأحرف، فقال موجهًا حديثه لهما:
_ لازمن دلوجتي نوضح الفترة الجاية هيكون التعامل بينكوا ازاي، مش معنى أن الظروف عجلت بجوازكوا أن الوضع اتغير، لاه، الوضع هيبجى زي ما هو…
وجه حديثه ل”ابراهيم” وهو يخصه بالحديث:
_ بت عمتك هتعاملها كأنها خيتك بالضبط، معاوزش تجاوز بأي شكل، واظن فاهم جصدي.
اومئ برأسه بملل وهو يجيبه:
_ فاهم يا حاج، متجلجش، بعدين ماهي هتدلى “هتروح” مصر، يعني مهشوفهاش غير كل فين وفين.
شدد على حديثه وهو يقول:
_ حتى لو شوفتها، انسى انها بجت مرتك..
وهنا دقَ قلب تلك المسكينة التي عشش حبه في قلبها حتى أهلكه تمامًا، دقَ قلبها بفرحة طاغية وهي تستمع للقبها الجديد من فم خالها، واحمرت وجنتيها بشدة من فرط مشاعرها، ولكنها تماسكت قليلاً وهي تجد ضفة الحديث تتحول لها وخالها يقول:
_ وأنتِ يا فريال لو جربلك ولا عملك حاجة معجبتكيش تجوليلي طوالي، سامعة؟
اومأت سريعًا بتأكيد أنها ستفعل، تحت نظرات السخرية التي انطلقت من أعين “إبراهيم” ما له والده يعامله كأنه الوحش الذي سينقض على الجميلة!! هو لا يحترق شوقًا للقرب منها مثلاً!
_ يلا جوم وصلها يا إبراهيم.
نهض بتحفز فها هو والده قد اعطاه الفرصة على طبق من ذهب، وقفت هي الأخرى مصحوبة بخجلها الذي كاد يفقدها وعيها، فلأول مرة ستسير معه في طريق واحد منذُ وصلوا للمرحلة الاعدادية، بل وأصبح زوجها! ياله من لقب حلو الوقع على نفسها وقلبها!
بخطى متريثة، خجولة كانت تجاوره في طريقهما لبيتها، تنتظر حديثه بفارغ الصبر، أليس عليهِ أن يعبر عن شعوره تجاه ما حدث!؟ أليس من المفترض أن يغازلها أو يطرب أذنيها ببعض الحديث العذب في مناسبة كهذه!؟
طال صمته حتى قارب الطريق على الانتهاء، وحين فتح فمه ليتحدث كان يقول بنبرة عادية:
_ حديت ابوي الي جاله ولا كأنك سمعتيه، اي حاجة تحصل بينا محدش تالت يدرى بيها، المفروض انك مش صغيرة وخابرة زين أن الي بين الراجل ومرته ميطلعش لحد واصل مهما كان مين.
لم يغازلها، ولم يلاطفها، ولم تسمع حديث عذب، ولكن نبرة صوته التي تذوبها تكفي، لفظ الرجل وزوجته الذي اطلقه عليهما جعل دقاتها تعزف مقطوعة رائعة، ربما الأمر لا يستدعي كل هذا، ولكن شدة شوقها لكلمة طيبة منه، يجعلها ترى حديثه العادي حديثًا يطربها.
ابتلعت ريقها قبل أن تجيبه بهدوء:
_ خابرة، متجلجش محدش هيدرى باللي بينا.
نظر لها بعدما توقفا أمام بيتها، هي جميلة، ربما لكنه يرى جملها عادي، أو ربما هذا ليس الجمال الذي يجذبه! لا يعلم ولكن على أي حال لا يشعر بانجذاب نحوها كانجذاب رجل لأنثى! ويتمنى أن يتغير هذا قبل الزواج الفعلي وإلا كيف ستكون علاقتهما طبيعية على النحو المطلوب!
أشار لها للدلوف للبيت، فتحركت بقلبٍ سعيدٍ، تشعر بذاتها تحقق ما طمحت إليهِ دومًا، حتى وصلت للباب فالتفت لتشبع عيناها بنظره أخيرة ولكنها وجدت ظهره هو ما يقابلها وهو يسير عائدًا لبيته القريب لحد ما، لِمَ هو متعجل في الذهاب هكذا!؟
“فريال” بداخلها صوت يهمس لها بأن “إبراهيم” لا يحمل لها ربع ما تحمله من مشاعر، لكنها دومًا ما تكتم هذا الصوت مقنعة ذاتها بالعكس.
______________
_ همشي أنا بقى، هروح اظبط المخازن، هو حضرتك هتحضر التسليم ازاي ووقتها هتكون هنا!!؟
هذا ما قاله “طارق” وهو يقف أمام “مراد” في غرفة المكتب، ليجيبه” مراد” بهدوء:
_ المطعم بيقفل ٢، وميعاد التسليم ٢، فأنت هتخرج تقولهم إن النهاردة عشان أول يوم شغل هيقفلوا بدري ساعة يعني ١.
هز رأسه بعدم اقتناع وهو يخبره:
_ والشحنة الي جاية بكرة، ميعاد تسليمها ١١ هتعمل فيها ايه؟
أجابه بملل:
_ مفيش مانع تروح تستلم مكاني.
كتم ابتسامة ساخرة كادت تزين ثغره وهو يقول:
_ طيب، في معلومة وصلتني من شوية يمكن سعادتك معندكش عِلم بيها.. الشحنة بتاعت بكرة الشخص الي البوص الكبير باعته من طرفه هو دياب الحلاوني.
تغيرت معالم وجهه مائة وثمانين درجة، من هادئة غير مبالية، لاشتعال تام وغضب اختلط بنظراته التي تكاد تصدر شرارًا، برزت عظام صدغه من شدة ضغطه على أسنانه قبل أن يقول:
_ ابن ال*****، هو رجع من الداهية الي كان فيها امتى؟
اجابه “طارق” بهدوء:
_ عرفت انه رجع من يومين، الشغل الي كان بيخلصه للبوص في ايطاليا خِلص، فرجع.
_ خِلصت روحه.
رددها “مراد” بنزق كبير، فذلك “دياب” بينهما حروب القوم، منذُ انضم “مراد” للعمل معهم وهو لا يستثيغه أبدًا، ولا الآخر فعل، كره متبادل بينهما، كانت نتيجته غير محمودة أبدًا، حتى أن “دياب” كاد يتسبب في سجن “مراد” ذات مرة، و”مراد” حين ردها له كاد يتسبب في موت الأخير!
_ خلاص روح أنتَ دلوقتي وبكره نشوف.
اومئ “طارق” بقلة حيلة وانسحب من أمامه مجبرًا، فطالما وصلَ “مراد” لهذه الحالة المزاجية السيئة من الأفضل له اجتنابه.
________________
في المستشفى…
نظرت له باشمئزاز قبل أن تقول بامتعاض جلي:
_ يا سم! مش حلوة على فكرة وبايخة.
لوى جانب فمه بابتسامة باردة وهو يعقب:
_ مهي مش نكتة! هو مجرد رد على طريقتك المستفزة، بتساوميني على قهوة! طب خليها حاجة عليها قيمة.
تنهدت بضجر مقررة انهاء الحديث في هذا الأمر، فسألته بهدوء:
_ لا بجد قولي حالتها ايه؟
وهنا كان يجيبها بجدية:
_ زي ما الدكتور قالك على فكرة، هي كانت جلطة بسيطة بسبب دواء معين اخدته، بس الحمد لله لحقوها وهي حاليًا حالتها مستقرة.
_ هي خدت دواء مسكن وكان ضغطها عالي، الدكتور قال مكنش ينفع تاخده والضغط عالي كده، طب هي ليه مبتفوقش؟
رددت الأخيرة بحزن ظهر واضحًا في عينيها، فأجابها بتريث:
_ بصي، الغيبوبة مهاش دليل أبدًا على سوء وضع المريض، أحيانًا بيكون سببها نفسي، وأحيانًا بتكون مجرد راحة تامة للجسم، واوقات تانية بيكون الجسم لسه مستعادش كامل نشاطه، وده غالبًا وضع والدتك، هي لسه جسمها مش جاهز، بس هتفوق في أقرب وقت، يعني يمكن في خلال يومين ان شاء الله، لأن كل المؤشرات الحيوية كويسة.
تنهدت براحة كبيرة وهي تردد:
_ الحمد لله، متتخيلش مرعوبة عليها ازاي.
ابتسم لها بهدوء قائلاً:
_ لا الموضوع مش مستاهل كل ده، الوضع ابسط من كده، أن شاء الله هتقوم بالسلامة.
اومأت برأسها مؤمنه على جملته الأخيرة، ثم نظرت له وهي تمد كوب القهوة ناحيته وتردد بابتسامة:
_ كده حلال عليك القهوة.
التقطه منها وهو يهتف بمرح خفي اظهره في غيظ مصطنع:
_ هاتي ربنا ما يحكمك على ولايا.
ضحكت بخفة وهي تشاركه احتساء القهوة ويتبادلان أطراف الحديث من حين لآخر.
____________
مساءً… تحديدًا في الثانية عشر منتصف الليل..
في أحد الملاهي الليلية في مدينة شرم الشيخ..
وضعت الكأس من يدها وهي تنفض خصلاتها الحمراء المجعدة للخلف، ومشطت المكان بعيناها الخضراء الواسعة قبل أن تنطلق نحو جهتها ألا وهو الحمام، وشفتيها المكتنزة باغراء تدندن مع كلمات الأغنية التي صدحت في أرجاء المكان، حتى وصلت للحمام، دلفت لدقيقة تقريبًا ثم خرجت، لتشهق متفاجئة حين وجدت أحدهم يجذبها من ذراعها لتصبح مستندة بظهرها على الحائط، وهو مقابلها، ملسَ بكفه على وجنتها وهو يردد بسُكر:
_ ايه الجمال ده كله، في حلاوة كده! ما تيجي نسهر مع بعض شوية، هتتبسطي صدقيني.
توترت، وارتبكت من قربه المبالغ بهِ، لتحاول الحديث علّه يبتعد..
_ عديني لو سمحت ميصحش كدة، انتَ فاهم غلط انا مليش في الحاجات دي.
قالتها بارتعاش وهي تحاول الفرار من ذلك السكير الذي احتجزها بينه وبين الحائط، وأين؟ أمام حمام النساء، ياله من عديم تربية!
_ ليه بس دي الحاجات دي حلوة اوي، بعدين ملكيش فيها ايه، هو احنا واقفين في مدرسة ده احنا في كبارية!
رددها بسخرية وهو يقترب منها أكثر واضعًا كفه فوق خصرها لتتململ في وقفتها بخوف وهي تحاول ابعاده عنها بقدر الإمكان ولسانها يردد بدموع:
_ مش كل الي بيروح كبارية له في الحاجات دي، بعدين انا كنت جاية مع صاحبتي بس هي مشيت.. ابعد لو سمحت وسبني امشي.
والعكس تمامًا هو ما فعله حين زاد اقترابه منها ناويًا تقبيلها رغمًا عنها ورغم تململها ومحاولاتها للفرار، وقد بدأت في الصراخ بقوة علَّ أحد ينقذها، رغم معرفتها لاستحالة هذا، فأولاً صوت الأغاني يعلو صوت صراخها بكثير فلن يسمعها أحد، ثانيًا حتى وإن سمعها أحد فكل من هنا سُكارى لن يتقدم أحد لانقاذها وسيظنون أن ما يحدث ملاطفة من نوع خاص بينها وبين رفيقها!
كانت تنشب بأظافرها في وجه علّه يبتعد، لكنه لم يفعل، وبدى على بُعد سنتيمتر واحد من ثغرها المذموم بقوة في محاولة منها لتجنب حدوث ما يريده، وفجأة.. شعرت بأحدهم يجذبه بقوة من فوقها ولكمة قوية كانت كفيلة بطرحه أرضًا مع سُكره، وبعدها وجدت ذلك الرجل يتقدم منها وهو يسألها بحذر:
_ أنتِ كويسة يا أنسة؟
رأته بصورة مشوشة وقبل أن يقترب أكثر أو أن يستمع لاجابتها كانت تسقط فاقدة الوعي بين أحضانه التي اسرعت بالتقاطها..
____________________
وقف أمام الطاولة العريضة التي تفصل بينه وبينهما، ينظر لها بعينيهِ اللتين تحتويها بقدر المستطاع، عقله مازال لا يصدق أنها أمامه ومعه، ومتأكد من أنه بمجرد عودته لمنزله والخلود للنوم، في صباح الغد سيستيقظ خائفًا من أن يكون كل ما عاشه أمس مجرد حلم، لن يقر بواقعيته إلا حين يأتي للمطعم ويراها مرة أخرى، خرج عن صمته وهو يهتف بسؤال هادئ:
– ها كله تمام!؟
رفعا رأسهما له بعدما كانا يعدان أحد المشروبات كي تتعلم “خديجة” أكثر، وقالت “رنا” بابتسامة واسعة ما إن أبصرته:
_ تمام جدًا، خديجة شطورة اوي و بتتعلم بسرعة.
كان ينظر ل “رنا” أثناء حديثها، مما سنح الفرصة ل “خديجة” للنظر إليهِ، ليس لشيء سوى لشعورها بأنها تعرفه، عيناه تشبه.. ربما نسيت كل ملامحه لكن عيناه المميزتان لم تنساهما أبدًا، وكيف تفعل وهي تراهما في كوابيسها شأنهما شأن سارة! غير قلبها الأحمق الذي يخبرها بأنها تعرفه، رأته سابقًا ربما، وقع بصرها عليهِ صدفة ذات مرة! لا تعلم، كل ما تعلمه أنها تشعر بالألفة تجاهه، لدرجة تثير حيرتها بشكل مُربك لقلبها ولعقلها!!
“التواصل الروحي بعضنا يؤمن بهِ والبعض الآخر يعده من الخرافات، وبين هذا وذاك ضاعت الحقيقة، ليبقى لنا خيار واحد لمعرفة الصواب من الخطئ وهو التجربة، التي قالوا أنها خير دليل!”
وتجربة “خديجة” كانت بالفعل خير دليل لحالتها، فقد نجح ذلك التواصل الروحي معها!
انتبهت لجملة” رنا” وهي تقول بود:
_ مش كده وبس، ده احنا كمان بقينا صحاب، مش كده يا ديجا؟
” ديجا” لم يكن عليكِ قولها يا رنا.. أبدًا!
________________
وضعها في فراشه في تلك الغرفة التي أجرها في الفندق الذي هو أحد نزلاءه، وجلس جوارها لعدة دقائق حتى أتاه اتصال هام، فاضطر للخروج تاركًا اياها بالغرفة، مقررًا العودة سريعًا ليعلم قصة تلك الفتاة التي انقذها من حادثة تحرش للتو!
مجرد شعورها بغلق الباب فتحت عيناها سريعًا وهي تثب من فوق الفراش واقفة، واتجهت للباب تضع أذنها فوقه لتجد صمت تام بالخارج فتأكدت من ابتعاده، وهنا بدأت رحلة عملها، اتجهت للخزانة الكبيرة تفتحها فوجدت ضالتها، خزنة صغيرة برقم سري تمتلكه، وضعت الأرقام لتُفتح الخزنة، فعبثت بمحتوياتها حتى حصلت على مبتاغها، اوراق تخص شحنة هامة للمنظمة التي تعمل معها، كان يحتجزها ذلك الحقير ليبعثها للمنظمة التي يعمل لصالحها والتي هي نِدًا للأولى، اغلقت الخزنة والخزانة، واتجهت للباب بعدما وضعت الأوراق في ظهر كنزتها، بين ظهرها وقماش الكنزة المحكوم نهايتها بالتنورة التي ترتديها، اتجهت بخطى حذِرة للخارج حتى اطمأنت للوضع، ففتحت الباب وخرجت بكل ثقة تمشي في طرقات الفندق حتى خرجت منه تمامًا، كانت هناك سيارة تنتظرها فاستقلتها على الفور، لتنطلق بها السيارة بعيدًا، وحينها ازالت ذلك الشعر الأحمر المستعار ليظهر شعرها الأسود وبهِ بعض الخصلات البُنية، وبالمحرمة ازالت مستحضرات التجميل التي غيرت شكلها تمامًا، فظهرت بشرتها الخمرية، ثم تخلصت من لاصق العيون الأخضر لتظهر عيناها السوداء بوضوح، وجدت السائق يمد يده لها بالهاتف، لتلتقطه وهي تجيب على الفور، وبعدها كانت تقول بفخر واعتزاز بذاتها:
_ طبعًا done “تم” يا بوص، ده انا هاجر الحديدي هو انا أي حد؟!!
“إحذر من مكر حواء، وإحذر من برائتها الزائدة، فكلاهما قد يوديان بكَ إلي شر أعمالك!”
……… انتهى الفصل……
بسم الله نبدأ البارت..
الفصل التاسع عشر “مُنقذ”…
“دروس الماضي لا تُهمل، فقط تبقى هناك في أحد خانات الذكريات، وتظهر في الوقت المناسب، تحديدًا في الموقف المناسب تمامًا! ”
انتبهت لجملة” رنا” وهي تقول بود:
_ مش كده وبس، ده احنا كمان بقينا صحاب، مش كده يا ديجا؟
” ديجا” لم يكن عليكِ قولها يا رنا.. أبدًا!
تغيرت ملامحها مائة وثمانون درجة، وجمت بشدة وهي تستمع لِمَ اطلقته” رنا” بكل عفوية للتو، ضغطت على أسنانها بقوة تحاول كبح جماح ذكرياتها كي لا تنفجر الآن في عقلها ونتيجتها لن تُحمد عقباها، لكنها فشلت وهي تستمع لصوته المميز يخرج من بين ذكرياتها وهو يردد نفس الاسم منذُ سنوات عِدة بكنيتها المفضلة له..
“ديجا”.. “ديجا”… “ديجا”..
رفعت رأسها بغتة بعدما كانت تنكسها وللحظة استسلمت لذكرياتها، ولكن لم تترك لذاتها العنان اكثر كي لا تسوء حالتها، وحين رفعت عيناها رأى ما خشاه، رأى غضب مهول سكن نظراتها، وتمرد سافر وهي تقول بابتسامة أدرك حقيقتها الزائفة:
_ متقوليش الاسم ده تاني يا رنا لو سمحتِ.
تفاجئت “رنا” من طلبها، لتسألها مستغربة:
_ ليه؟ ده الدلع الدارج لأسم خديجة.
ضغطت على ذاتها بشدة وهي تخبرها بهدوء يكبح خلفه الكثير:
_ معلش مبحبوش بيضا’ يقني.
اقتنعت “رنا” بحديثها، بل وأيدتها وهي تقول:
_ معاكي حق، انا كمان مبحبش دلع رنوش.. بحسه تقيل على قلبي، بحب رانو اكتر.
ابتسامة لم تصل لعينيها زينت ثغرها وهي تردد:
_ ماشي يا رانو.
ولكنه لم يقبل بنصف اجابة رغم علمه بتكملتها، لكنه أصر أن يسمعها منها، لا يعلم لِمَ! ربما تمنى قلبه الأحمق أن تخالف توقعه وتكمل اجابتها بشيء آخر غير الذي وصل له، وألمه كثيرًا، لذا سألها بمرح زائف:
_ بس اكيد في سر ورا عدم حبك للدلع ده، وعندي فضول اعرف بصراحة.
نظرت له فوقعت عيناها في داخل عيناه تمامًا، وفي تلك اللحظة صور لها عقلها أنها تحدثه هو بذاته “مراد”، ربما لأن عيناه تذكرها بهِ بشكل ما، فوجدت الغضب يشتعل داخلها من جديد وهي تنظر لعيناه مباشرةً هذه المرة وكأنها انفصلت عن واقعها، وهتفت من بين أسنانها بعداء:
_ لأني بكره الي سماني بيه، عشان مش طايقة افتكر اي حاجة عنك حتى لو كان اسمي، لو كنت اقدر اغيره كنت غيرته.. لو كنت اقدر الغي من عقلي كل ذكرياتي معاك كنت عملتها.
كل كلمة منها كانت بمثابة طعنة سُددت لصدره، ملامحه كانت جامدة ولم يظهر بها شيء، ولكن بداخله بركان ثائر من القهر والحزن فقط.. ليس غضبًا عليها ولا منها، الأمر يتعدى هذا بكثير، انتبهت لذاتها على هز “رنا” لذراعها وهي تهتف بتعجب:
_ خديجة مالك؟ أنتِ بتكلمي زين كده ليه؟
انتبهت لأين هي وماذا تقول، لتخفض نظرها لأسفل مستغفره ربها، وقد حدث ما خشته وانفلتت زمام السيطرة على ذاتها من بين يديها، أخذت نفسًا عميقًا ناهره ذاتها بغضب قبل أن ترفع رأسها وهي تتحاشى النظر له مرددة بهمس:
_ أسفة يا جماعة، بس فكرتوني بحاجات مبحبش افتكرها..
رفعت نظرها له بخجل حقيقي وهي تكمل باعتذار:
_ أنا اسفة يا استاذ زين مقصدتش الي قولته.
بالكاد رسمَ بسمة بسيطة على ثغره وهو يردد بوجه واجم:
_ ما قولنا بلاش استاذ.
رفرفت بأهدابها خجلاً وهي تغمغم محاولة تخطي الموقف:
_ أسفة يا زين.
اومئ برأسه وقبضتيهِ ابيضتا من شدة الضغط عليهما، يكبح حزنه وسخطه على ما آلت إليه الأمور، لا يلومها، لكن لا يعرف مَن يلوم؟ كل ما في الأمر انه حزين لحد لا يمكن وصفه، وللأسف في مثل تلك الحالة دومًا ما يلجئ لِمَ ينسيهِ حزنه وقهره، ألا وهو “الخمر” أو ما يسميهِ باللغة الأجنبية العصرية ” فودكا”.. والآن هو في أشد الحاجة إليها، لكن للأسف بقى على انصرافه ساعتان كاملتان.
“ابشع انواع الألم هي ما لا يمكنك التعبير عنها، او يرغمك الموقف على كبت كل ألآمك، البركان حين يثور ولا يجد له مخرجًا يأكل نفسه بنفسه، وهذا ما يحدث معه الآن.
تسلل إلي مسامعهم اصوات متداخله تأتي من الخارج، ورويدًا تميز صوت امرأة تصرخ وصوت هادر لرجل، وكالعادة قادهم فضولهم للتحرك للخرج لعلم ماذا يحدث، والمقصود بهم” مراد و رنا” أما” خديجة” فكانت على عِلم مُسبق بما يحدث خارجًا، فهذا ليس بأمر جديد عليها، او على المنطقة حتى، التي وقف كل من بها ينظر للمشهد بصمت، وبعضهم أخذ يتهامس بعدم رضا ولكن لا يمكنه التدخل.
وكان المشهد كالآتي :
رجل ينهال ض*ربا على امرأة بكل قوته في منتصف الشارع حتى أنه جردها من حجابها، من فرط ما جذبها من شعرها ليكيل لها اللكما’ ت والضر’ بات كما يقول الكتاب، وقفا “مراد ورنا” بدهشة مما يحدث، والأمر كان مختلف لدى كلاً منهما، فهو مندهش أكثر من سلبية الناس الذين وقفوا يشاهدون دون تدخل، والادهى أن المرأة تترجاهم لينقذوها من بين يدي ذلك الوحش المفتر’ س، و”رنا” كانت مندهشة من قسوة ذلك الرجل في ضر’ به فقد بدى كأنه يلاكم رجل مثله! حتى أنه أدمى وجهها من كثرة عنفه!
_ الحقوني يا ناس، الحقوني يا خلق الراجل هيموتني.
صرخت بها تلك المرأة المكلومة، ليزيد ذلك الحقير من ض*رباته وهو يسبها بألعن الألفاظ:
_ بس يا بنت ال*****، ولا دكر يقدر ينجدك من ايدي يا بنت ال**** يا ****.
اشتعلت مراجل الغ’ ضب بداخله وهو يناظر ما يحدث ببركان إن انفجر سيهلك كل من حوله، وهذا المشهد أمامه أعاد له ذكريات لا يريد تذكرها، أعاد له مشاهد كثيرة مشابهة لهذا.. وأحدهم..
كان عام ٢٠٠٥…
كان مازال طفلاً في عامه العاشر، طفل يرتجف بخوف بالغ حين رأى وحشًا يشبه أبيهِ يغلق باب الغرفة عليهما من الداخل، ويلتف له بملامح غاضبة، مش’ تعلة، وبيده يقبع ما يثير ذعره حقًا، ذلك السوط الذي يستخدمه “محمود” في ترويض الأحصنة التي تقبع في اسطبل منفصل مجاور للفيلا، استعاره والده لعقابه!
اقترب بخطوات دبت الفزع في قلب الصغير، كل خطوة منهُ كانت تسقط على قلبه وليست على الأرضية، ويردد من بين أسنانه المطبقة:
_ بقى أنتَ تجيب في الامتحان ٨ من ٢٠! ابن حسن وهدان يبقى اخيب واحد في الفصل!؟ بقى أنا حتة مدرس ابن**** يكلمني ويقولي شِد على ابنك شوية في المذاكرة عشان درجاته وحشة!
وبارتعاش انتاب كل ذرة بهِ كان يجيبه بدموعه الغزيرة:
_ بابا، انا… انا والله مش بفهم من المدرس ده، انا بجيب كويس في كل المواد والله بس.. بس هو… انا مش بفهم منه.
ابتسامة غامضة زينت ثغر الواقف أمامه قبل أن يردد بغموض:
_ لا مانا هعلمك ازاي تفهم، وهعرفك مكانتك ايه والمفروض تبقى ايه.. مش ابني أنا الي يبقى فاشل.
كانت آخر جملة نطق بها قبل أن يلاقي الصغير ما لم يتحمله جسده، وفي غيبات عقله كان يستمع لصراخ والدته من الخارج وض*ربا’ ت قوية فوق الباب حتى كاد ينخلع.. وبنهاية الأمر كان يسقط أرضًا غير قادرًا على رفع يده حتى او فتح عيناه، لم يتقبل ما فعله والده، حتى وإن كان من باب انه يريده أفضل! أو هكذا كان يظن قبل أن يستمع لجملة والده التي قالها حين فتح الباب وأصبح مواجهًا لليلى..
“عشان تفكري ألف مرة قبل ما تقرري من دماغك وتروحي تشتري بيت من ورايا، كنتِ بتفكري في ايه ها؟ إنك هتقدري تاخديه وتهربي؟ إذا كنت عرفت برغبتك في شرى البيت من أول ما كلمتي الراجل عشان تسأليه عن السعر! لا وبتختاريه في اسوان.. قال كده مش هعرف اجيبك؟ غبية يا ليلى، غبية وابنك هيتحمل نتيجة غبائك”
صرخة قهر خرجت منها متبعة بجملتها” ربنا ينتقم منك يا حسن، ربنا ينتقم منك بحق الي بتعمله في طفل ملوش ذنب”.. وكانت الجملة الأخيرة التي سمعها قبل سقوطه فاقدًا للوعي..
الآن…..
عاد من ذكرياته على صرا’ خ المرأة بصوت اعلى، نظر ل” خديجة” ليراها تبكي بصمت دون رد فعل، اقترب منها وهو يسألها بغضب ظهر في نبرته:
_ هم واقفين يتفرجوا عليها؟
نظرت له من بين دموعها وهي تجيبه بقلة حيلة:
_ الراجل ده شراني محدش بيقدر عليه، بلطجي وشايف نفسه، وهي مراته، لما حد بيتدخل بينهم مبيسلمش من أذيته.
جحظت عيناه بقسوة وهو يسألها:
_ هي مش أول مرة؟
نفت برأسها بحزن شديد وهي تجيبه:
_ أول مرة! ده كل يومين كده، واهلها غلابة ميقدروش يدخلوا، يوم ما اخوها اتدخل المفتر’ ي ده ض*ربه لحد ما عمله ارتجاج في المخ، وكانوا هيخسروه.
لا يستطيع الوقوف مكتفي الأيدي، يعلم جيدًا أن الشخص في مثل هذا الوضع يتمنى لو ينقذه أي شخص، واستنجادها ليس مجرد استنجاد عادي، بل يحمل رجاء وتمني أن ينقذها أحد بالفعل، وهو خير من يفهم مثل هذه المشاعر، فكم تمنى في كل مرة يقع فيها تحت يد والده أن تستطيع والدته انقاذه، او يأتي ملاك من حيث لا يدري وينقذه، لذا لن يتوانى عن المساعدة..
ولكن ماذا عنها تلك التي تقبع جواره؟ أراد الظهور أمامها كشخص طبيعي، مسالم، وما سيقبل على فعله لا يمت للمسالمة بصِلة، ولا يريدها أن تخشاه أو يثير ذعرها وشكها تجاه، لذا سيسلك دربًا آخر… ولأول مرة “مراد وهدان” سيحل المشكله بالتفاهم والحكمة قبل أن يستخدم يده او سلاحه!
أخذ خطواته تجاه حتى أصبح قريبًا منهُ، فهتف بصوتٍ مرتفعٍ قليلاً تحت نظرات “خديجة” المندهشة والخائفة من القادم وقد رددت هامسة “يخربيتك هتودي نفسك في داهية”..
_ يابرنس ميصحش كدة، هتموت في ايدك، بعدين مش دي مراتك؟ ازاي تقلعها طرحتها وتهينها كده قدام الناس؟ المفروض كرامتها من كرامتك!
توقف ذلك الجثة الضخمة وقد تركها من يده لتركض سريعًا لوالدتها التي كانت تقف على بُعد، فالتقطتها في أحضانها وارتفع بكاء كلاً منهما بق’ هر، رفع حاجبه الأيسر النصف مقطوع وهو يقول بغلظة:
_ وأنتَ مالك يا ننوس عين أمك، انجر ياض اقف بعيد بدل ما امسح بكرامة اهلك الأرض.
حسنًا… يبدو أن الحِكمة لن تُجدي نفعًا!
_______________
ترجلت من السيارة أمام ذلك الصرح الكبير، والذي يعد قصرًا فخمًا يبين ترف حياة ساكنيه، صعدت الدرجات القليلة حتى وصلت للباب ودقته ففتحت الخادمة على الفور سامحة لها بالدلوف، خطت بكعب حذائها فوق الأرضية المصقولة حتى توقفت حين أبصرته أمامها يجلس باسترخاء وهو يردد ما إن أبصرها:
– Well done baby.
“أحسنتِ حبيبتي”
ابتسامة واثقة زينت ثغرها قبل أن تجيبه وهي تجلس فوق الكرسي المقابل له:
_ تلميذتك يا دياب باشا.
مدَ يده لتعطيه ما حرزته، افتر ثغره عن ابتسامة قبل أن يمد أصابعه في جيب سترته ويخرج ورقة صغيرة مدها لها وهو يقول :
_ اتفضلي، حقك وعليهم ٥٠٠ الف زيادة لسرعة تنفيذ المهمة.
نظرت للورقة التي بيدها بابتسامة وهي ترى رقم ثلاثة وزُين بستة أصفار تجاوره، ثم نظرت له وهي تغمز بمكر:
_ جوجو دايمًا في الخدمة.
ضحك مقهقهًا وهو يهز رأسه متفهمًا وقال:
_ اممم، مادام فيها ملايين هتكوني في الخدمة طبعًا يا بيبي.
نهضت بعنجهية وهي تعقب:
_ دياب باشا كلنا بنسعى لمصلحتنا، مش في حب الوطن!
ضحك “دياب” على جملتها واومئ برأسه مأكدًا صِدق حديثها، فأكملت بجدية:
_ ميعادنا النهاردة هو هو ولا اتغير؟
وبنفس الجدية أجابها:
_ لا هو هو، حضري نفسك كويس.
التوى فمها ساخرًا وهي تخبره:
_ مش مهم انا يا باشا، المهم حضرتك تحضر نفسك لضبط الأعصاب، حضرتك عارف لو أعصابك فلتت لما تشوف ابن وهدان هتحصل كا’رثة والعملية مش حِمل غلطات.
اشت’ علت عيناه على ذِكر غريمه، لكنه ردد بهدوء خارجي:
_ متقلقيش، ولا هيهزني.
رفعت حاجبيها بعدم اقتناع:
_ اتمنى.
قالتها وانطلقت بعدها للخارج، تاركة إياه سابحًا في ذكرياته مع غر’ يمه، عداء بدأ منذُ سنوات وامتدَ للأن، يعترف أن نقطة البدء كانت من عنده، ولكنه لم يتحمل أن يأتي شاب اصغر سنًا وأقل خِبرة وتُسلط الاضواء عليهِ في المنظمة، حتى بعد أن كان نجمها الساطع أصبح مجرد كومبارس!
نهض بطوله الفارع، ممرًا أصابعه في خصلاته السوداء القاحلة، وعيناه ذات اللون الرمادي الداكن تلونت بنظرات حاقدة، يتمنى لو يصبح ابن وهدان ذات يوم بين قبضته.
______________
ضغط على شفته السفلى بأسنانه يكبح غض’ به، لكن لم يستطع بعد جملة الآخر المستفزة لرجولته، لمح بطرف عينيهِ تقدم “مينا” ورجل آخر من رجاله، ليشير له بعينيهِ ألا يتدخل، فتوقف الآخر محله مرغمًا، اقترب رافعًا أكمام قميصه الخاص بالمطعم بحركات رتيبة، حتى جعله عند كوعيهِ…
اقتربت “رنا” من “خديجة” القلِقة مما سيحدث، لتهمس لها بحماس:
_ تفتكري هيض*ربه؟
رمقتها “خديجة” بجانب عينيها بضيق وهي تجيبها ساخرة:
_ لا، بيشمر عشان يغسله المواعين.. نقطينا بسكاتك.
ذمت “رنا” شفتيها بضجر وهي تلتزم الصمت وتتابع ما يحدث.
اصبح أمامه تمامًا، ورغم أن الآخر يفوق” مراد” طولاً بخمس سنتيمترات تقريبًا، ألا أن “مراد” بدى مناطحًا له، نظر في عيناه بقوة، عيناه التي أصابت قلب الأخيرة برجفة لم يعلم مصدرها، لكن يعترف أن عين هذا الرجل الواقف أمامه مخيفة، بظلمتها التي زينتها الآن، وهسيسه الشابة بالفحيح الذي تسلل لمسامعه وهو يقول:
– واضح إنك واد ابن**** و*** مينفعش معاك الذوق، مين الي ننوس عين امه يابن ال*** يا***.
ورغم قل’ ق الواقف أمامه منهُ إلا أنه استشاط غضبا من كم الإهانة التي تعرض لها من ذلك الغريب، فرفع قبضته وبكل غِل كان يطيح بوجه “مراد” للجهة الأخرى..
_ هو بيقوله ايه؟
تسائلت بها “رنا” بفضول حين رأت وقوف مراد أمام ذلك الضخم ويهمس بكلمات غير مسموعة، لتجيبها “خديجة” بتوقع:
_ شكله بيحاول يتفاهم معاه.
وحين أنهت جملتها حتى شهقت الفتاتان بقوة بعدما لكم ذلك الرجل “مراد” وجهر بصوته وهو يقول:
_ مش مجدي الوحش الي يقف قدامه عيل زيك ياروح امك.
اعاد “مراد” وجهه له وقال بهمس ونظرات الم’ كر لمعت في عينيهِ:
_ غلِط.. وكنت مستنيك تغلط.
وبدأت الحرب بلكمة قوية سددها مراد للوحش في وجهه أسفرت عن خروج دما’ ء من فمه، وبعدها لم يعرف الوحش من أين أتت اللكمات والركلات حتى بات يشعر كأن من يضر’ به أكثر من شخص، لأنه لا يعلم أكثر المهارات التي تميز “مراد” ألا وهي السرعة.. سريع كالبرق.. وقوي كالرعد، وبعد دقيقتان كان “الوحش” ملقى فوق الأرض بأنفاس لاهثة، عدلَ “مراد” من ثيابه ومالَ عليهِ هامسًا:
– عرفت مين ننوس عين أمة يا حليتها!
واستقام بعدها ناويًا التراجع لكنه توقف على صوت المرأة حين ركضت ناحيته تترجاه:
_ ابوس ايدك خليه يطلقني، ابوس ايدك انجدني منه، بقالي سنة بطلب الطلاق ومش عاوز وبيهددني لو رفعت عليه قضية .
عاد الغضب يشتعل بعينيهِ فأشار لها بالتراجع:
_ ارجعي ورا..
وبالفعل تقهقرت للخلف، حتى بات هو والوحش في نطاق ضيق منفردين، انحنى عليهِ مرة أخرى وفي الخفاء وبمهارة أخرج ذلك السلاح ذو النصل الحاد “مطواة” من جوار قدمه وغرزه بجانب الآخر المقابل له وهو يهدده:
– ها الطلاق ولا غزة تشيلك الطحال! او يمكن تيجي في مكان حيوي وتموت.
تردد في رد فعله، أراد الغد’ ر بهِ، فعاد “مراد” يهدده بعدما قرأ عيناه:
– صدقني مش هتلحق ترفعك دراعك حتى ومطوتي هتسبقك، ومحدش من الي حولينا هيشهد معاك لو فضلت عايش، اصلهم بيحبوك اوي.
وبالفعل بعد ثواني حين شعر بسِن النصل يصل لجلده كان يهتف بصوتٍ عالٍ وُصم بالق’ هر والذل لرجل لطالما كان عزيزًا بين ناسه، ولم يستطع أحد منهم رفع عينه فيهِ، حتى أتى هذا الغريب:
_ أنتِ طالق…
_ بالتلاتة يا برنس.
رددها “مراد” بأمر، ليرغم الوحش على قولها:
_ طالق…. طالق بالتلاتة.
_ اسمك ايه بقى!؟
نظر له “مجدي” بتوعد قرأه “مراد” بوضوح فابتسم ساخرًا:
_ مجدي… مجدي الوحش.
رفع حاجبه مستنكرًا:
_ وحش!! ماشي يا دودو..
ونهض بعدما اخفى سلاحه بمهارة، ووقف عائدًا للمطعم وهو يستمع لرنين صوت زغردة المرأة، وكأنها حُررت من محبسها، وقف أمامها تمامًا، مبتلعًا ريقه بوجل من رد فعلها، لطالما اخبرته أنها لا تفضل العنف مهما كان السبب، خشى أن تكون قد أخذت منهُ موقفًا بسبب ما فعله، فبدى كطفل صغير يبرر لوالدته كي لا تغضب وهو يحاول التبرير لها:
– مكنتش هض*ربه، هو الي ضر’ بني الأول و…
قاطعته وهي…..
……… انتهى الفصل……
خطوة إيجابية…
الفصل العشرون..
ونهض بعدما اخفى سلاحه بمهارة، ووقف عائدًا للمطعم وهو يستمع لرنين صوت زغردة المرأة، وكأنها حُررت من محبسها، وقف أمامها تمامًا، مبتلعًا ريقه بوجل من رد فعلها، لطالما اخبرته أنها لا تفضل العنف مهما كان السبب، خشى أن تكون قد أخذت منهُ موقفًا بسبب ما فعله، فبدى كطفل صغير يبرر لوالدته كي لا تغضب وهو يحاول التبرير لها:
-مكنتش هض*ربه، هو الي ضر’ بني الأول و…
قاطعته وهي تبتسم في وجهه مرددة بسعادة:
_ لو كنت اعرف إنك هتقدر تض*ربه مكنتش منعتك من الأول، بس خوفت ليعملك عاهة، لكن برافو عليك.
_ عاهة!
رددها غير مصدقًا لردة فعلها وهو يضحك باندهاش، لم يتوقع أبدًا ما قالته، توقع أن تثور إن لم يعجبها الأمر، أو تصمت إن لاقَ لها، ولكن أن تُثني عليه! عجبًا!
اومأت برأسها وهي تردد بتأكيد:
– اه عاهة، يعني يكسرلك ايد يخبطك بمطوة في وشك كده يعني.
ضحك بشدة فبدى وسيمًا بحق.. وهذا ما خطر بعقلها أول ما رأت ضحكته التي زينت وجنتيهِ، فطالعته بنظرة بلهاء قبل أن يفصلها حديثه بعدما تحكم في ضحكته التي خرجت من قلبه:
_ أنتِ شرحتيني وأنا واقف! بعدين معقول فاقده الأمل فيا للدرجادي!؟
ابتسمت له بلطف وهي تعقب:
_ لأ، بس عارفه الوحش كويس، انسان متوحش صدق من سماه الوحش بصحيح، محدش بيدخل معاه في خناقة غير لما يطلع خسران، خسران ايد، خسران عين كده يعني.
ذم شفتيهِ بلامبالاة واستخفاف مرددًا:
_على فكرة هو مش بالخطورة دي، بس اكيد الي كانوا بيقفوا قصاده هفق اوي.
رفعت منكبيها وهي تجيبه بعدم اهتمام:
_ يمكن، يلا بقى نشوف شغلنا.
أشار لها بيده في لباقة لتتقدمه، فابتسمت له بلطف وهي تتجه لداخل المطعم بعدما تفرق الجمع المتجمع يشاهدون تلك المشاجرة التي علىَ صوتها حتى سمعَ أركان الحي.
_______________
الثانية صباحًا…
تحركت السيارات الخاصة ب”مراد” ورجاله، والتي بلغت ثلاث سيارات، في كل منهم ثلاث رجال، وأحدهم كان يقبع فيها “مراد” في المقعد الخلفي، متناولاً بين إصبعيهِ لفافة من التبغ الفاخر، ينفس دخانها بتروي وشرود، وعيناه تتابع خارج النافذة، اليوم ولأول مرة يكن يوم جيد ويمر بسلام على هذا النحو، أول مرة مع انتهاء يومه يتمنى لو يعيده من جديد، وبالطبع أقصد لأول مرة منذُ عشرة أعوام، لأول مرة يشعر بالسلام الداخلي وإن لم يكن بدرجة كبيرة، ولكنه قد زاره على الأقل! يحاول جاهدًا أن يتجنب تذكر حديثها عنهُ وملامحها التي قست وتغيرت حين ذُكر كنيتها المحببة له، سيتجنب كل هذا ليكن اليوم هو يوم سعده! اليوم الذي قابلها فيهِ بعد كل ذلك الغياب، اليوم الذي غرد صوتها في حياته مرة أخرى، وشعر بأنفاسها قريبة منهُ، ورأى ابتسامتها، واجتمعت عيناها بعينيهِ، فقط سيتذكر كل هذا..
تناول كوب “الخمر” الموضوع في المكان المخصص له في السيارة أمام مقعدة وتناوله ببطئ متلذذًا بهِ، وما إن خطر بعقله حديثها معه حين انتهى من الشجار مع ذلك الوحش كما يقولون، وردة فعلها الغير متوقعة حينها ولكنها كانت طريفة بالنسبة له، انزل الكوب من على فاهه وقد ابتسم ثغره بتلقائية.
ضيق “طارق” حاجبيهِ مستغربًا حين رأى ابتسامته البسيطة في مرآة السيارة، ولم يستطع كبح فضوله وهو يعلق:
_ خير ياباشا؟ أنتَ كويس؟
انتبه له “مراد” فنظر له بجبين مقطب باستغراب، وكأنه يسأله عن مقصده دون حديث، وقد فهمه الآخر على الفور فوضح قائلاً:
_ اصل لقيت حضرتك مبتسم!
كان يتحدث وكأنه قد رأى أعجوبة من عجائب الدنيا! او وكأن الابتسامة توشي بمرض ما!
اختفت ابتسامته وهو يطالعه بجانب عيناه بحدة ولسانة يتولى الرد:
_ خليك في حالك.
امتعضت ملامحه وهو يعاود النظر للأمام هامسًا لذاته بنزق:
_ كل مرة فضولك يجبلك التهزيق وبرضو مفيش فايدة فيك.
_ بتقول حاجة؟
رددها “مراد” متسائلاً بتهديد مبطن، التقطه “طارق” بوضوح فقال سريعًا رغم امتعاضه:
_ لا ياباشا تسلم.
رفع الكوب لفمه مرة أخرى مرتشفًا بهدوء بعدما ظهرت السخرية على وجهه لرد فعل الأول، عاود النظر من النافذة حتى يصلوا لوجهتهم.
بعد عدة دقائق كانوا يصلون لمحل التسليم، ترجل “طارق” فاتحًا الباب لرب عمله، فترجل الآخر بعنجهيته المعروفة، كانت ملامحه جامدة حتى وقع بصره على “دياب” ورجاله الواقفين في انتظار وصول جميع الأطراف، ازاداد جمود ملامحة وباتت عيناه داكنة مُنذرة بما يعتمر دواخله من غضب وتحفز، القى بلفافة التبغ فوق الأرضية والتي تُعد العاشرة تقريبًا خلال الطريق فقط، ودهسها بحذائه، قبل أن يتجه وخلفه رجاله ناحية “دياب”.
والآخر لم يكن أقل منه غضبًا أو تحفزًا، بل وقف بجسد متشدد ينتظر إقبال عدوه اللدود، عدة خطوات فصلت بينهما حتى أصبح “مراد” قريبًا منه، وما جمده محله هو وقوف الآخر محله دون أن يعطيه أي اهتمام، وقف فقط ينتظر قدوم الطرف الآخر، وهذا ما جعله لا يستطع الوقوف صامتًا، فانطلق الحديث من فاهه وهو يقول بصوتٍ عالٍ:
_ جرا ايه يابن وهدان مش مالي عينك الي واقفين!؟
كل ما نُتج من رد فعل من “مراد” هو رفعة حاجبه الأيسر ساخرًا ولم يعلق، بينما ألقى “طارق” نظرة عليهم بجانب عيناه لتصطدم عينيهِ بعيني “هاجر” صدفة، فرمق كلاً منهما الآخر بنظرة نارية قبل أن يشيحا بأنظارهما بعيدًا.
طحن أسنانه بغيظ من تجاهل الأول له، وكاد يتحرك قابضًا على سلاحه ناويًا الفتك برأس ذلك المغرور، ولكن قبضة “هاجر” على ذراعه هي ما اوقفته، ورفعت ذاتها لمستوى أذنه هامسة له:
_ اهدى يا باشا عشان اي مشكلة هتحصل من ناحيتك البوص مش هيعديها، وخصوصًا ان محذرك كذا مرة من أي مشكلة تحصل بينكوا.
أدخل سلاحه في حامله مرة أخرى وبداخله يشتعل غيظًا ولكن ماباليد حيلة، لا يستطيع الدخول في مشاكل الآن خصوصًا وذلك الماكر يعرف جيدًا كيف يُخرج ذاته منها، ويُلقي بكل الذنب على عاتقه هو.
وصلَ الطرف الآخر بعدما أرست السفينة في مرساها على الميناء، وبمساعدة بعض الفاسدين كان وصولهم لهذه النقطة أمرًا يسيرًا، بدأت الرجال في إنزال البضاعة من السفينة وبالطبع قد حصلوا على إذن الجمارك للمرور! ودون فحص كانت تُنقل البضاعة من السفينة للسيارات الضخمة التي أتت بصحبة “دياب” لتحمل البضائع..
اقترب ذلك الرجل الذي تعدى الخمسون من عمره، مرتديًا قُبعة كلاسيكية قليلاً، وبذلته وحذاءه أوحوا بمدى ثراءه، وقف يمرر عيناه الزرقاء عليهم جميعًا حتى استقرت على “دياب” الذي يعرفه فقال بلكنته الاسبانية:
_ مرحبًا سنيور دياب.
اقترب “دياب” مصافحًا اياه بود وقال:
_ مرحبًا سنيور باولو.
اخذهما الحديث لدقيقتان ربما، قبل أن تقطع عيني “باولو” على “مراد” الواقف على بُعد يتابع نقل البضائع ويتحدث مع رجل يقف جواره، أشار عليهِ بعيناه وهو يسأل:
_ ما أمر ذلك الرجل؟ لثالث مرة أراه يأتي معك لإتمام المهمة، ما وظيفته؟
تأفأف “دياب” من ذِكر سيرته لكنه وضح بضيق:
_ مساعد لي، ينتهي عملي هنا، اما هو فيصل البضاعة للمخازن.
اومئ برأسه يغمغم:
_ تقصد إجراءات الدخول للميناء وايصال المال لي هذا تخصصك، وهو فقط ينقل البضاعة.
اومئ برأسه مؤكدًا، ليكمل باستغراب:
_ ولِمَ لا يتعلم إتمام المهمة بأكملها، بدلاً من إنشغالكما كليكما؟ أم أنه غير جدير بالثقة؟
نفى برأسه معقبًا:
_ ليس الأمر هكذا، فقط في العمليات الضخمة كهذه، لا يقبل الرئيس بأي أخطاء محتملة الحدوث، لذا فارسالي يطمئنه أكثر بأن كل شيء سيسير على ما يرام، لكنه يقوم ببعض العمليات البسيطة بمفرده.
هز “باولو” رأسه بعدم اقتناع وهو يقول:
_ربما لكن أظن أنه قادر على القيام بأي عملية مهما بلغت ضخامتها، يبدو أن شخص مُحنك.
_ربما.
رددها “دياب” بعدم رضا عن الحديث بأكمله، وغضب من ذِكر ذلك الأحمق في كل شيء يخصه، لا يعلم لِمَ عليهِ دومًا لفت الأنظار!
اخرج حقائب المال وسلمها ل”باولو” الذي أشار ل “مراد” بالوداع قبل أن يذهب، فأكتفى الأخيرة برفع يده مودعًا دون اهتمام، تحت نظرات “دياب” الحارقة، وما إن تم نقل البضائع للسيارات، حتى اتجه “مراد” لسيارته متجنبًا الحديث مع ذلك الأبله حتى لا يحدث ما لا يُحمد عقباه.
_____________
اليوم التالي عصرًا..
انهت جميع الكشوفات ودلفت لغرفة الطبيب لتخبره:
_ الكشوفات خلصت يا دكتور.
اومئ برأسه وهو يستعد للملمة أشيائه بينما يقول لها:
– تمام، لمي حاجتك عشان تقفلي.
لم تتحرك بل بدأت في فرك كفيها بتوتر، مما جعله يرفع رأسه مستغربًا وقوفها والحيرة التي بدت
على ملامحها، فسألها:
_ في حاجة يا خديجة؟
اومأت برأسها، وأخذت نفسًا عميقًا تزفره على مِهل وهي تقول:
_ بصراحه يعني.. كنت بستأذن لو ينفع أخد جلسة دلوقتي؟
لم يبدي لهفته الداخلية بل بدى ثابتًا تمامًا وهو يشير لها لتجلس على الكرسي المقابل:
_ اتفضلي.
جلست أمامه والتوتر يحيطها، لا تعلم إن كانت هذه الخطوة في صالحها أم لا، وكأن الطبيب “كمال” شعر بما يجوب بداخلها، ولم يريد أن يترك له الفرصة للتراجع، لذا قطع تفكيرها وهو يحثها على الحديث:
_ ها يا خديجة تحبي نبدأ منين؟
أخذت نفسًا عميقًا وهي تقرر الحديث وليحدث ما يحدث، فلن يكن الأمر أسوء مما هي بهِ، لا يراهقها رؤية “سارة” قدر ما يرهقها الكوابيس التي تراودها كل يوم في منامها، وحقًا تريد التخلص منها:
_ أنا مش عارفة ابدأ بأيه؟
_ لسه بتشوفي سارة؟
ساعدها هو في البدأ وقد القى بسؤاله، لتومئ برأسها وهي تبتلع ريقها وبدأت تقول:
_ ايوه، لسه بشوفها، وبحلم بيها في كوابيسي، وده تاعبني اوي، حاولت اتعود على وجودها، بس في الكوابيس لا، مش قادرة، بقيت بكره النوم عشان بس ماشوفهاش.
_ ليه قررتي تكدبي عليَّ وتقولي إنك بطلتِ تشوفيها.
احنت رأسها وهي تقول بخجل:
_ بصراحة أنا كنت زهقت، كنت بقالي سنة بتعالج عند حضرتك ومفيش نتيجة، حسيت ان الموضوع مش جايب همه، كل الي بعمله إني بعري نفسي قدام حد تاني..
قطب حاجبيهِ بدهشة لمنطقها وقال:
_ تعري نفسك! انا دكتور ودي شغلتي إن اعرف كل الي بيحصل معاكِ عشان اقدر افهم حالتك ومشاكلك فاقدر اعالجك، وبعدين كنتِ عاوزه تتعالجي ازاي بسرعة وأنتِ كنتِ مصممة تخبي وتكدبي؟ من أول مرة جيتِ فيها هنا وانتِ مبتقوليش كل حاجة.
احتل الحزن ملامحها وهي تقول:
_بالنسبة ليا، فأه تعتبر تعرية، حكايتي مش زي اي حد، ولا حكاية عادية مجرد كلاكيع نفسية وتعدي، الموضوع اكبر واعمق من كده.
عقب بدون اقتناع:
_ حتى لو، انا دكتور نفسي يعني مهما كانت مشاكلك مينفعش تخبيها عليَّ، مش هتكوني اكتر من واحده جت تعترفلي بخيانتها لجوزها مع صاحبه! صح ولا ايه؟
ارتفع حاجبيها ذهولاً وهي تسأله بعدم تصديق:
_ ده بجد؟ وجت حكتلك؟
اومئ بتأكيد:
_ كانت ذكية وفهمت إن مفيش داعي تخبي عليَّ، وانا المفروض اساعدها.
تسائلت بفضول:
_ وعملت ايه معاها؟
اكتفى برد مختصر وهو يخبرها:
_ ساعدتها.
علمت من اجابته أنه لا يريد البوح بما هو أكثر، فالتزمت الصمت حيال هذا الموضوع، وسألته بحيرة:
– عاوزني ابدأ بأية؟
_ اللي يريحك، بس لو بتسأليني عن فضولي كشخص بيسمعك، ففضولي متجه أكتر انه يعرف مين مراد وبيمثلك ايه بالضبط!؟
هزت رأسها بسخرية واضحة وهي تجيبه:
_ كنت عارفة انك حابب تعرف ده اكتر من اي حاجة.
_ يمكن عشان حكايته غامضه بالنسبالي، وكل الفترة الي فاتت بسأل نفسي اي ممكن يخلي طفلة تكره طفل بالشكل ده؟
بداخلها صوت يصرخ بها ألا تبوح بسرها الخطير، وآخر يخبرها أن الأمر لن يصبح أسوء مما هو الآن، تريد التخلص من كل شيء يرهقها، تريد القاء ذلك الثقل الذي يثقل كهليها بعيدًا بأي ثمن حتى وإن كان سينتهي بسجنها..!
_ مراد هو صديق طفولتي زي ما حكتيلك، وكل حاجه قولتهالك عنه حصلت فعلاً، من وقت ما وعيت على الدنيا واعرف أميز الأشخاص، ومراد كان أقرب حد ليَّ أو بمعنى أدق كان كل حاجة ليَّ، لحد مابقى عندي ٨ سنين..
ابتلعت ريقها بوجل وهي مقبلة على الحديث عن أكثر جزء شائك في الحكاية، تغيرت ملامحها واحتلها التوتر مع سحابة حزينة عبرت بعينيها مع ذكرى ذلك اليوم المشؤوم، أغمضت عيناها لبضع ثواني كي تستعد للسرد، حتى نطق لسانها أخيرًا وهي تقول بصوتٍ متحشرجٍا أثر اختناقها بالذكريات:
_ كنت بلعب ما أختي سارة واتخانقنا فزقتني ووقعتني على الأرض واتعورت، وقتها هو جه وشافني وأنا قولتله انها وقعتني واتعورت بسببها، حاولت تنكر وتقوله انها مكنش قصدها توقعني بس انا كدبتها وقولتله انها كانت قاصدة، وقتها خدني يطهرلي الجرح وفضل يقولي كلام غريب زي اني مينفعش افضل اسيب حقي، وكان باين انه متضايق من الي حصل، وبعدها….
صمتت تتذكر تلك الذكريات المؤلمة والتي لم تنساها منذ يومها…
في عام ٢٠٠٨……
قرر عقاب “سارة” عما فعلته ولكي يعطيها درسًا يردعها عن أذية “خديجة” مرة أخرى، لذا وضع خطة مُحكمة لتنفيذ العقاب الذي خطر بعقله….
أخبرها أنه سيبقيها لدقائق فقط في الخزانة التي تقبع في المخزن والتي هجرت منذً زمن، فقط لتشعر بالخوف وتبكي وهكذا تكون قد استردت حقها… بسهولة كانا يستدرجناها للمخزن، وبسهولة أكثر كانت تدلف معه لتلك الغرفة القديمة، لم ترى نظرة عيناه الغريبة، ولا تمريره للسانه بدائرية داخل فمه، ولا إمالته لرأسه لليمين قليلاً.. وفجأة وجدت ذاتها تُدفع عنوة للخزانة ويغلق عليها الباب من الخارج بالمفتاح دون اهتمام لصراخها المرتعد.
_ حصل ايه؟
تسائلت بها بقلق بالغ حين خرج لها، ابتسم ورد بهدوء:
_ كله تمام… خمس دقايق وهنخرجها.
توترت نظراتها أكثر وهي تسأله بخوف:
_ مش كتير؟
ذم شفتيهِ بلامبالاة:
– لا، بيقولوا الانسان يقدر يعيش من غير تنفس ل ١٠ دقايق.
واكتفى بهذه المعلومة دون إكمالها قاصدًا.. فلم يخبرها مثلاً أن علميًا بعد ثلاث دقائق من عدم التنفس قد تبدأ بعض أنسجة المخ في التلف، وأن الإنسان أقصى مدة قد يتحملها دون تنفس لا تصل للعشر دقائق بل هي لا تتعدى الخمس سوى بدقيقتان او ثلاثة.. وإن وصلت للعشر سيكون ميتًا حتمًا.
وبالداخل أخذت تض*رب بقبضتيها على الخزانة برعب وهي تصرخ:
_ افتح الباب، حرام عليك هموت.. حد يلحقني انا بتخنق والله.. مرااد!!!
وبالفعل كانت تشعر بأنفاسها تثقل، وضيقها ورعبها من المكان أزادوا شعورها..
لتصرخ ثانيًة:
_ أنا أسفة، والله ماهضايقها تاني.. افتحوا الباب بقى.. خديجة.. خديجة افتحيلي بالله عليكِ، عشان خاطري..أنا أسفه.. افتحوا بقى..
ولكن لم تسمع ردًا، أو صوتًا يدل على اكتراث أحدهم.
بالخارج استمعت لحديث شقيقتها، لتدمع عيناها وهي تنوي الدلوف لها:
_ لا كفاية كده.. دي خايفة اوي.
امسك ذراعها يوقفها لتنظر له، فنظر لعيناها مباشرةً وهو يقول:
_ لما تنوي تاخدي حقك متجيش في نص الطريق وتترددي.. ومتسمحيش لقلبك ومشاعرك يتحكموا فيكِ.
ردت بتبرير وعيناها تنظر للداخل:
_ بس دي خايفة اوي حرام كده.. كمان خايفة يحصل لها حاجة.
احتدت نظرته وهو يسألها كأنه لم يسمعها:
_ سمعتِ قولت ايه؟
وبقلة حيلة كالعادة تستمع لحديثه وكأنه شيطانًا ما يوسوس لها وهي تقتنع فورًا! فأومأت برأسها وهي تقف بجواره صامتة..
عادت من ذكرياتها بأنفاس متسارعة ودموع سقطت كالأمطار، وأصبحت تتحدث بسرعة وانهيار وهي تكمل سردها:
_ مكنتش اعرف انها هتموت.. سكت ومقدرتش اخالفه وادخل انقذها، بس لو كنت اعرف انها هتموت كنت دخلت وانقذتها والله ومكنش همني هو، بس انا.. انا فكرت اننا بنعاقبها بس، والله ماكنت اعرف انها هتموت…
رددتها بانهيار وجسدها بدأ بالاهتزاز بشكل مقلق، فنهض “كمال” ليجلس قبالها ومد يده لها بكوب ماء، فأخذته ترتشف منه بسرعة وهي تسمعه يقول:
_ اهدي، كل الي بتحكيه ده خِلص وانتهى، مفيش داعي للتوتر والانهيار ده.
نفت برأسها بعدما أنزلت الكوب من على فمها وقالت:
_ لا، منتهاش، عمره ما كان ماضي بالنسبالي، ومش عارفة الوم مين، الومني عشان سكت وشاركته في جريمته ولا ألومه لأنه السبب وهو الي عمل كل ده، هو السبب في كل العذاب الي أنا فيه.
لم يهتم لحديثها الآن، وسألها عن شيء آخر حين قال:
_ قوليلي، حصل ايه بعدها، اتعامل معاكي ازاي؟ وبعدتِ امتى وازاي؟
اكملت السرد حتى آخر ليلة جمعت بينهما، هوت دموعها وهي تقول بقلة حيلة:
_ كان صعب عليَّ البُعد، بس مكانش قدامي حل تاني، خوفت.. خوفت على نفسي ومبقاش مصدر آمان ليَّ..
قاطعها وهو يعقب ذاهلاً:
_ خوفتِ! ده عشانك؟ خوفتِ ليه؟ أصلاً خوفتِ ازاي!! ده كل الي عمله كان عشانك، تفتكري بعد كل ده كان هيأذيكِ!؟
نظرت له حائرة، ورفعت منكبيها بتشتت وهي تجيبه:
_ مش عارفة، بس الي مرة ألف.
هز رأسه نافيًا:
_ يمكن، بس الي عشانه، عمرك شوفتي قطة بتدافع عن ولادها وتخربش شخص حاول يأذيهم وبعدها هي تأذيهم! اكيد لأ، بس هتأذي اي شخص يحاول يقربلهم.
وكأنها حصلت على مفتاح حيرتها، لتقول سريعًا:
_ يمكن فعلاً خوفت يكرر ده حتى لو مش معايا، لمجرد انه حد فكر يأذيني يبقى أنا كده هعيش مع قاتل ومجرم! هخاف اتعامل مع البشر بسببه.
أشار لها بسبابته وهو يقول:
_ ده تفكير خديجة الانسة الي قاعدة قدامي، لكن تفكير خديجة الطفلة الي هربت مكانش أي حاجة من الي بتقوليه ده.. هي فعلاً وقتها خافت على نفسها منه، حتى لو مش منطقي، فهي مجرد طفلة مش هتعرف تحلل الأمور بشكل سليم، فالسؤال المهم هنا.. ندمانة إنك هربتي؟ أو لو رجع بيكِ الوقت لورا هتهربي برضو؟ ولا هتفضلي معاه وتحاولي تغيريه؟
نفت برأسها بقوة وبثبات على موقفها اخبرته:
_ههرب، ببساطة لأني وقتها كنت طفلة متفهمش في كل ده، ولو هرجع لورا ب تفكيري دلوقتي، فأنا واثقة انه بقى شخص غير سوي، معرفش وصل لفين، بس الي متأكده منه انه عمل جرايم تانية.
سألها “كمال” مضيقًا ما بين حاجبيهِ:
– ازاي؟ إذا كان السبب الأساسي لجريمته الي هو أنتِ مبقاش موجود.. عنده حد تاني يعمل ده عشانه؟
أوضحت وهي تنفي برأسها:
_ مقصدش بالجرايم تحديدًا، أنا أقصد إنه أكيد أذى ناس تانية، مراد من صغره اتربى على العنف، وكلامه الي كان دايمًا يقولهولي عن أخد الحق ده خير دليل.. أكيد أذى كل شخص جه على حقه في يوم.
باغتها بسؤال جعل تنفسها يقف لثانية قبل أن تعاود التنفس من جديد ولكن هذه المرة باضطراب شديد، وبهتت ملامحها حين قال:
_من جواكي نفسك تشوفية؟ او على الاقل بتتمنى لو القدر يجمعكوا تاني؟ او بلاش كل ده، وقوليلي هتعملي ايه لو مراد لاقاكي بالصدفة؟ او تتوقعي هو هيعمل ايه؟
تضاربت الأفكار في رأسها، وبدأ عقلها يصور لشكل اللقاء بينهما، وللأسف ولا صورة خرجت جيدة، فواحدة تخيلت أنه يصرخ بها لغدرها قديمًا وينتهي الأمر بصفعة مدوية، وأخرى كان اللقاء بين شد وجذب منهما، هو يريدها أن تذهب معه، لهناك حيث تلك الفيلا التي شهدت شقيقتها وصمتها عن حقها، وهي ترفض وتتعنت لينتهي الحال بأخذها عنوة، وأخرى.. وأخرى.
_ روحتي فين!؟
رددها “كمال” بتنبيه، لتفيق من شرودها ورددت فورًا:
_ مش عارفة.. بس أنا عيشت عمري بتمنى مشفوش تاني، عشت عمري جوايا احساس بالهرب من كل مكان بروحه خوف انه يكون عرف طريقي.. يمكن مراد كان هاجس ليَّ، هاجس ملازمني دايمًا بأنه هيوصلي…. لو لاقاني!
رددتها بتية واضح، وشردت لثانية واحدة كأنها ترى الحدث أمامها، وقالت:
_ اكيد هيأذيني، مراد مبيسبش حقه، وانا عارفة إني أذيته، عارفة إني غدرت بيه، أو على الأقل ده من وجهة نظره.
_ ووجهة نظرك أنتِ!؟ مش شايفة إنك أذتيه؟ أذيتي انسان حبك وكنتِ كل حياته؟ كنتِ قاعدة بترتبي معاه خروجه حلوه لتاني يوم وأنتِ عارفة أنه مش هيحصل وأنك هتهربي قبلها! مش حاسة إن أيًا كانت مبراراتك فأنتِ كسرتي قلبه!؟
قال “كمال” حديثه سريعًا كأنه لا يعطيها الفرصة للمقاطعة، وانتظر ردها الذي طال قليلاً قبل أن تقول بتذبذب واضح:
_ يمكن كل ده صح، بس الحكاية سلاح ذو حدين، كل ناحية منه مؤذية، ناحية مؤذية له فعلاً، والطرف التاني مؤذي ليَّ.. عارف الوضع بينا عامل زي إيه، زي انسان مطعون بالسيف، ومن حبه في شخص تاني قام وحض*نه، فبقى السيف فيهم هم الاتنين، بيأذيهم هم الاتنين، وبيوجعهم سوا، ده الوضع بيني وبينه.
حسنًا.. وقد أجادت الوصف والتعبير عن حقيقة الأمر بينهما، واكملت بتفهم:
_ عنده حق لو لاقاني في يوم يعمل الي هو عاوزه، وانا كمان كان عندي حق أهرب ومش ندمانة.. احنا الاتنين محتاجين طرف تالت يقنعنا بالعكس.. يقنعه إني كنت صح وقتها ويخليه يعذرني، ويقنعني انه كان بيدافع عني بعقلية طفل مقصدش اختي، ويخليني اعذره.
باغتها بسؤال اخر أصعب، أعمق، وهو يسألها بحذر:
_ لسه بتحبيه يا خديجة؟
طال صمتها أكثر هذه المرة، وشردت.. وشردت، لمعت عيناها بنظرات منكسرة، وحزينة، ومشتتة، فمشتاقة!.. لكنها بالاخير أردفت:
_ مش عوزاه يمر في حياتي ولو صدفة.
تهربت من الإجابة، وعبرت عن رغبتها.. فهذا يعني إنها وإن مازالت تحبه لا تريد رؤيته مرة أخرى، وهنا الأمر.. معقد!!
اكتفى بالحديث عن “مراد” لهنا، واتجه بسؤاله لمنحنى آخر، فسألها:
_ قوليلي ايه اللي حصل في بلدك؟ ليه سبتوها وجيتوا هنا؟ ايه المشكلة الي فرقت عيلتك بالشكل ده؟
وبجمود وسرعة في الرد كانت تجيبه بعينين ثابتتين:
_ اتهموني في شرفي.
اتسعت عيناه قليلاً لِمَ قالته ربما لأنه لم يتوقع سرعة الرد، وسألها بتريث:
_ اتهموكي! هم مين؟ واتهموكي مع مين؟
التواء طفيف ساخر في جانب فمها هو كل ما صدرَ عنها وهي تقول بعينين متألمتين:
_ عمتي.. تخيل! أما مع مين، فمع باهر ابن عمي..!!
…………..انتهى الفصل………..

