رائعة جديدة حصري من 11-15

استغفر الله وحط اللايك

الفصل الحادي عشر “شبح سارة!”

توقفت حركت قدمه واستقام في وقفته حين اتاه فتح الخط ورد الأخر، فهتف متسائلاً بلهفة ودقات قلبه قد تعالت بصخب:

_ ها عرفت عنهم حاجة؟ آخر مرة قولتلك متكلمنيش إلا لو عندك معلومة!

اتاه الرد على الجهة الأخرى وهو يقول بتوتر ظهر في صوته:

_ خلصت جرد الاسماء، طبعًا الموضوع كان صعب اني ألم كل الي اسمهم محمود الدالي في محافظة سوهاج خصوصًا ان حضرتك مش فاكر غير الاسمين دول، ولقيتهم ٢١٠ شخص اسمهم محمود الدالي، صاحبي الي في السجل قالي انه هيقدر يساعدني في اني اعرف مين فيهم الي عنده بنتين وولد بالاسماء الي حضرتك قولتهالي، بس طبعًا الموضوع هياخد وقت، ومكنتش حابب ابلغ حضرتك دلوقتي بس حضرتك طلبت مني اي جديد ابلغك بيه.

زفر بضيق وهو يمرر كفه على وجهه قائلاً:

_ يعني لسه هستنى!

اتاه رد الاخر يقول:

_ ياباشا احنا قطعنا طريق طويل مبقاش غير اقل من رُبعه، من معندناش ولا معلومة توصلنا بيه لعرفنا انه من سوهاج بعد ما بالعافيه وصلنا للشخص الي كان مسؤول عن توظيف الصعايده وقتها، ولولا ان الراجل ده كان بيكتب بياناتهم في دفتر عنده مكناش عمرنا عرفنا هو من انهي بلد، لدلوقتي مبقاش غير اننا نعرف مين الي في ال٢١٠ دول عنده ٣ ولاد باسم خديجة ومصطفى وسارة وزوجته دنيا، الموضوع بقى اسهل اكيد، بس مسألة وقت لأنهم ٢١٠ يعني عدد كبير.

هز رأسه عدة مرات يقنع نفسه بما يستمع له، ثم أردف بحدة:

_ معاك شهر تكون خلصت بحثك وتديني معلومة عنهم سامع؟

اجابه الآخر بتوتر:

_ شهر ونص ياباشا، شهر ونص وابلغ حضرتك عنوانهم ده عددهم كبير.

صدم الكرسي الذي بجواره بقدمه ليسقط أرضًا متأثرًا بركلته، ورفع رأسه لأعلى يستدعى الهدوء قبل أن يهمس بنبرة مرعبة:

_ ٤٥ يوم مش هيزيدوا ساعة وإلا متلومش غير نفسك.

ودون السماع لرد كان قد انهى المكالمة، وجلس فوق أحد الكراسي يتنفس بعمق، فلقد ظن ان رحلة بحثه المقيتة انتهت، ولكن للأسف مازال هناك شهر ونصف أخرين عليه انتظارهم، هز رأسه مستنكرًا وهو يغمغم لذاته بعتاب:

_ ازاي عمري ما سألتها عن اسم بلدهم الي كل اجازة كانوا يسافروا لها! ازاي مفكرتش اعرف هم منين! لو كنت عرفت كان ده وفر عليَّ سنه كامله عدت عشان اعرف بس اسم البلد.

شرد بنظره في الفراغ وهو يتذكر حين كان عمره اربعة عشر عامًا اي بعد ذهابها بعام واحد، ووقتها اخبره والده انه كلف احد رجاله للبحث عنه، ولكن بعد مرور ثلاث سنوات دون أي معلومة من الرجل، شكَ “مراد” في أن والده قد كلفَ أحدهم بالبحث فعلاً لذا وبدون عِلم والده كان يكلف رجلاً آخر عُرف عنهُ براعته في مثل هذه الأمور، ولم يظهر لوالده أنه شكَ بهِ بل كل فترة يسأله إن كان رجله قد توصل لشيء والإجابة واحدة وهي “لاشيء”، نهض واقفًا واتجه لأحد الخزانات الموجودة في الجانب الأيسر من الغرفة وانحنى فاتحًا اياها لقصرها ليظهر أمامه العديد من الزجاجات فأخرج أحدهم واستقام بجزعه ليقرب كوب من الاكواب المرصوصة فوق تلك الخزانة الصغيرة، فتح الزجاجة وصبَّ البعض في الكوب قبل أن يلتقطه متجهًا لثلاجة صغيرة موجوده بجوار الخزانة وفتحها ملتقطًا مكعبان من الثلج وُضعوا في اناء على أحد رفوفها، اغلق باب الثلاجة واستقام واقفًا ثم اتجه للشرفة وهو يحرك الكوب يمينًا ويسارًا بحركات رتيبة فيصدر الثلج الموجود بداخله صوتًا خفيفًا، وقف في الشرفة بعدما احتسى القليل مما في الكوب ولم يظهر أي تعبير على وجهه، ونظر أمامه بأعين شاردة، دقتان فوق الباب أخرجوه من شروده ليدلف لداخل الغرفة وهو يردد بصوت أجش:

_ مين؟

أتاه صوت والدته الهادئ:

_انا يا مراد، افتح يا حبيبي؟!

تحرك على الفور واضعًا الكوب الذي بيده في الخزانة الصغيرة التي تحوي الزجاجات، وهو يجيبها:

_ ثواني يا ماما بغير هدومي.

والتقط الزجاجة يضعها بجوار الكوب واغلق الخزانة جيدًا، ثم التقط قميصه يرتديه بعجالة واتجه لباب الغرفة يفتحه وهو يشير لها بثبات:

_ اتفضلي.

ابتسمت له وهي تحرك كرسيها للداخل، بينما تقول:

_ مش نازل الشغل النهاردة ولا اية؟

_ لا هنزل، بس كنت بعمل مكالمة مهمة وهلبس اهو.

ضيقت عيناها وهي تقول:

_ مهمة! يبقى تخص خديجة، صح؟!

ابتسم ابتسامة صغيرة لتبرز غمزاتيهِ المزينتين لوجنتيهِ فبدى جذابًا بشكل مهلك وقال:

_ مش سهلة انتِ برضو يا لولة.

اتسعت ابتسامة “ليلى” وهي تلكزه بأصابعها في جانبه:

_ لولة! عيب بقى تقول لأمك كدة.

وضع كفه على جانبه مكان لكزتها وهو يقول بمرح لا يظهر سوى معها:

_ ده انا بدلعك هو انا بش… هو انا بغلط فيكِ.

عدلَ من حديثه حين وجد لسانه سيذل وينطق بما يثير غضبها، لتهز رأسها يائسه منه وهي تقول باهتمام:

_ المهم قولي، وصلت لحاجة.

اختفى المرح من معالمه وهو يزفر بتعب جالسًا فوق كرسي قريب من كرسيها وقال:

_ للاسف لسه، الراجل قدر يعمل حصر لكل الي اسمهم محمود الدالي في سوهاج، وطلعوا ٢١٠ شخص هيدور فيهم بقى.

عضت شفتيها بحزن على حالته، وقالت بحذر:

_ مراد.. هو يعني هتعمل ايه لو ملقتش خديجة.

لم يظهر اي ردة فعل على وجهه وهو يسألها بهدوء:

_ يعني اي ملقتهاش!؟ قولتلك هيدور في…

قاطعته وهي توضح قصدها اكثر:

_ هنفرض ملقتهاش.. هنفرض انهم سابوا سوهاج من كتير، او ابوها خدهم وسافر اي مكان تاني، حط احتمال انك ممكن حتى لو وصلت لعنوانهم متلقيهمش.. عشان بس متبقاش حاطط أمل كبير، الإنسان لما بيحط أمل كبير في حاجه ومتكملش بيكون زي الي وقع على جذور رقبته.

التواء طفيف في جانب فمه للأعلى أبدى سخريته وهو يقول:

_ انا مش حاطط امل كبير.. انا حاطط كل أملي.

اخفض رأسه ناظرًا للأرضية وبنبرة ظهر بها الاختناق جليًا:

_ يارتني قادر انساها، بس مش قادر ومش عارف، على قد ما بتعذب بحبها على قد مانا حابه.

رفع رأسه وعيناه قد غامت ببعض الدموع الخفية وقال:

_ يمكن حبها هو الحاجة الوحيدة الحلوة الي بقيالي من ذكريات طفولتي.. ذكرياتي معاها هي الحاجة الوحيدة الي مش عاوز انساها، انا معنديش اوبشن اني ملقيهاش، معنديش احتمالية اني افضل باقي عمري من غير ما اقابلها، مش عاوز حتى افكر في ده.. بس حتى لو وصلت لعنوانها وملقتهاش مين قال اني هيأس! حبي ليها مولد جوايا ثقة غريبة إني هلاقيها وهنتجمع من تاني.

ربطت على فخذه بكف والكف الآخر تمسح دموعها التي تساقطت حزنًا عليهِ وتأثرًا بما قاله:

_ ربنا يريح قلبك يابني.

التقط كفها مقبلاً اياه برفق، وقلبه يؤمن على دعائها.

_______________

انتهت من توضيب المنزل واعداد الطعام ودلفت لغرفتها لتنال قسطًا قليلاً من الراحة قبل قدوم والدها من العمل، تسطحت فوق الفراش وهي تغمض عيناها براحة شعرت بها فور فردها لجسدها، راحة لم تطول وهي تسمع صوت خافت يناديها:

– خديجة.

تكرر الصوت مرتان حتى انتبهت له، فتيبس جسدها بصدمة وهي تستمع لذلك الصوت.. انها تدرك هوية صاحبه جيدًا! وهذا ما جعل التيبس يكتسح جسدها، تكرر مرتان أخرتان ففتحت عيناها بصعوبة وأنفاسها بالكاد تختفي، نظرت أمام الفراش لتنتفض فزِعة وجلست فوقه وهي تطالع من أمامها بصدمة محملة بالخوف والذعر، هزت رأسها نافية تصديق ما تراه، لتجد من أمامها تقول بابتسامة بدت مرعبة:

_ ايه يا خديجة مبترديش ليه!؟

هزت رأسها أكثر بهستيريا وهي تقول:

_لالالا أنتِ مش هنا.. أنتِ مش حقيقية.

ولا تعلم لِمَ لكنها في غضبها او خوفها تجد ذاتها تتحدث بلهجتها القاهرية القديمة! اتسعت ابتسامة “سارة” وهي تقترب من الفراش ملتفة حوله لتصبح قريبة منها أكثر:

_ لا حقيقية، ياترى ليه مش مصدقة؟ عشان مثلاً!

انتباها الفزع أكثر فهمست بوهن وعيناها اغرورقت بالدموع:

_ سارة!

ابتسامة مرعبة أكثر هي ما ارتسمت على ثغر الأخرى وهي تقترب خطوتان حتى أصبحت أمامها تمامًا ورددت بهمس أشبه الفحيح:

_ ارتاحتي يا خديجة؟ ارتاحتي لما ؟

نفت برأسها بذعر أكبر ودموعها تتهاوى بعجز وقالت نافية التهمة عنها:

_ لأ، مش أنا ده مراد.

هزت “سارة” راسها بلامبالاة وهي تقول:

_ وأنتِ ساعدتيه بسكوتك كنتِ موافقة انه أختك… عشان كدة زي ما وبنفس الطريقة.

قالتها وهي تجذبها من خصلاتها بقوة تحت صراخ الأخيرة ومحاولتها للتمسك بأي شيء بداية من الفراش حتى الأرضية، ولكن لم تفلح حتى وصلت للخزانة ووجدت “سارة” تدفعها للداخل وتغلق باب الخزانة عليها لتصرخ “خديجة” عدة صرخات بفزع وهي تغمغم بكلمات غير مفهومة، وبعد ثواني بدأ العرق يغزوها وبدأت تشعر أن أنفاسها تخفت بالفعل وكأن الاكسجين انسحب من حولها، لتض*رب على باب الخزانة بهستيريا شديدة وصرخاتها لا تتوقف، وفجأة فُتح باب الخزانة لتجحظ عيناها بقوة وهي تستنشق أكبر قدر من الهواء والواقف أمامها يناظرها بذهول وعدم فهم لِمَ حدثَ لها! حتى ردد بتساؤل قلِق وهو يسحبها للخارج حاملاً جسدها بالفعل فقدميها لا يحملانها:

– وه! مالك يا بتي؟ فيكِ ايه وايه خلاكِ تفوتي الدولاب وتجفلي عليكِ اكده!؟

رددت بضعف بالغ وقد شحب وجهها فأصبح يحاكي وجه المو*تى:

_ مش انا.. دي هي.. هي الي قفلت عليَّ.

وضعها فوق الفراش وهو يجلس بجوارها قائلاً بعدم فهم:

_ هي مين يابتي؟ مفيش حد اهنة غيرك!

هزت رأسها بالكاد وهي تقول ببكاء بدأت فيهِ:

_ لا في.. هي هنا، قفلت عليَّ بالمفتاح.

أجابها بقلق على حالتها:

_ بس درفة الدولاب مكانتش مجفولة بالمفتاح واصل، الدرفة كانت مفتوحة لو كنتِ زجتيها كانت اتفتحت.

ازداد بكاءها وهي تردف من بين شهقاتها المتقطعة:

_لا.. كانت مقفولة.. انا… زقيتها كتير.. مكانتش مفتوحة.

وبعدها لم تتحمل أعصابها أكثر من هذا فأغلقت عيناها فاقدة الوعي مما آثار ذعر والدها عليها.

—————–

بعد مرور أربعة أيام….

عند خديجة الحال لم يصبح أفضل، بل بالعكس ساءت حالتها بدرجة أرغمت والدها لجلب الطبيب لها، أصبح وضعها لا يُسكت عليه، ناهيك عن كوابيسها التي تستيقظ فزِعة منها كل ليلة وصرختها تدوي في أرجاء المنزل، وشعورها احيانًا بطيف “سارة” يحوم حولها، تحدثها وتفزع منها واحيانًا تصرخ فجأة وباتت تحبس ذاتها في أماكن متفرقة وتدعي أن “سارة” من فعلت!!

والطبيب لم يكن مختص فنصحهما بالذهاب لطبيب نفسي في القاهرة ليشخص حالتها ويكتب لها الدواء المناسب، فهي على شفا حفرة من الجنون.

كانت تجلس مع “فريال” فهي بعد ساعتان ستذهب للقاهرة لتزور الطبيب الذي أخبرها عنه والدها، تحدثت بوهن وقد بدى جسدها أقل وزنًا ووجهها شاحبًا وأسفل عيناها أحيطت بالسواد، كل هذا دلَ على مدى معانتها، بنبرة مختنقة وأعين شاردة بعيدًا قالت:

_ انا مخبراش ليه بيحصلي اكدة، فجأة حياتي كلها اتشجلبت.. انا والله بشوفها يا فريال، بشوفها حجيجة كيف مانا شيفاكِ اكده، يبجى كيف بخرف.

ربطت “فريال” بكفها على كتف الأخرى وهي تقول بهدوء:

_ مصدجاكي، بس انتِ كمان خابرة انها مش حجيجة صُح! محدش بيشوفها غيرك يا خديجة، وسارة ماتت من سنين محدش فينا يجدر يشكك في اكده، ده عمي بذاته هو الي دافنها!

هزت رأسها بتعب وهي تقول متحسرة:

_ للاسف، خابرة ان محدش هيشوفها غيري! بس اعمل ايه والله بشوفها.

_ عشان اكده عمي هياخدك للدكتور في القاهرة وهو الي هيجولك ايه الي بيحصل وياكِ.

أردفت بها “فريال” وهي تنظر لملامح “خديجة” التي تثير الشفقة، لتهز “خديجة” رأسها بلامبالاة ومازالت واجمة ففكرت الأخرى في إخراجها مما هي فيه فقالت بمزاح:

_ بجولك.. ماتدوري على رفيج الطفولة بما انك مدلية “نازلة” القاهرة.

امتعضت ملامحها وقد ذكرته “فريال” في اكثر وقت لا تريد فيهِ تذكره، لتجيبها بحدة وملامح غاضبة:

_ فريال! جولتلك يوم ما حكيتلك عنه انك متجبيش سيرته واصل حُصل ولا لا!

توترت “فريال” من غضبها المباغت، لتجيبها بتردد:

_ جولتي.. معلش مكنتش خابرة ان سيرته هتعصبك اكده.

اغمضت “خديجة” عيناها بضيق من انفعالها قبل أن تقول باعتذار:

_ معلش. متزعليش، مجصدش اتعصب عليكِ، بس محباش افتكره، واحمد ربنا اني مفكراش ملامحه ولا شكله.

ارتفع حاجبيها بدهشة وهي تسألها بفضول:

_ مفكراش شكله؟ كيف؟ ده كان اجرب حد ليكِ وجتها!

زفرت أنفاسها باختناق وهي تغمغم:

_ كنت صغيرة يا فريال، ٨ سنين افتكر ايه انا! اه فضلت فاكره شكله ليمكن سنه بعدها بس مع الوجت وبعد ما عدى اكتر من ٧ سنين مبجتش مجمعة شكله خالص.

سألتها مرة أخرى بفضول اكبر:

_ يعني لو شوفتيه دلوجتي متعرفيهوش!؟

هزت رأسها بضيق وهي تقول لها:

_ انتِ غبية! بجولك مفكراش شكله وهو صغير هعرفه بعد ما كبر! اكيد شكله اتغير كمان.

هزت رأسها بتفهم:

_ ايوه بس بيفضل ملامح من الطفولة، عمومًا انت اكدة او اكدة مش فاكرة شكله… المهم هترجعوا ميتى؟ “امتى”

رفعت منكبيها بجهل وهي تقول:

_مخبراش يمكن آخر الليل.

وفجأة نظرت خلف “فريال” ليشحب وجهها أكثر وتنتفض من جلستها واقفة وهي ترى “سارة” قادمة من خلفها:

_ بقيتي مجنونة يا خديجة!؟ هيودوكِ لدكتور بيعالج المجانين!؟

اذدردت ريقها بخوف وهي تجيبها:

_ انتِ مش حقيقية.

صدحت ضحكت “سارة” عاليًا وهي تقول:

_ لو انا مش حقيقية بتردي عليَّ ليه؟

ادمعت عيناها بقهر وهي تجيبها:

_ عشان.. عشان مش عارفة اتجاهلك.

هزت “سارة” رأسها إيجابًا وقالت:

_ بالضبط يبقى انا حقيقية! طول ما بتردي عليَّ يبقى انا موجودة يا ديجا.. مش كان حبيب القلب بيقولك كده برضو!

رجعت للخلف وجسدها بدأ ينتفض بقوة، وصرخت بها بضعف:

_ انا بكرهك.. وبكرهه.. بكرهكوا انتوا دمرتوا حياتي.

اختفى المرح من ملامح “سارة” واحتدت ملامحها وهي تقول:

_ انتِ الي بتكرهيني! اومال انا ايه! انا دمرت حياتك وانتِ خدتي حياتي كلها مني… انتِ .. اختك.. مو*تي اختك يا خديجة.. م*وتيها..

رفعت كفيها تضعهما على أذنيها بقوة بعدما هوت جالسة أرضًا وصرخت بقهر:

_ ممو*تكيش.. . هو.. هو مش انا، ارحميني بقى.. ارحميني.

وفجأة استمعت لصوت آخر يناديها، ويد تحرك جسدها بقوة، فتحت عيناها ورفعت رأسها لترى الجميع أمامها، “فريال” و”محمود” و “مصطفى” هم من يحاولون اخراجها من حالتها تلك، وعمها و”سمية” و “ابراهيم” يقفون أمامها على بعد قليل، واختلفت انظارهم فعمها يطالعها بشفقة، وعمتها وولد عمها بنظرة ساخرة، حتى هتفت عمتها بنبرة قاسية:

_ لا، حالة بتك ميتسكتش عليها واصل.. لازمن تدلى مصر وتشوف حل لجنانها ده، ولا يكونش شبح سارة هانم هيطاردها!

صرخ بها “منصور” بحدة:

_ سمية! اجفلي حنكك” فمك” واعرفي بتجولي ايه.

ردت بانزعاج:

_ مغلطش ياخوي، مشايفش حالتها تصرخ كيف المجنونة.

نظر لها بنظرة أقلقتها وهو يقول:

_ جولتلك خشمك ده يتجفل واصل، سمعتِ!

اشاحت بنظرها بعيدًا والتزمت الصمت مرغمة، فهي تعلم جيدًا شقيقها حين يتحكم بهِ غضبه.

رفع “محمود” خديجة من ذراعيها فدفنت رأسها في صدرة وقد اجهشت في البكاء فقال بهدوء وهو يربط على ظهرها برفق:

_ من غير ما تجولي ياخيتي، هدلى بيها مصر الليلة لازمن دكتور يشوفها، مجادرش اشوفها اكده واسكت.

___________

وبنفس الوقت في مكان آخر بعيد..

كان يقف في وسط ذلك المصنع المهجور، بدت ملامحه غاضبة حد الجحيم، بدى كأسد على وشك الانقضاض على فريسته، وجميع من حوله يرتجفون رعبًا من حالته تلك ومن القادم معه، حرك رأسه يمينًا ويسارًا بحركة رتيبة، قبل أن يتسائل بهدوء تام:

_ مين جاب الاطفال دي هنا؟

وبسرعة أشار أحد الرجال لشخص ما واقف وهو يقول:

_ مسعد.. هو الي جابهم وقال الباشا الكبير هو الي أمر.

نظر للمدعو “مسعد” ليراه يبتلع ريقه بصعوبة وقد تعرق وجهه، محاولاً الحديث:

_ ياباشا والله الباشا الكبير الي أمرني، هو الي اجبرني اخطفهم واجبرني اجيبهم هنا، وحذرني اعرف سعادتك حاجة.

رفع حاجبيهِ بتفكير مصطنع، قبل أن يقترب خطوة واحدة أثارت الذعر في نفس الآخر وهو يسأله:

_ قولي يا مسعد كنتوا ناويين تستخدموهم في تجارة الاعضاء صح؟؟

يعلم أن الكذب معه سيأتي بنتيجة عكسية تمامًا، فمرغمًا اومئ برأسه، ليضغط “مراد” على أسنانه بقوة لاعنًا بلفظ بذيء قبل أن يقول:

_ قولت كام مرة أم الشغل ال****بتاعكوا ده مدخلوش اطفال فيه! قولت كام مرة لما تحبوا تجمعوا مي*** ** صفقة تجيبوا الناس بنت ال**** *** الي متلقحين في اي داهية تشبهنا، ايه الكباريهات خلصت! ولا شقق الدعا** فضيت عشان تلفوا على الناس التانية لا واطفال كمان يا ولاد ال******..

هتف الرجل بارتجاف:

_ ياباشا اقسملك الباشا الكبير الي اجبرني وانا خوفت.

ابتسم ابتسامتة المرعبة قبل ان يسأله بهدوء مبالغ فيهِ:

_ يعني لو مكونتش جيت بالصدفة عشان ابن الدكتور مكنتش عرفت الي بيحصل مش كده!

كاد “مسعد” أن يتحدث، لكن رفع “مراد” كفه ناهيًا ايه وهو يكمل بتساؤل:

_ قولي لو كنت رفضت كلام الباشا الكبير، كان هيعملك ايه؟

اذرد الرجل ريقه وهو يجيبه:

_ كان هيقطع عيشي ياباشا ويطردني.

اتسعت ابتسامته ومرر لسانه بداخل فمه قبل أن يخرج سلاحه من خلف ظهره وهو يشهره ناحيته قائلاً:

_ كان احسن من انك تخسر حياتك صدقني.

وقبل أن يصدر الواقف أمامه أي ردة فعل، انطلقت رصاصته لتسكن منتصف جبهته كأنها تعرف طريقها.

نظر “مراد” لجثته ببرود وقال:

_ ارموه في اي داهية، على ما انزل اشوف الواد الي تحت ده، والعيال دي الصبح يرجعوا لأهاليهم.. وعلى الله تيجوا تقولوا في عيال مش عارفين مين اهله.. اتشقلبوا ورجعوهم.

اومأوا جميعًا بفزع فما حدث أمامها الآن كان درسًا قاسيًا لهم جميعًا..

بعد عدة دقائق..

كان ينظر للاطفال بابتسامة هادئة تمامًا لا تنم عن شخصيته:

_ متقلقوش بكره هتروحوا كلكم وهترجعوا لأهاليكم.

اقتربت فتاة صغيرة منه تسأله ببراءة:

_ يعني مش هتمو*تونا؟ عمو الي كان هنا قال انكوا .

انحنى لمستواها متلمسًا خصلاتها بحنان، والعجيب أنها لم تخشاه وكأنه مع الاطفال لديه سحر خاص للتعامل:

_ لا ياروحي محدش هيعملكوا حاجه خالص.

ناظرته بشك كأنها لا تصدقه، ثم رفعت خنصرها وهي تسأله بطفولة:

_ وعد؟!

ظهر التأثر في عيناه وهو يتذكر مشهد مماثل كهذا مع “خديجة” ابتسم بحنين لتلك الذكرى، قبل أن يرفع خنصره ولفه حول خنصرها قائلاً:

_وعد يا جميل.

_باشا..

استمع لندائه من أعلى ليعرف انه يريده، فقد منع نزول أحد للاسفل..

ربط على وجنة الصغيرة واستقام واقفًا، قبل أن يستقيم صاعدًا الدرج حتى وصل للواقف بالأعلى والذي قال فورًا:

_ الشرطة عرفت مكانا وداخلين على هنا.

صمت قليلاً يفكر ثم قال بأمر:

_امشي انتَ يا طارق من الباب الي ورا وخد رجالتك.

سأله” طارق” باستغراب:

_ وحضرتك ورجالة الباشا؟

التمعت عيناه بالكره وهو يقول بفحيح:

_ سيب رجالة الباشا ياخدوا جزائهم، متعرفهمش حاجة.

ثم لانت نبرته وهو يكمل:

_ انا هفضل مع الاطفال دول لحد ما الشرطة تاخدهم.

_ بس كده حضرتك هتتمسك! ممكن نخلي حد من رجالتنا او افضل انا.

هز رأسه رافضًا وقال:

_ مش هطمن عليهم مع حد تاني، ممكن بعد الي هيحصل من شوية حد منهم تطوله رصاصه ولا الشرطه تفجر المكان.. ومتقلقش انا عارف انا بعمل ايه محدش هيمسكني.

بالكاد انسحب “طارق” ورجالته بناءً على تعليمات رئيسه، ومعه ثياب “مراد” المنمقة التي خلعها مرتديًا ثوب بسيط وجده في مخزن المصنع، وبعدها تحدث مع الاطفال قليلاً وهو يطلب منهم بطريقته المدروسة ألا يذكره أي شيء عنهُ، ولأن الأطفال لم يستمعوا لحديثه مع “طارق” فرضخوا لرغبته وقد ظنوه شخصًا جيدًا.

بالخارج….

أشار للرجال باتباعه في صمت حين قاد هو عددًا منهم دالفًا من جهة واحدة، وباقي الفرقة فرقوا أنفسهم على جميع المداخل لينجحوا في تطبيق عنصر المفاجأة وتضييق الخناق عليهم حتى لا يلوذوا بالفرار، كل من قابلوهم دون رحمة، فمن لا يرحم لا يُرحم.. ولكنهم احتفظوا بثلاثة ظهر أنهم القادة لمن كانوا بالمكان، فحرصوا على أسرهم كي يصلوا للمزيد من المعلومات عن ذلك التنظيم الذي انعدمت الرحمة من قلوب كل من هم فيه..

توقفوا في منتصف المكان بعدما لم يجدوا أثرًا للطفل بالمكان، فهتف “سيف” “من فرقة الأسود” :

_ آدم أنتَ مش قولت إنك اتاكدت إن مكانه هنا؟

زفر “آدم” بضيق شديد وقد كان يأمل أن يجد الطفل هنا:

_ اخر كاميرا في الشارع جابته كان في المنطقة دي.. ومفيش غير المصنع المهجور ده الي ممكن يكون فيه.. اصلاً أنتَ شايف حاجه حولينا غيره!

عقب “يحى” قائلاً:

_ ما نستجوب ال٣ الي في البوكس بره.

أجابه “حازم” ساخرًا:

_ نستجوب ايه؟ دول عاوزين ولا يومين عشان بس يفهموا احنا بنسأل على ايه! مفيهمش حتة سليمة يا بني.

وفي أثناء حديثهما استمعا لصوت طلقات نارية تأتي من مكان مجهول..

# سمي الله وحط لايك♥️

الفصل الثاني عشر “دهاء”

بالمخبأ السري:

كان قد طلب “مراد” من أحد رجال والده أن يترجل معه للاسفل كي يعينه على الخروج بالاطفال إن لُزم الوضع، ولكن لغباء الأخر حين استمع لصوت تبادل النيران يقترب من مكانهم ظن الشرطة قد علمت بالمخبأ، فقرر إطلاق النيران كي يمنع نزولهم للاسفل وهو يصيح ل “مراد” :

_ شكلهم نازلين هنا ياباشا..

صرخ بهِ “مراد”:

_ بس يا غبي وقف ضر*ب..

اوقف الضر*ب مؤقتًا حتى استمعوا لصوت خطوات تقترب بسرعة وبدأ اطلاق النيران من أعلى السلم..

في الأعلى:

تتبعوا مكان إطلاق النيران حتى وجدوه يأتي من نفق يشبه القبو أسفل المبنى المتواجدين بهِ وفيهِ درج تؤدي لأسفل التفوا حول الباب المؤدي لأسفل وبدأوا في تبادل إطلاق النيران..

عاد الرجل يتبادل معهم اطلاق النيران، وفي وسط انشغاله بما يفعله التقط “مراد” سلاح من فوق الأرض وخفيًة كان يطلق عليه النار لتصيب طلقته منتصف ظهره، هذا بعد أن جعل الأطفال تلتف لتواجه وجوههم الحائط كي لا يصابهم الرصاص ولخوفهم من الوضع اقتنعوا وامتثلوا لطلبه.

سقط الرجل جثًة فوق الأرضية لينظر له “مراد” برضا فأولاً لقد ارتكب فِعلة حمقاء ببدأه لاطلاق النيران، وثانيًا لو استطاعت الشرطة الإمساك بهِ ربما يعترف ان “مراد” هو أحد اعضاء المنظمة! ورغم ان كل من ينضم لهذه المنظمة يكن الم*وت خياره الأول عن أن يوشي على أحد اعضاءها ولكنه “مراد” الذي لم يعتاد ترك شيء للاحتمالات.. هو “مراد” الذي لا يثق في ذراعه حتى..!

بجانب الباب المؤدي للدرج السفلي..

التقط آدم قنبلة يدوية وقام بقذفها لتصل للقبو وقد ظن ان من بالاسفل اثنان او ثلاثة من رِجال تلك المنظمة القذِرة .. ولكن حدث هو ما لم يتوقعه حين أمر الجميع بالخروج من المصنع المهجور ولكن أثناء ركضه للخروج هو الآخر توقف وجحظت عيناه بشدة حين أبصر طفلاً صغيرًا يقف في المقدمة وحوله عدة أطفال أخرى بينهما وبين القنبلة عدة سنتيمترات…

وفي نفس الوقت كان “مراد” منشغلاً في سحب جثة الرجل بعيدًا في مكان متواري عن الانظار كي لا يراه الاطفال حين يلتفون، فدخل لزُقة في أحد جوانب المخزن والقى جثة الرجل بهِ..

وعند “آدم”

اتسعت عيناه دهشةً وخوفًا حين رأى القنبلة التي قذفها أصبحت تمامًا بين كم كبير من الأطفال، ليشعر بالتلجم ولم يحسن التصرف لثواني كانت كفيلة ل “مراد” للخروج من أحد الجوانب وهو يصرخ بالأطفال أن يهرعوا لأحد الممرات التي يعلمها جيدًا والتي تؤدي للخارج، وما إن أدرك “آدم” ما يحدث حتى ركض هو ومن معه للخارج بعدما صرخ بهم أن يخلوا المكان، وحين وصل الجميع للخارج دوى الانفجار، ليرى “آدم” الأطفال بصحبة ذلك الشاب من بين الأتربة ورماد الانفجار، فاتجه إليهِ بحرص مشهرًا سلاحه قبل أن يرفع الشاب ذراعيهِ وهو يصيح بارتعاش خائف اتقنه:

_ أنا مأذيتهمش كنت بساعدهم والله.

_ انزل على ركبك.

جملة صرخ بها “آدم” ليفعل “مراد” فورًا، وحضر “سيف” ليسحب الأطفال بعيدًا، طالعه “آدم” بتفحص قبل أن يسأله:

_ أنتَ بتشتغل معاهم؟

نفى برأسه ثم أومئ بتردد وقال بتلعثم:

_ مش زي ما أنتَ فاهم.. أنا.. هم أجبروني، بقالي معاهم كام يوم بس.. بس هم أجبروني، أنا مكنتش عاوز.

صراخه، تردده، خوفه الواضح، ارتعاش جسده، نحيبه الخافت الذي بدأ، كل هذا أكد ل”آدم” صدقه، فعلى صوته وهو ينادي:

_ حاازم.

أتى “حازم” بعد ثواني، ليكمل:

_ شوف السجلات الي معاك فيهم صوره للواد ده.

_ ارفع راسك.

رددها “حازم” بقوة، ليفعل “مراد” رافعًا رأسه وعيناه الخضراء التي تلونت بسحابة رمادية بنفس الوقت لتعطي لونًا رائعًا ترتعش نظراتها بخوف، تفقده “حازم” ثم قال:

_ لا مش موجود.. ممكن يكون انضم ليهم قريب.

عقب “آدم” :

_ ماهو ده الي قاله فعلاً..

نظر له مليًا يفكر في أمره حتى تسائل أخيرًا:

_ اسمك ايه؟

بنفس النبرة المرتجفة أجاب:

_ محمد.

زفر أنفاسه قائلاً بحسم لقراره:

_ ماشي يا محمد.. هتروح معاهم القسم يخلصوا بس الاجراءات وهتمشي على طول كده كده مفيش حاجه عليك، بس قولي أنتَ قابلت زعيم الليلة دي؟

نفى برأسه وعيناه تنضح صدقًا:

_ لا، مشفتوش ولا مرة.

اومئ برأسه بلامبالاة فيبدو أن هذا الشاب لن يفيده، ليهتف ل “حازم” :

_ خده على العربية.

نهض يسير أمام “حازم” بخطى مذبذبة وجسد يرتعش، وعينان مسلطتان على الأرضية، عينان ظهر بهما الآن مدى الشر الكامن بداخلهما، عينان تلونتا بالخبث والدهاء، يبتسمان بسخرية على حماقة رجال الشرطة الذين صدقوه بسهولة، وكيف لا وهو من يتقن كل شئ.. الكذب، والتصنع، يتقن جيدًا تقمس أي شخصية تطلبها الظروف ليخرج كالشعرة من العجين كما يقولون..

شاب لم يقل اسمه الحقيقي، لم تكن نظراته حقيقية، لم يكن خوفه حقيقي، لم تكن حتى ارتعاشة جسده صادقة.. شاب أثبت أن “آدم الصياد” مجرد ضابط سابق أحمق!! وللحق إن أثبت هذا على ضابط من أكفأ الضباط في مجاله.. إذًا يجب الخوف منهُ!

___________________

بعد ثلاث ساعات من السفر والانتظار كانت تجلس أمام ذلك الطبيب وجسدها يسكنه التوتر.. رجل في منتصف الأربعينات ربما تلونت بعض خصاله باللون الأبيض، وجهه بشوش، ويشعرك بالألفه، طريقته ودودة ولبِقه، لم يبدو شخص غير مريح، لكن التوتر يأتي من كونه غريبًا وكونها تجلس معه لأول مرة وبمفردهما بعدما طلبَ من والدها بتهذيب أن ينتظر بالخارج، رأت ابتسامته الودودة قبل أن تستمع لصوته يقول بينما ينظر لها بهدوء:

_ لا فُكِ كده مالك متوترة ليه؟

اذردت ريقها بصعوبة وهي تقول:

_ لا مفيش انا كويسه.

قطب حاجبيهِ باستغراب متسائلاً:

_ بتتكلمي قاهري؟ غريبة والدك بيتكلم صعيدي وفكرتك زيه.

اخفضت رأسها وهي تردد بخفوت:

_ بعرف اتكلم الاتنين.. بس قولت اكلم حضرتك باللهجة الي تفهمها.

ابتسم وهو يقول:

_ يا ستي انا بفهم كل اللهجات، اتكلمي باللهجة الي تريحك ومتشغليش بالك بيَّ.

اومأت برأسها ولم تتحدث زيادة، ليبدأ هو بالحديث وهو ينهض جالسًا على الكرسي المقابل لها ويفصل بينهما طاولة صغيرة، نظر لها بتقييم أولاً ينظر لكنزتها الوردية الهادئة وتنورتها السوداء التي نزلت باتساع حتى نهاية ساقها، وحجابها المنقوش باللونين الاسود والوردي الذي لم تظهر منهُ شعرة واحدة، بدت بسيطة بشكل مريح حتى ملامحها التي لم تتكلف وتضع عليها اي شيء يخفي ارهاقها والهالات التي زينن عيناها كانت لطيفة وجميلة، تسلل صوته الهادئ الي مسامعها وهو يسألها أول سؤال في جلستهما، سؤال اظهر مدى ذكاءه وحنكته كطبيب:

_ قوليلي الأول ازاي بتعرفي تتكلمي قاهري؟

رفعت عيناها له متفاجئة، هل علمَ بمربط الفرس؟ مين علمَ أن البداية تكمن هنا! بداية كل شيء حدث لها بدأ من هذه النقطة تحديدًا.

لم تشاء أن تكشف أوراقها أمامه فبحذر تام اجابته وهي تخفض بصرها مرةً أخرى:

_ لما جينا مع ابويا وامي القاهرة من كذا سنة وفضلنا فيها لحد ما رجعنا بلدنا من ٧ سنين.

وضع المسجل فوق مكتبه بعدما قام بتشغيله وهو يعتمد على هذه المسجلات في علاجه لمرضاه بدلاً من التدوين خلفهم، الذي يشعرهم أحيانًا وكأنهم في تحقيق ما.. لذا استعاض عنها بذلك المسجل الصغير الذي لا يلاحظه معظهم من الأساس، شعرَ بخبرته ان الحديث عن عمل والدها هنا بالقاهرة يخفي خلفه شيء، بدى هذا من اختصارها في الرد، وتحول ملامحها للضيق على ذِكر عمل والدها، لذا سألها مرة أخرى محاولاً معرفة أكبر قدر من المعلومات:

_ جيتوا ليه؟

بخفوت اجابت:

_ عشان بابا كان بيدور على شغل، وتقريبا حد قاله ان في راجل محتاج حد يشوف طلبات البيت ومحتاج كمان ست تنضف البيت تطبخ كده يعني…

فهمَ محاولاتها لعدم ذِكر المسمى الوظيفي لوالديها ألا وهو “خدم” يبدو أن الأمر فيهِ حزازية لديها، وبالطبع هذا راجع لموقف ما أو ربما عدة مواقف!

_ وقتها كنتِ كام سنة؟

ضغطت على شفتيها بضيق وهي تجيبه:

_ كنت لسه مولودة.

_ ورجعتوا بلدك وانتِ عندك كام سنة؟

_ ٨ سنين.

_ ايه سبب الرجوع؟

رفعت رأسها لهُ وقد سكنَ الغضب ملامحها البريئة، لتردف بضيق واضح:

_ ايه لازمة كل الاسئلة دي؟ ملهاش لزمة، انا عندي مشكلة معينة جاية لحضرتك تحلهالي.

طالعها بهدوء مبتسمًا وهو يقول:

_ ينفع اجيب مريض وادخله العمليات من غير ما اعرف كل حاجه عن تاريخه المرضي! ده نفس الشيء، عشان اعالجك من الهلاوس الي حكالي والدك عنها، لازم اعرف اي الي وصلك إنك تشوفي حاجه زي كده اصلاً، فلازم نبدأ الموضوع من أوله، خصوصًا وانا ملاحظ انك مش حابة تتكلمي عن الفترة الي عشتيها هنا في القاهرة، واكيد ده له سبب قوي.

اهتزت حدقتيها واخفضت نظرها مرة أخرى وهي تضغط على كفها بقوة، تشعر بضغط كبير بدأ يُوجه لها منهُ، وتخشى أن يتمادى بهم الأمر لكشف سرها.

_ يلا نكمل أسئلة؟

اومأت بهدوء وقد قررت أن تكون حذِرة في أسئلتها قدر المستطاع، لتسمعه يسألها ثانيًة:

_ قوليلي بقى كنتِ حابة ترجعي البلد؟

هزت رأسها ايجابًا، ليسألها مرة أخرى:

_مكنتيش حابة العيشة في القاهرة؟

ومرة أخرى اومأت برأسها، ليتابع اسئلته:

_ ليه؟

صمتت لثواني ترتب أفكارها كي لا تخطئ في الحديث وتقول ما ليس عليها قوله، حتى قالت:

_ عشان.. عشان سارة كانت ماتت وانا مكنتش حابه افضل في مكان هي ماتت فيه.

_ سارة ماتت فين!؟

_ في الفيلا الي بابا وماما كانوا بيشتغلوا فيها.

_وماتت امتى!؟

اغمضت عيناها بارهاق مجيبة:

_ قبل رجوعنا البلد بفترة قليلة، يمكن شهر.

_ هي ماتت ازاي؟ ويا ترى فاكرة تفاصيل اليوم ده؟

اعتصرت عيناها بألم وهي تسمع حديثه، وارتعشا كفيها المقبضان على التنورة، حتى ملامحها شحبت أكثر وهي تجيبه بالحقيقة في عقلها ولم يجرأ لسانها على قولها، بسببي! وقد شاركته في الجريمة بموافقتي! وتسترت على المجرم وكأنني أصر على أن اكوان طرفًا في ! وكأنني رفضت أن يحمل الذنب بمفرده فتقاسمته معه!

_ هي.. هي اتخنقت.. كانت بتلعب تقريبا وقفلت على نفسها الدولاب، واه فاكره تفاصيل اليوم كأنه امبارح.

ضيق عيناه بحِنكة يسألها:

_ مش غريب طفلة في سنك وقتها تفتكر تفاصيل وفاتها؟

اذردت لعابها بتوتر وفركت كفيها ببعضهما تلقائيًا وقالت:

_ اا.. اصل انا.. لا مش انا الي فاكره.. قصدي اقول ان اهلي حكوا قدامي الي حصل يومها كذا مرة.

رفع حاجبه ساخرًا وعقب بهدوء:

_ غريبة انتِ لسه قايلة انك فاكرة تفاصيل اليوم كأنه امبارح!

رفعت رأسها تهرب بنظرها بعيدًا عنه وقد تعرق جبينها وقالت بنبرة مرتجفة:

_ لا.. قصدي هم مش انا..

هز رأسه باستسلام وهو يعلم انها تكذب وبنفس الوقت يعلم انها لن تقول الحقيقة طالما قررت ألا تقولها من البداية، فتغاضى عن الأمر وهو يكمل:

_ تمام، يعني بسبب م*وتها حبيتِ تسيبي القاهرة، وبسبب طريقة م*وتها حبستِ نفسك في الدولاب، يعني بنفس الطريقة الي ماتت بيها.

ادمعت عيناها وهي تنظر له مرددة بتعب:

_ انا محبستش نفسي.. انا بشوفها، بشوفها وهي الي جرجرتني وحبستني، صدقني يا دكتور، يعني انا هجرجر نفسي واحبس نفسي!

عدل من نظارته الطبية التي التقطها مرتديًا اياه للتو بعدما شعر بضعف الرؤية، وهو يقول:

_ خديجة العقل البشري محدش ممكن يتخيل تصرفاته، الهلاوس يا خديجة لما بتتحكم بالعقل مستحيل تتخيلي الي ممكن يحصل وقتها.. قوليلي بتشوفي ايه؟

سقطت دموعها بوهن وهي تقول بنبرة مختنقة:

_ سارة.. بشوفها قدامي بتكلمني وبتتخاتق معايا ومرة جرجرتني لحد ما حبستني في الدولاب، بس بعدها اتفتح وباب قال انه مكانش مقفول.

_ هي سارة عايشة يا خديجة! ولا ميتة؟

نظرت له بحيرة التمعت في مقلتيها، وكأنها لا تعلم إجابة للسؤال! حركت رأسها مرة بالايجاب ومرة بالرفض، ليتنهد بهدوء وهو يسألها ثانيًة:

_ قوليلي طيب، لما بتشوفيها بتكون صغيرة ولا كبيرة؟

أجابته على الفور:

_ صغيرة، بتكون زي اخر مرة شوفتها.

ابتسم حين وصلَ لمبتغاه:

_ شوفتي! يبقى مش حقيقة، سارة لو حقيقة كان المفروض تكون كبرت زي مانتي كبرتِ كده مش هتفضل صغيرة.

رفعت عيناها للسقف وهي تبكي بانهيار، وشهقاتها تتعالى:

_بس انا بشوفها.. والله بشوفها، بحسها حقيقة، بحسها واقفة قدامي بجد.

_ طيب ممكن تهدي؟

قالها محاولاً تهدأتها ولكنها لم تستجيب، ربع ساعة مرت حتى تمالكت ذاتها وقد انتفخت عيناها بشكل مقلق من كثرة البكاء، فلم يحبذ الضغط عليها أكثر، وقال:

_كفاية كدة النهاردة.. هكتبلك أدوية، وهتجيلي كمان ٣ ايام تقوليلي الموضوع قل ولا لأ، ودايمًا اقنعي نفسك يا خديجة إن سارة مش حقيقة، كل ماتشوفيها قوليلها انتِ مش حقيقة، مهما حاولت تقنعك انها حقيقة قوليلها لأ انتِ مش حقيقة، ماشي؟

اومأت برأسها بتعب وهي تمسح دموعها بارهاق بالغ، اعطاها الروشتة المكتوب بها الأدوية وأشار لها بابتسامة:

_ نورتي يا خديجة، انتظمي على الأدوية واشوفك تاني، اتفضلي.

التقطتها ونهضت بارهاق متجهة للخارج بخطى بدى عليها التعب النفسي قبل الجسدي، قابلها والدها بلهفة وهو يسألها:

_ ها دكتور كمال جالك ايه؟

ابتسمت بالكاد كي تطمئنه وهي تجيبه بهدوء:

_ كتبلي أدوية وجال إن الحالة متجلجش، وعاوزني اجي بعد ٣ ايام.

اومئ لها رغم عدم اطمئنانه وقلقه لكنه لم يرد اظهاره لها وهو يمسك كفها بحنو ويسحبها لخارج العيادة.

وبداخل مكتب دكتور “كمال شاكر” كان يدون في ملف جديد:

_ الاسم/ خديجة محمود الدالي

البلد/سوهاج

السن/١٥ سنة

التشخيص/ ذُهان مصحوب بهلاوس سمعية وبصرية..

اغلق الملف ووضع القلم بجواره قبل أن ينظر امامه بشرود متحدثًا لنفسه:

_ السر في الفيلا الي سكنوها في القاهرة.. ده بداية كل الي هي فيه.

ويبدو أن “محمود” قد أصاب اختيار الطبيب المعالج لابنته!

_________________

عاد من مهمته وهو بمزاج رائق، بعدما خرج من القسم دون شائبة، لم يجدوا عليهِ شيئًا بالطبع، اخذوا أقواله الزائفة وتركوه، اتجه لأحد العمارات السكنية وصعد بالمصعد الكهربائي حتى وصل لشقة في الدور العاشر، فأخرج المفتاح وفتحها بهدوء دالفًا للداخل..شقته! تلك الشقة التي اشتراها منذُ عام مضى، لعدة أسباب اولهم انه لا يأمن الوضع بينه وبين والده، فربما يقرر ترك المنزل له يومًا!! من يعلم!؟ كل شيء وارد، وثانيهم مهمات كتلك يعود منها بثياب لن تصلح للذهاب بها لمنزله فهو لا يتحمل سؤالاً من والدته، او شكًا بهِ، واخرهم انه أحيانًا يرغب في الانعزال عن الجميع فيأتي هنا وتكن هذه مخبأه، إضافًة لاستطاعته لوضع صورة خديجة على جدران المنزل، واحدة لها بمفردها وضعها على حائط الصالة، وواحده لهما الاثنان وهو يحتضنها من رقبتها ويضحكان بمرح وهذه وضعها أمام الفراش تمامًا، غير أخرى لها بمفردها وهي لا تتخطى ثلاث سنوات وُضعت على الحائط الموجود عليه شاشة التلفاز، وكأنه يشاهدها هي وليس التلفاز، بالطبع هناك لم يكن يستطيع فعل هذا ليس لشيء سوى انه لا يريد لأحد يرى صورتها ويحدقها بنظرة كارهة! ك”حسن” مثلاً! لذا اشترى هذه الشقة لكل الأسباب السابق ذِكرها.

استحمَ وبدل ثيابه لبدله رمادية انيقة، وصفف شعره بطريقته المعتادة وهي للوراء وكالعادة بعد دقائق تبدأ خصلاته في التساقط على جبينه، ورشَ عطره المفضل قبل أن يرتدي حذاءه ويخرج قاصدًا الشركة.

بخطى ثابتة، وجسد شامخ، ونظرات واثقة، لا تمت أبدًا لعمر حاملها، كان يسير بتروي وهو يضع لفافة من التبغ البني الفاخر في جانب فمه فقط، وعيناه تطوف حوله بتقييم أثار الذعر في من يقفون باستواء وكأنهم في محكمة ما، أو يؤدون أحد صلواتهم بخشوع!

انتهى الممر ليقف أمام الباب المعني فاتحًا إياه بهمجية بحتة نبأت من بالداخل بهويته، فمن سيدلف بهذه الطريقة غيره!

_ welcome بالفاشل.

قست ملامحه وهو يجلس بارتياح شديد على أحد المقاعد ومدد قدميهِ بمنتهى قلة الذوق فوق الطاولة الصغيرة، بينما أزال بإصبعيهِ اللفافة قائلاً بصوت رخيم:

_ الفاشل ده لولاه كان زمانك مش عارف تقعد في البلد لحظة، لولاه كان زمان مصر كلها عرفت هويتك.

رفع الأخير حاجبه المجعد يبدو أنه أثر لحرق ما لم يمر عليهِ طويلاً ولم تنجح عمليات التجميل في معالجته وهو يقول:

_ احنا كده معملناش حاجه مع الدكتور.

حدقه بجانب عيناه بينما ردد بجدية بحتة:

_ فُكك منه، ده شكله دكتور شريف بلاش نوسخه، شوف الدكاتره الي هتجري تنفذ اول ما تطلب منها وترميلهم قرشين.

هز رأسه بضيق قبل أن يقول:

_ كل حاجه لازم تعصلج كده.

_ انا مش قولت مية مرة، صفقات أعضاء بناس كويسة او اطفال لأ.. قولت ولا مقولتش! مقصر معاك انا في ايه! مانا لما بتحتاج صفقة بجبهالك.

نظر له ليجده يضغط اسنانه بقسوة، وعيناه بدت مخيفة حقـًا فردد بتوتر:

_ مقصدتش يعني اداري عليك، بس شوية كدة وشوية كده، انتَ هتخلص على كباريهات البلد!

بنفس النبرة القاسية أردف وقد ارتفع صوته قليلاً:

_هو اكل وبحلقة! بتنوع!! بعدين مين عينك مدافع عن كباريهات البلد ولا تكونش الراعي الرسمي لهم!

ضحكه ساخرة خرجت من فاهه وهو يقول:

_ المشكله يا مراد إن مبادئك غريبة ياخي.. يعني وتتاجر في الاعضاء اه، لكن بشرط الأطفال والناس الغلابه ملهمش دخل، ناخد الناس القذرة الو***** ونخلص منهم.. تشرب خمرا اه، وتروح كبارية، لكن تعمل علاقة مع واحدة لأ، تتاجر في المخدرات والدع*** والسلاح والأعضاء وتعمل كل حاجة شمال، والنقيض مبلغ شهري بيتوزع على المستشفى والملجأ.. ياخي ده انتَ مخصص مبلغ شهري لمصحة ادمان! ايه ده!؟ لا بجد! غريب انتَ برضو!

رفع منكبيهِ يقول بلامبالاة:

_ مش احسن ما اشيل قلبي خالص، على الاقل باقي فيَّ حبة بني آدم.

سخرَ بحديثه وهو يقول متهكمًا:

_ لا وانتَ الصادق ده عشان حبيبة القلب، لسه بتحاول متوصلش لمرحلة تحس نفسك متنفعش لها مش كده؟

بهدوء تام كان يجيبه:

_ بالضبط.

هز رأسه يائسًا، وقرر عدم التطرق لحديث عن تلك الفتاة اللعينة التي احتلت عقل ولده ولصقت بهِ كالغراء رغم غيابها! وسأله:

_ قولي خرجت منها ازاي؟ سابوك عادي كده من غير تحريات؟

التقط نفس عميق من لفافته وزفره بتروي وهو يقول بهدوء ثلجي:

_ ما يدوروا! أنا تحرياتي نضيفة ولا نسيت إني مبسبش ورايا هفوة.

رفع الأول حاجبه بتمعن وهو يقول باعجاب لم يخفيه:

_ شوف رغم إنك يدوب مكمل ٢٠ سنه بس مخك ذري وهيبقى ليك مستقبل باهر.

نهض بغتًة وهو يقول بقلة ذوق:

_ ميهمنيش ابهرك، حقي فين؟

_ وصل قبل ما توصل أنتَ هنا، الفلوس اتحولت على البنك.

اطفأ اللفافة في أحد الطفائات قبل أن يومئ بإيجاب متجهًا للخارج، لينظر “حسن” لأثره مرددًا بشرود وباستهزاء:

_ غبي.. هيضيع نفسه بسبب الحب وسنينه، اما نشوف اخرتها معاك يا… يا إبرام..

#صلوا على أفضل خلق الله♥️ متنسوش اللايك يا سكر ♥️

الفصل الثالث عشر “حظ عاثر”

” الأيام تمر، حتى وإن بقينا نحن في نفس مكاننا دون خطوة زائدة، الأيام تسير ولا تنتظر أحد، عقارب الساعة لن تتوقف لأجل أحد، وتقلبات الزمن لا تخضع لأحد، ولا تشفق بأحد، ولا تحدث وفقًا لرغبة أحد، فصدق من قال “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”

ديسمبر لعام ٢٠١٨…

ثلاثة أعوام كاملةً مروا.. ثلاثة أعوام تغير بهم الكثير، ولنسرد أهم ما تغير في حياة ابطالنا..

“خديجة”

تخرجت من المرحلة الثانوية بمجموع سبعون بالمئة فقط وقد كانت شعبة علمي علوم فخسرت حلمها في الالتحاق بأحد الكليات الطبية كما كانت تحلم دومًا، وشعرت أنها تائهة ولم يعد يفرق معها تحديدًا بأي كلية تلتحق حتى أنها باتت تفكر في ألا تلتحق بأي كلية وتكتفي بتعليمها الثانوية.. فقد استُهلكت بحق، ما حدث معها في تلك الثلاث سنوات كان كفيلاً بهدم رجل فما بالك بأنثى ضعيفة، هشة، صغيرة السن مثلها! ماحدث معها يفوق احتمال كل البشر، يكفي معانتها النفسية، وصمودها للآن لا يدل سوى على مدى قوتها حتى وإن لم تعلم هذا، يدل على أنها كالشجرة ذات الجذر المتعمق لن تقدر أي رياح عاتية على كسرها.

وقفت أمام المرآة تلف حجابها الأسود حريصة ألا تُظهر خصلة واحدة من شعرها، وبعدما انتهت عدلت كنزتها السوداء كحال تنورتها وتأكدت أنها تغطي أردافها فهي تعلم أن ثيابها باتت تضيق عليها مع تغير جسدها وبروز منحنياته ولكن ما باليد حيلة فهي لن تقدر على جلب تنورة جديدة حتى، نظرت لذاتها في المرآة بعدما توقفت عن تفقد ذاتها واصبحت تتفقد وجهها فقط.. عيناها الواسعة السوداء كعين المها المحيطة بأهدابها الكثيفة، حاجبيها المنمقان، وأنفها متوسط الحجم وبهِ استقامة، شفتيها التي لم تميل للغلظه بل بدت طبيعية تمامًا، وبشرتها الخمرية، بدت فتاة عادية ليس بها ما يجذب، بالعكس مع ارهاقها وتعبها والهالات السوداء القليلة التي زينت اعلى عيناها وشحوب بشرتها لحد ما، كل هذا جعلها ترى ذاتها اقل من أي فتاة عادية، لوت فمها بمرارة وهي تسير بكفها على وجنتها وتغمغم:

_ يعني لا مال ولاجمال ولا حتى حظ حلو في الدنيا!

صمتت قليلاً قبل أن تستوعب ما قالته فغمغمت مرة أخرى بضيق من ذاتها:

_ استغفر الله العظيم ايه الي بقوله ده بس، الحمد لله على كل حال.

عادت تنظر لتنورتها وهي تستدير لتصبح بجنب وعوجت رأسها لتنظر لأسفل ظهرها فضيقت ما بين حاجبيها بضيق وهي تقول:

_ برضو ضيقة، البلوزة مش مغطية وقصرت هي كمان.

عادت تقف كما كانت معتدلة وفكت حجابها لتلفه بوضع يجعل معظم الحجاب خلف ظهرها ولكن طوله لم يصل للطول الذي أرادته، تفحصت ذاتها مرة أخرى لتجد الوضع لم يتحسن، فنفخت بانزعاج وهي تقول:

_ يوووه بقى! اعمل ايه تاني! ايش حال ماكنت باكل طقة اه وعشرة لأ! نفسي افهم بس جسمي ده بيتخن من الهوا! ياربي اعمل ايه بقى معنديش حل تاني والله، هنزل بقى وربنا يسامحني، على ما اقدر اجيب جيبه تانيه اوسع او فستان.

التقطت حقيبتها واتجهت لخارج الغرفة لتجد شقيقها “مصطفى” يجلس فوق الأرضية ويضع كتبه أمامه منحنيًا يذاكر دروسه، فهو في المرحلة الاعدادية، ابتسمت بحنو وهي تتجه نحوه متسائلة:

_ ايه يا صاصا الي مقعدك كده بس؟ ضهرك هيوجعك.

رفع رأسه لها وهو يردد ساخرًا:

_ لا حوشي الانترية الي سايبه وقاعد على الأرض.

رمشت باهدابها بحرج من رده، وغمغمت بهدوء:

_ مش قصدي، بس قصدي تدخل على السرير احسن.

طالعها بضيق وهو يعقب:

_ سرير ايه الي اذاكر عليه؟ انا لما بقعد عليه بعوز انام.

لاطفته وهي تقول مبتسمة:

– معلش يا حبيبي ان شاء الله ربنا يفرجها ونجيب كنبه وكرسيين هنا.

رفع جانب فمه ساخرًا وهو يحدقها بعينيهِ البنية مستهزأً:

_ كنتِ عرفتِ تجبيلي الكتب الأول، مش جبتيلي كتابين الشهر الي فات وباقي الكتب كل حصة اروح للمدرسين من غيرهم ويحرجوني.

ادمعت عيناها وقد شعرت بالاختناق من ضغطه عليها وهي تقول:

_ اعمل ايه بس يا مصطفى هو انا بايدي! ما على يدك مرتبي يادوب بيكفي إيجار الشقة والكهربا والماية واكلنا وفلوس دروسك بالعافية.

احتد صوته وهو يخبرها:

_ ما تطلبي من الدكتور ده يزود مرتبك، مانتي بقالك سنة معاه.

هزت رأسها بنفي وهي تجيبه:

_ مينفعش، كفاية الراجل مديني مرتب عمر ماحد كان هيدهولي في اول شغلي كده، مينفعش ابقى بجحة واطلب منه زيادة كمان.

اشاح بيده بضيق وهو يقول بينما عاد للنظر في كتبه:

_ خلاص خلينا كده لحد ما نشحت.

تنفست بعمق وقد احتل الألم والحزن ملامحها قبل أن تنسحب من أمامه بعدما قالت:

_ ربنا كريم وان شاء الله هيسترها معانا ومش هنشحت ولا حاجه، وحاضر هجيبلك الكتب النهاردة.

اتجهت لباب الشقة مغلقة اياه خلفها لتستند على الحائط المجاور له وتساقطت دموعها بعجز وهي تغمغم بتعب:

_ يارب تعبت.. يارب مبقتش عارفة اتحمل ايه ولا ايه.

ظلت هكذا لدقيقة قبل أن تمسح دموعها وتستقيم مكملة سيرها قاصدة عيادة دكتور “كمال مختار” التي تعمل بها.

________________

وهناك على بُعد بعيد جدًا عن مكان “خديجة” كان يتحدث مع ولده بالهاتف بعدما خرجَ من المنزل كي لا يستمع أحد لهذه المكالمة، حاول استمالته وهو يقول برجاء:

_ بكفياك بُعد يا باهر، مكفكش سنتين ونص يا ولدي؟ مهمل بوك وخوك وامك ليه كل ده؟ الي حُصل حُصل وعدى عليه زمن ارچع بجى.

اتاه رد الآخر وهو يقول بضيق:

_ الي حُصل مش هين يابوي، ولا هنساه حتى لو بعد عشر سنين، بس الاكيد اني هرچع لبلدي وناسي بس مش دلوجتي، مجادرش صدجني، لما اهدى هرچع.

احتل الحزن ملامح والده وهو يقول:

_ بكيفك يا ولدي، منها لله الي كانت السبب.

قاطعه “باهر” باختناق:

_ الله يرضى عنكَ ماعاوز اسمع سيرتها واصل.

_ خلاص يا ولدي المهم جولي اخبار شغلك ايه يا دكتور!؟

اتاه رده الهادئ وهو يقول:

_ الحمد لله يابوي ماشي زين، وكل يوم بكتسب خبرة.

_ربنا يصلح احوالك يا ولدي يارب، ويحنن جلبك علينا.

على الجهة الاخرى، اتجه للشرفة وهو يستمع لدعوة والده، ليزفر بضيق شاعرًا بالتقيد، فهو من جهة يريد العودة لوالديهِ فلا ذنب لهما فيما حدث وسبب ابتعاده عن البلدة عامان كاملان، وبنفس الوقت لا يشعر ذاته مؤهلاً للعودة أبدًا، ليس الآن على الأقل، ليس وهو يشعر أن ما حدثَ حدثَ بالأمس! اغمض عيناه السوداء الواسعة وهو يضغط على نواجزه بغضب حين عادت له ذكريات عامان ونصف مضت.

__________________

وعند بطلة أخرى……

انتهت من وضع الكحل في عينيها السوداء الضيقة، ورتبت خصلاتها جيدًا اسفل حجابها، والتقطت حقيبتها القماشية بعدما قيمت ما ترتديه في المرآة للمرة الأخيرة باهتمام ليلاقي استحسانها، فقد أرتدت فستان صيفي باللون البني الفاتح لائم بشرتها الخمرية الفاتحة، ولفت حجاب من نفس اللون بهِ نقوش سوداء، نظرت لملامحها بابتسامة فلدومًا ترى ذاتها جميلة، بشفتيها الغليظتان قليلاً باغراء، وانفها المستقيم حتى قرب نهايته فيتسع قليلاً، وحاجبيها الأسودان المنمقان بعناية، ابتسمت لذاتها وهي تردف بعقلها:

– مخبراش كيف البهيم ده ملفتاش نظره.

ضحكت لذاتها بخفوت على سبّها إياه، قبل ان تخرج من الغرفة لكي تذهب لمقصدها، لكنها وجدت والدتها تجلس في بهو المنزل، فقالت بهدوء مقتضب:

_ انا هوصل للحاچ سالم اشوف نتيجة التنسيج “التنسيق”.

رفعت عيناها لها من اناء الرز الذي تقوم بتنقية ما بهِ من غبار او حبة فاسدة، وقالت بحدة:

_ وانا جولتلك متروحيش.

قطبت حاجبيها بضيق متسائلة بانزعاج واضح:

_ وه! ليه؟ مالزمن اشوف التنسيج جابلي چامعة ايه؟ ولا هنجم عاد!

وضعت الاناء جانبًا وهي تضع كفيها فوق بعضهما واسندتهما فوق بطنها في حركة شعبية، وهي تردف ساخرةً:

_ لا يا حيلة امك، مهتنجميش، بس مش هتفرج التنسيج اختار ايه، اكده او اكده، مهتتحركيش من الدار، لا هتسافري مصر ولا حتى سكندرية كيف ما بتجولي، ولا في چامعة من أصله بكفياكِ تعليم لحد اكده.

اتسعت عيناها بفزع، وشحب وجهها بعدما استمعت لحديث والدتها الذي لم تتوقعه، وقالت بخفوت:

_ يعني ايه!؟ انتِ مجولتليش اكده جبل “قبل” سابج.

ببرود تام اجابتها مبتسمة بسماجة:

_مكنتش رايدة خوتة دماغ، جولت اجولك في وجتها احسن.

حركت رأسها نافية بعدم تصديق، وأردفت:

_لاه، مهتحرمنيش من حلمي ياما صُح؟ ده.. ده انا چبت ال٩٦ وهدخل طب اسنان حتى لو بعيدة كيف ما كنت رايدة.. مهتجسيش عليَّ اكده.. انا خابره إنك بتهزِري معاي صُح.. انتِ بتضايجيني عشان بتحبي تشوفيني مضايجة، بس مهتعمليش اكده.

لم يظهر على ملامحها اي تأثر ولو طفيف! وكأنها لا تستمع إليها، أو أنها جماد لا يشعر! ظلت صامتة حتى انتهت الأخرى فعادت تلتقط اناء الأرز تكمل ما تفعله وهي تقول بقسوة:

_ همي غيري خلاجاتك “ملابسك” معوزاش وچع دماغ.

انهارت، وتُلفت اعصابها وهي تدرك جدية والدتها، لتسقط حقيبتها أرضًا، وأردفت بنبرة باكية، بينما عيناها احتقنت بالدموع:

_ حرام عليكِ.. انتِ بتعملي معايا اكده ليه؟ ليه مصممة تكسري بخاطري، وتدوسي على جلبي، هو انا مش بتك؟ لما انتِ مهتحبنيش خلفتيني ليه؟ چبتيني عشان تعذبيني وياكِ؟ عملتلك ايه لاجل الجسوة دي كلها؟!!

رفعت عيناها لها وهي تحدقها بشرر، وكأنها ترى عدوًا أمامها وقالت بسخرية:

_ هه، لو كنت خابرة اني هخلفك انتي مكنتش حملت من أصله، بس نجول ايه، طول عمري حظي فجر “فقر”.. واه، عشان تكملي ندب.. اعملي حسابك انا وعمك اتفجنا ان خطوبتك الشهر الچاي.

جحظت عيناها بفزع، وشهقت بقوة وهي تسألها بضياع:

– خطوبة؟ خطوبة ايه؟ خطوبة مين؟ انا… انا مفهماش حاچة.

وضحت لها الأمر وهو تقول بملل:

_ خطوبتك يامحروسة، خطوبتك على وِلد عمك.

دارت عيناها بضياع اكبر، وشردت بنظرها لثواني بصمت كأنها تستوعب ما تتلقاه من صدمات حتى سألتها بتيه:

_ وِلد عمي مين؟

ببرود تام كانت تجيبها وهي تحرك حبات الرز في الطبق وتنظر له:

_ ابراهيم.

تدلى فكها للأسفل بصدمة، وهي لا تستوعب ما تسمعه، لم يُذكر أمامها سلفًا أنَ ابراهيم يريد الزواج منها؟ لم تشعر منهُ بنظرة أو فعل أو حتى شعور يوشي بتفكيره بها! ولكن كل هذا لم يمنعها من الهدوء، بل وابتسم ثغرها ابتسامة بالكاد تُرى كي لا تكشفها والدتها، وتنحنحت بتوتر وهي تسألها بنبرة بدت اكثر هدوءًا:

_ ابراهيم؟ هو… هو يعني الي حدت “كلم” عمي! جاله انه رايدني يعني!؟

لوت فمها بضيق وهي تحرك حبات الأرز:

_ وهيفرج “هيفرق” معاكِ؟

توترت في وقفتها وهي تعض على شفتيها السفلى بارتباك وقالت:

_ وه! يعني مهيفرجش كيف؟ جولي بس وريحيني.

رفعت رأسها تحدقها بصمت لثانية كأنها تستشف ملامح وجهها، قبل أن تدرك أنها ارتاحت للفكرة، لكنها لم تهتم وهي تقول بهدوء:

_ مخبراش.. عمك هو الي اتحدت وياي، جالي انه رايد ياخدك لابنه.

اختفت الراحة من ملامحها، وقطبت جبينها بعدم فهم متسائلة:

_ يعني ايه؟ مش هو الي رايدني؟

_ مهتفرجش معايا، كفاية عمك رايدك، حتى لو هو مرايدش، مهيجدرش يجول لابوه لاه “لا” .

طفرت الدموع من عينيها بعدما أدركت عدم رغبته بها، وتحطمت آمالها، وعادت بائسة كما كانت تمامًا، وهي تدرك أنها لم تنجح في لفت نظره يومًا، فقالت بنبرة مختنقة:

_ وانا مهتجوزوش ياما مادام مش رايدني.

انهت حديثها واتجهت لغرفتها ودموعها تسبقها، وضعت “سرية” الطبق بحدة فوق الأريكة وهي تنهض بملامح غاضبة بشدة، تلحق بها وهي تهتف بصوتٍ عالٍ:

– بجى بجولك الراجل مهيجدرش يجول لابوه لاه، وانتِ هتجوليلي انا لاه، ده انا كنت اجطم رجبتك.

دلفت للغرفه لتلتف لها “فريال” باكية وقد أُرهقت اعصابها وقالت بقهر:

_ معوزاش، مهتجوزش انا دلوجتي…واه بجولك لاه والي كيفك فيه اعمليه.

اقتربت منها “سرية” خطوة واحدة وهبطت على وجنتها بكفها بعنف جعلها ترتد للخلف بضعف، ولم ترحمها حين رفعت وجهها لها تحاول الحديث، لتنالها صفعة أخرى ادمت جانب شفتيها، أجهشت في البكاء أكثر مرتدة للخلف بخوف تلقائي، لتعود “سرية” تجذبها من ذراعها بقوة لاوية ذراعها خلف ظهرها، مرددة بملامح جامدة ظهرت بها قسوتها المعتادة وبنبرة جامدة قالت بتحذير:

_ الله في سماه يوم ما تفكري تعصيني وتخرجي عن طوعي لأكون جتلاكِ وشاربة من دمك.

هزت رأسها باصرار نافية الانصياع، وهي تهتف من بين شهقاتها:

_ماهتجوزوش ياما حتى لو جتلتيني ماهتجوزوش.

صفعة أخرى أعنف سقطت على وجنتها الملتهبة من كم ما لاقت من صفعات ووالدتها تهتف بنبرتها القاسية:

_ هتتجوزيه ورجلك فوج رجبتك، معندناش بنات تجول رأيها في جواز.. وإن كنتِ أنتِ عبيطة ومعرفاش مصلحتك يبجى كلامك ملهوش عازه عِندي.

صرخت في وجهها وهي تقول بقهر:

_ ماريدنيش! هو ماريدنيش ومغصوب على جوازه مني.

قطبت “سمية” حاجبيها باعتراض بعدما تركت ذراعها منفضة اياه:

_مخبولة اياك! مفيش راجل بيتجبر على جوازة، انا مجولتش انه مجبور، جولت معرفاش اذا كان هو الي طالب ولا عمك، وحتى لو عمك هو متربي مهيجفش في وشه كيفك يا عديمة الرباية، وليه هيبجى مش رايدك؟ عفشة ولا ناجصة ايد! ومادام عمك كلمني اكيد هو موافج.

هزت رأسها بيأس وهي لا تهتم لحديث والدتها الأخير، وبدموعها التي تغرق وجنتيها قالت:

_ يبجى جال اهي جوازه والسلام، يعني برضو ماريدنيش انا! ماريدش فريال ياما، وطول حياتنا سوا عمري ماهشوف في عينه نظرة حلوة ليَّ.

اقتربت خطوة منها ممسكة ذراعها بحدة أخافت الأخرى وهي تهتف بحدة:

_ بت أنتِ كلام فاضي معوزاش، كلامك ده ملوش عازة عندي، الي ليكِ ان الراجل موافج على الجوزاة ان شا الله يفشفش عضمك بعدها مليش صالح، وإن سمعت صوتك ولا كلمة لأ نطجتيها هجطع خبرك.

نفضتها عنها دافعة اياها للخلف بقوة أسقطتها أرضًا ولم تعبأ لها وهي تخرج من الغرفة مغلقة الباب خلقها بقوة.

ضمت ركبتيها لصدرها وهي تردد بنبرة مختنقة من بين شهقات بكاءها:

_ حرام عليكِ، ليه غاوية تعذبيني وتحرجي جلبي، هعيش ازاي وياه وانا خابره انه مجابلنيش، هعيش ازاي وياه وانا حبه معشش في جلبي.. جلبي الي مش هيلاجي نظرة منه ترضيه.

هزت رأسها بقهر على حالتها ووضعها وهي تجهش في بكاء عنيف، عاجزة عن الرفض، ومقيدة عن التصرف، كالبهيمة التي تساق للذبح، فلا تملك قرارًا في يدها ينقذها من مصيرها الغابر.

___________________

وقف بجسده المعضل والذي اكتسب بنيان اقوى مع مرور الثلاث سنوات ومواظبته على ممارسة رياضاته المفضلة، حتى ذقنه نمت اكثر فأصبحت لحية اثقل من السابق لكنها ليست بالثقيلة فهي فقط مهذبة ووسط بين اللحية الخفيفة والاخرى، واضعًا كفه في جيب بنطاله القماشي الأسود، وواقفـاً بشموخ كعادته فاردًا ظهره، وكفه الأخرى ينفس لفافة التبغ من بين أصابعه، اخرج دخانها من فمه، وعقله شاردًا بعيدًا، هناك… بها، “فتاته الصغيرة” التي يصر القدر على ابعادها عنهُ بكل السُبل، فالرجل الذي كلفه بالبحث عنها توفى في حادث سيارة قبل أن يكمل بحثه، وقبل انقضاء الشهر ونصف الذي حددهم له “مراد”، وهذا جعله يكلف رجل اخر، بحث من اول وجديد على قائمة من يدعون “محمود الدالي” في سوهاج، والبحث ثم تصفية الأسماء اخذ خمسة أشهر كاملين، وبعدها ابلغه بالبشارة وانه وجد الشخص المعني، واخبره بعنوانه، ليركض “مراد” على الفور الي سوهاج رغم تخطى الساعة الثانية صباحًا لكنه لم يهتم، وحين وصل أخيرًا لمنزلها حدث ما لم يتوقعه..

منذُ عامان ونصف…

اوقف سيارته مصدرة صريرًا عاليًا كالعادة يدل على مدى سرعته، ترجل من السيارة بقميصه الغير مرتب وخصلات شعره المبعثرة، مظهره دل بوضوح على مدى استعجاله، فلقد كان يستعد للنوم حين جاءه الخبر، فنهض مسرعًا وارتدى ما جاء أمامه دون اهتمام، فقط يهتم بان يصل لها، وصوله كان مع بداية انكشاف ضوء النهار وانجلاء الليل، فقد وصل بعد الفجر بقليل، وقف ينظر لباب المنزل بقلب آلمه من كثرة دقاته، لا يعلم ماذا سيفعل حين يراها! وماذا ستكون ردة فعلها؟ هل يجب عليهِ معاقبتها لابتعادها عنه؟ أم احتضانها لسد شوقه!؟ حقًا ليس لديهِ أدنى فكرة عن كيفية اللقاء، لكنه متحمس جدًا له، تحرك تجاه الباب وخطواته مترددة، تارة يتقدم وتارة يتأخر، يزدرد ريقه بتوتر كبير، لم يشعر بأيًا من هذا من قبل، لم يعش كل هذه المشاعر المتوترة سلفًا، وصل أمام الباب ليأخذ نفسًا عميقًا وهو يقرر طرقه، رفع قبضته وكاد يطرق الباب لكنه توقف حين ضر*ب بعقله شيء.. ماذا سيقول لمن يفتح أيًا كان؟ إن سأله ماذا يريد ماذا سيخبره؟ وإن كانت هي ماذا سيقول لها؟ وماذا ستفعل أن أخبرها بهويته؟ هل ستتقبله؟ أم ستصرخ طالبة الآمان من غيره؟ أم ستقذفه بعدة كلمات قاسية وربما تسبّه وتطلب منه الرحيل وألا يعترض طريقها مرة أخرى؟ ولأن “مراد” ذكي علمَ انه من الغباء ما سيفعله الآن، بل لربما يتسبب بتعقيد الأمر بينهما اكثر… ملسَ بكفه على الباب وهو يطالعه بقهر، حبيبته خلفه ولا يقدر على رؤيتها! من بحث عنها سبعة اعوام ونصف تقبع خلف هذا الباب اللعين ولا يستطع تخطيه! يالسخرية القدر!

واثناء وقوفه كان احدهم يمر فظنه قد طرقَ الباب ولم يجد اجابه، فوقف وهو يخبره:

_ يابو عمه، محدش اهنه.

تمالك نفسه قبل أن يلتفت لذلك الرجل، وعقد حاجبيهِ سائلاً اياه باستغراب:

_ اومال فين اهل البيت؟ مش ده بيت الحاج محمود الدالي، ابو سارة.

اومئ له وهو يقول:

_ ايوه، هو بيته.. بس هنجول ايه محدش خابر الي حوصل.

اتجه ناحيته حتى وقف امامه فسأله باستغراب:

_ انا مش فاهم، يعني هم فين ولا في ايه؟

ضيق الرجل عيناه بشك يسأله:

_ وانت تعرفهم منين؟

بهدوء اجابه:

_ معرفة قديمة.. المهم هم فين؟؟

قالها وهو يخرج بعض العملات الورقية من جيبه واعطاها للرجل، التقطهم سريعُا بابتهاج واجابه:

_ هجولك.. مخابرش اي المشكلة الي حصلت بين الحاج محمود وعيلته، بس احنا في يوم سمعنا زعيج من داره وصريخ وبعدها بيوم كان واخد عياله وعفشه “فرشه” وساب البلد، الحديت ده من اسبوعين أكده من وجتها محدش شافه واصل.

نظر للجهة الاخرى وهو يطلق ضحكة ساخرة، حقًا! هل ظلت هنا سبعة أعوام ومن اسبوعين فقط قررت الرحيل! يالحظه العاثر! حرك رأسه بائسًا، وملامح السخرية بدت تنجلي ويحل محلها كل معاني الألم، التفت للرجل بوجه جامد تحول في ثانية استطاع فيها مداراة مشاعره، قبل أن يسأله بنبرة اثارت ذعر الآخر:

_ بقى انتَ مش عارف السبب؟

توتر الرجل واذدرد ريقه قبل أن يقول بلجلجة:

_ والله يا استاذ… يعني.. هو بصراحة كل الي عارفه حاجه ممكن متفيدكش.

احتدت نظرته اكثر وهو يقول بقوة:

_ملكش دعوة تفدني ولا لأ، انطق.

اومئ برأسه سريعًا وهو يقول بخوف:

_ استهدى بالله ياستاذ هتتزربن “هتتعصب” ليه بس، هجولك.. هم من ييجي كام شهر اكده بعد ما مرته ماتت..

قاطعه “مراد” بصدمة وهو يسأله:

_ دنيا ماتت؟

تعجب الرجل من قوله اسمها دون القاب، فالفارق العمري بينهم كبير، لكنه لم يهتم كثيرًا وهو يسرد بشغف:

– ايوه، من ييجي كام شهر.. من بعدها والبت بتها مخابرينش اي الي جرالها، زي ماتكون عجلها من الصدمة فوت.

ارتجف قلبه بقلق وهو يشعر بشيء سيء اصابها، ومن عدة اشهر! إذًا حين شعر بقلبه يؤلمه بتلك الطريقة التي انبأته انها ليست بخير!، ولكن مهلاً ما له هذا الحقير يتحدث عنها هكذا! امسكه من تلابيب جلبابه بغضب وهو يهدر بهِ:

_ اتكلم بادب يا راجل انتَ، ولم لسانك اي عقلها فوت دي!

اسرع الرجل يحاول جذب نفسه من قبضة الآخر وهو يقول بتوتر:

_ وه! مجصديش يااستاذ والله، خلاص مهجولش كلمة عفشة.

تركه بملامح واجمة، واعين تنبعث منها شرارات الغضب، ليزدرد الرجل ريقه وهو يكمل:

_ احنا بجينا نسمع صراخها كتير وكان محمود في الكام شهر الي فاتوا بيتدلى لمصر كتير ولاني صاحبه من زمان سألته في مرة، فجالي انه هيخلي دكتور نفساوي من مصر يشوف بته، وجالي ان الي هي فيه دِه عشان كانت متعلجه بامها هبابة “شوية”، فم8وتها تعبها اكده، و بعد اليوم اياه الي جولتلك عليه بكام شهر، شوفت محمود وهو هيعزل، وجتها استغربت، وسالته على فين، جالي انه هيتدلى على مصر عشان يكمل علاج بته وان المشوار بعيد عليه فهيجعد في مصر، بس يدوب خلصنا حديتنا ومشي شوية سمعت “مصطفى” ولده بيتكلم مع واحد صاحبه بيجوله انه مهيعاودش أهنه تاني واصل، وهيبجوا في مصر، وجاله ان ابوي اتعارك مع عمتي وعمي عشان اكده مهيرجعش اهنه.. ده كل الي خابره والله.

عاد من ذكرياته حين شعر بلسعة اللفافة لأصبعيهِ فانتبه من شروده وهو يزفر بحنق، يتذكر كيف مضى بعدها شهر كامل بائسًا، فاقدًا الشغف، كانت اكثر فتره ظهر فيها عصبيًا وغاضبًا معظم الوقت، حتى انه ذات مرة رفع صوته على والدته من سوء مزاجه، ولكن بعدها ذكرَ نفسه انه وعد ذاته ألا ييأس، فعاد يبحث عن اقارب ذلك الرجل “والدها” وسرعًا ما توصل لعائلته التي تسكن في نفس البلدة ولكنه لم يستفيد من الأمر فحين ذهب لعمها متحججًا أن والده له دين لمحمود وجاء هو ليقضيه مكانه، اخبره الآخر ان شقيقة ترك البلدة منذ مدة، وحين طلب عنوانه الجديد، اقسم له انه لا يعرفه وقد تعمد شقيقه هذا لخلاف حدثَ بينهما، فلم يخبره بمحل سكنه، بل لم يهاتفه من وقتها حتى رغم مرور شهر ونصف، وانه قد ذهب من هنا مقررًا عدم العودة، ووقتها دارت الدنيا بهِ مرة أخرى، ولم يعد يدرك للقائها سبيلاً، وظل لثلاثة اشهر بعدها متوقفًا عن البحث لم ييأس، ولكنه لم يجد طريقه يصل بها إليها، حتى قرر إعادة ما فعله بسوهاج، فكلف شخص برجاله بالبحث عن اي عقد إيجار او شراء منزل وُثق في الشهر العقاري باسم والدها في نفس التوقيت الذي اخبره عنه ذلك الجار بذهابهم، ولأن القاهرة اكبر بكثير.. ولأن البحث بين ملفات الشهر العقاري ليس سهلاً، اخذ الأمر للأن ثلاث سنوات ولم يتوصلوا لشيء بعد….

اتجه لمكتبه وجلس فوقه بارهاق، مغمضًا عيناه بتعب من ذكرياته، يشعر بذاته يركض في سباق لا ينتهي ولا تظهر نقطة نهايته، عشر سنوات للآن ولم يجدها، لو كان يبحث عن إبرة في كومة قش لوجدها منذ زمن!

فتح عيناه سريعًا حين استمع لتلك الرنة المميزة التي خصصها لذلك الرجل المسؤول عن البحث عنها، التقط الهاتف مجيبًا على المكالمة وهو يتمنى لو يسمع خبرًا جديدًا يسعده:

_ ايوه يا نبيل.

اجابه “نبيل” سريعًا بنبرة فرِحة:

_ لقيناهم يا باشا، عرفنا مكانهم خلاص عيلة فيها كل الاسماء الي حضرتك قولتها بالاعمار كمان.

انتفض واقفًا وملامح وجهه ظهر عليها عدم تصديق واضحًا قبل أن تلمع عيناه بالدموع وهو يسأله بلهفة لم يحاول مدارتها:

_ بجد! لقيتهم بجد؟ لقيتهم فين؟ متأكد إن هم؟

اتاه الرد على الجهة الأخرى وهو يقول:

_ والله لقيناهم.. العقد باسم محمود الدالي، وساكن في الشقة بنت وولد، خديجة ومصطفى، ده الي عرفته لما سألت الراجل بتاع السوبر ماركت الي قدامهم، قال ان بنت الراجل وأخوها هم الي عايشين في الشقة بعد مو*ت ابوهم من سنة، وانهم من الصعيد اصلاً.. وقال كمان ان البنت شغالة سكرتيرة عند دكتور نفسي.. كان فاكر اني عريس عشان كده قالي كل المعلومات دي وانا فضلت مفهمه اني فعلا عريس عشان اخد منه معلومات، لحد مابالصدفه وانا واقف قالي اهي نزلت اهي، لفيت لقيت بنت طالعه من باب العمارة، عملت نفسي عارفها واستأذنت منه وخرجت ومشيت وراها من غير ماتاخد بالها لحد ما عرفت العيادة الي شغاله فيها.

بهرولة كان يلتقط مفاتيح سيارته فقط حتى لم يهتم بسترته، وهو يركض للخارج بانفاس متسارعة، وعقله يردد.. لن اضيع اثرها مرة أخرى، حتى انه لم يهتم ب السكرتيرة الخاصة بهِ التي كانت على وشك دق باب المكتب، واصطدم بها بقوة اوقعتها ارضًا ولم يبالي وهي تطالع ركضه باندهاش فمنذُ متى وربّ عملها يركض هكذا بهرجلة!؟ والاندهاش كان نصيب كل من بالشركة وهم يروه يهرول بهذه الطريقه بل ولا يرتدي سترته كالعادة!

استقل المصعد الكهربائي وهو يهتف لنبيل، بتحذير:

_ متفارقش مكانك، ولو جيت ملقتهاش يا نبيل هاخد روحك.

واغلق الهاتف وانفاسه مسموعة كمن يركض في سباق، وكل ما يفكر بهِ حاليًا أن يلحقها قبل أن تضيع منه مرة أخرى، وهذه المرة ستكون القاضية بالنسبة له….

#الفصل الخامس عشر “رُدت روحي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *