المرارة 1
الفصل الاول
تعلن الخطوط الجوية التابعة لمصر للطيران عن وصول رحلتها رقم 704 والقادمة من باريس تردد النداء فى انحاء المطار ليتنهد رجل فى منتصف الستينات تقريبا وهو يضيق عينيه ليعادل الرؤية التى ضعفت بفعل الزمن ويجول باحثا عن وجه غاب عن عينيه لسنوات طويلة وجه يحمل بملامحه ذكريات الطفولة وعنفوان الشباب وطيشه وجنونه اعوام طويلة فصلت بينهما الا ان الوصال لم ينقطع وان كان هاتفيا ربما كان هذا كافيا ليبقى ميثاق الصداقة قائما لكل هذا العمر رغم كل مافصل بينهما من مسافات أخذ يدقق النظر باحثا عن صديقه الذى قرر بعد اعوام طويلة العودة الى ارض الوطن مع ولديه حتى تلاقت اعينهما اخيرا ففتح كل منهما ذراعيه من قبل ان يقترب حتى من الاخر خطوات مسرعة متعثرة من كليهما دفعتهما فى النهاية الى عناق طويل وحميم بثا فيه كل ما اختزناه من مشاعر وذرفت فيه كثير من الدموع دموع الحنين لكل شىء للصحبة للوطن للاهل ولكل ذكرى حلوة كانت ام مرة دموع الكهولة ما اسهلها وما ايسر ان تراق فى لحظة وكأنها تخرج كل ما مر به الانسان على كل فترات حياته بعد دقائق استطاع كل منهما التخلص من بين ذراعى الاخر وان بقيت الايادى متشابكة بعض الشىء نظر محمود الى صديقه الغائب في حنين قائلا اخيرا يا سمير رجعت بلدك اخيرا
دمعت عينا سمير فى تأثر وقال اخيرا يا محمود وترك يده وهو يشير الى طفل فى التاسعة من العمر يرتدى نظارة سوداء كان اشقرالشعر يحمل ملامح اوربية صميمة مسح محمود على شعره وهو يقول على ابنى
مد محمود يده للطفل ليصافحه فلم يستجب فأشار سمير الى عينيه ليمتقع وجه محمود فى صدمة فالطفل كفيف تخلص من صډمته ليمسك بكتفى على وينحنى مقبلا جبينه وهو يقول ازيك ياعلى معلش يابنى مش بعرف فرنساوى
تفاجىء محمود للمرة الثانية حين رد عليه على بابتسامة بتكلم عربى كويس يا عمو ازى حضرتك
اعتدل محمود فى دهشة فرؤية هذا الطفل بملامحه الغربية تلك يتحدث العربية تبدو مزحة بالفعل وقبل ان يعلق ابتسم سمير وهز رأسه وهو يشير الى فتاة تبدو فى منتصف العشرينيات تقف خلفه وهو يقول ودى ايلى ايلينا بنتى
يبدو ان هذا هو اليوم العالمى للذهول فقد فتح محمود ثغره وهو يتأمل تلك الفتاة التى وقفت تبتسم فى ثقة كانت على عكس شقيقها تحمل ملامح مصرية صميمة ورثتها بالطبع عن ابيها ويبدو انها لم ترث من امها ملمحا واحدا كانت قمحية البشرة بنية العينين وللدهشة كانت ترتدى حجابا بسيطا وانيقا يتناسب مع زيها الراقى والمحتشم قطعت ايلينا تأمله وهى تقول عمو محمود ازى حضرتك بابا كلمنا كتير عنك
ابتسم محمود وهو يضع يديه فى خصره وينظر الى سمير قائلا ماشاء الله ولادك بيتكلمو عربى كأنهم اتولدو واتربو فى مصر مع ان عمرهم ما زاروها
ضحك سمير فأردف محمود بصراحة لما قولت انك جاى مع ابنك وبنتك متخيلتش انهم هيكونو كدة انا قولت هلاقى اتنين خواجات لكن اتفاجئت بيتكلمو عربى كويس وكمان ايلينا فرنساوية ومحجبة
ردت ايلينا نيابة عن ابيها فى ادب جم احنا اه مشوفناش مصر قبل كدة بس لينا نص مصرى وبالنسبة للحجاب فده فرض على كل مسلمة واعتقد انه مش متحدد لا ببلد ولا چنسية
نظر لها محمود فى اعجاب وقال ماشاء الله ياسمير عرفت تربى
قال محمود فى تأثر وهو يأخذ ولديه تحت ذراعيه مش لوحدى جانيت الله يرحمها كانت ليهم نعم الام
تنهد محمود فى تعاطف وهو يرى صديقه يرثى قصته القديمة وقال الله يرحمها اما بداخله فلا زال ذهوله على وضعه جانيت الفرنسية المتحررة التى خسر سمير اهله من اجل الارتباط بها وغادر ارض الوطن باكمله من اجلها ولامه كل انسى على وجه البسيطة وحذره من عواقب ما يفعله تنجب له ولدين يسرا القلب والعين هكذا كيف ربتهما معه وعلى حد علمه انها لم تكن مسلمة حين تزوجها و قطع شروده صوت سمير وهو يقول مش يلا بينا يامحمود انا والولاد محتاجين نرتاح تنهد محمود وهو يشير الى سائقه الذى رافقه ليساعدهم فى نقل الحقائب
فتح سمير باب المنزل القديم منزل العائلة خطا فى تردد وكأن صدى اصواتهم لازال يجلجل فى اذنه كآخر مرة له فى هذا البيت تلك الاصوات التى كانت تعلو وتعلو لتعنى شيئا واحدا انه لم يعد له مكان تبعته ايلينا وهى تمسك بكف اخيها لتمنعه من التعثر نظر محمود الى صديقه الذى كان يتأمل كل زاوية من زوايا المنزل فى بطء ويتلمس الجدران فى حنين جارف رغم القسۏة والنبذ والحرمان تظل العائلة هى الملجأ والمأمن يظل عشقها كعشق الوطن لعڼة ظل سمير يتأمل المنزل وهو يستدعى كل ذكرياته به به قضى بعضا من طفولته وجل شبابه فى هذا المنزل بدأت احلامه وطموحه هذا المنزل يحمل رائحة من حنان امه وبعضا من شدة ابيه كل شىء فيه بقى على حاله الا الارواح الطيبة التى كانت تسكنه اقترب من منضدة وضعت عليها صورة لامه وابيه رفعها ودمعة تسيل على وجنته وهو يمسح بكفه عليها ويمر امام عينيه شريطا سريعا لذكرياته يتوقف عند المحطة الفاصلة جانيت الفرنسية التى عشقها ولم يندم يوما على حبه لها الذى كلفه الكثير دخلت حياته منذ ثلاثون عاما كان شابا يافعا سعيدا بوظيفته الجديدة فى احدى شركات الاستثمار الاجنبى حين رأى جانيت لاول مرة وقد جاءت لزيارة مصر مع وفد فرنسى كان مرافقا لهذا الوفد ولفتت جانيت بجمالها عقله العابث فهو لم يكن أكثر من شاب سطحى التفكير كأغلب جيله حاول التقرب اليها فتفاجىء بها تسأله فى احدى المرات عن الاسلام وتطلب منه ان يتحدث لها عنه تفاجىء سمير بطلبها فهو بالكاد يؤدى صلاته ولم يكن بالالتزام او الخبرة الكافية لهذه المهمة التى بالفعل لمست قلبه فلم يكن امامه خيار سوى ان يتعلم ويعلمها اقتربا معا من الله وسلكا طريقهما اليه سويا واكتشف معها لذة ايمان افتقدها فى حياته تعلمت جانيت معه كل شىء عن الاسلام وتبقى فقط القرار الاخير وهو اشهارها لاسلامها فى هذا الوقت لم يكن لدى سمير ادنى شك ان جانيت قد اصبحت جزءا هاما فى حياته وانه بالفعل احبها وتمناها زوجه له ليكملا معا الطريق فعرض عليها الزواج ولم يحسب ان ردة فعل اهله ستكون بهذا العڼف فقد رفضتها العائلة ورفضته معها ولفظته تماما خارجها حاول سمير وحاول سنوات ولكن دون جدوى بل واستغل والده نفوذه ليضيق عليه العيش فى وطنه فأصبح يفصل من عمل ولا يلبث ان يستقر فى غيره ليفصل منه ثانية حتى انتهى الامر واتخذ قراره بالهجرة الى باريس وبلا عودة فهو لن يحتمل ان يبقى فى وطن تحاك له فيه المؤامرات من اقرب الناس اليه لن يحتمل ان تنبت مشاعر الكراهية بقلبه تجاه اهله او تجاهه منهم لن يحتمل ان يحرم عليه رؤيتهم وهو على بعد كيلو مترات منهم لن يحتمل ان سمير انتبه على صوت محمود فاستدار له وهو لازال يحمل صورة والديه بين اصابعه انت كنت بتقول حاجة يا محمود نظر محمود الى الصورة وقال فى تعاطف بقول لو محتاج تشوف مكان تانى اشوفلك
وضع سمير الصورة وهو يقول لمحمود فى امتنان كتر خيرك يا محمود لحد كدة كفاية اوى تعبتك فى تنضيفه وتجهيزه تانى
قال محمود فى عتاب احنا اخوات يا سمير وبعدين يعنى هوا انا اللى نضفته بنفسى ماهم الخدامين
واضاف وهو ينحنى قليلا اه بالمناسبة انا شوفتلك مكان مناسب للكافيه اللى انت عاوز تفتحه مع انى قولتلك ملوش لزوم وتشتغل معايا وانت اللى مش عاوز
هنا تدخلت ايلينا فى الحوار قائلة حضرتك برضه هتفتح كافيه فى مصر
هز سمير رأسه قائلا ايوة يا حبيتى انا مش بفهم فى حاجة غير كدة
هزت ايلينا رأسها فى تفهم ونظرت الى المكان فى تفحص سريع وقالت هشوف اوضا ليا واوضة لعلى عشان نستريح بعد اذنكو واخذت ايلينا بيد على وادخلته الى احدى الغرف كان كفيفا ولكنه ذكيا للغاية ويمتلك من الحكمة مالا يمتلكه من تجاوزه بالعمر سنوات لم يكن من هؤلاء الذين يتذمرون من اعاقتهم ليحيو حياة درامية بل كان متعايشا معها كأنه امر طبيعى قدر لكل البشر كعادته حين دخل الغرفة اخذ يتعرف عليها بلمساته ويحفظ كل شىء فى ذاكرته بسرعة ليستطيع التحرك بها فى حرية عقدت ايلينا ساعديها وهى تراقب اخاها بابتسامة ملاك حارس يراقبه دوما بعلمه او دون علمه فعلى لم يكن اخاها الاصغر بل هو صديقها المقرب الذى تستمع الى رأيه فى بعض الاوقات حين يعرض حلولا لمشاكلها بسيطة كبساطة تفكيره ونقية كنقاء قلبه الذى لم يلوث بنزاعات البشر بعد جلس على على طرف الفراش وقال وهو يخلع نظارته كدة حفظت الاوضة خلاص باقى الشقة لما ارتاح شوية
ربتت ايليلنا على كتفه قائلة تحب اساعدك فى حاجة حبيبى
ربت على يدها قائلا شكرا ايلينا بس ياريت لو تجيبيلى شنطتى من برة
احضرت له ايلينا الحقيبة وفتحتها ولم تتدخل كما يحب فهى واثقة فى قدرات على التى تجعل ايا كان يشك فى كونه كفيف من الاصل تحسس على الحقيبة واخرج ثوبا للنوم منها واعاد غلقها من جديد فقالت ايلينا تحب ارتبلك الهدوم فى الدولاب
بدأ على فى فك ازرار قميصه وهو يقول من امتى يا ايلينا بتساعدينى انتى عارفةانى بحب ارتب حاجتى بنفسى
قالت ايلينا بسرعة حبيبى انا مقصدتش حاجة انا اقصد ان المكان جديد مش اكتر
ابتسم على قائلا بس انا حفظته وحفظت كمان الدولاب فيه كام رف وكام دلفة ما تقلقيش همت ايلينا ان ترد لولا ان قطع رنين الهاتف صوتها فتنهدت ليقول على روحى ايلينا ردى على تليفونك وارتاحى شوية انتى كمان
نظرت ايلينا الى على قائلة فى جدية وهى تنظر الى هاتفها لو احتجت حاجة حبيبى بس ناديلى
ابتسم على بينما خرجت ايلينا لتفتج باب الحجرة المجاور لعلى مباشرة وتفتح المكالمة هاتفة بالفرنسية التى تجيدها اكثر من العربية فهى اللغة التى ظلت تتحدثها سنوات صوفيا كيف حالك عزيزتى
جاءها صوت صوفيا الساخر كيف حالك انتى وحال الصحراء التى سافرت اليها
امتعض وجه ايلينا وهى ترد مصر ليست صحراء ابدا صوفيا انا واثقة
انها جميلة
—
ضحكت صوفيا قائلة ربما ولكن ليست اجمل من فرنسا وطنك يا عزيزتى
ابتسمت ايلينا وهى تتأمل الغرفة وهنا وطنى ايضا يا صوفيا
تنهدت صوفيا قائلة بالمناسبة حينما علم ريان بسفرك اقام الدنيا ولم يقعدها لا اعرف حقا علام ينوى بالضبط تجاهك
زفرت ايلينا فى ضيق قائلة فليذهب الى الچحيم لقد انتهينا ولا سبيل للعودة بيننا ابدا
ولكنه يحبك ايلينا انتى تعلمين ذلك
قالت ايلينا فى حنق هذا ليس حبا ابدا لقد حاولت كثيرا وانتهى الامر ولن ابقى طيلة عمرى فى دائرة الخطړ
ربما لم تحبينه بالقدر الكافى لتحمل المخاطرة من اجله
اغمضت ايلينا عينيها وقالت عزيزتى صوفيا دعى عنك تلك الاحلام الساذجة فهناك اشياء كثيرة اكبر من الحب تتحكم بنا
حقا لا اعرف بما اجيبك ولكن اتمنى لك السعادة فيما تختارينه
ابتسمت ايلينا وقالت وانا ايضا صوفيا وبالمناسبة هل فكرت فيما قلته لك
ضحكت صوفيا وقالت جملتها المعتادة التى سأمتها ايلينا بالفعل فيما بعد ايلينا فيما بعد
قالت ايلينا فى احباط لافائدة ترجى منك ايتها المتهورة انتبهى لحالك جيدا وتوقفى عن نسيان اشيائك فى كل مكان فلم اعد موجودة خلفك دائما لاجمعها مع السلامة
انهت ايلينا المكالمة وهى تنظر الى اثاث الغرفة العتيق والراقى فى الوقت ذاته كان طراز البيت عربيا كلاسيكيا للغاية رأته فى كثير من الافلام المصرية القديمة التى كانت تتابعها لتشعر بها انها تأخذها لجولة فى وطنها الام نظرت الى صورة كبيرة تحتل جزءا ليس بالهين من احد الجدران ومن الواضح انها لجدها ملامحه صارمه ذو حاجبين كثين وشارب مفتول ونظرة قاسېة لا تعلم هل اصطنعها ام الزمن كان كفيل بنقشها على ملامحه بدأت فى فك حجابها وهى تقف امام المرآة تفرد شعرها الغجرى الاسود الذى يمتد الى نهاية ظهرها ليعطها مظهرا مثيرا يختلف تماما عن مظهرها البرىء بالحجاب لم ترث ايلينا ملمحا واحدا من ملامح جانيت ورثت اكثر من ملامح محمود فجمالها كان مصريا خالصا له جاذبيته يزيده تلك النظرة الواثقة المتحدية فى عينيها وشخصيتها المنفردة الممتزجه بالتزام شرقى فى الخارج والتزام غربى عملى فى داخلها تمنت كثيرا ان تزور مصر فى الماضى ولكن لم يخطر ببالها الاقامة ولا تعرف لما قرر ابوها العودة فى ذلك التوقيت بالذات وخاصة بعد ان مر على ۏفاة جانيت خمس سنوات وحياتهم واعمالهم مستقرة كثيرا فى باريس التى تحبها ولم تفكر ابدا فى تركها ففيها عاشت كل ذكرياتها مع امها الراحلة وفيها صديقاتها العديدات على اختلاف ثقافتهن وفيها خاضت اكثر من معركة من اجل حجابها معارك لاتنتهى وتشعرها بلذة حقيقية فهى كانت تجاهد من اجل مبادئها ودينها وستختفى تلك اللذة فى وطن اسلامى كما تتوقع عن مصر لا تعرف لما تشعر بعدم الارتياح منذ ان قرر والدها العودة الى مصر لاتدرى سببا لشعورها بالاختناق منذ ان وطئت قدمها ارض المطار تنهدت وهى تتعزى انها مجرد اعراض لاى بداية ونقلة جديدة فى الحياة ودعت الله ان تكون بداية موفقة
ترأست سميرة مائدة الافطار حيث غاب زوجها هذا الصباح لمقابلة صديقه فى المطار كما اخبرها نظرت الى الاطباق المتراصة بعناية وتأكدت ان الخدم ليسو بحاجة الى اى لفت نظر هذا الصباح فقد نفذو اوامرها دون اى اضافات او نقصان معتاد نظرت الى السلم حيث كان يهبط ابنها الاوسط زين بخطواته السريعة التى تتلائم تماما مع جسده الرياضى ذو الطول الفارع وتبعته اخته ايتن بخطوات متمهلة تناسب تماما حذائها الانيق ذو الكعب المرتفع الذى يصدر صوتا بدا مزعجا لاذن اخيها وهو يرتطم برتابة بدرجات السلم الرخامى ليتجاوزها مسرعا وهو يتأفف ويقف فى لحظات امام امه يقبل يديها ورأسها ككل صباح قبل ان يتخذ مجلسه وتتبعه ايتن لتفعل المثل وتتخذ مجلسها بدورها ليبدءا فى تناول الطعام شبكت سميرة كفيها ببعضهما وهى تنظر الى السلم من جديد للحظات وتضيق عينيها ليقول زين فى خبث ماما يوسف زمانه نازل ولا احنا مش مكفينك والا ايه يا ست الكل
هزت سميرة رأسها وهى تقول ابنى البكرى واللى شايل همكو كلكو من زمان مع ابوكو
الفصل الثالث
تابعته في شرود وهو يتفحص آخر ما أنجزته من تصميمات على حاسوبها الصغير عبثت باحدى أطراف حجابها المتدلية على كتفها في ابتسامة لا تعرف كيف تستوطن شفتيها كلما تأملته عن قرب هكذا نظر اليها بابتسامة رضا محت بسرعة ابتسامتها البلهاء تلك وهو يقول في حماس التصاميم غريبة بس جميلة انا شايف ان شاء الله شركتنا هتنفرد بيها
ازدردت ايلينا ريقها فى ارتباك لا تعرف مصدره ارتباك يصيبها فقط حين يثني على عملها أو ينفحها احدى ابتساماته ارتباك لا تجد له تفسير وتخشى أن تعرف له مبرر أتمنى يا فندم
اغلق يوسف الحاسوب أمامه ونظر لها فى تمعن داعب ذقنه بسبابته لحظات قائلا قلقانة
هزت كتفيها محاولة التظاهر بالثبات من هجوم نظراته المباغت دون أن تتحاشاه قائلة أكيد حضرتك شيلتنى مسئولية واسم المجموعة ودى حاجة مش سهلة أبدا
رفع يوسف حاجبيه وخفضهما قائلا في تقدير مكنتش هعمل كدة لو مكنتش واثق من النجاح واضاف وهو يشبك اصابعه ويميل اليها قليلا معطيا الفرصة لعطره أن يتسلل الى أنفها ليربكها أكثر وواثق كمان انك اضافة كويسة للمجموعة تراجعت للخلف وتنحنحت لتستعد ان ترد مجاملته وقبل أن تفعل فتح الباب فجأة فظنها يوسف هالة مديرة مكتبه ولكنه تفاجىء بما جعل فكه الأسفل يتدلى ببلاهة فقد وقفت فتاة شقراء تبدو فى منتصف العشرينيات تقربيا ترتدى تنورة قصيرة جدا من اللون الاسود لا تتجاوز منتصف فخديها مع سترة من نفس اللون يظهر من تحتها قميص ابيض فتحت أزراره بما يكفى لإظهار جزء لايستهان به من صدرها خطت فى ثقة بكعبها المرتفع الذى تعالى صوت ارتطامه بالارض مع تعالى نبضات قلبه المتوترة اقتربت أكثر وقالت فى دلال وبلكنة أجنبية معربة يوسف تنهد ليعادل أنفاسه المتسارعة والتي تشي بوضوح عن حالة القلق الحادة التي أصابته وحين ركضت فى اتجاهه لترتمى بين ذراعيه ابعدها فى رفق وهو ينظر الى ايلينا فى احراج والتى بدورها كانت تتابع ما يحدث وهى تخفض رأسها أرضا لتهدر نظرات ذهولها بعيدا عنهما نظر يوسف الى الفتاة قائلا فى ڠضب وبفرنسية سليمة جينا ماذا تفعلين هنا وكيف تمكنت من الدخول الى مكتبى
ابتسمت جينا وهى تحاول ان تحيط عنقه بذراعيها لا يوجد احد بالخارج ماذا عزيزى ألم تشتق الى جينا حبيبتك
أنزل يوسف ذراعيها قبل أن يبلغا عنقه قائلا في تأفف لايصح ما تفعلينه هذا أبدا هذا مكان عمل رجاءا توقفى عن هذا واخبريني ماذا جاء بك الى هنا
ابتسمت فى خبث قائلة اتعني الى مصر أم الى عملك
زفر فى نفاذ صبر وهو يترك ذراعيها في ملل الاثنان
مالت بوجهها قليلا لتنسدل خصلة من شعرها على وجهها فى اثارة وهي تقول أنسيت أنني مضيفة طيران ياعزيزي كان لدي رحلة إلى مصر وبمجرد أن وطئت قدمي أرض وطنك قدمت إلى هنا مباشرة لأستزيد برؤية عينيك البنيتين هاتين وملامحك التى أعشقها يا فارسي الجميل
نظر يوسف الى ايلينا التى أشاحت بوجهها الى الاتجاه الآخر وهو يتنهد ظنا أنه قد افلت فهى لا تعرف الفرنسية على حد علمه عليه أن يتظاهر بأقصى درجة من الجدية اذن لتظن أنها مجرد عميلة أجنبية تتعامل بوقاحة الغرب وانفتاحهم ليس أكثر الټفت الى جينا قائلا في صرامة جينا لا تخدعي نفسك لم تكن بيننا هذه العلاقة أبدا علاقتنا كانت عابرة خالية من أي مشاعر علاقتنا كانت للمتعة فقط أنا لم أخدعك فلاتوجد أنثى على وجه الأرض بامكانها تحريك مشاعر يوسف البدرى
اقتربت جينا وأمسكت بياقة قميصه قائلة في دلال أواثق أنت أنني لم أفعل أم أنني لا استطيع أن أفعل
زفر في ضيق وهو ينزل كفيها أخبرتك أن تتوقفي عن هذا
التفتت جينا الى ايلينا ورمقتها من اخمص قدمها الى رأسها كأنها لم تنتنبه لوجودها سوى الان رفعت الثانية نظراتها اليها هذه المرة لتتواجه العيون بتحد لم يفهم له يوسف معنا نظرت جينا من جديد اليه قائلة وهى تكتف ذراعيها حسنا عزيزى انت تعرف اين انتظرك واعرف جيدا كم تشتاقنى وان تظاهرت بالعكس هل ستأتي
اراد يوسف ان يصرفها من امامه بأى طريقة فهو يخشى من تماديها أكثر من هذا فعض على شفته السفلى قائلا نعم سأفعل
ابتسمت فى ظفر وهى تتراجع للخلف وترسل له قبلة فى الهواء اغمض يوسف عينيه فى تقزز كأنه يمتنع عن استقبال تلك القبلة المجازية الټفت الى ايلينا التى كانت تشيح بوجهها عنه محاولة بقدر المستطاع اخفاء انفعالاتها وصډمتها فيه فقال لها بالفرنسية دون وعي اذهبي الى مكتبك الان ايلينا وسنتابع غدا انتبه للغة وحين هم ان يكرر ما قاله بالعربية وجدها ترد فى حنق بالفرنسية أيضا
حسنا سيدي نتابع غدا
اتسعت حدقتا يوسف وقبل ان
—
تصل الى الباب لترحل ناداها قائلا فى تلعثم انتى بتعرفى فرنساوى
توقفت لحظات قبل ان تستدير له قائلة فرنساوى والمانى وانجليزى بعد اذنك
مرر يوسف يده فى شعره وهو يشده فى غيظ من هذه الفرنسية الغبية لا يحب ان تنتقل تلك الصورة عنه بين موظفينه او اهله وان كان والده قد علم بالمصادفة فلن يسمح لتلك المصادفة بالتكرار من جديد لايعرف حقا هل يمقت نمط حياته هذا ام يحبه ام هو مجرد اعتياد ورهبة من التغيير هل بامكانه ان يغير معتقده عن النساء يوما ما انهن لم يخلقن الا من اجل المتعة وان الزواج بمسئولياته قد يسلبه اياها عض على شفته السفلى فى حنق وهو يتذكر نظرة ايلينا له وحظه العاثر فى معرفتها بالفرنسية بينما كان يتحدث مع جينا بحرية ظنا منه انها لاتفهم اى شىء مما يقول حاول تذكر ماقاله وهو يجول فى مكتبه فى ڠضب حاول التنفيث عنه فرفع سماعة الهاتف اخيرا وطلب من هالة مديرة مكتبه الحضور وفى لحظات كانت أمامه نظر لها يوسف فى ڠضب أرعبها قائلا سيادتك كنتى فين
نظرت له هالة فى تساؤل فواصل يوسف بلهجة لاول مرة يحدثها بها الاقى الناس داخلة عليا من غير معاد وكأنها وكالة من غير بواب سيادتك ملكيش لزمة هنا ولا ايه
قالت هالة بسرعة وفى توتر يافندم انا روحت الحسابات عشان
بسط يوسف كفه امامه قائلا ولا كلمة انتى من النهاردة مش مديرة مكتبى وهنقلك مكان تانى لمعت الدموع فى عينى هالة ولكنها لم تؤثر تماما فى يوسف وحين همت بالحديث لتسوق له اى مبررات اكتفى يوسف بأن اشار الى الباب وقال فى اصرار على مكتبك وفترة مؤقتة وحد هياخد مكانك فذهبت من امامه وهو يلعنها ويلعن جينا فى سره كلما تذكر ماحدث وڼار غضبه تتأجج اكثر ولا يعرف لما غضبه يتضاعف اكثر لان المصادفة هذه المرة اختارت ايلينا بالذات زفر فى ڠضب وهو يغلق عينيه ويزيح تماما الفكرة عن رأسه نعم هى مختلفة فى كل شىء وذكية ولكن اعجابه بها لا يتعدى اعجابه بموظف نشيط ومجتهد ولا يمكن ان يتخطى اكثر من ذلك فهى فى النهاية مجرد انثى والاناث لديه يخضعن لقاعدة لاتشذ عنها سوى أمه لم يستطع ان يبقى فى مكانه اكثر غادر المجموعة بعد ان ترك خبرا لزين وحسام برحيله وبينما كان يغادر طرد هاجسا قويا عن باله بلا رجعة هاجسا يدفعه الى الذهاب الى مكتبها وتقديم اى مبرر لما حدث ولكنه تراجع فلتعتقد ما تعتقد ولتذهب الى الچحيم ما شأنه فقد حدث ما حدث
قلقتنى ياسمير مالك هتف بها محمود في خوف بينما كان يجلس مع سمير على إحدى الطاولات فى مقهاه
وضع سمير جبينه بين سبابته وابهامه ليمسده قائلا خاېف اوى يا محمود
قطب محمود حاجبيه في قلق قائلا من ايه يا سمير ما تتكلم على طول
لاحت شبح ابتسامة يأس على شفتى سمير وهو يتنهد قائلا الدكاترة قالو خلاص اني حالة قلبى مش مستحملة
اغمض محمود عينيه فى ألم متذكرا ماعاناه سمير مع مرضه في الماضي وقال المړض ده لسة بتعاني منه
مسح سمير وجهه كأنه يخفي علامات ألمه البادية بوضوح على ملامحه قائلا طول عمرى متعايش معاه بس الظاهر خلاص هنجيب اخرنا مع بعض
مد محمود يده ليربت على كف سمير قائلا في حنان متقولش كدة يا راجل الدكاترة بتحب تهول خلى املك فى الله كبير
رفع سمير حاجبه قائلا انا مش خاېف على نفسى يا محمود انا خاېف على عيالى من بعدى مش هيبقالهم حد انا لما لقيت المړض بيتمكن منى رجعت بيهم على مصر على طول كنت خاېف يكملو باقى حياتهم فى الغربة وينسو كل اللى اتعلموه ويبقو خواجات زى اللى عايشين معاهم لكن هنا اهو الاسم عايشين وسط اهلهم وناسهم
عض على شفته السفلى وهو يقاوم تأثير هذا الهاجس الصعب في تخيل قسۏة الحياة على أبنائه من بعده قبل أن يرفع رأسه مجددا ويضيف بلهجة كلها رجاء لو جرالى حاجة يا محمود عيالى أمانة فى رقبتك
قال محمود ودمعة تعاطف تلوح فى عينيه ياراجل ان شاء الله تبقا كويس وتفرح بيهم وعيالهم وعيال عيالهم كمان واشاح بوجهه للحظات قبل ان يقول هوا حد فيهم عارف بالموضوع ده
اشار سمير بسبابته في نفي لا أبدا على بس هوا اللى حاسس بس ايلينا متعرفش ومش عايزها تعرف كفاية اللى هيا فيه شالت مسئوليتنا انا واخوها وهيا مكملتش عشرين سنه اكيد هتعرف بس فى الوقت المناسب المهم دلوقتى يا محمود عيالى مش هيبقالهم حد بعدى ابقى خلى بالك منهم عشان خاطرى امتعض وجه محمود وقال ياراجل بطل بقا الأعمار بيد الله ان شاء الله خير ان شاء الله وشرد محمود بعينيه وهو يتذكر نيته تزويج ايلينا بوسف وتمنى لو كان بامكانه ان يخبره على ما خطط له ولكنه تراجع وشىء ما حول الامر كله الى النقيض تماما لقد أوصاه الرجل بولديه وهو يسعى لتزويج ابنته بولده الذى يعرف جيدا هفواته ونزواته ألايعد هذا ظلما لايلينا ألايمكن اعتبارها خدعة وانانية منه للنظر الى صالح ولده فقط دون أدنى اعتبار لتلك التى ستعانى معه حتى وهي تحاول اصلاحه ومن هنا بدأ محمود جديا فى صرف الفكرة عن باله
دخلت ايلينا الى منزلها اغلقت الباب خلفها واستندت بظهرها اليه للحظات وهى تقطب حاجبيها فى ڠضب لم تتخيله هكذ ابدا كان مهذبا دائما فى التعامل معها وراقيا الى ابعد حد لم يتجاوز معها ولو بنظرة ابتسمت فى سخرية وهى تتذكر انها فى بعض الأحيان ظنته خجولا كيف يجيد التمثيل الى هذا الحد الذى لا يجعله يختلف عن الواقع تذكرت كلماته مع جينا في اشمئزاز ماذا يعنى بعلاقة عابرة دون مشاعر هذا الحقېر الذى خدعت فيه ماذا يقصد شعرت بالاختناق وهى تستحضر بذاكرتها مشهدها وهى تحاول ان ترتمى بين ذراعيه وتحيط عنقه بذراعيها قطع افكارها تسلل رائحة طعام الى انفها فظنته اباها ولكنها تفاجئت حين ذهبت الى المطبخ بعلي وهو يقلب بعض الطعام على الڼار شهقت فى صدمة فالټفت لها على حين شعر بوجودها قائلا حمدلله ع السلامة
لوحت ايلينا بكفها قائلة في صرامة انت بتعمل ايه يا على
واصل على تقليب الطعام قائلا في بساطة بطبخ
اقتربت ايلينا وحملت الاناء من على الڼار وخبطته على السطح الرخامى فى ڠضب كادت به أن تحطمه وهى تقول انا كام مرة قولتلك متولعش البوتاجاز ولا تدخل المطبخ وانا مش موجودة
قال على فى احتجاج دى مش أول مرة ايلينا أنا كنت بدخل المطبخ هناك على طول
انحنت ايلينا لتكون فى مستواه قائلة فى حزم هناك انت حافظ المكان وعارف كل حاجة فيه هنا لسة عارفين كلنا ان عندك قدرات خاصة بيك بس فى الاول والاخر لازم تقدر ظروفك مش كل مرة الدنيا هتمشى تمام فاهمنى
اخفض علي رأسه پانكسار ولم يرد فشعرت ايلينا بالندم على طريقتها الجافة التى تتحدث بها اليه لاول مرة عن اى ظروف تتحدث علي حتى لم يتعثر مرة واحدة فى طريقه وضعت يدها على كتفه وقبل ان تنطق قال انا راجع اوضتى بعد اذنك
نظرت الى اناء الطعام وهزت رأسها فى الم منذ متى تعامل اخاها هكذا منذ متى وهى تلوح بظروفه فى اى مشكلة كيف سمحت ان يكون هو وسيلتها في التنفيس عن ڠضبها اتجهت الى غرفته لتجده يجلس على طرف الفراش مطرقا رأسه فى حزن جعلها ټلعن نفسها وټلعن هذا اليوسف الذى جعلها تفقد اعصابها على اعز مخلوق على قلبها اقتربت منه ومالت على رأسه مقبلة اياه فى حنان وقالت حقك عليا يا حبيبى كنت متوترة شوية ومتضايقة
ظل على مطرق الرأس فجلست ايلينا الى جواره وهى تحيط كتفيه بذراعيها قائلة خلاص بقا انت عارف انى مقدرش على زعلك كنت خاېفة عليك
رفع على رأسه قائلا في ألم مشوب بكبريائه المعتاد انا مقدر ظروفى وبتعامل على اساسها بس مش معنى انى اعمى انى اتحرم من كل حاجة انتو ليه كلكو مستهونين بنعمة الاحساس اللى ربنا ادهالى
تنهدت وهى تضمه الى صدرها قائلة يمكن عشان مش عندنا يا علي يمكن
وابتسمت وهى تضع وجهه بين كفيها تمسد ما زواه بين حاجبيه قائلة لو عايز تطبخ يا سيدى اطبخ بس وانا موجودة انت عارف ان هنا ممكن تحصل مشكلة فى الانبوبة بتاعة الغاز الغريبة دى اكون موجودة على الاقل عشان اصوت والم الناس تساعدنا
ضحك علي فمسحت ايلينا على شعره الاشقر قائلة وعشان اثبتلك ان عندك قدرات وانا مؤمنة بيها هنبدأ اتفاقنا من النهاردة المطبخ هناك روح كمل اللى انت بتعمله وانا اهو موجودة
ظهر التردد على وجهه فربتت ايلينا على يده مشجعة وهى تقول يلا رن جرس هاتفها فأضافت يلا هرد على صوفيا وارجعلك ابتسم على ولم تحاول ايلينا مساعدته هذه المرة اكتفت بمراقبته من بعيد وهى تتحدث مع صوفيا بصوت منخفض حتى لا يصله صوفيا ازيك
صمتت صوفيا ولم ترد فواصلت ايلينا صوفيا انتى بتعرفى عربى كويس وانتى اصلا من اصول مصرية فاتكلمى معايا عربى لو سمحتى
صمتت صوفيا قليلا وبعدها تنحنحت قائلة داكووووغ هكلمك عربى واهو بالمرة منساش مال صوتك
أخرجت ايلينا لسانها لترطب شفتيها وتساءلت هى بالفعل ماذا بها ومايهمها فليكن يوسف ما يكن كررت صوفيا السؤال فتنهدت ايلينا قائلة مش عارفة صوفيا بس انا حاليا فى حالة صدمة وقصت لها كل ماحدث صباحا مع يوسف ضحكت صوفيا قائلة وانتى متضايقة ليه برضه مش فاهمة هوا حر فى حياته
تلعثمت ايلينا فى الرد فهو السؤال ذاته الذى تطرحه على نفسها دون ان تجد له اجابة مكنتش فاكرة انه كدة كام شهر اهو بشتغل معاه كان فى منتهى الاحترام والادب وفى الآخر يطلع على علاقة باللى اسمها جينا دى
تنهدت صوفيا قائلة امممم واللى مضايقك بقا انه ليه علاقات ولا انه ليه علاقة بجينا بالذات واضافت بنبرة هادئة ولا لأن الكلام بيتعاد قدامك للمرة التانية صمتت ايلينا ولم ترد وذكرياتها تطوف فى رأسها كطواف الحجيج لقد شعرت باختلافه فهل أصبح حدسها لاقيمة له لهذه الدرجة لقد تخيلت انه وفجأة نفضت عن
رأسها الفكرة تماما لماذا تبحث عن اجوبة لا ولم ولن يهمها
—
امره مطلقا فليكن ما يكن قالت صوفيا حين لم تجد ردا منه ايلينا مالك
بعد لحظات ردت ايلينا لتغير من دفة الحوار بأكمله وتقنع نفسه ان الامر لا يعنى لها اى اهمية بقولك صوفيا فكرتى فى اللى قولتلك عليه
ردت صوفيا فى ضيق لسة بفكر ايلينا الموضوع مش سهل ابدا
هزت ايلينا رأسها قائلة عارفة وعندى ثقة فى دماغك وتفكيرك خدى قرارك براحتك
وتبادلا بعدها حوارا قصيرا قبل ان توصى كل منهما الأخرى بنفسها خيرا وتنهيا المكالمة ظلت ايلينا تحتفظ بالهاتف فى قبضتها وهى تطرق به على كفها الاخر دون وعى وشعور بالڠضب والسخط على يوسف لا يمكنها السيطرة عليه او التخلص منه او حتى ايجاد مبرر له شعور لم يراودها نصفه حتى حين حدث هذا مع ريان خطيبها السابق ودون وعى سقطت دمعة منها انكرتها على نفسها ومسحتها على الفور اللعڼة لماذا تبكي ايضا من اين تداهمها تلك المشاعر ولمن والى اين تذهب بها لن تخضع لها ابدا وخاصة بعدما رأته منه بعد ان خرج من تلك الصورة التى حصرته فى اطارها حاولت ان تقنع نفسها انها صدمة طبيعية كصډمتها فى اى انسان تخيلته فى شىء غير حقيقته وربما اراحها هذا الاعتقاد كثيرا اطمئنت ان علي قد انتهى مما يصنعه وترك المطبخ الى غرفته فعادت بدورها الى غرفتها تمددت على فراشها ويدها تتسلل الى حجابها تنزعه لتطلق العنان لشعرها المثير يفترش وسادتها وهى تردد جينا من جديد
هزت رأسها وهى تستعيد مشهدها مع خطيبها السابق ريان حين وقف امامها فى هذا اليوم وقال بكل وقاحة ايلينا بلاش تكبرى الامور جينا مجرد صديقة مش اكتر انا بحبك انتى وهتجوزك انتى ايه اللى مزعلك
قالت ايلينا فى سخرية انت عمرك ما هتتغير ابدا هتفضل طول عمرك كدة مهما احاول معاك مفيش فايدة
زفر ريان فى ضيق قائلا يووه ايلينا انا فعلا اتغيرت كتير عشانك
قالت ايلينا وهى تكتف ذراعيها محاولة التحكم في غيظها من فشل محاولتها معه لاصلاحه هي ليست ثائرة من أجله بل من اجل روحها التي لم تألف الفشل ولم تعهده اتغيرت عشانى وانا قولتلك مش عاوزاك تتغير عشانى عاوزاك تتغير للصح عشان انت غلط لكن تكون معايا انسان ولوحدك انسان تانى وبعد فترة تقول هيا دى حياتى اذا كان عاجبك واضافت فى كبرياء لا ياريان انا مش هتحمل حياتك بكل هفواتها ونزواتها دى انا بدأت اقتنع فعلا ان الطبع بيغلب التطبع وان مفيش بنى ادم بيتغير احنا مع الوقت اللى بنتعود وانا مش ناوية اتعود ولا استسلم لطباعك دى
عقد ريان حاجبيه قائلا يعنى ايه
تنهدت قائلة يعنى تعتبر كل حاجة بينا انتهت والمرة دى بحد ومتحاولش تكلم بابا لان المرة دى فعلا مش ناوية ارجع عادت ايلينا من ذكرياتها لن تعيد تجربة ريان من جديد ولن تجازف بمشاعرها مع اى رجل وتوهم نفسها انها بامكانها تغييره فقد اقتنعت تماما انه لايوجد شخص يتغير فذاك مجرد وهم تخلقه مشاعرنا لنبرر فقط احتفاظنا بمن نحب فى حياتنا
خلع يوسف نظارته الشمسية واخذ يبحث بعينيه عنها فى المكان فوجدها هناك على احدى الطاولات المطلة على الشارع بجوار نافذة كبيرة تحتل الحائط باكمله زفر فى ضيق واتجه اليها وما ان رأته حتى رسمت ابتسامة واثقة على شفتيها ونهضت لتعانقه فاوقفها بكفه قائلا اقعدى مكانك انتى فاكرة نفسك فين هنا
هزت جينا رأسها وتنهدت وهى تجلس قائلة مادام اتكلمت عربى يبقا انت متنرفز
كاد يوسف ان يجلس ولكنه توقف فى منتصف الطريق وانحنى اليها قائلا انتى بتتكلمى عربى كويس كدة من امتى
ابتسمت جينا وقالت وهى تعبث فى شعرها الاشقر وتلف احدى خصلاته على اصبعها انا بقالى سنة بتعلم عربى وحبيت اعملهالك مفاجئة
جلس يوسف وقال وهو يحاول التصنع بالهدوء انت ازاى تيجى شغلى من غير ما تعرفينى
ردت جينا فى تذمر وهى تشد خصلاتها كنت فاكرة ده هيفرحك مش هيخليك تعمل كدة
قطب يوسف حاجبيه وقال فى صرامة جينا الا شغلى اللى حصل ده ميتكررش تانى
زمرت جينا شفتيها وقالت فى دلال اعمل ايه يا يوسف وحشتنى اوى انت ليه مش قادر تفهمنى ولا بتحس بيا انا بحبك يا يوسف بحبك
اشاح يوسف بوجهه وزفر فى ضيق قائلا بصى يا جينا انا من الاول كنت صريح معاكى وقلتلك متستنيش اى مشاعر منى احنا كل اللى بينا علاقة عادية جدا بنتبسط فيها احنا الاتنين من غير ۏجع دماغ
عضت جينا على شفتها السفلى حتى كادت تدميها قائلة بس انا كنت فاكرة انك مع الوقت هتقدر تحبنى زى ما حبيتك كنت بقول يمكن مع الوقت اكون مميزة عن الباقيين
اخرج يوسف علبة سجائره واشعل واحدة واخذ ينفث دخانها فى بطء وهو يتمعن بها قائلا اسمعينى انا مفيش واحدة مميزة عندى وانتى عارفة كويس ان فى حياتى فيه كتير غيرك يعنى تقريبا فيه نسخة منك فى كل بلد بسافرها وهنا كمان فيه كتير جدا ومال الى الامام وهو يقول فى خبث بس ده ما يمنعش ان فعلا عندك ميزة وهيا اننا بقالنا اكتر من سنتين مع بعض واى واحدة غيرك مبتاخدش الوقت ده كله انا اتفقت معاكى من الاول جينا قلبك ابعديه عن المعادلة فمتجيش دلوقتى وتعيشى دور المخدوعة وعموما ملحوقة لو عايزة ننهى كل حاجة دلوقتى ننهيها والتقط علبة سجائره وهم بالفعل ان ينهض فأمسكت جينا بكفه وقالت فى حذر استنى
نظر يوسف الى كفها وابتسم فى ظفر وعاد ليجلس فى هدوء فتابعت جينا فى الم انا محدش حسسنى فى الدنيا انى رخيصة زى ما انتى حسستنى يا يوسف
هز يوسف رأسه قائلا هنعيده تانى يا جينا بعد اذنك وهم بالمغادرة بالفعل فضغطت على كفه اكثر وقالت طب حتى لو بالوضع ده توعدنى انى على طول هفضل موجودة فى حياتك
ابتسم يوسف وهو يضع كفه على كفها طول مانتى بتسمعى الكلام اه اوعدك
فقالت فى ترقب وهي تلقي بسؤالها التالي حتى لو فى يوم حبيت واتجوزت
ضحك يوسف ضحكة عالية وقال حبيبتى اطمنى انا لا هحب ولا هتجوز فريحى بالك واضاف وهو يشير بسبابته بس طبعا لو انتى اتجوزتى انا مش هيبقا ليا علاقة بيكى
سحبت يدها من كفه وقالت وانا لو اتجوزت هعرفك ليه من اصله مفيش واحدة متجوزة وبتحب جوزها تعرف حد عليه
ابتسم يوسف فى تهكم وقال لا فيه وفيه كتير كمان
قالت فى حيرة قصدك ايه
تنهد قائلا متشغليش بالك المهم زى ما قولتلك الوضع بينا هيبقا بشروطى واهمها ان اللى حصل النهاردة ميتكررش تانى ولو اتكرر قاطعته جينا فى خوف مش هيتكرر يوسف مش هيتكرر
اتسعت ابتسامة يوسف قائلا يبقا اتفقنا والتقط قائمة الطعام من على الطاولة قائلا ها تحبى تاخدى ايه
نظرت له وهى تتمعن به فى شرود قائلة اللى تحبه انت
لاتدرى ماالذى يفعله بها هذا الشرقى الغبى لقد قبلت منه مالم تقبله من اى رجل قط جينا ايقونة الفتنة والجمال التي يركع تحت قدميها المئات من امثاله تلهث خلف من يعتبرها مجرد نزوة ولا يخفى هذا بل يعلنه ويصارحها به ويهددها بالرحيل هكذا بكل بساطة لا يخشى ان يفقد جينا لقد ذابت فى سحره منذ زمن منذ ان التقته فى احدى رحلاتها سحرتها ابتسامته وملامحه الشرقية التى تجعله يبدو احيانا كأحد فرسان العصور الوسطى هى من طاردته مرارا وتكرارا حتى رضخت هى له فى النهاية وبشروطه قبلت ان تكون مجرد علاقة عابرة وهى تأمل ان تتعمق تلك العلاقة اكثر واكثر مع مرور الوقت ووقوعه فى سحر انوثتها التى لاتقاوم ولكن كأنه لايبالى بكل ذلك فكم دفعته لان يقترب منها كم دعته علانية لذلك ولكنه رفض وهى لم تفقد الامل بعد ستجعله يوما ما يرضح لها وحينها سيعرف حقا ان الابتعاد عن جينا ليس بالامر الهين ابدا
وقفت تراقبه من بعيد وهو يهتم بحوض زهوره كما اعتاد كل صباح منذ الطفولة وهي تعرف حبه لهذا الحوض المميز يرفض أن يقترب منه أي حدائقي ويصر أن يوليه هو كل اهتمامه تمنت لو أخذت مكان تلك الزهرة التي يتلمسها هناك في رقة كأنه يخشى على نعومتها من لمسة يديه لمسة لازالت تحفظ رقتها ودفئها منذ الطفولة حين كانا يلهوان سويا لمسة ضنت عليها أعرافه ودماثة خلقه من التفكير فيها حين شبت ونضجت وأصبح اقترابه منها بحدود تحبه ولا تعرف منذ متى تحبه دون أن تفكر في مشاعره تجاهها تحبه فقط دون النظر الى أي اعتبارات أخرى لا يهم أنها لم يكن لديها الفرصة لتعرف غيره لايهم ان لم يكن يشعر بها مطلقا الأهم هو أنه لم يعشق بعد وعمها يعدها بين طيات حديثه بين الحين والأخر انه لها وهي تعرف أنه لن يعترض فان لم يفعلها عشقا فسيذعن لأبيه برا ورفقا ابتسمت في نفسها وهي تتمنى ككل مرة تراه يهتم بزهوره ان تذهب اليه وتخبره بحبها الذي لا يشعر به بتاتا ويصر على وضعها في اطار الأخوة تنهدت وهي تراه ينصب قامته وينظر الى حوض الزهور الخاص به في رضا ايذانا بانتهاء عمله ابتسمت وكل ذرة من خلاياها تكرر اعترافها الذي أصبح كقسم تتلوه كل صباح قسم بعشقها اللامتناهي لزين الدين البدري
كانت ايلينا تدقق النظر فى حاسوبها طيلة الاجتماع الذى عقده يوسف بموظفينه ليناقش اخر الاستعدادات للموسم الصيفى الجديد حاولت تجنب نظراته بقدر المستطاع فعينيها كانت تعرف انها تحمل انفعالات تخشى ان يلحظها فهى تعرف جيدا انهما كتاب مفتوح يوشى دائما بكل ما يعتمل فى صدرها من مشاعر
ها ياجماعة نسمع اقتراحتكو قالها زين فى عملية وهو ينقر بقلمه على المائدة فانتبهت ايلينا ورفعت يدها تطلب الحديث فنظر لها يوسف نظرة سريعة قائلا اتفضلى
بادلته ايلينا نظرة خاطفة وبدأت تتحدث فى عملية قائلة احنا براند معروف للكل ويعتبر رقم واحد فى مصر بس الفكرة اانكو بتخاطبو فئة معينة من الناس وهى الطبقة الغنية لان الاسعار زى ما انا شايفة عالية جدا
عقد يوسف حاجبيه فى اهتمام قائلا ده طبيعى احنا خامتنا كلها مستوردة وعلى درجة كبيرة من الجودة وده بيدى ميزة لمنتجاتنا عن اى منتجات تانية
هزت ايلينا
كتفيها قائلة في عملية وليه لازم تكون الخامات مستوردة فيه خامات مصرية
—
بجودة عالية برضه
نظر يوسف الى زين وتنهد قائلا مش فاهم برضو قصدك ايه نشتغل بالمصرى
التقطت ايلينا ملفا امامها ومررته الى يوسف وهى تقول انا عملت دراسة عن الخامات المصرية المناسبة لشغلنا واخترت اجود الانواع واتأكدت بنفسى انها متقلش فى كفائتها عن المستورد واضافت وهى تدقق النظر فى حاسوبها وتضغط بعض الازرار عشان بس يكون الموضوع واضح انا بقترح نشتغل بالاتنين المصرى والمستورد ونعرف المستهلك ده طبعا المصرى اكيد هيكون سعره اقل ومناسب للطبقة العادية اللى بتمثل اغلب الناس فكدة كله هيقدر يلبس من البراند بتاعنا ومنتجاتنا هتكون انتشرت بشكل اوسع وهيكون لينا كمان السبق فى حاجة زى دى
لم يستطع يوسف ان يخفى نظرة الاعجاب وهو يقول فكرة عظيمة
تابع زين وهو يقلب فى الملف هيا هتبقا مغامرة باسم الشركة واضاف وهو يضيق عينيه قائلا في اعجاب بس الدراسة اللى انتى عاملاها مش متساب فيها ثغرة
القى يوسف نظرة على زين وعاد ينظر الى ايلينا قائلا بابتسامة هادئة البيزنس كله قايم على المغامرات هنبدا التنفيذ من بكرة
وتراجع فى كرسيه مضيفا ولو المغامرة نجحت هيبقا ليكى مكافئة خاصة ايلينا
لم تستطع ايلينا منع الحنق السجين بداخلها من التسلل الى نبراتها وهى ترسم ابتسامة ساخرة على شفتيها قائلة انا بقوم بشغلى ومش مستنية مكافئات
نظر لها يوسف فى دهشة منعته ان يرد عليها فى الحال فمن تظن نفسها لتحدثه بتلك الطريقة تنحنح زين حين شعر ان يوسف قد يفقد اعصابه من جملة ايلينا فقال مسرعا حد عنده اقتراحات تانية ولم يمهلهم فرصة للرد وهو يقول بينما ينهض الاجتماع انتهى تقدرو تتفضلو
انصرف الجميع وتأخرت ايلينا فى جمع حاجتها واغلاق حاسوبها ويوسف يتابعها فى حنق حتى لمح خروج اخر موظف من عنده وقبل ان تلحق به ايلينا اوقفها وهو يهتف فى صرامة استني عندك
الفصل الرابع
توقفت للحظات دون أن تنظر اليه وهي تعض على شفتها في غيظ فهي لاتطيق أن تنظر اليه مطلقا منذ أن رأته مع جينا ولا تطيق نفسها لضيقها هذا الذي تحاول اخفائه دون جدوى من يكون هذا المحتال ليقحمها في صراع كهذا من يكون ليستحوذ على بعض من اهتمامها بل كبريائها كأنثى يمنعها ان تعترف أنه يستحوذ على أكثر من بعضه بكثير تنفست فى عمق قبل ان تلتفت اليه وهى تحتضن حاسوبها الصغير قائلة خير
خطا تجاهها ببطء ممېت أراد به العبث بأعصابها قائلا فى لهجة قاسېة أشبه بوعيد الطريقة اللى كلمتيني بيها دي ما تتكررش تاني مفهوم
ضيقت ايلينا عينيها في تفكير وقالت غير عابئة به أنهي طريقة مش واخدة بالي ثم ابتسمت فى سخرية وقالت وهي تطرق بسبابتها على صدغها كأنها تذكرت اه قصدك عشان قولت اني مش مستنية مكافأة على شغلي هزت رأسها للحظات قبل ان تواصل فى تحد غريب هوا المفروض كنت قولت ايه خيرك مغرقنا ياسعادة الباشا ومكافئتى الحقيقية هيا رضاك عليا متأسفة التملق ده مش طبعي
حاول يوسف التظاهر بالهدوء فقد استفزته بالفعل فقال وهو يضع يده في جيب سترته ليمنع نفسه من صفعها وارتكاب اكبر حماقة في حياته بضړب أنثى للمرة الأولى قصدك ايه ان شاء الله ان الموظفين هنا بينافقوني
هزت ايلينا كتفيهاوقالت في بساطة والله انت ادرى بموظفينك واذا كنت انا شايفة انى مش محتاجة أعمل اللي هما بيعملوه ولا اقول كلامهم المفروض ان حضرتك محتاج لكل واحد بيشتغل هنا زي ماهما بالظبط ما محتاجين شغلهم فسوري يعنى محدش ليه فضل على التاني
لم يعرف يوسف حقا بما يرد عليها جرأتها في الحديث ألجمته طريقتها أعجزته عن الرد فلو في موقف آخر لطرد من يتكلم معه بتلك الطريقة دون أن يتناقش معه فيما فعله من الأساس ولكن هو في حيرة في أمره لما لا يفعل هذا بل في حيرة أكبر لماذا يهتم بمراقبة نبراتها وانفعالاتها عينيها اصرارها كل شىء فيها حتى أصابعها الطويلة الرفيعة وهي تدق على حاسوبها في رتابة وحين لم يصلها رد منه استدارت لتذهب حاول اغاظتها بأي شىء لن ترحل هكذا دون أن تأخذ نصيبها من استفزازه أوقفها في حزم قائلا مين سمحلك تمشي
عقدت حاجبيها واستدارت له قائلة فيه حاجة تانية
تصنع يوسف الڠضب وقال فيه إن قبل ماتمشي لازم تستأذني من مديرك ولا ده كمان بتعتبريه نفاق وتملق
صمتت ايلينا هذه المرة ولم ترد فأسعده هذا وهو ينظر اليها تقف كتلميذة معاقبة أمام معلمها وهو يجلس على طرف مائدة الاجتماعات ويعبث بقلم بين اصابعه مستمتعا بنظرات الغيظ فى عينيها وأخيرا أشار بقلمه قائلا تقدري تتفضلي
تنفست ايلينا في عمق شعر به أنها اخذت هواء الغرفة بأكمله في صدرها فلقد منعت نفسها بصعوبة من التقاط حاوية الأقلام أمامه وتلويحها فى وجهه أما هو فأخذ يراقبها وهى تبتعد بخطوات منزعجة سريعة وكأنها تركل الأرض بقدميها عوضا عن توجيه تلك الركلات له هو لم يتمالك نفسه بعد أن خرجت من اطلاق ضحكة عالية عابثة قطعها فجأة وهو يتساءل عما أصابه لماذا سمح لها بتحديه دون أن يطردها كيف هزت تفكيره بهذه الطريقة لا هو فكر فى الاحتفاظ بها فقط ليرد لها الصاع صاعين ويؤدبها على وقاحتها وبالفعل لقد تلذذ بمضايقتها لا يوجد انسان يتلذذ بمضايقة شخص ي ضړب على جبهته فى قوة أين ذهب به تفكيره إنها مجرد أنثى مجرد أنثى يا يوسف والأنثى فى حياته لاتشغل حيزا أكبر من حيز المتعة فقط أمه هى الاستثناء الوحيد وماتبقى من النساء كلهن سواء واعتصر ذهنه بالذكرى البعيدة برودة مشوبة پألم ضړبت اوصاله ألم اشبه بصڤعة افاقة ليثوب الى رشده كان لازما ليبقى حائلا بينه وبينها بل بينه وبين أي انثى
اجتمعت عائلة البدرى على العشاء كعادتها كل ليلة لحظات مرت من الصمت المطبق لا يقطعها سوى صوت دقات الساعة الأنيقة العملاقة في بهو القصر الواسع متناغمة مع ارتطام الأشواك بالأطباق الصينية الفخمة صانعة نغمة مملة قطعها زين بخفته المعتادة قائلا وحدوه يا جماعة ايه السكوت ده
ردد الجميع فى خفوت لا اله الا الله ابتسمت سمر وهي ترفع رأسها تتأمله في حب وهو لم يلحظها كالعادة فعادت تنظر إلى طبقها مجددا في خيبة أمل لحظتها سميرة فتنحنحت وهي تنظر الى محمود تخبره بنظرة ما رأته ليبتسم لها ويخبرها بنظرة أخرى أنه رأى كل شىء فابتسمت وهي تنظر الى الجميع قائلة أخبار الشغل ايه ياولاد
نظر زين الى يوسف وقال في حماس واضح اه صحيح يا يوسف شفت ايلينا النهاردة والفكرة اللى قالتها انا مش عارف أنت ازاى وافقت كنت فاكر انك أول حد هيعترض
وضعت سميرة كفيها تحت ذقنها وقالت وهي تتظاهر بالبراءة مين ايلينا دي
رد يوسف قائلا في اهتمام واضح وهو يشير بشوكته دي بنت اشتغلت معانا من فترة ذكية جدا وعندها خبرة كبيرة رغم سنها الصغير النهاردة عرضت عليا فكرة عمرها ما جت فى بال حد وأنا واثق انها هتنجح وأكمل يوسف حديثه عنها في حماس وهو يستعرض فكرتها ويشرحها بالتفصيل بينما تتابعه سميرة فى سعادة وتختلس النظرات الى محمود بين الحين والاخر بحوار لا يفهمه غيرهما وحين انتهى يوسف قال محمود في اعجاب والله بنت هايلة الفكرة كويسة وهتخلى منتجاتنا تاخد فرصة أعلى في التسويق
اخذت سميرة تعبث في طبق السلطة الخضراء أمامها وقالت بس أول مرة يا يوسف اشوفك بتتكلم على ست بالحماس ده ونظرت له فى تمعن لتضيف كنت على طول بتشوفهم مينفعوش فى حاجة
ارتبك يوسف وتباطىء في مضغ طعامه وهو يبحث عن رد مناسب حتى ازدرده دون ان يكمل مضغه وهو ېكذب ما رأته أمه عن أي حماس تتحدث قال زين بابتسامة وباعجاب يشوب نبرات صوته هيا تستاهل بصراحة هايلة جدا بنت ممتازة غصت سمر بطعامها فلم يلحظها زين كالمعتاد واحمر وجهها خجلا حين وجدت سميرة تلاحظ ما هي فيه وتشير لها برأسها أن تتناول كوب الماء أمامها فأخذته لتسكبه بأكمله في جوفها في توتر للمرة الأولى تلحظ نبرة اعجاب في صوت زين وهو يتحدث عن فتاة عليها أن تتحرك قبل أن يضيع منها للأبد أما يوسف فلا يعرف لما تضايق من وصف اخيه وأنكر هذا الضيق على نفسه وحاول اخفائه بكل طريقة متظاهرا بتناول طعامه ولكن كاميرتي المراقبة الخاصتين بأمه كانت تسجل كل شىء في دقة وتخزنه في سلاسة وسعادة تملؤها أن ولدها بالفعل اخذ اول خطواته فى الطريق الذى تتمناه فيه وأن هناك من تمكنت من تحريك أي شىء ولو قليل من اهتمامه حاول يوسف تغيير دفة الحوار بأكمله قائلا أومال فين ايتن
ردت سميرة وهي تهز رأسها في ملل بقالها ساعة بتتكلم فى التليفون برة في الجنينة
نهض محمود قائلا أنا هطلع اشوفها وبالمرة أشرب قهوتى في الجنينه
كانت ايتن تتحدث فى الهاتف بصوت منخفض نسبيا وأقرب للهمس حين وجدت حسام يقف أمامها فجأة انتفضت فى هلع وكاد الهاتف يسقط من يديها لولا ان التقطته فى اللحظات الاخيرة رفع حسام كفه وقال في اعتذار أنا آسف خضيتك مكنش قصدى
نظرت له ايتن وهي تزفر في ضيق قائلة عادي بقا ولا يهمك
حك حسام رأسه في خجل معتاد وهو يحاول أن يبحث عن كلمات ليقولها ويفتح ثغره ويغلقه كل لحظة وهو يقول اااا انتي انتي كويسة
تأملته ايتن فى حنق وهي تضغط الهاتف بيدها قائلة اه أنا كويسة وكتفت ذراعيها في انتظار ما يريد قوله حتى زفرت فى نفاذ صبر قائلة حسام انت عاوز حاجة
عدل حسام من وضع نظارته على وجهه كعادته ان توتر وقال هاااا لا ابدا مش عاوز حاجة
ردت بصوت مرتفع ينم عن ڠضبها أومال واقف هنا ليه
تراجع حسام فى احراج قائلا انتي متضايقة اني واقف معاكي
مررت ايتن يدها على وجهها كمحاولة لتهدأ وقالت حسام احنا عايشين فى بيت واحد وبنشوف بعض كل يوم وانت واقف قدامي بقالك ربع ساعة ومش عارفة انت عاوز ايه وانا بصراحة عايز اكمل مكالمتي ممكن
تنحنح حسام فى احباط كلما حاول الاقتراب منها أبعدته في قسۏة نعم أمامها يرتبك أمامها فقط تظهر خبرته الضئيلة في التعامل مع النساء أمامها يفقد صرامته المعتادة التى ټرعب موظفينه أمامها
لا يعرف ماذا يقول بل يفقد النطق تماما ملت مشاعره الثرثرة بداخله وأصابته
—
بالضجر من طيلة حپسه لها في صدره فهي تريد الانطلاق تريد التحليق الى أبعد مدى في سماء محبوبته العنيدة لو كان بامكانه ان يعطى لتلك المشاعر فرصة مجرد فرصة لتتحدث هى كم يتمنى لو ان آيتن شعرت به و انت بتعمل ايه هنا
انتفض حسام فى فزع على صوت عمه ليفيق من شروده ليجد ايتن قد رحلت وعمه يقف امامه تلعثم حسام فى الرد ونظر حوله في ارتباك كاللص الذي ضبط متلبسا وقال أنا أنا كنت لسة راجع من الشغل
مال اليه عمه وقال في صرامة تعالى ورايا
عدل حسام من نظارته كالعادة ان توتر وتبع عمه الى الداخل وقبل أن يصل محمود الى مكتبه ويغلقه عليهما طلب من أحد الخدم استدعاء يوسف جلس محمود الى مكتبه يتمعن فى حسام للحظات حتى قال في جدية بتحب ايتن مش كدة
اتسعت حدقتا حسام فى صدمة وأخفض رأسه وهو يحكها فى خجل لا يعرف هل يستجوبه عمه أم يوبخه أخذ عمه يطرق المكتب بأنامله فى غيظ قائلا والله البنات حتى ما بقو بكسوفك ده يا اخي ما ترد يا بني
رفع حسام رأسه في بطء وتلاشى نظرات عمه بقدر الامكان وهو يرد في حياء وبصوت هادىء أنا مبتمناش حاجة من ربنا غير ايتن
تراجع عمه فى كرسيه قائلا وايه اللى مسكتك لحد دلوقتي بقا
وقبل أن يرد طرق يوسف الباب فقال ابوه وهو يشير له بكفه تعالى يا يوسف
قلب يوسف شفتيه في حيرة وهو ينظر الى حسام المرتبك بشكل مثير للضحك قبل ان يجلس أمام ابيه قائلا خير يا بابا
نظر محمود الى حسام قائلا بابتسامة ذات مغزى كل خير ان شاء الله حسام طلب ايد ايتن وانا وافقت
عقد يوسف حاجبيه في دهشة بينما اتسعت حدقتي حسام وتدلى فكه فى بلاهة محاولا النطق فتشنجت عضلات لسانه بفعل الصدمة ولم تسعفه بحرف واحد فقال عمه وهو يطالعه في استمتاع واضح ايه مالك تنحت كدة ليه كنت ناوي تفضل العمر كله تحبها في صمت ولا ايه
حاول حسام النطق ففتح ثغره عدة مرات قبل أن يتحرك لسانه أخيرا مطلقا جملته المبعثرة بين الفرحة والخۏف عمي بس ايتن ممكن متوافقش
ضحك عمه قائلا في بساطة غريبة ده مش ممكن ده أكيد
ارتسمت البلاهة على وجه حسام فواصل محمود في جدية حافظ فيها على ابتسامته بص يا حسام ايتن فى الاول وفى الآخر عيلة وانت رغم انك لخمة بس راجل ويعتمد عليك ومش هلاقي لبنتي احسن منك
تنهد حسام في حزن قائلا أيوة بس مش لدرجة انك تغصبها
قال محمود وهو يلوح بكفيه ومين قال اني هغصبها انا بس هديكو فرصة تعرفو بعض عن قرب ولو هيا فضلت على رأيها يبقا خلاص بس خلي بالك دى هتبقى فرصتك الوحيدة يا حسام
هز حسام رأسه قائلا في تردد يا عمى بس انا خاېف من
قاطعه محمود فى صرامة وهو يشير بسبابته قائلا كلمة واحدة يا حسام عايز ايتن ولا لا
أغمض حسام عينيه للحظات هو بالطبع لا يملك سوى اجابة واحدة عقدت لسانه مجددا عن أي رد غير طبعا يا عمى انت بتسألني
قال محمود في ارتياح خلاص يبقا تسيبها عليا وملكش دعوة بحاجة وأشار بيده مواصلا روح انت دلوقتي ارتاح
وبعد ان تركه حسام نظر الى يوسف الذى بدا شاردا فى عالم اخر ولم يعقب تماما طيلة الحوار على عكس عادته فناداه وهو يدق بقلمه على المكتب قائلا روحت فين يا بني
نظر له يوسف نظرة يعيها محمود جيدا وقال بابا انا مش موافق على اللى بيحصل ده
حك محمود جبينه بيده قائلا ليه شايف ان حسام يتعايب فى حاجة
رفع يوسف حاجبيه فى تفكير قائلا بالعكس حسام مش هنلاقي احسن منه لايتن واضاف بصوت منخفض وهو يميل الى ابيه بس بنتك مش عايزاه
مد محمود شفتيه قائلا اختك دي حته عيلة مش عارفة مصلحتها وكمان طايشة وممكن أي حد من شباب اليومين دول يلف دماغها ويضحك عليها بكلمتين عشان طمعان فى فلوسها أنا واثق انها لو ادت لنفسها فرصة انها تعرف حسام هتحبه هوا صحيح الواد خيبة ومخبل بس احنا عارفينه وعارفين اخلاقه عاملة ازاي
نظر يوسف لوالده لحظات ونهض بعدها قائلا وهو يشيح بوجهه فى الاتجاه الاخر حضرتك كدة بتعيد التاريخ من تانى
نهض محمود بدوره ونظر الى يوسف پغضب قائلا يوسف أختك مش زيها وكفاية بقا اللى انت بتعمله فى نفسك وفينا ده اطلع من اللى فات بقا يا يوسف كفاية
حاول يوسف ان يميل عن هذا الطريق ويأخذ الحديث الى منحنى اخر ليجنب نفسه ألما ليس في حاجته الان فقال محاولا تلطيف الأمور وأنا بعمل ايه مضايقكو بس
قال والده بسخرية امتزجت بغيظ بتعمل ايه لحد دلوقتى قاعدلنا من غير جواز
ابتسم يوسف وهو يحول الأمر لمزحة كالعادة قائلا وده عشان كل اللى بتجبهوملي ماما سورى يعنى عاهات
لم يتمالك محمود نفسه فضحك قائلا حرام عليك بقا القمرات دول عاهات
مرر ي يده فى شعره قائلا بابا انا مش بتكلم عن الشكل انا بتكلم عن ده واشار بسبباته الى رأسه


