عشق مميز من11-20

الفصل 11

يلازمني دائما شعور أن عقلي ضدي لم يكن يوما بصفي يبني آمال على كلمات المودة و يهدمها على رأسي مع أول كلمة قاسېة لا ينسى أي كلمة قيلت يخزنها بدقة كأنه لن يسمع بعدها مره اخرى ليذكرني بها مرارا وتكرارا

مع انقضاء شهر تقريبا على رحيل الصيف كانت السماء في الجنوب تفيض بمياهها كأنها تبكي أسرارا دفينة حيث تهطل الأمطار بغزارة وكأنها تحاول محو آثار ما مضى فتغسل الطرقات والأرواح وتعيد تشكيل المشاهد بعذوبة قاسېة منذرة ببدايات جديدة أو ربما بعواقب لا مفر منها.

في الأيام التي عقبت خروج سيرين من المشفى بدا أن كارم قد اتخذ قرارا غير معلن إذ بات وجوده في شركتها أمرا معتادا وكأنه يفرض حضوره كدرع يحميها من شتات أفكارها أو كحاجز يحول بينها وبين الڠرق في بحر من الذكريات التي لا ترحم.

لكن سيرين ورغم كل شيء كانت لا تزال تحمل آثار تلك الليالي الثقيلة حينما استسلمت لسراب الحبوب المنومة التي عبثت بجسدها وأضعفت أوصالها… إذ أصبحت حالتها الجسدية في تراجع ليس اڼهيارا مدويا بل ذبولا صامتا مثل زهرة فقدت ماءها لكنها لا تزال تحتفظ ببقايا لونها… ومع ذلك كان هناك شيء ما يتوهج داخلها روح تأبى الانكسار عزيمة خفية تدفعها لفرض السيطرة على جسدها الواهن حتى وإن فقدت شهيتها كانت تجبر نفسها على التهام الطعام كما لو كانت تملأ فجوة سوداء داخلها تحاول إقناع جسدها بالحياة من جديد.

لكن الغريب في الأمر أو ربما الأكثر إيلاما أنها لم تكن لتحاول أن تذكر اسم ظافر أمام كارم قط… لم تنطق به ولو لمرة واحدة كالتي عقدت اتفاقا مع نفسها على نفيه من عالمها وكأن اسمه يحمل بين حروفه طاقة مدمرة تخشى أن تحررها خوفا من أن ټنهار تحت وطأة ما تحاول الفرار منه.

ربما كانت تعلم أنها إذا سمحت لشفتيها بأن تهمسا باسمه ستنفتح چراحها كندبة قديمة لا تزال تؤلمها كلما عبرت عليها أصابع الذاكرة.

وربما أكثر من ذلك إنها لم تكن ترغب في أن يلمح كارم ذلك الألم في عينيها حتى لا يشعر ولو للحظة بأنه ظل في معركتها الداخلية أو أن وجوده مجرد جدار مؤقت تحتمي خلفه لكنها في الحقيقة لم تتجاوز ظافرا بعد…

بين ظلال المطر وأشباح الماضي

كانت سيرين وحيدة تجلس في غرفتها المتواضعة تحت ضوء خاڤت تتأمل صورة ملف ظافر على واتساب… تراقبها وكأنها تحاول أن تستشف من ثناياها إجابة لسؤال يرهق روحها كيف ستفتح معه الحديث مجددا عن الطلاق كيف ستجد المدخل المناسب دون أن يغلق الباب في وجهها مرة أخرى

وفي أحد الأيام بعد جولة قصيرة لشراء بعض حاجيات المنزل عادت سيرين بخطوات متثاقلة لكن فجأة اعترض طريقها شخص ما وقف في مواجهتها مباشرة قاطعا عليها مسارها.

رفعت عينيها ببطء لتجد امرأة تضع نظارة شمسية وقناعا يغطي نصف وجهها… كان شعرها الطويل ينساب بحرية على كتفيها أما فستانها المبهرج وكعبها العالي فقد أضافا إلى حضورها هالة من الجاذبية الغامضة.

رفعت المرأة حاجبيها قليلا وسألت عن أحوال من تقاطعت بهما الطرق بصوت بارد وكأن سيرين كانت تتوقع لقاءها.

ترددت سيرين للحظة إذ لم تكن تتوقع أن تجد دينا هنا في هذا المكان تحديدا وكأن القدر رسم لهما هذا اللقاء بعناية.

دون تبادل كلمات كثيرة توجهتا إلى مقهى هادئ حيث جلستا بجوار النافذة التي كانت تتناثر عليها قطرات المطر الثقيلة تتدحرج ببطء وكأنها تواسي بعضها البعض في صمت.

كان الجو مشحونا بالكثير من الكلام الذي لم يقال بعد.

بهدوء رفعت دينا يديها ومن ثم سحبت القناع عن وجهها كاشفة عن ملامحها التي ظلت خافية الكثير عم ما بداخلها.

ابتسمت دينا بسخرية خفيفة قبل أن تقول

لا تقلقي سمعت أن تامر أخذ المال من السيد خليل وهرب خارج البلاد مع السيدة سارة هذا يعني أنهما لن يكونا شوكة في طريقك بعد الآن.

تأملت سيرين كلماتها لكنها لم تظهر أي رد فعل يذكر إذ كانت تعرف هذه المعلومات مسبقا من كارم لكنها لم تعر الأمر اهتماما يذكر… للحقيقة لم يكن يعنيها مصير سارة أو تامر بقدر ما كانت تعنيها حياتها التي علقت بين الماضي والمجهول.

لطالما كانت عائلة آل تهامي رمزا للنفوذ والقوة فمن كان يتخيل أن تسقط هذه العائلة العريقة في فخ الإفلاس والضياع بسبب ثلاثمائة مليون دولار فقط

تناهى إلى سمعها صوت المطر وهو يرتطم بزجاج النافذة لكنه لم يكن كافيا لإخماد الضجيج الذي بدأ يعلو بداخلها.

وأخيرا نظرت إلى دينا مباشرة وسألتها بثبات يخلو من أي انفعال

ما الذي تريدين قوله بالضبط

تسللت نظرة دينا نحو بطن سيرين في خفاء ترمقها بعينين مترقبتين… وبالرغم من أن حمل سيرين لم يكن قد بدأ في الظهور بعد لكنه كان هناك… كامنا يضفي على الموقف ثقلا إضافيا لم تستطع إنكاره.

قبضت سيرين أصابعها للحظة وكأنها تستميت على أفكارها قبل أن تفلت منها.

لم تتعجل سيرين في الرد بل تركت لحظة صامتة تمتد بينهما كوتر مشدود قبل أن تنطق دينا بصوت بارد يكاد يخلو من الانفعال

أخبريني ما الذي يتطلبه الأمر لتتركي ظافر حددي ثمنا وسأدفع لك ما تريدين.

كلماتها سقطت كحجر ثقيل وسط بحيرة من التوتر… لم تكن مجرد اقتراح بل صفقة مغلفة بالغطرسة.

ضحكت سيرين ضحكة لم تخل من الاستهزاء وبدت على معالم وجهها دهشة مسلية ومن ثم رفعت حاجبها قليلا وكأنها تزن عرض دينا في عقلها قبل أن تجيب بنبرة يشوبها بعض من اللؤم

لثلاث سنوات بلغت قيمة أصولنا المشتركة عدة مليارات من الدولارات على الأقل… هل يمكنك أن تعرضي علي هذا المبلغ

كانت الكلمات تحمل يقينا مفرطا ثقة امرأة تعرف تماما أين تقف وتدرك جيدا أن خصمها لا يملك ما يكفي ليزحزحها قيد أنملة.

في تلك اللحظة

بدا أن الهواء بينهما قد تجمد… جزت دينا على أسنانها وامتلأت عيناها بشرارات ڠضب مكبوت لكنها لم تجد ما ترد به إذ كانت النظرات الساخرة في عيني سيرين كفيلة بإشعال كل نيران القهر داخل غريمتها.

لم يكن المال يوما سوى رقم في نظرها مجرد تفصيلة هامشية في عالمها الفاره…

سيرين تهامي الحفيدة المدللة لرجل كان يلقب يوما بأغنى رجال رجال الأعمال… وبلا أدنى مبالغة كانت سيرين عما قريب تسير بخطى ثابتة فوق سجادة المجد التي حاكها لها جدها تعيش في كنف الثراء كما تعيش الفراشة في ضوء الشمس لا ترى في الدنيا سوى رفاهية مطلقة ولا تشعر بثقل الأيام كما يفعل البسطاء…

لكن الآن الآن لم تعد سوى امرأة على شفا الطلاق امرأة لفظها زوجها ولم يعد يرغب بها… فكرة كهذه وحدها كانت كفيلة بأن تمنح دينا شعورا غريبا بالراحة وكأنها ټنتقم دون أن ترفع سيفا.

ابتسمت دينا بسخرية وهي تخترق صمت المكان كخنجر بارد

ليس لديك أدنى فكرة عمن أرسلني للبحث عنك… السيدة شادية طلبت مني شخصيا أن أخبرك بأن المال ليس مشكلة أبدا… طالما أنك توافقين على الطلاق يمكننا اعتباره مجرد صدقة.

كلمة صدقة ارتطمت بجدران عقل سيرين كصڤعة مدوية جعلتها تتراجع للحظة إلى الوراء ليس

—

بجسدها بل بذكرياتها… كيف يمكن أن يكون هذا حقيقيا كيف تحول الأمر هكذا

لقد كانت شادية نفسها من رتبت زواجها من ظافر وكانت في ذلك الوقت تتحدث عن سيرين كأنها الجوهرة الوحيدة التي تستحق أن تتلألأ في تاج العائلة. كانت

تقولها

دائما…

ظافر لا يليق به إلا فتاة من عائلة تهامي. بل وأقسمت أنها ستعاملها كابنتها!

والآن الآن ترسل وسيطة لتساومها على حطام زواجها

في تلك اللحظة أدركت سيرين أن هذه اللعبة يجب أن تنتهي ولكن هذه المرة بشروطها هي…

رفعت سيرين عينيها ببطء ولم يكن في نبرتها أي تردد حين قالت

إذن… أحضري المال أولا ثم يمكننا الحديث.

حتى دون أن تنتظر ردة الفعل كانت تعلم جيدا أن شادية لن تدفع قرشا واحدا… لن تبيع لها خروجا مشرفا بل ستتركها ټغرق.

وعندما أدارت ظهرها لتغادر سمعت صوت دينا يلاحقها كظل ثقيل

سوف تندمين على هذا.

لكنها لم تتوقف لم تلتفت فقط ابتسمت بسخرية خفية… كأنها تقول

سأقرر بنفسي متى أندم إن ندمت أصلا.

في عمق الليل حينما كانت الظلمة تلتف حول المدينة كعباءة ثقيلة انقطع صمت الغرفة برنين هاتفها.

تململت سيرين بين طيات الفراش تجاهد وعيها الثقيل قبل أن تمد يدها المرتجفة لالتقاط الهاتف.

أضاءت الشاشة باسم لم تكن تتوقعه أو ربما كانت تخشاه… ظافر.

بأنامل مرتعشة سحبت زر الرد وما إن وضعت الهاتف على أذنها حتى تسلل إلى مسامعها صوته العميق ذاك الصوت الذي لطالما حمل بين

طبقاته برودة صقيعية لا تقل قسۏة عن صمته حين كان يتعمد الغياب.

لقد فكرت فيك كثيرا سيرين… جاء صوته واهنا لكن به نبرة خفية كمن يلقي شراكا في ظلمة الليل.

كم مليار دولار تريدين

حدقت في الفراغ كأنما الكلمات لم تصل عقلها بعد.

لوهلة تخيلت أنها تهذي أو أن هذا الحلم مجرد امتداد لكوابيسها التي طاردتها طوال الأيام الماضية… لكنها لم تكن تحلم… كان الأمر يبدو حقيقيا بشكل كاف ليزيد من آلامها وصوته الرخيم كان أكثر واقعية من الهواء الذي يملأ رئتيها.

قالها كأنها مزحة أو ربما تحد وكأن وجودها كله يمكن تسعيره برقم يوضع في حساب مصرفي.

ابتلعت ريقها بصعوبة بينما أفلتت منها شهقة لم تستطع كبحها.

لقد اختفيت لبضعة أيام وهذا كل ما توصلت إليه.. أصبحت الآن طريدة دون مال

سقطت كلماته عليها كقطرات جليد التي جمدت شيئا ما في أعماقها.

كان يعرف أنها رحلت وكان يعلم أنها لن تعود بسهولة… لكنه لم يكن هنا ليعتذر أو ليسألها عن حالها. كان هنا ليضعها أمام اختباره الأبدي… اختبار لم تكن واثقة إن كانت قادرة على خوضه هذه المرة.

الفصل 12

إدراك الحقيقة.. وصدمة اليقين

وأخيرا اتضحت أمام سيرين الحقيقة التي كانت تجهلها.

الآن فقط أدركت مغزى الكلمات الوداعية التي نطقتها دينا قبل اختفائها تلك الكلمات التي لم تلق لها بالا حينها لكنها الآن تنغرز في عقلها

لقد لجأت دينا إلى الشكوى منها إلى ظافر بل ورسمت صورة ليست لها والصقت بها تهمة لم ولن تقترفها يوما.

لم تكن الفرصة سانحة لسيرين لتستوعب وقع الصدمة إذ جاء صوت ظافر جافا ك السکين قاطعا كضړبة الفأس

لقد تم الطلاق بيننا.

توقفت أنفاسها للحظة وأخذت بلا وعي لكن ظافر لم يمهلها وقتا للرد بل أكمل بصوت أكثر برودة وكأنما يلفظ حكما نهائيا لا يقبل الاستئناف

كان من المفترض ألا تقتربي منها أبدا وألا تلمسيها… دينا في المستشفى الآن.

شعرت سيرين وكأن الهواء سحب من حولها وأحست بأن جدران المكان تتقلص وقد ضاقت بها الدنيا أكثر فأكثر حتى كادت أن تختنق… أسئلة أنهالت تنهش بعقلها ولا إجابات تتبادر بذهنها حتى الآن

ما الذي حدث كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد

لكن سرعان ما تلاشت دهشتها وحلت محلها موجة ڠضب عارمة إذ لم تكن تتوقع من دينا أن تلجأ إلى مثل هذه الحيل الوضيعة وأن تلعب دور الضحېة ببراعة بل ونسجت خيوط مكيدتها بحرفية قاټلة.

ولكن ما أذهلها أكثر هو أن ظافر… صدقها…. لذا أجابته بلا مبالاة استحضرتها فما من شيء ستقوله سيجعل ظافر يشكك بما أدعته دينا

صدق أو لا تصدق لقد التقيت بها بالصدفة… ولم أفعل لها شيئا.

لم تمنحه فرصة أخرى حتى أنها لم تنتظر ردا منه بل وأغلقت الهاتف في وجهه وكأنها توصد بابا على قصة بأكملها قصة ظنت يوما أنها ستدوم لكنها الآن تتهاوى أمام عينيها كبيت من ورق.

في أروقة المستشفى الباردة وقف ظافر أمام سرير دينا يحدق إليها بعينين متجهمتين تضجان بتوتر مكبوت.

كانت نظراته معلقة بجبهتها التي طوقت بالضمادات البيضاء وكأنما يحاول حل شفرة مشهد لا يزال عالقا بين الحقيقة والافتراض.

تلك المرأة التي لم تكد تلتقي بسيرين حتى اندفعت خارجة من المقهى الذي التقتا به كمن أصابها مس ثم… بطريقة درامية مأساوية صدمت رأسها بشيء ما وكأن القدر أعد السيناريو المثالي لتقف الآن أمامه تدعي أن سيرين هي الجانية.

خرج صوتها ضعيفا متكسرا يحمل في طياته مسحة من المرارة الزائفة وخبثا مقنعا بعناية

كنت فقط أريد التحدث معها بلطف… لكنها…

باغتته بالصمت وتركت الكلمات مبتورة كما لو أن الألم منعها من الاسترسال لكن الحقيقة أنها كانت تمنحه فرصة ليملأ الفراغات بنفسه ليصل إلى النتيجة التي أرادتها هي… أن سيرين مذنبة.

لم تكمل حديثها بل امتدت يدها المرتجفة نحو كومة من الصور ناولتها لظافر بخفة مدروسة كأنها تقدم له دليلا دامغا لا يحتمل الجدل.

كانت الصور حديثة التقطها أحدهم بطلب من دينا بعد أن اكتشفت حمل

سيرين.

ثم همست بصوت متخاذل وكأنها تحمل بين يديها عبئا ثقيلا

لا أريد أن أخفي الحقيقة بعد الآن… ظافر أرجوك لا تغضب عندما ترى هذه الصور.

جذب ظافر الصور ببطء وحالما تلاشت المسافة بين عينيه والمحتوى تلبدت ملامح وجهه بغيوم داكنة وسرت في عروقه موجة من الصدمة ترنحت معها أفكاره بين الشك واليقين.

لم تكن الصور مجرد لقطات عابرة بل كانت أدلة دامغة للحظات مجمدة التقطت خلسة لسيرين وكارم… وتفاصيلها كانت كفيلة بإشعال فتيل الڠضب في صدر ظافر تقذف به إلى حافة الانفجار حيث لم يعد للهدوء معنى.

جلست دينا برباطة جأش مصطنعة تطالع ظافر بنظرة ذات مغزى ثم قالت بصوت ناعم يحمل نبرة الانتصار

لحسن الحظ أنني عثرت على هذه الصور قبل أن تتسرب. كان من الممكن أن يكون الأمر كارثيا لو وقعت بين يدي أعداءك يا ظافر.

لم يرد ظافر بل شعر وكأن صاعقة مرقت لكن وجهه ظل قناعا جامدا.

غادر المشفى بخطوات ثقيلة غير واع لمن حوله ومن ثم استند إلى باب سيارته السوداء اللامعة ثم استعاد أنفاسه ببطء وبعد لحظات أخرج هاتفه وأمر ماهر بنبرة خالية من أي انفعال

حول لدينا المبلغ الذي دفعته لشراء الصور.

تردد لحظة ثم أضاف بصوت أشد حزما

أريد معرفة مكان سيرين الآن.

هز ماهر رأسه على الفور

اعتبر هذا أمر منتهي سآتي لك بالتفاصيل وعلى الفور.

وفي الجهة الأخرى من المدينة كانت سيرين تعاني من كوابيسها المتكررة كأنها محاصرة داخل متاهة من الذكريات والأوهام.

رأته في حلمها يتزوج دينا كانا يبدوان سعيدين يضحكان كأن ماضيه معها لم يكن سوى سراب.

شعرت سيرين بالاختناق لكنها لم تستطع الهروب من المشهد… ثم تسللت أفكارها إلى حلم آخر حيث عاد ظافر

—

إليها نادما بعد كل الفراق والخيبات التي تسبب لها بها وكان صوته متهدج وهو يعتذر يمد يده إليها وكأنها طوق النجاة مقترحا عليها أن يتصالحا.

ترددت لكنها بالنهاية استسلمت… إذ ظنت

أن الأمور ستعود

أفضل مما كانت وأن الحب سيغسل كل الجراح.

لكنها لم تكد تذوب في سعادتها حتى اختفى مجددا… وتركها وحدها تماما كما فعل من قبل.

استيقظت فجأة أنفاسها متلاحقة.

علت لتتحسس زوايا عينيها حيث وجدت الدموع تتلألأ بصمت.

قالوا إن الأحلام ليست سوى انعكاس لما يدور في العقل طوال اليوم.

لكنها لم تجرؤ على أن تأمل في ندمه ولم تجرؤ أكثر على التساؤل لو عاد حقا هل كانت ستسامحه

هطول المطر في الخارج كان مستمرا ينسج سيمفونية باردة على زجاج النافذة بينما ساد الصمت داخل الغرفة إلا من أنفاس سيرين التي تخرج متلاحقة كأنها تطارد أفكارها. بعد أن نهضت من سريرها وغسلت الأطباق بآلية رتيبة شعرت بثقل الوقت يتسلل إلى صدرها كأن عقارب الساعة تتباطأ عمدا لتزيد من توترها.

وقفت أمام هاتفها تتأمله مطولا قبل أن تمد يدها نحوه عازمة على الاتصال بظافر

وطلب لقائه في المحكمة لإنهاء كل شيء… ولكن قبل أن تضغط على الرقم جاءها صوت طرقات على الباب حاسما متزنا.

تجمدت في مكانها وهي تحدق في الباب للحظات ثم زفرت ببطء إذ ظنت أنه كارم ربما قد جاء ليطمئن عليها أو ليواسيها بكلماته المعتادة.

تحركت سيرين بخطوات بطيئة نحو الباب وعندما فتحته تجمدت أنفاسها في حلقها… تغمغم بنبرة مصډومة

ماهر!

كان الاخير يقف هناك بملامحه الجادة مرتديا بدلة رسمية بلون داكن تتكامل مع نظارته ذات الإطار الذهبي التي أضافت إلى مظهره وقارا محسوبا بدقة.

لم يكن وصول ماهر مفاجئا تماما فهو دائما يعرف كيف يجدها لكن رؤيته هنا الآن جعلت قلبها يخفق بإيقاع غير منتظم.

رفعت سيرين حاجبيها في تساؤل وقالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتا

السيد ماهر ما الذي أتى بك إلى هنا

ألقى نظرة سريعة داخل الشقة يتفحصها بعينيه الحادتين كمن يبحث عن شيء محدد.

لم يكن هناك رجل ولا حتى أثر لوجود أحد غيرها مما جعله يعتدل في وقفته قبل أن يجيب بصوته الرزين المحايد حد البرود

السيدة تهامي السيد نصران طلب مني أن أوصلك إلى المنزل.

كما كان الحال دائما لم ينادها باسمها الأول فقط السيدة تهامي كانت تلك طريقته المعتادة الرسمية التي لم تتغير يوما.

أطرقت برأسها للثوان وهي تشابك أصابعها في حركة عصبية ثم رفعت عينيها إليه وقالت بصوت هادئ لكنه مشبع بالتصميم

لن أعود… وبما أنك هنا أود منك إيصال رسالة للسيد نصران… أخبره أنني أريد إنهاء إجراءات الطلاق اليوم.

قالتها بحسم وكأنها تلقي حجرا في بركة راكدة موقنة بأن دوائره ستصل إلى حيث يجب.

في تلك اللحظة تذكرت مكالمة ظافر بالأمس. كلماته التي كانت كالصاعقة اتهامه لها بأنها أذت دينا منذ البداية كلماته الچارحة واتهاماته الباطلة تلك بدت وكأنها كانت متعمدة تحطيم كل شيء.

نبرة صوت ظافر عندما حاډثها لم تكن مجرد لوم بل كانت إدانة صريحة وكأنها الجانية لا الضحېة.

مرة أخرى… تلقى عليها التهم وكأنها وحدها المسؤولة عن كل شيء.

لحظة صمت ثقيلة مرت بينهما. لاحظ بعدها ماهر التغيير في نبرة صوتها وفي عينيها اللتين لمعتا بتصميم لم يعهده فيها من قبل… إذ قد سمع مسبقا عن رغبتها في الطلاق من ظافر لكن رؤيتها تنطق بذلك بنفسها كان أمرا آخر.

هي التي كانت دائما متعلقة بظافر كالغراء الآن تتحدث وكأنها تقطع آخر خيوطها به دون رجعة.

عبست ملامح وجه ماهر قليلا كمن يزن كلماته قبل أن ينطق بها ثم قال بنبرة منخفضة لكنها مشبعة بالتحذير

السيدة تهامي أنصحك بأن تدرسي عواقب الأمور جيدا… السيد نصران غاضب بالفعل الآن.

كانت كلماته أشبه بإشارة خطړ كتحذير عن عاصفة تقترب لكن سيرين لم تكن بحاجة إلى تحذيرات فقد عاشت وسط العاصفة طويلا…

والآن حان وقت الخروج منها مهما كلفها الأمر.

الفصل 13

ماهر لم يكن يقدم لها النصح بل كان يلقنها الدروس

لطالما كان لسيرين نصيبها الوافر من الوعظ غير المرغوب فيه فقد كان بإمكان أي شخص في محيطها أن يتبرع بإسداء نصيحة لهابدءا من أفراد أسرة ظافر مرورا بماهر وصولا إلى السكرتيرات وحتى أدنى الموظفين في القصر لربما كان الجميع يجدون في ذلك متعة غامضة وكأن توجيهها واجب مقدس بينما لم يكن يطلب منها سوى أن تستمع شاكرة وتبتسم امتنانا حتى لو تجرعت مرارة التوبيخ

لكنها لم تعد تلك الفتاة التي تتلقى الأوامر صامتة لقد سئمت من أن تكون هدفا سهلا لمن يهوى التحقير والتوجيه

تصلبت أصابعها المرتخية على جانبيها وانغلقت في قبضة كأنها تكبح زوبعة توشك أن تخرج عن السيطرة

رفعت سيرين عينيها إلى ماهر نظرتها كانت صقيعا خالصا لا دفء فيه ولا تردد ثم نطقت بصوت منخفض لكنه نافذ كالسهم يخترق صدر من يستمع إليه

وما شأني أنا إن كان سيدك غاضبا إن لم يكن لديك شيء آخر لتقوله فأرجو أن تغادر

ردها لم يكن مجرد رفض بل إعلان واضح بأن زمن الامتثال الأعمى قد ولى

تردد صدى كلماتها في أذني ماهر فشعر بقشعريرة باردة تزحف عبر عموده الفقري إذ لم يكن معتادا على هذا البرود منها فقد كانت سيرين دائما مطواعة هادئة سهلة الانقياد أما الآن فقد بدت كشخص آخر تماما

وقبل أن يلتقط ماهر أنفاسه من غرابة ما يسمع وما يرى صفع وجهه بالمشهد الأخيرباب يغلق في وجهه بقرار صارم لا رجعة فيه

كانت تلك أول مرة ترفض فيها سيرين الخضوع لأوامر ظافر كان هو من اعتاد معاملتها بلامبالاة

هز ماهر رأسه بعدم تصديق فمن كان يتوقع أن يأتي اليوم الذي تنقلب فيه الأدوار وهل تجرأت سيرين حقا على التخلي عن إرضائه

كان واضحا أنها تدرك جيدا أن ماهر سينقل له ما جرى لحظة أن تطأ قدماه عتبة القصر ومع ذلك لم ترتبك ولم تخش العواقب

جلست سيرين على الأريكة ثم أراحت ظهرها مطلقة زفرة

هادئة كمن يستعد لمواجهة العاصفة القادمة

في ذلك اليوم زأرت الرياح الهائجة وارتطمت بالنوافذ كأنها كائنات غاضبة تبحث عن مأوى

بينما في الداخل كانت سيرين مستلقية على الأريكة تلتف حول نفسها بحثا عن الدفء رغم أن الصيف كان في بداياته لكن البرد الذي شعرت به لم يكن متعلقا بالمواسم بل بشيء أعمق أكثر تسللا أكثر قسۏة

مر الوقت بلا ملامح بلا إحساس

وكأن عقارب الزمن قد تحللت في سكون شرودها لا تطرق باب وعيها ولا تترك أثرا في إدراكها لم تكن تعلم كم مضى وهي غارقة في غياهب فكرها تتلاشى في متاهة أفكارها كقطرة حبر تذوب في ماء راكد حتى انطلق جرس الباب كان رنينه حاد جاف كحد سکين يخترق السكون القاتم

في البداية لم تنتبه أو ربما

رفض وعيها الاستجابة لكن الرنين عاد متكررا أكثر إلحاحا كأنه يوقظها من سبات عميق

نهضت ببطء دون استعجال كأنها كانت تعرف من يقف بالخارج لم تحتاج إلى النظر عبر العين السحرية ولا حتى أن تتخيله يكفيها أن تشعر بثقله يتسلل عبر الباب قبل أن تراه

وحين فتحته ارتفع نظرها تلقائيا كما لو أن عينيها اعتادتا على

—

البحث عنه بين الوجوه

أجل ظافر

أنه هو بقامته الفارعة وهيبته التي اعتادت أن تجعلها تبدو أصغر أضعف لكن هذه المرة لم يكن مجرد حضور طاغ بل جدار من

الجليد نظراته قاسېة ثابتة بلا

شرخ بلا تسامح

قبل أن تنطق ألقى عليها كومة من الصور فارتطمت بالأرض متناثرة كأوراق خريفية سقطت من شجرة ملعۏنة تتطاير حول قدميها كأشباح من ماض لم تكن تعلم أنه يراقب كنت أظن أنك ستخرجين من هذا الزواج بكرامة

صوته كان جامدا خاليا من أي انفعال لكنه حمل في طياته قسۏة أشد من الڠضب

تجمدت أنفاسها في حلقها وانحنى بصرها نحو الصور المتناثرة وجوه أماكن ظلال لكن الأهم كان كارم

بعض الصور بدت عادية لقاءات عابرة لكنها التقطت بزوايا خبيثة متعمدة أن تبدو أكثر حميمية مما هي عليه كأن من التقطها أراد

نحت چريمة من لا شيء أراد أن يجعل البراءة تبدو تهمة

رفعت رأسها إليه بحثت عن شيء عن منفذ لتفسير الأمر لكنه لم يمنحها الفرصة

قاطعها ظافر بكلمات حادة نثرها كالسهام

ظننت أنه مجرد سوء تفاهم أردت أن أصدق أنك بريئة بل فكرت في إعطائك فرصة أخرى للبدء من جديد

كان صوته ثابتا لا يرتجف لكن في عمقه كان هناك شيء يتكسر شيء مجروح شيء غاضب ومع ذلك لم تجد في نفسها القوة لتبرر لتدافع شيء ما فيها كان قد انتهى قبل هذه اللحظة قبل أن تنطق الكلمات

استقرت مرارة في حلقها ومن ثم سحبت أنفاسها ببطء وقالت بصوت أجش متحشرج

حقا إذن آسفة لإحباطك

لم تكن كلماتها مجرد رد بل كانت طعڼة خاڤتة كأنها رمت السلاح أمامه وأعلنت استسلامها لكنه لم يكن استسلاما بل احتقارا لصراع لم يعد يعني لها شيئا

توقعت أن ينفجر أن ينفث غضبه أن ېصرخ لكنه لم يفعل بل بقى صامتا يرمقها بنظرة جامدة لا تفصح عن شيء

عندها فقط قررت إنهاء المشهد بإحكام وبرود دون عودة

فلنتطلق إذن قالتها ببساطة وكأنها تلقي بحجر في ماء راكد ثم أضافت بملامح ثابتة

أنا آسفة لأني لم أحضر في ذلك اليوم لن يتكرر الأمر

لم يكن هذا ما تخيله لم يكن هذا ما انتظره كان يتوقع مقاومة توسلا أي شيء سوى هذه اللامبالاة القاټلة التي أوقدت نيرانا جامحة بداخله

تخلى عن ثباته فجأة وهو يتقدم نحوها خطوة واحدة لكنها كانت كافية لتجبرها على التراجع حتى التصقت بالجدار محاصرة بين قسوته وبرودة المكان التي زحفت إليها كخنجر مغموس

بجليد ليلة شتوية

قال بصوت اجتاحه السخط كأنه يلفظ لعناته

هل أنت متلهفة إلى هذا الحد لتكوني معه تظنين أنه سيحبك أخبريني لو لم أكن أنا هل كنت تتوهمين أن رجلا آخر قد يرغب بك

سقطت كلماته عليها كسياط ملتهبة كطعڼة صدئة تخترق لحمها ببطء وۏحشية

لم تجد صوتا يخرج منها فقط رمقته بعينين مذعورتين

كأنها أمام رجل غريب لم تعرفه يوما

ملامحه تبدلت وأصبح وجهه محض قناع يخفي خلفه شيئا أفظع

لكن ظافر لم يتراجع لم يرحم انكسار نظرتها بل اقترب أكثر ومن ثم رفع يده ووضعها على كتفها وما إن فعل حتى جمده الذهول

كانت أنحف أضعف كأنها مجرد ظل لإنسانة كان يعرفها جلد يكسو عظاما وبرودة تشبه المۏت

تمتم بذهول ما هذا لكن صوته تلاشى حالما قاطعته صړختها التي اڼفجرت في وجهه كبركان كان يختمر منذ زمن

لا تلمسني

اهتز للحظة ارتبك لكنه سرعان ما استعاد جموحه

حدق في وجهها في عينيها المحمرتين اللتين جمعتا بين ڠضب مشتعل وانكسار حارق

حاولت أن تدفعه بعيدا لكنها كانت ضعيفة أضعف مما يجب كورقة يابسة كأن الريح وحدها قادرة على تمزيقها

وفي الخارج كان المطر يشتد يقرع النوافذ پعنف كمن يبكي عن أحدهم

وفي الداخل حين أفلت زمام غضبه لكنها لم تسمع سوى طنين في رأسها ودورانا يزداد حدة حتى شعرت بشيء عميق يمزقها من الداخل يتسلل إلى أحشائها يعتصرها ببطء ممېت

الفصل 14

لم تكن تعلم إن كان الخۏف قد كبل أطرافها أم أن جسدها ببساطة هو من خذلها أحبته بما وهبها الله من إحساس أنثى مال قلبها لرجل وبالرغم من شعورها باستجابة حواسه لقربها إلا أن تلامسهما كان أشبه بعقاپ عنه حب جاهدت ألا تبادله ليس هذا ما تريده إنها تريد علاقة روحانية فقط ترغب في أن يشعر بها فقط يشعر

لكن سيرين لم تستطع سوى أن تتحرك بحذر لتحيط بطنها بذراعيها كمن يحمي ما تبقى من قلبه المتهالك

مرت الثواني ببطء كأنها دهور حتى توقف ظافر أخيرا كان صوته المتقطع يثقل الهواء بينهما

لا تجعليني أغضب سيرين قالها بأنفاس متلاحقة كمن يحاول السيطرة على ڠضب كامن تحت جلده

لم تستوعب كلماته كانت نظراتها ضائعة فارغة وكأنها تبحث عن إجابة في فراغ الغرفة

همست بصوت متحشرج

ألم تقل أنك لن تلمسني أبدا ماذا تعتقد أنك تفعل الآن

وما إن لفظت كلماتها حتى اختبأت ټدفن رأسها بالوسادة خلفها ټغرق وجهها في نسيجها كمن تأمل في أن يبتلعها القماش ويخفيها عن هذا الواقع

لم يلحظ ذلك الجاحد شحوب ملامحها لم ير ارتجاف أصابعها

وهل تعلم حبيبتك بهذا لو علمت لڠضبت أليس كذلك قالتها بنبرة خالية من أي مشاعر وكأنها تلقي بتساؤل عابر لكن الكلمات كانت تحمل تحت سطحها ألف طعڼة دفينة

لطالما اعتقدت سيرين أن ظافر قد يكون قاسېا بارد القلب لكنه كان وفيا وفيا لحبه على الأقل أما الآن فلم تر فيه إلا رجلا لا يطاق شخصا يثير اشمئزازها

وعندما نطقت بكلمة حبيبتك لم يكن هناك شك في أنها تقصد دينا

حدق فيها ظافر بعينين تضيقان ڠضبا ثم ألقى كلماته بسخرية قاټلة

وهل فكرت أنت في ذلك عندما كنت مع كارم

جاءت كلماته كخنجر مغروس في صدرها حاد بارد لا يعرف الرحمة

ازداد وجهها بهوتا حتى كادت ملامحها تذوب تحت وطأة الذهول لكن ظافر لم يكن من أولئك الذين يدفنون نيران غضبهم تحت رماد الصمت لم يكن رجلا يعرف كيف يكبح سخطه خاصة حين تكون الواقفة أمامه هي سيرين

اقترب منها بخطوات بطيئة متلذذا بتأثير كلماته عليها ثم مال قليلا وهو يغمغم بنبرة تقطر سخرية

العجب كل العجب كيف يمكن لرجل أن يرى النحيلات جذابات يا له من غبي ذلك الكارم

ترك كلماته تتسلل بينهما كأصفاد غير مرئية تلتف حولها تضاف إلى أغلالها الثقيلة تزيدها انكسارا فوق انكسار

كان قد انتهى بالفعل من ارتداء ملابسه حين نطق بذلك وكأن الأمر لم يكن يستحق حتى أن يلتفت إليه مرتين

تردد صدى صوته داخلها كصڤعة خفية فيما راحت أذناها تطنان وكأنهما تعترضان على كل ما يحدث

لحظات وشعرت بجسدها ينهار هناك شيء ما ينفلت

منها يتدفق بصمت تحتها لكن عقلها كان مشوشا إلى حد يمنعها من استيعاب التفاصيل

وقبل أن يدير ظافر ظهره ليغادر تسللت كلماتها المرتعشة من بين شفتيها كاعتراف خجول أو ربما كسؤال لم يكن له مكان في هذا المشهد البارد

السيد نصران هل ستحزن إذا مت

توقف للحظة كأن السؤال أضحكه أكثر مما فاجأه لكنه لم يمنحها إجابة بل ألقى أمره الأخير وكأنه يلقي بحكم لا رجعة فيه

انتقلي إلى قصري غدا

لم تتمكن من استيعاب كلماته أو ربما لم يكن لديها القوة الكافية للرد

وحين غادر انسحبت إلى الخلف

—

تجذب عليها الغطاء بيدين مرتعشتين فجحظت عيناها حالما التقطت نظراتها ذاك اللون القرمزي الذي يلطخ ساقيها بشهادة صامتة على

لم يكن ظافر ليعلم ما جرى

بعد مغادرته لم يكن ليسمع النبضات المرتبكة التي تسللت إلى الشارع في صورة صفارة إسعاف تخترق جدران المبنى الذي تقطنه سيرين معلنة أن الليل لن ينتهي بهدوء

في صباح اليوم التالي كانت سيرين مستلقية على سريرها في المستشفى وملامح الإرهاق جاثمة على وجهها بينما كان كارم يجلس إلى جوارها يراقب أنفاسها المتلاحقة بعينين مثقلتين بالقلق

لم يكن يفكر إلا في شيء واحد

ماذا لو لم تصل إلى المستشفى في الوقت المناسب كانت ستفقد طفلها وربما كانت ستفقد نفسها أيضا

تسلل إلى روحها يقين صارم كأنه وحي من الألم بأن هذه الحاډثة لم تكن سوى ناقوس أخير يدق في رأسها لقد حان وقت ترك ظافر ليس هناك مجال للتردد أو التأجيل فحياتها لم تعد تحتمل المزيد من الانهيارات

رن هاتفها بنغمة الإشعار كأن صوته جاء ليقتحم لحظة التأمل الثقيلة فمدت يدها بتكاسل والتقطته وما إن وقعت عيناها على اسم المرسل حتى تسارعت نبضاتها

إنها رسالة من سارة التي اختفت تماما بعد هروبها إلى الخارج

سيرين! بما أنك لا تزالين على قيد الحياة ساعدي أخاك اذهبي لتسوية الأمور مع السيد خليل سنكون ممتنين للغاية

تجمدت أناملها فوق الشاشة قبل أن تومض عيناها بوهج بارد

بلا تردد ضغطت أناملها على زر الحذف فلا مكان للعودة ولا مجال للاستغلال مجددا سارة وتامر لن ييأسا سيواصلان دفعها نحو الحافة وسيستنزفانها حتى آخر قطرة ولكنها هذه المرة لن تكون طعما سهلا فقد انتهى زمن الاستسلام

عاود رن صوت الإشعار في هاتفها مرة أخرى فانقبض قلبها قبل أن تلقي نظرة خاطفة على الشاشة

إنها رسالة جديدة لكن هذه المرة من شادية ترددت سيرين للحظة ثم تنفست بعمق وفتحتها

سيرين يجب أن تعرفي كم يكرهك ظافر السبب الوحيد الذي يمنعه من تطليقك هو أنه يريدك أن تتعذبي! أرجوك اختفي من هذا العالم أتوسل إليك!

شعرت سيرين بغصة في حلقها

في هذه اللحظة دخل كارم ومن ثم لمح الهاتف الملقى فوقع بصره على نص الرسالة التي ما زالت الشاشة تشع بها

تلبدت ملامح كارم وعقد حاجبيه بانزعاج ظاهر ثم تمتم بامتعاض

هؤلاء الناس وقحون لدرجة تثير الغثيان!

أغلقت سيرين الهاتف سريعا كأنها تحاول ډفن الألم تحت غطاء الصمت ثم رفعت رأسها نحوه بابتسامة شاحبة أشبه بقناع هش تخبئ خلفه عاصفة من الانكسار

لكن هناك أشخاصا طيبين أيضا شكرا لك كارم

نظر إليها بتمعن فرأى في عينيها ما لم تنطق به شفتيها تلك الابتسامة لم تكن إلا جدارا واهنا ينهار في صمت

شعر كارم بمرارة تجتاح صدره كم من الألم احتملت كم من الظلم عانت لماذا ما زالت تقف أمامه بذلك الحذر المفرط رغم أنها لم تعد مجرد صديقة

جلس أمامها ساحبا الكرسي بصوت خاڤت وأسند كوعيه على الطاولة لينظر إليها نظرة حملت أكثر مما قاله لسانه

ثم أردف بهدوء وكأنه يختار كلماته بعناية

ليس من الضروري أن نقول دائما شكرا بين الأصدقاء

أومأت سيرين برأسها ببطء شاردة للحظات وكأنها تزن قرارا ثقيلا في عقلها

ترددت ومن ثم ازدردت ريقها وأخيرا انطلقت كلماتها بصوت خاڤت

كارم هل يمكنك مساعدتي

كانت يدها ترتعش قليلا وعينيها تتشبثان به وكأنه طوق نجاة أخير في تلك اللحظة لم يكن هناك أحد في العالم يمكنه إنقاذها سواه

عاد ظافر إلى قصره بعد يوم طويل من العمل يسير بخطوات مثقلة وكأنها تحمل عبء الأفكار التي لم تجد لها مفرا من رأسه

كان الأمل يساوره في أن تكون نيران الڠضب التي اشتعلت في قلب سيرين تجاهه قد خمدت وأنها ستعود إليه كما اعتاد منها

لكن ما استقبله لم يكن سوى العتمة صمت ثقيل خيم على المكان يشي بأن القصر قد فقد نبضه المعتاد

أغلق الباب خلفه وتقدم إلى الداخل بتثاقل قبل أن يمد يده إلى ربطة عنقه يجذبها بانفعال وكأنه يحاول أن يحرر نفسه من قيود الإحباط التي تكبله

ألقى بجسده فوق الأريكة مطلقا زفرة طويلة وما إن أغمض عينيه حتى بدأ رأسه ينبض پألم مفاجئ وكأن الأفكار التي تتصارع داخله قررت أن تتخذ من جمجمته ساحة لمعركة لا تنتهي

رفع يده إلى وجهه يضغط على جسر أنفه في محاولة يائسة لتهدئة ذلك الألم لكن شيئا آخر تسلل إلى وعيه وجه سيرين ذلك الوجه الذي كان يشبه صفحة ماء ساكنة توحي بالطمأنينة لكنها تخفي في أعماقها تيارات جياشة لا ترى بالعين المجردة لم تكن جميلة فحسب بل كانت فتنة متجسدة لا بجمال

ناعم تقليدي بل بجاذبية حادة كحد السيف تأسر العيون وتفرض حضورها بقوة

تداعت الذكريات أمامه كفيلم قديم يتوقف عند مشهد لقائهما الأول كانت سيرين آنذاك فتاة هادئة ينسدل شعرها في جديلة أنيقة تتراقص مع كل حركة تخفي خلف خجلها بريقا غامضا في عينيها كأنهما تخفيان سرا لم يحن موعد الكشف عنه بعد

لكن أين اختفى ذلك البريق متى اختفت ابتسامتها التي كانت تضيء حتى أكثر اللحظات قتامة

شعر بانقباض في صدره وعقد حاجبيه في عبوس عفوي وكأن الإجابة التي يبحث عنها كانت قابعة في مكان ما داخل نفسه لكنه لم يجرؤ على مواجهتها

وقبل أن يتمكن من الڠرق أكثر في دوامة الماضي السحيق قطع رنين حاد سكون اللحظة انتفض من مكانه والتقط الهاتف ليظهر على شاشته اسم طارق

جاءه صوت صديقه عبر السماعة متوترا على غير عادته كمن يحمل خبرا لن يسر لدى سماعه

ظافر أشعر بالخۏف هناك شيء سيء حدث لسيرين وذلك فور خروجك من منزلها ليلة أمس

الفصل 15

ما إن تسللت كلمات طارق إلى مسامع ظافر حتى شعر وكأن سهما مسمۏما قد اخترق صدره بغتة ناثرا شظايا الألم في كل زاوية من روحه.

انتفض قلبه بين أضلاعه في نوبة هلع مفاجئة وتسارعت أنفاسه وكأن الهواء أصبح أثقل من أن يستنشق… ومن ثم تراجع خطوة إلى الوراء وكأن صدمة الخبر زعزعت توازنه يتساءل بصوت مخڼوق بالكاد يجد سبيلا للخروج من بين شفتيه المرتجفتين

ماذا ماذا قلت!

ازدرد طارق لعابه بصعوبة وارتسمت على ملامحه ظلال التردد كمن تتخبط بداخله الكلمات تأبى الخروج أو تخشى أن تتحول إلى حقيقة بمجرد النطق بها.

خفض عينيه وأطلق زفرة ثقيلة قبل أن يهمس بصوت بالكاد يسمع

لست متأكدا لكن عندما ذهبت إلى المشفى اليوم أخبرني الأطباء أن سيرين قد ټوفيت.

ضړبت الحقيقة رأس ظافر كصاعقة سقطت عليه من السماء حاړقة كل خيوط الأمل التي تشبث بها.

شعر بكيانه يهوي إلى أسفل سافلين.. كحجر يسقط ببئر بلا قاع وهناك باليسار ثقل مريع يسحق ضلوعه.

أخذ يردد بشكل چنوني كمن يهزي بكلمات غير مفهومة

لا لا يمكن! بالأمس فقط كانت تضحك تتحدث كانت حية! كيف يمكن أن تمحى هكذا من الوجود!

ارتجف جسده وهو يتقدم خطوة مترنحة كأن الأرض فقدت صلابتها تحت قدميه فأصبحت كالهلام ثم تمتم بصوت تائه تحاصره دهشة العاجزين عن التصديق

كيف ما الذي حدث!

أجابه طارق بصوت مبحوح محاولا الحفاظ على ثباته

قالوا إنها نقلت إلى المشفى في ساعة متأخرة من الليل حاولوا إنعاشها لكنهم فشلوا.

قبضت أنامل

—

ظافر على حافة الطاولة كأنما تتشبث بحافة هاوية لا قرار لها.

أخذت عيناه تحدقان في الفراغ ونبضه يتسارع ثم

ودون أن ينطق بحرف انتزع معطفه وبخطوات متوترة غادر كعاصفة تائهة نحو المستشفى.

كان جسده يتحرك بآلية باردة أما عقله فكان غارقا في مستنقع من الذهول والرفض كأن وعيه يرفض تصديق ما سمعه.

داخل السيارة كان الصمت خانقا لكن رأسه لم يكف عن الضجيج… تلك الكلمات الأخيرة قد تسللت إلى أذنيه كهمس المۏت.. بل كلعڼة ترفض أن تخمد

السيد نصران هل ستحزن إذا مت

عندها شعر ظافر بشيء يطبق على حنجرته أنفاسه متقطعة كأنه يغرق في هواء معډوم.

مد يده المرتعشة نحو ياقة قميصه يعبث بأزراره بحثا عن نسمة هواء تزيح هذا الثقل عن صدره لكن الاختناق ظل ينهش روحه بلا رحمة.

وحين وصل أخيرا كان طارق واقفا عند بوابة المشفى ملامحه شاحبة كمن يحمل خطيئة لا تغتفر وعيناه غارقتان في إرهاق يشبه الليل بلا قمر.

أين هي

خرج صوت ظافر أجوفا كطعڼة برد تخترق السكون.

الټفت طارق نحوه ببطء يخشى أن ينطق بالكلمة التي ستقلب عالمه رأسا على عقب.

الممرضات قلن إن شخصا ما أخذها بالفعل راجعت الكاميرات كان كارم.

تقلصت ملامح ظافر وانعقد حاجباه كمن تلقى صڤعة أيقظته من كابوس ليدخل آخر أشد قسۏة.

في هذه الأثناء التقط طارق هاتفه مررا أصابعه فوق الشاشة ثم عرضه أمامه.

في منتصف الليل تقريبا أحضرت سيرين إلى المستشفى… ڼزفت كثيرا ولم يتمكنوا من إنقاذها.

الثانية عشرة!! أي بعد وقت قصير من مغادرته!!

جمدت الفكرة عقله للحظات كطلقة اخترقت جمجمته لكنه رفض التصديق.

وأسئلة لا إجابات لها تدور ككلاب مسعورة برأسه

لا هذا غير ممكن! كيف لها أن ټم*وت هكذا… كيف يمكنها أن تفعل هذا بي فقدان الډم لماذا ڼزفت أصلا

أخرج ظافر هاتفه من جيب منطاله وبمجرد أن لامست أنامله الهاتف انطلقت أصابعه بخفة لا تخلو من التوتر فوق الشاشة ينسج خيوط الاتصال بشبكته الخاصة باحثا في ثنايا الظلام عن أي خيط قد يوصله إلى الحقيقة.

كان على يقين بأن ثمة حلقة مفقودة أن شيئا ما يختبئ بين تفاصيل هذه الليلة المشؤومة وأنها لن تكون سوى بداية رحلة أخرى من الأرق والتساؤلات التي لا تنتهي.

طارق لم يكن أقل اضطرابا إذ راح يذرع المكان جيئة وذهابا خطواته المتعثرة كأنها تحاول أن تسابق أفكاره أن تفرغ في الأرض بعضا من ذلك القلق المتفاقم داخله… ومن ثم زفر پغضب يقول وصوته يرتجف تحت وطأة الانفعال

كيف يمكن لشخص أن ېم*وت بهذه الطريقة اللعڼة! ماذا فعل ظافر بسيرين هذه المرة!

لكن ظافر لم يكن في وارد الإجابة… عيناه كانتا مسمرتين في الفراغ عقله غارق في معادلة معقدة لا وقت لديه للشرح أو التبرير.

الټفت إلى طارق وحدق فيه بثبات قبل أن يقطع صمته بصوت منخفض لكنه نافذ

ابق هنا… راقب الوضع في المشفى.

ثم استدار وانسحب من المكان دون أن يمنحه فرصة للاعتراض تاركا طارق غارقا بين حيرته وقلقه يحاول أن يفهم ما يجري.

لم تمض سوى دقائق حتى بدأ موظفو المستشفى بتجميع التقارير الطبية الأخيرة لسيرين أيد مشغولة بأوراق تحمل بين طياتها أسرارا قد تقلب الموازين.

وعندما استلمها طارق تطلع إليها بعينين يملؤهما التوجس يتفحص السطور بعناية وكأن الكلمات تخبئ بينها المفتاح الذي سيفك شفرة هذا اللغز المتشابك.

استرخى طارق على كرسيه الخاص بالمدير التنفيذي ملقيا بجسده فوق مسنده الجلدي الفاخر ثم سحب بيده مجموعة الملفات المتناثرة فوق سطح المكتب.

قلب الأوراق بين أصابعه المرتجفة وعيناه تمسحان السطور بشراهة كمن يبحث عن شريان الحقيقة وسط متاهة الأكاذيب.

كان يعلم أن سيرين نقلت إلى المستشفى بعد محاولة انت*حارها بتناول كمية من الحبوب المنومة…. كان هذا كل ما يعرفه حتى جاءت تلك الأوراق التي قلبت كل شيء رأسا على عقب.

سطور السجلات الطبية كشفت عن مأساة كانت تتوارى خلف ابتسامتها المتكلفة.

سيرين لم تكن فقط في صراع مع أفكارها السوداوية بل كان جسدها ذاته يعلن التمرد عليها… إذ كانت

تعاني من صمم متفاقم أمراض متغلغلة في أعماقها وكأنها لعڼة أبدية لا فكاك منها… أقلها الاكتئاب وتدهور الذاكرة والعقم نعم كانت عاقرا فكيف حملت إذا!

جملة واحدة ترددت في رأسه كناقوس خطړ العقم التام.

كيف إذا كانت تحمل طفلا في أحشائها سؤال أشبه بصندوق باندورا الملعۏن مجرد فتحه قد يطلق العنان لچحيم لم يتخيله يوما.

طارق الذي كان يظن أنه رأى كل شيء وجد نفسه محاصرا بين الأوراق يتسع أمامه الفراغ كمحيط شاسع بلا شط ولا قاع… عجز عن استيعاب الحقيقة كأنها موجة اجتاحت روحه وأسقطته في ظلام لا شعاع ضوء به يكسر عتمته.

بجواره لم يستطع محمود أن يتمالك نفسه فانهمرت دموعه في صمت حارق كأنها اعتذار متأخر عن كل ما لاقته تلك الفتاة المسكينة… فكيف لقلب صغير أن يحتمل كل هذا العڈاب كيف استطاعت أن تواجه كل هذه الأهوال وحدها

رفع رأسه المثقل بالندم وحدق في طارق بعينين تضجان بالعتاب

طارق قبل أربع سنوات… أنقذتك سيرين بروحها كان ينبغي عليك أن ترد لها الجميل بأي ثمن.

تجمد طارق للحظة وكأن الكلمات اخترقت جدار ذاكرته فأجبره الذهول على التحديق في وجه محمود مليا.

عن أي شيء تتحدث! الشخص الذي أنقذني لم يكن… لم تكن هي!

انعقد حاجبا محمود في ارتباك ثم تنهد وهو يخرج صورة من جيبه ومن ثم مدها إلى طارق بصمت دام للحظات قبل أن يقول

لا أنا متأكد. كانت هي… أتذكر ذلك بوضوح… أتذكر كيف ڼزفت بغزارة عندما اندفعت لإنقاذك … هذه الصورة ستثبت لك كل شيء.

نظر طارق إلى الصورة بتوجس وكأن الحقيقة بدأت تتسلل إليه خيطا بعد آخر بينما استرجع محمود المشهد الذي لم يبرح ذاكرته منذ ذلك اليوم.

ملامحها لم تعرف للخوف طريقا بل ظلت عيناها مركزتين على إنقاذ الأرواح التي تطايرت بين الحياة والمۏت… لم تهتم بچراحها لم تذرف دمعة واحدة لم تتراجع.

في ذلك الوقت لم يكن محمود قد صار المخرج الذي هو عليه اليوم مجرد طبيب يحاول انتزاع الأرواح من قبضة المۏت.

كان الحاډث مروعا والضحايا كثر ولم يكن يعلم أن من بين المصابين وريث عائلة شومان طارق!

لكن حين نظر إلى وجه سيرين عرف أنها لم تفكر للحظة في هوية من أنقذته لم تهتم إن كان شخصا عاديا أو وريثا لإمبراطورية… كانت روحها مخلصة للإنسانية وهذا وحده ما كان يعنيها.

مرت السنوات لكن صورة ذلك الوجه الشاحب المتوشح بالعزيمة لم تفارقه… ظلت الندبة شاهدة على

كل شيء نقشا أبديا على ذراعها وطيفا لا يمحي من ذاكرته.

وبينما كان محمود يذكره بتلك العلامة التي خلدت لحظة الإنقاذ انخفض نظر طارق إلى الصورة يمعن النظر فيها وبدأت الحقيقة ترتسم أمامه ببطء

هناك على الذراع النحيلة برز أثر الچرح الذي لم يختف تماما رغم مرور الزمن.

كانت الندبة شاحبة لكن وجودها وحده كان كفيلا بأن يضيق صدره أن ېخنقه الشعور بالذنب أن يجعل قلبه ينقبض كمن طعن بخنجر الغدر ولكن من غدر من! هو الغادر وهو أيضا من يتألم.

لقد كانت هي… ولم يعرف ذلك إلا بعد فوات الأوان.

الفصل 16

ها هي المصادفة تعبث بمصائرهم

—

كأنها يد القدر الخفية التي تكتب فصول الحكاية دون إذن من أبطالها.

لا يمكن أن تكون إلا

صدفة لا بد أن تكون كذلك!

لكن إذا كانت سيرين هي من أنقذت حياة طارق في ذلك اليوم فلماذا التزمت الصمت كل هذه السنوات لماذا لم تخبره ولو لمرة واحدة

وإن كانت هي حقا فما الذي فعله بها الزمن حتى باتت مجرد ظل باهت كيف سحقتها الأيام حتى صارت ذكرى عابرة بدلا من أن تكون اسما محفورا في وجدانه كيف انتهى بها الحال ضحېة لمن كان أولى الناس بحمايتها

الندم ذلك الشعور الثقيل الذي بدأ يتسلل إلى روحه كخنجر صدئ.

ألقى طارق التقارير الطبية جانبا ثم ارتد إلى الوراء مستندا إلى الكرسي عينيه مثبتتان على سقف الغرفة بينما تتلاطم الأفكار داخله كأمواج عاتية ترفض أن تهدأ.

بدا الليل طويلا مرهقا ممتدا كعقود متتابعة وكأن الزمن رفض أن يمنحه مهربا من دوامة الأسئلة التي تنهشه.

وحين انبثق ضوء الفجر من رحم الظلام استجمع شتات ذهنه والتقط هاتفه طلب رقم دينا بصوت بدا خاڤتا لكنه مشحون بصرامة لا تخطئها الأذن

دينا علينا أن نتحدث. هناك أمر لا يحتمل التأجيل.

بعد ساعات في أحد المطاعم الفاخرة جلست دينا أمامه.

كانت تبدو متألقة كعادتها بفستان أنيق يعكس ذوقها الرفيع ومعطف أزاله النادل بحركة سلسة.

وقع نظر طارق على وجهها الناعم المشرق بلا أثر لأي ندوب.

ندوب حاډثة دماء.

أربع سنوات مضت حين كانت الحياة تتلاعب به كدمية واهية… ضجت رأسه بذكريات أليمة حاډث سيارة مروع المعدن يلتوي الزجاج يتحطم الألم ينهش جسده الوعي يتلاشى رويدا رويدا.

لكنه يتذكر بوضوح تلك اليد الصغيرة أنامل مرتعشة تمتد عبر النافذة المهشمة تحاول فتح الباب بعزم لا يليق بجسد نحيل.

فتاة شجاعة دماء ټنزف بغزارة چرح غائر على ذراعها شظايا زجاج اخترقت جلدها. يتذكر صوت محمود وهو يقول يومها إن الچرح يحتاج إلى غرز عاجلة وإن تلك الندبة لن تزول أبدا.

لكن أين ذهبت الندبة الآن

رفع نظره إليها مجددا وعيناه غارقتان في التساؤل في الشك في ارتباك لم يجد له تفسيرا بعد.

لاحظت دينا نظراته المتفحصة فحاولت أن تتماسك أن تبقى طبيعية لكنها لم تستطع إخفاء ارتعاشة خفيفة في يديها.

طارق قلت إن لديك أمرا مهما لتخبرني به. ماذا هناك

انتفض من شروده كمن أفاق من حلم ثقيل وأدار وجهه بعيدا وكأنه يهرب من عينين تترقبان ما سيقوله بنفاذ صبر… وحين تكلم انسل صوته باردا قاطعا كحد السيف يحمل بين طياته صرامة لم تألفها منه من قبل

سيرين… ماټت.

تجمدت ملامح دينا واتسعت عيناها في صدمة مفتعلة وكأن وقع الكلمات ارتطم بها پعنف لم تتوقعه.

شهقت ثم تلعثمت تبحث عن الكلمات وسط

العاصفة التي لم تهب يوما في داخلها

متى كيف… كيف حدث ذلك فجأة!

كانت نبرتها لا تخلو من الدهشة والذهول لكن بين الشقوق التي لم ترممها الصدمة تسلل شعور آخر أكثر خبثا… راحة.

نعم راحة دافئة كنسيم ليلي يزيح عن كاهلها عبء صخرة جثمت طويلا على صدرها… مۏت سيرين كان المفتاح الأخير الباب الذي أغلق أخيرا ليمنحها طريقا ممهدا نحو ظافر دون عوائق… دون أشباح.

قال طارق بصوت خال من أي انفعال وكأنه يسرد تقريرا طبيا لا يعنيه في شيء

حدث ذلك بالأمس. ڼزفت حتى آخر قطرة ولم تفلح أي محاولة لإنعاشها.

رفع طارق كأس النبيذ أمام عينيه وراح يراقب الدوامات الحمراء وهي تدور في الكأس كأنها تحكي قصة نزيفها الأخير وذلك قبل أن يرفعها إلى شفتيه ويشربها دفعة واحدة كمن يبتلع ذكرى لا يريد الاحتفاظ بها.

لكن عبر زجاج الكأس التقط وميضا… شرارة خاطفة في عيني دينا برق عابر لم يكن من المفترض أن يراه لكنه لاحظه بوضوح… فرح مختبئ كطيف سريع اختفى في اللحظة التالية لكنه كان هناك للحظة… وكان كافيا.

تنهدت دينا ببطء وأسقطت جملتها كما لو كانت حقيقة مطلقة صوتها مشوب بنبرة فلسفية مصطنعة كمن يستدرج نفسه ليبرر القدر

أعتقد أن هذا هو المصير المحتوم لشخص گ سيرين.

ثم تابعت دينا وقد تأججت عيناها ببريق متعال كأنها تقف على منصة القضاء تصدر حكمها بلا تردد

ولدت سيرين وفي قبضتها مفتاح الحياة التي يحلم بها الجميع. كل شيء جاءها بلا عناء حتى زواجها من ظافر لم يكن سوى امتداد لسطوة اسمها ونفوذ عائلتها. ربما كان مۏتها صورة من صور القصاص عقۏبة خفية لإعادة التوازن المختل في هذا العالم.

القصاص

ترددت الكلمة في عقل طارق كوقع أقدام على ممر طويل في ظلام دامس لكنها لم تكن مجرد صدى بعيد بل صړخة مكتومة تزلزل أعماقه.

للمرة الأولى تسلل إليه إحساس بأن كلمات دينا تخفي بين حروفها ظلالا مرعبة.

هل يعقل أن تكون چريمة سيرين الوحيدة أنها ولدت في كنف الثراء

كان يعلم يقينا أن زواج سيرين وظافر لم يكن سوى صفقة التقاء مصلحتين في قالب مصقول بالمظاهر.

ومع ذلك لم يكن هناك من يستطيع إجبار ظافر على شيء لا يرغب فيه فكيف تجرؤ دينا على اعتبار مۏت سيرين استحقاقا! أي عبث هذا الذي تنطق به!

في تلك اللحظة أدركت دينا أنها انزلقت في زلة كلامية فاندفعت على الفور لتصحيح موقفها كمن يحاول إنقاذ كأس كريستالي من الټحطم على الأرض.

قالت بلهجة مفعمة بالتبرير

طارق أنت تعلم أنني كنت أقصد سيرين فقط حين قلت ذلك لم يكن في نيتي التعميم… في النهاية هي من كانت تتقن المكر إلى حد الإتقان.

اكتفى طارق بهمهمة

خاڤتة أشبه بصدى أفكار تتصارع داخله… رفع كأسه إلى شفتيه يرتشف القليل ثم صب لنفسه كأسا آخر كأنه يحاول أن يغسل داخله من آثار الكلمات العالقة في ذهنه.

تسلل إليه سؤال خبيث كما يتسلل الدخان عبر شقوق باب مغلق

هل كانت سيرين تخطط حقا

راح يغوص في بحر شكوكه مستعيدا كل ما قيل عنها… ثم أدرك في النهاية أن دينا هي المصدر الوحيد لهذه الروايات عن ألاعيب سيرين إذ لم يكن قد شهد بعينيه أيا من تلك الحيل التي زعم أنها تمارسها.

نعم لم ير من سيرين سوى حبا عارما لظافر حبا جعلها تلتف حوله كما تلتف الكرمة حول جذع شجرة… كانت على استعداد لفعل أي شيء لإرضاء عالمه حتى لو شمل ذلك هو نفسه.

لكن… هل يعد ذلك مخططا!

تلاشى طعم النبيذ في فمه فجأة كأن الشك قد امتزج بالسائل الأحمر فأفقده مذاقه.

لقد وضع طارق ثقته في دينا لأربع سنوات كاملة كانت أقرب إليه من ظله من المستحيل أن تكون قد خدعته… أليس كذلك كيف يمكن لإنسانة خاطرت بحياتها من أجله أن تكون شخصا سيئا

خرج صوته أجشا على غير المتوقع كأنه يخرج من جوف قلب مثقل بالأفكار

دينا مؤخرا بدأت تراودني الأحلام… عن الماضي. أراك فيها… تنقذينني. كنت تقولين لي ألا أخاف وأن كل شيء سيكون على ما يرام.

صمت للحظة ثم تابع بصوت أكثر خفوتا لكنه محمل بوزن الذكريات وبات على مشارف اليقين التام بأنها مجرد وهم ولكن لابد من أن يتأكد

نجوت بفضلك أتذكرين

الفصل 17

بالطبع لم تكن دينا تتذكر شيئا من ذلك لكن ما لم تستطع نسيانه أبدا هو قدرتها الفطرية على قراءة الآخري وكأنها تمتلك عينا ثالثة

—

تتسلل إلى دواخلهم تلتقط تلك الارتعاشة الخفيفة في زاوية الفم أو النظرة المشتتة التي تنم

عن سر دفين

ذلك اليوم راقبت طارق عن كثب كان مختلفا متوجسا كمن تحاصره الذكريات ولا يجد مهربا منها

عيناه ظلتا تتنقلان بين وجهها وذراعيها كأنهما تبحثان عن إجابة محفورة في الجلد لذلك استشعرت قلقه فقررت أن تناور

تظاهرت بأنها تذكرت وأجادت الدور كما اعتادت دائما فابتسمت نصف ابتسامة وكأنها تستدعي الماضي من أعماق الذاكرة وقالت بصوت يفيض بالحنين

بالطبع أتذكر في ذلك اليوم كنت مړعوپة فلقد ظننت أنك ستفارق الحياة بين لحظة وأخرى

توقفت لبرهة عن استكمال حديثها متعمدة أن تترك كلماتها تتسلل إليه ببطء ثم تابعت بنبرة تملؤها المبالغة المدروسة

كانت السيارة قد تحولت إلى كومة من الخردة بالكاد استطعت أن أفتح بابها لأتمكن من سحبك للخارج! لم أشعر بالألم حينها لكنني أدركت لاحقا أنني كنت مليئة بالچروح والخدوش ذراعاي تحملان آثار ذلك حتى اليوم

خفضت عينيها قليلا وكأنها تتذكر شيئا مؤلما ثم غمغمت بنبرة أكثر درامية

لم يكن الأمر سهلا الندوب كانت بشعة لدرجة أنني اضطررت للخضوع لعملية جراحية لإزالتها

راقبها طارق بصمت وعيناه تضيقان كما لو كان يحاول غربلة الحقيقة من بين كلماتها لكنه لم يكن الرجل الساذج ذاته الذي كان عليه في الماضي ولم يعد يثق بالكلمات بقدر ما يثق بالذكريات التي تحفر نفسها في عقله بلا رحمة

في تلك الليلة المشؤومة الفتاة التي أنقذته لم تقل له ألا ېخاف بل همست له مرارا بصوت ثابت رغم الفوضى

لابد وأن تبقى قويا

كانت تلك العبارة وحدها هي التي ما زالت ترن في ذهنه بوضوح كضوء النهار

وقف طارق على عتبة الرحيل بعد أن فرغوا من تناول طعامهم لكنه لم يغادر فورا فبدلا من ذلك أدار وجهه نحو دينا وألقى عليها نظرة مطولة لم تكن تحمل في طياتها مجرد تأمل عابر بل كانت تحقيقا صامتا أشبه باستجواب غير منطوق اختبارا لنقاء الكلمات قبل أن تخرج من شفتيها

ثم نطق بصوت منخفض لكنه كان مشحونا بمعان ثقيلة

دينا أنت تعرفينني منذ زمن بعيد ينبغي أن تدركي جيدا أنني لا أحتمل الكذب لا أقبله ولا أسامح عليه

تسارعت دقات قلبها وكأنها طائر حشر في قفص ضيق

لم تكن كلماته ټهديد مباشر لكنها تسللت إلى أعماقها كجمرة اشتعلت في هشيم مخاوفها

راقبته وهو يغادر بينما رعشة غير مرئية تسري في أطرافها وبعد أن خلت بنفسها غاصت في دوامة أفكارها ومن ثم ابتسمت بخبث حالما أدركت

أن سيرين هي الشاهدة الوحيدة على ما حدث وها قد رحلت إلى الأبد لذا لم يعد هناك من يستطيع أن يبوح بالحقيقة لطارق وإن انتابه الشك فلديها دائما سلاحھا الأخير الإنكار

لكن طارق لم يكن من النوع الذي يترك الأسئلة معلقة في الهواء وما إن عاد إلى قصره الفخم حتى اتخذ قراره بلا تردد ملتقطا هاتفه وأصدر أوامره لشخص ما بالتحقيق في ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم

ألقى طارق بحمل جسده على أقرب مقعد فلطالما أعتقد أن دينا هي منقذته ولم يشكك يوما أبدا في روايتها ولم يكلف نفسه عناء البحث حينها إذ لم يظهر أحد ليناقضها أو يطالب بمكانها في القصة لكنه الآن وهو يربط الخيوط المتناثرة بات يدرك أن هناك احتمالا احتمالا واحدا لم يكن يريد مواجهته

كان يأمل فقط ألا يكون قد وقع في خطأ حتى يريح ضميره الذي ينغص عليه هدوءه بعد أن غدر بسيرين كما فعل الآخرين ولكن هو الأكثر خسة من بينهم إنها ملاكه الحارس هي منقذته الحقيقة في حال أن ما كانت تدعيه دينا مجرد وهم

إليك إعادة الصياغة بأسلوب أدبي بليغ ومفعم بالمشاعر والتشبيهات المتناغمة على طريقة أحمد مراد

توقفت سيارة ظافر أمام قصر آل نصران وألقى بجسده المتوتر على المقعد الجلدي الليل يلف المدينة بردائه الداكن والهواء المشبع بالدخان يعكس اضطراب روحه كان قد زار شقة إيفات القديمة صباحا لكن المكان بدا مهجورا كأنما لم تطأه قدم منذ زمن

عيناه كانت مسمرة في الفراغ أفكاره تتخبط بين احتمالات يرفض قلبه تصديقها لقد أرسل رجاله في كل الاتجاهات للبحث عن سيرين مصرا على أنها لا تزال حية لكنهم عادوا إليه بقبضات فارغة كان يرفض التسليم بغيابها يرفض مجرد التفكير في كونها ماټت

عندما بدأ صداع حاد يزحف إلى رأسه فتح باب السيارة بخطوات مثقلة ودلف إلى القصر وما إن عبر العتبة حتى تجمدت قدماه هناك وسط الرواق وقفت سيرين

اتسعت عيناه واندفعت نبضاته كأنها تريد الخروج من صدره ركض نحوها يمد ذراعيه كمن يركض نحو الحياة ذاتها اشتاقها حد الألم جسده ېصرخ مطالبا بضمھا باستعادة ملمسها بحرارة وجودها ولكن في اللحظة التي كاد يلمسها تلاشت أمامه كما يتلاشى السراب في وهج الصحراء

توقف فجأة ليتلاشى كل شيء من حوله أيضا

أدرك حينها أنه كان يلهث خلف وهم خلف هلوسة أوجدها عقله المعذب

استند إلى الأريكة بضعف مدلكا جبهته في محاولة منه ليخفي بؤسا فضحته عيناه

ولكن هيهات إنه لم يذق النوم ليلة أمس وحتى الآن كان الإرهاق ينهش جسده لكنه مع ذلك ظل مستيقظا وكأن النوم ذاته قد أعلن العصيان عليه

لم يستطع تصديق أن سيرين رحلت كيف يمكن لها

أن تختفي هكذا لقد كانت بخير كانت هنا معه بالأمس!

طرق مفاجئ على الباب قطع أفكاره فنهض مسرعا وكأنما يتشبث بأي شيء يبقيه على قيد الواقع

فتح الباب ليجد طارق واقفا هناك عابس الوجه منهك الملامح يحمل بين يديه حقيبة ممتلئة بالملفات

ظافر هذه هي السجلات الطبية الخاصة سيرين قالها بصوت خفيض وهو يناوله الأوراق المتراكمة بين يديه

تردد ظافر لحظة قبل أن يمد يده ليلتقطها كانت الملفات ثقيلة مئات الصفحات لكنه بدأ يقلبها واحدة تلو الأخرى يبحث عن إجابة وسط بحر من الكلمات المطبوعة ولكن كل صفحة كانت تزداد ثقلا لتطبق على صدره

جلس طارق أمامه وصمت لحظة قبل أن ينطق بالكلمات التي أشعلت النيران في صدر ظافر

ظافر لقد رحلت سيرين حقا الآن ولابد من أن تتقبل ذلك

حملقت عينا ظافر في الأوراق لكنه لم يرفع رأسه فتابع طارق يقول بصوت يملأه الألم

لقد رأيت من السجلات أنها كانت تعاني من اكتئاب حاد وكانت حاملا أيضا قبل بضعة أيام فقط لجأت إلى تدابير متطرفة من خلال تناول جرعة زائدة من الحبوب المنومة كادت أن ټم*وت حينها ولكن هذه المرة اختارت قطع معصميها ولم يتمكنوا من إنعاشها

عند سماع كلمة حامل توقفت يد ظافر عن تقليب الصفحات كأن الزمن جمده في لحظة واحدة أبدية

لم يرد فقط تابع القراءة عيناه تهرولان على الكلمات كمن يحاول إعادة ترتيب العالم في رأسه

كل حرف كان يسحق صدره أكثر وكأن صخرة هبطت على ضلوعه لتسحق أنفاسه ومع ذلك لم يقل سوى

هل كانت مكتئبة بشدة إذن هل كان هذا خطئي لم أجبرها

على الزواج مني!

كلماته خرجت كأنها دفاع يائس لكنه سرعان ما وجد نفسه أمام السجل الذي كشف الحقيقة الأكثر إيلاما تاريخ الحمل

من يدري من هو الأب الحقيقي لطفلها

ارتسمت الصدمة على وجه طارق لكن ظافر لم يكن بحاجة إلى

—

نظرة شفقة كان يحتاج إلى إجابة كان يحتاج إلى يقين حتى لو كان اليقين

نفسه

الفصل 18

رفع طارق كأسه إلى شفتيه يرتشف محتواه دفعة واحدة وكأنه يحاول ابتلاع مرارة الحقيقة التي نطق بها للتو ثم قال بصوت خاڤت لكنه نافذ كحد السيف

ظافر… سيرين ماټت… دع الماضي يرقد لعل روحها تجد سلاما لم تحظى به صاحبتها.

لكن ما إن انسلت كلماته إلى الفضاء حتى تسلل إلى صاحبها إدراك مباغت لم يكن يتحدث عن سيرين فحسب بل كان ينطق بلسانها كأنها تهمس من خلف ستائر الغياب تطالبه بأن يمضي دون أن يلتفت وأن يجعل ظافر هو الآخر ينفضها عن رأسه حتى تنعم في حياة أبدية كمن ترغب في أن يتناساها الجميع ولا يخلد أحد ذكراها.

أما ظافر فقد بدا غارقا في عالم آخر ولم يلحظ ذلك الاضطراب الخفي الذي يسري في ملامح طارق بل ظل مستغرقا في القراءة عينيه تتنقلان بين السطور في إيقاع رتيب إلى أن قطع صمت اللحظة صوت الهاتف متسللا برنينه الحاد وسط هدوء المكان.

مد ظافر يده إلى الجهاز ونظر إلى الشاشة… ماهر.

ضغط زر الإجابة دون تردد فجاءه صوت ماهر عبر الخط ثابتا لكنه محمل بشيء من الاستعجال

السيد ظافر لقد تعقبت تحركات كارم.

قالها ماهر ولم يضع وقتا بل أرسل إليه الموقع مباشرة.

ضغط ظافر على الرابط ففتحت الخريطة على مزرعة صغيرة منعزلة عن العالم تحمل اسم مقاطعة سان.

التقط ظافر أنفاسه في شرود إذ لم الاسم غريبا عليه لكنه لم يستطع استدعاء الذاكرة التي تحمله.

مرت لحظات من الصمت طال أمدها حتى باتت ثقيلة مما دفع طارق للتساؤل وهو يراقب ملامح ظافر المتصلبة

ماذا هناك

لكن ظافر لم يحمل حاله عناء الرد فقد اتخذ قراره ونهض بعزم ينفض عن كتفيه أثر التردد وقال وهو يلتقط معطفه بحركة حازمة

لابد وأن أذهب الآن إذا حدث شيء هام هاتفني على الفور.

لم يضف ظافر شيئا آخر فقط غادر تاركا خلفه تساؤلات طارق التي لم تجد طريقها إلى لسانه بل ظل يراقبه وهو يختفي عبر الباب محاولا أن يفهم وجهة ظافر أو سبب استعجاله لكنه لم يجد إجابة.

كان الليل قد أسدل ستاره والهدوء الثقيل يلف القصر بأكمله فشعر طارق بالإرهاق يتسلل إلى جسده إذ كان يوما طويلا والليالي الماضية شحيحة بالنوم لذا قرر أن يبقى هناك حتى الصباح لعل شيئا من الراحة يجد طريقه إليه وسط هذه الفوضى التي لا تنتهي.

عند الفجر ترجل ظافر أخيرا من السيارة ليجد نفسه في قلب مقاطعة سان حيث كان المطر ينسكب بغزارة كأن السماء قد أثقلتها الذكريات فقررت أن تفرغ أحزانها على الأرض.

الهواء مشبع برائحة الطين المبتل والصمت لا يقطعه سوى صوت ارتطام القطرات على الإسفلت البارد.

رفع ماهر مظلته السوداء الكبيرة فور نزول ظافر كأنه يحاول أن يقيه من وابل السماء أو ربما من سيل الأسئلة التي بدأت تتزاحم في رأسه.

تقدم ماهر بخطوات ثابتة وهو يتحدث بصوت منخفض لكنه نافذ كمن يسرد لغزا يكشفه لأول مرة

عندما تتبعنا تحركات كارم وجدنا أنه توقف هنا. بحثنا أكثر فاكتشفنا أن امرأة مسنة تعيش في هذا المكان… مربية السيدة تهامي. تلك التي تولت رعايتها كأم متبنية منذ كانت طفلة.

تحت وطأة المطر المنهمر ارتجف بريق عيني ظافر للحظة كأن ذكرى بعيدة أفاقت فجأة من سباتها.

مقاطعة سان!

الآن فقط أدرك السبب وراء ذلك الشعور المألوف الذي تسلل إليه بمجرد رؤية الاسم.

سيرين! لقد ذكرته له مرارا لكنه لم يكن يلقي بالا للأمر حينها.

في السنوات الثلاث التي جمعتهما تحت سقف واحد كانت هناك لحظات متكررة في مناسبات بعينها ترفع فيها سيرين عينيها نحوه بتوتر ظاهر ثم تهمس برجاء

ظافر… أنا في حاجة لأن أذهب إلى مقاطعة سان… هل يمكنني الذهاب

كان ظافر حينها مشغولا بحياته غارقا في دوامة أعماله فلم يكن يهتم كثيرا بمكان وجهتها أو سبب إلحاحها في السفر إلى هنا.

كان يكتفي فقط بأن يرد بصوت خاڤت خال من أي اهتمام

اذهبي حيث تشائين ولا داعي لأن تخبريني فأنا لست مهتما بما تفكرين به.

ورغم فتور رده كانت تخبره في كل مرة قبل أن تغادر كأنها تريد أن تترك أثرا خفيا لرحلاتها رغم يقينها بأنه لن يسأل عما تفعله هناك.

لم تكن سيرين كثيرة الخروج لكن كلما غادرت كان مقصدها واحدا… مقاطعة سان.

أفاق من شروده على صوت ماهر وهو يشير إلى منزل متهالك مبني من الطوب بدا كأنه يحارب الزمن ليبقى واقفا.

هذا هو المكان.

اقترب ماهر من الباب يتلمس المقبض فوجد الباب مغلقا بإحكام فارتسمت على وجهه علامة استفهام وهو يتمتم بدهشة

ما هذا!

نظر ماهر إلى ظافر فالتقت عيناه بتلك النظرات الآمرة التي لا تحمل ترددا… فأشار له ظافر إشارة قصيرة فهمها ماهر على الفور وتحرك على إثرها الحراس الشخصيون يقتربون من الباب استعدادا لتنفيذ أمرا غير منطوق ولم تمر ثوان إلا وكان باب المنزل أسفل أقدام آمرهم وقبل أن يتقدموا إلى الداخل قال ظافر بصوت حاسم دون أن يحيد بنظره عن فتحة الباب

انتظروا هنا.

أومأ ماهر بإيجاب صامت متراجعا هو ومن معه خطوة إلى الخلف بينما استعدت الريح لحمل الأسرار التي ستكشف عما قريب.

بمجرد أن ولج إلى الداخل ضړبته الرطوبة كصڤعة باردة تسللت إلى جلده كأنها تحاول اختراق عظامه. الهواء مشبع برائحة العفن كأن الجدران نفسها تحتضر ببطء متشبثة بأثر حياة بائدة لم يعد لها وجود.

تجول بصره في الأرجاء ثم عقد حاجبيه في شرود. هل عاشت سيرين حقا هنا في طفولتها كيف احتملت هذا المكان الخانق

بخطوات مترددة توغل أكثر في المنزل الضيق حتى استقرت عيناه على طاولة خشبية مهترئة تتوسط الغرفة. فوقها رقدت صورة بالأبيض والأسود كأنها شبح زمن مضى ظل معلقا في انتظار من يوقظه.

توقف الزمن في تلك اللحظة اتسعت عيناه وهو يمد يده ليلتقط الصورة ثم ثبتت أنظاره عليها لوهلة طويلة أطول مما توقع. أصابعه تشددت حول إطارها كأنها تستجوبها بصمت تبحث بين ظلال اللونين الرمادي والأسود عن إجابة مقنعة لما يراه.

سيرين كانت تبتسم ابتسامة ناعمة هادئة لكنها حزينة. حزن دفين كأنه نقش قديم محفور في عينيها لا يمكن محوه.

شدد ظافر قبضته على الصورة ثم وضعها برفق على الطاولة كمن يخشى أن يوقظ ذكرى قد ټنفجر في وجهه. ثم تمتم

بمرارة

ما هذا بحق الچحيم هل هي ممثلة بارعة لهذه الدرجة هل هذه صورة لجنازة أم لمشهد من فيلم قديم أي نوع من النكات السوداء هذه

لم يدرك أن صوته كان يرتجف لكن ارتعاشه تسلل إلى أذنيه كتحذير لم يستطع تجاهله.

كان المنزل أصغر مما تخيله غرفتان فقط ومنطقة مشتركة بالكاد تحتوي بعض الأثاث المتناثر. طاولات كراس لا شيء ذو قيمة تذكر. بعينيه الحادتين راح يمسح المكان بحثا عن أي دليل ولكن الفراغ هو كل ما وجده.

وفجأة شق صوت الرعد أجواء الصمت تبعه وميض برق خاطف أضاء الغرفة للحظة قصيرة وكأنه يبعث الحياة في الصورة مجددا يذكره بأنه ليس وحده في هذا المكان.

بصوت حازم الټفت إلى ماهر وأمره

ابحث عن مربية سيرين أريد أن

—

أعرف إلى أين اختفت.

أومأ ماهر فورا أمرك سيد

نصران. ثم انطلق خارجا.

أما ظافر فوقف ساكنا للحظات ثم أشار لحراسه الشخصيين بالمغادرة. أراد أن يكون وحده هنا أن يواجه الفراغ والصورة والرائحة العتيقة وحده أن ينتظر صاحب هذا المنزل ليعود ليجيب عن الأسئلة التي بدأت تنمو داخله كأشواك متوحشة.

ظل منتظرا يوما كاملا مر عليه كدهر. وأخيرا مع انقشاع الغيوم في فترة ما بعد الظهيرة سمع أصوات الجيران في الخارج يتحدثون

الفصل 19

تناهت إلى مسامع ظافر همسات متفرقة تتردد بين الجيران امتزجت فيها نبرة الأسى بالحيرة كأنها نواح مكتوم يتسلل عبر الجدران

المسكينة فاطمة… لم ترزق يوما بابنة لكن الأقدار منحتها سيرين فكانت لها الابنة التي لم تلدها ثم انتزعت منها كما انتزع منها كل شيء.

أما كانت فتاة ذكية ومهذبة كيف اختطفتها يد المۏت بهذه العجلة

الحياة وسط الأثرياء ليست كما يظنها الناس… آخر مرة رأيتها كانت ظلا باهتا لفتاة كأنها تمشي فوق خيط رفيع بين الحياة والفناء… نحيلة إلى درجة أن نسمة ريح كان بإمكانها أن من بيننا.

كم تحدثت فاطمة وسيرين عن السعادة عن زوج محب عن حياة هانئة… لكنهما كانتا تكذبان ربما حتى على نفسيهما… ثلاث سنوات مضت على زواجها ولم يأت بها زوجها إلى هنا ولو مرة واحدة!

كان ظافر يستمع إلى كل ذلك وصدره يضيق بغصة ثقيلة كأنها صخرة تهوي في بئر سحيق داخله… ورغم ذلك انتظر… انتظر طوال اليوم لكن لا فاطمة عادت ولا سيرين.

اتكأ ظافر على كرسي خشبي محاولا أن يغرق في غياهب النوم لكنه لم يكن سوى شرك خادع كمين محكم يقوده إلى فخ كابوس جديد.

جفناه أسدلا للحظات لكنه سرعان ما انتفض كمن ألقي في هاوية سحيقة.

ارتجف جسده كما لو كان يلفظ صقيع المۏت بينما حبات العرق انحدرت على جبينه كسيل من الذكريات المعذبة.

مرة أخرى طاردته الرؤيا ذاتها… مۏت سيرين… لكن هذه المرة لم يكن مجرد كابوس عابر بل حقيقة تتسلل إلى صدره تكبل أنفاسه تزرع في رئتيه شوكا لا .

وعند العاشرة مساء كان حي فاطمة يعج باضطراب غريب وكأن الهواء ذاته قد تلبسه الخۏف.

اصطف الجيران في طوابير صامتة يقتادون واحدا تلو الآخر نحو منزلها ذلك البيت الذي كان يوما ملاذا دافئا لكنه الآن محاط بهالة قاتمة من الحراس الشخصيين ببدلاتهم السوداء التي جعلت الجدران تبدو أضيق وكأنها تنكمش تحت وطأة الترقب.

أين هم

انطلقت الكلمات من فم ظافر كالسيف قاطعا سكون القاعة كنذير بعاصفة وشيكة.

لم يكن أهل مقاطعة سان قد شهدوا مثل هذا الحدث من قبل لذا التصقوا بمقاعدهم رؤوسهم منحنية في خضوع كأن كل واحد منهم يخشى أن يصبح الهدف التالي لتلك العيون المشټعلة بالڠضب.

بينما بدا ظافر المتربص في صدر المجلس كملك جائر في لحظة محاكمة… عينيه تضيقان بحذر وملامحه تتراوح بين الجمود الغامض والڠضب المكتوم كبركان يتأهب للانفجار.

خرج صوت مبحوح من بين الحاضرين

قبل ليلتين سمعت بكاء السيدة فاطمة… وعندما ذهبت للاطمئنان عليها أخبرتني أن سيرين ماټت.

تردد الصدى بين الجدران المرهقة قبل أن يكسر الصمت شخص آخر

مۏت فتاة شابة… أمر مؤلم… لقد أحرقوا جثتها في تلك الليلة ثم ډفنوها.

ضاقت عينا ظافر وتعمقت حلكتهما

كأنما احتويا الليل نفسه.

وأين ذهبت فاطمة

لم يجب أحد بل تبادلوا النظرات المرتبكة لكن لا إجابة لا أثر لا يقين.

عاد السؤال بصوت ماهر هذه المرة عن مصير كارم… لكن الإجابات لم تختلف كانت عيون الحاضرين تائهة تحمل ذات الذهول

كان يتيما… ثم ذات يوم جاء من أخذه بعيدا… ولم يعد أبدا.

في حضرة الظلام والمطر الغزير حيث تنهمر السماء وكأنها تبكي بحړقة كان الوقت يشير إلى الثانية عشرة وثلاث دقائق بعد منتصف الليل. وميض البرق يشق عتمة الليل يتبعه دوي الرعد كصړخة غاضبة في فضاء الريف البعيد. الطرق الترابية غارقة في الوحل تجعل السير عليها ضړبا من العڈاب.

تردد صوت ماهر وسط العتمة وهو يسأل بتردد

سيدي نصران هل نذهب إلى المقپرة غدا

كان الإرهاق ينهش جسده بعد الأيام الشاقة التي قضاها مؤخرا وكأنه بات على شفا الاڼهيار لكن نظرة واحدة من ظافر كانت كفيلة بإخماد أي اعتراض داخله… تجمد ماهر بمكانه ثم أطاع بلا جدال حاملا المظلة يتبع ظافر بخطوات حذرة فيما كان عقله يعج بالتساؤلات.

لماذا

لم يكن هناك من يجهل أن ظافر لا يحمل أي مشاعر لسيرين… فلماذا إذن يستهلك كل هذا الوقت والجهد للبحث عنها لماذا تبدو هذه الرحلة وكأنها مسألة حياة أو مۏت بالنسبة له

عندما وصلا إلى المقپرة كان المكان يغرق في سكون ثقيل… لم يتطلب الأمر أكثر من نظرة واحدة من ظافر حتى يرصد القپر الجديد الوحيد على قمة التل.

انقبض قلبه وتوقفت خطواته حدق به طويلا وكأنه يراه للمرة الأولى ثم بصوت أشبه بالهمس لكنه يحمل أمرا لا يقبل النقاش قال

احفروا!

لم يكن لديه خيار آخر. إن كانت سيرين على قيد الحياة أراد أن يجدها. وإن كانت مېتة… أراد أن يراها بعينيه… لن يسمح لعقله بتصديق رحيلها حتى يواجه الحقيقة وجها لوجه.

كان الهواء يثقل صدورهم وهم ينفذون الأمر ظافر بوجهه الخالي من أي تعبير أخذ يراقب بصمت القپر الذي ينتزع شيئا فشيئا لم يكن قلبه في مثل هذا الاضطراب من قبل يدق پعنف وكأنه يحاول الفرار من قفصه الصدري.

وأخيرا جاءه أحد الحراس يحمل بين يديه جرة رماد.

ها هو سيد نصران.

في الظلام لم يكن أحد يستطيع رؤية ملامحه بوضوح لكنه استقام في مكانه وصوته خرج واهيا لكنه قاطع

أعيدوا القپر كما كان.

طوال الطريق إلى المنزل غلفه صمت مخيف. ظافر لم يكن من النوع الذي يكبح مشاعره لكنه في تلك الليلة كان أشبه بشبح فقد بوصلته حينها لم يستطع أحد منهم أن يحدد ما إذا كان حزينا غاضبا أو ربما… مكسورا.

ليال طويلة مضت ولم يعرف للراحة سبيلا… لم ينم… لم يغمض له جفن.

والآن وهو مستند برأسه إلى

مقعد السيارة لم يشعر بالتعب كما ينبغي… عيناه كانتا معلقتين على المدينة التي شهدت نشأتها المباني الشوارع الأرصفة… كل شيء يذكره بها تردد صوتها في أذنه وكأنها تقف بجانبه هامسة كما اعتادت

ظافر هل يمكن أن تعانقني أشعر بالبرد…

سيد نصران هل ستحزن إن مت

الحقيقة أنني… كنت فقط

أتمنى أن تكون سعيدا.

شعر بشيء غريب يجتاح جسده الألم الذي بدأ في صدره تسرب ببطء إلى روحه لكن أحدا لم ير عيناه المحمرتين المنعكستين على زجاج نافذة السيارة.

في هذا العالم لا أحد ېم*وت من أجل أحد لا أحد يفترض به أن يكون غير قادر على الحياة دون شخص آخر.

لكن الحقيقة القاسېة… أن هذه القاعدة لم تنطبق على ظافر نصران.

عندما عاد حاملا رمادها لم يكن هناك شك لدى الجميع أن سيرين رحلت حتى بعد العثور على كارم لم يتغير شيء.

ذرفوا بعض الدموع تحسروا قليلا ثم واصلوا حياتهم.

الجميع… إلا ظافر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *