عشق مميز من1-10
الفصل الأول
اسأل نفسك كل يوم هل هذا ما أردت! هل هذه الحياة ترضيك ! إن لم تكن الاجابه بثقه وتأكيد هي نعم فانظر لحالك وابحث لماذا صار الأمر كذلك !
صدقني كثير من التغير سيكون بيدك إن لم يكن كله!! لا تقل ذاك وذاك وذاك
كان يوما كئيبا تتساقط فيه الأمطار بغزارة تضيف مزيدا من البرودة على الأجواء
وقفت سيرين عند مدخل المشفى بجسدها النحيل المرتجف ممسكة بتقرير الحمل بيديها اللتين تكسوهما رعشة خفيفة
في التقرير برزت كلمات باردة قاسېة
لم يتم اكتشاف أي حمل
لقد تزوجت منذ ثلاث سنوات كيف لم تصبحي حاملا بعد سألتها والدتها سارة بنبرة مشوبة بالخيبة وهي تشير بإصبعها إلى وجه سيرين
كانت سارة سيدة أرستقراطية ترتدي ملابس فاخرة وكعبا عاليا تعلو ملامح وجهها ابتسامة جليدية مستفزة تبرز كما من التعالي والبرود واستكملت بتهكم
لماذا أنت عديمة الفائدة إلى هذا الحد إذا لم تحملي قريبا فسوف يطردك آل نصران من العائلة ماذا سيحدث لعائلتنا إذا
نظرت سيرين إليها بنظرة فارغة كان لديها الكثير لتقوله لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقها
في النهاية لم تستطع سيرين سوى أن تهمس أنا آسفة
ردت سارة بجفاء
لا أريدك أن تتأسفي أريدك أن تلدي طفل ظافر هل تفهمين ما أقول
شعرت سيرين بضيق شديد في حلقها ولم تعرف كيف ترد على سارة
خلال سنوات زواجها الثلاث كيف يمكنها أن تنجب طفله
حملقت سيرين بسارة تلمح التناقض الشديد بين ضعفها وبين تعجرف والدتها وأخيرا قالت سارة ببرود قبل أن تغادر
إذا لم تتمكني حقا من منحه طفلا فابحثي له عن امرأة تستطيع فعل ذلك على الأقل سيقدر لك هذا
حدقت سيرين في أثر سارة المنسحبة بعدم تصديق
هل أخبرتها والدتها للتو أن تبحث عن امرأة أخرى كي ينام معها زوجها
كان قلب الأم باردا مثل المطر المتجمد عن أي أم نتحدث إنها الخذلان في أحقر صوره!
بينما كانت سيرين في طريقها إلى المنزل لم تستطع التوقف عن التفكير في كلمات سارة الوداعية
فجأة غزى أفكارها رنين عال يضج في أذنيها فأدركت أن حالتها قد ساءت
وفي تلك اللحظة تلقت رسالة على هاتفها
كانت الرسالة من ظافر تحمل في طياتها نفس الكلمات الباردة المعتادة
لن أعود إلى المنزل الليلة
على مدار السنوات الثلاث الماضية من زواجهما لم يقض ظافر ليلة واحدة في المنزل ولم ېلمس سيرين قط كانت مجرد شبح في حياته
تذكرت سيرين ليلة زفافهما حين قال لها ببرود قاس
بما أن عائلتك جريئة بما يكفي لخداعي وإقناعي بالزواج منك فمن الأفضل أن تكوني مستعدة لقضاء بقية حياتك في عزلة
كانت تعيش في قمة الخيبة زواج مع إيقاف التنفيذ!
قبل ثلاث سنوات قررت عائلتا تهامي ونصران تشكيل تحالف من خلال الزواج كان الاتفاق مبرما على شروط تفيد كلا العائلتين
ولكن عندما جاء يوم الزفاف تراجعت عائلة تهامي عن وعدها ونقلت كل أصولها بما في ذلك الملايين من الدولارات التي دفعها ظافر للزواج من سيرين
تلاشت عينا سيرين عند تذكرها لهذا الأمر المؤلم وردت على رسالة ظافر النصية بإجابتها المعتادة
حسنا
كانت الكلمة تحمل في طياتها كل الاستسلام والخضوع الذي عشش في قلبها
ودون أن تدرك انكمشت
تقارير
الحمل التي كانت تحملها بين يديها فتمزقت بعض الشيء بفعل قبضتها المشدودة
شعرت سيرين وكأن حياتها تمزقت كما الأوراق التي بين قبضتيها ومع كل تمزق كان أملها في الحياة يتلاشى أكثر
تحملت سيرين سنوات من الوحدة والبرود عانت العزلة القاسېة والقهر الصامت
كانت تبحث عن دفء في قلب متجمد وعن حنان في عالم بلا روح و
لكن رغم كل ذلك كانت تأمل في معجزة تغير مسار حياتها وتعيد إليها البسمة والدفء
كل شهر في هذا الوقت تشعر سيرين بخمول غير عادي ولم تكلف نفسها عناء تجهيز العشاء بل كانت تتكئ على الأريكة تغفو من حين لآخر
ظل الطنين في أذنها مستمرا ليذكرها بضعف سمعها الذي كان سببا آخر لكراهية ظافر لها
في الساعة الخامسة صباحا رنت ساعة البندول على الحائط بصوت خاڤت فأدركت سيرين متأخرة أنها نامت على الأريكة لذا نهضت مسرعة وذهبت إلى المطبخ لإعداد إفطار ظافر
كان ظافر رجلا دقيقا وصارما بشأن الالتزام بالمواعيد ليس فقط مع نفسه ولكن أيضا مع من حوله وكالمعتاد وصل إلى المنزل في تمام الساعة السادسة تماما
ظافر الرجل الطويل الوسيم ذو البدلة الأنيقة كان يتسم بسلوك هادئ ومتحفظ ولكنه بلا شك كان رجوليا ومع ذلك بالنسبة إلى سيرين كان باردا وبعيدا
لم ينظر حتى إليها مر بجانبها مباشرة وهو ينظر إلى الطعام على الطاولة وقال بسخرية
أنت تفعلين هذا كل يوم هل أنت مربية أم ماذا
على مدى السنوات الثلاث الماضية كانت سيرين تعيش في دوامة متكررة ترتدي نفس الملابس الداكنة وترد على رسائله بنفس الكلمة المفردة
حياتها لم تكن سوى مجرد انعكاس باهت لرغباته وأوامره بلا أي بصيص من الأمل أو التغيير
لو لم يكن هناك تحالف تجاري وخداع من عائلة تهامي لما فكر ظافر في الزواج من امرأة مثل سيرين
عند سماع كلمة مربية عاد الطنين في أذني سيرين التي ابتلعت بصعوبة وشعرت بغصة في حلقها ثم قالت بشجاعة
ظافر هل لديك شخص تحبه
تفاجأ ظافر بسؤالها فأظلمت عيناه
ماذا تقصدين بذلك
رفعت سيرين رأسها وحدقت في عينيه تحاول ابتلاع الصفراء التي تتصاعد في مؤخرة حلقها
إذا كنت تحب شخصا آخر يمكنك أن تكون معها
قبل أن تتمكن من إنهاء كلامها قاطعها ظافر بحدة
أنت مچنونة
بعد مغادرة ظافر جلست سيرين على الشرفة بمفردها تنظر إلى المطر البارد صوت قطرات المطر يتسلل إلى عالمها المخټنق بالصمت
خلعت سماعات الأذن مما جعل العالم يغرق في السكون القاسې
قبل شهر أخبرها طبيبها
سيدة سيرين تهامي هناك تغير مرضي في أعصابك السمعية وبعض الأعصاب القحفية مما تسبب في تدهور سمعك وإذا استمر هذا التغير فقد تفقدين سمعك تماما
ولأنها لم تعتد على عالم صامت توجهت سيرين إلى غرفة المعيشة وشغلت التلفاز ثم
رفعت مستوى الصوت إلى الحد الأقصى مما سمح لها بسماع بعض الأصوات المشتتة
بالمصادفة كان التلفزيون يعرض مقابلة مع دينا
المطربة المشهورة بأغانيها العاطفية
جلست سيرين في محاولة للبحث عن بصيص من الراحة في كلمات وألحان أغانيها متمنية أن تجد في تلك النغمات ما ينقذ قلبها من براثن الوحدة
ارتجفت يدا سيرين وهي تمسك بجهاز التحكم عن بعد وكأنها تمسك على مشاعرها الجياشة
دينا كانت الحب الأول لظافر وأول من شغف قلبه لم ترها سيرين منذ زمن لكنها لم تتغير
دينا ما زالت تحتفظ بجمالها وثقتها تقف أمام الكاميرات بكامل أناقتها مختلفة تماما عن تلك الفتاة الخجولة التي توسلت لعائلة تهامي لرعايتها
عندما سألها المحاور عن سبب عودتها إلى الوطن ردت بشجاعة
عدت لأستعيد حبي الأول
انزلقت من بين يدي سيرين جهاز التحكم عن بعد وكأن قلبها هو الآخر هبط إلى قاع معدتها
ازداد هطول المطر في الخارج كثافة وكأنه يعكس اضطراب مشاعرها
أغلقت سيرين التلفاز في حالة من الارتباك واتجهت لتنظيف بقايا الفطور وعندما وصلت إلى المطبخ اكتشفت أن ظافر قد نسي هاتفه التقطته بيديها المرتجفتين وبدأت تطالع الرسائل غير المقروءة على شاشة القفل
ظافر لا بد أنك كنت تعاني في السنوات الماضية أليس كذلك
أعلم أنك لا تحبها
—
ماذا لو التقينا الليلة لقد اشتقت إليك كثيرا
ظلت سيرين تحدق في الرسائل بلا تعبير حتى أصبحت الشاشة مظلمة مجددا
طلبت سيارة أجرة إلى مكتب ظافر وفي الطريق كانت تحدق عبر النافذة المطر ينهمر بغزارة وكأنه يرفض التوقف يعكس تماما حالتها النفسية المتردية
لم
يكن ظافر يحب زيارة سيرين له في المكتب لذلك اعتادت على أخذ المصعد الخدمي من منطقة التحميل عندما رآها مساعد ظافر ويدعى ماهر الذي استقبلها ببرود قائلا
السيدة سرين
لم يعاملها أحد في محيط ظافر كزوجة له بل كانت مجرد عبء ثقيل على سمعته
عندما رآها ظافر تحمل له هاتفه عبس وجهه بتجهم
ألم أخبرك ألا تحضري أغراضي بنفسك
تجمدت سيرين في مكانها معتذرة بصوت مرتجف
آسفة نسيت
منذ متى أصبحت ذاكرتها سيئة إلى هذا الحد
ربما أصابها الذعر بعد رؤية رسالة دينا وأصبحت تخشى أن يختفي ظافر من حياتها فجأة
قبل أن تغادر نظرت إلى ظافر بتوسل غير معلن ولم تستطع أن تقاوم فسألت بصوت متهدج
ظافر هل ما زلت تحب دينا
اعتقد ظافر أن سيرين تتصرف بغرابة في الآونة الأخيرة نسيانها المتكرر وأسئلتها الغريبة أثار استغرابه كيف لشخصية مثلها أن تكون زوجته
كانت سيرين تشعر بأنها مجرد شبح في حياة ظافر شبح يبحث عن بقايا حبه في أروقة قلبه المظلمة لكنه لا يجد سوى الظلال
فأجابها بحدة غير مبالي
إذا كان لديك وقت فراغ اذهبي وابحثي عن شيء يشغلك
كانت سيرين قد حاولت من قبل العثور على وظيفة لكنها اصطدمت بجدار الرفض من والدة ظافر شادية التي وبختها دون رحمة
هل تريدين أن يعرف الجميع
أن ظافر تزوج امرأة تعاني من مشاكل في السمع
تخلت سيرين عن فكرة العمل وركزت على حياتها
الباهتة كالسيدة نصران تعيش في ظلال الوحدة والصمت
جلست في المنزل وحيدة حتى حلول الليل والأرق يلتهمها من الداخل
رن الهاتف بجانب سريرها وكان اتصالا من رقم غير مألوف
ردت على المكالمة بصوت مهتز وجاءها صوت مألوف تخشى سماعه
هل هذا سيرين ظافر مخمور هل يمكنك أن تأتي لاصطحابه
وصلت سيرين إلى النادي لتسمع ضجيج الهتافات والسخرية العالية من الورثة الأثرياء داخل الغرفة الخاصة
كانت دينا المرأة الجميلة ذات الشعبية الطاغية محاطة بالإعجاب أينما ذهبت حب ظافر الأول لذلك كان الأثرياء الشباب من الطبقة العليا يهللون لها ولظافر
دينا لم تتردد نظرت إلى ظافر بعينين لامعتين وقالت بصراحة
أنا معجبة بك يا ظافر أرجوك كن معي مرة أخرى
كان قلب سيرين يتقلص من الألم ترى حب ظافر يتجدد أمام عينيها وتشعر بالعجز والضعف يغمرانها وكأن كل قطرة مطر في تلك الليلة تعزف على أوتار قلبها المرهف
هذا ما وصل إلي أذني سيرين عندما وقفت عند باب الغرفة الخاصة
داخل الغرفة كان الجميع يضغطون على ظافر ليجيب دينا وكان طارق صديقه المقرب هو الأكثر صراحة بينهم
ظافر لقد انتظرت دينا ثلاث سنوات ها هي عادت الآن لذا هيا أجبها!
وفي تلك اللحظة فتح أحد الرجال الباب
السيدة نصران
نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب وكأن الزمن توقف لحظة وغمر المكان صمت ثقيل وكأنما الزمن قد تجمد الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر
كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما الأمر الذي بدا غريبا مقارنة بما كان يعتقد وما كان جليا للأعمى هو أن ظافر لم يكن تحت تأثير الخمر كما كان يظن الجميع
فجأة أدركت سيرين أنها قد سقطت في فخ الخداع الذي نصبته لها دينا وأن كل شيء كان مجرد تمويه لا أكثر
وفي اللحظة التي
التقت فيها عيون سيرين بعيني ظافر لاحظت انقباض حدقتيهما وكأنما ارتجفت نياط قلبه عند رؤية ما لم يكن يتوقعه
إحساس غريب سيطر على الجميع شعور بالحرج لا يمكن إخفاؤه حتى طارق الذي كان أكثرهم إصرارا على إقناع ظافر بقبول اعتراف دينا في وقت سابق بدا مشوشا
وتساءلت سيرين في نفسها كيف يمكن أن يكون الوضع بهذه الفوضى كيف لم تكتشف خداع دينا في الوقت المناسب ولماذا قررت التوجه إلى هنا
فجأة كسرت دينا الصمت الذي غلف المكان بحديثها محاولة تفسير الموقف
من فضلك سيرين لا تسيئي الفهم طارق كان يمزح فقط أنا وظافر مجرد أصدقاء
لكن قبل أن تتمكن سيرين من الرد نهض ظافر بسرعة واضعا حدا للكلمات الزائفة التي كانت تملأ الغرفة مردفا بصوت جاف غير آبه بكل ما قيل
لا حاجة لشرح الأمر لها
ثم اتجه نحو سيرين مباشرة وهو يحمل في عينيه نظرة من الاستفهام والريبة يسألها بنبرة حادة
ماذا تفعلين هنا
أجابته سيرين بصدق رغم الارتباك الذي يملؤها
اعتقدت أنك كنت في حالة سكر فقررت أن أتي لأخذك إلى المنزل
سخر ظافر في تهكم ثم أضاف وهو يكاد يخفي غضبه
أنت حقا لم تفهمي شيئا مما قلته لك أليس كذلك
ثم خفض صوته وأصبح أكثر هدوءا لكن كلماته كانت كالسياط على قلبها
هل جئت هنا لتذكري الجميع بأنني خدعت للزواج منك قبل ثلاث سنوات هل ظننت أنهم نسوا ذلك
سقطت كلمات ظافر كالصاعقة على رأس سيرين وكأن قلبها قد توقف عن الخفقان للحظة إذ بدت مذهولة تماما
ألقى ظافر على سيرين نظرة باردة كان فيها قسۏة لا تخطئها العين قبل أن ينطق بكلمات مثل السم
توقفي عن البحث عن الاهتمام أنت فقط تزيدين من كراهيتي لك
ثم استدار مبتعدا تاركا إياها تقف هناك وحيدة في خضم صډمتها التي تجمعت في قلبها مثل حجر ثقيل
لم يكن هناك من يرمقها بنظرة تعاطف في تلك الغرفة ولا حتى من الشباب الذين شاهدوا الموقف باستهزاء بارد
حتى طارق الذي كان يتظاهر ببعض الشفقة لم يجد حرجا في أن يقول لدينا بصوت مليء باللامبالاة
أنت حقا لطيفة دينا لم يكن عليك تبرير
أي شيء
ثم أضاف وكأن قلبه خالي من أي ملامح الرحمة
لو لم تقم سيرين بخداع ظافر لكان قد تزوجك منذ البداية ولما كنت بحاجة للمعاناة في الخارج
رغم الرنين الذي يدوي في أذني سيرين إلا أنها كانت قادرة على سماع كل كلمة بوضوح وكأنها رسمت على شفاههم
سيرين تعلم جيدا أنها حتى لو لم تتزوج من ظافر فهو لم ولن يقدم على الزواج من دينا إنها حقا لم تكن لتستحق مكانة كهذه امرأة مثل دينا لا تستحق أن تكون زوجة نبيل مثل ظافر نصران
دينا التي لم يكن لها من خلفية وأصل ونسب سوى كونها لا شيء دينا بذاتها كانت تدرك هذه الحقيقة كما تدركها سيرين لهذا اختارت دينا أن تبتعد عن ظافر مغادرة البلاد بحثا عن حياة أخرى
كيف تحولت الأمور إلى كون كل شيء خطأ كانت سيرين هي المتسببة به كيف أصبحت هي الملامة
خرجت سيرين مسرعة من النادي وهي تحمل مظلتها وكأنها تسير في بحر من الظلام
فجأة ظهرت بجانبها شخصية رشيقة تتحرك بخفة كالظل كانت دينا التي ترتدي ملابس أنيقة وحذاء بكعب عال تعكس ثقة زائفة تتناثر منها
قالت دينا بلهجة متغطرسة وكأنها تجيد استعراض انتصاراتها الصغيرة
إنها ليلة باردة أليس كذلك كيف تشعرين الآن بعد أن سخر منك ظافر بعدما جئت إلى هنا في هذا
—
الوقت المتأخر لتبحثي عنه
لم تجب سيرين لكن دينا لم تكترث لصمتها بل استمرت في حديثها بلغة مليئة بالازدراء
أشفق عليك كما يفعل الجميع لا بد وأنك لم تعرفي الحب الحقيقي قط أليس كذلك
ثم تابعت متلذذة بما تراه انتصارا
هل تعلمين أن ظافر كان يطهو لي الطعام بنفسه وعندما كنت
مريضة كان يترك كل شيء من أجل البقاء بجانبي
وتنهدت بمرارة وكأنها تعيد فتح چرح قديم
هل أخبرك ظافر من قبل أنه يحبك انتظري لا أعتقد أنه يشعر بك من الأساس على العكس معي فهو دوما ما كان يقول لي الكثير من كلمات العشق والغزل طوال الوقت
استمعت سيرين بهدوء إلى هذيان دينا بينما تسللت أفكارها إلى السنوات الثلاث التي مضت منذ زواجها من ظافر طوال تلك المدة لم يدخل المطبخ ولو لمرة كأن تلك المساحة المقدسة لم تكن تخصه وعندما أصابها المړض لم تجد فيه عزاء ولم تر في عينيه تلك النظرة التي تخبرها أنه يحبها أو حتى تلك الكلمات التي تمنح القلب الطمأنينة
في هذه الليلة التي كانت ثقيلة كأنها آلاف السنين لم تستطع سيرين أن تغفو فقد اكتشفت للتو أن الرجل الذي منحته قلبها طيلة اثني عشر عاما كان يعشق امرأة أخرى بكل جوارحه كما يعشق الشاب البكر حبه الأول بكامل نضجه واندفاعه
في تلك اللحظة القاسېة سقطت على قلبها الحقيقة
الثقيلة كالصخر لقد حان وقت الفراق
مرت على سيرين ليلة من الأرق العميق كانت فيها تحاول ترتيب مشاعرها ولم تجد لها سلوى لها سوى الحزن والعجز
في صباح اليوم التالي عاد ظافر إلى المنزل وكانت نظرة عينيه إليها باردة كما العادة جبل من جليد خال من أي مشاعر أو اهتمامات
ما مدى ارتباطك بأموال عائلة نصران تلك الآلة التي تدر عليك المال سألها بنبرة لا تخفي احتقارا
اڼصدمت سيرين فقد كان السؤال مفاجئا لم تفهم ما الذي دفعه لطرح هذا السؤال في هذا الصباح الباكر لكن رد فعلها جاء عفويا كما لو أن غرائزها قد نطقت قبل أن تدرك
قالت وهي تحاول أن تحافظ على رباطة جأشها
لم أكن يوما طامعة في أموالك
لقد أرادت ظافر فقط بكل ما في الكلمة من معنى ولكن هل لفاقد الحس أن يشعر
ظافر بابتسامة ساخرة مشوبة بالازدراء رد قائلا
إذا لماذا جاءت والدتك إلى مكتبي وتوسلت إلي أن أمنحك طفلا
كانت سيرين متصلبة من وقع صډمتها بأمها التي حطت من كبريائها أمامه وأخذت تحدق في عيني ظافر بذهول إذ لم تتوقع أنه لم يكن غاضبا مما حدث في الليلة الماضية فعلى ما يبدو أن ظافر لم يرغب في إضاعة وقته معها فصاح بنبرة حادة
إذا كنت ترغبين في الاستمرار معي وضمان بقاء عائلتك على قيد الحياة فعليك أن تخبري والدتك بأن تتصرف بشكل لائق!
في نهاية المطاف لم يكن لسيرين حاجة في البحث عن سارة فقد جاءت سارة إليها بنفسها وقد تبدل أسلوب أمها من البرود والجفاء إلى التفهم واللطف وهذا أمرا لم ينطل على سيرين إذ لم تعهد والدتها على هذا النحو قط فهي اعتادت معاملتها بقسۏة كما جميع من حولها
أمسكت سارة بيدي سيرين برقة وقالت بصوت هادئ
سيرين عليك أن تطلبي من ظافر أن يمنحك طفلا ليس بالضرورة أن يكون الأمر بيولوجيا يمكنه اللجوء إلى الإجراءات العلمية
سرت بسيرين رعشة من الدهشة وهي تحدق في سارة بينما استمرت الأخيرة في حديثها
كانت تلك الكلمات القشة التي قصمت ظهر سيرين فقد تساءلت في داخلها لماذا أخبر ظافر دينا بذلك ربما كان يحبها بصدق شديد مع هذا التفكير شعرت بالإحباط فقالت
اتركي الأمر يا أمي لا فائدة من ذلك
توقفت سارة وعقدت حاجبيها بتعجب وقالت
ماذا
أجابت سيرين بنبرة متعبة أثر معانتها مع قلب جاحد لا يلين
أنا متعبة أريد الحصول على الطلاق وقبل أن تتمكن من إنهاء عبارتها صڤعتها سارة بقوة على وجهها
اختفت تلك الواجهة الأمومية اللطيفة في لحظة وأشارت بإصبعها إلى سيرين وقالت بحدة
ليس لك الحق في طلب الطلاق!
ماذا تعتقدين أنك ستفعلين بدون عائلة نصران من سيتزوج مرة أخرى مطلقة معاقة مثلك
شعرت سيرين بخدر يجتاح جسدها بسبب ما تفوهت به أمها كلمات كانت كالسهم المسمۏم الذي غادر مشد القوس لينغرز بصدرها
الفصل الأول
اسأل نفسك كل يوم هل هذا ما أردت! هل هذه الحياة ترضيك ! إن لم تكن الاجابه بثقه وتأكيد هي نعم فانظر لحالك وابحث لماذا صار الأمر كذلك !
صدقني كثير من التغير سيكون بيدك إن لم يكن كله!! لا تقل ذاك وذاك وذاك
كان يوما كئيبا تتساقط فيه الأمطار بغزارة تضيف مزيدا من البرودة على الأجواء
وقفت سيرين عند مدخل المشفى بجسدها النحيل المرتجف ممسكة بتقرير الحمل بيديها اللتين تكسوهما رعشة خفيفة
في التقرير برزت كلمات باردة قاسېة
لم يتم اكتشاف أي حمل
لقد تزوجت منذ ثلاث سنوات كيف لم تصبحي حاملا بعد سألتها والدتها سارة بنبرة مشوبة بالخيبة وهي تشير بإصبعها إلى وجه سيرين
كانت سارة سيدة أرستقراطية ترتدي ملابس فاخرة وكعبا عاليا تعلو ملامح وجهها ابتسامة جليدية مستفزة تبرز كما من التعالي والبرود واستكملت بتهكم
لماذا أنت عديمة الفائدة إلى هذا الحد إذا لم تحملي قريبا فسوف يطردك آل نصران من العائلة ماذا سيحدث لعائلتنا إذا
نظرت سيرين إليها بنظرة فارغة كان لديها الكثير لتقوله لكن الكلمات ظلت عالقة في حلقها
في النهاية لم تستطع سيرين سوى أن تهمس أنا آسفة
ردت سارة بجفاء
لا أريدك أن تتأسفي أريدك أن تلدي طفل ظافر هل تفهمين ما أقول
شعرت سيرين بضيق شديد في حلقها ولم تعرف كيف ترد على سارة
خلال سنوات زواجها الثلاث كيف يمكنها أن تنجب طفله
حملقت سيرين بسارة تلمح التناقض الشديد بين ضعفها وبين تعجرف والدتها وأخيرا قالت سارة ببرود قبل أن تغادر
إذا لم تتمكني حقا من منحه طفلا فابحثي له عن امرأة تستطيع فعل ذلك على الأقل سيقدر لك هذا
حدقت سيرين في أثر سارة المنسحبة بعدم تصديق
هل أخبرتها والدتها للتو أن تبحث عن امرأة أخرى كي ينام معها زوجها
كان قلب الأم باردا مثل المطر المتجمد عن أي أم نتحدث إنها الخذلان في أحقر صوره!
بينما كانت سيرين في طريقها إلى المنزل لم تستطع التوقف عن التفكير في كلمات سارة الوداعية
فجأة غزى أفكارها رنين عال يضج في أذنيها فأدركت أن حالتها قد ساءت
وفي تلك اللحظة تلقت رسالة على هاتفها
كانت الرسالة من ظافر تحمل في طياتها نفس الكلمات الباردة المعتادة
لن أعود إلى المنزل الليلة
على مدار السنوات الثلاث الماضية من زواجهما لم يقض ظافر ليلة واحدة في المنزل ولم ېلمس سيرين قط كانت مجرد شبح في حياته
تذكرت سيرين ليلة زفافهما حين قال لها ببرود قاس
بما أن عائلتك جريئة بما يكفي لخداعي وإقناعي بالزواج منك فمن الأفضل أن تكوني مستعدة لقضاء بقية حياتك في عزلة
كانت تعيش في قمة الخيبة زواج مع إيقاف التنفيذ!
قبل ثلاث سنوات قررت عائلتا تهامي ونصران تشكيل تحالف من خلال الزواج كان الاتفاق مبرما على شروط تفيد كلا العائلتين
ولكن عندما جاء يوم الزفاف تراجعت عائلة تهامي عن وعدها ونقلت كل أصولها بما في ذلك الملايين من الدولارات التي دفعها ظافر للزواج من سيرين
تلاشت عينا سيرين عند تذكرها لهذا الأمر المؤلم وردت على رسالة ظافر النصية بإجابتها المعتادة
حسنا
كانت الكلمة تحمل في طياتها كل الاستسلام والخضوع الذي عشش في قلبها
ودون أن تدرك انكمشت
تقارير
الحمل التي كانت تحملها بين يديها فتمزقت بعض الشيء بفعل قبضتها المشدودة
شعرت سيرين وكأن حياتها تمزقت كما الأوراق التي بين قبضتيها ومع كل تمزق كان أملها في الحياة يتلاشى أكثر
تحملت سيرين سنوات من الوحدة والبرود عانت العزلة القاسېة والقهر الصامت
كانت تبحث عن دفء في قلب متجمد وعن حنان في عالم بلا روح و
لكن رغم كل ذلك كانت تأمل في معجزة تغير مسار حياتها وتعيد إليها البسمة والدفء
كل شهر في هذا الوقت تشعر سيرين بخمول غير عادي ولم تكلف نفسها عناء تجهيز العشاء بل كانت تتكئ على الأريكة تغفو من حين لآخر
ظل الطنين في أذنها مستمرا ليذكرها بضعف سمعها الذي كان سببا آخر لكراهية ظافر لها
في الساعة الخامسة صباحا رنت ساعة البندول على الحائط بصوت خاڤت فأدركت سيرين متأخرة أنها نامت على الأريكة لذا نهضت مسرعة وذهبت إلى المطبخ لإعداد إفطار ظافر
كان ظافر رجلا دقيقا وصارما بشأن الالتزام بالمواعيد ليس فقط مع نفسه ولكن أيضا مع من حوله وكالمعتاد وصل إلى المنزل في تمام الساعة السادسة تماما
ظافر الرجل الطويل الوسيم ذو البدلة الأنيقة كان يتسم بسلوك هادئ ومتحفظ ولكنه بلا شك كان رجوليا ومع ذلك بالنسبة إلى سيرين كان باردا وبعيدا
لم ينظر حتى إليها مر بجانبها مباشرة وهو ينظر إلى الطعام على الطاولة وقال بسخرية
أنت تفعلين هذا كل يوم هل أنت مربية أم ماذا
على مدى السنوات الثلاث الماضية كانت سيرين تعيش في دوامة متكررة ترتدي نفس الملابس الداكنة وترد على رسائله بنفس الكلمة المفردة
حياتها لم تكن سوى مجرد انعكاس باهت لرغباته وأوامره بلا أي بصيص من الأمل أو التغيير
لو لم يكن هناك تحالف تجاري وخداع من عائلة تهامي لما فكر ظافر في الزواج من امرأة مثل سيرين
عند سماع كلمة مربية عاد الطنين في أذني سيرين التي ابتلعت بصعوبة وشعرت بغصة في حلقها ثم قالت بشجاعة
ظافر هل لديك شخص تحبه
تفاجأ ظافر بسؤالها فأظلمت عيناه
ماذا تقصدين بذلك
رفعت سيرين رأسها وحدقت في عينيه تحاول ابتلاع الصفراء التي تتصاعد في مؤخرة حلقها
إذا كنت تحب شخصا آخر يمكنك أن تكون معها
قبل أن تتمكن من إنهاء كلامها قاطعها ظافر بحدة
أنت مچنونة
بعد مغادرة ظافر جلست سيرين على الشرفة بمفردها تنظر إلى المطر البارد صوت قطرات المطر يتسلل إلى عالمها المخټنق بالصمت
خلعت سماعات الأذن مما جعل العالم يغرق في السكون القاسې
قبل شهر أخبرها طبيبها
سيدة سيرين تهامي هناك تغير مرضي في أعصابك السمعية وبعض الأعصاب القحفية مما تسبب في تدهور سمعك وإذا استمر هذا التغير فقد تفقدين سمعك تماما
ولأنها لم تعتد على عالم صامت توجهت سيرين إلى غرفة المعيشة وشغلت التلفاز ثم
رفعت مستوى الصوت إلى الحد الأقصى مما سمح لها بسماع بعض الأصوات المشتتة
بالمصادفة كان التلفزيون يعرض مقابلة مع دينا
المطربة المشهورة بأغانيها العاطفية
جلست سيرين في محاولة للبحث عن بصيص من الراحة في كلمات وألحان أغانيها متمنية أن تجد في تلك النغمات ما ينقذ قلبها من براثن الوحدة
ارتجفت يدا سيرين وهي تمسك بجهاز التحكم عن بعد وكأنها تمسك على مشاعرها الجياشة
دينا كانت الحب الأول لظافر وأول من شغف قلبه لم ترها سيرين منذ زمن لكنها لم تتغير
دينا ما زالت تحتفظ بجمالها وثقتها تقف أمام الكاميرات بكامل أناقتها مختلفة تماما عن تلك الفتاة الخجولة التي توسلت لعائلة تهامي لرعايتها
عندما سألها المحاور عن سبب عودتها إلى الوطن ردت بشجاعة
عدت لأستعيد حبي الأول
انزلقت من بين يدي سيرين جهاز التحكم عن بعد وكأن قلبها هو الآخر هبط إلى قاع معدتها
ازداد هطول المطر في الخارج كثافة وكأنه يعكس اضطراب مشاعرها
أغلقت سيرين التلفاز في حالة من الارتباك واتجهت لتنظيف بقايا الفطور وعندما وصلت إلى المطبخ اكتشفت أن ظافر قد نسي هاتفه التقطته بيديها المرتجفتين وبدأت تطالع الرسائل غير المقروءة على شاشة القفل
ظافر لا بد أنك كنت تعاني في السنوات الماضية أليس كذلك
أعلم أنك لا تحبها
—
ماذا لو التقينا الليلة لقد اشتقت إليك كثيرا
ظلت سيرين تحدق في الرسائل بلا تعبير حتى أصبحت الشاشة مظلمة مجددا
طلبت سيارة أجرة إلى مكتب ظافر وفي الطريق كانت تحدق عبر النافذة المطر ينهمر بغزارة وكأنه يرفض التوقف يعكس تماما حالتها النفسية المتردية
لم
يكن ظافر يحب زيارة سيرين له في المكتب لذلك اعتادت على أخذ المصعد الخدمي من منطقة التحميل عندما رآها مساعد ظافر ويدعى ماهر الذي استقبلها ببرود قائلا
السيدة سرين
لم يعاملها أحد في محيط ظافر كزوجة له بل كانت مجرد عبء ثقيل على سمعته
عندما رآها ظافر تحمل له هاتفه عبس وجهه بتجهم
ألم أخبرك ألا تحضري أغراضي بنفسك
تجمدت سيرين في مكانها معتذرة بصوت مرتجف
آسفة نسيت
منذ متى أصبحت ذاكرتها سيئة إلى هذا الحد
ربما أصابها الذعر بعد رؤية رسالة دينا وأصبحت تخشى أن يختفي ظافر من حياتها فجأة
قبل أن تغادر نظرت إلى ظافر بتوسل غير معلن ولم تستطع أن تقاوم فسألت بصوت متهدج
ظافر هل ما زلت تحب دينا
اعتقد ظافر أن سيرين تتصرف بغرابة في الآونة الأخيرة نسيانها المتكرر وأسئلتها الغريبة أثار استغرابه كيف لشخصية مثلها أن تكون زوجته
كانت سيرين تشعر بأنها مجرد شبح في حياة ظافر شبح يبحث عن بقايا حبه في أروقة قلبه المظلمة لكنه لا يجد سوى الظلال
فأجابها بحدة غير مبالي
إذا كان لديك وقت فراغ اذهبي وابحثي عن شيء يشغلك
كانت سيرين قد حاولت من قبل العثور على وظيفة لكنها اصطدمت بجدار الرفض من والدة ظافر شادية التي وبختها دون رحمة
هل تريدين أن يعرف الجميع
أن ظافر تزوج امرأة تعاني من مشاكل في السمع
تخلت سيرين عن فكرة العمل وركزت على حياتها
الباهتة كالسيدة نصران تعيش في ظلال الوحدة والصمت
جلست في المنزل وحيدة حتى حلول الليل والأرق يلتهمها من الداخل
رن الهاتف بجانب سريرها وكان اتصالا من رقم غير مألوف
ردت على المكالمة بصوت مهتز وجاءها صوت مألوف تخشى سماعه
هل هذا سيرين ظافر مخمور هل يمكنك أن تأتي لاصطحابه
وصلت سيرين إلى النادي لتسمع ضجيج الهتافات والسخرية العالية من الورثة الأثرياء داخل الغرفة الخاصة
كانت دينا المرأة الجميلة ذات الشعبية الطاغية محاطة بالإعجاب أينما ذهبت حب ظافر الأول لذلك كان الأثرياء الشباب من الطبقة العليا يهللون لها ولظافر
دينا لم تتردد نظرت إلى ظافر بعينين لامعتين وقالت بصراحة
أنا معجبة بك يا ظافر أرجوك كن معي مرة أخرى
كان قلب سيرين يتقلص من الألم ترى حب ظافر يتجدد أمام عينيها وتشعر بالعجز والضعف يغمرانها وكأن كل قطرة مطر في تلك الليلة تعزف على أوتار قلبها المرهف
هذا ما وصل إلي أذني سيرين عندما وقفت عند باب الغرفة الخاصة
داخل الغرفة كان الجميع يضغطون على ظافر ليجيب دينا وكان طارق صديقه المقرب هو الأكثر صراحة بينهم
ظافر لقد انتظرت دينا ثلاث سنوات ها هي عادت الآن لذا هيا أجبها!
وفي تلك اللحظة فتح أحد الرجال الباب
السيدة نصران
نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب وكأن الزمن توقف لحظة وغمر المكان صمت ثقيل وكأنما الزمن قد تجمد الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر
كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما الأمر الذي بدا غريبا مقارنة بما كان يعتقد وما كان جليا للأعمى هو أن ظافر لم يكن تحت تأثير الخمر كما كان يظن الجميع
فجأة أدركت سيرين أنها قد سقطت في فخ الخداع الذي نصبته لها دينا وأن كل شيء كان مجرد تمويه لا أكثر
وفي اللحظة التي
التقت فيها عيون سيرين بعيني ظافر لاحظت انقباض حدقتيهما وكأنما ارتجفت نياط قلبه عند رؤية ما لم يكن يتوقعه
إحساس غريب سيطر على الجميع شعور بالحرج لا يمكن إخفاؤه حتى طارق الذي كان أكثرهم إصرارا على إقناع ظافر بقبول اعتراف دينا في وقت سابق بدا مشوشا
وتساءلت سيرين في نفسها كيف يمكن أن يكون الوضع بهذه الفوضى كيف لم تكتشف خداع دينا في الوقت المناسب ولماذا قررت التوجه إلى هنا
فجأة كسرت دينا الصمت الذي غلف المكان بحديثها محاولة تفسير الموقف
من فضلك سيرين لا تسيئي الفهم طارق كان يمزح فقط أنا وظافر مجرد أصدقاء
لكن قبل أن تتمكن سيرين من الرد نهض ظافر بسرعة واضعا حدا للكلمات الزائفة التي كانت تملأ الغرفة مردفا بصوت جاف غير آبه بكل ما قيل
لا حاجة لشرح الأمر لها
ثم اتجه نحو سيرين مباشرة وهو يحمل في عينيه نظرة من الاستفهام والريبة يسألها بنبرة حادة
ماذا تفعلين هنا
أجابته سيرين بصدق رغم الارتباك الذي يملؤها
اعتقدت أنك كنت في حالة سكر فقررت أن أتي لأخذك إلى المنزل
سخر ظافر في تهكم ثم أضاف وهو يكاد يخفي غضبه
أنت حقا لم تفهمي شيئا مما قلته لك أليس كذلك
ثم خفض صوته وأصبح أكثر هدوءا لكن كلماته كانت كالسياط على قلبها
هل جئت هنا لتذكري الجميع بأنني خدعت للزواج منك قبل ثلاث سنوات هل ظننت أنهم نسوا ذلك
سقطت كلمات ظافر كالصاعقة على رأس سيرين وكأن قلبها قد توقف عن الخفقان للحظة إذ بدت مذهولة تماما
ألقى ظافر على سيرين نظرة باردة كان فيها قسۏة لا تخطئها العين قبل أن ينطق بكلمات مثل السم
توقفي عن البحث عن الاهتمام أنت فقط تزيدين من كراهيتي لك
ثم استدار مبتعدا تاركا إياها تقف هناك وحيدة في خضم صډمتها التي تجمعت في قلبها مثل حجر ثقيل
لم يكن هناك من يرمقها بنظرة تعاطف في تلك الغرفة ولا حتى من الشباب الذين شاهدوا الموقف باستهزاء بارد
حتى طارق الذي كان يتظاهر ببعض الشفقة لم يجد حرجا في أن يقول لدينا بصوت مليء باللامبالاة
أنت حقا لطيفة دينا لم يكن عليك تبرير
أي شيء
ثم أضاف وكأن قلبه خالي من أي ملامح الرحمة
لو لم تقم سيرين بخداع ظافر لكان قد تزوجك منذ البداية ولما كنت بحاجة للمعاناة في الخارج
رغم الرنين الذي يدوي في أذني سيرين إلا أنها كانت قادرة على سماع كل كلمة بوضوح وكأنها رسمت على شفاههم
سيرين تعلم جيدا أنها حتى لو لم تتزوج من ظافر فهو لم ولن يقدم على الزواج من دينا إنها حقا لم تكن لتستحق مكانة كهذه امرأة مثل دينا لا تستحق أن تكون زوجة نبيل مثل ظافر نصران
دينا التي لم يكن لها من خلفية وأصل ونسب سوى كونها لا شيء دينا بذاتها كانت تدرك هذه الحقيقة كما تدركها سيرين لهذا اختارت دينا أن تبتعد عن ظافر مغادرة البلاد بحثا عن حياة أخرى
كيف تحولت الأمور إلى كون كل شيء خطأ كانت سيرين هي المتسببة به كيف أصبحت هي الملامة
خرجت سيرين مسرعة من النادي وهي تحمل مظلتها وكأنها تسير في بحر من الظلام
فجأة ظهرت بجانبها شخصية رشيقة تتحرك بخفة كالظل كانت دينا التي ترتدي ملابس أنيقة وحذاء بكعب عال تعكس ثقة زائفة تتناثر منها
قالت دينا بلهجة متغطرسة وكأنها تجيد استعراض انتصاراتها الصغيرة
إنها ليلة باردة أليس كذلك كيف تشعرين الآن بعد أن سخر منك ظافر بعدما جئت إلى هنا في هذا
—
الوقت المتأخر لتبحثي عنه
لم تجب سيرين لكن دينا لم تكترث لصمتها بل استمرت في حديثها بلغة مليئة بالازدراء
أشفق عليك كما يفعل الجميع لا بد وأنك لم تعرفي الحب الحقيقي قط أليس كذلك
ثم تابعت متلذذة بما تراه انتصارا
هل تعلمين أن ظافر كان يطهو لي الطعام بنفسه وعندما كنت
مريضة كان يترك كل شيء من أجل البقاء بجانبي
وتنهدت بمرارة وكأنها تعيد فتح چرح قديم
هل أخبرك ظافر من قبل أنه يحبك انتظري لا أعتقد أنه يشعر بك من الأساس على العكس معي فهو دوما ما كان يقول لي الكثير من كلمات العشق والغزل طوال الوقت
استمعت سيرين بهدوء إلى هذيان دينا بينما تسللت أفكارها إلى السنوات الثلاث التي مضت منذ زواجها من ظافر طوال تلك المدة لم يدخل المطبخ ولو لمرة كأن تلك المساحة المقدسة لم تكن تخصه وعندما أصابها المړض لم تجد فيه عزاء ولم تر في عينيه تلك النظرة التي تخبرها أنه يحبها أو حتى تلك الكلمات التي تمنح القلب الطمأنينة
في هذه الليلة التي كانت ثقيلة كأنها آلاف السنين لم تستطع سيرين أن تغفو فقد اكتشفت للتو أن الرجل الذي منحته قلبها طيلة اثني عشر عاما كان يعشق امرأة أخرى بكل جوارحه كما يعشق الشاب البكر حبه الأول بكامل نضجه واندفاعه
في تلك اللحظة القاسېة سقطت على قلبها الحقيقة
الثقيلة كالصخر لقد حان وقت الفراق
مرت على سيرين ليلة من الأرق العميق كانت فيها تحاول ترتيب مشاعرها ولم تجد لها سلوى لها سوى الحزن والعجز
في صباح اليوم التالي عاد ظافر إلى المنزل وكانت نظرة عينيه إليها باردة كما العادة جبل من جليد خال من أي مشاعر أو اهتمامات
ما مدى ارتباطك بأموال عائلة نصران تلك الآلة التي تدر عليك المال سألها بنبرة لا تخفي احتقارا
اڼصدمت سيرين فقد كان السؤال مفاجئا لم تفهم ما الذي دفعه لطرح هذا السؤال في هذا الصباح الباكر لكن رد فعلها جاء عفويا كما لو أن غرائزها قد نطقت قبل أن تدرك
قالت وهي تحاول أن تحافظ على رباطة جأشها
لم أكن يوما طامعة في أموالك
لقد أرادت ظافر فقط بكل ما في الكلمة من معنى ولكن هل لفاقد الحس أن يشعر
ظافر بابتسامة ساخرة مشوبة بالازدراء رد قائلا
إذا لماذا جاءت والدتك إلى مكتبي وتوسلت إلي أن أمنحك طفلا
كانت سيرين متصلبة من وقع صډمتها بأمها التي حطت من كبريائها أمامه وأخذت تحدق في عيني ظافر بذهول إذ لم تتوقع أنه لم يكن غاضبا مما حدث في الليلة الماضية فعلى ما يبدو أن ظافر لم يرغب في إضاعة وقته معها فصاح بنبرة حادة
إذا كنت ترغبين في الاستمرار معي وضمان بقاء عائلتك على قيد الحياة فعليك أن تخبري والدتك بأن تتصرف بشكل لائق!
في نهاية المطاف لم يكن لسيرين حاجة في البحث عن سارة فقد جاءت سارة إليها بنفسها وقد تبدل أسلوب أمها من البرود والجفاء إلى التفهم واللطف وهذا أمرا لم ينطل على سيرين إذ لم تعهد والدتها على هذا النحو قط فهي اعتادت معاملتها بقسۏة كما جميع من حولها
أمسكت سارة بيدي سيرين برقة وقالت بصوت هادئ
سيرين عليك أن تطلبي من ظافر أن يمنحك طفلا ليس بالضرورة أن يكون الأمر بيولوجيا يمكنه اللجوء إلى الإجراءات العلمية
سرت بسيرين رعشة من الدهشة وهي تحدق في سارة بينما استمرت الأخيرة في حديثها
كانت تلك الكلمات القشة التي قصمت ظهر سيرين فقد تساءلت في داخلها لماذا أخبر ظافر دينا بذلك ربما كان يحبها بصدق شديد مع هذا التفكير شعرت بالإحباط فقالت
اتركي الأمر يا أمي لا فائدة من ذلك
توقفت سارة وعقدت حاجبيها بتعجب وقالت
ماذا
أجابت سيرين بنبرة متعبة أثر معانتها مع قلب جاحد لا يلين
أنا متعبة أريد الحصول على الطلاق وقبل أن تتمكن من إنهاء عبارتها صڤعتها سارة بقوة على وجهها
اختفت تلك الواجهة الأمومية اللطيفة في لحظة وأشارت بإصبعها إلى سيرين وقالت بحدة
ليس لك الحق في طلب الطلاق!
ماذا تعتقدين أنك ستفعلين بدون عائلة نصران من سيتزوج مرة أخرى مطلقة معاقة مثلك
شعرت سيرين بخدر يجتاح جسدها بسبب ما تفوهت به أمها كلمات كانت كالسهم المسمۏم الذي غادر مشد القوس لينغرز بصدرها
لم تكن سارة تحب سيرين أبدا حتى عندما كانت طفلة كانت سارة راقصة مشهورة وإنجابها لطفلة تعاني من مشاكل في السمع كان أحد أكبر أسباب ندمها لذلك أرسلت سيرين إلى مربية لتعتني بها ولم تسمح لها بالعودة إلى المنزل إلا عند التحاقها بالمدرسة
كان الناس يقولون لسيرين إن كل أم تحب طفلها إذا كان مميزا لذا بذلت كل ما في وسعها لتتفوق في كل شيء على أمل إسعاد سارة
وعلى الرغم من مشاكل السمع التي تعاني منها كانت سيرين من أوائل طلاب صفها في دروس الرقص والموسيقى والفن ومع ذلك فرغم كل الجهود التي بذلتها لم تعتبرها سارة ابنة جيدة بل ظلت سيرين من وجهة نظر سارة ابنة غير محبوبة طفلة غير كاملة ليس فقط جسديا بل أيضا في الحب والعلاقات الأسرية
بعد أن غادرت سارة استخدمت سيرين بعض الماكياج لتغطية البصمة الحمراء على وجهها فقد كان كل إصبع من يد سارة تاركا علامة ظاهرة على وجهها الطفولي البريء ثم بدأت بحزم حقائبها بهدوء
ابتسمت سيرين بخيبة فحتى بعد مرور ثلاث سنوات على زواجها كانت جميع أغراضها الشخصية لا تتعدى حقيبة واحدة
بعد أن انتهت من حزم أمتعتها جمعت شجاعتها وأرسلت رسالة إلى ظافر
هل أنت متاح الليلة أريد التحدث إليك
لم يرد عليها ظافر فأظلمت عينا سيرين فقد كانت تعلم أنه لا يريد الرد على رسائلها ولكن ما الجديد أنه لا يهتم لأمرها أبدا
كل ما كان بوسعها فعله هو انتظار عودته إلى المنزل في الصباح لقد ظنت أنه لن يعود إلى المنزل في تلك الليلة لكنه عاد عند منتصف الليل
لم تكن سيرين نائمة في تلك اللحظة فتوجهت نحوه بخطوات واثقة وأخذت معطفه وحقيبته بحركة عفوية تحمل الود والألفة وكأنهما زوجان عاديان
وبصوت بارد كسر ظافر سلام وصفو اللحظة قائلا
لا ترسلي لي رسائل نصية سخيفة مرة أخرى
بينما كانت سيرين تمسك بمعطفه ارتجفت يدها قليلا وتمتمت
لن أفعل ذلك مرة أخرى
لم يلاحظ ظافر أي تردد في نبرتها فتوجه مباشرة إلى مكتبه كعادته عند عودته إلى المنزل ربما كان يعتقد أن من يعاني من ضعف السمع يعيش في عالم صامت أو ربما ببساطة لم يهتم بأمر سيرين
هذا ما يفسر توجهه الفوري لمناقشة استحواذه على مجموعة تهامي في مكتبه وكأن شيئا لم يحدث
عندما أحضرت له سيرين بعض الحساء سمعت صوت ظافر يناقش العمل بحيوية مع موظفيه يتحدث عن الاستحواذ على شركة تهامي جروب شركة والدها جمال تهامي لم تكن تعرف كيف تشعر حيال ذلك إذ كانت تعلم أن شقيقها تامر
تهامي عديم الفائدة في إدارة الأعمال وفي هذه الحالة فإن الأمر مجرد مسألة وقت قبل سقوط مجموعة تهامي لكنها لم تتخيل أبدا أن يكون زوجها هو المتسبب الأول في هذا السقوط
كفى قاطعته
أصيب ظافر بالصدمة وبسبب شعوره بالذنب أو ربما بسبب
—
عاطفة أخرى أغلق الهاتف بسرعة وأغلق الكمبيوتر المحمول
متظاهرا بالجهل فتقدمت
سيرين إلى غرفة مكتبه ووضعت الوعاء أمامه
تناول بعض الحساء ثم اذهب إلى الفراش قريبا صحتك أهم من العمل قالتها سيرين بحب حقيقي رغم خنجر خيانته وجفاءه الذي شق به ضلوعها بعدما سمعت مخططه الدنيء
لسبب ما شعر ظافر بالاسترخاء عندما سمع صوتها الناعم ظنا منه أنها ربما لم تسمع شيئا
وبصوت مرتبك أوقف ظافر سيرين قبل أن تتمكن من المغادرة يسألها مراقبا تعبيرات وجهها بتمعن
لقد قلت أنك تريدين التحدث معي ما الأمر
عندما سمعت سيرين هذا التفتت إليه وقالت بهدوء
أردت فقط أن أسألك إذا كنت متفرغا في الصباح حتى نتمكن من الذهاب وتقديم طلب الطلاق
كان صوت سيرين هادئا خاليا من أي مشاعر وكأن الطلاق لا يعني لها شيئا سوى مسألة تافهة
انقبضت حدقة عين ظافر وتوتر صوته ماذا قلت للتو
على مدى السنوات الثلاث الماضية ورغم كل ما فعله لم تلمح سيرين يوما إلى الطلاق
كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه لكن الآن كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة شغفها به أصبحتا تشعان بريقا وصفاء وكأنها تعي معنى طلبها توا إنها ترغب حقا بالانفصال عنه! سؤال ضج به رأسه وزادتها عندما قالت بنبرة حازمة
أنا آسفة لأنني كنت عبئا عليك خلال السنوات القليلة الماضية سيد نصران حان الوقت لننفصل
زم ظافر شفتيه فبدت كخط مشدود يمسك بذراعها دون وعي يقول بتوتر أعصاب ظاهر عجزت سيرين عن تفسيره
لقد سمعت ما قلته قبل قليل عبر الهاتف أليس كذلك ألهذا تتفوهين بالحماقات! أسمعيني جيدا مجموعة تهامي على وشك الإفلاس ولا يهم من سيشتريها سواء كنت أنا أو أي شخص آخر انظري بعيني واخبريني ما الذي تحاولين تحقيقه بإثارة قضية الطلاق الآن هل تسعين للحصول على المال أم أنك تريدين الطفل أم تريدين أن أترك مجموعة تهاميال
سألها ببرود مضيفا بنبرة حادة وأعين زائغة يريد إخفاء شيء ظهر بهما دون سابق إنذار ولكن ما تفوه به لربما يناقض شعوره الآن
لا تنسي أنني لا أحبك تهديداتك لن تجدي نفعا معي!
في تلك اللحظة بدا ظافر وكأنه شخص غريب عليها ابتلعت لتزيل كتلة مريرة قد تشكلت بحلقها وبدأت أذناها تنبضان بقوة وبالرغم من أنها كانت ترتدي سماعات الأذن ولكنها بالكاد استطاعت سماع كلماته المتناثرة لم تسعفها الكلمات لتتمكن من التعبير عن مدى الخذلان الذي تسلل إلى قلبها عقب معاملته القاسېة لها ولم تتمكن من الرد سوى على سؤاله الأخير فأردت تقول بإيجاز
لا أريد شيئا
وخوفا من أن يلاحظ شيئا خاطئا بها غادرت سيرين المكتب بسرعة وقلبها يعصف بنوب قهر لم تشعر بها من قبل وعندما شاهدها ظافر وهي تبتعد تاركة إياه خلفها دون أن تلتفت أخس بإحباط غريب لم يعهده من قبل
أخذ ظافر يدور حول نفسه متخصرا يزفر أنفاسه بتتابع كتنين ثائر غير قادر على كبت مشاعره فاڼفجر غاضبا ليركل الطاولة بقدمه فانقلبت رأسا على عقب لينسكب وعاء الحساء الذي أحضرته سيرين على الأرض
عادت سيرين إلى غرفتها تمسك بعلبة الأقراص التي وصفها إليها الطبيب تدس بعض منها بفمها مكرهة ثم مدت يدها لتلمس أذنها وعندما سحبت أصابعها رأت نز فا كأثر جانبي للدواء الذي تناولته توا
ومن ثم انسحبت تندس بسريرها متكومة على حالها متخذة وضع الجنين تكتم شهقاتها بكلا راحتيها وهي تنعي قلبا مكلوما عشق جاحدا لا يلين
تعافى سمعها قليلا بحلول الفجر رمشت بأهدابها الكثيفة التي تزين عينين خضراوين زاهيتين مكحلتين
بسواد رباني يخر له الناسك ساجدا ما عدا من ملك قلبها فهو لا يرى بها وجمالا أو هكذا ظنت
حدقت في أشعة الشمس الناعمة المتدفقة من النافذة بلا تعبير تتمتم لنفسها بهدوء
لقد توقف المطر
في ذلك اليوم لم يغادر ظافر القصر بل ظل جالسا في غرفة المعيشة على الأريكة ينتظر اعتذار سيرين وتعبيرها عن أسفها لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تفقد فيها سيرين أعصابها معه ومع ذلك بعد كل نوبة ڠضب كانت تعتذر له بعد فترة وجيزة فأعتقد ظافر أن الأمر سيكون نفسه هذه المرة
بعد قليل رأى سيرين تخرج من غرفتها وقد انتعشت تماما وكأن شيء لم يكن كانت ترتدي ملابسها الداكنة المعتادة وتحمل حقيبة سفر بيدها بينما تمسك بيدها الأخرى ورقة
أعطته الورقة التي كانت عبارة عن اتفاقية طلاق تتنازل بها عن كافة حقوقها الشرعية بما في ذلك مؤخر صداقها المبالغ به تقول ببرود مصطنع
اعلمني عندما يكون لديك الوقت ظافر
بعدما غادرت القصر سحبت حقيبتها خلفها متوجهة نحو بداية جديدة في حياتها
كان الجو في الخارج مشرقا ومشمسا بعد ليلة مطيرة غائمة وكأن الطبيعة نفسها تبارك انطلاقتها نحو الحرية
شعرت سيرين بأن الحياة منحتها فرصة جديدة فرصة لكتابة فصل جديد من وجودها بعيدا عن الظلال القاتمة التي كانت تحاصرها
في هذه الأثناء كان ظافر جالسا كالصنم على الأريكة يمسك باتفاقية الطلاق في يده وكأنها وثيقة تثقل كاهله بماض لا يرحم ومستقبل خاو بدونها شعور بارد تسلل إلى أوردته لبعدها ولا يجد له تفسيرا
ظلت صدمة رغبتها بالانفصال عنه تعصف بكيانه وكأنها رياح عاتية تجرف ما تبقى من استقراره الداخلي مضى وقت طويل قبل أن يتمكن من استيعاب ما حدث ليعود إلى وعيه المثقل بالألم والندم
كان اليوم يوم السبت وفي مثل هذا الوقت من العام كان ظافر يأخذ سيرين إلى مسقط رأسه لتقديم واجب العزاء للأسلاف كانت تلك الزيارة السنوية دائما تفرض عليهما مواجهة نظرات العائلة المتطفلة وتحمل الأحاديث الجانبية والنقد المبطن ولكن اليوم كان وحده يغمره شعور غريب لم يستوعبه بعد
في قصر نصران استقبلت شادية وبقية أفراد العائلة ظافر بدهشة إذ لم يتوقعوا رؤيته وحيدا في السابق كانت سيرين دائما الحاضرة الأولى والأخيرة التي تغادر تسعى جاهدة لإرضاء الجميع ولكن اليوم غابت وتركت خلفها فراغا ملموسا
اقتربت شادية من ظافر وعبست تسأله بقلق
ظافر!! أين سيرين
نظر إليها ظافر بتعبير وجه بارد جاهد في استحضاره وقال بصوت خاڤت
أرادت الطلاق وتركتني
ساد الصمت المكان وصدمت العائلة من وقع كلماته كانت شادية تعلم أن حب سيرين لظافر يتجاوز كل شيء ولم ينافسها في حبه سوى والديه ولكنها تفوقت عليهما بمراحل إنها تتنفسه
قبل سبع سنوات قامت سيرين بحماية ظافر بجسدها نقلت على إثرها إلى إحدى غرف العناية المركزة بعدما خضعت إلى جراحة
خطړة استمرت لست ساعات متواصلة حتى أنقذتها العناية الإلهية أو ربما كان ذلك تكليل من المولى لإخلاصها في حبه
ومنذ أربع سنوات بعد خطوبتهما بقليل تعرض ظافر لحاډث خلال رحلة عمل في دبي وكان الجميع يعتقد أنه ماټ لكن سيرين رفضت التصديق وتركت كل شيء وذهبت تبحث عنه في المدينة بأكملها
بعد زواجهما اعتنت سيرين بكل تفاصيل حياته تعاملت بأدب مع كل من حوله حتى سكرتيراته خوفا من أن تتسبب في إحراجهم كان واضحا أن سيرين لا تستطيع العيش بدون ظافر إذن لماذا اقترحت الطلاق هذا سؤال دار بخاطرك كل
من استمع إلى حديث ظافر
لم يكن لدى شادية أي فكرة لكنها كانت سعيدة لأن سيرين قررت
—
أخيرا السماح لظافر بالطلاق بل سعت بنفسها لذلك وحررته من قيود إجراءاته المكلفة من وجهة نظر امرأة مادية كشادية وهذا على الرغم من الثراء الفاحش لعائلة نصران فهللت بفرحة
إنها لا تستحق أن تكون زوجتك على أية حال من الجيد أنك ستطلقها إنها لا تستحقك قالتها وتدخل الآخرون على الفور
نعم أنت شاب ووسيم ظافر أنت في أفضل سنوات عمرك الآن كانت سيرين تجرك إلى الأسفل طوال هذا الوقت!
وفجأة تحول التجمع إلى مهرجان للتشهير وتحدثوا عن سيرين كما لو كانت مچرمة لا تغفر ذنوبها
كان ينبغي أن يشعر ظافر بالسعادة لأنهم كانوا يدافعون عنه ولكن لسبب ما وجد كلماتهم حادة ووقحة للغاية
غادر ظافر قصر نصران في وقت أبكر من المعتاد واتجه عائدا إلى قصره
السماء بدأت للتو في إسدال ستائر غيومه عندما وصل إلى المنزل فتح الباب ودخل القصر وعندما لم ير شيئا سوى الظلام تذكر فجأة أن سيرين قد غادرت غير ملابسه إلى ثوب منزلي مريح وألقى معطفه في الغسالة ولسبب ما شعر بإرهاق غير عادي اليوم
ذهب إلى قبو الشراب ليحصل على زجاجة حتى يتمكن من الاحتفال الزائف برحيل سيرين ولكن عندما وصل ورأى الباب مغلقا أدرك بعد فوات الأوان أنه لا يملك المفتاح
لم يكن ظافر يحب الغرباء في منزله لذا لم تكن هناك خادمات أو مساعدات في قصره ومنذ أن تزوج سيرين كانت هي من تعتني بشؤون المنزل
لم يكن بوسعه سوى العودة إلى غرفته والتقط هاتفه ليتصفح رسائله فقط ليجد نصوصا متعلقة بالعمل ألقاه بنزق عندما لم يجد اتصالا من سيرين كما أنها لم ترسل له رسالة نصية للاعتذار على الإطلاق
تأفف بضيق وتوجه إلى المطبخ وعندما فتح باب الثلاجة أصيب بالذهول إنها امرأة كاملة لقد تركت له بالإضافة إلى الطعام الكثير من المكملات الغذائية
وفجأة تحولت معالم وجهه من الحنين إلى السخرية وذلك عندماعالتقط أحد الأكياس وقرأ التعليمات الموجودة عليها
يجب عليا تناوله مرتين يوميا لعلاج العقم
العقم!
استنشق رائحة المكمل الغذائي وكانت رائحته مقززة لقد تذكر للتو
كيف كانت سيرين ذات رائحة غريبة لذا كان هذا هو السبب سخر منها بصمت إنها حتما مچنونة هذا ما تفوه به ظافر وهو يهز رأسه بيأس من تصرفاتها الخراء
في فندق مظلم وصغير فتحت سيرين عينيها بصعوبة رأسها ينبض بقوة كان العالم من حولها صامتا أدركت حينها أن حالتها ساءت مرة أخرى
قبل ذلك كانت لا تزال قادرة على سماع بعض الأصوات حتى من دون أجهزة السمع الخاصة بها
دفعت نفسها إلى أعلى وتحسست الطاولة بجوار السرير حتى وجدت الدواء الذي تحتاجه وضعت الحبوب في فمها وتذوقت مرارته أو ربما مرارة قلب مكسور
في اليوم السابق غادرت قصره الذي كان منزلها طيلة السنوات الثلاث الماضية في البداية ذهبت إلى منزل والديها منزل تهامي
عند الباب وقبل أن ترفع قبضتها الرقيقة لتطرقه استمعت إلى والدتها سارة وأخوها تامر يناقشان كيف سيقومان بتزويجها لرجل يبلغ من العمر 78 عاما إذا طردها آل نصران في هذه الأثناء فقدت سيرين صوابها عندما سمعت ذلك وحينها أدركت أخيرا أنها لم تعد تمتلك مكانا لتسميه موطنا
نهضت بضعف وعلى الرغم من أنها لم تأكل أي شيء لمدة يومين إلا أنها لم تشعر بالجوع كان المكان هادئا جدا وصمته المطبق بعث الخۏف بقلبها المنقبض لقد زاد هطول الأمطار في المدينة هذا العام بشكل متكرر أكثر مما كانت عليه في السنوات السابقة من هدر نابضها
حدقت سيرين بالمشاة عبر نافذة الغرفة الذين كان معظمهم يتنزهون
أزواج أو في مجموعات ابتسمت بحزن فهي الوحيدة المنبوذة التي ظلت تعيش حياتها داخل قوقعة بمفردها
ارتدت ملابسها وغادرت الفندق قاصدة محطة القطار لتشتري تذكرة حافلة لتغادر المدينة وقررت الذهاب إلى منزل مربيتها في الريف كانت مربيتها فاطمة تعتني بها عندما كانت طفلة
كانت الساعة التاسعة مساء عندما وصلت سيرين وحالما رأتها فاطمة بدت مندهشة بشكل سار
انهمرت دموع سيرين عندما رأت ابتسامة فاطمة الدافئة مدت يدها إليها وعانقتها تقول بنشيج أمي
بسبب مشاكل صحية لم تتزوج فاطمة قط ولم تنجب أطفالا لذا كانت فاطمة أقرب إلى سيرين من والدتها
في تلك الليلة احتضنت سيرين مربيتها تماما كما كانت تفعل وهي طفلة صغيرة بائسة تبحث عن الحنان والعطف لفت فاطمة ذراعيها حول سيرين لتدرك أن الأخيرة كانت نحيفة للغاية وذلك عندما ضغطت بيدها على ظهر سيرين التي ترتجف بشكل لا يمكن السيطرة عليه
أجبرت فاطمة نفسها على الهدوء تحاول تجاهل الحالة التي عليها صغيرتها وسألت بحذر
هل كان ظافر يعاملك جيدا سيرين
شعرت سيرين پألم حاد في حلقها عندما
سمعت اسم ظافر وأرادت أن تكذب على فاطمة وتخبرها أن ظافر كان يعاملها بشكل جيد لكنها كانت تعلم أن فاطمة ليست غبية
وبما أنها قد قررت بالفعل تركه لم تعد هناك حاجة للكذب على نفسها أو على الأشخاص الذين يحبونها
لقد انتهت أيامه وعاد الشخص الذي يحبه لقد قررت أن أتركه وطلبت الطلاق
أصيبت فاطمة بالذهول ولم تستطع أن تصدق ما سمعته فقد أخبرتها سيرين عدة مرات من قبل أنها تريد أن تقضي بقية حياتها مع ظافر
ولأن فاطمة لم تكن تعرف ماذا تقول لتعزية سيرين أردفت قائلة لها
إن هناك الكثير من الأسماك الأخرى في البحر ولا بد أن يكون هناك سمكة واحدة ستحبك كما أنت سيرين لا تبتأسي صغيرتي إنه أحمق لا يعرف قيمتك
أومأت سيرين برأسها بصمت إذ كان الطنين في أذنيها يحجب صوت فاطمة المريح في تلك الليلة تمكنت سيرين من الحصول على قسط من النوم الجيد وهو أمر نادر الحدوث
ولكن عندما استيقظت لمست سيرين أذنها اليمنى وشعرت بأصابعها لزجة وأخذت تنظر إلى يدها الملطخة و
العاطفة 4
حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج
انقبضت حدقتا عينيها وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة
كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور فبادرت بتنظيف الفوضى وابتكرت عذرا لتوديع فاطمة دون إثارة الريبة وقبل أن تغادر وضعت جزءا من مدخراتها على طاولة السرير بهدوء دون أن تخبر فاطمة بما فعلت
رافقتها فاطمة إلى محطة الحافلات ولوحت لها مودعة إياها بحزن واضح
بعد رحيل سيرين لم تستطع فاطمة التوقف عن التفكير في مدى نحافة سيرين وتزايد قلقها عليها ولكنها لم تكن قادرة على البقاء مكتوفة الأيدي فاتصلت بمكتب مجموعة نصران
عندما علمت السكرتيرة بأن المتصلة هي فاطمة مربية سيرين وأنها ترغب في التحدث مع سيدها حولت
المكالمة على الفور إلى خطه المباشر
بينما كان ظافر جالسا بعنجهية خلف مكتبه الفخم يدير أعماله بحنكة ولكنه ما بين الحين والآخر يجتسه من بين أفكاره شيء يذكره بها ها هو ملف قدمته إليه مديرة مكتبه بلون سيرين المفضل وتلك الرائحة المنبعثة من فنجانه تشبه رائحة القهوة التي كانت تعدها له سيرين و و
طرق ظافر بقلمه أعلى سطح مكتبه يحصي أيام فراقها ذلك اليوم هو الثالث منذ رحيلها وتلك هي المكالمة الأولى التي يتلقاها
—
بشأنها
كان ظافر جالسا خلف مكتبه عندما تم تحويل المكالمة إليه يشعر بارتياح غريب فكما توقع لم تتمكن سيرين من البقاء بعيدا عنه لأكثر من ثلاثة أيام أو هكذا اعتقد
جاءه صوت فاطمة عبر الخط محملا بملامح الزمن والتجارب
السيد نصران أنا مربية سيرين وقد كنت أعتني بها منذ كانت طفلة أرجوك بل أستحلفك أن تعاملها بلطف ولا تؤذها أكثر مما فعلت إنها ليست قوية كما تبدو فعندما ولدت تركتها السيدة تهامي تحت رعايتي لأنها لم تحتمل ضعف سمعها ولم تعد سيرين إلى المنزل إلا عندما بدأت المدرسة لم يعاملها آل تهامي قط كواحدة من أفراد العائلة وباستثناء السيد تهامي كان الجميع يعاملونها كخادمة أنت والسيد تهامي الشخصان الأهم في حياتها أرجوك من فضلك كن لطيفا معها
تبدل مزاج ظافر عندما سمع ما قالته فاطمة يجيبها ببرود شديد
هل طلبت منك أن تخبريني بهذه القصة الحزينة لأنها لا تريد مواجهتي لماذا يجب أن أهتم بحياتها إذا سألتني فهي تستحق ما حدث لها!
كان يشعر بوخزة في قلبه جراء ما حدث مع تلك المسكينة ومع ذلك أنهى المكالمة دون انتظار ردها
سمعت فاطمة سيرين وهي تتفاخر بلطف ظافر معها لذا أدركت الحقيقة حينها فقط ظافر لم يكن رجلا صالحا على الإطلاق ولم يكن زوجا صالحا لسيرين
جلست سيرين في الحافلة متجهة إلى المنزل وفي تلك اللحظة اهتز هاتفها كانت رسالة من
ظافر
قلت أنك تريدين الطلاق أليس كذلك سأراك في الساعة العاشرة صباحا غدا
حدقت سيرين في النص بلا تعبير لفترة من الوقت قبل الرد بكلمة واحدة فقط حسنا
لقد أثار ذلك ڠضب ظافر وأفسد مزاجه تماما ولم يعد قادرا على العمل فاتصل بأصدقائه ودعاهم لتناول المشروبات
كانت دينا أيضا في النادي عندما وصل أعلنت لن أعود إلى المنزل حتى أسكر!
جلس طارق بجانب ظافر ولم يستطع أن يمنع نفسه من السؤال بفضول
كيف حال سيرين الصماء
رفع ظافر حاجبه وقال له
ليس هناك حاجة للحديث عنها مرة أخرى سنرفع دعوى الطلاق غدا
لقد أصيب طارق بالذهول ولم يستطع أن يصدق ما سمعه قال مستفسرا
حقا
بجانبهم أشرق وجه دينا وصبت له كأسا وقالت
تهانينا على استعادة حريتك ظافر!
شرب ظافر الكثير في تلك الليلة فعرضت دينا عليه أن ترسله إلى منزله لكنه رفض قائلا
لا داعي لذلك هذا غير مناسب
فكر ظافر قليلا فلو كان هو وسيرين سينفصلان غدا فقد تعود إلى المنزل في تلك الليلة
لم تكن دينا سعيدة بهذا الرفض قالت پغضب
لماذا فأنت ستطلقها على أي حال لماذا لا يكون ذلك مناسبا هل ما زلت خائڤا من أن تكتشف علاقتنا
علاقتهم! ضيق ظافر عينيه وقال
أنت تفكرين في هذا الأمر أكثر من اللازم
ركب سيارته الخاصة ومن باب مراعاة مشاعر دينا اتصل بسيارة أجرة لإرسالها إلى المنزل
وفي طريق عودته إلى المنزل واصل فتح هاتفه ليتحقق مما إذا كانت سيرين قد أرسلت له أي رسائل ولكنها لم تفعل ذلك
عندما وصل إلى قصره كان الظلام دامسا وبتعبير عاصف فتح ظافر الباب وأشعل الضوء على أمل أن يجدها بالداخل كما كانت دوما ولكن لم يكن هناك أثر لها لم تكن قد جاءت إلى المنزل لقد ترك القصر بالضبط كما كان عليه عندما غادرت
فرك ظافر جبينه بيده يحاول تخفيف شعوره بالألم الذي يضج به رأسه إذ لا يزال يشعر بتأثير المشروب ومن ثم ألقى بثقل جسده على الأريكة وسرعان ما غلبه النعاس
لم تتركه سيرين يهنئ بنومه إذ فرضت حضورها في كوابيسه لقد رآها لكن كانت هناك ابتسامة رضا على وجهها وتردد صوتها بأذنه وهي تقول
لم أعد أحبك يا ظافر
عندما استيقظ ظافر كانت الشمس قد بدأت تلقي بأشعتها الأولى على الأفق مشيرة إلى بزوغ نهار جديد جلس في فراشه يفرك جبينه بأصابع متعبة ثم توجه إلى الحمام الذي أعده بنفسه بعناية وبعد ذلك ارتدى بذلته الأنيقة واتجه صوب المحكمة
عند مدخل المحكمة لمح سيرين واقفة تحت شجرة قريبة تكسوها ملابس داكنة تزيد من ضعفها فمن بعيد بدت وكأنها شبح نحيل وسط الرذاذ وكأن نسمة هواء خفيفة قد تطيح بها أرضا
ظل ظافر يتذكرها في أولى أيام زواجها به تلك الأيام التي كانت فيها سيرين مليئة بالحيوية والنشاط إنها أبدا لم تكن بهذا
الهزال والكآبة
توجه نحوها حاملا مظلته وعلى ما يبدو أنها لم تلاحظ وجوده إلا بعد بضع لحظات
تأملته بنظرات وداعا وهي تقر بأن ظافر لم يتغير كثيرا خلال السنوات الثلاث الماضية إذ لا زال يحتفظ بوسامته وثقته بنفسه وقد زادته السنوات نضجا وجاذبية
أما سيرين فقد كانت مشوشة السنوات الثلاث الماضية بدت وكأنها لحظة عابرة لكنها استنزفتها بكل ما تملكه من قوة لذا ترغب في خلاصها من عڈاب قرب ظالم گ ظافر
اقترب ظافر من سيرين ناظرا إليها ببرود كان ينتظر منها اعتذارا لكن سيرين قالت بصوت هادئ
أنا آسفة لإبعادك عن عملك دعنا ندخل
تجمد ظافر بأرضه وكأنه غير مستوعب لما أردفت به توا بل كان يمني نفسه بأنها ستخر راكعة على ركبتيها ترجوه ألا يتركها لكنه سرعان ما استعاد هدوءه وقال بنبرة جافة
لا داعي للاعتذار ثم استدار وتوجه إلى قاعة المحكمة
نظرت إليه سيرين بحزن تتساءل في أعماقها إذا ما كانت ستندم على هذا القرار
في المحكمة سألهم القاضي عما إذا كانا متأكدين من المضي قدما في الطلاق فجاءت إجابة سيرين حاسمة وواضحة
نعم
كانت تلك الكلمة تحمل في طياتها الحزم والقوة مما أحبط ظافر وجعله يدرك أن الأمور بينهما قد وصلت إلى نهايتها
بعد تقديم دعوى الطلاق كان لزاما عليهما العودة إلى المحكمة خلال شهر لحضور جلسة الاستماع وإذا تخلفا عن الحضور فإن الدعوى ستعتبر ملغاة
حين خرجا من قاعة المحكمة نظرت سيرين إلى ظافر بوجه هادئ على نحو غير معتاد وقالت
سأراك الشهر المقبل اعتن بنفسك
ألقت كلماتها وهي تتهرب بنظراتها عنه ثم استقلت سيارة أجرة تلاشت بين غيمات المطر وغادرت
بقي ظافر واقفا في مكانه يتابع سيارتها وهي تبتعد دون أن يعي تفسيرا لإحساسه الآن ربما شعر بالارتياح
شعر بالارتياح لأنه لن يضطر لتحملها أكثر أو تحمل سخرية الآخرين لوجود زوجة معاقة لديه
في سيارة الأجرة استندت سيرين إلى النافذة وحدقت في قطرات المطر المتساقطة على الزجاج بلا تعبير
فجأة لاحظ السائق في المرآة الخلفية سائل أحمر يسيل من أذنها فصدمه المشهد وقال
آنسة آنسة!
هيهات لمن يتحدث! إنها بعالم آخر وعندما لم يأته ردا
أوقف السائق السيارة بعجالة
انتبهت سيرين عندما خفت اهتزاز المحرك فجأة وهي في حيرة من أمرها إنهم لم يصلوا بعد إذا لماذا توقف
نظرت إلى السائق ورأته يتكلم بصمت حينها أدركت أنها فقدت السمع مرة أخرى
آسفة لا أستطيع سماعك ماذا تقول
أخيرا نطقت تنفس السائق الصعداء وإذا به يضطر إلى كتابة ما يريد قوله على هاتفه ليخبرها عن حالة أذنها التي لاحظها
مدت سيرين يدها متأخرة بفتور وهي تشعر بالإحساس الدافئ على أذنها إذ اعتادت على ذلك
الآن
تتمتم وهي تحبس شفتها السفلى بين قواطعها تتمتم بحرج
لا بأس هذا يحدث معي دائما أنا بخير
رغم معاناتها من فقدان السمع لم يحدث لها نز يف بهذه الطريقة من قبل الأمر الذي
—
جعلها تشعر بالخزي كلما رآها أحدهم وهي على تلك الحالة
عاودتها الذكريات قبل عامين خلال تجمع بقصر آل نصران حيث دفعها طارق إلى حمام السباحة لم تكن سيرين تجيد السباحة وكادت أن ټغرق وفي الوقت نفسه تمز قت طبلة أذنها بسبب ضغط المياه وعلى الفور نقلت إلى المشفى ولكن الضرر كان قد حدث بالفعل
حين ذاك وعندما خضعت للفحص قيل لها أن كل شيء على ما يرام فلماذا يحدث هذا الآن
ظل السائق قلقا فأوصلها إلى أقرب مشفى كما طلبت وبعد أن شكرته دخلت سيرين من بوابة الطوارئ بمفردها وللصدفة كانت على علم بجميع مداخل ومخارج هذا الصرح الذي ترتاده دوما
هذه المرة التقت بطبيبها المعتاد تقول
دكتور ياسين ذاكرتي أصبحت سيئة جدا في الآونة الأخيرة أنسى دائما ما أفعله قالتها وقد استرجعت أحداث قريبة عندما استيقظت في الفندق هذا الصباح إذ استغرقت وقتا طويلا لتتذكر أنها يجب عليها أن تتقدم بطلب الطلاق من ظافر
نظر ياسين إلى تقريرها الأخير بقلق
السيدة تهامي أعتقد أنه يجب عليك التفكير في إجراء اختبار لأشياء أخرى على وجه التحديد مشاكل الصحة العقلية
الصحة العقلية!! أو كان ينقصها! ابتسمت سيرين بكسرة تومأ برأسها وهي تحاول كبح دمعاتها من الانحدار أمام ذاك الذي يرمقها بوله وأعينه تفيض بعشق محكوم عليه بالوئد
وبناء على توصية ياسين ذهبت سيرين للحصول على تشخيص نفسي وتبين أنها تعاني من اكتئاب حاد واكتشفت أن المرضى الذين يعانون من الاكتئاب الشديد غالبا ما يشتكون من فقدان الذاكرة
قبل أن تعود سيرين إلى الفندق توقفت واشترت دفترا وقلما وبدأت تكتب كل ما حدث مؤخرا ووضعت الدفتر بجانب سريرها ليكون أول ما تراه عند استيقاظها في الصباح
انتشر خبر طلاقها من ظافر بسرعة البرق وفي تلك الليلة اتصلت بها سارة مرارا وتكرارا لكنها لم ترد على اتصالاتها وعندما استيقظت في الصباح التالي وجدت مجموعة من الرسائل النصية من سارة
أين أنت
من تظنين نفسك حتى لو كنت ستحصلين على الطلاق كان ينبغي أن يكون ظافر هو من يطلب ذلك!
أنت حقا مصدر نحس! عندما تزوجت تعرض والدك لحاډث سيارة وتوفي ماذا سيحدث الآن بعد طلاقك هل تريدين أن تعلن مجموعة تهامي إفلاسها هل هذا كل شيء
حدقت سيرين في الرسائل فقد اعتادت الآن على الإساءة اللفظية وكتبت ردا مختصرا
أمي لقد حان الوقت لنعيش وفقا لمزايانا الخاصة لا ينبغي لنا أن نعتمد على الآخرين كثيرا
كان رد سارة سريعا
أنت حقا جاحدة للنعمة! لم يكن ينبغي لي أن أنجبك في المقام الأول!
لم تهتم سيرين بالرد على هذا الكلام بل
وضعت هاتفها جانبا فقد كانت تعلم أن عليها الانتظار فقط لمدة شهر وبمجرد انتهاء إجراءات الطلاق ستتمكن من مغادرة المدينة وبدء حياة جديدة حياة اختارتها هي بنفسها بعيدة عن الظلال الثقيلة التي خيمت على ماضيها
تدهورت صحة سيرين خلال الأيام القليلة التالية فأصبحت تجد نفسها في كثير من الأحيان صماء تماما وفي بعض الأحيان كانت قدرتها على السمع تستغرق وقتا طويلا حتى تعود إلى طبيعتها لم يكن الأمر مقتصرا على حاسة السمع فحسب بل كانت ذاكرتها أيضا تتدهور بشكل مقلق
ولكن على الجانب المشرق وعلى الرغم من أن فقدان السمع كان غير قابل للشفاء إلا أنها استطاعت على الأقل أن تفعل شيئا حيال الاكتئاب الذي كان يثقل كاهلها إذ جاهدت سيرين بكل ما أوتيت من قوة لإبقاء نفسها سعيدة فقررت الانشغال بالتطوع عبر الإنترنت وقضت معظم أوقاتها في رعاية المسنين والأيتام المهجورين وكان هذا العمل يمنحها شعورا بأن حياتها لا تزال ذات قيمة ومعنى
مرت الأيام وسيرين مستمرة في نمط حياتها الجديد وذات صباح استيقظت كعادتها وراجعت دفتر ملاحظاتها إذ كانت تستعد للخروج إلى دار الأيتام وذلك عندما لاحظت وجود العديد من الرسائل غير المقروءة على هاتفها فتحت الرسائل واحدة تلو الأخرى لتكتشف محتواها
أول رسالة كانت من سارة
كما أردت تماما أيتها الحمقاء مجموعة تهامي لم تعد موجودة
ثم جاءت رسالة من أخيها تامر
استمري في الاختباء أنت حقا الشخص الأكثر جبنا وقسۏة الذي رأيته في حياتي
وأخيرا كانت هناك رسالتان من دينا
أتقدم بخالص التعازي سيرين في الواقع أعتقد أن مجموعة تهامي ستزدهر بشكل أفضل تحت قيادة حبيبي ظافر ولكن نظرا لأن عائلتك ساعدتني كثيرا في الماضي فأخبريني إذا كنت بحاجة إلى أي شيء كي أساعدك إذا استطعت وختمت رسالتها بصورة متحركة لمهرج يخرج لها طرف لسانه
كانت سيرين مذهولة وغير مدركة لما يحدث وسرعان ما أغلقت تطبيق المراسلة وهي تشعر بالارتباك إذ تلقت إشعارا بأحدث الأخبار مما زاد من حيرتها وقلقها
ترى ما فحوى هذا الإشعار
عشق لا يضاهى تمصير أسماء حميدة
العاطفة 5
تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران كان المؤتمر إعلانا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة بالنسبة لظافر فها هو قد استحوذ على مجموعة تهامي وانتقم صفقت وهي تقهق بهيستيرا أقرب إلى الجنون حتى أدمعت عيناها واڼهارت باكية تجثو على ركبتيها في وضعية السجود تطرق الأرض بقبضتيها
لقد حصلت عائلة تهامي أخيرا على ما تستحقه لخداعك في زواج فاشل كهذا منذ ثلاث سنوات قالها طارق ضاحكا ولكنه غير الموضوع في اللحظة التالية وسأل ظافر
ظافر هل اقتربت منك سيرين خلال الأيام القليلة الماضية
تجمد ظافر بأرضه أثناء توقيعه على وثيقة ما ولم يكن يعلم السبب في شعوره هذا لكن الأشخاص من حوله ظلوا يذكرون سيرين كثيرا هذه الأيام
لا
أجاب ظافر ببرود صدم طارق الذي أخذ يفكر كيف استطاعت سيرين ألا تفعل شيئا عندما حدث لعائلتها شيء بشع بهذا الحجم لذا تحدث مرة أخرى
هل من الممكن أنها عادت إلى وعيها أخيرا لقد سمعت أن عائلتها تبحث عنها في كل مكان ولا أحد يعرف أين ذهبت
ومع استمرار طارق في الثرثرة عنها عبس ظافر وشعر بالانزعاج الشديد بعد أن هاجمه شعور غريب بالغيرة والفضول أيضا ولكنه قاوم أي إحساس يراوده عنها وهدر
بحزم ېصرخ على طارق مشيرا إلى باب مكتبه قائلا
طاااارق اخرج! والآن
ارتجف طارق عندما أدرك أن ظافر قد خرج عن السيطرة لذا لم يجرؤ على قول كلمة أخرى بل خرج مسرعا من مكتب الرئيس التنفيذي لأكبر مجموعة شركات بالشرق الأوسط وذلك بعد آخر المستجدات وإنهاء ظافر لغريمه الأوحد وهم مالكي سلسلة شركات آل تهامي التي أصبحت تحت سطوته الكاملة
وبمجرد خروج طارق أخذ هاتفه واتصل بمساعدته وفاء يسألها بصبر فارغ
هل وجدت سيرين
نعم إنها في فندق صغير في مدينة أجابت وفاء
في الاجتماع السابق أفصح طارق بكل جرأة عن صداقته مع دينا ولم يعد يكترث للحفاظ على صورة النبيل الذي ينتمي للطبقة العليا عندما اختار الانحياز ل دينا دون تردد وأهان سيرين بوصفها بالوقحة وانتهى به الأمر بأن ألقاها في المسبح حيث تركها تتصارع مع المياه حتى كادت أن ټغرق
منذ تلك اللحظة قررت سيرين الابتعاد عنه نهائيا
وبمجرد أن
—
وصل طارق إلى الفندق الذي تقيم فيه سيرين أوقف سيارته وفتح الباب وسار نحوها بخطوات ثابتة عندما وجدها تقف في ساحة النزل أمسك بذراعها بقبضة قوية وسألها بنبرة غاضبة
ما هي الحيل التي تخططين لها هذه المرة
شعرت سيرين پألم شديد في ذراعها فنظرت إليه بعينين تملؤهما الدموع وقالت
لا أفهم ما تقوله
حاولت أن تخلص ذراعها من قبضته لكنه دفعها جانبا بقوة
وصړخ طارق بصوت عال
لا تلمسيني بيديك القذرتين!
تعثرت سيرين للخلف وسقطت على الأرض بصوت مدو غتجمد طارق في مكانه مندهشا غير مصدق كيف أنها تلجأ لمثل هذه الحيل!! لقد دفعها بلمسة خفيفة فكيف يمكنها أن تسقط هكذا
بدأ الناس ينظرون نحوهم بفضول وريبة مما دفع طارق للعودة إلى سيارته وهو يشعر بالارتباك والتوتر
لكنه لم يغادر قبل أن يوجه إليها تحذيرا أخيرا بنبرة حادة
لا تقتربي من ظافر مرة أخرى لمجرد أنك معاقة يا سيرين! دينا تختلف عنك كليا لقد بذلت جهدا كبيرا للوصول إلى ما هي عليه الآن فلا تتسببي في إفساد علاقتها به!
ابتعد طارق بالسيارة بسرعة غير عابئ بما تركه من
فوضى خلفه ولدى وصوله إلى منزله أسرع بإبلاغ عائلة تهامي عن مكان إقامة سيرين وكأنه يريد إحكام السيطرة على حياتها حتى آخر رمق
أثناء سقوطها شعرت سيرين وكأن الزمن قد توقف وكأنها تهوي في بئر لا قاع له تتقاذفها أمواج الألم
كان طارق في مخيلتها مثل طائر جارح يحلق بلا وجهة تائه بين ظلمات نفسه أما هي فكانت تتشبث ببقايا الأمل تحاول أن تفهم كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذا العمى تجاه الحق
تذكرت سيرين اللحظة التي وضعت فيها حياتها على المحك لإنقاذه كيف كانت تهرول تحت المطر تتحدى العواصف غير مبالية بالخطړ المحدق بها وهي تحاول إخراجه من السيارة التي كانت على وشك الانفجار كانت عيناه حينها بالكاد ترى بعدما غطت الد ماء وجهه بالكامل وصوته الحنون وعدا لم ينفك يرن في أذنيها
شكرا لك وأعدك بأنني سأسدد لك الجميل يوما ما
لكن الآن وهي مستلقية على سريرها في الفندق تداعب الألم چروحها إثر سقوطها بعد دفعة طارق لها على الرصيف الأسفلتي تكتوي بمرارة الذكريات تساءلت بحزن وأسى ما إذا كانت هذه هي طريقتهم في تسديد الديون
خيبات الأمل والوعود الكاذبة
كانت الشمس تشع بنورها الساطع في الخارج عندما استيقظت سيرين بعد أن أجبرتها عائلتها على العودة إلى منزلهم نهضت متثاقلة وتوجهت إلى غرفة المعيشة حيث وجدت سارة جالسة على الأريكة مرتدية فستانا رسميا تظهر وكأنها غير مبالية بوقت استيقاظ سيرين المتأخر
لم تبد سارة أي اهتمام بأن سيرين قد استيقظت للتو بل التقطت وثيقة من على طاولة القهوة وناولتها لسيرين بحزم تقول
ألق نظرة جيدة على هذه إنها الخطة الاحتياطية التي أعددتها لك
تناولت سيرين الوثيقة بيد مرتجفة وعيناها تتجولان على عنوان تلك الكومة من الأوراق وكان كالتالياتفاقية ما قبل الزواج بدأت سيرين تتصفح ورقة تلو الأخرى وهي تقرأ المحتويات بصوت مرتجف
ستتزوج السيدة سيرين تهامي السيد خليل الباسل وباعتبارها زوجته ستكرس نفسها له وتعتني به حتى نهاية حياته كما سيتولى السيد خليل
رعاية أسرة سيرين بما في ذلك الحفاظ على جودة ورفاهية حياتهم وسيقدم 300 مليون دولار كأموال لعائلة تهامي
واستمرت الوثيقة في سرد تفاصيل حياة خليل الباسل بما في ذلك أنه رجل أعمال من الجيل الأكبر سنا ويبلغ من العمر 78 عاما
كان عقل سيرين يدور بتوتر تلتهمها الأفكار المتناقضة في تلك اللحظة قطعت سارة الصمت بصوتها الجاف مردفة
لقد أعرب السيد خليل عن عدم اعتراضه على زواجك من قبل كما أنه سيساعد في إحياء سمعة عائلتنا من الرماد طالما ستقبلين الزواج منه هيا يا عزيزتي لن تخذليني أنا وتامر أليس كذلك
شحب وجه سيرين أكثر وقالت بصوت يكاد يختفي
لا أستطيع الموافقة على ما تطلبينه مني
لم تتوقع سارة أن ترفض سيرين طلبها صراحة فاشتعلت ڠضبا على الفور
بأي حق ترفضين لقد منحتك الحياة!
نظرت سيرين إلى سارة بتحد وقالت
ماذا لو أعيد إليك حياتي هل يعني هذا أنني لم أعد مدينة لك بشيء
ماذا قلت صړخت سارة
تحركت شفتا سيرين الشاحبتان ببطء عندما قالت
إذا أعدت حياتي إليك فهل يعني هذا أنك لن تكوني أمي بعد الآن ولن أكون مدينة لك لأنك ولدتني
سخرت سارة بتهكم غير مصدقة أن سيرين قد تجرؤ على مثل هذا التحدي
حسنا إذا لن أجبرك على الزواج من السيد خليل إذا أعدت لي حياتك لكن السؤال هو هل لديك الشجاعة للقيام بذلك
أعطني شهرا قالتها سيرين مصممة وهي تلفظ هذه الكلمات بحزم
في عيون سارة بدت سيرين وكأنها شخص مچنون فحذرتها قائلة
من الأفضل ألا تهددني بالقول
فقط إنك ستنهي حياتك نحن لسنا قريبين إلى هذا الحد أنا لم أشعر نحوك بشعور أمومة قط بل كنت لي مصدر إزعاج وحرج وسط الجميع لذا لا يهمني إن مت ومع ذلك يجب عليك التوقيع على هذه الوثيقة إذا كنت خائڤة من إنهاء حياتك أيتها الجبانة
كانت سيرين قد قمعت كل مشاعرها إلى أقصى حد وكانت بحاجة إلى التنفيس عن نفسها في مكان ما لذا قررت أن تعيش حياة ظافر الصاخبة سترتاد نفس الأماكن التي يرتادها ستقوم بكل فعل سيء لما تقدم على
في تلك اللحظة لاحظ رجل وسيم ذو عيون مذهلة سيرين التي كانت وحيدة تماما اقترب منها وسألها
سيرين
حدقت سيرين في الرجل لكنها لم تتعرف عليه وظلت في ذهول فسألته
هل تعرف كيف يمكن للمرء أن يحقق السعادة
كان الرجل في حيرة من أمره فتناوب سؤالها
ماذا قلت
واصلت سيرين الشرب وهي تتحدث بسكر
يقول الطبيب إنني مريضة ويجب أن أحاول أن أكون أكثر سعادة لكنني لا أستطيع أن أجعل نفسي أشعر بالسعادة
أثار ذلك انزعاج الرجل وتساءل عما إذا كانت سيرين قد نسته كما شعر بالارتباك إزاء ما قالته شيئا عن المړض والحاجة إلى أن تكون أكثر سعادة فتمتم يقول باهتمام بالغ
لا ينبغي لك أن تكوني في مكان كهذا إذا كنت تريدين السعادة لماذا لا أقوم بتوصيلك إلى المنزل تحدث كارم بنبرة لطيفة
ابتسمت سيرين وهي تنظر إليه وقالت
أنت شخص طيب
تغلغلت مشاعر متشابكة في قلب
كارم حينما لمح ابتسامتها الحزينة وتساءل في نفسه عن مصاعب السنين التي عاشتها ولماذا تعكس نظرتها كل هذا الألم
في هذه الأثناء كان ظافر يجلس في البار أيضا وذلك بعد أن تم إنهاء إجراءات الطلاق فلقد اعتاد أن يقضي لياليه في البارات مستمتعا بوقته ككل ليلة ولم يعد إلى قصره منذ فترة طويلة
أصبح الوقت متأخرا حينما بدأ الحشد في المغادرة وفجأة كانت لصالح إحداهن وذلك عندما رأت دينا وجها مألوفا في ركن الحانة فهتهف
أليست هذه سيرين
تبع ظافر نظرتها ليجد رجلا يتحدث بمرح مع سيرين فتغيرت ملامح وجهه على الفور وشعر بخيبة أمل عميقة تجاه سيرين لأنها تشرب في حانة وتتحدث مع رجل آخر هز رأسه برفض يحاول الاستفاقة عله قد فقد وعيه إثر المشروب وتهيأت له هنا أيضا بعدما كان يجاهد بأيام مضت كي يبعد خواطره من استدعاء صورتها كان ظافر يعتقد أنه عرفها جيدا ولكن وجودها في مكان كهذا
—
تتسامر بود مع أحدهم زعزع ثقته المزعومة بها
هل ينبغي أن نذهب إليها ونتحقق من الأمر يا ظافر سألته دينا بخبث
لا أجاب ظافر ببرود قبل أن يخرج من الحانة بسرعة كمن لدغه عقرب
في المقابل رفضت سيرين عرض كارم وقالت
لا داعي للقلق يمكنني العودة إلى المنزل بمفردي
لكن كارم الذي كان لا يزال قلقا بشأنها تبعها خارج الحانة يهتف قائلا
ألا تتذكريني حقا
نظرت إليه سيرين بعينين مشوشتين خاليتين من التركيز ولم تستطع أن تسترجع هويته فبادرها يقول
أنا كارم الحسيني هل نسيتني حقا حاول كارم تذكيرها
حينها فقط تذكرت سيرين صديقها كارم الذي عرفته عندما كانت تعيش مع فاطمة في الريف آنذاك كان كارم أكثر بدانة وأقصر قامة لكن الآن بطوله الذي يبلغ ستة أقدام وبوصتين بدا أكثر وسامة
أوه تذكرت الآن! لقد تغيرت كثيرا لم أتعرف عليك! قالتها سيرين بابتسامة خفيفة
كان لقاء صديق قديم أمرا ممتعا ولكن الابتسامة الباهتة على وجه سيرين أزعجت كارم
تعالي سأوصلك إلى المنزل قالها كارم بحنان
عندما وصلوا إلى هناك بعد أن طلبت منه
سيرين أن يقلها إلى النزل البسيط الذي كانت تسكنه حتى ليلة أمس صدم كارم عندما اكتشف أنها تعيش في فندق متهالك كهذا فتململت سيرين تقول بخجل
آسفة إنه ليس مكانا رائعا من فضلك لا تخبر فاطمة أنني أعيش في مثل هذا المكان لا أريدها أن تقلق
أومأ كارم برأسه متفهما ولما كان الظلام قد أسدل ستائره وبدت الحكمة تقتضي بعدم بقاءه لمدة أطول لذا ودع سيرين ووعدها بزيارتها في اليوم التالي
غادر كارم الفندق ولكنه لم يلحظ السيارة السوداء اللامعة من طراز مايباخ التي كانت متوقفة في زاوية مظلمة تحت الفندق
وبعد رحيل كارم شعرت سيرين بدوار شديد واضطراب في معدتها بسبب الإفراط في الشرب
وفجأة دوى صوت طرق عڼيف على الباب الذي فتحته سيرين ببطء وقبل أن تتمكن من استيعاب الموقف أمسك ظافر بمعصمها بقوة جعلتها تشعر أن عظامها ستسحق بين أصابعه
في تلك اللحظة صړخ ظافر پغضب جامح
لقد جعلتني أراك بعين جديدة سيرين! ثم دفعها پعنف إلى داخل الغرفة وأغلق الباب خلفه
قادها بقسۏة نحو الأريكة يدفعها بنفور وتكلم بسخرية مريرة
إذا لقد قررت بالفعل العائلة التي ستتزوجين منها بعدي كنت أحمق عندما ظننت أنك لن تتخلي عني بهذه السهولة!
كان صوته مثل نصل حاد يخترق روحها هزت سيرين رأسها بتشوش وللآن لم تفهم سبب وجوده ولم تكن تعرف كيف رأى كارم
في تلك اللحظة تلاقت أعينهما كانت عيناه مشټعلة بالڠضب والغيرة بينما عيناها ظلتا تائهتين بين الحيرة والخۏف ظافر الذي اعتاد على رؤيتها هادئة تدعي اللامبالاة والقوة رأى الآن ضعفا لم يعهده فيها ضعفا أثار في داخله مزيجا من الشفقة والسخط
في هذه الأثناء بدا كل شيء وكأنه يتحرك ببطء شديد تلاقت أنفاسهما الدافئة مع العواطف الجياشة وتحولت الغرفة إلى ساحة معركة بين الحب والكراهية بين الثقة والخېانة
سيرين بعيونها اللامعة وقلبها المتسارع لم تستطع النطق بكلمة واحدة كانت كل كلمة تحاول الخروج من شفتيها تتعثر في حلقها كأنها تخشى أن تزيد الوضع سوءا
ظافر الذي كان يمسك بمعصمها بقوة شعر بالشرارة التي كانت تحترق بينهما تلك الشرارة التي لم تنطفئ أبدا بالرغم من كل ما حدث شرارة تجمع بين الحب العميق والكره الدفين بين الأمل واليأس
وبينما كانت المشاعر تتلاطم بينهما كان كارم بعيدا غافلا عن تلك المعركة التي كانت تدور في قلب سيرين وروحها
أصابها الذهول للحظات معدودة فقط وبمجرد أن استيقظت من صډمتها ألقت نظرة غاضبة على ظافر متجاهلة تماما تفسير ما حدث له
احمرت عينيها وقالت بنبرة مشوبة بالأسى
أنت وأنا لسنا مختلفين كثيرا عن بعضنا البعض
كانت عائلة تهامي قد خدعت ظافر ليتزوج من سيرين ومع ذلك ظل ظافر يعاملها ببرود طوال ثلاث سنوات بينما بقي متعلقا بحبه الأول
لم يكن ظافر ولا سيرين أفضل من الآخر
كان ظافر قد تناول بعض من المشروب أيضا ففاحت منه رائحة كريهة
احمرت عيناه وقبض على ذقن سيرين وتحدث بصوت منخفض وحاد
من هو متى التقيتما
كانت تلك المرة الأولى التي تراه فيها سيرين يتصرف بهذه الطريقة فضحكت فجأة وقالت
أوه ظافر يغار! لا أصدق ما أسمع!!
تغيرت نظرات ظافر الولهة إلى التوتر وهو يسخر قائلا
أنت لا تستحقين سيرين قطعا لا أغار عليك
شعرت سيرين بالاختناق وفي هذه اللحظة انحنى ظافر بغطرسة واستمر في استجوابها وعلى ما يبدو أنه لم ينتهي منها بعد إذ هدر فيها قائلا من بين شفاهه المزمومة
هل لمسك بالفعل هاه
خلال السنوات الثلاث من زواجها تخلت سيرين عن عملها ورفضت مقابلة أصدقائها عندما دعوها للخروج من حين لآخر
لقد فعلت ذلك امتثالا لقواعد عائلة نصران
ولكن الآن أصبح ظافر يشك فيها
غمر الارتياح سيرين في تلك اللحظة وسألته
ماذا تعتقد
أثار هذا ڠضب ظافر تماما
الفصل السادس
شعرت سيرين وكأن الد م في عروقها يتجمد لم تصدق ما يحدث حولها كان كل جزء منها ېصرخ بالرفض ولكن جسدها خذلها ومحاولاتها للمقاومة بدت عبثية وعديمة الجدوى
في تلك اللحظات لم يكن في مخيلتها سوى صورة ظافر تتسيد عقلها كأنما بات هو محور عالمها القاسې
وصلت ضراوة المشهد إلى ذروتها وريثما بدأت ألوان الفجر المتلألئة تشرق في السماء نظر ظافر إلى سيرين فلم ير فيها سوى كيان منهك لا يقوى على إبداء أي رد فعل إنها مجرد جلد وعظام ضاعت الكلمات من بين شفاهه تلك الكلمات التي من الممكن أن تصف مشاعره المتضاربة مشاعر لم يكن هو نفسه قادرا على فهمها
في هذه اللحظة التي امتدت وكأنها دهر رفعت سيرين يدها لتصفع وجهه الوسيم بلطمة قوية كانت تعبيرا عن كل آمالها وأحلامها المکسورة في حبه الغاشم فكانت تجسيدا لكل مشاعرها الممزقة
كان نبض قلبها يدوي في أذنيها غامرا كل الأصوات من حولها فلم تسمع ما كان ظافر يتفوه به من حديث هم بقوله لتخفيف وقع ما حدث فقاطعته بصوت متهدج ومتحشرج
اخرج!
غادر ظافر المكان وهو في حالة من الشرود لم يستطع إدراك كيف تركها خلفه تنفيذا لرغبتها إذ كان عقله مشغولا بتفاصيل تلك الليلة العاصفة وكل ما حملته من معاني وآلام
عندما استقل ظافر سيارته انطلق في طريقه واتصل بماهر قائلا
أريد معرفة كل الرجال الذين يعرفون سيرين
شعر ماهر بالحيرة سيرين لم تتواصل مع رجل قط حتى ظافر لم تحاول التقرب إليه إلا بعد زواجهما فكيف لها أن تعرف رجالا آخرين
في حوالي الساعة التاسعة صباحا جاء كارم محملا بوجبة الإفطار لكنه لم يلحظ غرابة تصرفات سيرين فتمتم يقول بتردد
أوه نسيت أن أخبرك أن لدي وحدة إضافية
في شقتي يمكنك الانتقال إليها فمن غير الآمن أن تعيش امرأة بمفردها في شقة أو غرفة الفندق
هزت سيرين رأسها برفض قاطع كونها لا تكن ترغب في أن تدين له بمعروف فالديون من هذا النوع قد يصعب ردها
كان كارم يدرك أنها سترفض فقال
الوحدة فارغة على أي حال علاوة على ذلك أنا لن أطلب منك رسوم إيجار للانتقال إليها
ردت سيرين بعد تفكير
لكنني لن أعيش هناك أكثر من شهر واحد على الأكثر
شهر واحد مناسب أيضا فهو أفضل من ترك الوحدة فارغة وغير
—
مستخدمة أجاب كارم مبتسما
لم يستطع أن يفهم لماذا قالت إنها لن تمكث هناك سوى شهر واحد بينما المستقبل أمامها واسع الأفق لكن على أية حال اصطحبها بسيارته إلى منزله
كانت سيرين لا تحمل سوى حقيبة سفر بسيطة
وعندما جلست في المقعد الخلفي غمرتها ذكريات الطفولة مع كارم الذي بدأ يخبرها عن أحداث حياته في السنوات القليلة الماضية
كارم الذي غادر البلاد بعد تخرجه من المدرسة الثانوية عمل بدوام جزئي أثناء دراسته في الخارج ولكنه لاحقا أسس شركته وهو في سن العشرين وأصبح الآن يعد من رجال الأعمال الأثرياء
بينما كانت سيرين تستمع بشغف لتجاربه الحياتية الغنية كانت تفكر في حياتها الخاصة فبعد تخرجها تزوجت من ظافر وأصبحت ربة منزل
امتلأت عيناها بالإعجاب وهي تنظر إلى كارم قائلة
أنت مذهل
ابتسم كارم وقال
أنت أيضا لست سيئة كنت أتابع أخبارك بعد مغادرتك القرية لقد كنت حديث الصحف والأخبار بعد فوزك بالمركز الأول في مسابقة البيانو للشباب كما شاركت في مسابقة غناء أليس كذلك كنت أعشقك في ذلك الوقت
لم يخبرها أن حياته في الخارج أثناء الدراسة لم تكن مثالية فقد اكتسب عادات سيئة وترك نفسه للضياع
كان الأمر كذلك حتى رأى سيرين في الأخبار كانت تلك التقارير الإخبارية بمثابة أشعة الشمس الدافئة تشرق عليه وتشجعه على الوقوف على قدميه مرة أخرى
أدركت سيرين أنها قد تناست أيام مجدها تقريبا حتى أعادها كارم إلى ذاكرتها
بسرعة أنزلها كارم عند باب الوحدة وقبل أن يغادر ابتسمت سيرين وقالت بامتنان
شكرا لقد فقدت تقريبا رؤية من كنت عليها في السابق
بعد عودتها إلى المنزل تأملت سيرين في التقويم وأدركت أنه لم يتبق سوى عشرة أيام حتى الخامس عشر من مايو الموعد الذي كان عليها فيه أن تنهي إجراءات الطلاق وتذكرت أيضا وعدها لسارة
في أحد الصباحات المبكرة خرجت سيرين لتشتري جرة وبعد ذلك ذهبت إلى الاستوديو حيث التقطت صورة تذكارية بالأبيض والأسود لنفسها بينما كان طاقم الاستوديو يلتقط صورا لتعبيراتها الغريبة
بعدما أنهت سيرين كل هذا نظرت بذهول إلى النافذة أثناء رحلة العودة بالسيارة إلى المنزل في تلك اللحظة تلقت مكالمة من فاطمة التي أردفت تقول
سيرين لماذا حولت إلي هذه الأموال سرا أنا لم أستخدم الأموال التي أرسلتها سأدخرها لك حتى تتمكني من استخدامها متى أردت بدء عمل تجاري أو
كانت سيرين تخفي الأموال في حساب فاطمة المصرفي ومع ذلك لم تكن فاطمة بحاجة إلى هذا القدر من المال لأنها كانت تعيش في الريف لذا فقد احتفظت بكل جنيه
بعد سماعها لشكوى فاطمة بدأت سيرين في البكاء دون أن تدرك ذلك ثم قالت
هل يمكنك أن تحتضنيني وتأخذيني إلى المنزل كما فعلت عندما كنت طفلة يا فاطمة
كانت فاطمة في حيرة بسبب حالة سيرين المزرية
وأضافت سيرين
سأعود في الخامس عشر من الشهر أريد منك أن تأتي وتأخذيني إلى منزلنا
لم تفهم فاطمة لماذا كان عليهم الانتظار حتى اليوم الخامس عشر للقيام بذلك ولكنها ردت قائلة
حسنا سأوصلك إلى المنزل في اليوم الخامس عشر
على مدى الأيام القليلة الماضية استمر المشفى في إرسال رسائل
إلى سيرين يطلبوا منها العودة لإجراء فحص متابعة ومع ذلك رفضت سيرين بأدب كل تلك الرسائل إنها قد قررت بالفعل إنهاء حياتها لذلك لم تكن تريد إضاعة الوقت
راجعت سيرين حسابها المصرفي الذي كان لا يزال يحتوي على أكثر من 100 ألف دولار وفي حال أن ټوفيت خططت لترك الأموال لفاطمة كصندوق تقاعد
استمر هطول الأمطار على المدينة خلال الأيام القليلة الماضية في هذه الأثناء ظل كارم يزورها كثيرا ودوما ما كان يجدها تجلس بمفردها على الشرفة غارقة في أحلام اليقظة كما أدرك أن صممها قد تفاقم إذ كانت سيرين تفشل في كثير من الأحيان في ملاحظة طرقه على الباب
بعد يوم طويل في مجموعة نصران اعتاد ظافر أن يتفقد هاتفه بحثا عن أي جديد ولكن كما المتوقع مؤخرا لم يجد رسالة واحدة من سيرين
شحب بريق عينيه للحظة وكأن الهاتف صار أثقل مما تقوى يمينه على حمله وبينما كان على هذه الحالة غارقا في أفكاره طرق ماهر الباب ودخل بهدوء يحمل خبرا لا يمكن تجاهله
لقد وجدناه سيد نصران الرجل يدعى كارم الكيلاني وعلى ما يبدو أنه كان صديق طفولة السيدة تهامي
انتفض ظافر مطيحا بمقعده وهو يلكم قبضته بالأخرى في حالة هياج شديد إذ لم يكن هذا الاسم مألوفا فلطالما ظن أنه كان صديق طفولة سيرين الوحيد
لكن ماهر واصل الحديث متوجسا وكأنه يزيل الغموض
ببطء
كارم التقى بالسيدة سيرين عندما كانت تعيش في الريف يبدو أن علاقتهما تعود إلى زمن أبعد مما كنت تتصور
ارتسم عبوس واضح على ملامح ظافر بينما ظل يتخيل وجه كارم وشيطانه هيأ له هذا الشخص المجهول بالنسبة إليه كمزيج من الوسامة والثقة عند هذه الخاطرة التي رسمت ملامح كارم بمخيلة ظافر شعر وكأن هذا ال كارم ټهديد صامت لكل ما يظنه ظافر ثابتا في حياته
قطع ماهر شروده قائلا
السيد شوقي لا يزال ينتظرك بالخارج
رد ظافر ببرود دون أن يرفع عينيه
أخبره أنني مشغول بأمر آخر اليوم
شعر ماهر بالتشوش والارتباك حيال رب عمله فظافر لم يعد يقضي الوقت كعادته مع طارق وأصدقائه الأثرياء فما الذي تغير فجأة
لم يمر الكثير وها قد غادر ظافر مكتبه مستقلا المصعد الخاص به متجها إلى موقف السيارات القابع تحت الأرض أسفل ممر شركته الفخمة
وهناك ظل ظافر جالسا خلف عجلة القيادة يقاوم إحساس بداخله يفتقدها وبشدة ومن ثم انطلق نحو الفندق الذي تقطنه قامعا أي ذرة تعقل تحسه بألا يفعل على أمل أن يجد سيرين ولكن المفاجأة كانت في انتظاره فقد قيل له إنها غادرت الفندق منذ أيام
شعر بالإحباط يثقل صدره وكأن شيئا ما يتهاوى داخله فأخرج هاتفه مجددا وبدأ يتصفح قائمة الأسماء كان على وشك الاتصال ب فاطمة للحصول على مزيد
من التفاصيل لكن رنين هاتفه قاطعه وكان المتصل هي دينا
ما الأمر سألها بصوت جاف
سمعت من السيدة سارة أن سيرين تستعد للزواج
في طرفة عين اتسعت حدقتاه وضاقتا في آن واحد وكأنما عقله يحاول استيعاب العبارة التي سقطت كالصاعقة عليه زواج
الكلمات دوت برأسه لكنها لم تجد لها مكانا بين ما يعرفه عنها وما سمعه توا وقلبه حائر بين أذن كادت أن تصم من وقع صډمته وما يريده توا لقد اشتاقها
في صباح خريفي يختلط فيه دفء الشمس بنسمات باردة كانت دينا تسير بخطوات مترددة تفوح منها المؤامرة نحو منزل سارة بعد مقابلة طويلة تركتها في حيرة وارتباك شعرت بحاجة ملحة لتواجه الحقيقة التي تلوح في الأفق
عند وصولها لم تكن سارة وحدها كان تامر هناك أيضا يتبادلان الحديث بخفة غير مدركين للڠضب الذي يعتمل في داخل دينا
في تلك اللحظة الحاسمة اكتشفت دينا مؤامرتهم خطة محكمة لإجبار سيرين على الزواج من رجل مسن مقابل مبلغ خرافيثلاثمئة مليون دولار
بينما كانت الحقيقة تنكشف كان قلب دينا يغلي كالمرجل فبالرغم من كرهها لسيرين إلا أنها لا ترغب في إتمام تلك الزيجة كونها لا تريد أن
—
تنعم غريمتها بمال ثري گ خليل
حاولت دينا الاتصال بظافر الشخص الوحيد الذي قد ينزع سيرين من هذا المصير المفروش بورود من الثراء الفاحش لكن هاتفه ظل صامتا كأنه أعلن تخليه عن العالم بأسره
وعندما طال صمته ليصبح عبئا لا يحتمل أضرمت دينا الڼار في قلب ظافر وأرسلت له رسالة نصية وكأنها تحاول أن ټحرق معها نياط نابضه
سارة أخبرتني أن سيرين طالبت بثلاثمئة مليون دولار قبل الموافقة على الزواج من خليل! هل يعقل أن تكون قد تحولت إلى إنسانة بهذه القسۏة والجشع أرسلتها دينا ملحقة بتعبير كرتوني كي تبدو غير مصدقة وزادته من الشعر بيتا بأن تبعتها برسالة أخرى على لسان تامر أخوها لسيرينأضافتضيف بتهكم
أوه أتعلم أنها طلبت من خليل إقامة حفل زفاف أولا دون تسجيل الزواج رسميا لأنها تعلم جيدا أنها لا تستطيع الزواج مجددا بشكل قانوني طالما أنكما لا تزالان في فترة ما قبل انتهاء الطلاق
في تلك الأثناء كانت سيرين غارقة في وهم من الهدوء الهش لم تكن تعلم أن سارة وتامر تجاهلا مطالبها وواصلوا ترتيبات خطوبتها وكأن كلماتها لم تكن أكثر من همسات تذروها الرياح حتى ذلك اليوم الذي وصلت إليها فيه رسالة من سارة قلبت عالمها رأسا على عقب وكان فحواها
السيد خليل حدد موعد الخطبة الخامس عشر من هذا الشهر أمامك أربعة أيام فقط استعدي جيدا وأريدك أن تكسبين قلب زوجك المستقبلي هذه المرة هل فهمت
قرأت سيرين الرسالة وعيناها مليئتان بالحيرة والصدمة وفي داخلها امتزجت مشاعر متناقضة بين الڠضب والانكسار المشوب بالرفض لم يكن هذا مجرد يوم عابر في
حياتها كان اليوم الذي ستودع فيه فاطمة أمها التي لم تنجبها بل واليوم الذي ستضع فيه أيضا نهاية لعلاقتها بظافر رسميا
لكن الأقدار لعبت لعبتها القاسېة ذلك التاريخ الذي اختارته لإنهاء حياتها اختير أيضا ليكون بداية لكابوس جديد
الخۏف من النسيان دفعها لتدوين تفاصيل تلك الأيام في دفتر ملاحظاتها وكأنها تحاول أن تحتفظ به في ذاكرتها خوفا من الضياع
جلست سيرين في غرفتها الصامتة وأمسكت بالقلم وراحت تكتب وصيتها تدفقت الكلمات بصعوبة وكأنها تعكس ثقل قلبها وبعد أن انتهت وضعت الرسائل التي خطتها إلى فاطمة وكارم تحت وسادتها ثم أغلقت عينيها تنتظر يوم الغد وما يحمل بين طياته من أقدار غامضة
إنه الرابع عشر من شهر مايو يوم كئيب لا دفء به وكأن السماء قد أرادت أن تفرغ ما في جعبتها من حزن متراكم إذ انهمرت الأمطار بغزارة بعد ثلاثة أيام من السكون الثقيل
كان هاتف سيرين مستقرا على طاولة القهوة يرن بلا توقف اسم سارة يضيء الشاشة مرارا وتكرارا وكأن إلحاحها كان يناديها أكثر من صوت رنين الهاتف نفسه واتتها رسائل من تلك الجاحدة التي كانت تسألها عن مكانها بل وتتوسل حضورها فغدا سيقام حفل الخطبة وبالطبع كانت سارة تريد عودة سيرين إلى المنزل حيث كل شيء جاهز لاستعدادها للارتباط ب خليل لكن سيرين لم تجب لا على المكالمة الأولى ولا العشرين ولا
حتى على رسائل سارة النصية فقد كانت تتجنب الحديث وكأن الكلمات وحدها قد تجرها إلى واقع لا تريده
في ذلك اليوم ارتدت سيرين فستانا أرجوانيا بدا وكأنه يحاول إحياء ألوانها الشاحبة زينت وجهها بمكياج خفيف لكن عينيها الخاويتين ظلتا تفضحان روحا منهكة
وقفت سيرين أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها الذي بدا وكأنه صورة ضبابية من الماضي
تذكرت يوم زفافها ب ظافر في مشهد معاد نفس النظرة نفس الشحوب نفس الشعور كانت اللحظة مشبعة بذكريات ټخنقها أكثر مما تعزيها
بعد أن سحبت سيرين نفسا عميقا خرجت من المنزل دون تردد واستقلت سيارة أجرة وهي لا تعرف وجهتها بوضوح لكنها وجدت نفسها أمام المقاپر
زفرت سيرين أنفاسها الضائعة تتأمل بتيه المطر الذي ما زال يهطل غزيرا باردا حملت مظلتها ونزلت بخطوات بطيئة وكأنها تخشى خطاها على الأرض أكثر من مواجهة المۏت نفسه
تقدمت نحو قبر والدها ووضعت وردة بيضاء أمام شاهده الرخامي ووقفت للحظات صامتة كأنها تنتظر أن يبدأ هو بالكلام
أبي همست بصوت متهدج كأن الكلمات تثقل عليها أكثر من المطر
الرياح تعصف من حولها تختلط بصوت أنفاسها المتقطعة ونقر قطرات المطر على المظلة كان هو الصوت الوحيد الذي يكسر السكون
أنا آسفة قالت بصوت مبحوح وهي تشعر بالبرد يحف قلبها قبل جسدها
لم أكن أرغب في المجيء إلى هنا لكنني لم أجد مكانا آخر
أهرب إليه أعترف أنني جبانة أبي إنني خائڤة من مواجهة الحياة وحدي لهذا السبب جئت إليك يمكنك
الصړاخ في وجهي إن أردت لن ألومك
ثم جلست بجانب القپر تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحتمي من كل ما يطاردها ظل المطر يغمرها بفيض ولكنها لم تفرق بين قطراته ودموعها
صمت السماء يناديها وسيرين تواجه حطامها الداخلي
فتحت سيرين هاتفها بيدين متوترتين وكأنها تفتح بوابة إلى واد من الأشواك
أخذت نفسا عميقا وبدأت تقرأ كل رسالة نصية وردتها من سارة رسائل كانت أشبه بخناجر مسمۏمة تنغرس في روحها واحدة تلو الأخرى
سيرين! هل تظنين أن بإمكانك الهروب من الحقيقة إلى الأبد لقد أخذ أخوك المال بالفعل من السيد خليل السيد خليل ليس مجرد رجل عادي تعقلي فلديه سبل ووسائل لتحصيل ما يريد هل تعتقدين أنه سيتغاضى عن الأمر
من الأفضل أن تظهري الحكمة وتوافقي على الزواج منه غدا كفتاة مطيعة فهذا أفضل من أن يجبرك على ذلك بالقوة بعد أن يعثر عليك! الشخص الحكيم دائما ما ينحني للعواصف ليحمي نفسه من الانكسار
انتهت سيرين من قراءة الكلمات التي تساقطت على قلبها كالجمر وأغمضت عينيها للحظة طويلة وكأنها تبحث عن ذرة شجاعة بين حطامها
لم تجد سيرين ما ترد به على سارة سوى رسالة مليئة بالأسى
لا أريد العودة إلى المنزل الآن يمكنكم أن تأتوا غدا لتأخذوني من الضواحي الغربية سأنتظركم أمام قبر أبي
لم تكترث سارة كثيرا برسالة ابنتها إذ ظنت أن سيرين قد استسلمت أخيرا فلم تكلف نفسها عناء الرد لكن الحقيقة كانت مختلفة سيرين لم تكن مستسلمة بل كانت تحاول أن تلتقط أنفاسها الأخيرة من السلام وسط عاصفة حياتها جلست في صمت تتأمل كل شيء مرت به في الآونة الأخيرة غادرها النهار بلوم وكأنه شريط قديم يتكرر بلا صوت ومع حلول الليل أخرجت سيرين من حقيبتها تمثالا خشبيا صغيرا نحته لها والدها عندما كانت طفلة كان التمثال أشبه بمرآة تعكس وجها غاب عنه الفرح منذ زمن احتضنته كمن يحتضن ذكرى أصبحت رمادا وحمت جسدها النحيل من المطر الذي بدأ يتساقط بغزارة وكأن السماء تبكي معها ناعية حظ تلك المسكينة
كانت الثواني ثقيلة أشبه بالدقائق والدقائق مرت كساعات حتى دقت ساعة منتصف الليل وكأنها تعلن عن دخولها عتبة أخرى من الألم لقد أصبح الخامس عشر من مايو حقيقة جاء ومعه مرارة تشكلت بحلقها تزداد كلما نظرت إلى السماء المظلمة التي بدت بلا نهاية
عند الثالثة صباحا مدت سيرين يدها المرتجفة إلى حقيبتها وأخرجت زجاجة صغيرة من الحبوب تنظر إليها
—
بعينين غائمتين وكأنها ترى في كل حبة منها نهاية لمعركة خاضتها وحدها مع عالم لم يترك لها خيارا
الفصل السابع
في قصر عائلة نصران حيث تسكن الفخامة بملامحها الصاړخة وتنطق الجدران برائحة الزمن العتيق استلقى ظافر بجسده المنهك على أريكة غرفة المعيشة الواسعة تلك التي تحمل بين أنسجتها عبق الأيام وذكريات العائلة
عاد للتو إلى المنزل منهكا بعد يوم شاق زفر پاختناق وكأنه يحمل أثقال العالم على كتفيه لم يكلف نفسه عناء تشغيل الأضواء ربما لأن العتمة كانت أكثر توافقا مع فوضى أفكاره
بيده المرتجفة راح يدلك صدغيه في محاولة منه لتخفيف ما علق برأسه من أوجاع عيناه مغمضتان وصدره يعلو ويهبط وكأنما يحاول إفراغ ثقل ما بداخله مع كل زفير
الوقت يمضي والصمت يخيم لكن فجأة انقلب سكون اللحظة على أعقابها وانفتحت عيناه دفعة واحدة وكأنهما استجابتا لنداء خفي اخترق أحلامه المجهدة
استفاق ظافر بجسد مشدود كوتر عود ونبضاته تتسارع كمن يركض هاربا من خطړ غير مرئي كابوس آخر زاره في نومه لكنه لم يكن كسابقه كان كابوسا مشحونا بملامح وجه واحد فقط سيرين تلك الملامح التي باتت تطارده في يقظته كما تطارده في أحلامه
كانت الرؤية غريبة غامضة كمشهد مسرحي من عالم آخر يعرض خصيصا له حاول أن يستجمع أنفاسه أو يفسر ما حدث لكن عقله كان عالقا في تفاصيل الحلم أو بالأحرى في تفاصيل سيرين تلك التي أصبح حضورها أشبه بشبح لا يريد الرحيل
لم يستطع ظافر أن يستوعب الحلم الذي أيقظه في منتصف الليل ذلك الکابوس المروع الذي رأى فيه مۏت سيرين شعور ثقيل بالخۏف تسلل إلى صدره وكأن الحلم كان أكثر من مجرد صورة عابرة من عالم اللاوعي بدا أشبه بنبوءة غامضة مشحونة بواقعية مرعبة
مد يده المرتعشة نحو هاتفه وعيناه تلتقطان بصعوبة تلك الأرقام المتوهجة على الشاشة الساعة تشير إلى الرابعة صباحا
كان يعلم جيدا أن هذا اليوم يحمل معه نهاية شيء كان ذات يوم جميلا نهاية فترة التهدئة التي قررا أن يختبرا خلالها إمكانية استعادة ما ضاع اليوم اتفقا على إغلاق ذلك الباب نهائيا باب زواجهما
دفعه إحساس غامض بالقلق لأن يكتب لها رسالة نصية أنامله تحركت بتردد وكأن الكلمات ثقل على صدره ولكنه كتب في النهاية
لا تنسي أننا سننهي إجراءات الطلاق اليوم
في الجهة الأخرى كانت سيرين تحمل هاتفها حينما انبثقت الرسالة على شاشته في هذه الأثناء شحب وجهها وكأن الكلمات سلبت منها ما تبقى من قوة خفتت أنفاسها وشعرت بأنها على وشك الاڼهيار
هوى جسدها على أول متكأ إذ لم تكن قادرة حتى على الوقوف بثبات ولكن رغم ذلك وبإرادة هشة فتحت تسجيل الصوت وردت بنبرة مرتعشة
آسفة ربما لن أتمكن من الحضور اليوم لكن لا تقلق سنحصل بالتأكيد على الطلاق
لم تكن تماطله فالمۏت لا ينتظر أحدا ولا يعطي إنذارا حينما ستختفي سيرين عن هذا العالم ستكون الحقيقة الصاډمة أنها رحلت ومعها ما كان يربطهما يوما وبوفاتها سينتهي زواجهما بطريقة لم يكن أي منهما يتخيلها
وأخيرا تنفس ظافر بعمق وكأن صدره قد تحرر من حمل ثقيل كان يقيده لسنوات شعور بالارتياح اجتاحه فجأة دون أن يستطيع تفسيره كما لو كان صوتها الذي تردد في أذنيه من خلال الرسالة الصوتية التي أرسلتها قد تسلل إلى أعماقه ليعيد ترتيب فوضى مشاعره كان يعلم بل يوقن أن سيرين رغم كل شيء لن تكون تلك المرأة التي قد تقدم على إنهاء حياتهما معا هي قوية بما يكفي لتحمل عذاباتها أبدا لن تسمح پتمزيق رباط زواجهما مهما بلغ الألم
بتلك القناعة التي تضخمت في أعماقه كيقين لا يقبل الشك
مد يده نحو هاتفه واتصل بها
على مر السنوات الماضية كانت المكالمات الهاتفية بينهما تعد على أصابع اليد إذ أن ظافر لم يكن من أولئك الرجال الذين يفرطون في الحديث فقد كان صمته أبلغ وكلماته شحيحة يفضل النصوص المختصرة عن المكالمات الطويلة ومع ذلك وفي تلك اللحظة بالتحديد كان دافعه أقوى من روتينه المعتاد
رن الهاتف وسرعان ما التقطت سيرين المكالمة كان صوتها الذي لطالما حمل مزيجا من الحذر والانتظار يتردد بالكاد في البداية لكنها لم تملك فرصة للكلام إذ اخترق صوت ظافر الهواء ببرودة تخللت أذنيها كما لو كان يحمل ثقلا من مشاعر دفينة لم تنطق بعد ولكنه اختار أن يبدأ الحديث بعكس عادته وكأن هذه المكالمة كانت تحمل بين طياتها أكثر مما يبدو
قال ظافر بحزم واه
صبري محدود
يا سيرين أنت من طلبت الطلاق!! هل تشعرين بالندم على زواجنا لأنني لم أعطك المال أراهن أن 300 مليون دولار ليست كافية لإقناعك بالزواج من شخص جديد
انقبض قلب سيرين وشعرت وكأن الهواء من حولها قد تجمد حلقها بات ضيقا كأنها تبتلع غصة مريرة ولم تعد قادرة على استيعاب أي كلمة أخرى مما يقول كل حرف كان يسقط على مسامعها كطعنات خفية تخترق صمتها الموجع
في النهاية قاومت نوبة اڼهيارها فهي تعلم جيدا أنها لم ترتكب ما اتهمت به توا ولم تكن لتتحمل ظلما يطوق عنقها لذا استجمعت شتات روحها ورفعت صوتها المرتجف بكلمات تحمل مرارة وقوة في آن
ظافر لم أهتم يوما بأموالك طوال سنوات زواجنا المال لم يكن يوما دافعي ولن يكون أبدا! ربما لن تصدقني لكنني سأقولها رغم ذلك لم أكن أعلم أن والدتي وأخي قد خالفا العقد حينها ولن أتزوج أي رجل على وجه الأرض مقابل ثلاثمائة مليون دولار حتى لو كانت حياتي تتوقف على ذلك!
كانت كلماتها تتعثر كأن كل حرف يخرج منها يثقل كاهلها أكثر أنفاسها متلاحقة وعيناها تملؤهما العبرات التي ترفض الانحدار
وعلى الجهة الأخرى من الخط كان ظافر يصغي لصوت الرياح التي تصفع نافذتها والمطر الذي يطرق بشدة كأنه يعكس اضطرابها الداخلي
سألها بصوت يقطر قلقا وحيرة
أين أنت الآن
لكن سيرين لم تعد تسمع بل كانت غارقة في موجة من المشاعر المتلاطمة بينما قبضت على الهاتف كأنه طوق نجاة وسط عاصفة هوجاء وعادت تردد بصوت بالكاد يسمع وكأنها تخاطب نفسها أكثر من ظافر
لو كنت أعلم ما فعلته أمي وأخي لما اخترت هذا الطريق لو كنت أعلم أنك أحببت دينا لما وافقت على هذا الزواج من البداية ولو كنت أعلم أن والدي سيصاب في يوم زفافنا لما كنت لأرتدي ثوب العروس أبدا!
كررت العبارة الأخيرة كأنها تحفرها في ذاكرتها لم أكن لأتزوجك وكأنها تعيد صياغة حكايتها بصوت يفيض بالندم والألم لتترك كلمتها الأخيرة عالقة بين صخب العاصفة وضجيج المشاعر
كان ظافر يستطيع دون أدنى جهد أن يلتقط من نبرات صوتها وارتعاش كلماتها مدى الضيق الذي أثقل قلبها طوال تلك السنوات
كان رتمه أشبه برائحة الماضي التي تعصف بالوجدان تلك الرائحة أخبرته دون كلام عن شعور دفين بالندم يتخلل اعترافاتها
وبينما كانت كلماتها تتغلغل في عقله كسم بطئ شعر فجأة بثقل رهيب يخنق صدره وكأن كتلة كالعلقم التصقت بحلقه تمنعه من التنفس حاول التماسك لكن الڠضب والذهول كانا أسرع في السيطرة عليه
بأي حق تندمين على زواجنا! صوته الذي كان عادة ثابتا اهتز هذه
—
المرة بنبرة خشنة تفيض ألما مكبوتا وأكمل وهو يكاد ېصرخ
ألم تكوني أنت من انهمرت
دموعها على وجنتيها وأنت تتوسلين لي كي أتزوجك ألم يكن أنا اختيارك الأول دوما! اجيبيني هل كنت تتصنعين الحب!
لكن صوت سيرين قد تبدل وأصبح أضعف من أن يسمع بدت وكأنها تتحلل من بين يديه كسراب يتلاشى مع الريح ترددت كلماته في الفراغ قبل أن ېصرخ بقلق متزايد
سيرين! أين أنت الآن! ردي علي!
لم تأته أي إجابة صمتها كان أبلغ من الكلمات
ووسط ذلك السكون القاټل اخترقت أذنه جملة أخيرة خرجت منها بصعوبة وكانت كلماتها متقطعة كأنفاسها الحقيقة هي أنني أتمنى لك السعادة ثم تلاشى صوتها فجأة تاركا فراغا مخيفا كأنما اختطفتها الريح
ثانية واحدة كانت كافية لإحداث الفوضى داخله إذ سمع صوتا مكتوما تبعه ارتطام أدرك حينها أن الهاتف قد انزلق من يدها وتخيل كيف ابتلت شاشته بمياه الأمطار التي لم ترحمها رأى في مخيلته الشاشات تخفت تدريجيا كما تخفت روحها أمام عينيه
حدق ظافر بهاتفه حيث ظهرت عبارة تم إنهاء المكالمة كان الذعر يعصف به والمشهد برمته عالق بين اليقين والخيال شعوره أشبه بمن يقف على حافة هاوية عاجزا عن فعل أي شيء لإنقاذ نفسه أو إنقاذها
حاول ظافر الاتصال بسيرين مرة أخرى إلا أن ما وصله لم يكن سوى صوت آلي جامد يخلو من أي لمسة إنسانية عذرا لا يمكن توصيل مكالمتك الآن يرجى المحاولة لاحقا
تنفس بعمق وهو يمد يده ليلتقط معطفه ارتداه بتثاقل واستدار نحو الباب إلا أنه تجمد في مكانه كأنما أصيب بشلل مؤقت تدفقت الأفكار إلى رأسه كأمواج عاتية يضر*ب بعضها بعضا دون هوادة
ماذا لو كانت سيرين تخطط لشيء ما
لقد كانا على حافة الانفصال خطوات معدودة فقط تفصل بينهما وبين إنهاء كل شيء فلماذا إذن تزعجه فكرة علاقاتها لماذا يقتحم ماضيها ذاكرته كطعڼة غادرة لتثير بداخله خليطا متناقضا من الڠضب والحنين
لكن صوتها ذلك الصوت الذي يسكن قلبه رغم كل شيء ظل يتردد داخله تلك الجمل التي لم يستطع نسيانها مهما حاول
لو كنت أعرف ما فعلته أمي وأخي لما اخترت الزواج منك
لو كنت أعرف أنك أحببت دينا دائما لما تزوجتك
لو كنت أعرف أن والدي سيتعرض لحاډث في يوم زفافنا لما تزوجتك!
تراجع عن أفكاره كمن يهرب من مواجهة نفسه لكنه وجد قدميه تقودانه بلا وعي فجأة وجد نفسه أمام باب غرفة سيرين القديمة لقد مر شهر كامل منذ أن خرجت منها ومن حياته بأكملها
مد يده بتردد وكأنه يخشى ما قد يجده بالداخل ثم دفع الباب ببطء
غمرته رائحة غريبة خليط من عطرها القديم والهواء العالق في مكان مغلق كان الجو ثقيلا كأنما يحمل بين جدرانه أسرارا لم تكشف بعد
أضاء ظافر المصباح لكن النور بدا عاجزا عن طرد الفراغ القاټل الذي يخيم على الغرفة جل ما هنالك لا شيء فقط اللاشيء
كانت الغرفة أشبه بعلبة فارغة لا تحمل أي أثر لسيرين سوى صمت ثقيل وخانق اختفت متعلقاتها الشخصية كما اختفت هي وكأنها لم تكن هنا يوما ومع ذلك كان شعور وجودها يحيط به كطيف عالق بين الماضي والحاضر يراقبه بصمت لا ينقطع
جلس ظافر على طرف السرير يلتقط أنفاسه الثقيلة تحت وطأة الصمت المخيم على الغرفة وبيد باردة بطيئة امتدت أصابعه نحو درج المنضدة المجاورة لتخرج أنامله دفتر ملاحظات صغيرا ألقي فيه الزمن بعبثية
فتح الدفتر الذي تبين فيما بعد أنه عائد لسيرين ولم يجد فيه إلا جملة واحدة كتبت بخط يد أنيق يشبه التموجات المتداخلة في بحر هادئ
أعتقد أن أولئك الذين يختارون الرحيل بعد أكثر التجارب
بؤسا يفعلون ذلك بسبب صراعات داخلية لا حصر لها تغذت على صبرهم قبل أن يقرروا أخيرا المغادرة
ظل ظافر يحدق في الكلمات للحظات ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة اخترقت صمته الموحش وقال بصوت خاڤت بالكاد يسمع
بؤس ألم أكن أنا البائس وأنا أرغم نفسي على تحمل وجودك طوال تلك السنوات
رمى ظافر الدفتر في سلة المهملات بقوة وكأنما يحاول أن يلقي معه شيئا آخر أثقل من الورق لكنه وبغرابة تناقض شعوره توقف في منتصف الطريق نحو الباب وكأن قدميه تجمدتا ثم عاد بخطوات مترددة والتقط الدفتر من السلة برفق وكأنه يخشى أن يحدث به خدشا ووضعه بعناية على طاولة السرير قبل أن يعمد إلى المغادرة متوجها إلى غرفته كي ينعم بقسطا من الراحة ومع ذلك جفاه النوم فرا من
عينيه ولم يجد سبيلا لاستعادته
في الجانب الآخر من المدينة كان كارم يتقلب في فراشه بلا جدوى لم ينل قسطا كافيا من النوم هو الآخر فقد كان عقله مثقلا بقلق غامض على سيرين التي كانت تتصرف بغرابة في اليومين الماضيين لكن ذلك الغموض الذي يحيطها كان يراوغه كظل يهرب من ملاحقته
عندما أشار عقرب الساعة إلى الرابعة صباحا أيقظه صوت رنين هاتفه فرفعه سريعا ليجد اسم فاطمة على الشاشة
أجاب بقلق واضح
فاطمة ماذا هناك
جاء صوتها مترددا محملا بثقل لم يعتده منها
كارم أحتاج مساعدتك أشعر بالقلق على سيرين لقد رأيتها في حلم غريب للتو
اعتدل كارم في جلسته وبصوت يغلبه الفضول المشوب بالخۏف سألها
أي حلم
ردت فاطمة بصوت مرتجف وكأنها تحاول استعادة تفاصيل الحلم من غياهب ذاكرتها
رأيتها في الحلم تقف وسط المطر بملابس مبللة وشعرها يتساقط على وجهها كأنه جزء من المطر ذاته كانت تطلب مني أن أحملها وأقودها إلى المنزل وجهها كان يحمل نظرة غريبة وكأنها تنادي علي لكنها لم تتحدث
توقفت للحظة عندما خانتها الكلمات ثم تابعت بصوت مخټنق
اتصلت بها منذ قليل لكنها لم ترد والأغرب من ذلك أنها قبل أيام طلبت مني أن أرافقها يوم الخامس عشر أشعر أن هناك شيئا غير طبيعي سيحدث
صمت كارم للحظة يفكر في كلامها وربط بين ما قالته وبين تصرفات سيرين الغامضة ثم نهض مسرعا وبدأ يرتدي ملابسه في عجالة
لا تقلقي سأتوجه إليها فورا
كانت تلك الكلمات هي كل ما احتاجته فاطمة لتشعر ببعض الراحة بينما استعد كارم لمواجهة شيء لم يكن يعرف عنه سوى القليل لكنه كان يشعر في أعماقه بأنه قادر على تغيير القادم
كان كارم يقيم على مقربة من المنزل الذي أعطاه إيجارا لسيرين لذا لم يستغرق وصوله إلى شقتها أكثر من عشر دقائق
ولج إلى داخل المكان بخطوات مترددة ويداه ترتجفان لكنه تفاجأ بشقتها التي بدت فارغة كصحراء مهجورة يخيم عليها السكون والهواء يعج برائحة غيابها
كان باب غرفة النوم مفتوحا على مصراعيه ولا يوجد أثر لها هناك
تساؤلات كثيرة تسللت إلى عقله المرتبك تلاحقه كظلال طويلة في عتمة الليل أين يمكن أن تكون ولماذا قد تغادر في مثل هذه الساعة ولكنه لم يجد جوابا شافيا بين أفكاره المشتتة
كانت الوسادة على سريرها تحتضن خطابين وكأنهما إرث من مشاعر خفية
التقطهما كارم بحذر كمن ينتظر أن يبوحان له بسر عظيم فتح الرسالة الأولى وكانت موجهة إليه كلماتها الأولى كانت أشبه بخنجر يغرس في صدره
لقد قمت بتحويل رسوم الإيجار إلى حسابك البنكي شكرا لك كارم على رعايتك لي
خلال
—
الأيام الماضية
هل تعلم لم أستطع أن أكون أي صداقات منذ قدومي إلى هنا كنت أشعر أنني شخص فاشل تماما لأنني لم أجد من يفهمني أو يشاركني يومياتي لكن عندما التقينا جعلتني أدرك أنني لست سيئة كما كنت أعتقد أشكرك بصدق على ذلك لا تحزن سأكون الآن مع والدي إنه سيعتني بي كما لم يعتن بي أحد من قبل
كلماتها كانت كوقع قطرات المطر الباردة على وجهه فتركت أثرا عميقا ثم تنسل بهدوء
ثم انتقل بعينيه إلى الرسالة الأخرى التي كانت موجهة إلى فاطمة قرأها بعناية واستوعب سريعا العنوان المكتوب فيها كان ذلك هو المكان الذي من المفترض أن تلتقي فيه فاطمة بسيرين لتصطحبها
على الفور هرع كارم خارج الشقة وكأن الحصى تشتعل تحت قدميه كالجمر
الضواحي الغربية لم تكن بعيدة عن مكانه لكن كل دقيقة في الطريق كانت تشبه قرنا عشرون دقيقة مرت وكأنها ساعات طوال تشبع قلبه بثقل الانتظار الأفكار تضج في رأسه كعاصفة هوجاء
كيف يمكن لسيرين التي كنت أراها نجما ساطعا في سماء موهبتها أن تختار طريقا كهذا
في تلك اللحظة كانت سارة هي الأخرى تقود سيارتها نحو الضواحي الغربية لكن لغرض مختلف تماما إنها ذاهبة لتصطحب سيرين إلى زفافها الذي كان مميزا لدرجة أن تكلفته بلغت ثلاثمائة مليون دولار
كانت السماء تتشح بعباءة رمادية وكأنها تبكي حزنا لا نهاية له حين انهمرت الأمطار بغزارة على المقپرة المهجورة في الضاحية الغربية قطرات المطر كانت كرماح تهوي من السماء تخترق كل شيء في طريقها بلا رحمة
سيرين بوجهها الشاحب وجسدها الهزيل الذي بدا أشبه بشبح يلفه الألم كانت جاثية أمام القپر فستانها الطويل التصق بجسدها النحيل بفعل المطر مبرزا ضآلتها وكأنها روح على وشك الانسحاب من هذا العالم
كانت نظرتها فارغة وكأنها ترى شيئا لا يراه الآخرون شيئا أبعد من حدود الحياة
في هذه الأثناء كان هناك صوت وقع أقدام يخترق هدير المطر إنه كارم يركض ووجهه يعكس مزيجا من الذعر واليأس
صاح باسمها سيرين! لكن الرياح والمطر التهما صوته ولم يصل نداءه إلا كهمس شاحب
عندما وصل إليها بدا الوقت وكأنه قد توقف لاحظ كارم الزجاجة الفارغة بجانبها التي تحمل علامة حبوب منومة
اتسعت عيناه پذعر ويداه المرتعشتان حملتا جسدها الخفيف كريشة بلا حياة استيقظي يا سيرين! لا تجرؤي على النوم! كان يهتف وصوته مشحون برجاء يائس وهو يركض بها أسفل التل غير مكترث بالطين الذي يغمر خطواته
في تلك اللحظة كانت سارة جالسة في المقعد الخلفي لسيارتها الفاخرة تحدق من النافذة أمطار كثيفة طمست معالم الطريق لكن عينيها التقطتا مشهدا غير مألوف رجل يحمل سيرين بين ذراعيه وكأنهما جزء من لوحة مأساوية
ما الذي فعلته هذه الحمقاء الآن تمتمت وهي تخرج من السيارة كانت سارة ترتدي فستانا زاهي الألوان اختارته لتلك الليلة الاحتفالية لكن الأمطار حولته إلى قطعة بالية
مشاعر الڠضب خيمت على وجهها المتجعد لكنها تجمدت في مكانها حين اقتربت أكثر
رأت سيرين بلا حراك بين ذراعي كارم وجهها كان شاحبا حد المۏت وعيناها مغمضتين بإحكام كأنهما ترفضان مواجهة هذا العالم
على الأرض بجانبها كانت الزجاجة الفارغة تتدحرج
بفعل الرياح انحنت سارة والتقطتها وعيناها تقرآن العبارة حبوب منومة في تلك اللحظة ارتجفت يداها وهي تتذكر كلمات سيرين قبل أيام ماذا لو أعيد إليك حياتي هل يعني هذا أنني لم أعد مدينا لك
سقطت المظلة من يدها لتكشف عن وجهها الذي بللته الأمطار لم يكن واضحا إن كان البلل من المطر
أو من دموعها التي غزت ملامحها دون استئذان
يا حمقاء! كيف تجرؤين على فعل هذا بي أنا من أنقذ حياتك! صړخت بصوت ارتجف كما ارتجفت شفتيها كانت نظراتها مزيجا من ڠضب وذهول وخوف وكأنها تواجه ظلا من ماضيها الذي لم تتخلص منه قط
بينما انهمرت زخات المطر بغزارة على زجاج السيارة جلس تامر داخلها يراقب سارة التي وقفت بالقرب من المقپرة ملامحها غارقة في الغموض وملابسها مبتلة كأنها قطعة قماش منسوجة من الحزن لم يفهم شيئا مما يجري لكنه كان يشعر أن المشهد أمامه ينذر بکاړثة
عندما قرر أخيرا النزول من السيارة انطلق راكضا نحوهم لتصدمه الحقيقة القاتمة التي ارتسمت أمام عينيه ككابوس توقف في مكانه بأنفاس متلاحقة ووجهه يزداد شحوبا
كانت سيرين هناك هامدة بلا حراك هل يعقل أنها أقدمت على إنهاء حياتها فكرة لم يستوعبها عقله لكنها اخترقت قلبه كالخڼجر شعور بالعجز الجارف اجتاحه وشبح الذعر تسلل إلى ملامحه
بصوت مخټنق قال
أمي ماذا سنفعل الآن لقد استخدمت أموال السيد خليل لتأسيس شركتي الجديدة !
كلماته ارتطمت كصاعقة بعقل سارة لكنها لم تلتفت إليه أما كارم الذي وقف على مقربة فقد أدرك أخيرا السبب الذي حول سيرين التي كانت يوما رمزا للحيوية والقوة إلى هذه الحالة البائسة
قبضت سارة على يديها بقوة وكأنها تحاول كبح الألم الذي يغلي في صدرها لكن عينيها ڤضحتا ما يجول في خاطرها وبنبرة حادة ممزوجة بالمرارة صړخت في وجه سيرين لماذا لم ټمو*تي بعد أن تزوجين من السيد خليل وحينها كان يمكنك قټله لترثيه لماذا!
نفذ صبر كارم الذي رفع نظره نحوهم وعيناه محمرتان كالجمر المشتعل ثم قال بلهجة قاطعة اخرجوا من هنا حالا! لا تضطروني أعيد كلامي!
في تلك اللحظة أدرك تامر وسارة وجود كارم الذي وقف شامخا بهيبته وكأن حضوره كان يوازي حضور ظافر في قوته وثقله
بصوت تحد ممزوج بالارتباك سأله تامر من أنت هذه أختي! من أعطاك الحق كي تطلب منا أن تتركها!
ثم استدار نحو سارة وقال بصوت منخفض يكاد أن ينكسر تحت وطأة التوتر أمي رجال السيد خليل يلاحقوني قالوا إننا محكوم علينا ما لم نسلمها إليهم حالا!
هدأت ملامح سارة تدريجيا وكأنها استسلمت أخيرا للحتمية القاسېة التي تواجههم ثم نظرت إلى سيرين نظرة تحمل مزيجا من القسۏة واليأس وقالت بصوت خاڤت لكنه صارم خذوا سيرين إلى السيارة عليها أن تتزوج حتى لو ماټت!
الفصل الثامن
فهمت
تقدم تامر بخطوات متسارعة نحو كارم عازما على انتزاع سيرين من بين ذراعيه وكأن نيران الڠضب المشټعلة في صدره لن تنطفئ إلا باستعادتها كانت نظراته متحفزة أنفاسه مضطربة ويداه ترتعشان بين التردد والإصرار لكنه لم يدرك أنه على شفا مواجهة لم يكن مستعدا لها
بلمح البصر وقبل أن تلامس يد تامر سيرين انقض عليه كارم كعاصفة هادرة مسددا له ركلة عڼيفة أسقطته أرضا بقوة صاعقة
ارتطم جسد تامر بالأرض بقسۏة حتى أن صوت سقوطه كان كوقع صخرة انحدرت من أعلى جبل
تأوه تامر بصوت مكتوم ممسكا بصدره الذي پألم حاد وكأن الهواء قد انتزع منه عنوة
حاول تامر أن يتكلم أن ېصرخ أن يعترض لكن الكلمات خانته وتبددت أنفاسه في الهواء البارد فلم يكن قادرا سوى على اللهاث المتقطع
حين رأت سارة ابنها ملقى على الأرض أسرعت إليه جاثية بجانبه ومدت يدها المرتعشة لتساعده على النهوض وهي تلتفت نحو كارم بعينين مشټعلة بالڠضب ڼارية النظرات
كيف تجرؤ على معاملة ابني بهذه الوقاحة والعدائية!
لكن كارم لم يكترث كان يقف
—
هناك طويل القامة مهيبا ممسكا بسيرين بين ذراعيه وكأنه يحكم قبضته على قطعة ثمينة لن يفرط بها أبدا
أخذت عينا كارم تلمعان ببرودة قاټلة فكانت نظراته أشبه بشفرة حادة تشق الهواء لم يكن مجرد رجل في تلك اللحظة بل كان وحشا خرج من أعماق الظلام بكيان جليدي لا يعرف الرحمة
تحت زخات المطر التي أغرقت شعره بدا وكأنه قد ولد من العاصفة ذاتها جسده مبلل ملابسه تلتصق بعضلاته وكل قطرة ماء تسيل منه تحمل في طياتها شراسة لا توصف
بصوت منخفض لكنه مرعب زأر
هل لديك رغبة في المو ت
كانت كلماته أشبه بقبضة حديدية سقطت على قلب سارة وتامر فجمدت الد ماء في عروقهما فابتلع كلاهما خوفه بصمت ولم يجرؤا على النطق بكلمة واحدة
استدار كارم محكما قبضته حول سيرين وسار بخطوات واثقة وسط الظلام والمطر غير آبه بنظرات الذهول والخۏف التي لاحقته
لكن قبل أن يبتعد تماما توقف للحظة ثم استدار برأسه قليلا لتمطر عيناه سارة بنظرات جعلت الهواء من حولها يبرد فجأة
وقال بصوت ثابت بلا أي تردد
لقد ذكرت وصية سيرين تسجيلا احتفظت به لقد وعدت بعدم التدخل في حياتها بعد الآن آمل ألا تكوني قد نسيت ذلك
ثم مضى في طريقه تاركا خلفه صمتا مثقلا بالخۏف وقطرات المطر التي تواصل هطولها وكأنها تغسل آثار المواجهة العڼيفة التي شهدتها هذه الليلة
كانت سيرين تفضل المۏت على أن تظل ابنة سارة وفي الوقت ذاته تعلم أن التسجيلات ليس لها أي أثر قانوني ولن تعني أنها وسارة قد قطعتا
علاقتهما إلى الأبد لكنها تعرف نوع الشخص الذي كانت عليه سارة
أجل ف سارة تعتبر سمعتها حجر الأساس في حياتها الشيء الذي لا تقايضه بأي ثمن ومجرد فكرة أن يسرب ذلك التسجيل إلى العامة كانت كفيلة بټدمير عالمها بالكامل فبهذا ستصبح في أعين الجميع تلك المرأة التي أودت بحياة ابنتها وسيتحول هذا الوصم إلى لعڼة تلازمها ما بقي من عمرها
لذا حين وصلها ټهديد كارم لم يكن أمامها سوى خيار واحد الهرب ومعها تامر وكأن النجاة لم تعد تعني لها أكثر من الهروب الأعمى
قفزت سارة إلى داخل السيارة بأنفاس متلاحقة وعقل مشوش ولم تدرك سوى انعكاس المشهد في مرآة الرؤية الخلفية هناك رأتها بين ذراعي كارم سيرين ابنتها كانت تبدو كچثة هامدة
شعرت بقبضتيها تتصلبان وأظافرها تنغرس في راحتيها حتى شعرت بوخز الألم
لا تلوموني على القسۏة أنتما الاثنان من بدأتما اللعب مع الليدي سارة قالت وصوتها مشبع بجليد لا يذوب ومن ثم استكملت مردفة
إن كنتما تبحثان عن مذنب فانظرا إلى فشلكما إلى عجزكما عن السيطرة على ڠضب ظافر عندما يعلم بعلاقتكما أنتما وحدكما من أوقعتما نفسيكما في هذا المصير البائس
لبرهة انتفض شيء في داخلها طعڼة غير متوقعة من الألم اخترقت صدرها فهي بالأخير أم أم بلا رحمة ولكنها لازلت أم
سرعان ما دفعت سارة ذلك الإحساس المخزي من وجهة نظرها بعيدا لتعود إلى قوقعتها الباردة إذ لم يكن هناك ما هو أكثر أهمية الآن من تبرير موقفها أمام خليل العريس المنتظر حتى سيرين لم تعد ضمن الأولويات
أما عن كارم فهو لم يتردد لحظة إذ انطلق إلى أقرب مستشفى
كان الطاقم الطبي يراقبه وهو يسرع بها على كرسي متحرك إلى غرفة العمليات لكنه لم يستطع التنفس لم يستطع حتى أن يرمش حين انطفأ ضوء الغرفة معلنا أن الأمر بات خارج إرادته تماما
بعد دقائق ثقيلة خرج الطبيب ووجهه يحمل ما يكفي من القلق ليجعل الډم يتجمد في عروق كارم
حالة المړيضة حرجة هل هناك أحد من أقاربها نحتاج إلى توقيع على نموذج الموافقة لإجراء عملية جراحية طارئة
تجمدت أطراف كارم وانقبض حلقه كأن أنشوطة خفية الټفت حول عنقه
ماذا يحدث معها قال بصوت أجش أقرب إلى الهمس منه إلى الكلام
نحن بحاجة إلى موافقة أحد أفراد العائلة ولكن علينا أن نكون واضحين المړيضة في وضع خطېر وقد لا تنجو
كأن العالم كله ينهار أمام عيني كارم إذ لم يكن هذا مقبولا فقدانها لم يكن خيارا
وفي لحظة اختفى هدوؤه المعتاد وتحولت نظراته إلى شرر متطاير وأمسك بياقة الطبيب بقوة جعلت الأخير يختنق للحظة
لا أريد سماع هذا الهراء قالها كارم من بين أسنانه وصوته يقطر ټهديدا صريحا
إذا لم تخرج سيرين من هذه الغرفة حية فالمستشفى بأكملها ستدفن معها
دفع كارم الطبيب جانبا والڠضب يتأجج في صدره قبل أن يتسنى للأخير حتى الرد
وفي ثانية سمع صوت خطوات مسرعة في الرواق فالټفت الجميع ليجدوا مجموعة من
الأطباء يرتدون المعاطف البيضاء ملامحهم جادة وخطواتهم مدروسة يحملون هالة من الهيبة لا تخطئها العين وبمجرد أن وقعت أعينهم على كارم انحنوا باحترام
السيد كارم قال أحدهم
نظر إليهم كارم بثقة رجل اعتاد أن يؤمر ولا يؤمر
أنقذوها
لم يكن هناك حاجة لمزيد من الكلمات
مفهوم جاءه الرد قبل أن يختفي الأطباء خلف أبواب غرفة العمليات
وفي الخارج ظل كارم واقفا وعيناه مسمرتان على الباب فيما كان قلبه يخوض معركة طاحنة بين الخۏف والڠضب
حينها فقط انتبه الطبيب المهمش إلى الحقيقة التي غابت عنه طويلا الحقيقة التي تجلت أمامه كضوء خاطف وسط عتمة الإهمال كارم لم يكن مجرد شخص عابر بل كان ذا شأن وكانت مكانته تفرض نفسها حتى في أوج الغفلة عنه
في تلك الأثناء كان ظافر غارقا في مهامه داخل مجموعة نصران لكنه لم يكن حاضر الذهن بما يكفي لإنجاز عمله كانت أفكاره تتراقص بين أمواج القلق والاضطراب وكأنها تتنازع فيما بينها في حرب للسيطرة على عقله
أما طارق فقد كان على دراية باليوم الذي يعيشان تفاصيله فلم يستطع تجاهل ما يدور بخلد صديقه إذ تطلع إلى ظافر بحاجبيه معقودين يقول في دهشة حذرة بنبرة مباشرة
ألم تتفقا على إنهاء إجراءات الطلاق اليوم
توقفت أنامل ظافر عن تقليب صفحات الوثيقة التي بين يديه وتيبست أصابعه كما لو كانت قد تجمدت على الورق
التوى فمه في عبوس حاد وصوته خرج باردا لكنه يحمل بين طياته اضطرابا دفينا
لن نذهب بعد الآن
قطب طارق جبينه وانتصب في جلسته متحفزا عازما على سبر أغوار الموقف
لماذا تساؤله لم يكن مجرد استفسار عابر بل كان مطرقة تحاول دق باب الحقيقة المغلق
حاول ظافر أن يبدو متماسكا لكنه شعر بأن كآبة ثقيلة جاثمة على صدره فأجبر كلماته على الخروج وكأنها تتعثر بين شفتيه
اتصلت بي هذا الصباح قالت إنها لن تذهب
تراجع طارق في مقعده الوثير يسند ظهره رافعا يديه في الهواء يقول بسخرية متوقعة
كنت أعلم أن الأمر لن يكون سهلا يا ظافر! إنها لا تزال تعقد الأمور عليك أليس كذلك
ثم أردف بنبرة تهكمية تحمل في طياتها استهجانا مستترا
إذا كانت ترفض أن تمنحك ما تريد فعليك التقدم بطلب الطلاق بعريضة واحدة
لكن ما أزعج ظافر أكثر من
أي شيء هي الطريقة التي كان طارق يشير بها إلى سيرين بازدراء مطلقا عليها لقب سيرين الصماء كلقب تهكمي يقزم حضورها ورغم محاولات ظافر لتجاهل الأمر إلا أن شيئا داخله
كان يشتعل كلما سمع ذلك اللقب وكأنما تدق مسامير غير مرئية في روحه
وبالمناسبة في انتظاركم يوم الجمعة 31 يناير في
—
معرض القاهرة الدولي للكتاب وروايتي أسطورة سواكن الجزء الأول والثاني ودي نبذة عن العمل
قلبه أسير هوى لا يوصف عشق لا يضاهى ما به شغف لا يدانى حبها اشټعل كالڼار بوتينه فحوله إلى رماد غرامها بحر لا ساحل له وسماء لا حدود لها إنها فتنة سلبت لبه وجمال أسر قلبه ولكن كيف التلاقي وهو محكوم بقوانين عشيرته وهي أنسية من بني البشر!
الفصل التاسع
استمع ظافر بصمت مريب وكأنما اجتاحه إعصار داخلي عصف بأفكاره فغير ملامح وجهه دون أن ينبس بكلمة
لم تكن إهانة طارق مجرد كلمات عابرة بل كانت كالسياط التي تجلد كرامة سيرين في العلن وكأنها وصمة عار لا تستحق الاحترام
وهذا تحديدا ما جعل الجميع يتعاملون معها وكأنها لا شيء لم يكن الأمر مقتصرا على طارق فحسب بل حتى شادية وماهر وطاقم العمل في القصركلهم نظروا إليها نظرة دونية وكأن وجودها عبء ثقيل أو كأنها ظل باهت لا قيمة له
لم تكن سيرين تجد يوما من يتعامل معها بإنسانية لم تعامل ككائن له كيان بل كدمية تحركها الأوامر ك مسخ مسلوب الإرادة يتلقى التجاهل كما يتلقى الهواء بلا أي اكتراث
رن هاتف طارق فجأة فتجعدت تعابير وجهه للحظة ثم استدار على عجل مغادرا دون أن يكلف نفسه عناء الاعتذار كان ك من يبحث عن أي فرصة للهروب من هذا الموقف أو ربما لم يكن بحاجة إلى ذلك فهو لم ير يوما أن وجود سيرين بحياة ظافر يستحق أي اعتبار
بعد أن غادر طارق غرفة المكتب امتدت يد ظافر إلى هاتفه دون وعي وكأنها تبحث عن طوق نجاة في بحر أفكاره المتلاطمة ألقى نظرة على الشاشة فوجد مكالمة فائتة من سيرين لتنتفض أنامله بإلحاح لا إرادي وهو يعيد الاتصال بها
لكن بدلا من صوتها استقبلته نغمة باردة تحمل جمود التقنية وخلوها من الدفء الذي كان يبحث عنه
عذرا الرقم الذي طلبته غير متاح حاليا يرجى المحاولة مرة أخرى لاحقا
تسلل الڠضب إلى ملامحه كخيط دخان يتصاعد ببطء فألقى الهاتف جانبا في انزعاج ثم نهض بخطوات ثقيلة نحو النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض إلى السقف
وقف هناك يتأمل المدينة التي كانت تستيقظ من سباتها بينما في داخله كانت العاصفة لا تزال محتدمة
دس ظافر يده بجيب منطاله ليخرج علبة سجائره ملتقطا إحداها وأشعلها ببطء تاركا الدخان يتسرب إلى رئتيه كأنه يبحث فيه عن إجابة لم تكن يوما في متناوله لكن الكلمات التي همست بها سيرين قبل ساعات عند الفجر عادت تتردد بمسامعه ندمت
كلمة واحدة لكنها امتدت ك نصل خنجر سام غرز بقسۏة في أعماقه تبث مرارة لم يستطع ابتلاعها
ثوان وشعر بوخزة جافة في حلقه فسعل مرتين بقوة كأن جسده يحاول لفظ كل ما تبقى منها داخله
وفجأة اخترق صوته الأثيري صوت أنثوي من خلفه
يجب أن تدخن أقل ظافر إن ما تفعله أمر سيئ لصحتك
توقف قلبه لوهلة ف للحظة اعتقد أنها سيرين الټفت بعجلة لكن ما رآه لم يكن سوى دينا جالسة بجانبه كما لو أنها كانت هناك منذ البداية
هز ظافر رأسه بيأس بعد أن تأملها
بترو فقد كانت تبدو وكأنها خرجت لتوها من إعلان عن الحياة الزوجية المثالية بملابسها المهندمة وابتسامتها المحايدة التي لا تحمل أي دفء
ارتجف شيء ما بداخله للحظة ثم تلاشى وهو يشيح ببصره عنها قائلا بلا مبالاة
لماذا أنت هنا
تأملته دينا بعينين غارقتين في حنو مصطنع وكأنها تخشى أن ينهار رداء المثالية الذي تلبسته منذ زمن أمام ظافر دون أن تدري كيف لها تلتقط شتاته
قالت بنبرة حاولت أن تكسوها بالحياد بينما كانت الحقيقة تتغلغل في صوتها
السيدة شادية أرسلتني إليك فقد سمعت عن زواج سيرين من رجل آخر وأرادتني أن أخبرك ألا تشغل بالك كثيرا بالأمر وتعتبر سيرين مرحلة منتهية في مسيرتك
لكن في اللحظة التي نطقت فيها دينا بتلك الكلمات شردت في دوامة الماضي حيث الذكريات تتشابك كخيوط عنكبوت متينة تحاصرها دون أن تجد مهربا
جزت دينا على أنيابها بغيظ فهي لم تكن مستعدة أبدا لأن تجعل من سيرين غريمتها المنتصرة بطلة يحتفي بها الجميع حتى ولو كانت سيرين تستحق ذلك بالفعل ولكن دينا لن تمنحها فرصة لتظهر في نظر من حولها بدلا من سيرين تلك الضعيفة الصماء المهمشة لتحولها إلى امرأة فلاذية لا تقهر
قبل أربع سنوات كانت شادية وطارق
في سيارة واحدة حين انقضت عليهما أياد خفية من شركة منافسة محاولة تصفيتهما بدم بارد
في هذا اليوم المخلد في ذاكرة دينا قد اجتاحت الفوضى المكان وأصوات الطلقات ترددت كصدى مۏت محتم وشادية ڼزفت ڼزفت حتى خارت قواها وحالما تم نقلها هي وطارق الذي أصيب أيضا إلى أقرب مشفى تبين أن بنك الډم الخاص بالمستشفى حينها كان يعاني نقصا حادا في فصيلة الډم ووسط ذلك المشهد المحتدم لم يكن هناك سوى سيرين
لم تتردد سيرين للحظة بل تبرعت پدمها لكليهما اللذان وبمحض الصدفة كانا يمتلكان نفس فصيلة ډمها دون أن تنتظر شكرا لكنها دفعت الثمن غاليا ف بعد أن تيقنت أن طارق بخير سقطت مغشيا عليها إذ زحف الإرهاق لينهش جسدها الهزيل بعد ما استنزفته من دماء لإنقاذ حياة من جعلوها عدوة لهما دون سبب يذكر فقط كونها سيرين الصماء
في ذلك الوقت كانت دينا مدينة بالكثير لعائلة نصران التي احتضنتها في لحظة ضعفها وانتشلتها تلك الأسرة من الفقر والجوع بعد أن تعهدوا برعايتها ك فرد من العائلة
لذلك سعت دينا بكل جهدها للبقاء في السجل الذهبي لسيرين وأن تكون بصفها بل وتكسب ودها أيضا وحين سمعت بأن سيرين في طريحة الفراش بإحدى غرف المشفى عقب فعلها البطولي مع شادية وطارق لم تتردد في الذهاب إلى هناك لتجد نفسها شاهدة على حدث غير متوقع سيرين التي ظنتها مجرد فتاة عابرة قد ضحت دون تفكير
لإنقاذ طارق وشادية
لكن وكأن القدر كان ينسج خيوط لعبة أكثر تعقيدا إذ جرت سلسلة من سوء الفهم المشؤوم لترتدي دينا ثوب البطولة دون قصد أو ربما بقصد دفين لم ولن تعترف به
وهكذا استيقظت سيرين في المشفى على وقع إشادة الجميع بدينا باعتبارها منقذتها
ومنذ ذلك الحين ترسخ في ذهن دينا يقين لم تهزه أي شكوك إن كان هناك امرأة واحدة تستحق الزواج من ظافر فهي بلا شك أجل هي
ألم تكن هي المنقذ في نظر الجميع بعد أن طوعت لها الظروف ألم تكن اليد التي امتدت في أحلك اللحظات بمحض صدفة منحها لها الحظ كيف يمكن لأي رجل ألا يرى ذلك
لكنها لم تكن تعلم أن اللعبة لا تحسم بالرغبات وحدها إنها شادية تلك المرأة التي تحرك الخيوط من خلف الستار وبالطبع كان لديها سيناريو آخر
فبالرغم من أن شادية كانت تدرك تماما أن سيرين تعاني من مشكلة في السمع إلا أنها لم تتردد لحظة في اقتراح تحالف زواج مع عائلة تهامي ك خطوة محكمة لتعزيز نفوذ ظافر ولتحصين مستقبل العائلة بمزيد من القوة والسلطة
وهكذا وجدت دينا نفسها خارج الحسابات تتأمل رقعة الشطرنج من بعيد بعدما أسقطت من اللعبة قبل
—
أن تبدأ
الآن وبعدما رفض ظافر أي ارتباط بسيرين وامتنع عن إنجاب الأطفال رغم مرور ثلاث سنوات على زواجهما بدأت شادية تخفض سقف طموحاتها وصارت تبحث عن حلول بديلة حتى وافقت أخيرا على أن تلتقي دينا بظافر
أخبرتها شادية بوضوح أن الأمر كله مرهون بحملها فإذا نجحت في ذلك فبإمكانها الزواج منه والانضمام إلى عائلة نصران
جلس ظافر في مكانه وملامحه غارقة في صقيع من البرود ثم تساءل بنبرة لم تخل من التوجس
من هو الشخص الذي وجدته سيرين
تذكر ظافر تلك الليلة عندما اتصل بها وجاءه صوت سيرين على الطرف الآخر من الهاتف واضحا صلدا كحجر صوان
لن أتزوج أي شخص مقابل ثلاثمائة مليون دولار
رفض ظافر أن يصدق أن كل المشاعر التي كانت تبثها له سيرين عبر السنين لم تكن سوى تمثيل خدعة بارعة أتقنت أداءها إذ كانت عيناها تتحدثان بصدق دائما أو هكذا ظن
على الجانب الآخر كانت دينا تتردد هل تصارحه بالحقيقة هل تخبره أن سيرين مجبرة على الزواج من رجل عجوز كانت تدرك أن كشفها لهذا السر قد يشعل نيران العطف في قلبه ويقلب الطاولة رأسا على عقب
لكن ظافر وكأنه شعر بترددها فقطع عليها الطريق بتحذير صريح حمل في طياته ټهديدا مستترا
طالما لا تعلمين من هو فلا تذكري هذا الأمر مجددا أبدا
تجمدت ملامح دينا للحظة ثم اكتفت بإيماءة خاڤتة ك خضوع صامت لا يخلو من الاضطراب
أما ظافر فقد ظل ذهنه مشرذما وكأن صخب الأفكار في رأسه تحول إلى ضجيج لا ينقطع فقد قضى بقية يومه غارقا في شروده يتساءل في أعماقه
هل حقا كانت سيرين مجرد كڈبة جميلة
في قبضة الليل بين الحياة والمۏت
كانت الغرفة تضج بصوت أجهزة العناية المركزة أنفاسها المرهقة تتردد عبر قناع الأكسجين كأنها تتشبث ببقايا الهواء الأخير هنالك كانت سيرين بجسد واهن وروح مثقلة تستلقي في جناح العناية المركزة بالمشفى تحارب غيبوبة قاتمة حاولت أن تبتلعها فلولا سرعة كارم في نقلها إلى المستشفى لربما كانت ستعبر إلى الضفة الأخرى بلا رجعة نعم فقد أنقذها باللحظة الأخيرة وانتزعها من فكي المۏت
وحين استعادت سيرين وعيها وقعت عيناها على فاطمة التي جلست جوارها كتمثال هش دموعها تنساب في صمت كأنها نهر بلا نهاية
شعرت سيرين بوخزة في قلبها وامتدت يدها المرتعشة لتربت على كف فاطمة المتشنج وهمست بصوت متقطع بالكاد يسمع
هذا لا يؤلم لا تبكي
لكنها كانت تكذب كل شيء كان موجعا الألم الذي في صدرها والثقل الذي أثقل روحها والندم الذي ينهشها في صمت
لطالما كانت خجولة ضعيفة تلجأ إلى الهروب بدلا من المواجهة اختيارها لحبوب النوم لم يكن إلا انعكاسا لجبنها المزمن لكنها الآن ترى فاطمة أمامها امرأة اڼهارت سنوات عمرها دفعة واحدة وكأن الزمن قد عبرها فجأة ونقش على وجهها خطوطا من الألم
شعرت سيرين بالعاړ كونها خذلتها كما خذلت نفسها
ضغطت فاطمة على يد سيرين بشدة كأنها تتوسلها أن تبقى وأن تتعلق بالحياة ولو بأطراف أصابعها كانت عيناها دامعتين لكن في صوتهما بقايا صلابة
سيرين استمعي إلي تحسني وعيشي حياة جيدة من الآن فصاعدا حسنا
لكن كيف تعدها بذلك كيف تعد بحياة لا تزال
تجهل إن كانت ترغب بها
خارج الغرفة في ممر المشفى البارد كان كارم يقف أمام أحد الأطباء عيناه مثقلتان بأرق الأيام الماضية
وبالكاد استطاع الطبيب أن ينطق ببضعة كلمات تبدو عادية ولكنها سقطت كصاعقة
سيدي أجرينا فحصا آخر بعد الجراحة ولكننا اكتشفنا شيئا ما إنها حامل منذ أسبوعين
في تلك اللحظة لم يكن المۏت هو المفاجأة الوحيدة
الفصل العاشر
العواء خلف النافذة وصمت بالداخل
كانت الرياح تعصف بالخارج كأنها كائن جريح ينوح في ليل بلا نجوم بينما استقرت يد سيرين النحيلة الشاحبة على بطنها وكأنها تحاول احتواء صدمة تجتاحها من الداخل
عيناها كانتا خاويتين تائهتين في فراغ لا قاع له وكأن روحها انسلت منها وتركت جسدها مجرد هيكل فارغ
قبل لحظات أخبرها كارم بما اكتشفه الطبيب إنها حامل
لم تشعر بالسعادة لم تهتز روحها بفرحة الأمومة القادمة بل اجتاحها إحساس قاتم كغيمة ثقيلة أسدلت ستائرها فوق شمس حياتها
الحمل جاء في توقيت لا يمكن أن يكون أسوأ من هذا وكأن القدر يسخر منها ويسلبها
حق الاختيار بل ويدفعها نحو مسار لم تكن مستعدة لخوضه
على الجانب الآخر من الغرفة كانت فاطمة تراقبها بصمت تقرأ في ملامحها المنطفئة كل شيء تفهم دون أن تسأل أدركت أن هذا ليس مجرد حزن عابر بل غرق في دوامة سوداء لا مخرج منها
عندها اتخذت فاطمة قرارا مفاجئا قرارا لن تتراجع عنه
سيرين
احتاجت سيرين إلى لحظات لتستوعب النداء وكأن عقلها كان يسبح في بحر بعيد استدارت برأسها ببطء وكأنها آلة متعبة تتحرك بصعوبة ومن ثم همست بصوت خاڤت
نعم فاطمة
اقتربت فاطمة منها وعيناها الحمراوان تنطقان پألم صامت بينما رفعت يدها المرتجفة لتزيح خصلة متمردة عن صدغي سيرين
في تلك اللحظة كان الزمن متوقفا بينهما مجرد ومضات من الحنين والحزن والندم
قالت فاطمة بصوت اختنق بالدموع
سيرين لطالما كنت ابنتي حتى وإن لم تلدك أرحامي ما أتمناه لك قبل أي شيء هو الحياة ليس المال ولا الثراء بل الحياة أنفاسك وجودك كيف أستطيع العيش وأنا أراك تتوقين للمۏت
لم تدرك سيرين مغزى كلماتها إلا عندما رأت يد فاطمة تطبق على سکين الفاكهة
اتسعت عيناها وتجمد الډم في عروقها
فاطمة ماذا تفعلين
لكن فاطمة لم تجب وكأنها في عالم آخر كانت شفتيها تتمتمان باعتراف مرير
لقد ربيتك حتى بلغت العاشرة ثم ثم تركتك كل شيء حدث لك كان بسببي حان الوقت لأكفر عن خطئي أمام السيد تهامي!
صړخة مكتومة خرجت من حلق سيرين صړخة لم تحمل سوى العجز والخۏف كمحاولة يائسة منها لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه
فاطمة لااااااا!
لكن فاطمة لم تتوقف
انهمرت دموع سيرين بغزارة كأنها أمطار أيلول الحزينة تسيل على وجنتيها بحړقة مذيبة قناع الصلابة الذي حاولت ارتداؤه طويلا نظرت سيرين إلى معصم فاطمة حيث تبرجت الچروح الحمراء شهقت مرتجفة وكأن صدى أنفاسها يتهدج بين الخۏف والرجاء تقول باستجداء
لن أفعل شيئا أحمق بعد الآن! فاطمة أرجوك توقفي
ما إن انطلقت الكلمات من شفتيها حتى توقف جنون فاطمة التي رمقتها بعينين متورمتين محتقنتين بالدموع والڠضب ثم همست بصوت
أجش يحمل بين نبراته استغاثة أخيرة
سيرين لقد أديت دورك وأكثر! لم تعودي مدينة لا لسارة ولا لظافر! لقد دفعت الثمن ولم يبق لك سوى الحياة! عيشي من أجلي ومن أجل الطفل الذي يكبر في رحمك!
تجمدت سيرين لحظة وكأن الزمن توقف كان صوت فاطمة يخترق جدران روحها ليعيد ترتيب الفوضى التي عبثت بها لسنوات
صمتت سيرين لبرهة وهي تنظر إلى السماء عبر النافذة إلى تلك المساحة الرمادية الشاحبة وقررت أخيرا أن تحيا ليس من أجل أحد بل من أجلها هي ومن أجل كيان صغير ينمو في أحشائها يستحق أن يولد في عالم أقل قسۏة
منذ تلك اللحظة توقفت عن أن تكون ابنة لسارة أو شقيقة لتامر مقرة بأنه لم يعد يربطها بهما شيء سوى ماض اختارت أن تحرقه كصفحات كتاب قديم امتلأ
—
بالحبر الأسود كانت فاطمة وطفلها المنتظر هما العائلة الوحيدة التي ستبدأ بها من جديد
لكن فاطمة ورغم انتصارها في إقناع سيرين لم تكن ترغب أن يتم هذا القرار بتلك الطريقة القاسېة لم تكن تريد أن تضطر إلى چرح نفسها لتبرهن لها أن الحياة أثمن من أن تبدد في تسديد ديون الآخرين لكنها فعلت لأنها أرادت لسيرين أن تحيا لا أن تذوى في ظلال من لا يستحقونها ففي النهاية لا أحد يختار العائلة التي ولد فيها لكن بوسعه أن يختار العائلة التي ينتمي إليها
أما سارة لا تستحق ابنة گ سيرين ما نوع الأم التي تنظر إلى ابنتها كدين يجب تسديده!
لاحقا حين كانت سيرين لا تزال في المستشفى علمت من كارم أن سارة هربت إلى الخارج كما لو كانت طريدة تهرب من ماضيها لكنها لم تشعر بالحزن حيالها ولا حتى بالڠضب لم تعد سارة شيئا في حياتها لقد انتهت ديونها منذ زمن تماما كما انتهى ظافر من حياتها
لكن كان هناك أمر أكثر إلحاحا يطاردها حملها
لم تكن سيرين تريد أن يعلم ظافر بالأمر أجل إن هذا الطفل لم يكن جزءا من الخطة بل كان خطأ غير مقصود لكنها كانت تدرك أمرا آخر إن ظافر يكرهها وإن علم بوجود هذا الطفل فلن يرغب به أبدا!
بعد ثلاثة أيام من الرقود بين جدران المستشفى الباردة حيث كان المۏت يغازلها من بعيد كتب لسيرين عمر جديد وقد نجت أخيرا وكأن القدر منحها فرصة أخرى رغم أن روحها كانت لا تزال مثقلة بما حدث
وعندما أعلن عن تسريحها طلبت سيرين من فاطمة أن تسبقها إلى الريف مصممة على مواجهة ظافر أولا وتسوية الأمور العالقة بينهما قبل أن تلحق بها فهي لم تكن مستعدة للهرب أو الاختباء بعد الآن كان عليها أن تواجه عاصفة حياتها حتى وإن كانت الرياح عاتية
في اليوم
ذاته وبينما كانت تستعد لمغادرة المشفى خطت أقدام طارق عتبات المكان إذ أن هذا المشفى كان مملوكا لعائلة طارق وجده هو من حثه للقدوم إلى هنا لذا لم يكن طارق قد أتى هنا من أجلها بل ليستكشف أروقة الإدارة الطبية ساعيا إلى فهم دهاليزها وإتقان إدارتها لكن القدركعادتهلديه خططه الخاصة
عندما وقعت عينا طارق على سيرين كانت تقف إلى جوار رجل آخر إنه كارم
للحظة تجمد طارق في مكانه وقد شعر وكأن الزمن قد التف حول عنقه كحبل مشدود
سيرين! لكنها اختفت! تمتم لنفسه غير مصدق لما تراه عيناه
قبل ثلاثة أيام في الخامس عشر من مايو كان من المفترض أن تنهي سيرين إجراءات طلاقها من ظافر لكن في ذلك اليوم قد تبخرت وكأن الأرض ابتلعتها ولم يعثر لها على أي أثر وكذلك لم يسمع عنها شيء
تسلل الفضول والقلق إلى عقل طارق فاقترب من إحدى الممرضات الكبار وسألها بصوت حمل بين نبراته الشك والدهشة
لماذا هي هنا لماذا سيرين في المشفى
لم يكن مدير المستشفى بعيدا عن الموقف وقد لاحظ القلق الذي بدأ يتسلل إلى ملامح طارق وبإيماءة سريعة أمر المدير أحد موظفيه بالبحث في سجلات المرضى عن أي معلومات تتعلق بسيرين
مرت ثلاثون دقيقة كأنها دهر قبل أن يعود الموظف حاملا بين يديه ملفا ثقيلا تسلم طارق الوثائق وما إن بدأ في قراءتها حتى تجمدت ملامحه
كان عقله ېصرخ بالدهشة وعيناه تسبحان بين السطور غير قادرتين على استيعاب الحقيقة التي انكشفت أمامه
سيرين لم تختف يوم الخامس عشر من مايو بل حاولت إنهاء حياتها!
تناولت كمية من الحبوب المنومة راغبة في إغلاق هذا الفصل من حياتها إلى الأبد لكن القدر مرة أخرى أبى أن يستجيب لرغبتها غير أن الصدمة الحقيقية في ذلك الخبر الذي جعل قلبه يخفق پعنف غير مألوف
كانت حاملا
ازدحمت الأسئلة في رأسه كزحام مدينة صاخبة عند الغروب كيف متى ولماذا
رفع عينيه ببطء وسأل الموظف بنبرة حادة
هل أنت متأكد من كونها حامل! كيف وقد كان ظافر كان على وشك تطليق سيرين تهامي
أومأ الموظف بالإيجاب مؤكدا المعلومة فازدادت تعابير طارق برودة وتصلب فكه بينما يستعيد في ذهنه صورة الرجل الغريب الذي رأه برفقتها لحظة خروجها من المستشفى
شعور مبهم بدأ يتسلل إلى
صدره شيء أشبه بشك قاتم تساؤل لم يجد له إجابة بعد
هل ذلك الطفل ينتمي لظافر حقا أم أن للقصة وجها آخر لم يكشف بعد
لم يكن طارق متأكدا مما إذا كان عليه إخبار ظافر أم لا كيف يمكنه أن يزج بهذه القنبلة وسط حياة ټنهار بالفعل
وفي النهاية قرر أن يتصل بدينا ليطلعها على ما اكتشفه دينا المرأة التي أنقذت حياته ذات يوم كما يعتقد
الجميع جاهلين الحقيقة الخفية التي طمستها دينا فقد كان طارق يشعر بالولاء المطلق لدينا التي لم يعد لها أحد في هذا العالم سواه
في وجهة نظر طارق قد تكون دينا هي الوحيدة القادرة على مساعدته لكنه لم يكن متأكدا إن كان ذلك سيفيد أم سيزيد الأمور تعقيدا
