مستحيل
الفصل الاول
في هذا الحي القديم حيث تنتشر البيوت العتيقة، كانت هي تقف في شرفة إحدى هذه البيوت تتطلع إلى الشارع الخالي من المارة في هذا الوقت المتأخر فقد جاوزت الساعة منتصف الليل بقليل وليس من عادة زوجها التأخر في العودة إليها، فما إن ينهي عمله حتى يسرع بالرجوع إلى المنزل وكأنه لا يقوي على فراقها للحظات أخرى حتى أن حماتها تسخر دوما من ذلك فلا تصيبها بالحنق كما ترغب، تدرك أن سخريتها خلفها قلب أم يخشى تعلق طفلها الوحيد بغيرها حد الإستغناء عنها.
نظرت في ساعتها قبل أن تتنهد، تمر الدقائق بطيئة على من يشتاقون لأحبتهم، ينهشهم فيها القلق خشية أن يكون سبب البعاد أذى أصابهم، أغمضت عيناها تضع يدها على قلبها تبتهل بصمت ان يرده الله إليها سالما وأن يحفظ خطواته من كل شر.
فتحت عيناها لتتهلل أساريرها وهي تراه يظهر في الشارع، يتطلع إلى الشرفة حيث كانت وكأنه يعلم علم اليقين أين ستكون في هذه اللحظة، إبتسم فبادلته إبتسامته. أرسل إليها قبلة هوائية فتطلعت حولها بخجل تخشي ان تكون فعلته على مرأي أحدهم وحين لم تجد عادت بمقلتيها إليه تطالعه حتى دلف إلى باب المنزل، كادت أن تسرع إلى الخارج تستقبله على باب شقتها بلهفة الزوجة ولكنها خشيت كلام حماتها، لن تحتمل السخرية الآن وقد كانت مشاعرها على الحافة منذ قليل لذا انتظرته بتوق، تسمعه يتبادل مع والدته بضع كلمات ثم يتمنى لها نوما هنيئا، وما إن دلف الحجرة وأغلق بابها حتى أسرعت ترتمي في حضنه يستقبلها بشوق زوج يحب زوجته بكل ذرة في الكيان.
كانت تنام على صدره بعد جولة من المشاعر عبرا فيها سويا عن اشتياق اجتاح الوجدان. تخبرها دوما حماتها منذ أول ليلة لها في هذا البيت أن شوق وليدها إليها سيخبو ما إن ينالها ويمر بعض الوقت على زواجها به، ولكن هاهم ستة أشهر قد مروا ومازال الشوق بينهما مستعرا وكأنها ليلتهما الأولى تماما.
دوى صوت حماتها فجأة في رأسها: متفتكريش ابني بيحبك، انت بس حلوة حبتين بكرة تحملي وحلاوتك دي ياخدها حفيدي ووقتها هتبقى أم إبنه وبس.
لا لن يحدث أبدا، سيحبني أكثر لإني سانجب له قطعة من روحي وروحه تزيد من ثبات علاقتنا وتقوى رباطنا الأبدي. ولكن متى سيحدث ذلك؟ لقد حملت في خلال هذه الفترة مرتين وفي كل مرة تجهض الطفل لسبب تجهله، حتى أن الطبيب لم يمنحها أبدا سببا بدوره، يخبرها أنه امر الله فقط وعليها أن تتقبله فتتقبله بصدر رحب تبتهل إلى الله في صلواتها ان يقر عينها يوما بطفل من حبيب الفؤاد، فقط لو تتركها حماتها وشأنها. لا تزرع هذه الهواجس في قلبها لعاشت مع زوجها حقا بسلام.
تململت فمرر يده على شعرها يتخلل خصلاته بحب قائلا: حبيبتي بتفكر في إيه؟
رفعت رأسها تواجه بعينيها الرماديتين مقلتيه العسليتين قائلة بصوت ثابت لايعكس خفقاتها المضطربة: إيه رأيك ياحبيبي نغير الدكتور اللي بنروحله ده ونروح لحد تاني؟ صفية بنت خالتي…
اعتدل مستقيما يقاطعها وهو يخرج من سريره يمسك علبة سجائره ويخرج منها واحدة قائلا بحنق: صفية تاني! احنا مش اتفقنا منتكلمش في الموضوع ده ياهند؟
نهضت تسحب روبها وترتديه ثم تقترب منه قائلة: ياعادل ياحبيبي أنا عايزة أفرحك، عايزاك تشيل ابنك على ايديك وتتباهي بيه في وسط عيلتك زي أصحابك.
كاد أن يشعل سيجارته فتوقف يمسك يديها بين يديه قائلا: وجودي بس جنبك بيسعدني ويفرحني ياهند، ده حلم واتحقق. فاكرة في الكلية لما كان كل شبابها نفسهم يكلموكي وانت كنت بترفضي، خفت أقرب منك مع ان قلبي كان متعلق بيك، خفت تصديني زيهم لغاية في يوم مالقيتك بتقربي مني وتطلبي كشكول المحاضرات بتاعي، ابتسامتك وقتها اديتني أمل فقلت جازف ياواد واطلب منها تقعدوا في الكافتيريا وتشربوا عصير ولما وافقتي حسيت اني اتفتحتلي طاقة القدر واني ممكن يبقى لقصة حبي نهاية سعيدة.
ابتسمت تطالعه بحب قائلة: وده اللي حصل، بسرعة حبينا بعض وبسرعة اتخطبنا وأهو اتجوزنا و عايشين أجمل أيام حياتنا. لكن…
لكن إيه؟
أطرقت برأسها قائلة: مش قادرة أمنع نفسي أفكر انك أكيد نفسك في طفل زيي تمام عشان فرحتنا تكمل.
مد أنامله يرفع ذقنها إليه قائلا: أكيد نفسي بس مش مستعجل، قلتلك كفاية عليا وجودك جنبي لغاية ده مايحصل، انسى بقى كلام أمي ومتحاوليش تتأثري بيه.
طيب عشان خاطري ياعادل نغير الدكتور. لو بجد بتحبني.
ابتسم قائلا: مع انك عارفة اني بحبك بس حاضر ياستي نغيره، أي أوامر تانية يابرنسيسة؟
ابتسمت تهز رأسها في سعادة، قبل أن تعقد حاجبيها قائلة: استنى هنا ومتوهنيش. كنت فين النهاردة وإيه اللي أخرك لبعد نص الليل؟
قرصها في وجنتها قائلا: غيرانة عليا ولا بتشكي فيا.
انت عارف اني واثقة فيك زي نفسي تمام. الحقيقة كنت خايفة وقلقانة، أنت عارف اني مقدرش أنام قبل مااتطمن انك بقيت في البيت.
رفع يدها يقبلها بحنان قائلا: هو أنا بحبك من شوية.
نظرتها أخبرته ألا يراوغ ويخبرها على الفور بما لديه، ليتنهد قائلا وهو يسحبها لتجلس جواره على السرير: الحقيقة كنت قاعد في القهوة مع صديق.
صاحب المحل اللي بتشتغل فيه؟
هز رأسه قبل أن يقول: بنته تعبانة وهتعمل عملية خطيرة في القلب.
ظهر الأسى على ملامح هند لتقول بألم: لا حول ولا قوة الا بالله.
مشكلة فعلا ومأساة بيمر بيها، طبعا محتاج فلوس فعرض عليا أدخل شريك معاه.
وإيه المشكلة دلوقت؟ اسحب الفلوس اللي محوشها في البنك وادخل معاه شريك، أهو ينوبك ثواب.
ميكفوش طبعا، محتاج مبلغ كمان عليه عشان أقدر أدخل شريك معاه، وطبعا لو مدخلتش شريك هيضطر يجيب شريك تاني عشان يوفر المبلغ لعملية بنته والله اعلم هيبقى عامل ازاي وهيعاملني زي صديق ولا لأ.
طب والحل؟
مش عارف جبتها كدة وكدة ملقتلهاش حل. حتى فكرت اروح لعمي البلد وأطالبه بميراثي بس انت عارفاه مش هيديني حاجة.
لمعت عيناها وهي تقول: وتروح بعيد ليه؟ أنا عندي الحل.
قطب جبينه قائلا: حل إيه ده؟
رفعت يديها أمامه قائلة: الحل في ايديا ياحبيبي.
نظر إلى يديها قبل أن تتسع عيناه يهز رأسه قائلا بنفي قاطع: مستحيل، دي شبكتك يعني حاجتك. ومش أنا الراجل اللي يبيع مراته دهبها.
أسرعت تمسك يديه قائلة بحنان: ومين اللي جابلي الدهب ده؟ مش انت؟ ياحبيبي خدهم وبيعهم ولما ربنا يفتحها في وشك ابقى عوضهملي. أنا بقبل العوض عادي جدا.
رغم المرح بصوتها إلا أنه طالعها للحظة بتردد قبل أن ينفض تردده وهو يقول: حتى لو قبلت، برضه المبلغ هيبقى ناقص.
يبقى تاخد الفلوس اللي انا حاطاها في البوسطة كمان.
دي الفلوس اللي باباك كان شايلهالك للزمن، مستحيل ألمسها.
مفيش حاجة اسمها مستحيل بين اتنين بيحبوا بعض. فلوسي فلوسك وفلوسك فلوسي. اقبلهم ياعادل. ساعدني أقف جنبك زي أي زوجة بتحب جوزها مابتعمل، وياسيدي قلتلك لما ربنا يفرجها عليك ابقى ردهملي.
طالعها بحب قائلا: أنت مفيش منك ياهند، ربنا يخليكي ليا.
ويخليك ليا ياحبيبي.
انا هاخد منك الدهب والفلوس بس همضيلك ورقة تحفظلك حقك. ماشي. ياإما اعتبري اني مش موافق. اتفقنا؟
مفيش بينا الكلام ده بس لو ده هيريحك أنا معنديش مانع. أهم حاجة تكبر في شغلك وتحقق أحلامك.
أحلامي اتحققت في اليوم اللي قبلتي فيه تكوني مراتي وحبيبتي ياهند.
بحبك ياعادل.
مال يلثم ثغرها ماإن غادره اعترافها بحبه، ينهل من حبها كيف يشاء يرضي خفقات قلبه التي تتوق لها في كل لحظة.
كانا يتحدثان وهما يسيران بجوار مقهى الحي الذي يسمع رواده الراديو القديم بينما يشربون المشروبات الساخنة. لتتوقف صفية قائلة بجزع: هتعملي ايه يااختي؟
امشي بس ياصفية، متفرجيش الناس علينا. جاية قدام القهوة وهتفضحينا.
سارت صفية بجوار هند وهي ترفع رأسها للسماء قائلة: ماانت هتشليني، رايحة تديله الدهب و الفلوس بالبساطة دي. افرضي المشروع منجحش أو حماتك غصبته يكتب العقد باسمها، وقتها هتتصرفي ازاي يافالحة؟ وهتعيشي منين؟
هفترض الكلام الأهبل اللي انت بتقوليه ده. هعيش من شغل جوزي. أو حتى أخرج أشتغل مش قضية يعني، لكن يبقى معايا اللي أساعد بيه جوزي وأقف أتفرج وأبخل بيه عليه أهو ده اللي مش ممكن أعمله أبدا.
انا مبقولش تبخلي ياهند، ماانا قدامك أهو هتجوز من غير دهب، وأنا اللي طلبت بنفسي من محمد ميجيبليش دهب ويحط الفلوس في شقتنا. بس كان كفاية قوي حاجة من الاتنين. ياالفلوس ياالدهب. حماتك مش سهلة ومفيش حاجة مضمونة في الزمن ده وممكن المشروع يفشل و تحتاجي الفلوس دي في يوم من الأيام.
لا أعرف كيف أصارحك يابنت الخالة ولكني أخشى أن تنجح حماتك في تحقيق رغبتها والتفريق بينكم، أراها في عينيها دوما كلما التقينا. وقتها كيف ستعيشين؟
أفاقت من أفكارها على صوت هند التي قالت بمرح: ياصفية تفائلي خير. المشروع هينجح بإذن الله وحتى لو منجحش هنشوف شغل تاني زي ماقلتلك.
عموما انت حرة، أنا نبهتك وعقلك في راسك تعرفي خلاصك.
ماشي ياست العاقلة، ممكن بقى أعرف احنا خارجين النهاردة رايحين على فين؟
محمد مشغول مع الناس اللي بيبيضوا الشقة وطلب مني أروح لعم سعد أختار أوضة النوم وأوضة الضيوف. بصراحة بحب ذوقك قوي وقلت تختاري معايا.
أيوة بقى هانت ياصافي وهشوفك عروسة. عايزين نفرح ونبل الشربات.
والله قلبي مقبوض ياهند ومش عارفة مالي، المفروض اكون فرحانة زي أي عروسة بس فيه غصة في قلبي معكننة عليا وكأن فرحتي ناقصها حاجة.
اي عروسة بيجيلها الشعور ده. متقلقيش بس زي ماقلتلك تفائلي خير وهتبقى ليلتك ولا ألف ليلة وليلة.
طب سرعي خطواتك ياست المتفائلة عشان نلحق نرجع بسرعة قبل المغرب.
هو انت مش هترجعي معايا البيت عشان اوريكي تصميم فستان الفرح قبل ماأبدأ فيه؟
انا واثقة فيكي يا هنودة، ده لسة فستان خطوبتي الكل بيتكلم عنه وبيسألوني عملتيه فين؟ انا مش عارفة ازاي تبقى بتصممي بالحلاوة دي وفستان فرحك تشتريه.
أعمل إيه بس؟ الوقت مأسعفنيش. وكل حاجة جت بسرعة. عموما هعوضها فيكي ياعسل.
تأبطت صفية ذراع صديقتها قائلة بحب: ربنا مايحرمني منك يابنت خالتي.
ولا يحرمني منك ياصافي.
الفصل الثاني
ما ان رأته يدلف من الباب معها حتى ابتدرته قائلة بغضب: بقى بتوديها لدكتور تاني من ورايا ياعادل؟ دلوقتي الدكتور بتاعي بقي كخة. روح يااخويا أما نشوف آخرتها. ماهو عشم إبليس في الجنة. هي الأرض البور بينصلح حالها ياموكوس؟
ماما! من فضلك؟
أسرعت هند تجاه حجرتها تدلف إليها باكية بينما قال عادل بحزن: عاجبك كدة؟
طالعته بحنق قائلة: خايف قوي على زعلها طيب مخفتش على زعل أمك ليه وأنا بكتشف انك موديها لدكتور تاني ومخبي عليا؟
أهو أنا خبيت عليك مخصوص بسبب اللي عملتيه ده. ياماما ياحبيبتي هند بنت رقيقة مينفعش كل شوية تسميها بكلامك.
ظهرت الصدمة على ملامحها وهي تقول: بقى كدة ياعادل؟ أمك كلامها سم. هان عليك تقولها؟ أهو ده اللي كنت خايفة منه. غيرتك مراتك وخلتك تقسى على أمك حبيبتك اللي ملهاش غيرك في الدنيا.
اقترب منها بسرعة يمسك يدها ويقبلها بحنان قائلا: ماعشت ولا كنت لو للحظة قسيت عليك ياأمي، انت عارفة غلاوتك عندي وعارفة كمان ان لو الدنيا كلها في كفة وانت في كفة هختار كفتك ياحبيبتي.
ربتت بيدها الحرة على رأسه قائلة بحب: الله يرضى عليك ياابني.
رفع وجهه إليها قائلا: بس عشان خاطري. حاولي متزعليش هند. انت عارفة غلاوتها في قلبي وزي ما بقدرش على زعلك وبيوجعني، زعلها برضه بيوجعني.
أصابها الحنق مجددا، يقارنها بهذه الفتاة السخيفة. كادت أن تقول شيئا ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة لا تقوى في هذه اللحظة على نظرات عينيه المتوسلة إليها، ستخضع مؤقتا حتى تستطيع أن تجعله هو بذاته يلفظ هذه الهند من حياته، للأبد.
لذا هزت رأسها بهدوء فأسرع يقبل يدها بسعادة ثم يتجه إلى الحجرة بلهفة، لتنظر والدته في إثره بغيظ تقول بهمس حانق: روح ياأخويا وراها وأقعد صالح في البرنسيسة للصبح، يلا معلش. مسيرك ياملوخية تيجي تحت المخرطة وساعتها…
ضمت قبضتها بينما أفكار شيطانية تداعب مخيلتها. وتزيد من رغبتها بالتخلص من هذه الفتاة.
اللونين حلوين قوي مع بعض. مكنتش متوقعة انهم هيطلعوا بالشكل ده أبدا.
وضع يده على قلبه يقول بطريقة مسرحية: كنت شاكة في ذوق حبيبك محمد؟ آه ياقلبي.
وكزته قائلة: بلاش أفورة. الراجل بيدهن في الأوضة اللي جنبنا وممكن يسمعك.
ماهو ده اللي موقفني عن اني أستفرد بيكي ياجميل.
تستفرد بيا. ده بعينيك. ولا هتلمس ضافر مني قبل مانكتب كتابنا.
أهو أنا نفسي أكتبه بس الحاجة نبيلة مش راضية مش عارف ليه مع اني ابن عمك. يعني من العيلة والله.
انا كمان طلبت منها كتير ورفضت، عموما مبقتش قضية يامحمد، كلها أسبوعين ونتجوز ووقتها كدة كدة هتوافق نكتبه.
قال بمزاح ساخر: وليه تيجي على نفسها؟ مانأجل كتب الكتاب لبعد الفرح.
وكزته مجددا قائلة: ماتهزرش. هو ينفع فرح من غير كتب كتاب؟
إيه ياصفية هو كله زغد زغد مفيش شتيمة؟
فيه ياخفيف. تحب تسمع؟
لا وعلى إيه. خلينا مؤدبين أحسن.
أيوة كدة ناس مبتجيش غير بالعين الحمرا.
نظرت إلى ساعتها قائلة: بقولك ايه. أنا إتأخرت قوي همشي بقى عشان يادوب ألحق أوصل البيت قبل المغرب. انت عارف تعليمات الحاجة صفية.
عارفها طبعا، استنى هاجي أوصلك.
لأ خليك مع عم ناجي. احنا عايزينه يخلص وميبلطش في الخط. ولو نزلت هياخد راحة وهو خلاص مبقاش قدامه غير أوضة الضيوف اللي شغال فيها دلوقت وتبقى الشقة تمام قوي. تتساب بقى تنشف أسبوع قبل ماأفرش.
ماشي يااسطي.
طالعته بحنق فأسرع يقول: بهزر معاك. انت مبتهزرش يارمضان؟
لأ بهزر. بس مش الهزار السخيف ده. فيه حد في الدنيا يقول لخطيبته ياأسطي؟
في دي معاك حق. ممكن تتقبلي أسفي ياجميل؟
اتقبلناه. يلا بقى أشوفك بخير. سلام.
سلام.
أسرعت تغادر يتابعها بعينيه قبل أن يتنهد وهو يضع يده على قلبه قائلا: هانت ياحلو وهتبقى ملكك وساعتها أحلامك معاها كلها هتتحول لحقيقة.
كانت تقف على أول الطريق تنتظر سيارة أجرة تقلها إلى المنزل حين سمعت صوتا يبدو كما لو أنه إنفجارا، ثم ساد الهرج والمرج وتعالت الصرخات على مقربة منها، غصة أصابت حلقها تزامنا مع قبضة اعتصرت قلبها جعلتها تقترب من المكان الذي يأتيها منه الصراخ بسرعة، لتتسع عيناها بصدمة فأمامها كانت العمارة التي تقع فيها شقتها حطاما بينما الجميع يهرعون إلى هذا الحطام بحثا عن أحياء. ولكن من قد يستطيع النجاة من حطام كهذا؟ شعورها أخبرها أنه لم يعد على قيد الحياة. لتخبو خفقاتها رويدا رويدا مع خفقاته حتى وجدت نفسها فجأة تسقط أرضا مغشيا عليها.
خلاص بقى متبقيش عبيطة وتاخدي على خاطرك من كلمتين قالتهم ست كبيرة. انت مش قلتيلي هتعتبريها زي والدتك الله يرحمها؟ فيه حد بياخد على خاطره من والدته برضه؟
قالت من وسط دموعها: أنا فعلا قلت كدة. بس كنت فاكراها هتعتبرني هي كمان زي بنتها وتعاملني بما يرضي الله. انا استحملت كتير ياعادل بس خلاص فاض بيا. كلامها بيوجعني قوي. بيكسرني.
سحبها بسرعة إلى حضنه يضمها بين ذراعيه، يملس بيده على خصلاتها قائلا بحنان: متزعليش ياقلبي حقك عليا أنا، أقولك امسحيها فيا وأنا ياستي هنبه عليها متزعلكيش تاني، وأنا يهون عليا برضه كسرة قلبك. ده حبيبي انا وروحي وحياتي كلها.
استكانت بحضنه قائلة: هو كمان ملوش في الدنيا دي غيرك. ساكن فيه ومش طالب في الدنيا دي غير رضاك عنه.
طب ماتيجي ندلعه حبة.
خرجت من حضنه قائلة: لأ آجي فين. انت ناسي الدكتور قال ايه؟
قال بحنق: لأ مش ناسي. 3 أيام بلياليهم أبعد عنك. طب وجاله قلب يفرقنا بالشكل ده؟
لازم نتحمل. كله عشان خاطر ابننا ياعدولة.
أهي عدولة دي اللي مودياني في داهية، ماشي ياستي نتحمل وأمرنا لله أما نشوف…
قاطعه رنين هاتفها المتواصل، فأخرجته من حقيبتها تطالع شاشته قبل أن تجيب ابنة خالتها قائلة بمرح: صافي حبيبتي…
صفية مجددا تقاطع لحظاتهم الحلوة. هكذا فكر عادل بينما عقدت هند حاجبيها قائلة: مش فاهمة حضرتك. هو ده مش تليفون…
صمتت ليعقد عادل حاجبيه حين شاهد هلع زوجته وشحوب ملامحها وهي تقول: انا جاية حالا.
أغلقت الهاتف بينما يقول عادل بحيرة: خير ياهند؟
قالت هند بحسرة: مش خير أبدا ياعادل، العمارة اللي فيها شقة صفية اللي هتتجوز فيها وقعت.
لا حول ولا قوة الا بالله. ربنا يعوض عليهم.
بدأت دموع هند في السقوط وهي تقول: العمارة وقعت وكان فيها خطيبها وقتها، محمد مات ياعادل وصفية في المستشفى عندها انهيار عصبي زي ماالدكتور بلغني دلوقت ولازم أروحلها وأبلغ خالتي قبل ماأروح وانا مش عارفة هعمل كدة ازاي؟
قالت جملتها الأخيرة وهي تجلس على السرير تنخرط في بكاء حار فأسرع يجثو أمامها يمسك بيدها قائلا: مش وقت انهيار ياهند، خالتك وصفية محتاجينلك، قومي معايا نروحلهم. أزمة وهتعدي. والحزن هو الشيء اللي بيتولد كبير وبعدين بيصغر.
طالعته بعيون حزينة وهي تقول: كل حزن ممكن يصغر الا حزن الفراق لحد بتحبه وروحك فيه، بتبقي نار قايدة بتشعلل بزيادة كل ماتفتكره.
انت جنبها هتخففي عليها حزنها، هتسنديهم زي مااتعودتي منهم يسندوكي. قومي ياهند خلينا نروح.
طالعته للحظة قبل أن تتمالك نفسها وتقرر أن تسمع كلامه وتصير سندا لعائلتها كما كانوا لها دوما، لتنهض معه وتستسلم ليده التي تقودها للخارج، تتمنى لو كانت حماتها قد خلدت للنوم فلا قبل لها بسماع كلمات تؤلمها أكثر. فهي الآن تتألم بما يكفي.
الفصل الثالث
عندما حان الفراق أحرقني الغياب، لا أصدق أنك فارقت الحياة وتركتني.
وعدتني أن تمسك يداي حتى فنائي، فتخليت عني وجعلتني وحيدة في هذا الكون البائس.
لكنك نسيت قبل أن تذهب أن تعلمني كيف السبيل إلى النسيان؟
كيف أكفكف مدامعي التي لا تنضب وكيف أطبطب على قلب مزقه الألم وأدمته الحسرة؟
كيف أبعد غصة حلقي فأستطيع التنفس دون ألم؟
رصاصات الذنب ترديني في بعادك.
تجبرني أن أتساءل. ماذا لو،؟
ماذا لو تركتك حدي ولم أرسلك بعيدا. هل كان المصير سيغدو مشرقا؟
أم أنه القدر أراد سلبي إياك على كل حال؟
سأعيش يقتلني الفراق حتى يحضرني الردي أو قد يصيبني الجنون فأصير للهذيان أسيرة. في كلتا الحالتين أشعر بالموت يحلق فوق رأسي وياللعجب أدرك أني حقا لا أبالي.
كانت تبكي بصوت متهدج أليم النبرات، تقول من بين شهقاتها: محمد مات وسابني لوحدي ياهند؟ سابني لوحدي.
قالت هند بألم: وحدي الله يا صفية. انت مؤمنة بربنا وعارفة ان الموت قضاء ربنا ولازم نرضا بقضائه.
انا السبب، كان عايز يوصلني وأنا اللي مرضيتش. قلتله خليك مع الراجل اللي بيدهن، لو كان جه معايا كان عاش. صدقيني ياهند أنا السبب. أنا المجرمة اللي سلمته بإيدي للموت.
ياصفية ده قدره. ساعته اللي ربنا كتبهاله، لو كان معاكي كان برضه هيموت. لكل أجل كتاب.
هزت صفية رأسها نفيا تقول من وسط دموعها: لأ انا السبب. صدقيني أنا السبب. أنا اللي قلتله خليك. أنا اللي قلتله خليك. أنا المجرمة صدقوني. أنا اللي قتلت محمد. انا اللي قتلته.
ظلت تردد هذه الكلمات بصوت مدوي، ليدلف كل من خالتها وزوجها إلى الحجرة فقالت هند بانفعال: انده الدكتور ياعادل. بسرعة.
أسرع عادل يلبى طلبها بينما حاول كل من هند وخالتها تهدئة صفية حتى وصول الطبيب ليمنحها حقنة مهدئة تجعلها تذهب إلى سبات يريحها من هذا العذاب الذي تعانيه.
كانا يقفان خارج الحجرة ينتظران خروج الطبيب ليطمأنهم على حالة صفية بينما بقيت هند بالداخل ترفض الخروج معهم وتصر على المكوث معها، خرج الطبيب بعد لحظات يخبرهم أنها من الأفضل لو تتابع مع طبيب نفسي ثم انصرف فجلست الأم تبكي بحرقة قائلة: ياحبيبتي ياضنايا، مكتوبلك الهم ده كله فين؟
ربت عادل علي كتفها قائلا: وحدي الله ياست نبيلة، ده قدر ومكتوب.
لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله. اللهم اني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.
ظهرت هند على أعتاب الحجرة شاحبة الوجه فاقترب منها عادل يقطب حاجبيه قلقا وهو يقول: مالك ياهند وشك أصفر كدة ليه؟ صفية كويسة؟
انتبهت الخالة فأسرعت إلى هند تقول بقلق: صفية مالها ياهند؟ ردي علينا يابنتي.
قالت هند بصوت واهن: صفية كويسة متقلقوش، من ساعة ماخدت الحقنة وهي نايمة. أنا بس…
صمتت فاستحثها عادل قائلا: انت إيه؟ مالك ياهند؟
مش عارفة ياعادل، دايخة وحاسة روحي بتنسحب مني وألم رهيب في دماغي و جسمي…
لم تكمل كلماتها والدنيا تسود أمام عينيها، لتسقط مغشيا عليها فالتقطها عادل بين ذراعيه بينما خالتها تصرخ بلوعة.
مغمضة العينان تسمع همهمات جوارها، تحاول أن تفتح عيناها ولكنها تجد صعوبة في ذلك، نيران في عمودها الفقري تحرقها، ترغب في أن تنقلب على جانبها فلا تستطيع أيضا، وجنتاها رطبتين تشعر بأنامل لا تخصها تمسح شيئا من على وجهها، الأصوات لم تعد همهمات بل صارت أكثر وضوحا، انها خالتها تقول بألم: ياعيني عليكم يابناتي، عين وصابتكم. دي بتبكي ياحبة عيني وهي نايمة.
صوت زوجها يقول: خلاص ياست نبيلة، ملوش لزوم البكا دلوقتي. شوية أنيميا وضغط واطي زي ماقال الدكتور، واهي خدت المحلول وهتبقى زي الفل.
والله الدكتور ده مابيفهم حاجة. تحاليل ايه اللي عملهالها دي؟ هو تحليل واحد اللي كان مفروض تعمله.
تحليل ايه ده بقى إن شاء الله؟
تحليل حمل.
همس قائلا: حمل ايه بس؟ هو احنا لحقنا.
بتقول حاجة ياعادل؟
ها. لأ مبقولش. استنى كدة باينها بتفوق.
نظرت الخالة إلى وجه هند لتجدها بالفعل تحاول فتح عيونها حتى استطاعت فزفرت الخالة بارتياح قائلة: ياما انت كريم يارب. حمد الله على سلامتك ياهند.
قالت هند بوهن: الله يسلمك ياخالتي.
قال عادل بحنان: عاملة ايه دلوقتي ياحبيبتي؟ حاسة بحاجة؟ أندهلك الدكتور؟
ملوش لزوم. هو بس ألم في ضهري وهيروح لحاله، الظاهر من الوقفة. صحيح صفية أخبارها إيه؟
قالت الخالة بمرارة: من شوية فاقت وقعدت تعيط، ادوها حقنة مهدئة ونايمة ياقلبي، مش عارفة آخرة المهدئات دي إيه؟ كل أما تفوق يدوهالها تاني.
بسبب حالة الانهيار اللي هي فيها. لازم مهدئ والا هتجنن. ربنا يصبرها ياخالتي، اللي حصل كتير قوي عليها.
والله ماأنا عارفة هسيبها كدة ازاي وأروح أحضر دفنة محمد، البوليس بلغنا نستلمه من المشرحة بعد ماخلصوا التحقيق، منه لله صاحب العمارة بناها باسمنت مغشوش وآدي النتيجة. موت وخراب ديار.
قالت هند بحزن: منه لله. روحي انت وأنا هفضل مع صفية. هي اصلا هتفضل نايمة مدة طويلة ولو صحيت هيدوها مهدئ تاني. محمد الله يرحمه ملوش حد غيرك، يتيم وانت كنت أمه وأبوه. ومحدش هيخرجه لقبره غيرك.
تساقطت دموع نبيلة قائلة بحسرة: قبره. ازاي بس؟ ياقلبي يامحمد. ربنا يعلم انه كان الابن اللي مخلفتوش. ربنا يرحمه ويصبر قلوبنا على فراقه ويقوي بنتي على خسارته ياااارب.
كفكفت الخالة دموعها وهي تغادر بينما تقول هند برجاء: روح معاها ياعادل. متسيبهاش لوحدها. مش هتعرف تتعامل ومش بعيد تنهار.
وانت هسيبك لوحدك؟ مش هينفع.
انا في المستشفى متقلقش عليا، هياخدوا بالهم مني انا وصفية لحد ماترجعوا. قوم روح معاها ومتضيعش وقت.
هز رأسه بهدوء ثم نهض يقبل جبينها قبل أن يغادر، لتتمتم هند بحزن: ربنا يرحمك يامحمد ويصبر قلب صفية ويقويها يااااارب.
نظرت هند إلى ابنة خالتها بحزن قائلة: ياصفية مينفعش كدة ياحبيبتي لازم تاكلي لقمة.
ازاحت صفية الصينية جانبا قائلة: مليش نفس ياهند.
قربت هند الصينية منها مجددا قائلة: حتى لو ملكيش نفس لازم تاكلي عشان تعيشي ياقلبي.
وأعيش ليه؟ مااللي كنت عايشة عشانه راح.
لا حول ولا قوة الا بالله. الله يرحمه. طيب ومامتك وأنا. عايزة تسيبينا بس لمين؟
انت عندك عادل ربنا يحفظهولك وماما عندها انت، انا مجرد حمل ملوش لازمة.
لأ ليك لازمة ونص وبطلي الكلام ده وإلا هزعل منك بجد، انت الأخت اللي مليش غيرها، السند والضهر. روحي فيكي ياهبلة ولو جرالك حاجة أموت.
بعيد الشر عنك.
شفتي اتخضيتي ازاي؟ يبقى ينفع أسمعك بتقولي الكلام ده؟ حسيتي باللي أنا حاسة بيه؟
خلاص ياهند فهمت.
يبقى تاكلي الأكل ده كله عشان تقدري تقفي وتسنديني زي ماطول عمرك سنداني ياقمر.
هاكله بس قومي دلوقت وروحي بيتك انت اتأخرتي وعادل قرب يروح البيت.
مش هقوم قبل ماآخد الصينية دي فاضية، لو عايزانى أروح بسرعة خلصيها بسرعة.
هزت رأسها بوهن ثم أمسكت الصينية تتناول بضع لقيمات بينما تطالعها هند بحنان، تدعوا الله أن يحفظ صفية ويخرجها من هذا الدرب المظلم الذي يجذبها إليه، تقسم انها لن تتركها حتى تساعدها على ذلك. مهما حدث.
أدارت هند المفتاح في الباب ودلفت فإذا بصوت حماتها الساخر تقول: الهانم لسة بتحن علينا ومشرفة دلوقت. وجاية على نفسك ليه؟ ماكنت تباتي عند خالتك بالمرة.
أغلقت هند الباب وهي تستغفر في نفسها قبل أن تقول: حضرتك أنا مكنتش بلعب. ولا خارجة السوق. انت عارفة الظروف اللي صفية بتمر بيها وطبيعي تلاقيني جنبها لحد ربنا مايقومها بالسلامة.
إيه الدلع الماسخ ده؟ خطيبها ميت بقاله أكتر من عشر أيام وخرجت من المستشفى من أسبوع، لازمته ايه تخرجي كل يوم من صباحية ربنا وتقعدي معاها للعشا؟ هو ده مش بيتك برضه وجوزك اللي شقيان طول النهار مش واجب يرجع يلاقي مراته محضراله الأكل وبتستقبله حلو بدل مابيرجع يلاقيكي تعبانة ويادوب بتحضريله اللقمة بالعافية.
شعرت هند بالدماء تغلى في عروقها ولكنها كما اعتادت دوما حين يجمعها نقاش مع هذه السيدة أن تستغفر في نفسها قبل أن ترد عليها، فأمثال السيدة نجية يحتاج إلى البرودة في التعامل حتى لا تخرجها عن طورها فيحدث مالا يحمد عقباه. لذا استغفرت قبل أن تقول: أنا قولت لحضرتك انها ظروف، وتعبي مش عشان بروح اقعد مع بنت خالتي، لأ أنا فعلا تعبانة وبكرة هروح للدكتور عشان أعرف مالي؟
كل شوية تعبانة وودي ياعادل للدكتور وهات من عند الدكتور واصرف قد كدة. آه ماهو البنك اللي فتحهولك بابي وقالك اغرفي منه ياهند وعبي.
إلى هنا وكفى. لن تسمح لها بالتطاول على أبيها رحمه الله لتقول هند بغضب: لحد هنا ومسمحلكيش، من فضلك إلزمي حدودك واعرفي بتقولي إيه.
دلف عادل في هذه اللحظة عاقدا حاجبيه لتسرع السيدة نجية في وضع قناع الإنكسار على وجهها تصحبه بعض الدموع المزيفة وهي تقول: شفت ياعادل. سمعت ياابني بنفسك مراتك بتكلمي ازاي وبتقولي إيه؟
أنا مش مصدق وداني.
ياعادل هي اللي بدأت…
قاطعها قائلا بغضب: حتى لو هي اللي بدأت زي مابتقولي. دي ست كبيرة مينفعش تقلي منها كدة، اعمليلي حتى حساب واستني لما آجي واحكيلي مش تزعقيلها بالشكل ده؟
رأيتها سابقا ولم تفعل شيئا وحتى ان انتظرتك كما طلبت مني وأخبرتك ستظل عاجزا عن القيام بأي شيء يحفظ كرامتي.
ظهرت الشماتة في عيون نجية بينما طالعته هند بصدمة تقول: أعملك حساب؟ وهو أنا ضيعني غير اني عاملالك حساب ودايما سامعة وساكتة عشان عارفة غلاوتها عندك. دلوقت لما فاض بيا من تعبي واتكلمت ولأول مرة أرد بقيت مش عاملالك حساب. هي دي آخرتها ياعادل؟
ظلت ملامحه جامدة وهو يقول: اعتذريلها ياهند.
قالت باستنكار: أعتذرلها؟
لو فعلا بتعمليلي حساب وبتخافي على زعلي. اعتذريلها.
وزعلي انا مش مهم عندك؟ وقهرتي وانا بعتذر ليها وهي المفروض اللي تعتذرلي عادية بالنسبة لك مش كدة؟ ايه رأيك بقى اني مش هعتذر.
عقد حاجبيه بقوة قائلا: يبقى هعاقبك بطريقتي ياهند وهحرمك من دخول بيت خالتك لحد ماتعتذري.
اتسعت عيناها بصدمة تقول: انت بتقول ايه؟ انت ايه اللي جرالك؟
قالت نجية بحزن مصطنع: شافك على حقيقتك وعرف بتعملي ايه في أمه.
من فضلك ياماما.
خلاص ياابني سكت أهو.
طالعتهما بقلب ينكسر إلى فتات، تشعر بروحها تتمزق بقوة. تدرك أنها لأول مرة تدرك كسرة القلب التي لن يجبرها أي شيء كما كانت تسمع عنها دوما، انها كسرة تردي الكيان لتشعر بأنه يفنى ببطئ. بألم. وكأن هناك نيران تذيبه رويدا رويدا، ليتلظي في الجحيم ولا يجد ما يطفئه.
اغروقت عيناها بالدموع قبل أن تهرب من المكان تتجه لحجرتها، كاد عادل أن يتبعها ولكن والدته أمسكت بيده تمنعه قائلة: لأ إجمد كدة وميبقاش قلبك رهيف. سيبها خليها تتربى. أهو دلعك فيها ده اللي مركبها عليك وعليا، اوعي تطاطي بعد مارفعت راسي وأكدتلي اني عرفت أربي ياضنايا.
أغمض عيناه بقوة يقاوم ضعفا تجاهها كرهه في هذه اللحظة فقد يغفر لها كل شيء إلا المساس بأمه. فتح عيناه وقد قسيتا قبل أن يزيح يده من يد أمه ويتجه للخارج يفتح الباب ويطرقه خلفه بغضب، تناديه والدته فلا يجيبها وماان أغلق الباب حتى ابتسمت نجية تقول بانتصار: أول مسمار أدقه في نعش حبكم الكبير ياست هند، وأخيرا عرفت أخليه يزعل منك. انت اللي جبتيه لنفسك. كنت دايما أسم بدنك وتسكتي لدرجة اني قلت عليك باردة ومبتحسيش، ايه اللي جد وفرعنك. أهي جت على دماغك، وقريب قوي هقدر أفرق بينكم ووقتها هجوزه بنت عمه اللي محيلتوش غيرها وساعتها هيرجعله أرضه وهيبقي فوقها أرض عمه كمان. الأرض كلها هتبقى ملك ابني حبيبي، وملكي.
الفصل الرابع
بعض الأشياء قدر ماتحرقك قدر ماتعلمك أنك كنت أطيب من اللازم، ضحيت وبذلت كل عزيز لديك من أجل إسعادهم وفي النهاية جرحوك وكأنك جماد لا تشعر، لتسقط دموعك وحدك بصمت من شدة الألم، تدرك أنك كنت واهما حين ظننت أنك ستجد في نهاية طريقك بعض التقدير.
لم تستطع النوم رغم جرح القلب العميق، تدرك أن الوقت جاوز منتصف الليل بساعتين، ليس من عادة زوجها التأخر حتى هذا الوقت. هل يعاقبها أم تراه أصابه مكروه؟ عند هذه الفكرة قبضت بيديها على سور الشرفة بقوة، تخشي عليه من أي أذى قد يصيبه، تلعن قلبها الذي يحن لرجل جرحها بقسوة ولم يبالي. هدأت خفقات القلب وشعرت بارتياح حين رأته على أول الشارع يقترب من البيت، رفع رأسه ونظر مباشرة إلى الشرفة وكأنه يدرك مجددا أنها ستكون هناك رغم كل شيء، أرسلت له نظرة عتاب طويلة بينما ظلت ملامحه جامدة حتى دلفت هي إلى الداخل بهدوء، صعد إلى الشقة فوجد والدته قد خلدت إلى النوم، دلف إلى حجرته فرآها نائمة على السرير تمنحه ظهرها وتلتحف بدثارها بقوة. كاد أن يقترب منها، يزيل هذا الحاجز الذي يشعر به أقيم بينهما اليوم، يطالبها باعتذار له حتى يصفو القلب لها ويعودا حبيبين كما اعتادا كل ليلة، لا يستطيع تخيل أن يناما متخاصمين لأول مرة منذ زواجهما ولكن كلام والدته تردد في أذنه مجددا، يقسى قلبه عليها وهو يرى أنها حقا تمادت ولم تعتذر رغم طلبه منها ذلك، لذا وجب عقابها والا تمادت أكثر. ليزفر وهو يبدل ملابسه ويرتدي منامته ثم يتخذ جانبه من السرير يمنحها ظهره بدوره، بينما ينكسر قلبها للمرة الثانية على التوالي في هذا اليوم وقد توقعت أن يحاول مصالحتها فلم يفعل لتدرك أنه تأثر بكلمات والدته لأول مرة منذ زواجهما وهذا لا يبشر بالخير أبدا، لتتساقط دموعها مجددا بصمت تنعي قلب يوجعها ألمه ويبكيها قهرته.
كانت تحتضن وسادتها تبكي في صمت بعد رحيله، حتى هذه اللحظة كان لديها أمل في أن يمنحها ماتاقت إليه منذ البارحة، شعورا بالندم على مافعله بها، لا تبغى حتى اعتذارا بل يكفيها أن ينام جوارها يضمها إلى صدره هامسا في أذنها. أحبك. لم تكن لتكلفه شيئا ولكنها كانت لها بمثابة ربتة حانية على قلب تهدم حين شعرت لأول مرة منذ عرفته أنها فقدت السند، رن هاتفها فلم تعره اهتماما، على الأغلب سيكون اتصالا واردا من خالتها تسألها عن سبب عدم ذهابها إليهما اليوم وعما إذا كانت بخير بعدما لاحظت شحوب وجهها البارحة وطلبت منها عمل اختبار حمل، بينما لم يهتم زوجها بحالتها الواهنة في الفترة الأخيرة ولم يسألها عن حالها بعدما أبدى لها اهتمامه بالمشفى، وكأنه يلومها حقا على تعبها في الأيام الأخيرة او أن حماتها تردد على مسامعه ماقالته لها اليوم، تدعي تفضيل هند لابنة خالتها على زوجها مما يؤثر على زواجهما بكل تأكيد. رنين الهاتف المتواصل جعلها تنفض أفكارها وهي تنهض لترى من المتصل بها، وجدته رقما غريبا فعقدت حاجبيها وكادت ان تتجاهله ولكنها تدرك أن المتصل يصر على الوصول إليها وأنه لن يهدأ له بال حتى تجيب، فأجابت قائلة: ألو.
صوت أنثوي جاءها تقول صاحبته: مدام هند عبد الكريم.
أيوة. خير؟
معاك الممرضة سامية من مستشفى دار الشفا، الحقيقة نتيجة تحاليل حضرتك طلعت والدكتور عزيز طالب يشوفك النهاردة ضروري.
قطبت جبينها تتساءل ما الشيء الضروري في تحاليلها الذي يستدعي رؤيتها للطبيب اليوم؟ وهل من الممكن أن تؤجل الموعد وقد منعها زوجها من الخروج؟ لتقول بهدوء: طيب مش هينفع نأجل الميعاد لبكرة انا…
قاطعها الممرضة قائلة: للأسف مش هينفع، الدكتور أكد عليا ضرورة حضورك يامدام.
لقد أثرتي فضولي الآن حقا، لذا سأضرب بكل شيء عرض الحائط وسأذهب لزيارة الطبيب.
هكذا أسرت هند في نفسها لتقول بهدوء: تمام. هاجي علطول مع السلامة.
أغلقت الهاتف وتركته على الطاولة الصغيرة، ثم ذهبت إلى الخزانة تنتقي ثوبا لترتديه حتى تذهب لزيارة الطبيب وترى مالديه.
كانت تهز قدميها في انتظار دخول الطبيب، تنظر في ساعتها بملل، لقد مر عليها قرابة نصف الساعة وهي تجلس منتظرة حضوره بعد أن أبلغتها الممرضة أن هناك حالة طارئة استدعت وجوده في الاستقبال وما إن ينتهي منها حتى يوافيها على الفور.
كانت تأمل ان تنتهي وتعود قبل أن يلاحظ أحد غيابها خاصة وقد ذهبت وحماتها نائمة، ربما ماتزال تظنها في حجرتها غاضبة منذ البارحة، تشمت فيها على الأغلب، حسنا. لا مجال الآن وحين تعود ستكون حماتها في استقبالها لتخبر زوجها بأنها خرجت دون إذنه، يعلم الله أنها كانت مضطرة بعدما استبد بها القلق لمعرفة مالدي الطبيب وأنها حاولت الإتصال بزوجها في الطريق تخبره، ولكن هاتفه كان مغلقا. دلف الطبيب في هذه اللحظة فتوقفت أفكارها تماما وهي تبادله التحية قبل أن يجلس أمامها يمسك التحاليل قائلا: الحقيقة يامدام سعاد التحاليل والأشعة اللي عملنهالك من فترة وضحت حاجة لازم تعرفيها، انت طبعا مؤمنة بقضاء الله وقدره.
بداية غير مبشرة على الإطلاق تثير في نفسها خوفا شديدا، شعرت بالاضطراب وهي تقول: أكيد يادكتور بس من فضلك بلاش مقدمات وادخل في الموضوع علطول. التحاليل اللي قدام حضرتك بتقول ايه؟ عندي مشاكل في الرحم؟ مش هقدر أخلف؟
هز الطبيب رأسه نفيا قائلا بعطف: لأ. التحاليل بتقول ان حضرتك مصابة بالسرطان. سرطان في الدم.
لتتسع عينا سعاد بصدمة.
تمثال صامت شكلته صدمة كانت لها بمثابة كل الصدمات. عيون تتساقط منها الدموع هو ما يظهر للمحيطين بها أنها حية ترزق، تجلس خارج حجرة الطبيب وقد أعجزتها كلماته عن الحركة، تشعر بالضياع وقد فقدت كل أمل لها في الحياة.
دوت كلماته التي قالها لها بالداخل في رأسها.
هتبدأي العلاج بالكيماوي ولو منجحش هنضطر نلجأ لمتبرع ليكي يقبل يتبرع بخلايا جذعية سليمة. العلاج ده ناجح جدا وممكن يعالج المريض كليا أو جزئيا حسب نوع المرض وعمر المريض ومدي سوء الحالة المرضية، طبعا احنا بنفضل زراعة خلايا جذعية مماثلة ودي عن طريق زرع نخاع عضم سليم من متبرع قريب قوي منك زي أخوك أو أخت توأم أو مش توأم، باباك ومامتك حتي. عموما الخطوة دي هنأجلها لغاية مانشوف أثر العلاج الكيماوي في حالتك. وازاي جسمك هيستجيب للعلاج.
هل كانت في كلماته بارقة أمل؟ بالتأكيد لم ترها، لقد شدد على تكاليف العلاج الباهظة وإمكانية فشله. ستتعرض لعذاب العلاج الكيميائي. سيتساقط شعرها. ستشعر بالوهن حتى أنها لن تستطيع الوقوف؟ ستمر بكل مايمر به مصاب بهذا المرض اللعين وفي النهاية قد لا تشفي أبدا. لقد طلبت من ربها إنصافا عادلا فأي عدل فيما يحدث لها؟
فركت وجهها بيديها وهي تستغفر الله قبل أن تنهض وتتجه لباب المشفى، فلا فائدة في جلوسها هكذا دون حراك والأخرى بها أن تعود للمنزل، لتتذكر حالها وهي تغادره فتعود مدامعها للظهور وهي لا تدري كيف ستخبر زوجها بمصابها وماذا سيكون رد فعل حماتها؟ لتبتسم بمرارة تدرك أنها ستفرح بكل تأكيد وهي تدرك أنها علي وشك الخلاص منها.
رن هاتفها فنظرت إلى شاشته، انه رقم خالتها. زفرت بقوة. لن تستطيع الإجابة فجل ماستفعله هو البكاء وستهلع خالتها جراء ذلك. ولكنها أيضا إن لم تجب ستثير قلقها عليها، ربما ستنتظر دخولها المنزل تأخذ حماما يريحها ثم تتصل بها تتحجج لها بأي حجة تبرر لها عدم ذهابها إليهم اليوم. ربما ستقول أن حماتها مريضة ولن تستطيع مغادرة المنزل وتركها، تبدو حجة جيدة.
أدارت المفتاح في الباب وما إن دلفت إلى المنزل حتى توجست خيفة من ملامح زوجها المكفهرة. ترى ماالذي جاء به اليوم إلى المنزل باكرا؟ نعم. نظرات حماتها الشامتة جعلتها تدرك أنها من بلغته بغيابها دون اذن ما ان اكتشفت عدم وجودها بالمنزل.
قالت بصوت مرتبك: عادل.
قال عادل بصوت قاس غاضب النبات وهو يقترب منها: أيوة عادل. الزوج اللي نبه عليكي متخرجيش من البيت النهاردة وعصيتي أمره. للدرجة دي مبقتش فارق معاكي ياهند؟
مش قلتلك انك دلعتها زيادة عن اللزوم.
طالعتها هند قائلة بحنق: متدخليش بينا.
لطمة أصابتها فنظرت إلى الفاعل بصدمة أعجزتها عن الكلام، فقط دموعها التي تجمعت بمقلتيها أنبأته بخذلانه إياها، ليتجاهل صدمتها وهو يقول بغضب: الظاهر اني فعلا دلعتك زيادة عن اللزوم لدرجة انك كسرتي كلمتي ومعتذرتيش ولا بررتي تصرفك لأ وكمان بتزعقي لأمي قدامي.
وانت شفت ايه ياعادل من اللي بيحصل من ورا ضهرك وانت ولا انت هنا. اسألها كانت فين؟ هتكدب وتقول عند خالتها طبعا وخالتها متعرفش عنها حاجة. الظاهر انها كانت بتستغفلنا كلنا.
نقلت بصرها بينهما تردد بصوت متهدج من الألم متقطع النبرات: ياناس حرام عليكم. اتقوا الله.
قال عادل هادرا: انطقي ياهند. كنت فين؟
طالعته بألم قائلة: انت كمان بتشك فيا؟!
انت اللي جبتيه لنفسك لما خرجتي من غير اذني ودلوقتي بارادتك او غصب عنك هتقوليلي كنت فين ياهانم؟
شعرت بالضباب يحيط بها تزوغ الرؤية أمامها وهي تقول بأنفاس تضيق: أنا، انا كنت…
كنت فين انطقي؟
اسودت الدنيا من حولها وبينما كانت تسقط أرضا تسيل الدماء من أنفها سمعت عادل يصرخ بإسمها قبل أن تغيب تماما عن الوعي.
قال بحزن: طب ليه مقلتليش ياهند؟ ليه خبيتي عليا؟
كانت تشيح بوجهها عنه تطالع السماء من خلال نافذة حجرة المشفى التي أحضروها إليها بعدما أغشي عليها تقول بمرارة: وهو أنا لحقت؟ ماانت مستنتش حتى اتكلم ورميتني بالباطل انت وطنط نجية.
لترفع يدها تمررها على وجنتها تردف بحسرة وقد اغروقت عيناها بالدموع: لأ وكمان مديت ايدك عليا وكسرتني ياعادل. كسرتني بجد.
مرر يده في شعره وهو ينهض قائلا بعصبية: ماانا سألتك كنت فين وانت فضلتي ساكتة. وبعدين انت اللي خليتني افهم غلط لما عصيتي أوامري وخرجتي من غير اذن، كنت عايزانى أتصرف ازاي يعني؟
طالعته بنظرة عاتبة أصابته في قلبه وهي تقول: الدكتور أكد عليا اني لازم اكون موجودة في الميعاد اللي حدده، ده غير اني كنت زعلانة منك ومع ذلك كلمتك كتير وتليفونك كان مقفول. مغلطتش وحتى لو غلط، عاتبني لكن مترمنيش بالباطل وانت عارف اني مستحيل أعمل حاجة غلط. أنا ياعادل تتكلم معايا بالأسلوب ده قدام مامتك. وتضربني كمان.
ماانا ضربتك لأنك زعقتيلها ياهند.
