لمن القرار بقلم سهام صادق ج 17
الفصل الثاني والثمانون (قبل الأخير)
*****
هي ليست مُناسِبة له، حقيقة أدركتها وصارت تُدركها بعدما استيقظت من حُلمها الوردي بعد فوات الآوان.
لم تجد في حديث “سيرين” شيء خاطيء يُشعرها بالإساءة، فعليها الأعتراف بحقيقة أصلها.
اسبلت أهدابها نحو الكُتب التي تحملها بين يديها تعترف لحالها أن علو شأنها – في تعليمها – فرصتها الوحيدة لمن لا فرصة لهم مثلها.
هنا في هذا المكان – وبكاء “سيرين” الذي اخترق أذنيها – أقسمت ألا تعيش عمرها في الخانة الفارغة وأن تجعل طفلها فخورًا بها ذات يوم.
رجفة أصابت قلبها وهي تسمع حديثه عنها بعدما أخذت “سيرين” تُخبره أنها ليست سيئة ولكنها رغمًا عنها عشقته دون إرادة منها وليتها تستطيع التوقف عن حبه.
– الست اللي أنتِ شيفاها قليلة عليا، أنا اللي قليل عليها ومستحقهاش، أنا حقيقي مستحقش طيبة قلبها وجدعنتها، مستحقش حبها ليا وتحملها لطباعي الوحشه، أوعي تفتكري إن صورة الراجل اللي بتشوفيه في الشركة والمناسبات ديّ صورتي الحقيقية، أنا راجل لا تُحتمل طباعه يا “سيرين”.
توقف عن الحديث يُشيح عيناه عنها مستندًا بكفيه فوق سطح مكتبه وتابع
– الأفضل تقبلي عرض الشركة ، وهعتبر الزيارة ديّ أخر زيارة بين مدير وموظفة مجهتدة عنده بيحترم ذكائها.
وهل الحديث كان قاسي ، أم هي قسو,ة الحقيقة؟
بصعوبة تمكنت من جر ساقيها وقد غشت عيناها الدموع وهي تُغادر من الغرفة ولكنها رغمًا عنها توقفت تنظر نحو “بسمة” التي وقفت تُخبرها بنظراتها أنها استمعت لكل شيء.
اطرقت “سيرين” رأسها أرضًا في خزي لأول مرة تشعر بِه وانسحبت في صمت.
بخطوات مترددة اتجهت “بسمة” لداخل الغرفة تنظر لمكان وقوفه وقد اخترق علو أنفاسه أذنيها.
– هي قالت الحقيقة عني، أنا بنت راجل عاش ومات فقير.. وأخ رد سجون هيفضل نقطه سوده في حياتك.
أن يتجاوز عن حديث لا يُعجبه كان أمر مستحيلًا بالنسبة له.
استدار بجسده نحوها يرسم فوق شفتيه ابتسامة زادت ملامحه وسامة ورغمًا عنها كانت تُحملق في ملامح وجهه، فهو اليوم حليق الذقن وهذا كان غريب عليها.
– شايفك مبسوطه، أكيد اليوم كان لطيف.
لم يسمح لها بالحديث أو التساؤل ثانية بل استطرد هاتفًا.
– عايزك تحكيلي عن كل حاجة بالتفصيل لكن الأول تطلعي تغيري هدومك وتنزلي عشان نتغديٰ.
وسرعان ما كان يُتمتم – راغبًا بتناول الطعام بالخارج – وهو يتحرك نحوها ببطء مستندًا على عصاه.
– إيه رأيك نخرج نتغديٰ بره ونغير جو؟؟!
– أنا…..
اردات الحديث ولكنه أسرع في وضع يده فوق شفتيها مستطردًا.
– ميعاد الدكتور بعد ساعتين، نتغديٰ ونروح الڪشف.
رفرفت بأهدابها متسائلة عن أي طبيب سيذهبون إليه اليوم؛ فميعاد متابعته بعد غد.
– دكتور إيه؟
اشاحت عيناها عنه مُرغمة حتى لا تظهر ربكتها من قربه.
– الدكتور اللي هنتابع معاه الحمل يا “بسمة”.
رجفة صارت بجسدها شعر بها ثم تلاقت عيناها مع عينيه في صمت لم يكسره إلا قرب أنفاسه منها.
– صفحة “سيرين” اقفليها من عقلك يا “بسمة” وخليكي متأكده من حبي ليكِ ولابني اللي هيكون منك، ابننا هيكون فخور بينا إحنا الاتنين.
قبلة صغيرة لثم بها خدها وابتعد عنها متجهًا نحو أقرب مقعد بعدما أرهقه الوقوف ثم مددّ ساقيه يكتم آلامه مبتسمًا.
– على فكرة أنا جعان واكيد ابني كمان جعان.
بمزاح اردف مُعبرًا عن جوعه وحاجة طفله للطعام ينظر إليها مستمتعًا بتعبيرات ملامحها وتحديقها به.
نفضت رأسها من ذلك الصمت اللعين الذي صار يشل تفكيرها ويُثقل لسانها تتسأل باحثة عن السيدة “سعاد”.
– هي دادة سعاد فين؟؟
– راحت البلد مع عم “جميل” يحضروا فرح ابن واحد عزيز عليهم.
ضاقت عيناها في حيرة وتساؤل تنظر إليه مندهشة من ذلك القرار المفاجئ الذي اتخذاه – العم “جميل” و السيدة “سعاد”-.
تمكنت أخيرًا من الفرار من أمامه والملاذ بغرفتها من سطو مشاعره لا تُصدق أنها عادت تقف أمامه مسلوبة الأنفاس ومشلولة الحركة.
– أنتِ لازم تفوقي يا “بسمة”.
تهاوت بجسدها فوق الفراش تطرق رأسها أرضًا ورغمًا عنها انسابت دموعها.
– أنا ليه مبقتش لاقيه نفسي، ليه بقيت خايفه من كل حاجة حواليا.
حركت رأسها يائسة ولم يكن أمامها إلا “ملك” من تسمعها
…
” انفضي رأسك” بسمة” كلما وجدتي حالك شاردة بذكرياتك الموجعة”
هكذا اخذت تُنفذ النصيحة طيلة الطريق وهو ينظر إليها يستعجب فعلتها ولكنه فضل الصمت وإلتقاط يدها.
حدقت “بسمة” بيدها التي صار يحتضنها داخل يده ويضعها فوق ساقه.
– إيه رأيك بعد الدكتور نروح السينما.
إقتراح أخر يقترحه وكأنه يعرف أحلامها، لا أحد يعرف بتلك الأحلام إلا “ملك”.
– سينما!!
– لو مش عايزه يا حببتي ممكن تقرري أنتِ.
تعلقت عيناها بيده القابضة على يدها وهو يُداعب أناملها وعلامات الدهشة والتخبط مرتسمة فوق ملامحها.
وضع النادل لهم الطعام ثم ابتعد بعدما تمنى لهم وجبة ممتعة.
ابتسامة طفيفة ارتسمت فوق شفتيها اخفتها سريعًا ولكنه صار سريع الملاحظة لكل ردة فعل لها.
انتهى غذائهم وبخبراته السابقة استطاع إجتذابها بالحديث شيئًا فشيء وهي كما أخبرتها “ملك” بنصيحتها تنفض عقلها كلما داهمتها الذكريات السيئة.
ارتسمت ابتسامة واسعة علي ثغرة وهو يرى ذلك الكيس الذي ينبض بطفله والطبيب يطمئنهم على وضعه.
لم يتحدث كثيرًا عن لهفته بهذا الطفل بل كان أذكي من أن يُشعرها أن تغيره معها من أجل طفله.
وذكائه لم يكن في هذا الأمر فقط، إنما كان في اختياره لذلك الفيلم المعروض.
تعالت الصرخات؛ فاندفعت نحوه تدفن وجهها بصدره.
– أنتَ قولت إنه فيلم رومانسي، ده من أول مشهد الناس بتتقت,ل فيه.
كتم ضحكاته بصعوبة حتى يستطيع الكذب عليها ، فهي لم تنتبه لتلك الخدعة التي فعلها بها.
– لا يا حبيبتي ما الرومانسية جايه بعدين، ما أنتِ عارفه الأجانب.
قضت أغلب الفيلم داخل احضانه ورغم الألم الذي اخذ ينهش بضلوعه وساقه إلا أنه كان متجاهلاً لألامه مستمتعًا بقربها.
وفور أن عادوا للمنزل الذي صار خالي بهم ، أسرع بإغلاق باب غرفته خلفه حتى يتمكن من الإفصاح عن ألامه وتناول المسكنات لتُخفف عنه.
…
دارت أعين “خديجة” بينهم في صدمة لا تُصدق أن “سليم” المتصف بهدوئه وقدرته على إثارة غضب الأخرين دون أن يغضب.. هو من يقف أمامها صائحًا يُطالبها بأن تخذ معها تلك التي فُرضت على حياتهم.
– ديّ مش هتعيش معايا في بيتي، أنا مش مستعد اتحملها أكتر من كده.
– أنا لن أرحل من هُنا، كل شئ ملڪكَ ليّ فيه.
تعلقت عينيّ “خديجة” بينهم وسرعان ما كانت ترتسم الصدمة فوق ملامحها.
– مؤسسة المحاماه ملك لأبي وسأتولى إدارتها ولو كُنت تظن أنني ضعيفه ولن استطيع محاربتك.. فأنت لا تعرفني.
– “ليندا” كفايه كده.
هتفت بها “خديجة” بعدما حالت بينهما تنظر لملامح “سليم” الجامدة.
– ظننته ابن عمي بالفعل وسيُرحب بي ويحميني ولكنه رجل متعنت حتى زوجته لا تسلم من تعنته.
غادرت المكان تسحب مضرب التنس خلفها وتتبختر في مشيتها.
– احتاج لبعض الرياضة حتى أبدء عملي غدًا بنشاط.
هي تقصد بالفعل إرتفاع ضغط الد,ماء لديّه هكذا تمتم لحاله يضغط فوق شفتيه بقوة.
– عايز اشوف هتتولى إدارة المؤسسة إزاي
ارتفعت ضحكات “خديجة” عاليًا تحملق بهما في سعادة؛ فقد صار أخيرًا هناك ضلع ثلاثي يُكمل تعنت وقوة عائلة النجار.
– مش سهله خالص، كل يوم بتثبتلي إنها دم عائلة النجار..
حدقت به خديجة بنظرات زادت من تجهم ملامحه.
– قصدك دمها ملوث، دم عصابات.. فخورة أوي بيها.
تمتم بها واتجه نحو غرفة مكتبه راغبًا بهدوء صار لا يعرف حياته.
اتبعته “خديجة” في صمت تشعر بالحيرة من أمره؛ فلمَّ يكره “ليندا” هكذا وهو من تأكد من صدق كل ما أخبرتهم به.
اقتربت منه مشفقة عليه وهي ترى ملامح وجهه وقد صار الإرهاق يحتلها.
– لو مكنتش اعرف “سليم” ابن اخويا كويس..كنت قولت إن كرهك ليها بسبب مشاركتها ليك في أملاكنا لكن أنا عارفاك أكتر من نفسك يا “سليم”.
– هتقبلها إزاي في حياتي وهي السبب في مو,ت عمي.
تنهيدة طويلة خرجت عن شفتيّ “خديجة” وجلست بعدها فوق أحد المقاعد تُغمض عيناها وتتراجع بجسدها للخلف.
– “ليندا” ملهاش ذنب يا “سليم” ، متحملش دايمًا الذنب للضحية .. زي ما كنت محمل “صافي” وحَمّلت برضوه “شهيرة”.
حرر وجهه عن راحتي كفيه يتجه بنظراته نحو عمته لا يستوعب حديثها وقد عادت تلك الغصة تحر,ق فؤاده، كره والدته له، كرهته لأنه ابن “صفوان النجار” وهو كان يكرهه لأنه ابن هذه المرأة التي تزوجها مُرغمًا.
– “صافي” عانت كتير من “صفوان” والحقيقة اللي مكنتش في يوم عايزاك تعرفها إن “صفوان” كان نسخه مطابقه من “حامد” في أعمالهم الغير شرعية.
توقفت “خديجة” عن الحديث بعدما شعرت بقسو,ة ما القته عليه ولكن الصدمة هذه المرة كانت من نصيبها وهو يُخبرها أنه يعلم بأعمال والده الغير شرعية وبسببه مازال يدفع الثمن في تولي مؤسسته بعض القضايا لهم.
– معلومة مش جديدة عليا يا “خديجة” ، قذارة “صفوان النجار” مكنتش مخفيه عليّا وبدفع ثمنها لحد النهاردة.
تعلقت عينيّ “خديجة” به بنظرات مازالت تحمل الدهشة.
– كل ست اتجوزتها قبل “شهيرة” ، كان الهدف إنها تمسح من قذارة “صفوان النجار” ، لو دورتي ورا أغلبهم هتلاقيهم كلهم على علاقات بناس بلاش نذكر أسمائهم.
– “سليم”
نهض عن مقعده يفرك خصلات شعره بقوة.
– الوحيد اللي قدر يخليني أكره نفسي، “حامد الأسيوطي” .. لأن “شهيرة” الوحيدة اللي لما اتجوزتها كان جوايا مشاعر ليها، مشاعر ضاعت مع إنطفاء زهوة الإنبهار.
التف بجسده نحوها يضغط على راحتي يداه بقوة يخشى ما يراه محتملًا.
– رفضي لـ “أمير” كان سببه خوفي عليكِ من مشاعر جربتها “شهيرة” معايا وفي النهاية كانت حكايتنا بتنتهي بأسوء نهاية، طفلة بين أب وأم في صراعات وكل واحد فينا بقى محمل التاني ذنبها.
ارتفعت أنفاس “خديجة” وقد اخترقت كل كلمة فؤادها.
– اتمنى يكون بيحبك فعلاً ومتكونش حكايتكم مجرد إنبهار هينتهي مع الأيام.
غادرت “خديجة” المنزل بمشاعر مشتته تنظر نحو هاتفها ومازال الحديث عالق بأذنيها، وهل ما أخبرها به “سليم” حقيقة جاهلة إياها؟
…
تأوهت “جنات” بألم بعدما انفلتت ضحكاتها رغمًا عنها وهي تستمع لحديث “فتون” المحتضنه صغيرها إليها وتُداعبه منذ أن أتت لزيارتها.
– بتضحكي على حظي يا “جنات”.
تمتمت بها “فتون” بإستياء حانقة منهم جميعًا.
– أنا مش بضحك على حظك يا “فتون”، بضحك على خيبتك حتى لما تقربي من جوزك في سفرية بتجمعكم لوحدكم اخدتي معاكِ بنت عمه اللي تقول للقمر قوم وأنا اقعد مكانك.
احتقنت ملامح “فتون” ؛ فلو “جنات” تقصد إثارة غضبها فلتُخبرها حتى تُغادر ويكفيها ما نالته من “سليم” بعد عودتهم من بلدتها.
– أنا فعلا استحق حر,قة الد,م، قولت تغير جو معانا.
– تغَيّر جو في بلدكم يا “فتون” ، أهو أنتِ اللي شيلتي الليلة كلها واتخنقتي أنتِ و” سليم” وكل واحد فيكم حَمّل التاني سبب اللي حصل.
زفرت “فتون” أنفاسها بضيق؛ فكل شيء صار يسقط فوق رأسها وأصبح “سليم” يتذمر من أقل شيء تفعله.
– أنا حزينة أوي يا “جنات” وبلاش تضحكي على أحزاني.
كتمت “جنات” ضحكتها حتى لا يؤلمها جر,حها، وتعلقت عيناها بصغيرها الذي غفا بأحضان “فتون”.
– حطيه في سريره وتعالي جانبي.
وضعت “فتون” الصغير في فراشه واقتربت منها تجلس جوارها فوق الفراش بملامح عابسة.
– خلينا نتكلم بالعقل يا “فتون” ، زهوة الحب وقوته في البدايات بتضيع مع الوقت وده مش بأرادتنا.. للأسف عوامل كتير تقدر تكبلنا لحد ما نفتكر إن الحب ضاع، لكن في الحقيقه هو مضعش.. إحنا بس من فترة للتانيه بنحتاج لنفس شعور البدايات.
توقفت “جنات” عن الحديث تنظر لملامح “فتون” الصامته.
– أنتِ أقرب حد لـ “سليم” دلوقتي وغصب عنه غضبه ممكن يُخرج عليكِ أنتِ، ده مش مبرر لكن لازم تتعلمي تكوني ذكية، تتعلمي إزاى تكوني قُبطان سفينتك ما دام اختارتِ تكملي الرحلة معاه.
و”سليم” سابلك الفرصة تقرري وأنتِ قررتي الرجوع ليه.
– أنا مقدرش اعيش من غير “سليم” يا “جنات” ، أنا بشوفه في كل الأدوار، الأب والأخ والزوج، هو كل حاجه في حياتي.
تعالا صوت “جنات” فجأة مما أصابها بالذعر من صياحها ثم تأوهها.
– خلينا نقف عند جملتك لأنها مربط الفرس زي ما بيقولوا، مشكلتك مع “سليم” إنك بتشوفيه في صورة الأب قبل الزوج، جميل إنك تشوفي زوجك في صورة الأب لكن ده مش دوره في حياتك .. هو بيحاول يكون ليكِ كل حاجه شايفك محتاجاها يا “فتون”.
– أنا السيئة في الحكاية يا “جنات”.
داعبت “جنات” شفتيها ابتسامة واسعه تعدل طوق شعرها.
– كلنا سيئين وخصوصًا في حكاياتنا يا “فتون” ، إحنا نقدم نصايح لكن عشان ننصح نفسنا فمش هتلاقي حد ناجح في نُصح نفسه.
غادرت “فتون” منزل “جنات” بعد حديث قد طال وعادت للمنزل تتعجب من هدوئه؛ فـ “خديجة” أخبرتها أنها ستتناول معهم اليوم الغذاء هي وزوجها ولكن أين هي؟ وأين “ليندا” التي صارت صداع رؤوسهم؟
أسرعت السيدة “ألفت” بخطواتها نحوها.
– البيه شكله مضايق ومتعصب، ادخلي ليه يا بنتي شوفي ماله.
بخطوات لأول مره حملت اللهفة – دون ذلك التردد اللعين – صعدت لأعلى وقد زادها الأمر دهشة أن “سليم” بغرفتهم ولم يذهب للعمل.
دلفت للغرفة في صمت واسقطت حقيبتها أرضًا واقتربت من الفراش الغافي فوقه تنظر نحو ذراعه المفرود فوق عينيه.
– “سليم”
همست اسمه في خفوت ثم جاورته فوق الفراش تمسح فوق خصلاته.
– “سليم” أنتَ تعبان.
كان يسمع همسها وتساؤلها ولكنه كان بحاجة للصمت، بقلق مالت نحوه ترفع ذراعه عن عينيه؛ فانكمشت ملامحه.
– “فتون” ممكن تسبيني لوحدي.
افلتت حذائها واقتربت حتى صارت مُلتصقة به.
– ولما هبعد عنك هتكون مبسوط.
تعلقت عيناها به منتظرة جوابًا رُبما يحر,ق فؤادها ولكن كان جوابه الصمت ثم اقترابه منها دافنًا وجهه داخل أحضانها.
لا تعرف كم مضى من الوقت وهي متخذه هذه الوضعية تمسح فوق خصلاته حتى غفا تمامًا.
دنت منه تلثم جبينه وتحرك أناملها بخفة فوق لحيته الخفيفة.
….
توقفت عن تقليب الطعام الذي صارت تجيد طهيه بعدما قررت أن تكون سيدة المنزل وتعيش ذلك الدور الذي لم تحياه يومًا، يداه اخذت تتحرك فوق جسدها بعبث يُقبل عنقها بقبلات متفرقة.
– حببتي مبقتش سيدة أعمال بس، بقت كمان أشطر ست بيت.
تمتم بها “أمير” وكعادته كان يُغرقها بسحر حديثه وقبلاته.
بصعوبة استطاعت التخلص من أسر ذراعيه تشعر لأول مرة بالإختناق من قبلاته؛ فمازال حديث “سليم” يقتحم عقلها.
– مالك يا “خديجة” ،أنتِ تعبانه يا حببتي.
حاولت إشاحت وجهها عنه ولكنه أسرع في إحتواء وجهها متمتمًا.
– فيه حاجة زعلتك في زيارتك لـ “سليم” ، أنا عارف ابن اخوكي لسانه زي لسان “كاظم” أخويا بيرموا مدافع.
رغمًا عنها ابتسمت تُحرك رأسها.
– أنتَ راجع من شغلك تعبان، غير هدومك لحد ما احضر الأكل.
اعترض على حديثها بقبلة اختطف فيها شفتيها متمتمًا بعدما ابتعد عنها وأزال عن جسده سترته.
– لا يا حببتي روحي أنتِ ارتاحي وأنا هكمل تحضير الأكل بدالك.
حركها من أمامه بخفة نحو الأريكة يُمددها فوقها مُبتسمًا.
– أميرتي من حقها تدلع لحد ما تكون مامي حلوه وبعد كده يجي دوري في الدلع.
قذف بقبلته إليها بعدما تمتم بحديثه ضاحكًا واتجه نحو المطبخ يُكمل تحضير الطعام.
عقلها يكاد ينفجر تُحرك رأسها رافضة أي مخاوف تتغلغل داخله.
و كعادته لا يأكل إلا عندما يُطعمها ويفرط في تدليلها بحب.
– “أمير” أنتَ ممكن في يوم تبطل تحبني، تشوفني في نظرك عجوزة.
أسرع في كممت فمها حتى لا تُكمل حديث ظنَّ أنهم أنتهوا منه.
– حببتي ليه رجعنا تاني نفكر في نفس الموضوع، أنا لاقي معاكي كل حاجه كان نفسي فيها يا “خديجة”.
لم يتركها لتتحدث بحديث لا يُعجبه يُعانق شفتيها بشفتيه.
– مش بيقولوا لمن القرار، وإحنا أخدنا قرارنا بنفسنا، ملناش دعوه بفشل علاقات ناس تانية.
…..
تعلقت عينيّ “ليندا” بهم وهي تراهم يهبطون لأسفل و “فتون” تتعلق بذراعه وفوق شفتيها ترتسم ابتسامة واسعة.
شعرت بالراحة لأن خلافهم لم يَطُل بسبب ما فعلته ببلدة “فتون” ولكن سرعان ما أخفت تلك الراحة التي ارتسمت فوق شفتيها بأخرى احتلتها السخرية مهمهه بحديث بالأنجليزية.
– يصيح بوجهي لكن مع زوجته شيء أخر.
ضاقت عينيّ “فتون” وقد وصلت إليها همهمتها الخافتة واستطاعت فهمها بصعوبة بعض الشيء لعدم حبها للغة الإنجليزية.
– يعني نفضل زعلانين مثلًا.
ارتفع حاجبي “ليندا” بأستفزاز اجادته؛ فاستشاطت ملامح “فتون” وهي تراها تتجاهل حديثها وتتخطاهم صاعدة لأعلى.
لم يعبأ “سليم” بحديثها ولا فعلتها ولكن سرعان ما تحولت ملامحه المسترخية للجمود وهو يراها تتراجع عن صعودها وتقف أمامهم.
– سأتناول طعام العشاء معكم حتى تُخبرني عن طبيعة القضايا التي تتناولها المؤسسة.
– مؤسسة إيه يا “سليم” ؟
حدقت “فتون” به وانتقلت بعدها بنظراتها نحوها؛ فعن أي مؤسسة تتحدث هي.
– هي تقصد مؤسسة المحاماه؟؟
صمت “سليم” وتلك النظرة الجامدة المتحدية التي تبادلوها، جعلتها تتأكد مما أخبرتها به تلك التي ظنت بها الخير ولكن هي كالحمقاء تظن بالجميع حسن نواياهم.
– حبيبتي “فتون” أنسيتي أنني أملُك نصيب في كل شيء يملكه زوجك.
بارعة هي في إجادة دورها وما دام لم يتقبلوا تلك الصورة الودودة منها فعليهم التأقلم مع شخصيتها الباردة.
– لقد انتهى وقت التسلية والمرح، عليَّ إثبات صورتي أمام الجميع، فأنا من نسل عائلة النجار ونساء عائلة النجار ناجحين في أعمالهم.
هذه المرة كانت تُريد إيصال رسالة لفرد واحد وهي “فتون” التي وقفت مصدومة تتنقل بنظراتها بينهم.
عدلت “ليندا” عن قرارها وانسحبت صاعدة لغرفتها تكتم صوت قهقهتها تهتف داخلها.
– سأجعلك تُعاني من تمرد زوجتك وغيرتها حتى تحترم وجودي “سليم”
….
عادت من الجامعة بملامح صار يسيطر عليها الراحة؛ فقد عاد الأمل يتغلغل داخلها مرة أخرى وصار عقلها منشغلًا بمستقبل جديد لها.
شعرت ببعض التوعك ولكنها قاومت الأمر واتجهت نحو غرفة مكتبه كما سارت قدميها تأخذها لتسأله عن تناوله لأدويته وعن أي الطعام يرغبه حتى تطهوه سريعًا لهما وتصعد لغرفتها حتى تنال قسطًا من الراحة.
حدقت بالغرفة الفارغة وسرعان ما كانت تتذكر حديث السائق معها وهم عائدين يُخبرها بأنه أصر اليوم على إصطحابه للشركة بعدما أوصلها وعاد إليه.
ببعض التردد اتجهت نحو هاتفها تُخرجه من حقيبتها تتعجب من عدم إخباره لها عن ذهابه اليوم للشركة رغم محادثته لها بعد كل محاضرة يطمئن عليها.
مع بدء رنين جرس الهاتف وانتظارها لجوابه عليها، كان جرس الباب يتعالا رنينه.
اتجهت نحو الباب بخطوات متلهفة تظن أنه الحارس قد جلب لها ما ارادته من المخبز القريب منهم.
– حببتي ساعه وأكون عندك، أنا في اجتماع مهم..
توقف بقية الحديث على طرفي شفتيه يستمع لصوتها المذعور.
– “عنتر”
الخاتمة (1)
***
هل عَادت تلك المشاعر تخترق حُصونه مُجدداً، مشاعر لا يُريد تجربتها مع من يسكنون قلبه دون أن يُنازعهم أحدًا على مكانتهم.
كُل من أحبهم بكل كيانه تركوه ورحلوا، والدته التي كانت هي كل عالمه، عكس والده الذي تخطى حُبه لها وتزوج السيدة “فاطمة” التي أحبته وكأنه طفلها الذي أنجبته.
زوجته الأولى التي تخطى معها قرار الزواج؛ فترك كونه محط أنظار الكثيرات واختار زوجته مُقررًا ترك حياة العبث، وهي كانت نفحة هواء لطيفة داعبت حياته ثم كانت خسارته في حُلم طفولته، أن يكون ضابط شرطة.
داهمته هذه المشاعر وهو يقود سيارته بسرعة لم يعد يعرف حدها الأقصى.
عبرت سيارته بوابة المنزل المفتوحه وقد التقطت عيناه فور عبور سيارته وقوفها مع الحارس وإلتقاطها لشيء ما منه.
استشاطت نظراته غضبًا وهو يتوقف بسيارته يتحامل على ساقيه ويلتقط أنفاسه أخيرًا بعد وجدها بخير ومعها حارس المنزل.
تعبيرات ملامحه الجامدة نبأت العم “صالح” – الواقف معها – بغضبه؛ فهو بات أكثر دراية بتلك اللحظات التي يفقد فيها رب عمله قدرته على تمالك غضبه.
– “جسار” بيه، أنا كُنت بجيب غرض للهانم.
أسرع العم “صالح” بالإشارة نحو المغلف الورقي الذي يضم تلك المخبوزات الشهية وأسرع بعدها مُبتعدًا مُتجهًا نحو البوابة ليُغلقها.
– كان بيعمل إيه هنا، وفين تليفونك.
حديثه خرج بنبرة قوية لم تصدمها ولكن تلك الابتسامة التي ارتسمت فوق شفتيها هي ما صدمته
“بسمة” تبتسم .
– تليفوني!!.
طالعته في حيرة وهي تنظر نحو يديها الخاليتين من الهاتف تتسأل مثله أين هو هاتفها
وهو لم يكن ينتظر منها هذا الجواب أولًا.
ازدادت ملامحه تجهمًا.
– كان بيعمل إيه هنا يا “بسمة”، أنا سامعك وأنتِ بتنطقي اسمه، ردي عليّا.
الغضب اكتسح ملامحه أما هي كانت هادئة مبتسمة ابتسامة لا تعرف لها سببًا، رُبما لأن “عنتر” أخبرها بحب هذا المتعنت المتسلط كما وصفه لها.
زفر أنفاسه بقوة واتجه نحو الداخل يعرج على أحد ساقيه يضغط على شفتيه بقوة يَنظُر حوله ويتجه هنا وهناك يُصيح باسمه.
– “عــنــتــر”.
اتبعته في صمت تُخرج أحد المُعجنات الشهية وتقضمها مستمتعه برائحتها ومذاقها.
ممتنة هي لهذا الهدوء العجيب الذي أحطاها؛ فجعلها تُحملق به بتخمة صارت تُشبعها.
– “عنتر” كان هنا جيه عشان يعزمنا على افتتاح فرع جديد لمطعمه.
بخطوات سريعة صحبتها نظراته اتجهت نحو الطاولة التي تركت عليها الدعوه والتقطتها تَمُدها إليه بذلك الهدوء اللعين الذي لا يعرف متى اكتسبته.
التقط منها الدعوة بعدما رمقها بنظرة حملت ذلك الغضب المكبوت داخله.
بالفعل كانت دعوة لإفتتاح فرع جديد من مطعمه ولكن هذا لا يَهُمه، الجواب الوحيد الذي ينتظره منها لِما كان هذا الرجل هنا بمنزله، ألاَ يخاف من دفعه للسجن بسبب اعتدائه عليه مع بعض الملثمين الذين استأجرهم.
– مش ده الرد اللي أنا عايزه، “عنتر” كان بيعمل إيه في بيتي.
ببساطه منحته الجواب الذي أتى من أجله.
– عشان يعزمنا على..
توقف الحديث على طرفيّ شفتيها وهي ترى نظراته التي كانت مُرتكزه نحو بطاقة الدعوة صارت مُرتكزة عليها بنظرة اصابتها بالهلع.
– كان بيعمل إيه في بيتي يا “بسمة”.
لا تعلم لما أثار حديثه حفيظتها ؛ فلم يعد للهدوء الذي اجادت رسمه فوق ملامحها وجود بل تلاشى وانتفخت أوداجها.
– كان جاي ندمان، عايزني اسامحه لكن للأسف أنتوا خلتوني مبقتش اعرف اسامح لاني مبقتش غير إنسانه مشوهة.
ارتفعت وتيرة أنفاسها كما صار يحدث معها مؤخرًا تَنظُر إليه وقد سقط مغلف المخبوزات من يدها رغمًا عنها.
– هو مش جاي عشان تسامحه، رسالته ليك إنه مش أسف على اللي عمله فيك لأنه شايفك تستحقه.
وهل يُزلزل الحديث العابر المرء، أم أن ما يُزلزلنا أنه خرج من أفواه من نحب؟
بتحامل قاومت تلك الرجفة التي أصابتها تضغط فوق كفيها بقوة حتى تتمالك إرتعاش جسدها، اشاحت بوجهها بعيدًا حتى لا يَرى ما صارت عليه.
– “بسمة”.
بخفوت هتف بها، يزيد من تحامله فوق ساقيه مُندفعًا نحوها يجتذبها إليه يضمها بقوة لعله يُشعرها بذلك الشعور الذي اجتاحه عندما سَمِع هتافها باسم هذا الرجل.
– عايزه تختبري حُبي ليڪِ لحد أمتى يا “بسمة”، أنا مش أسف لحد غير ليڪِ ومش قادر صدقيني اقولك امشي وسبيني لو شايفه بُعادك عني راحه، أنا مبقتش قادر اتحمل اشوف نفسي في عيونك لاني بشوف صورة أنا شوهتها بأيديا.
عبارات خرجت غير مُرتبة يَزيد من عناقه لها.
– كُنت خايف افقدك زيهم، كنت خايف يأذيكي .. أنا كُنت زي المجنون، كل لحظه سيئة عيشتها في عمري رجعت من تاني جوايا.
ابتعد عنها لعله يتمكن من زفر أنفاسه يرفع كفيه نحو وجهها ويحتويه بنظرة لم تتخيل يومًا أن تراها في عينيه.
– كل اللي حبتهم راحوا مني يا “بسمة”، أنا مبعرفش أتخطى بسهوله حُبي، لما بحب بحب أوي ولما بكره.. بكره بنفس مقدار حُبي، قاسي انا عارف لكن كنت لازم اكون بالطبع ده، حياتنا بتجبرنا نكون كده، كل واحد فينا صدقيني جواه شخص تاني مش ظاهر، شخص تعيس، شخص علمته الحياة يكون غير نفسه.
أنفاسه خرجت في تسارع مع كل كلمة تنبثق من شفتيه يُطالعها بنظرات جعلتها تتأكد من تلك الحقيقة الموجعة.
” من يُحب لا يكره إنما يدفعه الكبرياء لرفع رأسه والهتاف أنه كَرِه كما أحب ”
حقيقة قاسية نعم ولكنها حينما رفعت رأسها وأرات الهتاف بكبرياء خَانها قلبها من مجرد نظرة رأت فيها ما تمنت أن تراه من قبل.
– أنتَ مش قادر تقف على رجلك، أسند عليا.
لم تنتظره ليُبدي أي ردة فعل بل اجتذبت ذراعه نحو كتفها تضعه عليها حتى تسير به نحو الأريكة القريبة منهما.
– حاول تفرد رجلڪ، استنى هرفعها ليك.. أنا هكلم الدكتور أنتَ ضغطت عليها بزياده.
وتوقفت عن الحديث بعدما اتسعت عيناها وانفلتت شهقاتها منها وهي تتذكر شيء قد غاب عن عقلها، “جسار” هو من قاد السيارة وأتى بها من شركته وليس السائق، فكيف له أن يقود وهو بحالته هذه.
– أنتَ اللي كُنت سايق أنا إزاي مأخدتش بالي.
بلهفة تسألت وقبل أن تنتظر منه إجابه، أسرعت نحو هاتفه حتى تُحادث الطبيب الخاص بمعالجته.
عيناه احتضنت تفاصيلها وكل حديث خرج منها بعشق يُغمض عيناه مسترخيًا بجسده للخلف قليلًا رغم شدة وخز و ألم ساقه اليُسرى.
غادر الطبيب بعدما اشبعهما بالتعليمات وحديث لم يخلو من العتاب ولم يكن راضيًا عن حالته مؤكدًا له ولها إن لم يلتزم بالتعليمات لن تلتئم كسوره بسهولة.
– لو داده “سعاد” كانت موجوده مكنتش عدت خروجك بالساهل وكانت عملت حصار عليك ومسمعناش كام كلمه مش لطيفه من الدكتور.
زمت “بسمة” شفتيها معترضه عن ذلك التوبيخ الذي تلقته؛ فهي بنظر الطبيب زوجة مهمله لا تُراعي زوجها.
عيناه التمعت بسعادة وهو يراها تتحدث معه هكذا دون حواجز.
– أول ما تكلمني هقولها على كلام..
لم تكد تُكمل عبارتها حتى خرجت شهقاتها في صدمة وهي تجد حالها جواره فوق الفراش يُحاصرها بكلا ذراعيه.
– وتفتكري دادة “سعاد” هتعاتبني أنا.
بصعوبة ازدردت لُعابها بعدما لفحتها سخونة أنفاسه.
– أيوة لما تعرف إنك نزلت الشركة وأنا مش موجوده.
– معرفتش أقعد في البيت لوحدي، حسيت بالزهق.
تمتم عبارته وكأنه طفل صغير يُخبر والدته عن سبب تركه للمنزل.
– إجابه مش مقنعه يا “جسار” بيه.
امتعضت ملامحه من تلك الكلمة التي تصحبها لاسمه يُردد عبارتها بصيغة أخرى.
– اسمها « إجابه مش مقنعه يا حبيبي »
رددها لمرات راغبًا في سماع تلك الكلمة يجذبها برفق إليه حتى اختلطت أنفاسهم.
شفتيه عرفت طريقها كحال يديه، وهو من قبل ڪان زوج لنساء دخلوا حياته ومن قبل كان الوسيم العابث من تركض خلفه الفتيات أما هي كانت كبراعم الزهور، فتاة كان هو فارسها في أحلامها الوردية.
حرب كان الانتصار معروف فيها لمن.
ابتعد عنها بأنفاس لاهثة يستند بجبهته فوق جبهتها يَنظُر إليها حتى يُشبع عيناه بملامحها المتورده ويديه تعبث بخصلاتها بعدما حررهم من أسفل غطاء رأسها
– شعري مش حلو.
هتفتها بأنفاس ضائعة تُخبره بحقيقة كانت توجعها كلما أخبرها “فتحي” أن شعرها بشع والرجال لا يحبون إلا أصحاب الخصلات الناعمة.
عاد يلتهم شفتيها يبتلع في جوفه ذلك الحديث الذي تُردده داخلها
« أنفضي رأسك “بسمة”، أنفضي رأسك “بسمة”»
– كل حاجه فيڪِ حلوه يا “بسمة”.
حاولت دفعه عنه بقوتها الواهية ولأنه صار يعرف ما تحتاجه زوجته كانت الجولات تُحسم إليه.
– كل حاجه فيڪِ فتنتني يا “بسمة” لكني كنت أعمى، ببعدك عني عشان مش عايز أحبك.
سقطت دموعها في عجز؛ فهي لا تقوى على دفعه بكلتا قبضتيها، هو يكذب عليها، لقد أذاقها من قسو,ة نفوره منها.
وعادت تُردد كما أخبرتها “ملك” بتلك العبارة عندما تفقد قدرتها على إستيعاب ما تعيشه.
« أنفضي رأسك “بسمة” »
ولكنها لم تكن تستطع بعدما صارت بين ذراعيه يغدقها برفق مشاعره وكلما حاولت الابتعاد كان غزله بها وسط قُبلاته يدفع كلا كفيها للسقوط جوارها.
انتهى ما رغب بحدوثه بشدة رغم تحامله على ألامه التي لم تُشفى يضغط فوق شفتيه بقوة مبتعدًا عنها بعدما غفت أخيرًا وهو يُخبرها أن ما صار بينهم ليس إلا حُلمًا حتى تَكُف عن البُكاء.
التقط دواء المسكن خاصته يبتلع حبتين حتى يزول الألم يغمض عيناه قليلًا مبتسمًا بإنتشاء.
…
دلف غُرفتهما بملامح يحتلها الإرهاق يضع سترته بإهمال فوق أحد كتفيه راغبًا بالإرتماء فوق الفراش.
تراجع بخُطواته بعدما ارتطم أحد الأثواب بوجهه وقد اعتلت ملامحه الدهشة وهو يزيح ذلك الثوب عنه وقد انتبه أخيرًا لكومة الملابس التي افترشت الأرض.
– مفيش حاجه شكلها حلو عليّا، الهدوم بدأت تضيق عليّا.. ما انا خلاص بقيت كل ما اضايق أكل كتير.
– “فتون”.
انتبهت على وجوده أخيرًا تلتفت نحوه تلعق شفتيها من شدة بؤسها على قوامها الذي لا يُشبه قوام “ليندا”.
– أنتِ بتكلمي نفسك يا حببتي.
لم تنتظره ليُكمل سخريته عليها واندفعت نحوه كعاصفة هوجاء، فجعلته يتقهقر للخلف مُتعجبًا من نظراتها المتجهمة.
– أنتَ ليه مش بتصارحني لما وزني بيزيد؟!
ضاقت عيناه من تساؤلها وقد تعجب من جديتها في طرحها لسؤال تكرهه النساء بل وتنتظر جوابه.
– أكتر حاجه بتكرهها الستات الكلام عن الوزن والعمر وبيتهيألي أنا ديما بلفت نظرك لموضوع الرياضة يا حببتي وأهميتها وبما إننا عندنا صالة رياضية وجنينة واسعة وإمكانية إشتراكك في أي نادي رياضي تختاري؛ فالموضوع في ايدك أنتِ ، ده جسمك وليكي مطلق الحرية
أتسعت حدقتاها في دهشة من حديثه تنظر إليه بعدما تخطاها وألقى بسترته فوق الفراش متمتمًا
– فتون ممكن ترتبي السرير محتاج أنام
واستدار نحوها متذكرًا شيئًا عليه تحذيرها منه لأنه يعرف عقلها
– صحيح يا حببتي اوعي تاخدي كلامي عن الرياضه وتطبقيه وأنتِ حامل أنا عارفك يا حببتي بتحفظي من غير فهم
هل ينعتها سليم بالغبية؟
سؤال كان جوابه يمنحه لها بأغلاق باب المرحاض خلفه.
لملمت قطع الملابس خاصتها المنتشرة هنا وهناك ثم رتبت له الفراش بوجه محتقن.
– أنا غبيه بحفظ من غير ما افهم يا سليم ، اه ما أنت اكيد بقيت منبهر بي بنت عمك، طبعا أنوثة وأناقه وذكاء
همهماتها أثارت فضوله وقد ألقى بتلك المنشفة التي جفف بها خصلاته الرطبة نحو الأريكة واقترب منها متسائلًا
– فتون أنتِ بتكلمي نفسك تاني
انتفض جسدها فزعًا ورغمًا عنها كان رأسها يرتطم برأسه لشدة قربه منها. تأوه بخفوت بعدما ابتعد عنها يُدلك جبينه
– شكرا يا حببتي كده هعرف أنام كويس
يلومها على ما حدث وهو كان سببً فيه
– على فكرة أنت السبب والخبطه بتاعتي أشد منك
ولأنها اليوم تشعر بالسوء دون سبب أنبثق الحديث من شفتيها قبل أن تنفجر بالبكاء
– أنت من ساعت ما جيت وانت بترمي بالكلام, أنا هسيبلك الأوضة خالص وانام في أي أوضة
القت بالوسادة التي أمامها بالجهة الأخرى عنه حتى تتمكن من إخراج غضبها بشيء
– فتون خدي هنا، مش معقول هنقضي شهور الحمل مع هرموناتك اللي بقت تتغير كل يوم
أتجه نحوها يجتذبه إليه يرغمها على عدم الحركة ودفعِها له حتى يبتعد عنها
– كل حاجه بقيت بعملها مبتعجبكش ولا حتى بتشجعني، قولتلك عايزه اتعلم لغة جديدة قولتلي اتعلمي
ارتفع كلا حاجبيه في دهشة بعد حديثها الذي أذهله
– سبحان الله يا حببتي, وعايزاني اقولك إيه غير كده
– تقولي حاضر ياحببتي هشوفلك أحسن مكان بيتعلموا فيه واحجزلك
للحظات وقف مدهوشًا يُحاول إستيعاب ما نطقته
– قولتلك عايزه اتعلم السواقه، ضحكت وكأنك بتسخر مني ورجعت تتابع شغلك، الشغل بقى عندك أهم مني
انتفخت أوداجها من شدة الغضب وهي تراه يقف صامتًا لا يُجيبها واردفت
– أنا عايزه اروح أي مكان متكونش أنت في
هتفت عبارتها ثم أندفعت نحوه متشبثه به تهز رأسها فوق صدره
– لا تعالا معايا يا سليم
زوجته صارت متقلبة المزاج وعلى ما يبدو أن المزحه التي ألقاها كاظم بوجهه عندما ذهب لمباركته على مولوده كانت حقيقية
– هو الموضوع هيطول أوي يا فتون
ابتعدت عنه متسائله عن مقصده ولكنه تجاوز حديثه يُداعب خديها برفق
– ارجع من رحلة روما واخدك لأي مكان عايزاه اتفقنا
حدقته بنظرات ضائقة قبل أن تتسأل
– هتسافر؟
– أسبوع يا حببتي مضطر، غياب خديجة بقى عامل أزمة هناك
..
قهقه عاليًا وهو يراها تدفن رأسها بصدره تعيد سؤالها الذي قررته لمرات عدة
– هتسافر أسبوع مش أقل يعني
– فتون يا حببتي حاولي تبدأي تأقلمي نفسك على سافري، بُعد خديجة عن الشغل خلا مشاريع كتير تقف ولازم تكمل وعشان تكمل لازم سافري يكون دائم لإيطاليا
– طيب ما تاخذني معاك
داعب انفها بأنامله ثم تثاءب وهو يغمض عينيه مُرحبً بالنوم
– اولا أنتِ ناسيه إنك حامل وثانيًا جامعتك.. وثالثًا..
– أنت رايح شغل “مش ده اللي عايز تقوله”
هتفت بها ترفع رأسها عن صدره مبتعده؛ فأسرع في إجتذابها مكبلًا حركتها بساقيه ضاحكًا
– جواب صحيح يا حببتي
زمت شفتيها تهتف بطريقته التي صارت تشيطها غضبًا منه
– جورج قرداحي يتحدث
جفنيه المغلقين لم يعدوا مغلقين حتى النعاس قد غادره وهو يسمعها تُقلّد نبرة صوته بدقة
– عيدي تاني كده نبرة صوتي
ارتبكت بعدما اكتشف هذه الصفة بها ولم يكتشفها إلا “أحمس” لأنها رغمًا عنها عندما يزداد حنقها من مُحاضر أو زميلة لها بالجامعة تفعل تلك الخصلة التي تراها سيئة ولكنها تُخرج غضبها هكذا.
قلّدته مجددًا ؛فاعتدل في رقدته مستمتعًا
– قلّدي صوت مدام ألفت
هزت رأسها رافضة تخفي وجهها عنه بكفيها
– قلّدي صوت خديجة بلاش مدام ألفت لو صعب
تمتم بها ضاحكًا يزيح يديها عن وجهها يُشاكسها
– لا ما أنتِ مطيريش النوم من عيني وتضحكي عليا لحد ما…
أندفعت نحوه تُكمم فمه قبل أن ينطق عبارته الوقحة؛ ف سليم جدير بهذا اللقب
– الموضوع بيجي كده لوحده، لما أكون متضايقة أوي وأنت ضايقتني
التمعت عيناه بخبث ماهر هو فيه يُسلط عيناه نحو مفاتنها
– بقيتي طماعه في الصلح يا حببتي ومحتاجه..
لم تنتظره مجددًا يُكمل بقية حديثه؛ فعادت تُكمم فمه ثانية وهو يُقهقه أسفل كفها
– بلاش تقلّدي مدام ألفت، أقولك قلّدي صوت ليندا أنتِ بتحبيها أوي
ليلة كانت مختلفة عن بقية الليالي التي عاشوها معًا، لم تكن ليلة يُغلفها اللقاء الحميمي فقط بل غلفتها المشاعر الدافئة والضحكات العالية حتى بدء الليل ينجلي ويشق الصباح الكون بخيوطه
– فضلتي تاخديني بالكلام وتضحكي عليا بشوية دلع لحد مبقتش شايف قدامي
تمتم بها سليم قبل أن يسقط فوق الوسادة وهي تنظر إليه ضاحكة ومشفقة عليه
– لازم أكون في الشركة الساعه تمانيه يا فتون، عندي صفقة مهمه
اختفى بقية حديثه وقد غفا تمامًا؛ فأقتربت منه تلثم جبينه وقد تغلغل روحها شعور الندم لما ضاع من حياتها وهي تظن أن المرأة في حياة زوجها متعة لاغير حينا ينغلق باب الغرفة ويجمعهما الفراش.
…
التمعت عينين شهيرة في سعادة وهي تلتقط الصور لصغيرتها، والصغيرة تلوح لها بيدها مستمتعه في لعبتها التي يُرافقها بها ماهر.
السعادة كانت تغمر ملامح صغيرتها، وقد عادت طفلتها سعيدة مشاكسة.
– مامي يلا صورينا يا مامي صور كتير أنا وعمو ماهر
احتضنت الصغيرة ذراع ماهر الذي اتسعت ابتسامته؛ فهذه الفتاة لا يعرف كيف سيستطيع نسيانها عندما يرحل ويُطلق شهيرة.
قرار إتخذه بعد ليلة قضاها في منزل والديه القديم ساهدًا مع ذكريات الماضي؛ فلو قلبه مازال عاشق لهذه المرأة ويخونه فكرامته تأبى الأمر.
– ابتسموا يلا عشان الصوره تطلع حلوه
ابتسمت خديجة ولكن ماهر خرجت صورته وهو عبوس الوجه بعدما داهمته بعض الذكريات
– ماهر ابتسم، أنتَ طالع مكشر في الصورة
هتفت بها شهيرة بمرح عاد ينبض داخلها ولن تنكر أنه كان سببً فيه لأنها صارت تشعر بصدق كل ما يمنحه لها ولصغيرتها.
نزهة بالملاهي كما رغبت الصغيرة ثم ساروا متشابكين الأيدي يتناولون المثلجات مع أصوات ضحكاتهم المرتفعة حتى أختارت الصغيرة مطعمًا لتناول البيتزا التي تعشقها.
اليوم انقضى بسرعة عجيبة، استعجبتها شهيرة لأنها قديمًا كانت تضجر من أمور هكذا، ولكن الحقيقة التي عليها الإعتراف بها “أن سليم مع صغيرته كان عكسها ولكن هي كانت تقضي نزهتهم في متابعه أرقام البورصة حانقة من ضياع يومٍا لمجرد اللهو”.
وضعت صغيرتها بالفراش وقد غفت الصغيرة فور أن أبدلت لها ثوبها ووضعت رأسها فوق الوسادة.
اتجهت لغرفتها راغبة اليوم في منح له جسدها راضية عنِ الأمر وليس كواجب تفعله كلما رغب بها.
انهت حمامها وارتدت غلالتها التي أظهرت مفاتن جسدها.
ببطء اقتربت من مرآتها تنظر لمعالم جسدها بحسرة؛ فالعمر مضى بها وقد رحل الشباب وظهرت علامات التجاعيد في مناطق متفرقة من جسدها, ولولا الرياضة وتناولها للوجبات الصحية لكان الأمر تجاوز معها مجرد تجاعيد لم تظهر بسخاء بعد.
حاولت نفض ذلك الشعور الذي يخترقها من حينًا لآخر، فهي ليست بفتاة صغيرة لتحزن على شبابها، هي امرأة صارت في سنوات عمرها الأربعين ؛ فعليها تقبل التقدم بالعمر.
ابتسمت هذه المره برضى بعدما وضعت زينتها فوق ملامحها وقبل أن تتجه نحو الفراش وتلتقط مئزرها وتغادر الغرفة متجها لأسفل حيث غرفة مكتبه، وجدته يدلف الغرفة ينظر إليها يستعجب ما هي عليه.
نظرتها إليه اضاعت أي حديث رتبه منذ دقائق حتى يُخبرها أنَّ عليهم إتمام إجراءات الطلاق؛ فهو لا يستطيع الإستمرار في زواج صار يخنقه.
اقتربت منه هي هذه المرة تدعوه إليها بنظرة صريحة وهو وقف متصلب الجسد يُحدق بها
– ماهر أنا كنت عايزه أشكرك على كل حاجه بتعملها عشان بنتي
واشاحت وجهها عنه ثم فركت كفيها بتوتر واردفت
– وعشاني
خرج منها الحديث بصدق لأنها تعترف بدعمه لها الأيام الماضية بعدما تخلى عنها كل من ظنتهم أحبابها وأصدقائها.
الحديث توقف على طرفي شفتيه يُطالعها في صمت تعجبته بعدما عادت تُسلط عيناها نحوه منتظرة ردة فعله على هيئتها.
– شهيرة أنا..
لم يستطيع تكملة حديثه الليلة وهو يرى المرأة التي تمنّاها طويلًا تدعوه إليها راضية.
اجتذبها نحوه يغمرها بعاطفة لم تعيشها حتى مع سليم الذي ظنت نفسها لا تستطيع العيش دونه.
كل شيء مع هذا الرجل كان مختلف، لمساته وقبلاته التي رغم توحشها أحيانًا إلا إنها تستسيغ الأمر دون شعور بالإهانه.
همساته تكون دافئة وهو يُخبرها كيف مضى عمره وهو يتمناها وهو يتخيلها في فراشه وكيف خان زوجته الراحله مراراً في خيالاته.
انتهت أخيرًا عاصفة حبهم التي تجعلها تخمة بإنتشاء تنتظر تلك القبلة التي يضعها فوق جبينها ولكنه هذه المرة لم يفعلها بل التقط علبة سجائره يخرج منها سيجارة يدسها بين شفتيه بجمود.
سعلت بشدة بعدما اقتحم الدخان رئتيها؛ فاعتدلت في رقدتها تجذب غطاء الفراش نحوها متسائله
– مالك يا ماهر أنت النهاردة طول اليوم كنت شارد، في حاجه في الشغل معاك..
رمقها بنظرة خاطفة ثم عاد يُسلط عيناه نحو تلك الصورة المُعلقة؛ فابتسمت واستطردت بحماس ظنته غادرها منذ زمن
– خليني أنزل الشغل معاك واساعدك، أنت عارف أنا سيدة أعمال شاطره ومتخافش مش هقولك عايزه اخد مكانك، مافيش مشكله عندي اكون في أي مكان أنت تحدده أنا خلاص تقبلت إنك بقيت المالك لكل شيء
هتفت عبارتها الأخيرة وابتسمت منتظرة جوابه على حديثها ولكن كل شيء إنطفأ داخلها وضاعت تلك الابتسامة التي زينت شفتيها
– أنا راجع لندن تاني يا شهيرة وهبيع كل حاجه أملكها لمستثمر
لم يتركها لتتسأل عن رحيله الذي قرره فجأة ولا عن وضعها بحياته؛ فهل ستُغادر معه ولكن أبنتها؟سليم لن يترك لها خديجة إذا رحلت معه
– هكلم المحامي يتمم إجراءات الطلاق في هدوء، ومتقلقيش كل حقوقك هتاخديها كاملة زي ما كنا متفقين في عقد الزواج
**
الخاتمة (2)
**
اغمضت “جنات” عيناها باسترخاء مستمتعة بدفىء المياة وقد صارت أبسط الأشياء التي تفعلها متعة حقيقية بالنسبة لها.
داعبت مخيلتها تخيلات عديدة لمواقف عدة عاشتها معه وبتنهيدة حارة خرج اسمه من بين شفتيها في همس.
” كاظم”
ابتسامة حلوة اتبعت تنهيداتها وقد ازدادت متعتها بدفىء المياة وذلك الهدوء الذي خلا من بكاء صغيرها.
بدء صراخ الصغير يتعالىٰ شيء فشيء وهي مازالت في غفوتها مع أحلامها.
ارتفع صراخ الصغير ومع ارتفاع صوت صرخاته كانت عيناها تفتح على وسعهما تنفض رأسها قبل أن تندفع ناهضة من حوض الاستحمام تلتقط المنشفة بعجالة حتى تُجفف جسدها.
– هما عشر دقايق بس ملحقتش.
استمر صراخ الصغير؛ فتعالىٰ معه صوتها تهتف به راجية أن ينتظرها حتى ترتدي مئزرها ولا بأس ببقية ملابسها الأخرى.
سقطت المنشفة منها بسبب ربكتها ولم يتوقف الأمر على سقوط المنشفة بل كادت أن تنزلق فوق الأرضية.
– يا حبيبي دقيقة واحده، أنا استاهل كل ده.. ما أنا اللي قولت جواز وجريت ورا أبوك لحد ما اتجوزته وبقى عندي نسخه تانية من “كاظم النعماني” بس ابوك مش زنان زيك يا “عبدالرحمن”، لا تصدق هو فعلا زنان ومتطلب وعنيف لكن بحبه وبحبك أنت كمان عشان أنت ولد شاطر والولاد الشاطرين مش بيعيطوا كتير.
توقف الصغير عن الصراخ وقد ظنت أن حديثها هذا قد أثمر بما أرادته.
– اهو خرجت ليك يا “عبدالرحمن” باشا واهو مكملتش حلمي الجميل مع ابوك ده أنا تخيلته…
– تخيلتي أبوه في إيه يا “جنات” هانم.
جحظت عيناها على وسعهما تزدرد لُعابها مع بقية حديثها وقد ارتسمت فوق ملامحها معالم الصدمة التي قابلتها ابتسامته الماكرة وهو يضم صغيره إليه منتظرًا جوابها.
بتوتر تراجعت بضعة خطوات تضم مئزرها إليها بإحكام وتتحاشى النظر إليه؛ فهل يحتاج زوجها الماكر لتفسير بقية حديثها.
– ما أنا مش هعدي كلامك ده يا “جنات” لأني عديت خلاص كلامك عني لابني بقى أنا راجل زنان ومتطلب وعنيف.
– لا أنا مقولتش عنيف.
رفع كلا حاجبيه يُحركهم في عبث وهو يراها تتهرب من النظر إليه مجددًا؛ فهو يعرف تمامًا مقصدها.
ارتفعت قهقهته عاليًا وهو يرى تخضب وجنتاها من شدة الخجل.
– مامي بقت أوفر وقاحه يا “عبدالرحمن”.
رمقها بنظرات ماكرة بعدما ألقى عبارته وسرعان ما كان يتراجع بصغيره وهو يراها تندفع نحوه والشر يتطاير من عينيها.
– أنا أوفر وقاحة يا “كاظم”، هو حد علمني الوقاحه غيرك..
صدحت ضحكاته بقوة بعدما تهاوى فوق الفراش يُحاول جاهدًا تفادي ضر,باتها.
– كانوا مُتنبئين ليا بمستقبل مشرق في شغلي وأنت ضيتعه، مستقبلي المهني ضاع معاك.
ندبت حظها الذي لم يكن مشرق على الإطلاق رغم ذكائها.
– الولد يا “جنات” بلاش شراسه، أنتِ لسا تعبانه وأنتِ عارفه غبائي في الهزار.
– شوفت أنت معترف إنك..
توقفت عن بقية حديثها كعادتها وهي تراه يُحملق بها منتظرًا تكلمة حديثها بعدما وضع صغيره جانبًا.
– أنت بتبصلي كده ليه يا “كاظم”، لا أنا مش خايفه.. وهقول اللي كنت عايزه اقوله.
– “جنات”.
نهض من فوق الفراش بوجه جامد أجاد رسمه مستمتعًا بهيئتها متجاوزًا مناكفتهم التي لا معنى له.
– شوفتي لو كنتي جاوبتي على أول سؤال كان الموضوع تطور لحاجة حلوه مش شغل العيال ده لكن تمو,تي في لعب العيال يا “جنات”.
– أنا عيله يا “كاظم”.
تقهقرت للخلف مع تقدم خطواته منها تزم شفتيها فى عبوس.
-وتمو,تي في التركيز على الكلام اللي ميعجبكيش عشان تعرفي تهربي من السؤال المهم.
– هو إيه السؤال المهم يا “كاظم”.
توقفت قدميه عن الحركة بعدما أبهرته بسؤالها.
– لا اوعي تورثي ابني الغباء يا “جنات”.
ارتفع بكاء الصغير وكأنه قد ضجر أخيرًا من جنون والديه.
انسحب “كاظم” من الغرفة بعدما تعالىٰ رنين هاتفه في تلك اللحظة التي ارتفع فيها بكاء الصغير، مكالمته قد طالت كما طال وقت تهدأتها للصغير الذي استكان أخيرًا فوق حجرها.
انتهى أخيرًا من مكالمته وعاد أدراجه إلى الغرفة زافراً أنفاسه بقوة فعليه المغادرة بعد ساعتين من أجل اجتماع هام مع أحد شركائه.
علامات الأستياء التي ارتسمت منذ لحظات فوق ملامحه اتحولت لأخرى تحمل لمعان عينين صاحبها، اتسعت ابتسامته شيئًا فشيء وهو يرى صغيره يرضع بنهم وقد كف عن بكائه و “جنات” تتلمس خصلات شعره القليلة برفق وترمقه بنظرة خطفت فؤاده الذي عاش جائعًا كصاحبه لمشاعر لم يعرف معناها إلا عندما دخلت هي حياته وارغمته على وجودها.
نظراتها تحركت نحوه بعدما شعرت بقربه تُشير إليه أن ينظر إلى وداعة صغيرهم بعدما غفا أخيرًا.
– نام أخيرًا يا “كاظم”، شوف حلو إزاي وهو نايم.
جاورها فوق الفراش مداعبًا قدمي صغيره برفق سابحًا معه بلذة مشاعر جديدة صارت تقتحمه كلما وقعت عيناه عليه.
دموعه انسابت رغمًا عنه يتذكر العديد من مقتطفات الماضي و “جودة النعماني” يدفعه عنه ويُخبره إنه ليس بوالده.
لم تكن منتبهه على دموعه لدنوه نحو قدمي الصغير وتقبيلهم إلا عندما ابتعد عن الصغير واشاح وجهه عنها ورفع كفيه يمسح عيناه ولكنها التقطت دموعه العالقة بمقلتيه فهتفت بفزع.
– “كاظم” أنت..
لم تكد تكمل عبارتها حتى ابتلعت بقية أحرف كلماتها
تنظر نحو أصابعه التي يُحذرها بها ألا تنطقها.
– دموع الفرح يا “جنات” مش لازم تركزي.
واردف ماقتًا ما صار عليه.
– أعمل فيكِ إيه أنتِ السبب بقيت راجل عندي مشاعر وبتأثر بسهوله.
التقط منها الصغير حتى يضعه في مَهْدُه يتهرب من تساؤلاتها؛ فـ “جنات” لن تترك الأمر هكذا ولكنها اليوم خالفت ظنه ونهضت خلفه تنظر إليه دون حديث بعدما وضع الصغير في مَهْدُه وظل واقفًا يُطالعه في صمت.
شعر بذراعيها تطوق بهما خصره وتضع برأسها فوق ظهره.
– أنا مش ندمانه إني بدأت اللعبه يا “كاظم” واختارت دور عمري ما كنت افكر إني ممكن اعمله.
وبتنهيدة قوية زفرت أنفاسها وهي تتذكر كل ما فعلته حتى يكون لها واتخذت دور المرأة اللعوب التي تُلقي بشباكها واردفت.
– لكن أنا لو معملتش كده كنت هعنس يا حبيبي.
ألقت عبارتها وضمت نفسها إليه أكثر مستمتعه بدفئ جسده غير واعية لعبارتها الطريفة التي تلاشى معها جموده وشعور الخزي الذي داعب فؤاده للحظات لأنه صار رجل أخر من أجلها.
ابتسامته الواسعة عادت تُداعب شفتيه ينظر نحو ذراعيها يفكهم عنه برفق؛ فزمت شفتيها مستاءة من فعلته.
ضحك بخفوت وهو يرى جفنيها الناعسين لا يُصدق أنها كادت أن تغفو وهي تحتضنه وهو من ظن أنها تلتصق به لتغويه قليلًا رغم أن حرمانه منها مازال قائم.
– أنتِ كنتِ واخده ضهري مخده يا “جنات” وأنا اللي قولت بتغويني وبتجر رجلي للمحظور.
عبست بشفتيها غير مُدركة هيئتها؛ فقد تراخت عقدة مئزرها وانفك شعرها المعقود.
التهمت عيناه تفاصيلها بجوع يشعر بالأسف على حاله وهو يحسب عدد الأيام المتبقية يتساءل داخله لما لا ترحمه وتبتعد عنه هذه اللحظة.
وما كان يرجوه صار بعيدًا؛ فهاهي تندفع نحوه مجددًا تدفن هذه المرة رأسها بصدره.
– ريحتك حلوه يا حبيبي.
تمتمت بعبارتها واغمضت عيناها متلذذه بدفئ جسده.
– كل حاجة فيك حلوه يا حبيبي.
زادت من التصاقها بها تتمسح بصدره وتعبث دون شعور منها بأزرار قميصه وتتسأل عن صمته وعدم مغازلته لها.
– أنت ساكت ليه يا “كاظم”.
وسرعان ما كانت ترفع عيناها الناعستين تمد شفتيها إليه بعدما ارتفعت على أصابع قدميها تدعوه بدعوة صريحة لتقبيلها.
– “كاظم”.
وهل “كاظم” سيكون لديه عقل وقدره على ضبط النفس بعد همسها المغوي وفي وهج قبلاته اخذ يهتف ويذكر حاله.
« بضعة قبلات، بضعة قبلات فقط “كاظم” »
…
تعلقت عيناها به بعدما التقط ذراعها واسقطها جواره فوق الفراش بخفة. أسرعت في إشاحة عيناها عنه تهرب بنظراتها منه كعادتها في الأيام الأخيرة بعدما استسلمت له ذلك اليوم برضاها.
سقطت عُلبة الدواء منها رغمًا عنها تزامنًا مع التفاف ذراعه حول خصرها والتصاقه بها، حاولت نفض حالها عنه ولكنه تشبث بها متسائلًا ببرائة صار يجيدها.
– هتفضلي تهربي مني لحد أمتى يا “بسمة”؟
تسارعت أنفاسها وهي تراه يزيد التصاقها به وقد دفن رأسه في تجويف عنقها مستطردًا.
– لو أنتِ ندمانه على استسلامك ليا أوعدك مافيش حاجة هتحصل غير برضاكِ.
– لكنه حصل برضايا.
تمتمت بها بخزي وهي تشعر بأنفاسه تلفح عنقها وقد خرجت زفراته بعد حديثها بمرارة بات صاحبها يتجرعها يومًا بعد يوم.
– حتى يوم ما سلمتك نفسي وأنت بتعرض عليا المقابل برضوه حصل برضايا.
ابتعد عنها بعدما هزته كلماتها ولكنه تفاجأ بها تجذب ذراعه الذي كان للتو يضمها به.
– حبك جيه متأخر أوي، جيه في الوقت اللي اتهزمت فيه من كل حاجة، جيه بعد ما قررت مستنهوش واقتنعت إن مش كل الأحلام من حقنا.
انهمرت دموع عجزها وتخبطها وبعدما كانت تجذبه إليها في حاجة، أخذت تدفعه عنها غير راغبة في شفقة سيزيلها الوقت بعد أن تنتهي حاجته منه ويُدرك أختلافهم.
– أنا آسف يا “بسمة”، آسف على اي وجع.. آسف أني حسيت بحبي متأخر لكن اوعدك عمري ما هتخلى عنك وهعوضك عن كل لحظة أسى عشتيها.
احاطها بكلا ذراعيه يُرغمها على السكون بين احضانه.
– أنا منستش الماضي اللي عيشته يا “بسمة” عشان اقولك انسي لكن نقدر نتخطى ده وإحنا سوا.
وبأنفاس متهدجة اردف ببقية عبارته.
– خليني اعوضك عن كل اللي عيشتيه صدقيني أنا محتاجك أكتر ما أنتِ محتاجني في حياتك.
ارادت أن تُخبره أنها من تحتاج لما يمنحه لها من حياة لم تحلم بها يومًا ودون ماله ستظل تُصارع حياة أكبر منها ولكنه سبق أي حديث كاد أن يخرج من شفتيها.
– أنا معرفتش إني بحبك يا “بسمة” غير لما لقيتك بتضيعي مني، مشكلتي دايمًا إني مبعرفش قيمة الأشياء غير لما بتروح من بين أيديا.
حقيقة أدركها ومازال يُدركها ويخشى عدم التعلم منها ولكنه سيفعل المستحيل حتى تعود تلك النظرة التي كان يفيض منها الحب.
التقط شفتيها في قُبلة رقيقة يُعبر فيها عن مدى شوقه لكل شعور يشعره معها؛ فهتفت بأنفاس مسلوبه وهي تشيح وجهها عنه.
– أنا روحت لدكتوره “هالة” عشان أتعالج معاها.
ولم تكن بمعلومة جديدة عليه ولكنه تظاهر بتفاجئه
يلتقط كفيها يحتويهم داخل كفيه هاتفًا.
– تأكدي إني دايمًا هدعمك في أي قرار تاخديه يا “بسمة”.
كل شيء عاد يتحرك داخلها ثانيةً وهو كان متمهلًا في تحريك مشاعرها ببطء إليه.
لمساته الرقيقة فوق خديها ثم قبلاته التي وضعها فوق عنقها داعبت أنوثتها العطشة ورغم مخاوفها وتلك الرجفة التي لم تُغادر جسدها بعد ورغبتها بالهرب منه إلا أنه كان كالمزارع الصبور الذي عاد يرعى زرعته بصبر بعدما ذاق خسارة محصوله.
وليلة ثالثة كان ينعم بها معها ورغم محاولاتها العديدة في الإبتعاد عنه إلا أنه كان يعرف كيف يستخدم مهاراته كرجل لديه العديد من التجارب ولكن هي رغمًا عنها كانت تسقط في هاوية الحب ثانيةً.
…
حدق بها الجميع في دهشة وهي تخطو بخطوات واثقة، تحمل حقيبة حاسوبها وتحيي من تتلاقى عيناها به بإماءة صغيرة.
همساتهم وصلت إليها ولأول مرة تنتبه عما تغافلت عنه برغبتها؛ فالجميع يُلقبها بالمهندسة المميزة ثم يختم عبارته بضحكة خبيثة؛ فتميزها الواضح بالنسبة لهم هو إعجاب مديرهم بها.
نظرات حاقدة من بعضهن اتبعتها فلا شيء يروه مميز بها إلا أنها ابنة وزير سابق ومن عائلة ثرية وبسبب ثرائهم ذهبت لمنحة للخارج.
هكذا كان الحديث عنها وهي ساعدتهم به لانزوائها عنهم وكأنها ليست فرد من مؤسستهم الهندسية الخاصة بمجال الإلكترونيات.
دلفت لغرفتها أخيرًا تنظر للغرفة ومحتواها والمنظر الذي يُقابلها من الخارج وحقيقة أخرى أيضًا واضحة؛ فحتى الغرفة كانت مميزة رغم عدم وجودها بالشركة إلا القليل من الأيام.
عيناها دارت بالغرفة وكل شيء صار يخنقها وهي تتذكر أخر حديث بينهم عن العروس التي سيفاجئها بها وسيعرف كيف يتخطاها فلا مزيد من الإنتظار.
ابتعلت تلك الغصة التي عادت تقتحم حلقها بمرارتها؛ فهي مثل ما يقولون بائسة مع الحب..؛ فالرجل الذي أحبته بالخارج وتزوجته دون علم أهلها أخذه المو,ت و آخر عندما بدأت تشعر بحبه هاهو يُخبرها أنه سيجد من تستحق حبه.
حاولت أن تشغل عقلها بالعمل حتى ميعاد الإجتماع الذي سيجتمع به عدد من المهندسين لمناقشة تطوير أحد التطبيقات ولكن رغمًا عنها كانت عيناها تخونها من حينًا لأخر وتأخذها بالنظر نحو باب الغرفة المغلق تتذكر لهفة “حسام” عليها كلما علم بوجودها.
– اهو ريحك من حبه خالص يا “ميادة” ارتاحتي دلوقتي.
رفرفت بأهدابها حتى تطرد تلك الدموع العالقة بها وعادت تشغل عقلها بأكواد البرمجة المعروضة أمامها حتى ضجرت من ذلك الضجيج الذي يخترق عقلها وأغلقت حاسوبها.
الوقت كان يمر ببطء وهي تنظر من حينًا لآخر نحو ساعة يدها حتى رحمها الوقت أخيراً وأتى موعد الإجتماع ولأول مرة تكون هي الملهوفة على رؤيته.
ابتسامة واسعة ظنته يرمقها بها؛ فابتسمت ولكن ابتسامتها تلاشت بعدما اكتشفت أن تلك الإبتسامة لم تكن لها بل كانت لصاحبة ذلك العطر الصارخ وقد تعالى صوته مرحبًا بها يُخبر الجميع أن يُرحبوا بها لإنضمامها لهم.
..
ابتسمت بسعادة وهي ترى نظرات حماها مصوبه نحو عقد الإيجار لذلك الطابق الذي أراد أن يكون مقر شركته الصغيرة.
تحولت نظراته إليها بفضول امتزج مع سعادته لأنه لم يكن يريد إلا تلك البناية وتأجير طابق بالكامل فيها ولكن الأمر كان عالق مع صاحب البناية فكيف حلته هي بل وأتت بعقد الإيجار؟
– معقول يا “ملك”، معقول الموضوع اتحل بسهوله كده مع صاحب العقار.
نهض “عز الدين” من فوق مقعده واقترب منها وقد غمرت السعادة وجهه.
– قولتلك سيبلي الموضوع يا عمي وأنا هحله بمعرفتي.
« عمها »
“ملك” عادت تدعوه بهذا اللقب كما كانت تدعوه من قبل.
ابتلع غصته بمرارة فما فعله بها مثلهم لا يُغتفر ولو غفرت له تلك اللحظة التي أخبرها فيها أن تبتعد عن ولده فهي لا تليق به لن يغفر لحاله.
– اللي ساعدني في تأجير المكان “جسار الراجي” طليقي.
همسها الخافت أخرجه من شروده وجعله يكبح دموعه وقد ضاقت عيناه وهو يراها تقترب منه وتكمل همسها بخفوت أشد.
– بلاش يا عمي “رسلان” يعرف حاجه زي كده يعني لو سألك إزاي عرفنا نقنع صاحب العقار.
تعالى رنين هاتفها هذه اللحظه؛ فانتفضت في وقفتها تنظر نحو شاشة هاتفها ثم لحماها الواقف ينصت إليها.
– ابنك بيجي على السيرة يا عمي تفتكر يكون سمعنا.
انشقت إبتسامة واسعة ثغر “عزالدين” رغم أنه بطبيعته رجل قليل التبسم.
غادرت “ملك” في لهفة أمام نظراته وقد احتلهم الندم وخانته دموعه التي قاوم ذرفهم أمامها.
– “رسلان” حبيبي.
هتفت بها بأنفاس لاهثة بعد مهاتفته للمرة الثانية تنظر نحو ملابسها الموضوعه فوق الفراش فهي لم تتجهز بعد للذهاب إليه للمشفى من أجل متابعتها.
التقط سرعة أنفاسها فتمتم متسائلًا.
– كنت بتجري على السلم مش كده يا “ملك” وقبل ما تقولي مبرر من مبرراتك اللي بقت تبهرني محرومه من بوكيه الورد النهاردة عشان تعرفي تجري كويس يا “ملك”.
ألقى بحديثه يزفر أنفاسه حانقًا من تهورها – من فرط حركتها – منتظرًا سماع حجتها التي لن يتقبلها منها اليو.
– حبيبي هتجبلي الورد بلون إيه النهاردة، هاتو بلون البنفسج.
تمكنت بصعوبة من تڪميم فاهِها حتى لا يصدح صوت ضحكاتها تهتف متسائله.
– هتجبلي الورد مش كده يا حبيبي.
تحولت ملامحه الممتعضة لأخرى مذهوله وهو يجلس فوق مقعده مسترخيًا.
– عشان خاطر كلمة حبيبي اللي اتقالت في المكالمه ديه اكتر ما بتقوليها ليا وإحنا سوا.. هعفو عنك يا “ملك” هانم لكن قوليلي جهزتي وبلاش تكذبي هتدخلي النا,ر يا حببتي.
انفجرت ضاحكة وهي تلتقط ثوبها بعدما القت الهاتف فوق الفراش وارتفع صوته عبر مكبر الصوت.
– أنا من أمتى يا حبيبي كذبت عليك ومن أمتى كنت منضبطه في مواعيدي يا حبيبي.
دار بمقعده مستمتعًا بنبرة صوتها الهادئة التي تحمل شغبًا صار يزيده هيامًا بها ويُخفف من روتين الحياة القاسية.
– لا النهاردة حبيبي خارجة منك بطعم تاني، طعم كنت محتاج ادوقه مع همسك ليها.
– وقح يا دكتور.
خرج صوتها فاعقبه قهقهته العالية وسرعان ما كان يعتدل في مقعده متنحنحاً بحرج بعدما دلفت مساعدته من طاقم التمريض.
– تمام يا حببتي كلميني اول ما توصلي.
استمعت لصوت مساعدته وهي تُخبره أن المريض الذي أجرى له عملية جراحية هذا الصباح قد فاق.
اغلق المكالمة؛ فابتسمت وهي تنظر لبطنها التي ظهر بروزها بوضوح تربت فوق أجنتها.
– هتكونوا السعادة اللي هتنضاف لحياتي.
…
ضاقت عينين “أحمس” بنظرات تحمل الدهشة وهو يرى “فتون” تدون في كشكولها مواعيد دورة اللغة الانجليزية وتتسأل مع من يُحادثها عن المادة العلمية التي سيتم تدريسها وكيف سيكون النظام؟
طالعها بتدقيق وهي تتحدث لا يُصدق أن من تتحدث أمامه بهذه الثقة هي “فتون” بل وتتحاور بالحديث مع الطرف الأخر.
انهت مكالمتها أخيراً تزفر أنفاسها وتغلق كتبها تنظر لـ “أحمس” الذي مازال يُحملق بها.
– هتشرحلي هنا ولا في المكتبة، انا مش فاهمه حاجه في المادة يا “أحمس”.
عبست بملامحها وهي تنظر نحو كتاب المادة التي بالكاد تفهم محتواها؛ فجلس أمامها مُبتسمًا يُمازحها.
– خلينا في الكافتيريا هنا وياريت تطلبي ليا سندوتشاتي المفضلة ومشروباتي المفضله.
ارتفع كلا حاجبيها فقهقه عاليًا.
– مرات “سليم النجار” مقامها تعزمني في أفخم المطاعم لكن أنا راجل متواضع وراضي بسندوتشات عم “صابر”.
انتهى “أحمس” من آخر رشفة رشفها من مشروب الشيكولاته الساخن المخلوط مع الحليب ينظر إليها بعدما أغلق الكتاب متسائلًا وهو يرى علامات الضيق مرتسمة فوق ملامحها.
– مش فاهمه حاجة يا “أحمس”.
تمتمت بها بنبرة يائسة؛ فهي من اختارت دراسة القانون لتكون مثل “سليم” وليتها اختارت تخصص أخر.
– لا كده استعيني بزوجك “سليم باشا النجار” أو بنت عمه.
وعند ذكر اسم “ليندا” التي صارت تترأس المؤسسة مع “حازم” هتف بهيام به أعجاب نحو ذكائها.
– ذكية جدا يا “فتون”، اول مره اعرف إن الذكاء والجمال ممكن يتجمعوا في شخص واحد.
استمر “أحمس” في مدح “ليندا” وكيف صار الجميع راغب بتوليها قضيته وهي مع حديثه كانت تستشيط من داخلها.
وها هي تعود للمنزل تتناول طعامها مع حرص السيدة “ألفت” في تدليلها وإعطائها تقرير اليوم عن “ليندا”.
– مساء الخير.
تمتمت بها “ليندا” بالعربية وقد عادت للتو من الخارج تُلقي بحقيبة عملها فوق الأريكة وتنظر نحو “فتون” التي وضعت للتو طبق الفاكهة فوق الطاولة وكادت أن تنهض ولكنها عادت لموضع جلوسها ترمق هيئتها؛ فحتى وهي عائدة من عملها مبهرة بأناقتها.
– مساء الخير.
هتفت بها السيدة “ألفت” ثم “فتون” بعدما نفضت رأسها حتى تفيق من حملقتها المفضوحة بها.
– متى سيأتي “سليم” “فتون”، ألا يُحادثك.
« ألا يُحادثها »
تمتمت بها “فتون” داخلها؛ فهل تُريد هذه الفتاة إثارة غضبها.
– ألا يُحادثني؟ ، لا يا حببتي ده بيكلمني كل يوم وهيرجع بعد أسبوع.
كتمت السيدة “ألفت” صوت ضحكاتها لا تصدق أنها عاشت لترى سيدة المنزل الصغيرة تتخلى عن صمتها وتقذف بالحديث لتقصف الجبهات.
– أممم، رائع “فتون”.
ألقت “ليندا” عبارتها والتقطت طبق الفاكهة ونهضت تتبختر في مشيتها؛ فقد باتت عاشقة لأثارة غضب “فتون” منها.
حملقت “فتون” بخطواتها وبتلك البذلة العملية الأنيقة التي ترتديها وداخلها كان يصدح هتافًا واحد، هتاف خلقته “ليندا” رغم أن “شهيرة” كانت مثلها في أناقتها وذكائها.
« أجتهدي “فتون” حتى تكوني فخورة بذاتك »
صعدت لغرفتها تُردد لحالها هذه العبارة حتى أصبحت فوق فراشها وحولها مذكراتها وطبق أخر مملوء بتلك الفطائر التي تُحبها والسيدة “ألفت” تهتف مشجعة لها قبل أن تُغادر.
– اتغذي يا بنتي كويس عشان اللي في بطنك وتعرفي تذاكري كويس.
تعالى رنين هاتفها بعدما غادرت السيدة “ألفت” تحدق بأتصال “سليم” عبر خاصية الفيديو وسرعان ما كانت تنتفض من فوق الفراش بعجالة حتى ترى هيئتها بالمرآة فخرجت شهقتها في صدمة من هيئة شعرها الذي صار اشعث
– كنت هرد عليه وأنا كده، هي ديه الأناقة والشياكة يا “فتون”.
أسرعت في التقاط مشطها تمشط خصلاتها؛ فتوقف الهاتف عن الرنين وسرعان ما عاد الرنين ثانيةً فأسرعت في فتح المكالمة وجعلت الهاتف موجه نحو سقف الغرفة.
– حبيبي ثانية واحدة وهكون معاك.
اقترب من شاشة حاسوبه يُحملق بما ظهر إليه وقد ضاقت عيناه في تساؤل.
– هو ده سقف الأوضة بتاعتنا يا حببتي؟
تمتم بها متعجبًا وأردف وهو يبتعد عن شاشة الحاسوب.
– هو اه اوضتنا وحشتني لكن مش لدرجادي يا “فتون”.
مزيد من الكلمات الساخرة كان سيُلقيها لكنه ابتلع بقية حديثه وهو يرى العديد من الكتب والملازم حولها.
– إيه ده يا “فتون”؟
سؤال يعلم أنه ليس بمحله ولكن متعجب من ذلك الاجتهاد الذي صارت عليه زوجته رغم حملها.
– حلو لون الروچ يا حبيبي مش كده.
– روچ إيه يا “فتون” اللي هسأل عنه وعموما لما ارجع هشوف موضوع الروچ اللي بقيت ملاحظ أنك على طول بتحطيه وإحنا بنتكلم، ده أنتِ يا بنت “عبدالحميد” مكنتش بتحطيه وأنا معاكِ.
ضمت شفتيها بإستياء من عبارته فهو لاحظ أخيرًا وضعها لطلاء الشفاة.
– شوفي لما بتتقمصي بتكوني لذيذه وعايزه تتاكلي، أنا هراعي ده دايمًا في علاقتنا.
حدقت به بنظرات ماقته تعقد ذراعيها أمامها بشفاة مزمومة كالأطفال.
– الرومانسية مبقتش تعرف طريقك يا “سليم”.
ارتفع صوت قهقهاته عاليًا لا يستوعب أن “فتون” صارت بالفعل ذات لسان طويل.
– والله كان أقصى أمنياتي تقولي جملتين بس، دلوقتي ما شاء الله.
ازدادت ملامحها عبوسًا مما جعله يتوقف عن مزاحه.
– “فتون” روحتي متابعه الحمل؟؟ ، اخدتي معاكِ الست “صباح” ولا مين راح معاكِ؟؟
– روحت لوحدي.
تمتمت بها بعدما انفكت تكشيرة ملامحها وقبل أن يتساءل لما ذهبت بمفردها أخذت تُخبره بكل الأشياء التي صارت تفعلها بمفردها.
– أنا مش هفضل مسنوده على كل اللي حواليا يا “سليم” طول الوقت، كل واحد وعنده حياته.
– حبيبتي ده تفكير صح وأنا عايزك تكوني قوية وتقدري تاخدي قرارتك من نفسك لكن أنتِ مش شايفه التوقيت غلط أنتِ دلوقتي حامل وكفايه عليكي مجهود الكلية.
– عايزه ابني يكون فخور بيا، مش عايزه أكون أم سلبيه مش عايزه أفضل عايشة في دور الشخصية الضعيفة.
داعبت ابتسامة صغيرة شفتي “سليم” وقد أدرك أن الزمن كفيل أن يُعلم ويُغير، “فتون” لم تكن تحتاج إلا لوقت تنضج به وهي تتخبط مع الحياة حتى تعي ما تُريده.
– وحشتيني، مفتقدك أوي أنتِ و “خديجة”.
زفر أنفاسه بقوة من ذلك الثقل الذي صار يجثم فوق قلبه مؤخرًا.
– “فتون” بكره روحي لـ “شهيرة” واطمني على “خديجة” بنفسك، ممكن يا حبيبتي.
استمرت مكالمته لقرابة الساعة بعدما وعدته أنها ستذهب غدًا لرؤية “شهيرة” والصغيرة حتى تطمئنه على صغيرته.
انتهت المكالمة فاضطجعت بعدها فوق الفراش تضم الوسادة إليها غير عابئة بالكتب المتناثرة حولها تتنهد بحالمية وتوق لعودته.
في الصباح قبل ذهابها لجامعتها نفذت ما طلبه منها وقد أدركت سبب قلقه على صغيرته؛ فهي صارت تجلس في حجرة الضيافة التي قادتها إليها الخادمة ما يزيد عن نصف ساعة ولم يأتي إليها أحد إلا تلك الخادمة الأخرى التي قدمت لها مشروب من العصير الطازج وأخبرتها أن السيد “ماهر” سيلتقي بها.
اقتحمتها أفكار عدة ولكن معرفتها بهذا الرجل لا تجعلها تظن أنه من الممكن أن يفعل شيء بـ “شهيرة” والصغيرة.
نهضت على الفور من فوق مقعدها؛ فلم يعد لديها قدرة على المزيد من الإنتظار وكادت أن تخرج من الغرفة حتى تهتف باسم الصغيره ولكنها تراجعت للخلف وقد انفلتت شهقتها رغمًا عنها وهي ترى “ماهر” يدلف الغرفة بملامح جامدة.
****
الخاتمة (3)
***
تنهيدة طويلة خرجت عنها تنظر نحو هاتفها بنظرات حائرة بعدما أنهت مكالمتها مع خديجة لتُخبرها أن هناك أمر عاجل تحتاجها به.
خديجة استقبلت مكالمتها بشيء من الهدوء ولم يأخذها الفضول نحو تلك المسألة العاجلة التي تُريدها بها.
شردت بأفكارها نحو تلك النظرات القاسية التي رمقها بها ماهر فلم تكن إلا نظرات متهمة؛ فمن سيسعى لأختفاء شهيرة عنه إلا زوجها.
ألم طفيف شعرت به أسفل حوضها فعضت فوق شفتيها حتى بدء يتلاشى الألم ببطء؛ فهذا من تبِعات غضبها الذي ألقته فوق رأس هذا الرجل بعدما ظن أنها أتت اليوم إليه ليتلاعبون به هي وزوجها ويبعدوا عنهم شكوكه.
– يا ترى شهيرة أختفت بخديجة فين؟ وإيه اللي خلاها تعمل كده
تسألت بحيرة وهي تحك أسفل ذقنها تبحث عن جواب
– أخر مرة شوفتها فيها كانت مبسوطه، حتى صورها الأخيرة هي وخديجة وزوجها المتوحش المعروضه على صفحتها كانوا بيضحكوا ومبسوطين
همسها الخافت لفت نظرات سائقها إليها مما جعله يهتف متسائلًا
– في حاجه محتاجاها يا هانم
حدقت بالسائق للحظه وسرعان ما خرج صوتها في نحنحة خافته تنفي حاجتها لشيء وتهز رأسها.
عاد الشعور الذي تملكها عندما علمت بأختفاء شهيرة بخديجة يخترق فؤادها في قلق، فكيف ستخبر سليم بأختفاء شهيرة وابنته؟
…
صراخ ماهر بأحد رجاله المكلفين بمهمة البحث عن شهيرة جعل الخدم ينظرون لبعضهم في ربكة؛ فسيدهم الوقور الهاديء بطبعه صاروا يخشون غضبه والكل صار يتسأل أين أختفت سيدة المنزل التي لم يطول وجودها؟.
دلفت أحدى الخادمات لتلك الغرفة التي غادرها أحد رجال الحراسه تنظر بفزع لما حطمه سيدها وقد ارتجفت يديها بما تحمله من دواء وكأس ماء
– ماهر بيه
لم تكد تكمل حديثها حتى فرت من الغرفة تخشي من صراخه بعدما شيعها بنظرات قاسية
– تهربي مني يا شهيرة، بتعاقبيني بأختفائك
تمتم حديثه بهمس خافت بعدما تهاوى بجسده فوق الأريكة ينفث أنفاسه الثائرة.
أراد معاقبتها بهجرانه لها لعله يثأر لكبريائه ولكنه كالعادة كان هو المهزوم في الحكاية.
ابتسامة ساخرة داعبت شفتيه؛ فالحقيقة رغم مرارتها إلا إنها ستظل حقيقة دون تزيف، هو لم ينسى شهيرة يومًا ليس لأنه يحمل داخله نحوها حقد الماضي ورغبة الأنتقام بل لأنه يُحبها حب كان كالداء لا شفاء منه.
استرخى برأسه للخلف يغمض عيناه لعله يستطيع التفكير في زيارة زوجة سليم له اليوم وسؤالها عن شهيرة والصغيرة وهو الذي ظن أن شهيرة لجأت لسليم حتى تختفي عنه.
احتاجه الغضب مجددًا؛ فكيف لرجاله حتى اليوم لم يعثروا عليها.
..
قِطع من الكعك مع كأس من العصير تُقدمه لها خديجة وهي التي أتت إليها بأنفاس لاهثة ووجه يحمل الشحوب من شدة القلق خاصة على الصغيرة؛ فربما شهيرة أرادت معاقبة سليم بهذا الأمر واخذت أبنتها معها
– أنتِ لازم تدوقي عمايل أيديا يا فتون، شوفتي بقيت أدخل المطبخ وأكون ست بيت شاطره
ارتفع كلا حاجبي فتون وهي ترى خديجة تُجاورها وتمدّ لها طبق الحلوى.
“خديجة النجار” تمزح! فأين هما الصدمة والقلق الذي ظنتهم سيرتسموا فوق ملامحها حينا تُخبرها بأختفاء الصغيرة.
تحركت نظراتها نحو خديجة وطبق الحلوى ثم نفضت رأسها وشيء داخلها أخذ يُخبرها أن هدوء خديجة هذا يؤكد لها أمرًا واحدًا، خديجة تعرف أين اختفت شهيرة؟
– أنتِ عارفه مكان شهيرة
اعتدلت فتون في جلستها تُحملق بها بعدما سألتها وصارت متيقنه.
استكانت قسمات ملامح خديجة للحظات قبل أن تشيح وجهها عن فتون وتميل بجسدها قليلًا لتلتقط قطع الحلوى وتلتهمها ببطء
– مش عارفه يا فتون هقدر أرجع جسمي زي ما كان قبل الحمل ولا هفضل كده، لا أنا أكيد مش هقدر أكون بالجسم ده بعد الولاده
“خديجة النجار” تُجيد التلاعب كحال ابن شقيقها عندما يرغب في إصراف ذهنها عن شيء ما، هذه العائلة صارت تكشف لها يومًا بعد يوم أن صفاتهم مشتركة حتى ليندا التي قضت سنوات نشأتها في بلد أجنبيه تظن أنها ابنة رجل أخر صفاتها مثلهم
– أنا كان عندي هوس من زيادة الوزن لو زدت جرام واحد دلوقتي..
توقفت عن الحديث وهبطت بعينيها نحو تفاصيل جسدها ثم عادت تلتهم المتبقي من طبقها متلذذه بمذاق صنيعها
– مقولتليش يعني رأيك يا فتون
بزفرات متتالية زفرت فتون أنفاسها ؛ فهي تشعر بالقلق على الصغيرة وتخشى من ردة فعل سليم نحو اختفاء أبنته دون علمه وعمته تسألها عن مذاق الكعكة وتخبرها بأستياء عن زيادة وزنها.
استوعبت أخيرًا تهرب خديجة من الجواب ونهضت تلتقط حقيبتها حتى تُغادر
– أنا مكنتش عايزه اعرف مكان شهيره وخديجة فين، وأنا خلاص اطمنت
– فتون أنتِ رايحه فين
أسرعت خديجة بالتقاط ذراعها تشعر بالضيق من حالها وتزفر أنفاسها بضجر
– مش هقدر اقولك فين شهيره والبنت يا فتون ولا حتى هقدر اقول لسليم لأني وعدتها
بنظرة يائسة تعلقت عيناها بعينين فتون وعادت لجلوسها فوق الأريكة تطرق رأسها وتتذكر هيئة شهيرة قبل أيام عندما التقت بها تُخبرها بتوسل أنها تُريد مساعدتها؛ فهي الوحيدة من ستشعر بها
– ليه اختفت فجأة، ديه كانت سعيده في حياتها، صورها هي وجوزها بتقول أنهم مبسوطين سوا
عادت فتون لجلوسها تسترد في تساؤلاتها وهذا ما كانت تعلم بحدوثه خديجة؛ فسؤال سيتبعه سؤال أخر ومع كل سؤال سينفك اللسان بالحديث ولن يعد هناك سرًا
– هو ده اللي أنا كنت خايفه منه يا فتون
– خايفه من إيه؟
ببلاهه تسألت فتون، فانشقت ابتسامه واسعه فوق شفتي خديجة تربت فوق ذراعها
– إن السر ميبقاش سر
ظلت البلاهة مرتسمة فوق ملامح فتون تنظر نحو خديجة التي التقطت طبق الحلوى خاصتها واعطته لها
– مش هتدوقي بقى يا فتون عمايل أيديا وتقوليلي المقادير مظبوطه ولا لاء
– جوزها فاكر إن سليم وراء اختفائها
…
رغم أنها من أصرت ليلة أمس أن يُلبوا دعوة عنتر وسميرة لحضور حفل أفتتاح مطعمهم الجديد إلا إنها اليوم تشعر بحاجز قوي يمنعها وقد عادت تلك الأحداث التي توالت عليها مؤخرًا تخترق عقلها وتدفعها نحو قوقعتها غير راغبة في ملاقات من كانوا سببً في أذاها يومًا.
غادرت المرحاض تشد من رابطة مئزرها حول خصرها تنظر نحو ثوبها المُلقى فوق الفراش.
بفتور التقطت ثوبها؛ فهي لا رغبة لها بالذهاب.
جلست فوق الفراش تضم الثوب إليها تغمض عيناها تُحاول بيأس دفع عقلها نحو اللحظات السعيدة التي عاشتها وتعيشها.
لم تنتبه على مرور الوقت إلا حينا دلوفه الغرفة ينظر إليها متعجبًا من جلوسها هكذا
– بسمه
اقترب منها وقد ازداد شعوره بالقلق نحوها وهو يراها تُحملق بثوبها ومازالت بمئزر الأستحمام
– أنتِ تعبانه يا حببتي
رفعت عيناها نحوه ودون شعور منها خرج صوتها بنبرة مهتزة يائسة تخبره وكأنها تُريد منه أن ينتشلها من ضياعها
– مش عارفه أشوف صور الحاجات الحلوه اللي عشتها وبعيشها، صورهم مش قادرة تبعد عن عينيا
لم تكن الكلمات ما يستطيع تقديمها لها هذه اللحظة.
غمرها بين ذراعيه يمسح فوق ظهرها وتركها تُخبره بما يعتلي فؤادها.
وكما أخبرته الطبيبة خاصتها ، ما تُعاني به زوجته تراكمات منذ الطفولة ولم يعد لدى عقلها قدرة ليُخزن المزيد.
الصمت الذي اتبعته في حياتها دون صراخ وتعبير عن وجعها، صار اليوم يُريد التحرر من محبسه.
تشبثت بح’ضنه بقوة وقد تبدل شعور الخوف والنفور منه لشعور الأمان
– حببتي إيه رأيك نروح يومين المزرعه
ابتعد عنها يُبحر بالنظر بمقلتيها الواسعتين وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامته واسعة
– أنتِ مش دادة سعاد وعم جميل وحشوكي
أسرعت في تحريك رأسها له وخرج صوتها في خفوت
– والجامعه
حرك رأسه متفهمًا يتذكر أيام عطلتها بالجامعة
– هنسافر الأربعاء بعد محاضراتك ونرجع السبت
أشرقت ملامحها وسرعان ما كانت تختفي؛ فهي ذهبت لتلك البلدة التي بها مزرعته وقد تعرف عليها الناس بأنها مجرد قريبة للسيدة سعاد، فتاة تكرم عليها السيد لتعيش في منزله فلا أهل لها بعد وفا,ة والدها.
– لا مش عايزة أسافر
حاولت الأبتعاد عنه تُعلق عينيها بالثوب الذي مازالت تقبض عليه هاربة من نظراته ولكنه كان الأسرع في أجتذابها
– أحنا محتاجين نغير جو يا بسمه، وكمان أنا عايز كل الناس تعرف إنك مراتي
لم يتركها لتتحدث بحديث يعلمه، شفتيه عانقة شفتيها بقبلة دافئة ناعمة، اتبعتها أخرى أشد توقًا بعدما شعر بأستجابتها
– مش مهم نحضر حفلة أفتتاح المطعم يا حببتي
أعطته الجواب الذي كان يرغبه؛ فهو بالحقيقة لم يكن يُريد الأمر ولكن من أجلها تقبله ممتعضًا.
هل صارت تتوق هي أيضاً لعلاقتهم سويًا، هل صار الأمر يُسعدها؟
والجواب كانت تراه أمام عينيها في صدمه وهي تجذبه إليها في لهفة؛ فتراخت قبضتيها عنه تشعر بالصدمة من حالها
– حببتي أنت مراتي، ده من حقك.. كل حاجه بتعشيها معايا من حقك
ابتسامة مرتعشة احتلت شفتيها تسبل جفنيها بأستسلام، هو من حقها، عليها تكرار هذه العبارة داخل عقلها كحال بقية العبارات التي تدفعها نحو عقلها لتتعافى من تراكمات الماضي.
اعادها لشعور الشبق الذي حاولت انتشال حالها منه حتى لا يأتي يومًا وتُدرك أن ما عاشته معه لم يكن إلا حُلمًا جميلًا أراده قلبها وعقلها معًا.
أما هو كان متفهمًا لمشاعرها المتخبطة في علاقتهم وقد جاء دوره ليكون رجًلا صبورًا.
…
حدقت فتون بهاتفها بملامح ذاهله لا تُصدق أنه أغلق بوجهها الهاتف بعدما أخبرته بالحقيقة التي يتغافل عنها
” هو ليس بمثالي وعِند نَعَتَهُ لشهيرة بالأنانية فهو مثلها يحمل نفس الصفة والضحية بينهم أبنتهم”
– هو أنا زودتها أوي ، بيقولي كفايه يا فتون وبلاش الشجاعه تخدك اوي النهاردة وأنا شريط راديو وأتفتح
عادت تُحدق بهاتفها تُخاطب حالها وسرعان ما كانت تخرج شهقتها وهي تتذكر أخر عبارة أخبرها بها
” خسارة فيكي الهدايا اللي جبتهالك ”
خرج صياحها في صدمة تنظر نحو هاتفها تُعيد الأتصال به لمرات
– هو أنا غلطت في، ما هي ديه الحقيقه، كل شويه أنا سليم النجار أنا سليم النجار، قرب يفرقع في وشي
انفتح الخط دون أن تنتبه ومن سوء حظها أنه هذه المرة أجاب عليها حتى يسألها” هل أساء هذا الرجل معاملتها؟” بعد اتهامه أنه من جعل شهيرة تهرب بطفلته عنه ولكن سماع حديثها جعله ينسى هذا ما أراد متمتمًا قبل أن يغلق الخط بوجهها ثانية
– قلبك بقى قوي يا فتون، ما انا اللي سمحت ليكي بالحريه ماشي يا بنت عبدالحميد
..
ارتفعت ضحكات جنات عاليًا وهي تستمع لما تقصه عليها فتون وتهز ساقيها حتى يظل صغيرها صامتًا ويتلاعب بأصابعه
– قالك قلبك قوي وخسارة فيكي الهدايا، سليم النجار طلع راجل طبيعي زي بقية الرجاله وأنا اللي كنت فاكره بطل من ورق وأقول تربية ولاد الذوات
أتمزح جنات معها؟ وهي التي تُريدها أن تُهدىء من رَوْعِهِا
– جنات هي ليه الحقيقة بتزعل
حاولت جنات التقاط أنفاسها بعد نوبات ضحكاتها ولكنها رغمًا عنها انفلتت ضحكاتها مجددًا
– لأنها حقيقة يا فتون وأهو الحقيقة حرمتك من الهدايا اللي جايلك من إيطاليا
– جنات سليم زعل مني، بصراحة هو مش أناني مع بنته لو مكنش أتجوزني كانوا عاشوا سوا
امتقعت ملامح جنات من ذلك الحديث الذي تعيده عليها فتون من حينًا لأخر وكأنها هدمت العش السعيد الذي كان يُحاوطهم
– سليم و شهيرة جوازهم من بدايته غلط، جواز نتج عنه طفله عرف بوجودها بعد ما اتولدت، ده غير هما الاتنين شبه بعض عمليين لأبعد حد والمصالح هي اللي بتحكمهم
وسرعان ما اندمجت جنات في تحليل شخصياتهم ووصفهم غير دارية بوجود كاظم الذي وقف مستندًا بجسده على الحائط ويعقد ساعديه أمامه
– يعني هو مثلا مندمج معاكي يا فتون لأنك بسيطه مش متكلفة في التعامل بمعنى أصح هابله وعبيطه
– أنا هابله يا جنات!
نطقتها مستاءة من تشبيه جنات لها بما تعلمه بشخصيتها ولكنها تمقت هذه الصفة بها
– خلاص نمسحها من سياق الحديث يا فتون ولا تزعلي
– جنات أنتِ مش ملاحظة إنك بقيتي خفيفة الدم
حدقت جنات بصغيرها بعدما كشر بملامحه لها وكأنه يُخبرها هو أيضًا أنها أصبحت خفيفة الظل
– كاظم بقى يقولي كده طول الوقت، تفتكري يا فتون بسبب قعدتي في البيت
واردفت بعدما خرج عويلها بدراما على حالها
– مستقبلي المهني ضاع يا فتون، كنت امرأة عامله
هذه المرة ارتفعت قهقهت فتون؛ فمن فيهن سيحتاج الدعم الأن.
صوت موسيقى عالية أخترق أذنيها؛ فضاقت عينين فتون تنظر حولها تهتف بعجالة أن عليها إغلاق المكالمة.
انتابَ الفضول جنات تنظر لصغيرها الذي غفا فوق ساقيها
– ارثي حالي وأحزاني لمين دلوقتي
دراما يعيشها هو مع هذه المرأة، جنات التي يراها الكثير امرأة ذو عقل وحنكة هي في الأصل نسخة أخرى يُعاني منها يوميًا وفي الحقيقة هي معاناه جميله تضيف بهجة لحياته وكم صار عاشق لصفاتها.
– أتجننتي يا حببتي وبتكلمي بنفسك
عيناها اتسعت على وسعهما قبل أن تضم صغيرها إليها وتستدير بجسدها نحوه
– أنت هنا من أمتى يا كاظم
ارتفع كلا حاجبيه في مكر يتلاعب بهم وكله توق للتلاعب معها
– عايزه تعرفي أنا هنا من أمتى يا حببتي
صمت لثواني حتى يتظاهر بمحاولته في التذكر
– من بداية تحليلك لشخصيات الناس
رفرفت بأهدابها عدة مرات تظنه سيمدحها
– تفتكري يا جنات لو حللنا شخصيتك هتكون إزاي
جلس جوارها؛ فاعتدلت بكامل جسدها فوق الفراش وانتظرت أن تسمع بقية حديثه بحماس ولكن الحماس تلاشى وهل هو بشيء جديد عليها مع كاظم؟
– للاسف شخصيتك يا حببتي مافيش حد يعرف يحللها، أنا عزوبيتي ضاعت على مافيش
طالع صغيره الذي صار بين ذراعيه بعدما دفعته نحوه قبل نهوضها
– وأنا كمان عزوبيتي ضاعت على مافيش ومحتاجه ارجع أفوق لنفسي وارجع لأناقتي وانوثتي
انفلتت قهقهته بقوة بعض الشيء؛ فتملل الصغير بين ذراعيه ينظر إليه أسفًا من جنون والدته
– كنت متجوزها عاقله لكن اظاهر انضحك عليا
اكتسح الشر نظراتها وملامحها بطريقة مضحكة ؛ فكبت ضحكاته بصعوبة قبل أن يضع صغيره فوق الفراش وينهض مجتذبًا لها نحو غرفة أخرى
– لا إحنا نتفاهم في مكان تاني
والتفاهم الذي كان يرغبه أخذ ينفذه بطريقته الخاصة.
بأنفاس لاهثة أبتعد عنها يمسح فوق خصلاتها برفق يهمهم بهمس خافت
– ليه ظهرتي ليا متأخر يا جنات
ضمها إليه؛ فداعبت عنقه بأنفاسها الساخنة وحركت أناملها
– كنت قدامك من زمان يا كاظم بس أنت كنت عايش الدور
وابتعدت عنه تهتف ضاحكة بعدما استطاعت تمالك حالها بعد اجتياحه له بمشاعر ألْهَبَتْها
– يا واد يا تقيل
ارتفعت ضحكاته بقوه مجددًا لا يُصدق أن وجهه المتسم بالجمود وقلبه الذي لم يكن يعرف الضحك يومًا، صار الضحك يعرف طريقهم.
– أمتى الحصار هيتفك يا جنات
نظراته العابثة نحو حمالة ثوبها الذي اخد يتلاعب به جعلها تدفعه عنها مبتعده
– خليك مؤدب يا حبيبي
كادت أن تركض من أمامه ولكنه كان اسرع منها فالتقطها عائدًا بها لداخل الغرفة
– ما أنا مؤدب يا حببتي، وبضعة قبلات لا ضرر منها مع قليلٌ من العبث
…
اتسعت عيناها على وسعهما تُحملق بذهول كحال الخادمات وقد صعدوا لأعلى بعدما صدحت نغمات الموسيقى الشرقية بالأرجاء.
وقفوا متعجبين ورغمًا عنهم كانوا يطبقون ما تفعله ضيفتهم الأجنبية من تحريك خصرها كما تعلمت في مدرسة الرقص.
تصلبت أجسادهن ينظرون نحو سيدتهم هامسين اسمها بخفوت
– ست فتون
أشارت لهم فتون بالصمت ومازالت تُحدق ب ليندا التي أخذت تهز خصرها.
لم تكن ليندا غافلة عن نظراتهم المتلصصة بل كانت مستمتعه وهي تراهم يحدقون بها بذهول.
مسحت حبات العرق عن جبينها واتجهت نحو هاتفها واغلقت اللحن الشعبي واتجهت بأنظارها نحوهم قبل أن يفروا من أمام حجرتها
– أراكم مستمتعين
فرت الخادمتين تاركين سيدتهم واقفة وقد شعرت بالحرج؛ فكيف لها أن تقف مستمتعه هكذا برقص ليندا التي صارت عدوتها في حرب نسائية بلا مكائد ولكنها تغار منها.
– سجلت أمس في دورة رقص، أشعر بأن طاقتي السلبية قد غادرتني، أراكِ صباحًا على طاولة الفطور فتون
تمتمت بها ليندا وهي تغلق باب غرفتها بوجهها واردفت من خلف بابها مستمتعه بنظرات فتون لها
– فطائر أمس كانت رائعة وشهيه اصنعي لنا مثلها فتون، فأنتِ ماهرة بالطبخ ولكنك لستِ جيده في تدليل حالك كأنثي
” أنثى؟” هل تقصد عمود الأنارة كما صارت تُلقبها أنها ليست بأنثى؟
امتقعت ملامح فتون واتجهت نحو غرفتها تزفر أنفاسها بقوة متوعدة لها بالكثير ولكنها في النهاية لا تفعل شيء، هي لا تجيد صفات كيد النساء ولكنها تتوعد فقط.
مرآتها هذه اللحظة كانت خير دليل لها، مازالت تحب عقد شعرها بالضفائر حتى منامتها اختارتها تتناسب مع مزاجها اليوم “زرقاء اللون”.
– إزاي مردتش عليها، إشمعنا سليم لساني بيجي معاه وينطق وعند الناس بقف ولا كأني خرسه
جلست فوق فراشها تزفر أنفاسها حانقة من حالها تتلمس موضع جنينها وتُحادثه
– مش لازم أكون شبه حد، مش كده يا حبيبي
…
انطلق رسلان بسيارته يلتقط يدها ويشبك أصابعه بأصابعها؛ فأخيرًا سيستطيع الأنفراد بها ليوم كامل.
– لا تقولي الولد ولا تقولي بفكر في حد غيرك
ارتفعت ضحكات ملك تُشير نحو فمها إنها ستكون مطيعه اليوم ولن تُفكر بغيره
– حاضر مش هفكر غير فيك يا حبيبي
– أه يا قلبي
تجلجلت ضحكتها بنبرة رنانة تنظر إليه وهو يقود متجهًا بها نحو المكان الذي يصطحبها له
– سلامة قلبك يا حبيبي
بنظرة خاطفة تأملها يرفع كفها نحو شفتيه يلثمه
– أنا بقول نخلي اليوم.. يومين ونتبسط يا ملك وكده كده ميادة موجوده
…
اقترب الصغير من ح’ضن عمته ينظر إليها متأملًا ملامحها الحزينة
– أنتِ زعلانه يا ميمو، عشان بابي ومامي راحوا مكان حلو وإحنا لاء
تمتم بها الصغير بشفتين مذمومتين وكأنه يظن حزنها على عدم أخذ والديه لها.
إنشقت ابتسامتها على ثغرها وضمته إليها، لقد كبر الصغير ويشعر بحزن عمته
– إزاي ازعل وعبدالله باشا معايا
ابعدته عنها وانهالت عليه بالقبلات تُدغدغه في بطنه والصغير يُقهقه بسعادة اطربت فؤادها.
غفا الصغير أخيرًا في ح’ضنها تتلمس خصلات شعره برفق وقد عاد الحزن يسيطر على ملامحها ومازالت أحداث هذا اليوم تقتحم عقلها.
“حسام” قرر أن يُجافيها بنظراته وحديثه وهو من كان يُشعرها أن مازال أحدًا يهتم لأمرها.
انسابت دموعها فوق خديها وداخلها شعور يُخبرها أن هذه المهندسة التي كانت لهم زميلة بالجامعه ولكنها تصغرهم بعامين ستكون الخيار الأمثل بالنسبة له وقد انتهى وقت الأنتظار.
– كنتِ فاكرة هيفضل يحبك لحد أمتى؟
أخذها عقلها إلى اللحظات التي جمعتهم وكانت ترى في عينيه الحب والغيرة وهي لا تكف عن محادثته عن رجل أخر كان بحياتها.
شاشة هاتفها اخذت تُضاء ولولا محاولتها في تعديل وضيعة نوم الصغير ما كانت رأته.
اتسعت عيناها بلهفة وأشرقت ملامحها تُحملق بشاشة هاتفها، فهل هو حسام من يُهاتفها بالفعل؟
أسرعت بالجواب عليه قبل أن ينقطع الرنين وقد حملت نبرة صوتها لهفتها
– حسام
اخترق صوتها قلبه قبل أذنيه،وهكذا هو يُهزم كما انهزم منذ دقائق وهو يصارع رغبة قلبه للأطمئنان عليها.
…
تجمدت ملامحها من شدة الصدمة وهي تراه يقف أمامها وخلفه رجلين من رجاله.
بخطوات متعثرة تراجعت تستمع لصوت تلك المرأة العجوز التي هي والدة أحدى صديقات خديجة النجار.
– كنتِ فاكراني مش هعرف أوصلك يا شهيرة
حدقت المرأة العجوز بهم تتسأل عن هوية هذا الرجل
– مين يا بنتي
ابتسامة حملت معها نبرته الساخرة وهو ينظر إليها ثم للمرأة العجوز مُعرفًا حاله لها
– جوز المدام
لا تعرف كيف أصبحت هي وابنتها في سيارته وخلفهما سيارة بها رجاله.
الصغيرة كانت غافية بالمقعد الخلفي تنظر لها من حينًا لأخر من مقعدها.
هاتفها برقمه الجديد تعالا رنينه برقم خديجة التي وقفت تنظر لسليم الواقف أمامها بملامح جامدة
– ردي على تليفونك، مش خديجة هانم النجار برضوه
ازدادت ملامح شهيره شحوبًا؛ فنظرات ماهر إليها وجمودة ملامحه تجعلها تشعر بالتوجس
ازدردت لعابها وفتحت الخط وخديجة تهتف بها
– شهيرة
بخفوت خرج صوتها
– خديجة أنا..
لم يدعها ماهر تُكمل حديثها؛ فالتقط الهاتف منها وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة خبيثة
– خديجة هانم اللي بتعرف تتآمر كويس، عموما بلغي سليم باشا بنته هتكون بعد دقايق في بيته
تعلقت عيناه بشهيرة بنظرات حملت الوعيد لقرار هو من أجبرها على إتخاذه
– لكن مراتي و أنا هنعرف نتفاهم كويس مع بعض
***
الخاتمة (4)
***
تعلقت نظراتها بهم وقد تغلغلت كلمات الصغيرة ثنايا روحها، الصغيرة تبث لوالدها حزنها على بكاء والدتها، فهي لا تُريد أن تمس الدموع عينيها.
قصت له بداية من هروب والدتها ليلًا من منزل العم “ماهر” الذي صارت تكرهه لأنه أحزن والدتها ثم لقائهم بعمتها “خديجة” التي رأت ملامحها بتشوش وهي شِبه غافية في أحضان والدتها ثم استيقظها في منزل تلك الجدة الطيبة التي استضافتهم في منزلها وأطعمتها طعامًا جميلًا ولكن والدتها كانت صامته وحزينة.
– بابي ممكن متخليش مامي تعيط تاني.
انسحبت “فتون” بعد تلك العبارة بعدما رأت نظرات “سليم” نحو ابنته وقد اعتلا الإرهاق ملامحه؛ فماذا عساه أن يفعل..
غفت الصغيرة تحت لمسات يديه؛ فاعتدل في رقدته حتى يتمكن من وضع رأسها فوق الوسادة برفق ودنى منها يلثم جبينها متنهدًا بأنفاس باتت ثقيلة.
نظرة طويلة رمق فيها ملامح وجه صغيرته قبل أن يمدّ يده نحو زر الإضاءة ويُطفئ إضاءة الغرفة.
جلست “فتون” فوق الفراش شاردة تنتظر قدومه ولكن انتظارها له قد طال.
عيناها تعلقت بكفيها المضمومين قبل أن تنهض من فوق الفراش؛ فكيف لها أن تجلس هكذا منتظرة قدومه، لِما لا تكون المبادرة بعاطفتها ولهفتها.
وكما توقعت وجدته ينئ حاله بغرفة مكتبه في الظلام، رأسه مدفونة بين ذراعيه غارق في ذنب لم يتمنى أن يحمله يومًا.
وصوت والده يتردد صداه داخل أذنيه مع مشهد ظنه انمحى من ذاكرته.
” هتكون زيي يا ابن “صفوان”، هتكون زيي”
وهو يقف أمامه باكيًا يصرخ به، هو لن يكون مثله يومًا..
لن ينجب طفلًا يجعله يعيش كما عاش هو.
– “سليم”
همسها الخافت القريب اخترق أذنيه؛ فَـ أفاقه من ذكريات تدفقت على عقله.
لمسات يديها فوق كتفيه جعلته يزيد من ضغطه فوق جفنيه ومازال صوتها الناعم يهمس اسمه.
– “سليم” أنا أسفه، أنا عارفه إني بختار الوقت الغلط وبتكلم..
توقف الحديث على طرفي شفتيها وقد ازداد شعورها بالندم، فهي أكثر من يعرف أن “سليم” يُحاول جاهدًا أن يكون أبً صالحًا يُعوض ابنته إنفصاله عن والدتها.
– أنت عمرك ما كنت أناني يا “سليم” مع “خديجة” ، يمكن المواقف ساعات بتجبرك.
تحركت يديها هذه المرة فوق فروة رأسه؛ فاسترخت ملامحه الجامدة تحت لمساتها.
– “خديجة” محظوظة بيك.
نطقتها بصدق وهي تتذكر لحظه التقاطه لابنته بين ذراعيه يضمها إليه بلهفة بعدما جلبها إليه “ماهر” ثم بعدها انطلق بسيارته.
الصغيرة رغم بحثها عن والدتها بنظرات باكية بعدما استيقظت من غفوتها وتساؤلاتها أين هي والدتها إلا أن احتضانه لها وهتافه بها أنها هنا بمأْمَن في منزل والدها جعلها تستكين بين أحضانه.
عيناه اتجهت إليها يخبرها بنظرات صامته راجية أن تستمر في حديثها، هو بحاجة لكلمات تجعله يعلم أنه ليس ڪ “صفوان النجار”.
– خلي ح,ضنك مفتوح دايمًا ليها يا “سليم”، هتفضل طول عمرها محتاجاه.
هربت بعينيها من نظراته تطرد دموعها العالقة بأهدابها، فلو أحتضنها والديها في صِغرها ما صارت بتلك الشخصية المحتاجة لإحتواء الأخرين لها.
شهقة خافته صدرت منها وهي ترى حالها فوق فخذيه.
عانقها بشدة ورغم حاجتها لتراخي ذراعيه عنها قليلًا إلا أنها تركته يضمها كما يشاء واعية لحاجته أن تكون قريبة منه.
أرخي ذراعيه عنها أخيرًا، وابتعد عنها ينظر إلى محاولتها لإلتقاط أنفاسها يلتقط كفيها يرفعهما نحو شفتيه ويلثمهما وكأنه يشكرها هكذا.
…
أيلومها على رحيلها بإبنتها ليلاً، أم يلومها أنها اختارت البُعد عنه قبل أن يلفظها من حياته أم يلومها على الحقيقة التي هزته.
تراجع عنها ينظر إليها صامتًا بعدما نفضت ذراعه عنها تواجهه بقوة.
-“ماهر” باشا بقى عامل زي المجنون مجرد ما اختفيت عنه، مع إنه من أيام كان شايف إن جوازنا مبقاش ليه لازمه بعد ما حقق إنجازه العظيم وقدر ياخد حقه مني ويسترد كرامته.
انبثق الحديث من شفتيها في سخرية أصابتها قبل أن تُصيبه؛ فهي للأسف صدقت حبه لها.
اشاحت عيناها عنه تخفي ذلك الشعور القاتل الذي يخترقها كلما تذكرت حديثه تلك الليلة وهي بين ذراعيه سعيدة لأنها وجدت أخيرًا مرساها لتستيقظ من حُلمها على حقيقة مؤلمة تعاون فيها هو و “سليم” معًا فغرزت في أنوثتها،هي كانت مجرد وسيلة في حياة كليهما.
“سليم” أراد المرأة الجميلة صعبة المنال أما هو أراد الانتقام منها على ماضي لا ذنب لها فيه.
اقتربت منه ولم يعد يتملكها إلا نيران اشعلها هو و “سليم” في فؤادها.
– أنا ست متستحقش الحب، ست أنانية ومادية ومتنفعش تكون أم.
توقفت عن الحديث تتجرّع من مرارة كلماتها.
– ليه بتدخلوا حياتي، ليه بتخلوني أحس إني أستحق أتحب، ليه أنا بس السيئة في الحكاية.
خارت ساقيها من تلك الهزيمة التي رفعت أخيرًا رايتها.
– بتعاقب ليه منكم، أنا كده.. اتربيت وكبرت وحياتي خالية من المشاعر، المشاعر يعني ضعف.. ماينفعش “شهيرة الأسيوطي” تاخد حاجة قليلة، مينفعش تكون ضعيفة، مينفعش تدخل صفقة خسرانه، مينفعش.. مينفعش.. لحد ما عمري اتسرق مني وأنا بقول لنفسي مينفعش أنتِ “شهيرة الأسيوطي”.
انسابت دموعها التي كانت يومًا عزيزة تُقر بخسارتها.
– كنت فاكره إن نجاحي وأنا بجني الصفقات والكل يقف يصقفلي ويحسدني على ذكائي.
تعلقت عيناها به بنظرة أصابة قلبه العاشق لإمرأة أحبها بصدق رغم مرور السنوات.
ارتفع صوت لهاثها من شدة ذلك الشعور القاسي الذي صارت تشعر به منذ أن خلعت ذلك الثوب الذي أجبرها والدها و “حامد” شقيقها على ارتدائه، “شهيرة الأسيوطي” عليها أن تكون مثل الأسماك التي تتغذى على ماهو أصغر منها، عليها أن ترفع رأسها لأعلى دومًا، أن تُحارب بقوة حتى تنتصر في معاركها، والمعارك في قوانينهم ليست إلا المال وحصاد الصفقات الرابحة لكن المشاعر ليست من قوانينهم.
واختارت هي الطريق الذي صنعوه لها وكان الأمثل كلما نظرت لمرآتها ووجدت حالها الأقوى والكل ينظر إليها وكأنها نجمة صعب الوصول إليها.
– عايزني أقولك إني اتهزمت يا “ماهر” ، عايزني اقولك إني عرفت خلاص مقامي بقى فين؟؟!
أشتد لهاثها من قسو,ة كلماتها التي تجرعتها قبل أن تنطقها.
– بقيت مجرد متعة للفراش، “شهيرة الأسيوطي” اللي كانت شايفه إن نجاح الست في حريتها وتخليها عن المشاعر بقت مجرد متعه لما يتزهق منها بتترمي، ما هي خلاص مبقتش تصلح والعمر سرقها.
تجرعت من تلك المرارة التي اعتصرت فؤادها، ينظر إليها يتقدم بخطواته نحوها، فلو رفعت هي راية الإستسلام فهو رفع راية هزيمته واعترف هذه المرة لقلبه وعقله معًا أن الحب لا يَصْحَبه الإنتقام..
إما الأنسحاب أو أن القلب لم يعد يُحب.
طرقت رأسها تضغط فوق شفتيها بقوة ثم عادت ترفع رأسها إليه.
– ياريت تنفذ قرارك وتطلقني.
…
ابتسامة واسعة شقت شفتيها وهي تفتح عينيها فوق صدره الذي يستوطنها بدفئ دائم .
أناملها تحركت فوق صدره بخفة وقد ازدادت ابتسامتها اتساعًا وهي تتذكر ليلة أمس بعدما ارتمى بح’ضنها بعد حديثها معه.
بهمس خرج اسمه خافتًا من شفتيها وأقتربت منه تلثم شفتيه بقبلة خاطفة مقررة بعدها الإفراط في دلالة ولكنه دومًا يكون هو الأسبق.
ابتسامه هادئة احتلت ملامحه وهو يفتح عيناه على أثر قبلتها يجتذبها إليه؛ فارتطمت بصدره.
– صباح الخير.
بهمس شديد تمتمت وهي تنظر لملامح وجهه.
– صباح النور يا حبيبي.
تهربت بعدها من نظراته تحاول النهوض من جواره ولكنه اجتذبها نحوه مجددًا مقهقهًا.
– يا حبيبتي مش هعلق على حاجه متخافيش.
– “سـلـيـم”
صاحت به؛ فنظراته تُخبرها بالكثير.
– بس أنا متفاجئ يا “فتون”.
– “سـلـيـم”.
تمتمت اسمه بخجل أشد وقد عادت ليلة أمس تطوف بعقلها. نظراته العابثة وقرب أنفاسه أشعلت وجنتيها توردًا ترفع أصبعها إليه محذرة.
– ولا كلمة.
ارتفعت ضحكاته مجددًا وهو يرى نظراتها المحذره وقد باتت ملامحها شهية.
– غيرتيلي مزاجي يا بنت “عبدالحميد”.
زاد من ضمها إليه وهو يهتف بحديثه؛ فسكنت حركتها وقد عادت عيناها تتعلق بعينيه.
– لسا بتحبني يا “سليم”..
تلاشت تلك اللمعة التي أضاءت عيناها بهجة؛ فتلاشت معها ضحكاته وارتخت ذراعيه.
– بيقولوا الحب بيضيع مع الوقت يا “سليم”.
توقفت عن الحديث تنظر إليه منتظرة جوابه؛ فهل مازال يُحبها أم ضاع حبه لها ولم يعد يربطهم إلا طفلًا منه تضمه أحشائها.
– تفتكري إيه يا “فتون” ؟!
هتف بها متسائلًا وهو يعتدل بها من رقدته ويحتويها هذه المرة بين ذراعيه بوضعية مختلفة.
– قوليلي قلبك حاسس بإيه؟
أشار بإصبعه فوق قلبها الذي تسارعت دقاته ترفع كفيها نحو وجهه تتلمسه بأناملها الصغيرة.
– “سليم النجار” بيحب “فتون” بنت “عبدالحميد”.
قالتها مبتسمة؛ فقلبها يؤكد لها حبه الذي لن ينضب يومًا لأنها ستظل ترعاه فقد باتت متأكده أنها وحدها بيدها سعادتها.
بابتسامة واسعة طالعها سعيدًا بمشاكستها، لا يستوعب دلال بوقاحة ليلة أمس واليوم تشاكسه بحديث لطيف مع ابتسامة واسعة تسلب فؤاده.
– جبتي الثقة ديه كلها منين يا حببتي ما يمكن يكون قلبي بيكدب عليكي.
تمتم بها منتظرًا رؤية ردة فعلها وسرعان ما كانت ترتفع قهقهته عاليًا وهو يسمع ردها.
– قلبك وعيونك يا حبيبي مرايتي.
– لا دا قلبي أنا اللي هيقف النهاردة.
انفلتت شهقتها عاليًا بعدما صار يعلوها مستمتعًا بتلاعبها به.
– كده كتير يا “فتون” على قلبي.
…
ناعمة ورقيقة هي ولكنها كسولة للغاية عندما يتعلق أي شيء به وكأنها تتخذ دلالها هكذا.
تتمطأ داخل ح’ضنه وكلما شاكسها مداعبًا بأنامله خصلاتها ووجهها تنفض رأسها عنه ثم تعود لتندس داخل أحضانه تُخبره بحاجتها للنوم فيكفيه دلالًا.
– “رسلان”
همست أحرف اسمه بتناغم أرهق قلبه؛ فدنى منها يُحرك لحيته برفق فوق خديها.
– عيون وقلب “رسلان”.
لاحت ابتسامة خاطفة فوق شفتيها؛ فالتقطت عيناه استمتاعها بمداعباته مهمهمًا قبل أن يعود ويغدقها بقبلاته.
– لا.. أنا محتاج أعوض اللي ضاع مني.
كتم شهقتها بشفتيه يُعيد معها ذكريات ليلة أمس بتوق أشد.
لم يعد يتغلغل روحه ذلك الهاجس الذي كان يسيطر على علقه كلما كان معها ولم يعد يرى صورة “مها” فيها، كل شيء كان يُقاومها بضراوة حتى لا تُفسد علاقتهم صار يختفي شيئًا فشيء منذ أن توفت “ناهد” وصار السحر يتلاشى من علاقتهم.
وهي كانت مثله تُصارع نفس الشيء تُجبر حالها على مقاومة نفورها منه.
بابتسامة واسعة استقبل ابتسامتها إليه يجتذبها نحو صدره يرغمها على الغفيان مجددًا.
…
ابتسامة واسعة احتلت شفتيها وهي تراه يهبط الدرج حاملًا صغيرته بين ذراعيه يُخبرها أنها إذا تناولت فطورها سيهاتف – من أجلها- والدتها لتُحادثها.
تعلقت عيناه بها وقد اقتربت “فتون” منهما تحمل طبق به فطائر شهية أعدتها خصيصًا للصغيرة.
– إيه الريحة الطيبة دي؟؟
اتسعت ابتسامة “فتون” وهي ترى “سليم” يُحرك أنفه نحوه فطائرها حتى يُشبع أنفاسه برائحتها.
– الفطاير المحشية دي معموله على شرف رجوع بابا، وبابا عشان كريم هيأكلك معاه يا “ديدا” عشان تعرفي بابي بيحبك أد إيه.
داعب صغيرته بقبلاته الحنونه حتى يبدل مزاجها وصغيرته كعادتها يُرضيها كل ما يقدمه لها مادامت تشعر أنها مازالت أميرة والدها.
ارتفعت ضحكات الصغيرة وأسرعت في اشاحت وجهها عنه تضع بكلا كفيها فوق وجنتيها.
– لكن الفطاير ديه معموله عشان “خديجة” يا حبيبي.
نظرات الصغيرة العالقة بوالدها انتقلت نحو “فتون” تنظر نحو الفطائر و “فتون” تُحرك لها رأسها أنها صنعتها لها.
– أنا عملتها مخصوص لـ “خديجة”.
وأسرعت بالإقتراب من الصغيرة تهمس لها قرب أذنها.
– أوعي يضحك عليكِ وياكلها منك.
حديثها الذي ظنته هامسًا اخترق أذنيه؛ فصدحت ضحكاته.
– ماشي يا “فتون” ..
تخطاها بابنته يرفع كلا حاجبيه ثم توقف عن السير والتف إليها؛ فأسرعت في إخفاء ابتسامتها عنه.
– بنتي حنينه مش زي ناس.. تاخد مصلحتها وبعدين تنكر الجميل.
عيناها اتسعت على وسعهما بعدما فهمت مقصده وقد أعطاها ظهره واستكمل خطواته نحو طاولة الطعام مبتسمًا.
– متزعلش يا بابي.. هناكل الفطاير سوا.
– حبيبت بابي..
نظراته عادت إليها ولكنه وجدها تُسرع نحو المطبخ؛ فتعلقت بها عينين السيدة “ألفت” وقد ضاقت عيناها وهي ترى تورد ملامحها وتوترها.
طاولة الفطور هذا اليوم كان بها شيء مختلف، شيء لمسته هي لا هو؛ فلأول مرة يغمرها شعور الراحة والسعادة معًا.
– مالك يا حببتي، طبقك ليه زي ما هو..
طالعته بتلك الإبتسامة التي تشعره أنه يرى “فتون” أخرى اليوم.
– بحب اتفرج عليك أنت و “خديجة”، بحب حنانك عليها ودلعك ليها.
خفق قلبه بشدة مع كلماتها التي تُخبره بها دومًا ولكنه اليوم استشعرها بالفعل، عيناه التهمتها بعشق كلما ظنه ينضب عاد يزهر وكأنهم مازالوا في بداية اللقاء.
– وأنا معنديش أغلى منكوا أنتوا الاتنين وطبعا حبيب بابا اللي هيشرف قريب.
تحركت يده من فوق الطاولة نحو بطنها يمسح فوقها برفق يُؤكد لصغيره أنه سيحبه.
– بابي خلصت الطبق بتاعي كله.. هنكلم مامي أمتى؟
انقطع سحر اللحظه؛ فعلت شفتيه ابتسامة عريضة ينقل نظراته نحو صغيرته.
– شاطرة يا حببتي، روحي اغسلي ايدك الأول واطلبي من دادة “ألفت” تعمل قهوة لبابي.
ولأنه أكثر من يعرف صغيرته طلب منها أن تبلغ السيدة “ألفت” بصنع القهوة له رغم انتهائه للتو من ارتشافها.
تعالت الدهشة فوق ملامح “فتون” وهي ترى الصغيره تصيح متناسية أمر مكالمة والدتها.
– لا أنا هعملها ليك يا بابي.
– أنت شرير يا “سليم”.
هتفت بها “فتون” بعدما فهمت ما وراء طلبه، فالصغيرة ستصر عليهم بالمطبخ أن تضع هي مقادير القهوة وانتظار نضجها ثم سكبها وربما يأخذ الأمر نصف ساعة حتى يتم تجهيز فنجان قهوة.
ارتفعت قهقهاته بالتتابع مع انفلات شهقتها بعدما سحبها من فوق مقعدها يُجلسها فوق فخذيه.
– عايز أدلعك يا حببتي شويه وبصراحه النهاردة أنا مزاجي عال العال وده طبعا يرجع لـ…
أسرعت في تكميم فمه تُحملق به بنظرة محذرة ألا يستمر في حديثه المخجل ولكنه أخبرها أنه اليوم بمزاج يسمح له بالعبث، عبث اختار عيشه مع زوجته هاربًا من كل أعباء العمل والمشاكل التي تسقط على كاهله.
بنظرات ثاقبة وقفت “ليندا” تُسلط نظراتها نحوهم تتعجب من عودة “سليم” باكرًا من رحلة عمله.
كلا حاجبيها ارتفعا بعدما تراجعت بضعة خطوات للخلف حتى لا ينتبهوا على وجودها تنظر إليهم مندهشة من روحانية ظنتهم يفتقروها بزواجهم، فمنذ عيشها معهم وهي ترى حياة باردة تُرجعها لجهل زوجته فمعلوماتها عن ابن عمها أنه كان محترفًا بجدارة ولم يتوب عن النساء إلا بعد إنجابه لـ “خديجة”.
التمعت عيناها وهي تراه يهم بتقبيل “فتون” ثم ارتفعت ضحكاته عاليًا بعدما انفلتت من بين ذراعيه وابتعدت عنه تُخبره أن يتأدب.
– “سـلـيـم”
رغم استمتاع “ليندا” بما تشاهده إلا أن كلمة تأدب جعلتها تنفجر ضاحكه تلطم كفيها ببعضهم تنظر إليهم بعدما انتبهوا على وجودها وتطلعها بهم.
– تأدب “سليم” ، لقد راقت لي ابن عمي.. أرغب في تسجيل هذا المشهد.
عادت ضحكاتها تتعالا بعدما رأت علامات الحنق مرتسمة فوق ملامح “سليم” ، و”ليندا” مستمتعه بالإسترسال بحديثها.
ازدادت ملامح “سليم” مقتًا يقبض فوق كفيه بقوة قبل أن يتقدم بخطواته منها.
– لا تغضب “سليم” أنا أمزح معك ولكني لا أستطيع تصديق رؤيتك وأنت يُقال لك تأدب من أجل قُبلة، أنتِ حقًا ممتعة “فتون”.
– “لـيـنـدا”.
صاح بها “سليم” عاليًا بعدما شعر بتماديها في الحديث ولولا تلك الد,ماء التي تربطه بها واحترامه لذكرى عمه بعد علمه بحقيقة نشأتها القاسية وعدم علمها بأصولها إلا بعدما صرحوا لها، عاشت في عالم قذر ومن حظها أنه تم إقصائها عن حياتهم.
المُدهش في المشهد لم يكن بسبب سخرية “ليندا” التي ابتلعت بقية حديثها وتوقفت عن هرائها، ولكن وقوف “فتون” أمام “سليم” بعدما ازاحته جانبًا ثم وضعها كلا ذراعيها فوق خصرها تنظر نحو “ليندا” بنظرة تحمل نفس سخريته.
نظرات “ليندا” اتسعت كحال “سليم” ، فـ زوجته القطة الوديعة التي لا تخدش أحدًا تقف مستعدة لحرب نسائية مع ابنة عمه التي ضجر من طباعها التي سيضع لها حدًا ولكنه سيكون مراعيًا ولن يحرجها أمام زوجته وصغيرته التي أتت مع الخادمة بفنجان قهوته.
– مالكم واقفين كده؟؟
خرج صوت “خديجة” بتسأل وحيرة وقد دلفت المنزل للتو تتعجب من وقوفهم هكذا.
…
اخترقت أذنيها تلك الهمسات التي صارت تسمعها منذ أن أتت للبلده التي يعود أصوله إليها.
لم تكن زيارتها الأولى بل أتت من قبل مع السيدة “سعاد” التي عرفتها على الجميع بأنها قريبتها وتعيش معها في منزل السيد “جسار” وتُساعدها في شئون المنزل.
الجميع تعرف عليها من قبل بأنها واحدة منهم ومثلهم ولكن هذه المرة الجميع يُحدق بها بفضول ويتسألون بنظرات واضحة تفهمها، كيف تزوجها ابن عائلة “الراجي” وهي ليست بالجميلة وتعيش في منزله كمستخدمة في أعمال المنزل؛ فلو كانت قريبة السيدة “سعاد” حقًا فالجميع يعلم أن أقارب السيدة “سعاد” ليسوا ذو خلفية إجتماعية.
“جسار الراجي” ابن العائلة المخملية وأصحاب المناصب العُليا.. اختار هذه المرة زوجة عادية تمامًا فلما لم يختار من فتيات قريتهم وهم أجمل منها ويحملون شهادة جامعية عليا.
تسألوا و “بسمة ” كانت تسمعهم وتراهم ولكن في المقابل كانت تسمع من يتمنى حظها.
أخذتها قدميها دون شعور منها نحو الأراضي الزراعية المملوكة لعائلة “الراجي” وقد تهللت ملامح العم “جميل” عندما التقطتها عيناه فهتف بسعادة.
– الأرض نورت يا بنتي والبلد كلها نورت والله بمجيتكم الحلوة.
استدار “جسار” بجسده بعدما أستمع لترحيب العم “جميل” بها؛ فأخيرًا قررت السير في البلدة بحرية دون قلق من نظرات أهلها إليها.
اقترب منها وقد شقت شفتيه ابتسامة واسعة يجتذبها إليه.
– كويس إنك جيتي يا حببتي، الجو وسط الخضرا غير.. تعالي أفرجك على المحصول.
تعلقت نظرات العم “جميل” بهم بعدما ابتعدوا قليلًا عنه لا يُصدق أن من يراه هذه الأيام هو السيد “جسار” حقًا.
– تعرفي إن كان نفسي أكون مهندس زراعي.
توقفت عن السير واستدارت نحوه بنظرات ضائقة وقد اجتذبها حديثه.
– مستغربه كلامي مش كده.
– مش عارفه، أو يمكن مش متخيلاك كده..
اتسعت ابتسامته شيئًا فشيء ينتظر سماع المزيد منها ولكنها اشاحت عيناها عنه هاربة من نظراته إليها.
– افهم من كده إن ثوب رجال الأعمال مناسب لشخصيتي.
تسأل مع قُرب خطواته منها وعندما أرادت الهرب من نظراته مجددًا أمتدت يديه تلتقط يديها.
– ها يا “بسمة”، مش هتقوليلي المهنة المناسبة لشخصيتي.
ارتبكت ملامحها تنظر حولهم؛ فقد ابتعدوا بعض الشيء عن مكان العاملين بالأرض.
– لايق عليك تكون ظابط أكتر.
أسرعت في سحب يدها بعدما أخبرته بما أراده وهكذا بدء خيط الحديث بينهم.
أخبرها كم كان ضابطً متعجرفًا بعض الشيء وكم كانت الفتيات تسعى ورائه، ضحكاته ارتفعت وهو يقص عليها بعض طرائفه القديمة وقد أخذته الذكريات نحو خمسة عشر عامًا.
– ما أنا مش معقول هكون مغفل لفترة طويلة.
توقفت عن السير جواره وقد زادها الحديث فضولًا تسأله كيف أستطاع التفرقة بينهم.
– إزاي عرفت تفرق بينهم وأنت بتقول إن الشبه بينهم كبير أوي.
طالعها للثواني قبل أن يركز أنظاره نحو العصاه التي التقطها.
– واحده فيهم كان فيها حسنة في رقبتها.
– حسنه؟!!
هتفت بها تستعجب جوابه وقد احتقن وجهها من تخيل العلاقة التي ربطته بهاتين الفتاتين.
لم تُخفى ملامحها المحتقنة عنه؛ فارتسمت فوق ملامحه ابتسامة استطاع محوها سريعًا ينظر إليها بسعادة غمرته دون سبب.
– لا أوعي تظني فيا ظن غلط، أنا أه كنت مقضيها بس موصلش الموضوع زي ما أنتِ فاكرة.
بدعابة هتف واستطرد وهو يُكمل رسم تلك الدوائر العشوائية فوق الأرضية الرطبة.
– هما مكنوش محجبات، وكانت واحدة فيهم بتحب دايمًا تلعب في شعرها وهي اللي كانت الحسنه في رقبتها وبصراحه الموضوع كان فاتني أوي.
قالها بوقاحة قاصدًا إثارة غضبها وهي لم تكن ندًا له في حرب سُلب منها الراء ورُفعت فيها راية النصر.
– لا النظرة ديه مش حلوه يا حببتي فيها حاجات تدل إنك فهماني غلط.
– والصح إزاي بقى.
ابتسم وهو يراها تصد حديثه بحديث أخر ممزوج بالاستياء ولكن لا بأس مادامت تتحاور معه، هو لا يريدها أن تظل في قوقعتها صامته مستسلمة لحياة يشعر وكأنه أجبرها عليها أو ربما الظروف أجبرتها.
– الموضوع مكنش فاتني ولا حاجة لكن كان ملفت وعلى النقيض اختها التوأم، لكن بالصدفه في يوم عاصف طبعا شعرها كان بيطير حواليها وأنا كراجل جينتل قولت بقى فرصتي.
لم يكن بحاجة أن يُخبرها بتلك الفرصة التي أتته على طبق من ذهب؛ فتاة ورجل في يوم عاصف يعطيها سترته لترتديها مع بضعة لمسات وقبلة خاطفة نال بها شفتيها.
– ممكن نعدي الكلام في الموضوع ده عشان ديه أعراض.
لم يشعر بحاله وهو ينفجر ضاحكًا وحديثها يتردد صداه داخل أذنيه وخاصة تلك الكلمة.
– أعراض، حاضر يا حببتي مع إني مقولتش حاجة أنتِ اللي اتخيلتي وعماله تجرجريني بالكلام.
سبقته في السير بضعة خطوات بعدما أشاحت وجهها عنه ولكنها عادت تستدير نحوه بعد أن صمت.
– وبعدين عرفت تكشفهم إزاي.
– ما أنا كنت ساعتها ظابط يا حببتي، وبصراحه من ساعتها بقيت كل ما أصاحب واحده اسألها ليكي توأم ما أنا مش معقول واحده تقولي أنا “ماهي” وتكون “منار” و “منار” تطلع “ماهي” أنا مش عارف لما اتجوزوا بيعرفوهم إزاي من بعض.
– من الحسنه اللي في رقبتها أكيد.
تمتمت بها بملامح احتلها المزاح دون أن تُدرك أنها تشاركه مزاحه وهو كان سعيدًا لما حققه معها اليوم وكما أخبرته الطبيبة، زوجته بحاجة أن تشعر بوجودها في حياة من حولها.
…
الخاتمة (5)
****
سرد لها عن جميع ذكرياته بالماضي؛ فالماضي رغم ذكرياته المؤلمة إلا أن ذكريات شبابه كانت به، حكي لها عن زوجته الأولى وعن ذكرى حادثته التي لقت فيها زوجته حتفها وإصابته بعدها بالعمى، غادر وظيفته مع تكريم وشهادة فخر عن جهده بالشرطة، عالم من الظلام احتل حياته أربعة أعوام رفض فيها العيش ثم ظهور “ملك” ومساعدتها له ومساعدته لها لتخرج هي الأخرى من محنتها.
العمر سرقه الألم والحزن الذي غلف فؤاده وليس مستعدًا ليُسرق بقية العمر منه فلم يعد إلا في أواخر العقد الرابع من عمره.
عيناه تعلقت بها بعدما توقف عن سرد الذكريات التي اضحكته والتي تجرع معها معنى الألم.
– خليني أعوضك وأعوض نفسي معاكِ ومع ابننا يا “بسمة” ، أنا عارف أني بظلمك معايا.
توقف عن الحديث يزدرد لعابه؛ ففارق العمر بينهم أصبح يخشاه الأن خاصة وقد أجبرها على أول ليلة بينهم بعدما صارت زوجته وتلاقت أجسادهم.
اكتملت خطوات سيرهم بالصمت حتى ذلك الغداء الشهي الذي أعدته لهم السيدة “سعاد” قد نال منه صمتهم.
انقضى بقية اليوم حتى أسدل الليل عتمته وقد انعزل هو بين أرفف مكتبته يفر في صفحات أحد كتبه المفضلة ولكنه اليوم شارد بين أسطره.
أما هي انعزلت في الحديث مع طبيبتها كما اتفقوا أن تتواصل معها كلما رغبت في وصف تلك المشاعر التي تجتاحها مؤخرًا.
– وليه يا “بسمة” مش مصدقة إنك مهمه عنده وكل اللي بيحركه ناحيتك الحب، جوزك مش راجل قلبه بيتحكم بيه.
صمتت الطبيبة “هالة” للحظات تدلك ما بين جفنيها ثم عادت تنظر نحو شاشة هاتفها لتُكمل محادثتها معها عبر أحد التطبيقات.
– من واقع تعاملي مع جوزك.. عقله دايمًا المتحكم فيه ولو اتحكمت فيه رغبته للحظات بيحطها قدام كرامته.. ولأنه راجل بيتبع قرارت عقله بيقدر يتخلى و ردة فعله بتكون قاسية لكن كل اللي بتحكيه في علاقتكم شايفه إنه معاكي بيتبع قلبه يمكن في الأول قلبه كان رافضك لكن خلينا نكون واقعين ونقول الحقيقة لنفسنا.. كل اللي عيشتوه مع بعض خلىٰ كل واحد فيكم يعرف مشاعره صح، هو عرف إنه الحب ميعرفش قوانين المظاهر الإجتماعية.. وأنتِ عرفتي إنك مميزة وجميله وحلم أي راجل وعمرك ما كنت قليلة أنتِ اللي حاوطي نفسك في إطار الضعف.
– أنا عمري ما كنت مميزة ولا عمر حد بصلي إني جميله وهو هيجي في يوم يكتشف إنه غلطان زي ما اكتشف مع طليقته وقبلها “ملك”.
– عقلك بيقتنع بكل كلمه بتنطقيها يا “بسمة” ، أقتنعتي أنك مش مهمه عند حد، اقتنعتي إنك من غير مساعده الناس مش هتكوني حاجة، اقتنعتي إنك ضعيفة وإنك مهمشه، عايزه تكوني حاجة وأنتِ شايفة إن المجتمع شايفك بنت فقيرة أخوها رد سجون.
ارتسمت علامات الألم فوق ملامحها، فخرجت زفرات الطبيبة “هاله” على دفعات متتالية تُدرك بعدها أن جلساتهم مازالت طويلة.
– شوفتي اتألمتي إزاي، عشان كل كلمة قولتها مسيطره عليكِ.. أنتِ من غير ما تحسي بتأذي نفسك.
لم يكن حديث الطبيبة “هالة” إلا صورة منكسة مما تراه بوضوح في حياة مريضتها، “بسمة” مازالت ترى حالها مجرد لا شيء في الحياة وربما يأخذها الأمر لتعيش دور الضحية طيلة حياتها.
كادت أن تغلق “بسمة” هاتفها بعدما شعرت بالإختناق من تلك الحقيقة المريرة التي لا تستطيع الهروب منها ولكنهم رسخوا داخل روحها أنها لا شيء، أنها مجرد نكرة فكيف لها أن تستطيع محو كل شيء ببساطة.
– “بسمة” لحظة هبعتلك فيديو عايزاكي تشوفيه، لأني متأكدة إنك مشوفتيش المنتشر مؤخرًا على صفحات التواصل الإجتماعي.
ارتسم الفضول فوق ملامحها وانتظرت ما ترغب الطبيبة “هالة” في رؤيتها له.
رعشة أصابة جسدها وهي ترى تلك التي صدمتها بحقيقة واقع كانت تجهلها، واقع عندما فقد أهله الإيمان عادوا لعصور الظلام والهلاك.
لم يكن مقطع واحد بعثته لها الطبيبة “هالة” بل كانوا مقطعين، مقطع تصيح فيه تلك المدعوة ب “عايدة” نحو الحرية لميول ابتدعها الإنسان رافضًا فطرته التي خلقه الله عليها ومقطع أخر لحادث رغم ظنك لوهلة أن لا أحد سينجوا منه إلا أن الجميع قد نجا إلا تلك التي جهرت معترضة بفطرة الله وحدوده.
أعادت الطبيبة “هالة” الإتصال بها بعدما رأت أن رسائلها -التي لحقت بمقاطع الڤيديو- قد رأتها ولم تُجيب عليها.
– “بسمة” أنا مش عارفه ليه بعتلك مقطعين الڤيديو لكن حبيت أشاركك واقع أليم كنتِ ممكن تسقطي في وحله زي ما ناس وقعت وصدقت وأيدت شعار لحرية هلكت في زمن رجع تاني لضعف إيمان البشر.
…
زفر “جسار” أنفاسه بقوة بعدما أغلق ذلك الكتاب الذي مهما حاول الإندماج مع سطوره كان عقله غائبًا معها يتسأل هل غفت، أم مازالت مستيقظة؟
أخيرًا قرر النهوض والصعود إليها؛ فكلاهما لم يعدوا بحاجة للإنعزال.
ابتسامة واسعة احتلت شفتيه بعدما وجدها تضحك بقوة وهي تُحادث “ملك” التي تُخبرها متذمرة عن غيرة “رسلان” من والده وصغيره؛ فهي تهتم بالجميع إلا هو.
– ده بيزعل لو مقولتلهوش بحبك قبل ما ينام،عايزني مهتمش غير.
شهقة عالية خرجت عن “ملك” بعدما التقط منها “رسلان” الهاتف وتمتم بإعتذار قبل أن يغلقه.
– طيب ضحكيني معاكِ.
أجفلها صوته وتعلقت عيناها بعينيه.
– “ملك” طبعاً الوحيدة اللي بتعرفي تضحكي معاها لكن جوزك حبيبك، ليه بس البعد دا.
«زوجها وحبيبها وحبيبتي»
مرادفات صار ينطقها وصارت دقات قلبها تخفق معها.
اقترب منها بخطوات هادئة ينظر إليها بحب لا يعلم متى وكيف أحتل فؤاده نحوها.
توترت وهي تقبض فوق هاتفها بأحد أيديها وباليد الأخرى قبضت فوق لباس الصلاة.
– عندي فضول أعرف كنتِ بتضحكي من قلبك على إيه مع “ملك” يمكن أفهم إزاي أعرف أخليكي سعيدة.
ازدادت سرعة قلبها خفقانًا وقد صارت محاصرة بين ذراعيه.
– كانت بتحكيلي عن “رسلان” وغيرته من ابنه.
عيناه سارت بتباطئ فوق ملامحها المسترخية ثم ازدرادها للعابها ثم شفتيها، لم يتركها لتستمر في حديثها عن محادثتها مع “ملك” بعدما أنهت جلستها مع الطبيبة “هالة”.
أجتذبها له ؛فصارت المسافة بينهم منعدمة تشعر بأنفاسه تغزو أوصالها تُغمض عيناها منتظرة ما هو مقبل عليه.
قُبلات تعلم أنه سينثرها فوق سائر ملامحها فتضعف قواها ويرتخي جسدها تُسلم له حصونها طواعيه ثم يسير بها نحو الفراش وتعيش نفس الحرب التي تعيشها مع نفسها كلما انتهى منها.
الثواني مرت ولا شىء حدث كما توقعت؛ فكفيه فقط ما احتضنت وجهها وقد خانها اليوم ما ظنته.
– نفسي أقدر أمحي نظرة الخوف منك ولا أحس برجفتك بين أيديا، نفسي أرجع أشوف نظرات عيونك ليا اللي ضيعتها بغبائي.
ضمها إليه بقوة لعله يُشعرها بصدق حديثه ومشاعره، جفنيها أرتخو بترحيب لذلك الشعور الذي صارت تشعر به كلما استمعت لصوت نبضات قلبه.
وصوت يدوي في أعماقها هي ليست سلعة وليست بقليلة، هي امرأة كامله لا ينقصها شىء وها هو حُلم من أحلامها يتحقق، حُلم تحقق بعد رحلة طويلة علّمتها أن من يعيش دور الضحية متنازل عن حقه يترجى من الناس نظرات عطفهم ويتوسل حبهم لا يقتات إلا القليل وقت ما يرغبون.
تنهيدة طويلة خرجت عنها ترفع عيناها نحوه مبتسمة؛ فتراجع عنها ينظر إليها مدهوشًا من نظراتها إليه وتلك الإبتسامة التي ترتسم فوق ملامحها وصارت أقصى أمانيه.
– عايزه أكل فشار.
انفرجت شفتيه قليلاً لبرهة وضاقت عيناه يُحاول فهم ما هتفت به للتو متمتمًا.
– فشار؟
ورحلة البحث عن ذرة الفشار بالقرية استغرقت ما يُقارب الساعه.
لهفته وهي تركض نحوه بعدما عاد بكيس الذرة جعلته ينسى حنقه لا يُصدق أنه خرج من المنزل في تلك الساعة المتأخرة من أجل البحث عن الذرة.
احتضنت الكيس بسعادة حقيقية تتخيل مذاق الفشار في فمها مع فيلم من الأفلام التاريخية.
– أنا حاسه بطعمه وريحته من قبل ما يتعمل.
ابتعدت عنه تتمتم بكلماتها ينظر إليها بعدما ابتعدت عنه، فبعد رحلة بحثه الطويلة عن ذرة الفشار تتركه هكذا دون كلمة شكر أو ربما قُبلة.
باستهجان تمتم بعدما كان يتوق بالفعل لعناق وقُبلة فور عودته.
– قُبلة؟ طموحاتك بقت عالية يا ابن “عبدالرحمن الراجي”.
نفض تلك الأحلام عن رأسه زافرًا أنفاسه بقوة؛ فهو يعلم أن ما يطمح له ليس بالمستحيل ولكنه يحتاج بعض الوقت.
توقف خلفها وهي تصنع حبات الفشار منتظرة مضي الدقائق بفارغ الصبر، فالرائحة تداعب أنفها بقوة.
رؤيته للهفتها وهي تضع حبات الفشار بالوعاء بعدما نضج جعل ابتسامته تتسع شيئًا فشئ ولم يكن ذلك المشهد خفي عن نظرات السيدة “سعاد” التي استيقظت عائدة للمطبخ حتى تصنع لحالها مشروبً ساخن ولكنها تراجعت لغرفتها سعيدة بما رأته.
– نقعد هنا ولا في أوضتنا.
اقترح وهو يحمل كوبين من المشروب الساخن الذي تصاعدت أخبرته يتمنى داخله أن تقبل الاقتراح الثاني.
– لا هنا.
خاب أمله وضاع تخيل أخر من أفكاره؛ فقد كان يمني نفسه أن يضمها بين ذراعيه فوق فراشهم ثم تغفو داخل أحضانه.
…
حدقت بالصندوق الضخم الذي تمده إليها الخادمة لا تُصدق ما تسمعه أذنيها.
– “كاظم” بيه بعته يا هانم.
انصرفت الخادمة وتركتها في حملقتها بعدما وضعته أمامها تتسأل بحيرة.
– يا ترى جواه إيه؟!
حكت ذقنها تُخمن بالشيء الموجود داخله وسرعان ما كانت تنفض رأسها؛ فلما الحيرة.
أسرعت في فتحه تزفر أنفاسها حانقة من تغليفه بتلك الطريقة.
– هفضل افتح فيك كتير لحد ما أوصل..
توقفت عن تذمرها تنظر للهدية المبعوثة لها تحملق بالثوب والحذاء بنظرات ذاهلة، “كاظم” أتى لها بالثوب والحذاء اللذان رغبت بشرائهم.
عيناها ارتكزت نحو الثوب بعدما رفعته من عُلبته تتأمله وقد شردت بذاكرتها نحو أسبوع من هذه اللحظة عندما دخل عليها الغرفة وقد انتهت من أخذ حمامها الذي لأول مرة تنعم به منذ ولادتها؛ فصغيرها اليوم كان مُراعيًا ولم يستيقظ.
استدارت نحوه بعد أن توقفت عن تمشيط شعرها تنظر إليه بإبتسامة واسعة.
– أبنك كان مؤدب النهارده يا “كاظم”، طالعلك طبعاً يا حبيبي.
طالعها “كاظم” بحاجب مرفوع مقتربًا منها بخطوات بطيئة.
– بقيتي محترفه في قذف الكلام يا حببتي، إظاهر إننا بدلنا الأدوار.
تهاوى بجسده فوق الفراش بإرهاق، فالأزمات الإقتصادية مؤخرًا ليست بهينة وعليه أن يأخذ قسطً سريعًا من الراحة ثم يُعود لشركته.
انكمشت ملامحها بإستياء من حديثه تضيق عينيها بتلك الطريقة التي تجعله يشعر وكأنه أمام قطة أوشكت على إلتهام فريستها.
– قربي يا حببتي وبلاش التوحش اللي بيظهر فجأة، أنتِ لا يليق بك إلا النعومة والدلال.
هل قرعت الطبول في قلبها للتو وارتفع صوت التهليل داخلها.
ملامحها المستاءة ارتخت وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة شديدة الإتساع جعلته يُحاول جاهدًا كتم صوت قهقهته.
– شوفت كلامك الجميل بيخلي قلبي ينط إزاي.
لم ينتظر تلك الخطوة التي ستنهي المسافة بينهم؛ فالتقط يدها يجتذبها إليه.
– ده أنا قلبي اللي بينط وعقلي ضاع معاكِ خلاص، بقى أنا “كاظم النعماني” بقيت ما بصدق أرجع البيت وألغي أي سهره حلوه عشان اسمع منك.
«قلبي هينط مني»
داعبها بشفتيه فوق عنقها مستمتعًا برائحة غسول إستحمامها وضحكاتها الرنانة التي اتبعت حديثه.
– كده كتير على قلبي يا ابن “جودة”، الرومانسيه بتاعتك خطر عليا وممكن أتهور.
هذه المرة ارتفعت ضحكاته هو عاليًا لا يُصدق ما يعيشه، وقد صار مرحبًا بحديث “جلال” صديقه له.
« الجواز غيرك يا “كاظم” وبقيت “كاظم الساهر” مش “كاظم النعماني”»
– خلينا نتهور سوا يا حببتي.
صار مهوسًا بجنونها وهي صارت أكثر من يعرفه، جرعة من العشق نعموا بها قبل أن يستيقظ صغيرهم الذي بالفعل ستعطيه اليوم أعلى درجة في مراعاته.
– نص ساعه وصحيني يا “جنات”، نص ساعة.
تمتم بها وهو يغلق جفنيه بعدما غفا في أحضانها لتميل نحو جبينه تلثمه برفق وتُلملم من طرفي مئزرها
النصف ساعة مضت وقد اتبعتها ساعة أخرى ومازال غافي قربها والتهت هي في تصفح هاتفها وهز ساقيها بصغيرها الذي استيقظ والتهى مثلها في تحريك يديه وساقيه بعدما شبع وامتلئت معدته الصغيرة.
توقفت أصابعها عن التمرير فوق شاشة هاتفها تنظر لذلك الثوب والحذاء الذي يُجاوره بأعين منبهرة، وفي تلك اللحظة فتح “كاظم” عينيه ينظر لها ثم لساعة معصمه مصعوقًا من الوقت.
– هي ديه النص ساعة يا “جنات”، أنا كنت عارف.
أجفلها صوته -وهو ينتفض من فوق الفراش- تنظر للوقت غير مصدقة أنها التهت بهاتفها وقد مضى ساعتين.
وفي لحظة شرودها، التقط هو هاتفه بعدما غادرت سكرتيره مكتبه وقد شرد هو الأخر في تلك الليلة وهو يهتف متذمرًا منها بسبب تركها له غافي لهذا الوقت ولديه موعد هام، وهي أخذت تركض في عجلة من أمرها تلتقط قطع ملابسه وحذائه حتى يبدل الملابس التي عليه وغفا بها.
فاقت من شرودها تضغط على زر الإتصال؛ فاسرع بالإجابة.
– “كاظم” ده نفس الفستان اللي كنت عايزه أشتريه ، عرفت إزاي إنه عجبني.
تراجع بجسده مستندًا بظهره على ظهر مقعده واتسعت ابتسامته بشقاوة وقد خطفته ذاكرته نحو تلك الليلة مجدداً عندما التقط هاتفها من فوق الفراش حتى يبعده عن صغيره بعد أن تعالىٰ رنينه الذي لم يُكتمل فوقعت عيناه على صورة الثوب.
– العصفورة قالتلي.
تمتم بها مازحًا؛ فتعالت ضحكاتها تنظر نحو الثوب الذي راق لها.
– لا معلش خلي كمان العصفورة تقولي.
ارتفعت صوت ضحكاتهم معًا وقبل أن تسأله عن موعد عودته حتى تُخبرها العصفورة كيف عرف برؤيتها لذلك الثوب، صدرت عنه نحنحة خشنة هاتفًا.
– حببتي مضطر أقفل..
أنهى معها المكالمة؛ فتنهدت وهي تضم هاتفها بين قبضتيها، تنظر نحو الثوب والحذاء مرة أخرى قبل أن تلتقطهم وتنهض حتى ترتديهم لتجربتهم.
…
ثقلت أجفانه من شدة نعاسه وكاد أن يسقط برأسه فوق الوسادة لينعم بدفئ الفراش.
– “كاظم” أنت نمت.
انتفض مفزوعًا من غفوته التي لم تُكتمل ينظر إليها بتشوش.
– في إيه يا “جنات”.
عاد يغمض عيناه متناسيًا سبب إصرارها على استيقاظه، بالكاد استطاعت السيطرة على غضبها.
ضر,بت الأرض بكعب حذائها العالي لعلها تستطيع إخماد غضبها؛ فهو بالفعل قد غفا وتركها دون أن يُخبرها برأيه عن الثوب.
– ده نام وبقى في عالم الأحلام.
استدارت بجسدها تزفر أنفاسها بقوة،فقد ضاع الوقت الذي قضته في ارتداء الثوب وترتيب حالها هباءً.
نفخت أنفاسها بقوة أشد هذه المرة مُقرره أن تُقظه فلن تشعر بالراحة إلا وهي تراه مستيقظًا.
التفت بجسدها عائدة إليه مستعدة لمعركتها معه، توقفت عند حافة الفراش جهته تنظر إليه وقد هدأت عاصفتها وضاع كل غضبها منه.
الإرهاق مرتسم فوق ملامحه بشدة وقد أخذتها عيناها نحو كل أنش بملامحه.
جاورته فوق الفراش تعدل من وضيعة غفيانه.
– “كاظم” حرك جسمك معايا عشان رقبتك.
استجاب لها ببطئ يرفع معها جسده؛ فابتسمت بلهاث بعدما انتهت أخيرًا من تغير وضع نومته وتغطيته.
تحركت يديها بخفه فوق قسمات وجهه حتى شعرت به يتلملم في حركته؛ فاسرعت تسحب يديها عنه ولكنه التقط يدها يضعها أسفل خده مهمهمًا ببضعة كلمات خافته التقطتها أذنيها.
– الفستان حلو يا حببتي لكنه مفصل جسمك، فهتلبسي ليا وبس.
تلاشى ذلك الهدوء الذي أحتل ملامحها تنظر إليه ماقته بعدما سحبت يدها عنه ترغب في خنقه بكلا يديها؛ فهو يرفعها لأعلى بحديثه ثم يسقطها أرضًا.
– أنت صاحي ومركز ماشي يا “كاظم” ، خد بقى المخده وخليها تنام في ح,ضنك النهاردة عشان تعرف تفوق لحاجات وحاجات.
نهضت من جواره بعدما ألقت بالوسادة فوقه واتجهت نحو خزانة الملابس تلتقط منامتها تبدل الثوب متذمرة من كلماته بعدما أدركت أنها صارت ممتلئة الجسد.
هز رأسه يائسًا منها ينظر إليها وهي تُزرر له أزرار قميصه وتلوي شفتيها بطريقة مضحكة تجعله لا يعرف أيضحك من طريقة عبوسها الطريفة أم ينعتها بالزوجة التي لا تبحث إلا عن النكد.
لم تتحمل صمته؛ فهو منذ استيقاظه تنتظره أن يسألها عما بها ولكنه كالعادة يجيد الدور في كل شئ.
– لاء أنا مش قادرة اسكت أكتر من كدا.
ابتعدت عنه بعدما انتهت من ربط رابطة عنقه ترفع عيناها إليه.
ورغم أنه لا يستيقظ بمزاج يروق لأفعالها إلا أنه أعتاد الأمر وصار يعرف كيف ينهي الحوار لصالحه دون خسارة.
قُبلة خاطفة لثم بها شفتيها قبل أن ينبثق حديث لا نهاية له.
احتقنت ملامحها وهي تراه يبتعد عنها بابتسامة واسعة ثم استدار بجسده واتجه نحو طاولة الزينة يلتقط زجاجة العطر لينثر منها القليل.
– أنا قولت الفستان حلو عليكِ يا “جنات” لكنه ضيق وضيقه مخليكي فتنة.. أنتِ عايزه تكوني كده، فتنة لكل عين بتشوفك.
ولأنه يعرف طباع زوجته، كان يعلم أنها لن تتقبل أن تظهر بتلك الصورة.
– أنا مرايتك يا حببتي زي ما أنتِ مرايتي، والفستان تقدري تلبسيه في البيت أو لو جسمك نزل شوية.
ارتفع كلا حاجبيها تحدق بظهره ترغب بالإنقضاض عليه، فما يُثير حنقها هو معرفتها أن وزنها قد زاد قليلًا.
– يا حببتي زيادة وزنك دي غصب عنك، أنتِ ناسيه الحمل والولادة..
ثورتها التي اندلعت في عينيها أخمدها بحديثه كعادته، “كاظم” أصبح يستطيع التلاعب معها بذكائه.
– اقتنعت خلاص.
تمتمت بها وهي تجلس فوق الفراش حزينة على الثوب الذي أرادت ارتدائه في حفل سبوع صغيرها التي تأخر كثيرًا.
– أنا مش خسرانه حاجة، أنت اللي خسران فلوسك.
طالعته بشقاوة منتظرة التعليق على حديثها ولأنه صار يعرف ردودها ويفك شفراتها.. ضحك بقوة.
– وماله يا حببتي ادفع تاني.. هو دوري إيه غير إني ادفع وأراضي في “جنات” هانم.
هل انتفخ ريشها للتو كحال الديك عندما يظن حاله مسيطرًا وسط الدجاج.
ابتسامتها اتسعت شيئًا فشيء وقد أشاح عيناه عنها يُذكر حاله بأيام عزوبيته وكم كان حرًا طليقًا.
أسرعت بالنهوض من فوق الفراش تحتضنه بحب تميل نحوه تُخبره بهمس خافت بحديث التمعت معه عينيه بعبث.
…
ارتفع رنين هاتفه ينظر نحو شاشته في تعجب، فـ “حازم” كان يتحدث معه منذ دقائق يمتدح له ابنة عمه في القضايا الصعبة ويُشيد بذكائها في مجال المحاماه ويُخبره أن البساط انسحب أخيرًا من تحت قدميه.
التقط هاتفه مجيبًا بضجر، فهل سيترك أعماله ويستمع لمديحه المتكرر في “ليندا”.
– عرفت خلاص إن “ليندا” نابغة وهتحل ليك كل القضايا المعقدة، شوف شغلك يا “حازم” وخليني اشوف شغلي.
ارتفعت قهقهة “حازم” عاليًا، فـ “سليم” لم يعتاد أن يتنافس معه أحدًا في مهنته الغالية رغم تخليه عنها.
– ريحة الغيرة بدأت تطلع .. المفروض تكون فخور بـ “ليندا” يا “سليم”.
تنهد بمقت من سخافة “حازم” اليوم، فيكفيه ما صار يعيشه في منزله بسبب تلك الفتاه بفوضويتها بل وصارت طباعها تتطبع بها “فتون” ؛ “فتون” التي استيقظت من غفوتها أخيرًا وأصبحت ترغب في فعل الكثير من الأشياء غير واعية أن عليها الراحة حتى تلد؛ فقد بات الليالي يُعاني معها بالركض نحو المشفى أو السهر جوارها قلقًا وهي تُخبره بمدى توجعها.
الطبيبة تُحذرها من الحركة المفرطة وهو يُحذر برفق وينتهي الأمر بالشجار فتبكي كالأطفال وهو عليه أن يُراعي ويُدلل وكأن وقت دفع ثمن جميع النساء اللاتي تزوجهن يومًا قد أتى.
ضاقت حدقتيه وقد اخترق حديث “حازم” أذنيه، “فتون” في المؤسسة.. فمن التي وعدته هذا الصباح أنها ستقضي النهار بأكمله متسطحة فوق الفراش وستطيع أوامره.
– مراتك في المؤسسة يا “سليم” وعند “ليندا” في مكتبها..
اندهش “حازم” من إغلاق “سليم” الخط بوجهه دون جواب ينظر نحو هاتفه مدهوشًا.
– القضية يستطيع أي محامي صغير لدينا حلها “فتون”.
هتفت بها “ليندا” بعدما استمعت بإنصات لتلك القضية التي تُخبرها بها – فالقضية كانت لإحدى زميلاتها بالجامعه وقد تعاطفت معها لا تستوعب حقيقة أن الحياة أصبحت كالغابة ويطمع العم في أموال بنات شقيقه وأرملته- ثم تراجعت بجسدها قليلًا تدور بمقعدها.
– أنا لا أتولى إلا القضايا المعقدة.
الثقة الزائدة التي تتمتع بها هذه العائلة تزيدها غيظًا، نظرات “ليندا” حملت الثقة وهي تعبث بقلمها بين أصابعها مُتسلية..
– ولو قولتلك إني عايزاكِ أنتِ اللي تمسكيها يا “ليندا”.
ضاقت نظرات “ليندا” تُفكر في طلبها وتلك النظرة التي ترمقها بها.
– موافقة.
نهضت “ليندا” من فوق مقعدها وقد اتسعت حدقتي “فتون” إندهاشًا.
– لكن أريد مقابل موافقتي.
اشاحت “فتون” نظراتها عنها تُهمهم بخفوت.
– زي ابن عمك تحبوا دايمًا تساوموا الواحد.
– بماذا تهتفين “فتون” ؟
استدارت “فتون” إليها تزين شفتيها بإبتسامة واسعة تضغط فوق طرف شفتيها السفلية حانقة.
– إيه هو المقابل؟ لو مادي “سليم” هيدفع.
والمقابل ليس إلا أن تُعلّمها “فتون” طريقة تلك الفطائر التي تصنعها.
اندهش “حازم” من قدوم “سليم” المؤسسة بعد محادثتهم بل وتخطاه دون حديث متجهًا نحو غرفة مكتب “ليندا” التي كانت غرفة مكتبه وغرفة مكتب عمه من قبل.
ارتسمت الدهشة فوق ملامح “فتون” وهي تنظر نحو مكان وفوقه بعدما فتح باب الغرفة تبتلع لُعابها بصعوبة.
توقفت “ليندا” عن مناقشتهم مع أحد المحامين تنظر هي الأخرى له في دهشة مماثلة؛ فهي منذ فتره تلح عليه القدوم حتى يرى أوضاع المؤسسة بعدما تولت إدارتها مع “حازم”.
نهضت “ليندا” من فوق مقعدها بعدما أغلقت الملف الذي أمامها متجهه نحوه.
– بالتأكيد أتيت اليوم حتى ترى كيف صارت المؤسسة منذ قدومي.
انسحب المحامي الواقف من بينهم بعدما شعر أن وجوده لا داعي له وأخذت “ليندا” تتفاخر بإنجازاتها وكيف صار الجميع يشيد بذكائها.
توقفت “ليندا” عن ثرثرتها بعدما أدركت أخيرًا سبب قدوم “سليم” اليوم؛ فنظراته الحادة عالقة نحو تلك التي انكمشت في مقعدها تنظر إليه ببرائة وتبحث عن كلمات تُخبره بها.
…
صمتها طيلة طريق عودتهم من ذلك الحفل العائلي الذي أقامه “كاظم” لصغيره احتفالًا بمولده، جعله يتأكد من رسالة “كاظم” إليه اليوم، عليه الإستقرار مع “خديجة” بالخارج والإبتعاد عن هنا إذا أراد أن يستمر زواجه ويعيش حياة مستقرة.
تنهيدة طويلة خرجت منه وهو يراها تترجل من السيارة بذهن شارد، وقد زاد يقينه أن والدته اليوم أسمعتها حديث مسموم من أحاديثها.
دلفوا شقتهم بنفس الصمت؛ فاقترب منها يلف ذراعيه حول خصرها يجتذبها نحو صدره.
– “خديجة” أنتِ كنتِ مبسوطه وإحنا رايحين سبوع “عبدالرحمن” وكنا بنتخيل سوا يوم ولادة بنتنا.
خرجت الكلمات منه بنبرة دافئة لمست أوتار قلبها المتعب؛ فالحقيقة التي تضعها وراء ظهرها كل يوم تق,تلها وقد صارت حماتها العزيزة تُذكرها بها كلما اجتمعوا أو أتت لها مُعللة أنها ترغب بالإطمئنان عليها ولكنها تأتي لتدس لها السم في حديثها.
« ضاع شباب ابني مع امرأة صارت علامات تقدم السن ظاهره فوق ملامحها، سيحرم من الإنجاب ثانيةً فحملك كان معجزة ولولا قدرة ابني في العلاقة وشبابه الذي ستسرقيه منه ما كنتِ حملتي بتلك الطفلة، ابني صار يعمل ليلًا ونهارًا حتى يجعلك تعيشين حياة مرفهة يا ابنة الذوات وأنتِ رغم كل ما تملكيه لا تعطيه شيء، فلانه جعلت من زوجها صاحب اسم ومكانه، فلانه أعطت زوجها مالًا لينفقه على مشروعه، فلانه جعلت زوجها يعيش في منزل عائلتها حتى ينعم بثرائهم، فلانه كتبت لزوجها أرضًا»
حديث وحديث كان يخنقها ولكنها تقذفه وراء ظهرها حتى تستمر في سعادتها ولن تنكر تلك السعادة التي تعيشها معه.
شعرت بقبلاته تتناثر فوق عنقها ثم أدار جسدها له يرفع كفيه يضم بهما وجهها.
– أوعي حد يشكك في حبي ليكِ، أنا بحبك يا “خديجة” عمري ماعرفت الحب إلا معاكِ، أنا لقيت نفسي معاكِ.
سقطت دموعها؛ فحديث حماتها هذا المساء كان قاسي..
السيدة “منال” تعرف كيف تُلقي الكلمات وسط الحديث ورغم الثقة والقوة التي تتمتع بهم هي إلا أنها أمام هذه المرأة يُصيبها الخرس.
– “أمير” أنا..
أغمضت عيناها ترغب في إخباره إن أراد الزواج بإخرى يومًا فلن تحزن.
أسرع في وضع كفه فوق شفتيها يمنعها من حديث يهدم علاقتهم.
– أوعي نرجع لنفس النقطة تاني، إحنا مبسوطين بحياتنا.. وعشان حياتنا تفضل سعيدة أنا وافقت على عرض “كاظم” ليا.. همسك شغله في إيطاليا وأنتِ ارجعي لشغلك وحياتك.. أنا مستني بس تولدي ونسافر مع بنتنا.. “خديجة” أنا عارف طبع أمي وعمري ما كنت راضي عنه ولا عن الأذى النفسي اللى كانت بتسببه لـ “كاظم” مع إنه دايمًا بيمد إيده لينا بالخير.
– ليه أسرق شبابك منك؟
تسارعت أنفاسه وهو يسمع عبارتها التي لا تكف والدته عن إخبارها بها منذ أن تيقنت أن زيجته بـ “خديجة” لن يجني من ورائها المال إنما هي زيجة حب والحب في قانون السيدة “منال” لا يصلح.
– أنا اللي جريت وراكي وأنا اللي اختارتك.. كنت هظلم نفسي لو قولت لنفسي كده ليه اتجوز ست أكبر مني ست أنا حبيتها، إيه الغلط في إني اختار شريكة حياتي أكبر مني.. قوليلي إيه الغلط اللي إحنا عملناه.
انهمرت دموعها فوق خديها تُسلط عيناها نحو بطنها المنتفخة، فما الخطأ التي اقترفته هي لتأتيها سعادتها متأخرة.
اجتذبها نحو صدره يضمها إليه بقوة، وقد اتخذ قرار لا رجعه فيه.. عليه الرحيل من هنا بعد والدتها والعودة لإيطاليا.
– متضيعيش سعادتنا يا “خديجة، خلينا نسيب بكره للأيام.
….
♡النهاية ♡
*******
هاهو الفرح يطرق أبواب منزلهم أخيراً وقد تعالت الضحكات بين العائلتين.
“ميادة” جلست مطرقة الرأس تحتوي باقة الأزهار الجميلة التي أتى بها “حسام” إليها ولم تتخلى عنها حتى في جلوسها قرب شقيقها ووالدها.
الجميع كان اليوم سعيد خاصة والدة “حسام” التي أخيرًا علمت بهوية الفتاة التي يُحبها ابنها ومن أجلها يرفض كل عروس تقترحها عليه.
– يا زين ما اختارت يا بني.
هتفت بها والدة “حسام” بطيبة، فرغم مستواهم الإجتماعي وانتمائها لطبقة اجتماعية ذو مستوى إلا أنها كانت سيدة طيبة ولطيفة.
أحاطت “كاميليا” ابنتها بنظرات حنونه تشعر بالأسى على عدم قدرتها على الحديث إلا بكلمات متعلثمة ولا تستطيع الحركة إلا بمقعدها المتحرك.
أخذت “ملك” تقوم بدور الترحيب والضيافة وقد احاطتها نظرات أهل “حسام” بتقدير فزوجة الأخ تبدو وكأنها شقيقة العروس.
– حببتي اقعدي ارتاحي.
تمتم بها “رسلان” يجتذب يد زوجته حتى تجلس جواره بعدما لفت والده أنظاره نحوها بعد أن كان منشغلًا بالحديث في تفاصيل الزواج الذي سيُقام بعد شهرين وقد فاجئ “حسام” الجميع برغبته بالعجلة بأمر العُرس فهم ليسوا بحاجة للتعارف وهو موافق على كل ما يُطلب منه .
– “ملك” قولي لجوزك حاجة، مش عايزه اتجوز أنا بالسرعة ديه.
كتمت “ملك” صوت ضحكاتها وهي ترى “ميادة” تتشبث بها وتدفعها بساقها حتى توقف زوجها عن الحديث.
– انا مالي ده أخوكِ أنتِ، وعمو “عزالدين” موافق على الكلام حتى طنط “كاميليا” مبسوطة.
-“ملك” اتصرفي، اخويا ده جوزك..وأنتِ بتقدري عليه.
– أنا بقدر على أخوكِ!
انتبهت والدة “حسام” على همسهم الملفت كما انتبه جميع الجالسين تنظر نحو “ميادة” التي أسرعت في طرق رأسها متسائلة لعل ما يتحدثون به لا ترغبه.
– ساكته ليه يا حببتي قولي رأيك وطلباتك وأي حاجه في الاتفاق مش عجباكِ قوليلي مالكيش دعوة بيهم.
ضحك الجميع على حديث السيدة “مجيدة” تلك السيدة التي رأتها في بعض المناسبات التي دعاها إليها “حسام” وتعرفت عليها برسمية ولكنها اليوم أدركت كم هي سيدة لطيفة.
انتهت الجلسة العائلية ورضخت بالنهاية على موعد الزواج بعدما أقنعها “حسام” أن جميع المخاوف التي تشعر بها سيتجاوزوها معًا ولكن يكفيه كل هذه السنوات التي أحبها فيها في صمت ويأس ألا تكون له يومًا.
ورغم انتهاء التعارف بين العائلتين بهدوء إلا أن أثناء مغادرتهم تساءل شقيق “حسام” بفضول يكاد يقت,له موجهًا استفساره لـ “ملك”
– أنتِ طليقة “جسار الراجي” يا مدام ولا هو مجرد شبه مش أكتر لكن اعتقد إن اسمها “ملك”.. شكله تشابه ملامح وأسماء.
الحرج ارتسم فوق ملامح “رائف” وبقية العائلة بعدما اجتذب “رسلان” “ملك” وأوقفها خلف ظهره.
اندفع لغرفة شقيقته وقد ازدادت ملامحه عبوسًا وهو يراها جالسة فوق الفراش بجانب “ميادة” يتحدثون عن عائلة “حسام” وعن “رائف” شقيق “حسام” الذي رأته من قبل وتعرفت عليه بالصدفة عندما كانت في إحدى المرات تتناول الطعام مع “جسار” في أحد المطاعم.
– والله عال يا مدام أنا قاعد مستنيكِ وأنتِ قاعده بتتكلمي عن الظابط السخيف أبو ضحكة سمجة.
عض على نواجذه يكتم بقية حديثه؛ فهو يشعر بالضيق من حقيقة لا مفر منها، “ملك” كانت من قبل زوجة “جسار”.
هدوئها وعدم تحركها نحوه جعله لا يعرف أي حديث يتفوه به فأردف بغيظ وهو يراها مازالت جالسة فوق فراش شقيقته.
– حتى شنطة سفري محضرتيهاش وحاجة أخر إهمال.
خرجت شهقة “ميادة” بخفوت بعض الشئ تنظر نحو شقيقها الذي غادر الغرفة كالعاصفة الهائجة.
– “ملك” هو في إيه ماله “رسلان” ؟؟.
الحيرة ارتسمت فوق ملامح “ميادة” وهي ترى “ملك” تنهض من فوق الفراش تتبعه لكنها توقفت قرب باب الغرفة تفرد كلا ذراعيها تتمتم بتذمر.
– اخوكِ الدكتور بقى علطول متذمر.. عشان تقولي نفسي اتجوز زي أخويا.. شوفي يا حببتي من عينة أخوكِ.
…
توقف أخيرًا عن الدوران حول نفسه وهو يراها تدلف خلفه الغرفة مبتسمة بتلك الإبتسامة التي تجعله ينسى أي شىء ويغوص في تأمل تفاصيلها.
– شنطة هدوم إيه اللي أحضرها من دلوقتي وأنت مسافر المؤتمر أخر الاسبوع.
نبرتها المعاتبة وخفوت تلك الأحرف التي تخرج من شفتيها جعلت ثورته تزول يشعر بالضيق من حاله لأنه أخرج ذلك الشعور الذي يكبته دومًا عندما يتذكر أنها من قبل كانت زوجة لغيره رغم أنه تزوج بغيرها ولم تكن غيرها أي أحد بل كانت شقيقتها من والدها وقد أنجب منها.
اقتربت منه ترفع كلا كفيها نحو لحيته الخفيفة التي زادت من وسامته.
– أنا أخر إهمال يا “رسلان”
أشاح عيناه عنها لشعوره بالندم لأنه لم يتحكم في غيرته.
– زعلانه منك وفكر في حاجة تصالحني بيها.
داعب همسها فؤاده، ولو ظن في يوم أن حبهم ستُخمد نيرانه مع الأيام فيومًا بعد يوم يُدرك أنه يهيم بها عشقًا.
– حقك عليا أنتِ عارفاني مبحبش أفتكر إنك كنتي لغيري في يوم من الأيام حتى لو ملمسكيش.. وعارف قبل ما تتكلمي إني اتجوزت “مها” لكن أنا ملمستهاش بإرادتي يا “ملك”.. كان نفسي” عبدالله” يكون منك أنتِ.
ابتلع بقية حديثه وهو يرى كفها تصم به شفتيه، فلا داعي للحديث عن ماضي انتهى.
– الماضي انتهى يا “رسلان”، بالحلو والوحش فيه انتهى خلينا نفكر في” عبدالله” أبننا وولادنا الحلوين.
اتجهت بكفها الأخر تمسح برفق فوق بطنها
بأعين لامعه انتقلت عيناه نحو بطنها المنتفخة وقد نسى كل ما أثار حنقه هذه الليلة.
– شايفين بابا مسالم إزاي ومتنازل عن حقوقه عشانكم.
هزت ضحكاتها أرجاء غرفتهم تتذكر تحذير الطبيبة منذ أيام له أن يُقلل على قدر استطاعته لقائتهم الحميمية.
– اعملي حسابك مش عايز خلفه تاني.. أنا عايزك ليا لوحدي.
عادت ضحكاتها تنفلت منها رغمًا عنها وهي تنسل من بين ذراعيه.
– الحمدلله إنك دكتور يا حبيبي ومعظم الوقت مسافر أو في المستشفى أو في العيادة.
لم تنتظره ليمد ذراعه ويجتذبها إليه بل أسرعت بالإبتعاد عنه تهتف بدعابة.
– عندك مستشفى وعيادة بكره.. روح ارتاح يا حبيبي.
هذه المرة لم تستطيع الإفلات منه حتى سقط بها فوق فراشهم يُداعبها بنظرات ماكرة.
– وعشان طول اليوم هكون في المستشفى والعيادة يبقى نطبق تعليمات الدكتوره بشويش.
…
كان الهدوء يُغلف روحها حينا أخبرها أن شقيقها بالمشفى وقد تمت إصابته في حادث دون ذكر أن ساقه قد بُترت وهو يرغب برؤيتها، ورغم كل الأذى الذي عاشته على يديه إلا أنها ذهبت لتراه.
شجعها بنظراته أن تدلف غرفته، فحتى لو كان يكره شقيقها ويمقته إلا أنه أكثر من يعرف أن ما يكسر الإنسان هو فقدان نعمة من نعم الله وخاصة أن يكون جزء من جسده.
– ادخلي يا “بسمة”.
تعلقت عيناها به تشعر أن ساقيها قد تخدروا بعدما داهمتها تلك الذكريات المريرة التي عاشتها معه.
لم يكسرها في الحياة إلا قسوته، جعلها تترك منزل أبيها هاربة من بطشة ومن ذلك المصير الذي أراد أن يدفعها إليه.
كل ما عاشته من قسو,ة الحياة كان سببه هو.
تحركت خطوتين ولكنها توقفت تلتف إليه ترجوه أن يكون جوارها وهي تراه.
احتوىٰ كفه كفها وسار معها لداخل الغرفة؛ فلم يكن “فتحي” إلا غافي تحت تأثير العقاقير.
ازدردت لعابها وهي تنظر لجسده المغطى بفراش المشفى ورأسه الملتف بالشاش الطبي.
نظراتها تحركت ببطء فوق جسده ووجهه وأقتربت من فراشه تتمنى أن تسأله لما لم يكن لها شقيقًا تحتمي خلف ظهره من قسو,ة الحياة.
فتح “فتحي” جفنيه ثم عاد يغلقهما وعاد يفتحهم مجددًا عندما تأكد أن التي تقف أمامه هي “بسمة” شقيقته.
– “بسمة”
خرج صوته في بحة يمدّ نحوها يده الملتفه بشاش طبي وقد انزاح غطاء الفراش قليلًا.
– كنت بعايره بعجزه يا “بسمة” لحد ما…
لم يستطيع نطقها، لم يستطيع إخبارها أن ساقه بُترت وأصبح عاجز وصوت الذكريات يصدح داخله عندما كان ينعت والده بالعاجز وهو ينظر نحو ذراعه ساخرًا.
ارتفع صوت بكاء “فتحي”، يتمنى لو كان والده مازال حيًا لكان أخبره أن يسامحه حتى تعود له ساقه.
– رجلي يا “بسمة”، رجلي مبقتش موجوده.
صراخه عاد يرتفع وهو يضع يده نحو ساقه التي صار مكانها فارغًا ينظر إليها متوسلًا أن تجعلهم يعيدوا له ساقه؛ فلم يطلب منهم أن يبتروها له.
استدارت نحو الواقف خلفها وقد هزه المشهد يطرق رأسه أرضًا متحاشيًا النظر نحو “فتحي” الذي يصرخ كالصغار.
أنفاسها تسارعت بشدة وهي ترى نظرات “جسار” الهاربة من عينيها، فهو كان يعرف أنه ليس مجرد حادث عادي.
– قوليله يسامحني يا “بسمة”.. قوليله يسامحني.
انسابت دموعها تكتم صوت شهقاتها تتخيل طيف والدها حولهما ينظر إليهم بنظراته الحنونه التي كان يُغلفها الحزن دومًا.
بكاء “فتحي” وتوسله لها أن تجعل والده يُسامحه وأن تسامحه هي الأخرى جعلها تركض من الغرفة لا تقوى على رؤيته.
ارتفع صوت بكائها بقوة يتبعها هو بلهفة تنظر إليه بحيرة ممزوجة بالألم تُلقي بجسدها بين ذراعيه تهتف بحر,قة.
– كنت بقول إني بكرهه لكن عمري ما كرهته.. كان نفسي يكون حنين عليا وسند ليا… كان نفسي أجرب ح,ضنه مش قسوته.
…
الشتاء يمر وفصل أخر من فصول السنة يحتضن الكون بدفئة ليغمرنا بمشاعر جديدة تُداعب أرواحنا المتعبة.
نظرات عينيها التمعت بشقاوة وهي تقف أمامه تُفاجئه بقدومها له بالشركة، لوهلة ظن أن هناك خطبًا جللًا قد حدث ولكن عندما وقعت عيناه على ما تحمله في يديها أدرك ما جأت إليه.
ترك الأوراق التي كان يُطالعها قبل قدومها مبتسمًا وهو يراها ترفع ذراعيها تهتف بحماس تتمنى داخلها أن تعجب الهدايا كلًا من “شهيرة” والصغيرة.
– مفاجأة حلوه يا حبيبي مش كده، لاء وكمان قومت بالدور عنك وجيبت هدية لـ “شهيرة” و”خديجة”.. وقولت أعدي عليك عشان منتأخرش على حفلة عيد ميلاد “شهيرة”.
من فرط حماسها بتلك الهدايا التي اختارتها بعناية لم تنتبه بحركة جسدها التي ازدادت مع حركة ذراعيها ، امتقعت ملامحه وهو يراها تُحاول التقاط أنفاسها بعدما توقفت أخيرًا من هز جسدها مع الهدايا العالقة بيديها.
– كفاية حركة ، عارفه يا “فتون” لو جيتي بليل تعيطي ليا وتقولي الحقني يا “سليم” تعبانه.. مش عارف هعمل فيكِ إيه لأني تعبت.. أنتِ إيه كل النشاط جالك وأنتِ حامل.
وها هو الحديث يتخذ طريقه نحو تذمره الدائم من حركتها الزائدة.
احتقنت ملامحها فأين هي حركتها الزائدة، لم تعد تذهب للجامعة إلا من أجل المحاضرات الهامه وبقية المحاضرات يُساعدها فيها “أحمس” وأيضًا هو وستنجح هذا العام بتوصياته عليها وبمجاملاته وسيكون تقديرها هذا العام أيضا كالعام السابق ” مقبول”.
استمر في تذمره وقد تلاشت الجدال معه واقتربت من تلك الأريكة تجلس عليها ووضعت هداياها فوق الطاولة ثم أزالت حذائها عن قدميها وفردت ساقيها تنظر إليه متجاهلة أي كلمات يوجهها إليها في هدوءٍ تام.
– “سليم” هتروح من هنا على الحفلة ولا نرجع البيت تغير هدومك.. بس أعمل حسابك لازم نكون في الحفله على الساعة خمسة.
نظرت حولها تبتلع لعابها قبل أن تواصل حديثها وقد باتت تذهله تلك الطريقة التي صارت تُحادثه بها مؤخرًا بعد كل جدال بسبب خوفه عليها، “فتون” تُهاوده بالحديث وكأنه طفلًا صغيرًا.
– “سليم” أنا عطشانه وجعانه محتاجه حاجه حلوه.
توقفت عن ثرثرتها تُحملق بجهة النافذة الزجاجية خلف مكتبه تُسرع بالنهوض من فوق الأريكة حافية القدمين أمام نظراته التي اتسعت في ذهول أشد.
– طيب ولما تتكعبلي في السجادة وتتلوي رجلك زي ما حصل من أسبوع .. هنقول جات بسيطة، ماهي جات بسيطة ديه مش هنفضل نقولها كتير.
تمتم بها حانقًا يلتقطها من ذراعها ويُثبت حركتها أمامه.
– “خديجة” بنتي بقت بتسمع الكلام أكتر منك، اركزي يا حببتي وكفاية تنطيط.
– “سليم” ابعد أيدك عني.. خليني أشاورك على محل الحلويات اللي شوفته.. أصل هو قدام شركتك وشكله لسا فاتح جديد.
أزاحت يده عنها تقبض هي فوق ذراعه تجتذبه نحو النافذة حتى تريه متجر الحلويات.
– وأنا داخله الشركة لمحت كام ترابيزة فيه والزباين بتاخد قهوتها وقطعة السينابون، بس باين فيه حاجات كتير حلوه وشهية.
حركت لسانها فوق شفتيها ومن سوء حظها كانت عيناه عالقة بها..انتقلت عيناه نحو منحنيات جسدها التي امتلئت بل صار جسدها بأكمله ممتلئ منذ أن تقدمت في شهور حملها.
– لاء أنا مش قادرة اتخيل طعم السينابون وهو غرقان بالصوص.
عادت تجتذبه ليُغادر معها نحو ذلك المتجر ولكنه اجتذبها نحو مقعده زافرًا أنفاسه بقوة.
– اقعدي هنا وأنا هنزل اجيبلك السينابون الغرقان بالصوص، أخاف تنزلي تاكلي كل القطع اللي في المحل.
غادر مكتبه مقهقهًا بعدما ألقت خلفه أحد الأقلام تمط شفتيها حانقة من حديثه، فلما يُشعرها دومًا أنها صارت كالفيل الصغير.
حدقت به سكرتيرة مكتبه بنظرة مذهولة بعدما اخترقت ضحكاته أذنيها، فرئيسها لا تُشبّه إلا بالرجل الذي يعمل كالأله صاحب ملامح باردة عكس ما كان يُنشر عنه قديمًا.
والدهشة التي غادرت تلك الجالسة خلف مكتبها عادت تحتلها مجددًا وهي ترى رئيسها عائد بعلبة من الحلوى تعرفها تمامًا فهي زبونة من زبائن هذا المتجر الذي تتناول فيه قهوتها وقطعة من كعكتها المفضلة.
– ركزي يا “هدى” في شغلك.
تمتم بها “سليم” مشيرًا إليها أن تنظر نحو حاسوبها ثم أغلق باب غرفة مكتبه خلفه ينظر لتلك التي اندمجت بالجلوس خلف سطح مكتبه وتتفحص أوراق عمله دون فهم شئ.
– عيب يا حببتي كفاية لعب وتعالي افترسي قطعتين السينابون الغرقانين بالصوص.
قلد نبرة صوتها وحركتها عندما أخبرته بإشتهائها.
– قطعتين بس يا “سليم”.
التقطت منه العلبة تنظر للقطعتين بملامح محتقنة لا تصدق أنه يبخل عليها بقطع المتجر جميعها.
– لسا فيه حفلة معزومين عليها والبوفية هيكون مفتوح قدامك..
استدار بجسده بعدما هتف بعبارته يُهمهم ببعض الكلمات وقد اخترقت الكلمات أذنيها.
– وبتزعل لما أقولها مبقتش قادر أشيلك يا حببتي.
قطبت جبينها وانكمشت ملامحها بغيظ دون أن تترك قطعة السينابون التي تلتهمها.
– “سليم”، على فكرة أنا سمعاك وزعلانه منك.
طالعها في يأس وهو يراها تلتهم القطعة الأخرى تنظر إليه وهي تقضم النصف الأخر من القطعة.
– “سليم” إيه رأيك أعمل مشروع…
وقبل أن تكمل حديثها تُخبره عن رغبتها بعد ولادتها وتخرجها بأن تسلك الطريق الذي تحبه ويكون لها مطعم خاص وتعيد فتح ذلك المشروع الذي تم غلقه من قبل.
– مش عايز مشاريع ولا أهداف ولا عايز يكون ليكِ في أي حاجة يا بنت “عبدالحميد”.. أنتِ تخلفي وتربي العيال وتطبخي لينا..
اتسعت حدقتيها في ذهول مدهوشة من حديثه؛ هذا “سليم” من كان يدفعها مرارًا أن يكون لها شأن وأن تختلط بعالمه.
وكالعادة لم تتجادل معه في قراراته ولا حديثه؛ فهي صارت تعلم بطباعة ومن طباع زوجها أنه ليس ديكتاتورًا إنما يحتاج لبعض الحديث لإقناعه ثم بعضًا من الدلال.
وها هو الدلال الذي به استطاعت انتشاله من بين أوراقه التي لا تنتهي والذهاب للحفل المدعوين إليه.
تدليك خفيف فوق كتفيه ثم عنقه مع أنفاسها الدافئة التي داعبت عنقه ثم همسها الخافت ووعدها له أنها لن تغفو اليوم باكرًا ولن تلتهم الكثير من الطعام الذي يجعلها تستيقظ ليلًا تتأوه من ألم حروقان معدتها.
وصلوا أخيرًا لوجهتهم حيث المنزل الذي كان من قبل ملك لعائلة “الأسيوطي” ولكن اليوم صار ملك لـ “ماهر” وقد أعاد ملكيته لـ “شهيرة”.
ركضت الصغيرة “خديجة” نحو والدها و “فتون” مهللة بقدوم والدها، فأسرع “سليم” بإلتقاطها يضمها بين ذراعيه يُقبل خديها.
– حبيبت بابي اللي كبرت وبقت ملكة.
ابتسمت الصغيرة بإتساع تميل نحو خده تلثمه بشوق.
– وحشتني أوي يا بابي.. أوي أوي وكتير.
ارتفعت ضحكات “سليم” كما ارتفعت ضحكات “فتون” تنظر للصغيرة وتداعب خصلات شعرها.
انتقلت أنظار الحضور نحوهم، فتقدمت منهم “شهيرة” يُرافقها “ماهر” وقد تسلطت أنظار “خديجة” الكبرى نحوهم بسعادة.
أحاطت الصغيرة جسد “فتون” بعدما وضعها “سليم” أرضًا تلصق أذنها ببطن “فتون” أمام نظرات “شهيرة” و “ماهر” وقد أرتفعت أصوات ضحكاتهم على حديثها.
– “فتون” أمتى أخويا هيجي، عايزه ألعب معاه…
وأسرعت الصغيرة في إلتقاط يدها تجرها خلفها تهتف بحماس.
– أنا اشتريت لي لعب تنفع للولاد.
ارتفعت الضحكات عاليًا وسط حديث لأول مرة يتخلوا فيه عن ذكر صفقاتهم؛ فلم يكن حديثهم إلا عن الأسرة وقد حاوط حديثهم تلك النظرات الدافئة الممتنة من “ماهر” نحو “سليم”.. فلم يعد يغضب من ذلك التقارب بينه وبين صغيرته.
…
وضع صغيره في مهده بعد أن غفى أخيرًا مُنهيًا هذا المساء باعزوفة من البكاء المتواصل.
ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتي “كاظم” وهو يرى صغيره يزم شفتيه أثناء نومه ثم يبتسم ابتسامته الملائكية.
داعبه بأنامله بخفة كما داعب شعور الأبوة فؤاده..شعور لم يكن يظن أنه سيحظى به يومًا، شعور ظن أن من مثله لا يستحقونه لأنه ببساطه حرم منه، وهل المحروم يستطيع منح ما ينقصه؟
والإجابة حصل عليها منذ أن دخلت هي حياته وأحبها.
منحه صغيرة إبتسامة أخرى وهو غافي؛ فغادره الشرود الذي أحتل ملامحه للحظات وازدادت ابتسامته إتساعًا ينحني صوبه بخفة شديدة يلثم جبينه.
– ابتسامتك بقت نقطة ضعفي وسعادتي يا صغيري.
ابتعد عن فراش صغيره بعدما بدء في التحرك، فلن يتحمل جولة أخرى من السير به والتهويدات التي صار يحفظها من أجله.
عيناه تعلقت بباب المرحاض المغلق يقطب كلا حاجبيه ببعضهم، فقد طال مكوثها بالداخل.
– “جنات” مش معقول كل ده في الحمام، ولا كنتِ بتهربي من “عبدالرحمن”.. اتطمني الولد نام وخلينا إحنا كمان ننام.
اخترق حديثه المحبط لأنوثتها وقلبها المرهف، فهي تتجهز إليه حتى تمنحه ليلة جميلة كما يُحب وهو يُخبرها بهذه الكلمات الجارحة.
– هو ابني لوحدي يا “كاظم” واجب عليك كأب حنون تنيم أبنك.
لطيفة ومراعية زوجته التي تملك لسان لا يسيل منه العسل ولكنه اعتاد على عسلها كما اعتادت على عسله وصار بينهم الأمر كمداعبات ينتهي بها المطاف نحو رحلة من الشبق وعند هذا الحد داعبت مخيلته لقطات عدة من لحظاتهم الخاصة يعود بأنظاره نحو باب المرحاض الذي مازال مغلقًا وقد التمعت عيناه بالرغبة واتسعت ابتسامته شيئًا فشىء.
– المفروض أكون فهمت سبب تأخيرها جوه..
اقترب من باب المرحاض يضع بيده فوق مقبض الباب ولكن الباب كان موصد من الداخل.
أسرعت في ضم جسدها بذراعيها بعدما قررت – بعد عدة أثواب أبدلت بينهم – أن هذا الثوب أكثر حشمة رغم التصاقه بجسدها إلا أنه ليس بالقصير كبقية الأثواب التي صار معظمها ملتصق بجسدها بعد أن زاد وزنها.
– “جنات” كفاية كده، أنا يا ستي مش عايز مفاجأت… راضي بالبيجاما أم قطه.
– “كاظم” غمض عينيك.
ارتفع كلا حاجبيه في شقاوة يفرك كفيه ببعضهما، فلما لا يغمض عينيه.
– اغمض عيني وبالنسبة لأبنك.. مش شايفه إننا عدينا الموضوع ده يا “جنات”.
– “كاظم”.
و”كاظم” عليه أن يقول هذه الليلة “حاضر” دون مجادلة.
– غمضت عينيا يا “جنات”.. اطلعي بقى.. الساعه عدت واحدة صباحا.
حاولت ترطيب وجهها بالماء تنظر لهيئتها للمرة أخيرة بالمرآة تُشجع حالها هاتفه.
– أنا لازم أخس أو اعمل حملة شراء عاجلة لملابس محتشمة.
تمهلت في خطواتها وهي تُغادر المرحاض حتى صارت خلفه يهتف بضيق وتساؤل.
– افتح عيني ولا هنلعب استغماية النهاردة يا “جنات”.
دفعته فوق ظهره من سخافة حديثه؛ فلما لا يُراعي خجلها.. فلم تكن يومًا بالفتاة التي تهتم بأنوثتها، والدلال والتغنج كانوا بالنسبة لها أمر فاضح.
– راعي إني أنثى خجوله.
استدار بجسده يكتم ضحكاته التي انفلتت منه رغمًا عنه راغبًا بمداعبتها ببعض الحديث المشاكس ولكن الحديث توقف على طرفي شفتيه يزدرد لعابه.
– مالك يا “كاظم”.. مبهور ولا مصدوم يا حبيبي.
تحركت أمامه بتغنج لا تقصده وهي تتسأل عن سبب صمته.
– مبهور يا حببتي..
أشرقت ملامحها بإبتسامة متسعة بعد سماعها لعبارته وقد داعبت أنوثتها.
– “جنات” متخسيش..
أيخبرها اليوم ألا تفقد وزنها.
ضاقت حدقتيها في حيرة من طلبه الأخير وقبل أن تتسأل عن السبب كان يُخبرها هو بطريقته الخاصة متمهلًا في أرتوائه الذي يزيده ظمأً.
ابتعد عنها بعدما أخد رنين هاتفه يصدح للمرة الثانية يهمهم بكلمات تعبر عن ضجره قبل أن يمدّ يده ويلتقط هاتفه حتى لا يستيقظ صغيره.
– “كاظم”..” خديجة” بتولد.
ولم يكن المتصل إلا شقيقه “أمير” يُخبره أن “خديجة” تضع طفلتهم.
وها هم أفراد العائلتين يلتفون حول الصغيرة يخبرون والديها أنها تُشبه والدها ولكن فرداً واحداً كان يُطالع المشهد مع مصمصة شفاه ولم تكن إلا السيدة “منال” والدة “أمير”.
…..
لوحت بيدها لزميلاتها بصفها الدراسي واتجهت بعدها نحو سيارته المصطفة بملامح أحاطها الإجهاد بسبب تقدمها بالحمل.
عيناه تابعتها حتى صعدت السيارة وجلست جواره تلتقط منه علبة العصير التي يمدّها لها تهتف بسعادة لحصولها على درجة عالية في تلك المادة التي عاونها على مذاكرتها.
– قولتلك إني مش هنقص غير درجتين، أنا مبسوطه أوي.
سعادتها ارتسمت فوق شفتيها؛ فابتسم بسعادة هو الأخر يمدّ كفه مداعبًا به خدها قبل أن يبدء قيادته.
– يعني رفعتي راسي، فين بقى مكافئتي.
بإلتفافه خاطفة اختلس النظر إليها بعدما هتف بحديثه، فابتلعت قطرات عصيرها تقطب حاجبيها تتسأل عن المكافأة التي يرغبها.
– مكافأة؟ خلاص لما نروح هعملك حاجة حلوة.
صدحت قهقهته بقوة، فهل هو يحتاج لقالب حلوى تصنعها.
– لا يا حببتي أنا كبرت على الحاجات اللي بيضحكوا بيها على العيال الصغيرة دي.
نظراته العابثة التي عاد يختلسها نحوها أخبرتها بما يرغبه هو.
تهربت من نظراته العابثة تبتلع عصيرها دفعة واحدة حتى فرغت العلبة.
– عيب على فكرة.
– يبقى نخلي المكافأة في بيتنا..عشان موضوع العيب دا.
اصطف بسيارته أمام أحد المطاعم الراقية يُجاهد بصعوبة عدم التبسم كالأبله
– أكيد أنت طبعاً جعان يا حبيبي.
اماءت برأسها استجابة على جوع صغيرها وجوعها تسلط عيناها نحو كفه الذي يُحركه بخفة فوق بطنها مداعبًا صغيرهم.
– و ماما كمان جعانه.. وإحنا عينينا ليك ولماما.. يا “رسلان” باشا
أدهشها ندائه لصغيرهم باسم ” رسلان” فهو لم يوافق عندما عرضت عليه اسم “رسلان” وأخبرها أن تبحث عن اسم آخر ولكن اليوم موافقته أذهلتها وداعبت فؤادها.
تعلقت نظرات المار جوار سيارتهم بهم؛ فلم يكن إلا “عنتر” الذي كان من سوء حظه أن تقع عيناه على مشهد لن يعيشه يومًا لأنه قرر العيش مع “سميرة” وتحمل جُرمه.
تحركت جواره لداخل المطعم يُحيط خصرها بذراعه وقد ازداد قلبها خفقانًا.
الأطباق وضعت وقد التهمت عيناها الطعام ولكن هناك شئ يمنعها من تناول هذا الطعام الذي عليها أن تتناوله كالجالسين حولها.
عيناه التقطت نظراتها نحو الشوكة والسكين؛ فأزاح شوكته وسك,ينه يشمر عن ساعديه دون إهتمام.
– خلينا ناكل براحتنا.. مش بفلوسنا.
وهي كانت وكأنها تنتظر منه هذا الحديث.
انتهوا من تناول وجبتهم وهي تشعر بالتخمة من كل ما أكلته متذكرة السيدة “سعاد” والتي ستعطيهم درسًا قاسيًا لتناولهم طعام المطاعم وتفضيله عن طعامها.
– دادة “سعاد”.
والأمر لم يمر مرور الكرام، فوقفت هي صامته تطرق رأسها أرضًا وتستمع لتوبيخها.
– قولولي لو في أكل أنتوا عايزينه مش ترمرموا.. لا أنا زعلانه منكم.. يا خسارة تعبك في المطبخ يا “سعاد”.
لم تتوقف السيدة “سعاد” عن تذمرها؛ فأسرع في اجتذاب “بسمة ” من يدها يسحبها خلفه متجهًا بها نحو الدرج.
– نشوفك على العشا يا دادة لأن في حاجه مهمة عايز أخد رأي “بسمة” فيها.
– طيب ما تاخدوا رأيي أنا كمان.
اختفوا عن أنظارها فلطمت كفيها ببعضهما حانقة عائدة لجدران مطبخها الوفي.
..
تفرست في ملامحه قليلًا بعدما أزاح ذراعه عنها وقد صار جسدها حرًا من معانقته. بصعوبة تحركت من جواره ببطئ حتى صارت خارج الغرفة تزفر أنفاسها بقوة تغلق الباب خلفها بخفة.
ببطئ أشد تحركت فوق درجات الدرج تلتف حولها حتى لا يشعر أحدًا بها.
التمعت عيناها بنظرات جائعة وهي ترى الكعكة التي أعدتها “ليندا” على الطريقة الغربية ووضعتها بالبراد حتى يثبت قوامها وأخبرتهم أنهم سيتناولوها غدًا.
مدّت كفيها بحماس نافضة أي شعور داخلها يؤنبها على سرقتها للحلوى وكأنها صارت طفلة صغيرة تسرق الحلوى ليلًا ولكنها قاومت بشدة جوعها.
لقد أصبح كل شئ خاص بالحلوى نقطة ضعفها ورغم التعليمات التي ترشدها إليها الطبيبة بعدم الإفراط في تناول السكريات إلا أنها لا تتحكم في الأمر عندما ترى الكعك مغطى بالكريمة وتناثرت حبات الكرز فوق سطحه.
داعبت شفتيها بلسانها وهي تلتقط الكعكة من البراد تلتف حولها قبل أن تغلق باب البراد وتتجه نحو طاولة المطبخ.
– محدش قالها تعملها النهاردة وتقولنا هناكلها بكره، هي كده كده هتتاكل وأنا هاخد نصيبي وهسيب ليهم الباقي.
عادت ضميرها يؤنبها؛ فلما لا تنتظر للغد ويتناولوا جميعهم الكعكة مع كؤوس الشاي الساخنة.
– هتكوني في نظرهم إيه يا “فتون” بكرة والكل بقى خلاص واخد عنك إنك بتلتهمي كل ما لذا وطاب.
تعلقت عيناها بالكعكة للمرة الأخيرة قبل أن تمدّ يدها بس,كين تزم شفتيها بإشتهاء وتُحرك يدها بخفة فوق بطنها.
– أنت جعان يا حبيبي مش كده.
لم تنتظر أن يؤنبها ضميرها مرة أخرى بل أسرعت في تناول الكعكة حتى شعرت بالتخمة ولم يعد بالكعكة إلا قطعة صغيرة.
– بتعملي إيه يا حببتي في المطبخ.
اقترب منها يفرك عينيه من أثر النعاس وقد أفزعها صوته.
– “سليم”.. أنا
استدارت نحوه دون أن تخفي أثر جريمتها، فكريمة الكعكة تُلطخ شفتيها.
اقترب منها بخطوات بطيئة يُسلط عيناه نحو شفتيها ثم إلى الكعكة التي كان يعرف شكلها قبل أن تلتهمها زوجته.
– “سليم” هي قطعة واحدة بس.. حتى شوف.
حرك رأسه يأسًا يُحدق بها وبالقطعة الصغيرة المتبقية.
– كمليها يا “فتون”.. هي كده كده خلاص مبقاش فيها حاجة.. فخلينا نداري الجريمة يا حببتي.
السعادة التي رأها في عينيها وهي تلتهم ما تبقى من الكعكة..جعله رغمًا عنه يطرق كفيه ببعضهما لا يُصدق أن “فتون” زوجته التي لا شهية لها في تناول الأطعمة إلا أنها كلما تقدمت في حملها يزداد حبها للطعام وليت الأمر كان نحوه هو.
حاوطها بذراعيه بعدما أخفي ما تبقى من أثر الكعكة وأكد لها أنه سيخبر “ليندا” أنه هو من أكل الكعكة وليست “فتون”.
– ابنك مش راضي ينزل يا “سليم”.
تحركت يديه بخفة فوق بطنها يداعب عنقها بشفتيه، فصغيره تخطى الموعد المحدد لولادته وها هم ينتظرون بضعة أيام كما حددت الطبيبة لولادتها.
…
وفي أحضان المجهول.. كانت هناك حكاية أخرى تبدء، حكاية زُجت بها صاحبتها لتكون كعروس الماريونيت بين أصابعهم.
الجميع دفع بها لهذا المصير، مصير لم تختاره بل كان عليها التعايش معه.
وهل يملك من لا قرار له منذ نعومة أظافره قراراً، وهل يعطي الفقر لأصحابه حرية العيش مادامت النفس غير راضية وهي كانت ضحية لعدم رضى زوج والدتها الذي دفع بها لتكون خادمة لدى رجع جشع يهوى الفتيات الصغيرات ويرى فيهن تلك التي كانت زوجة صديقه.
«فتون و حسن»
من هنا بدأت الحكاية وفي نهاية الحكاية كانت أخرى تبدء حكاية “فرحة” التي دفع بها “مسعد” من هاوية مظلمة فاحتضنها المجهول.
سقطت قطرات خفيفة من المطر فوق رأسها وقد بللت الدموع خديها تنظر نحو القبر الذي ضم جسد “فارس” زوجها.
أشتد هبوط المطر، فأسرع أحد الحراس نحو سيده الواقف هو الآخر أمام القبر يمد يده له بالمظلة.
ضمت معطفها حول جسدها تشعر بتخدر أطرافها وارتفعت عيناها لأعلى بعدما وجدت قطرات المطر حُجبت عنها وقد وضع المظلة فوق رأسها.
نظراته الجامدة جعلتها تشيح عيناها سريعًا عنه تضم معطفها بشدة وتوتر حول جسدها الذي أصابته الرعشة من شدة البرودة.
وتحركت معه بخطوات بطيئة تناسب حركتها مع ثقل بطنها، فلم يعد إلا القليل وتضع مولودها.
مولود بعد ولادته عليها تركه تحت وصاية عمه أو أن هُناك حلًا آخر.
…
لم تنتهي الحكاية بعد، ربما انتهى شطرًا منها ولكنها لم تنتهي.
كل واحدة منهن اختارت دربها متمسكة بحياة أرادتها بقناعة.
وحينما تملك حق القرار والإختيار لا يملئ فؤادك الندم وإذا امتلكك، يمتلكك ليُشعرك بالجرم نحو حالك.
إنه قرار وليس الكثير محظوظ بأن يملك حق القرار.
“فتون” اعترفت لحالها أن أفضل قرار عليها إتخاذه أن تكون زوجة وأم، تعطي مشاعرها لزوجها وصغيريها، فهي أنجبت طفلًا أخر بعد طفلها الأكبر “عمر” بمجرد أن أنهت السنة الأخيرة لها بالجامعة.
عالمها صار عائلتها، فقد اقتنعت أخيرًا أن ثوب المرأة العاملة واستقلالها خُلق لبعض النساء مثل “شهيرة” و “خديجة النجار” و “ليندا” وهي متأكدة أن هذا الدرب ستسلكه “خديجة” ابنة “سليم” ..تلك الصغيرة التي صارت وكأنها أم لأخواتها الصغار.
“جنات”..صارت تتحسر على حالها، فلا يمر عام إلا وكانت تحمل طفلًا وفي خمسة أعوام صار لديها ثلاث أطفال ذكور ولكنها لن تسقط في تلك الخديعة التي يُسقطها فيها” كاظم” وإقناعها أن الحبوب التي يُجلبها لها مستوردة والأمر ليس إلا أنه مشيئة الله .. ولكنها تشعر بالسعادة كلما وجدته جالس منتصف صغارهم يُلاعبهم وقهقهتهم تتعالا في منزلهم الذي صار أشد دفئًا.
ماتت “كاميليا” منذ عامين بعد ولادة “ميادة” طفلتها الأولى واصبحت “ملك” هي سيدة المنزل الذي عاد الدفئ إليه منذ أن قررت أن تترك أحقاد الماضي خلف ظهرها وتعيش في بيت والدي “رسلان”؛ فلا قدره لها أن تدفع يومًا ذنب هجره لوالديه.. فحقها قد أخذه الله لها بعدالته.
مشكلتها الوحيدة مع “رسلان” هو رفضه للإنجاب ثانيةً، فيكفيهم أطفالهم الثلاث.
“بسمة”.. صارت الحياة كاسمها تمنحها كل ما تمنته، وقد قررت السير في مشوار تعليمها وظل” جسار” يدعمها لكنه لا يكف عن إلحاحه في إنجاب طفلًا أخر فهو لا يُريد أن يكون طفله وحيداً.
لم يشعر “أمير” يومًا بالندم لحبه لامرأة تكبره بأعوام، فكل يوم حبه لـ “خديجة” وابنته يزداد وصار مكتفيًا بهم، وأصبحت زيارتهم لمصر كل عام منذ أن قرروا الإستقرار في إيطاليا.
“شهيرة” أصبحت حياتها مستقرة بل و أجمل فترة تعيشها في عمرها مع ابنتها و “ماهر” ، فوجدت في “ماهر” الحب الذي صارت تخبره به وتخبر حالها.. ليت الزمن يعود للوراء وبدأت حكايتهم في صباهم.
…
تمت بحمد الله.
رواية لمن القرار.
بقلم سهام صادق.
