لمن القرار بقلم سهام صادق ج 13

الفصل الثامن والخمسون(1)
**********

احتضنت الكتاب خاصتها ببعض الخجل، تُقاوم تقدم قدميها نحو غرفة مكتبه تخشى أن تجد الإهانة منه والتقليل ولكن هو من أخبرها هذا الصباح بعد أن اخبرته عن صعوبة دورة اللغة الإنجليزية بالنسبة لها،
فهي تجد صعوبة في نطق الكلمات وحل القواعد منذ الدراسه ولم تكن تنجح بها إلا بالكاد لولا هذه المادة لكانت حصلت على مجموع أعلى.
اكتشفت إنها سريعة الفهم في دورة الحاسوب، لكن أمر اللغة كان صعب عليها.

طرقت غرفة مكتبه، فخرج صوته سامحًا لها بالدلوف.
ظنها السيدة سعاد، ولكن فور أن علقت عيناه بها ابتسم إليها وهو يُطالع ما تحمله وقد تذكر عرضه الصباحي لها وقد أعجبه إصرارها في التعلم وتطوير ذاتها

– أنا قولت إنك هتكابري كعادتك

هتف مازحًا يُريد مداعبتها بالحديث ، فهي منذ أن ربطتهم وثيقة الزواج وهي خلقت لحالها عالماً بعيداً عنه، تأكل جواره صامته إلا إذا حدثها تُحادثه،
إذا أرادت شئ منه تُبلغ السيدة سعاد أولاً

اطرقت رأسها بحرج وهي تتقدم منه تتلاشى أي تواصل بصري بينهم

– مش عايزه اتعب حد معايا، ميادة على قد ما بتقدر بتوجهني وملك رغم كل اللي فيها بتشجعني وأنت كمان بتساعدني بفلوسك

طالعها بنظرة كان يخص بها ملك وحدها، إنه بات يقدرها بشدة عزة نفسها التي لم يراها في الكثير من الناس حتى تحديها لظروفها، إنه بالفعل فخور بها، فهي دفعت حالها نحو ما لا يختاره إلا القليل,
اختارت أن تثبت حالها في عالم رفض وجودها كغيرها مما لا ذنب لهم

– تعالي يا بسمة وخليني أشوف إيه اللي مش قادرة تفهمي وبلاش كل شوية تقولي فلوسك، متنسيش إنك قدمتي ليا قبل كده مساعدة في الحملة الإعلانية ولولا دورك فيها مكنش بقى عندنا هدف من حملتنا الترويجية

طالعته وهي ترسم فوق شفتيها ابتسامة لم تنفرج معها شفتيها إلا قليلاً ثم وضعت أمامه الكتاب

– أنا محتاجاك تنطق قدامي الكلمات، لأن مهما بحاول اسمع واصحح لنفسي لساني بيخوني وبحس بحرج قدام زمايلي

خرج حديثها ببعض الحزن ولكن سرعان ما تذكرت مديح المحاضر الذي يُدرس لها دورة الحاسوب

– لكن أنا شاطرة في الكمبيوتر وبتعلم بسرعه أوي حتى إني عايزة اتعلم التصميم على الفوتوشوب

كانت سعيدة وهي تخبره إنها تُحب هذا المجال، رغم إنه سيكون بعيداً عن مجال دراستها

– هيكون بعيد عن مجال دراستك يا بسمه، لكن مش مهم أهم حاجة تحبي اللي بتعملي

وضاقت عيناه يُفكر في شيئًا ما، ينظر إليها مبتسمًا

– أتمنى إنك تحترفي المجال ده، ووظيفتك عندي

تهللت أساريرها تنظر إليه غير مصدقة إنها تسمع منه هذا العرض، ولكن سرعان ما أخذ يتلاشى حماسها تتذكر ذلك اليوم عندما أخبرها أنها لا تصلح للعمل معه

– مالك يا بسمه شايفك كنت متحمسه، أنتِ مش عايزه تشتغلي معايا

تسأل وهو يقترب منها يستعجب تحولها السريع.
حاولت نفض أفكارها تتحاشا النظر إليه ملتقطة أشيائها، متجهة نحو الأريكة بعدما رأتها أكثر ملائمة لجلوسهم

– إحنا بنتكلم عن حاجة قبل أوانها يا جسار بيه

وسرعان ما اردفت وهي تتخذ مكان جلوسها ومعها أشيائها

– أنا شايفه إن المكان هنا أفضل

حاول تجاهل تلك الطريقة الرسمية التي تُحادثه بها، هو يعلم إنها تضع الحدود بينهم ملتزمة بأتفاقهم وهو أكثر من يرغب بذلك ولكن الأمر بات بالنسبة له رتيبًا.

جلس جوارها يتخذ دور المعلم وسرعان ما وجدها تبتعد عنه قليلاً حتى تضع مسافة بينهم، فضاقت عيناه وقد استفزته فعلتها ولكنه تعمد أن لا يظهر غضبه من فعلتها التي لا تدل إلا على شيئاً واحداً
هو لن ينظر لها بتلك النظرة التي يخص بها الرجال النساء حينا يُريدهن.
أراد الضحك ولكنه خشى على مشاعرها، وبمزاح تمتم حتى يزيل عنهم هذا التوتر ويُركزوا فيما أتت من أجله

– مش عارف هعرف أفيدك ولا لاء بس نحاول

بدأت الحصة كما سمتها هي وضحك هو على الأمر بقوة

– نسميها الحصة الأولى يا ستي، لكن اكيد هيكون في مقابل

– وأنا موافقة
بتحدي أجابت وهي تبتسم متحمسة، تراه يُشير إليها أن تنطق ليُصحح.
لن تنكر أنها رأت شخصية أخرى من جسار، كان صبوراً مشجعًا لا يحرجها كعادته،
على ما يبدو أن هذا الرجل لديه نسخة أخرى منه، نفضت رأسها من أي تفكير يقودها لما لا ينتهي بالنفع وصبت كل تركيزها على أن تسمعه

– أنا شايف إن كده كفاية يا بسمه، متحاوليش تضغطي على نفسك، طبيعي متتحسنيش في اللغة من مجرد شهر

– لكن أنا عايزة أكون شاطرة زي زمايلي في المعهد

ضحك وهو يرى حاله يستمع لطفلة تغير من زملائها

– اكيد هما في الأول كانوا زيك ومع الممارسة بقى في تحسن، إيه رأيك نسمع سوا كل يوم أغنية أجنبية ، وهنا تقدري تحسني حتى الاستماع عندك

طالع حماسها وسعادتها بفكرته وكأنه أخبرها أنه سيأخذها لجولة ترفيهية

– مش عارفة أشكرك إزاي، اكيد مش هنسى في يوم إنك ساعدتني

غادرت غرفته بعدما جمعت اشيائها متحمسة، تُخبره إنها يوماً لن تنكر معروفه حينا تصبح ذات شأن

– معقول يا بسمة ده بس حلمك في وجودك معايا

هكذا تسأل لا يستوعب إنها لا تُريد منه امتيازات أخرى ولا تسعى نحوه كما سعت جيهان طامعة في ماله.

…..

تسير مُطرقة الرأس، تخشى أن يراها أحداً ويعرفها، ترتدي نظارة سوداء تُغطي بها عيناها؛ هكذا هي اختارت أن تعيش في عالمه، أمرأة متخفية وكأنها عشيقة له.

طرقت الباب طرقة خافته ولم تتبعها طرقة أخرى لأنه كان يعلم هوية الطارق وينتظره بشوق.

علقت عيناه بها يسحبها للداخل يسحقها بين ذراعيه، لا يُصدق إنها أتت اليوم واتبعت قلبها بعد تلك الليلة التي أعادتهم لبعضهما وخسرت لأول مرة بحياتها أمام رجلًا، رجلًا يصغرها ب خمسة عشرة عاماً

ابتلعت مرارة ما تشعر في جوفها كما ابتلع هو تلك الآه التي خرجت منها وهو يُعانق شفتيها بشفتيه

– كنت خايف متجيش يا خديجة، كنت عايز أشوفك قبل سفرية الصين

– حاولت مجيش لكن معرفتش

ابتسم مرغمًا، فزوجته صريحة لأبعد حد، يا لها من أمرأة جبارة لا تجعله يتلذذ بذلك الشعور الذي اختصته له وحده

– ومعرفتيش تقاومي تمرد عقلك، يا حببتي خلاص أنا بقيت مالك كل ذرة في كيانك

ابتعد عنها يُحررها من قوة تلاحمهما، بأنفاس مسلوبة هادرة علقت عيناها به؛ فتعالت فوق شفتيه ابتسامة عابثة

– زي ما أنتِ بقيتي تملكي كل ذرة في كياني

وعاد لجذبها إليه يسحقها مجدداً بين ذراعيه، يُخبرها بأنفاس هادرة إنه عاشق لها.

مجرد كلماتً منه تجعلها تُلقي بكل مخاوفها وصراعاتها خلف ظهرها

– مبقتش عارفه أتخلص من حبك يا أمير

وهو كان لا يُريد منها إلا سماع تلك العبارات، عبارات تُزيد من لوعة عشقه لهذه المرأة، عبارات تثبت له أن ما يعيشه معها ليست نزوة عابرة سيفيق منها يوماً بل إنها طوفان يغرقهما معًا.

استجاب جسدها لكل لمسة منه ومع التقاط انفاسهم، ضمها إليه بقوة يُحذرها من المغادرة قبل أن يغفو في سبات عميق وهي بين ذراعيه.

استدارت نحوه تسمح لعينيها حرية النظر إليه، إنها حقاً عالقة في حب هذا الرجل.
ارتخت اهدابها بعدما ارهقها التفكير..،فكما هو لديه رحلة غد هي أيضاً مثله تستعد لرحلتها عائدة للوطن لمدة لا تعرف كم سيكون عددها ولكنها بحاجة لتعيش وسط عائلة.

…..

توقف بسيارته في نفس المكان الذي اعتادوا على اللقاء فيه، مكانًا خصصوه لهروبهم والبوح فيه عن أحزانهم.

خرج من سيارته تلفحه برودة الهواء يتمنى لو استطاعت الوصول واخترقت قلبه لتبرد تلك النيران المشتعلة داخله.

وقف ساكن الحركة يُطالع ظلمة الليل، لقد اختار أشد الايام قتامة من أيام الشهر وقرر المجئ هنا، إنه بحاجة لهذه العتمة ليرتاح عقله من ذكرى ليلة أخرى انضافت لتلك الليالي التي ظنها قد رحلت

– للأسف المدام فقدت الجنين

خبر أخر كان يسقط على كاهله، فقد طفله الذي ذاق معه معاني لم يعرفها من قبل ، وها هو يفقد ذلك الجنين الذي تمناه طويلاً من المرأة التي أحبها.
ملك فقدت الطفل الذي لم يعلموا عن وجوده إلا هذه الليلة
أهتز جسده من صعقة المشاعر التي يشعر بها، إنه يريد البكاء والصراخ لكنه يتماسك، يتماسك في صمت من أجلها واجل من حوله

الطبيب يُغادر غرفة والدته وقد أسرعت شقيقته ملهوفة كحال والده نحو الطبيب

– للأسف الجلطة أثرت على النطق

خرجت شهقة مؤلمة من شفتي ميادة التي استندت بجسدها نحو الجدار لا تستوعب صدمة أخرى تسقط فوق رؤوسهم هذه الليلة فلم يعد لديها قدرة لتتحمل

– يعني هترجع تاني تتكلم يا دكتور

والطبيب يمسح فوق وجهه من شدة إرهاقه هذه الليله، فالوقت اقترب من الرابعة فجراً وعليه المغادرة فقد انتهى دوامه منذ ساعات

– دكتور رسلان يا سيادة الوزير اكيد فاهم أن الموضوع متوقف على الحالة النفسية اللي بتمر بيها المريضة

فاق من شروده على تلك الإضاءة التي باتت قريبة منه ولم تكن إلا سيارة سليم، اغمض عيناه للحظات مسترخياً يزفر أنفاسه لعله يطرد تلك اللحظات المريرة.

– عارف إني اتأخرت عليك ، كان عندي عشاء عمل مهم ومعرفتش انسحب غير بصعوبة

اتكأوا سوياً على مقدمة السيارة وقد اتخذوا لحظات من الصمت كل منهم سابحًا في أفكاره

– كاميليا هانم محتاجه وجودك جانبها يا رسلان

– بحاول أعمل اللي عليا يا سليم وازورها يومياً لكن أعيش هنا تاني مبقاش ينفع، أنا مرتاح في مكاني الجديد

– أنت عجبك حالك كده، أنت بتسافر يوميا أربع ساعات

– ده اريح ليا وليهم يا سليم، شكل عزالدين باشا وصاك إنك تكلمني

تنهد سليم زافراً أنفاسه يمدّ يده نحو سترته حتى يُخرج سيجارته نافثًا هذه المرة أنفاسه المعبئة بالدخان

– البعد مش حل يا رسلان، هما محتاجينك زي ما أنت محتاجهم أنا عارف إن كاميليا هانم غلطتها متتنسيش لكن الزمن بيداوي

اخترقته الكلمات ينظر إليه بنظرة مُستخفة، فمن الذي يُحادثه اليوم ,هل سليم الذي لا يغفر لأحداً بسهولة

– أنت لحد دلوقتي مش قادر تسامح أهلك يا سليم، بتطلب مني أنا اسامح

تصلبت ملامح سليم يطبق فوق سيجارته بين شفتيه يُحدق ب رسلان الذي لم يحيد عيناه عن مطالعة ما أمامه من عتمة

– سكت ليه يا سليم، عرفت بقى إن الأشعارات اللي حفظِنها وكلام العقل والواجب في أوقات مبنقدرش نتقـ,ـبلهم رغم إننا عارفين إن هو الصح

سحق سليم سيجارته أسفل قدمه ، يخرج سيجارة أخرى يدسها بين شفتيه

– متقارنش أهلي مع أهلك يا رسلان لان المقارنة مش عادلة صدقني، هما آه غلطوا زي أي أهل ممكن يغطوا لكن في المقابل قدموا كتير من التضحيات، مستعدين يتخلوا عن عمرهم عشان يشوفوا سعادة ولادهم ويعتذروا منهم إنهم اختارولهم تعاستهم بدل سعادتهم لكن أهلي أنا مكنوش عارفين يعني إيه تضحية، أنا رباني جدي والخدم يا رسلان

وبتهكم مرير أردف

– و أتربيت في بيتكم شويه وسط أهلك ومع اخواتك

طالعه رسلان بندم، فهو اكثر من عاش مع سليم طفولته ومراهقته قبل أن تفرقهم السنوات ويبحث كل منهم عن أحلامه

– أنا بتكلم معاك النهاردة عن السماح وأنا عارف إنك محتاج وقت عشان تقدر تنسى، وده اللي بلغت بي عزالدين بيه

– سليم معقول هتكون أخدت على كلامي

اسرع رسلان في جذب ذراعه ينظر إليه أسفًا على ما قاله

– تفتكر أنا ممكن أزعل منك يا دكتور، خلينا نمشي لأني واعد فتون أرجع البيت بدري, وأه عدينا منتصف الليل غير أنت لسا قدام طريق طويل

– خد ملك واعملوا عمره يا رسلان اكيد هتلاقوا الراحه هناك، لسا عندكم فرصه في نعمة تانية متضيعهاش من ايدك من قنوطك.. أنا اللي هقولك ده يا رسلان

منذ مدة لم تخونه شفتيه ويبتسم هكذا، رغم المرارة التي يتجرعها كلما وقعت عيناه على صغيره وعليها

– الزمن بيغيرك للأحسن يا سليم، لكن أنا للأسف عمال أتغير لنسخة مني أنا معرفهاش

ابتسم سليم على ذلك المديح الذي خرج في إستهزاء من صديقه

– طول عمرك شايفني صديق سوء، بس مافيش مره عرفت اخدك لطريق السوء لحد ما توبت

وسرعان ما كانت تطرء ذاكرته تلك الفتاة التي تخلص منها بصعوبة في ذلك العشاء، وعلى ما يبدو أن مديرها مُشدد الوصايا عليها بأن تقترب منه وتغويه ولكنها للأسف تلاعبت مع الشخص الخطا شخص يفهم النساء من نظرة واحدة

– الشركة اللي داخله معايا في المشروع الجديد عندهم سكرتيرة مش عارف احدد أنهى دوله اللي عملت خلط مع دولتنا وجابت الإنتاج ده، ما الإنتاج ده مش معقول هيكون إنتاج مصري

اتسعت عينين رسلان ذهولاً، فمنذ لحظات كان يمتدحه

– وطبعا أنت بتحب الجمال وبتضعف قدامه يا ابن النجار

تعالت ضحكات سليم بعدما أستمع لتلك العبارة التي لم يقولها له رسلان منذ زمن

– بحب الجمال اه وبقدره، لكن مبضعفش غير قدام فتون

صعد كل منهم سيارته يلوح له سليم بيده قبل أن يتحرك

– خليك شجاع النهاردة واحكي لفتون عن خارقة الجمال يا ابن النجار

تعالت ضحكات سليم مجدداً بعدما استمع لعبارة رسلان وانطلق بسيارته يُسابقه

بتحدي أسرع سليم بالقيادة حتى أصبحت السيارتين تسير كل منها جوار الأخرى

– تفتكر إني هخاف أحكيلها

ضحك رسلان أخيراً وقد تبدل مزاجه هذه الليلة وأصبح الطريق أمامهم ك ساحة سباق

– هستنا أعرف نتيجة الإعتراف

…….

دلف للمنزل ومازال عقله يشغله برؤيته لخديجة النجار، حتى هذه اللحظة لا يُصدق أن العلاقة بينها وبين شقيقه وصلت لهذا الأمر،
لقد ظن شقيقه هو من يسعى إليها لأنه يعلم تمامًا نزواته مع النساء وبالتأكيد هذا القرب كان مُخطط له من قبل، إنه ابن منال وجودة النعماني فماذا سينتظر منه

شعر بأن عقله سيتوقف من شدة التفكير، فلو شقيقه عابث بجدارة فخديجة النجار لم يرى بحياته أمرأة قوية مثلها، لقد لهث الكثير خلفها منتظرين منها نظرة رضى

– حاسس إن عقلي هيقف، ياريتني كنت طلعت وراها وشوفت بنفسي، لا لا كده احسن.. لازم أواجه الاستاذ لوحده، أنا دلوقتي فهمت سبب تعطيل الشغل

مسح فوق وجهه لعله يُفكر في كيفية إنهاء تلك العلاقة قبل أن ينفضح الأمر وتعلم به الصحافة

– كاظم

خرج من شروده على صوت جنات الناعس، وقد علقت عيناها بذلك الكيس الذي به ما تشتهيه

– أنت جبتلي البرقوق

واسرعت في التقاط الكيس، تلتهم أول حبة دون أن تهتم بغسله

– أنتِ بتعملي إيه، استني اغسله ليكي مش معقول صاحيه لحد دلوقتي مستنيه البرقوق لا و أول حاجة جريتي عليها

تمتم عبارته الأخيرة حانقاً واردف

– بدل ما تسألي عن سبب تأخيري

كان يهتف عباراته متذمراً وهو يغسل لها حبات البرقوق وقد التقطت الطبق منه فور أن أنهى غسله

طالعها مدهوشًا من هيئتها وهي تلتهم واحدة وراء الأخرى متلذذه بالطعم

– أنت بتبصلي كده ليه

ارتفع حاجبي كاظم في دهشة، فهل تسأله لماذا ينظر إليها هكذا؟

– بصراحة مصدوم

– بيتهيألي إن الكلمه ديه فيها إهانة ليا

– إهانه ! أنا شايف إننا تجاوزنا الموضوع ده يا حببتي، الأفضل إني اسيبك مع طبق البرقوق اللي بسببه بقالي أربع ساعات بلف عليه عشان نفسك فيه

خرج حانقاً من المطبخ تنظر إليه مسبلة الجفون لا تُصدق إن تأخيره كان لهذا السبب

– يعني أروح اصالحه ولا أعمل إيه، خلاص هروح اصالحه ضميري بدء يوجعني غير إني مش هعرف أنام غير في حضـ,ـنه

وسرعان ما كانت تُحدق في بطنها التي ظهرت ببروز صغير لا يكاد يُرى

– أنت السبب في ضعفي ده معاه، بقيت أحب ريحته وحضـ,ـنه

واردفت حانقة من حالها

– عندهم حق اللي قال علينا إحنا مش عارفين عايزين إيه

حملت طبقها تمقت ضعـ,ـفها وتراجعها عن أي قرار اتأخدته في هجره.
وجدته يتسطح فوق الفراش عاري الصدر، فالتهمته بعينيها كعادتها هذه الأيام، ورغم إنه كان لا يُحب إحراجها حينا تفضحها عيناها إلا إنه اليوم قرر إحراجها عقابً لها

– للأسف أنا النهاردة مش هقدر ألبي الدعوة اللي شيفها في عينك

واقترب منها بعدما رأى إتساع حدقتيها وقد ضبطها في جرمها

– أصل عقلي مشغول في حاجه مهمه، وعايز أنام

مسح فوق خدها، يلتقط باليد الأخرى واحده من حبات البرقوق الذي التهمت أغلبه ولم يبقى منه إلا القليل.

تجمد كل شئ حولها تنظر ليدها التي لطمت خده دون قصد منها، لا تستوعب كيف فعلت هذا فهي تعلم أنه يتمازح معها بمزاحه الثقيل الذي اعتادت عليه.

ارتفعت عيناها نحوه بعدما استمعت لصوت أنفاسه العالية

– كاظم أنا مش عارفه عملت كده إزاي

وكاظم لم يكن يرى أمامه إلا صورة مرأة واحدة، منال زوجة أبيه حينما لطمت خده يوماً عندما أخبرها إنه لا يشحت منها المال..
كان يومها لا يبلغ الخامسة عشر، حينا اقسم أن ينال حقه منهم جميعاً.

تراجعت للخلف بعدما رأت عيناه تزداد قتامة تتذكر صوت الصفعة وقد سقطت بالفعل قوية فوق خده.

………..

اقتربت منه بعدما سقط فوق الفراش لا يشعر بشئ حوله، ومازال يُدندن ذلك اللحن الشعبي الذي أصر عليها أن ترقص عليه

– مسعد

هتفت اسمه حتى تتأكد أن المشروب قد سحبه لنقطه بعيدة، حاول مسعد رفع رأسه يجتذبها إليه

– تعرفي إنك كنتِ خسارة فيه بس هو مات خلاص

ضاقت عيناها لا تفهم عما يتحدث عنه

– شكل المشروب اللي شربناه أثر عليك يا مسعد

– لا ده أنا جامد أوي

اجتذبها هذه المرة بقوة إليه، وقد أخذ عقله يصورها له كما بات هاتفه يتخذ الأمر في تصويرها كلما رصدها واتبعها في الأماكن التي باتت تذهب إليها

ضجرت دينا من محاصرته، فهي لا تُريد إلا أخذ تلك الفلاشة التي تعلم بوجودها داخل سترته حتى تُنفذ مهمتها وتأخذ المال الذي اتفقت عليه مع هذا الرجل

– مش وقته يا مسعد

– اشمعنا هما ، جيه دوري أنا كمان

بدأت دينا تفهم إنه لا يُخاطبها هي

– حسن أخدك وهو كمان خدك منه فاضل أنا يا فتون

تجمدت عينين دينا نحوه، فمن هي فتون التي يقصدها،
إنها لا تعرف غير واحده انتصرت عليها ونالت الرجل الذي لهثت خلفه لسنوات

أرادت ان تتأكد من صاحبة الاسم، فمالت نحوه تقبل شفتيه تُخبره إنها معه

– ابن النجار واخد ليه كل حاجه من الدنيا، كفايه عليه الفلوس

****

الفصل الثامن والخمسون (2)
*******

علقت عيناها به وهو يُغادر الغرفة دون كلمة، حاولت إلتقاط أنفاسها التي حبستها مترقبة ردة فعله ولكن كاظم لم يفعل معها إلا النظر إليها بتلك النظرة المرعبة التي شعرت معها وكأنه لا يوجهها لها وحدها.
مسحت فوق خديها لعلا وتيرة أنفاسها تهدء وتستجمع شتات نفسها.

عادت عيناها تتعلق هذه المرة ب باب الغرفة المفتوح تُعيد المشهد مرة أخرى على ذاكرتها تنظر نحو كف يدها الذي صفعته به

– أنا مش عارفة عملت ده إزاي، وليه أعمل كده؟

سقطت دموعها رغماً عنها فمنذ حملها وهي لم تعد تستوعب ما تفعله، تارة تكون راضية عن حالها وعنه وتشتاقه وتارة أخرى تكون ساخطة على حالها وكارهة له لا تتذكر منه إلا الكلمات القاسية وأكثر ما يُحيرها في نفسها إنها تتذكر كل فعل قاسي نالته منه كلما تقدم منها خطوة وأظهر لها حنانه ورعايته.

هي متأكده أن كاظم لم يحبها بعد، لكنه تقبـ,ـلها في حياته التي يغلفها السواد وتُحيطها تلك الأسوار العالية التي أحاط حاله بها.

قاومت حالتها الكئيبة خاصة أن مكوثها أغلب الوقت بمفردها في المنزل وهي من أعتادت على العمل بدء يشعرها بالكآبة

– المفروض الغلطان ياخد خطوة الإعتذار يا جنات، كاظم القديم لو كان موجود كان ردلك بدل الصفعة صفعتين

حقيقة نطقها لسانها، فاسرعت في إتخاذ قرارها تقف مر..تبكة بعض الشئ تُفكر كيف ستُلقي عليه كلمات إعتذارها وهل سيقبل أم سيعنفها بعجرفته ويُهينها كما اعتادت منه من قبل.

توقفت على بُعد خطوات منه تنظر إليه وهو جالس فوق الأريكة مغمض العينين ومازالت وتيرة أنفاسه مرتفعة يقبض فوق كفيه بقوة

أرادت التراجع بعدما عادت هيئته تبث فيها الرعب، ولكن في النهاية اتخذت قرارها واقتربت منه.

حاولت إخراج كلماتها ولكن كلما حاولت الحديث كان لسانها يخونها فتصمت، فلم تجد حلاً إلا مجاورته فوق الأريكة التي ربما ستشهد لحظة التقاطها أنفاسها الأخيرة بعدما يقبض فوق عنقها.

لأول مرة كانت تنتبه على صوت عقارب الساعة المزعجة، وتلك الألوان المتداخلة في البساط الفخم المفترش أسفل قدميهم ولم يتوقف التحديق عند هذا الحد بل أخذت تُحدق بملامحه القوية وقد زاده الغضب هيمنة ووسامة.

التصقت به، فنهرها بحدة

– جنات ممكن تروحي تكملي نومك أو تبعدي خالص من هنا

ابتعدت عنه وقد شعرت بالضيق من حالها، فها هو ينهرها ويجتذب ذراعه عنها متحاشياً النظر لها

– أنا أسفه يا كاظم

هتفتها بهمس خافت وسرعان ما كانت تنفجر بالبكاء، ضاقت عيناه وهو يراها بالفعل تبكي بقوة دون سبب فماذا كانت ستفعل إذا صفعها مثل صفعتها الحمقاء؟

عادت النيران تشتعل داخله، فكيف تمكن في التحكم من غضبه وعدم صفعها، أين هو قسمه أن لا يجعل أمرأة تتجاوز حدها معه مهما كانت

– أنا عايزه أرجع مصر، كل حاجة هنا بدأت تخنقني أنت جايبني هنا عشان تخليني أتجنن من القاعده لوحدي

حدقها في تعجب فعن أي جنان هي تتحدث

– ممكن أعرف بتعيطي ليه دلوقتي، أظن أنا اللي كفك طرقع على خدي مش العكس

أسرعت في مسح دموعها، تنظر إليه بعدما ألقى عليها عبارته

– ما أنا قولتلك أسفه

– بتقوليها وأنتِ شيفاها كلمه كبيرة يا جنات، وده يجبرني أشوفها إهانه تانية

هتف بها وهو ينهض من مكان جلوسه حتى يترك لها المكان وينهي هذه الليلة

طالعته وهو ينهض ويتحاشا النظر إليها، فاسرعت في الوقوف أمامه

– قولي أعتذرلك إزاي، أنا بعترف إني غلطانه، مش عارفه إزاي عملتها

– عملتيها لأنك ببساطه شوفتي مني تنازلات كتيره يا جنات

الجمها ما تفوه به، هل هو يفسر فعلتها هكذا ولكنه كاظم النعماني فماذا ستنتظر هي منه؟

– أنا عارفه ومتأكده مهما وضحت ليك مش هتصدقني لأنك عايز ديماً تشوفني في صوره وحشه يا كاظم

استدارت بجسدها مبتعده عنها وقد ضاعت جميع الأحلام التي بدأت ترسمها متأمله معه حياة جديدة.
شعرت بالألم من اجتذابه لذراعها يُقربها منه

– عارفه لو كنتي عملتي شئ بسيط رضيتي بي غروري كانت المشكله اتحلت رغم إنها كبيره، أنا عارف إنك متقصديش ده لكن أنا راجل بطبعي ديما شايفكم بالصوره اللي فضلت طول عمري حطتها عنكم
ثم ترك ذراعها سامحًا لها بالإبتعاد

– روحي نامي يا جنات

حديثه أخترق أذنيها، تشعر بمرارة كلماته تتسأل داخلها كيف عاش هذا الرجل أطوار حياته، هي سعت وراء الصورة الخارجية من كاظم، رجل قوي يهابه الجميع ذو سلطه ونفوذ ولكن كاظم الذي صارت تراه هنا رجلا مختلف.

حركتها مشاعرها الحقيقية نحوه بعدما أدركت إنها لا تُريد كاظم بأمواله بل تُريد حنان وحب هذا الرجل

شبت فوق أطراف أصابعها تلثم الخد الذي صفعته

– شكراً على البرقوق وشكراً لأنك تمالكت غضبك وفهمت إني مكنتش قصد

ومع كل كلمة شكر كانت تلثم خده، مال بوجهه نحوها حتى تتلاقى عيناهم.

انفاسهم صارت قريبة وقد ارتفعت يدها نحو خده تتحسسه فالتف بذراعه حول خصرها يقربها منه

– تفتكري مين هيعلم فينا التاني الحب يا جنات

كادت أن تتحرك شفتيها لتخبره إنها بالطبع من ستعلمه ولأنه كان يعلم الجواب كان يترك لشفتيه مهمة ابتلاع حديثها هامساً لها بأنفاس هادرة

– خلينا نبدء أول درس يا جنات

ارتسمت الحيرة في عينيها فعن أي درس يقصد ولكن كان وحده من يعلم عنوان الدرس.

…….

اغمض عيناه محاولا إبتلاع تلك الغصة المؤلمة كلما نظر نحو غرفة صغيرته التي باتت خالية ، شعوراً لم يرغب بالعيش به يوماً ولكن هذا كان نصيبه وقراره.

بخطوات رتيبة سار نحو غرفته يزيل عن جسده سترته بفتور يطرد تلك المشاعر التي تجتاحه فلا ذنب لها في إختيار أبنته للعيش مع والدتها وتركه، لأنه ببساطه اختار هو أيضا مع من يُريده العيش .

علقت عيناه بها ودون شعوراً منه كان يبتسم على رؤيتها لها نائمة بتلك الوضعية وعلى ما يبدو إنها قاومت بشدة قبل أن تسقط غافية محتضنة الوسادة بين ذراعيها.

اقترب منها بخطوات هادئة حتى لا يجعلها تستيقظ يشعر بالندم على تأخيره، يمدَّ ذراعيه ليعدل من وضيعة نومها

– حببتي حاولي تتعدلي معايا، رقبتك هتوجعك

همس لها حتى تستجيب في تحريك جسدها معه ولكن عيناه ضاقت وهو يُحدق بهذا الثوب الذي تذكره تماما وكيف ينساه وقد اختاره لها بنفسه وتمنى أن ترتديه له ذات ليله.

تعالت فوق شفتيه ابتسامة عذبة وهو يتأملها بتدقيق ، ثم تحركت يديه بخفه فوق ذراعيها ليتحكم في وضع رأسها برفق فوق الوسادة

– يعني يوم ما ترضي عني وتلبسي الفستان تنامي برضوه يا فتون

بصعوبة فتحت عيناها بعدما شعرت بتلك اللمسات الخفيفة التي تُداعبها

– سليم

همست اسمه بخفوت وعادت تغمض عيناها مقتربه منه تدفن رأسها في حضـ,ـنه

– اتأخرت زي كل ليله بتوعدني فيها ترجع بدري، أنت بقيت زي كل الرجاله يا سليم

عاتبته وهي مغمضة العينين متشبثة به، حدقها بذهول يُحاول إستيعاب عتابها ثم غفيانها بهذه السرعه

– فتون أنتِ نمتي، أنا أول مره أشوف ست تعاتب جوزها وتنام

وها هو يعود ليندس جوارها أسفل الغطاء الخفيف يعدل من وضع وسادته قبل أن يجتذبها إليه ويعيدها لحضـ,ـنه ويغفو براحة.

ارتفع كلا حاجبيه في دهشة وهو يراها تتخذ صدره وسادتها وتريح رأسها متشبثة به.
ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة عابثة يرمق فعلتها متفحصًا ملامح وجهها

– وتفتكري هصدق إنك فعلا نايمه، شكلك اتعلمتي المكر من الأربعين يوم هجر وعدم الإهتمام اللي حسباهم بالدقايق والثواني يا فتون هانم

– أنا فعلا نايمة يا سليم

ارتفعت زاوية شفتيه سخرية ينظر إليها مستخفًا من تلاعبها

– وبتكلميني من الحلم يا حببتي مش كده

خرجت شهقتها بعدما أجفلها بحركتها، تُحدق به وهو يعلوها بجسده ويُحاصرها بذراعيه يتفرس ملامحها المذعورة ومحاولتها في إلتقاط أنفاسها

– بقينا نعرف نمثل ونلعب يا فتون، وأنا اللي قولت حرام أصحيها واسيبها نايمة

– أنا فضلت مستنياك، أنت اللي خلفت وعدك معايا يا سليم

ازدادت نظراته جرأة ينظر إلى ما أظهره ثوبها بسخاء

– ممكن نتفاهم الصبح يا فتون وأوعدك هسمع كل الشكاوي المرفوعة من فتون عبدالحميد ضد سليم النجار

تمنعت عنه بدلال رافضة ما يسعى إليه بمراوغة تُحرك رأسها رافضة تلك القبـ,ـلة اللحوحة كصاحبها

– فتون هانم زعلانه وبتتمنع مع إني شايف في عينيها حاجات تانية

لم يمهلها الحديث والمزيد من التمنع الذي فتنه وزاد من لهيب توقه.
أغرقها في طوفان مشاعره وهي كانت كما أخبرها تتمنع ولكنها أكثر منه توقًا ولهفة.

……..

اقترب من فراشها ككل ليلة حتى يتأكد من غفيانها براحة دون تلك الكوابيس التي عادت تقتحم أحلامها.

طالت نظراته نحوها ونحو صغيره في دهشة، فما الذي حدث في تلك الساعات الماضية وجعلها تخرج من قوقعتها وتعود كما عهدها أمرأة تعطي دون مقابل، تصفعها الحياة بقسوتها فتعود تفتح لها ذراعيها تأمل بحياة جديدة.

تخلص من حذائه وسترته واقترب من الجهة الخالية يشعر بالتوق لنوم ساعات من الراحة دون أي ذكرى من تفاصيل هذا اليوم وما عرفه من سائق الأجرة بعدما فاق من غيبوبته بعد أسبوعاً من الحادث.

تمنى أن لا تشعر بثقله جوارهم فوق الفراش ولكن أمله خاب ليشعر بالذنب وهو يراها تفتح عيناها بصعوبة مبتسمه له

– حلمت حلم جميل أوي يا رسلان، حلمت أن في نور بيحاوطني وكنت حا…مل في طفل

وسقطت دموعها وهي تتذكر شقيقتها وهي تحمل عزالدين طفلها وتقـ,ـبله دامعة العينين

– شوفت مها يا رسلان، قالتلي خلي معايا عزالدين يا ملك أنا عايزاه ، عبدالله أمانة عندك لحد ما نتقابل

اعتدلت في رقدتها تكتم صوت شهقاتها، فاسرع نحوها يحيطها بذراعيه

– كفايه يا ملك، كفايه أرجوكِ

– عزالدين كان فرحان يا رسلان، كان زي الملاك بيطير واختارها هي مع إني فضلت أنادي عليه وأقوله أني بحبه ووحشني أوي

اغرقت الدموع خديها، فأحاط وجهها بكفيه يمسح عنها دموعها ولكن دموعه خانته.
اختنق صوته من شدة الوجع وقسوة ما يشعر به

– ليه أخدته معاها، ليه وجعتني تاني مع إن عمري ما كرهتها ده أنا بدعيلها يا رسلان مهما عملت فهي ربتني مع بنتها، صحيح محبتنيش لكني فضلت شيفاها أمي

ضمها إليه لعله يُخفف عنه وعنها هذا الألم

– ماتت خلاص يا ملك، صحيح خدت حته مننا وهفضل طول عمري حاسس بالذنب لأني محمتش ولادي منها وصدقت إنها عايزه تعيش اللي فاضل من عمرها وسط أحفادها لكن الحـ,ـقد كان عمى قلبها من زمان

ابعدها عنه بعدما تمالك دموعه ينظر إليه متأملاً عيناها الدامعة ووجهها المُبلل

– قوة إيمانك بتخليكي تعرفي تسامحي يا ملك ، لكن أنا للأسف مبعرفش أسامح

اعادها لحضـ,ـنه دون إنتظار سماع أي حديث أخر، سكنت داخل احضـ,ـانه كما سكن هو ناعماً بدفئ ورائحة جسدها.

……….

استيقظت بسمة باكراً هذا اليوم بعدما أتفقت مع العم جميل بأن تُعاونه في الحديقة و زراعة الورود التي رغبت في زراعتها.

طالعها العم جميل الذي كعادته يستيقظ باكراً ينظر لها مستفتحاً بيو..مه الذي يراه جميلاً منذ أن أتت وعاشت بينهم

– صباح الخير يا عم جميل يا راجل يا جميل

تعالت ضحكات العم جميل وهو يستمع لعبارتها المشاكسة وكيف تتغنى باسمه

– صباح الجمال يا ست البنات

– صحيت نشيطه ، ولبست زي الشغل

عادت ضحكات العم جميل تعلو وهو يتأمل هيئتها في ملابسها البسيطة وتلك الربطة التي عقدت بها حجابها

– يا بنتِ بلاش تبهدلي نفسك وخليني أنا أعمل الأحواض

حاول العم جميل ثنيها عن قرارها ، فهي صارت سيدة المنزل مهما كانت الحقيقة واضحة له

– شكلك كده مش عايزني أتعلم سر المهنة منك

ضحك العم جميل ينظر إليها وهي تُشمر عن ساعديها وقد بدأت في مهمتها.

العمل كان ممتع مع جو الصباح ، بسمه التي تُشاكس العم جميل والعم جميل الذي يصر على ما يراه صحيحاً.

كانت ترى فيه والدها الراحل وهو يراها كأبنة له، شاركتهم السيدة سعاد صباحهم ضاحكة على هيئة بسمة .

جسار الذي إعتاد على استنشاق الهواء كل صباح عند استيقاظه من شرفته ولكن المنظر الذي استقـ,ـبله اليوم في حديقة منزله كان مختلفًا.

ضحكات السيدة سعاد والعم جميل وبسمه التي تُحاول تنظيف وجهها بيديها المتسخة تنظر نحوهم متذمرة.

تأمل هيئتها في تلك الملابس التي أعتاد على رؤيتها فيها منذ أن اختار لها الملابس التي عليها ارتدائها بالمنزل أو خارج المنزل.

اصرف عيناه عنها بعدما وجد نظراته قد طالت نحو جسدها وملامحها

– كفايه كده واطلعي يا بسمه غيري هدومك يا بنتِ زمان جسار بيه صحي من النوم

اتجهت السيدة سعاد للمطبخ، فنظرت للعم جميل ثم اتجهت بعينيها نحو ملابسها

– ألحق أغير هدومي بدل ما جسار بيه يسمعني كلمتين حلوين عن الاتيكيت

ضحك العم جميل وهو يطالعها بعدما أسرعت خلف السيدة سعاد مهرولة بطريقة طفوليه

– والله البيه معاه جوهرة لكن مش مقدر

وقف جسار يُهندم ملابسه ينثر عطره الباهظ ينظر نحو خصلات شعره بعدما لفت نظره بضعة شعيرات البيضاء بدأت تغزو خصلاته
التقط ساعة معصمه الثمينه لتضيق عيناه وهو يتذكر أن عليه إعطائها مصروفها الشهري.
………

توقف أمير بسيارته أمام مقر الشركة لا يُصدق أن كاظم يُريده في هذه الساعة من الصباح ويُصر على قدومه من أجل أمراً هامً رغم إنه يعلم بضرورة إستعداده لرحلة الصين.

الشركة كانت خالية من الموظفين إلا من موظفي الأمن.
اتجه نحو المصعد ثم مكتب شقيقه وقد بدء يشعر بالقلق، فكاظم لن يأتي به بهذا الوقت إلا إذا كان هناك أمراً عاجلًا

– اتمنى بعد المخالفة اللي اخدتها على الطريق يكون فعلاً الموضوع مهم وضروي

أستمر كاظم في وقفته يُحدق بالطريق

– كاظم، أنت مصحيني من النوم وعايزني فوراً عشان أشاركك صمتك ونقف نتفرج على المدينه من هنا

اقترب منه أمير حتى يشاركه وقفته، وقد وجد أن هذا الوقت هو الأنسب ليُخبره عن علاقته بخديجة النجار وزواجهم

تجمد أمير في حركته وقد إستدار كاظم أخيراً نحوه ينتظر سماع جوابه

– خطة منال هانم ولا جودة باشا، مين فيهم اللي رسملك الخطه

وسرعان ما كان يتعالا تصفيق كاظم مقتربًا منه

– ست زي خديجة النجار ماظنش إنها هتفضل في اوضتك طول الليل وفي سريرك كمجرد عشيقه يا ابن جودة النعماني

…….

طرق جسار غرفتها بضعة طرقات وقد تأكد من عدم جوابها إنها ليست بالغرفة.

دلف غرفتها وهو يرى إنه أفضل قرار اتأخذه، أن يترك لها المال في غرفتها حتى لا يرى تلك النظرة التي أصبح يراها كلما أعطاها المال

وضع المال وقرر الخروج من الغرفة قبل صعودها ولكن عيناه تجمدت وهو يسمع تلك الشهقة التي اخترقت أذنيه ثم سقوط المنشفة التي كانت تُحاول إحكام عقدتها حول جسدها.

الفصل التاسع والخمسون
*******
للحظات وقف كاظم ساكن الحركة ينظر إلى ثورة شقيقه نحوه في ذهول،
أمير الذي أخذ يدور حول حاله يُخرج كل ما بجبعته من احقاد كبلته منذ أن أصبح كاظم المُسيطر على كل أعمال العائلة والأملاك وأصبحوا تحت رحمته

– خديجة النجار مراتي، أتجوزتها لأني بحبها كلمه مظنش إنك تعرفها ولا في قاموسك يا كاظم

أشتدت ملامح كاظم تصلبً، فارتسمت فوق شفتي أمير ابتسامة ساخره ولم يعد يرى أمامه إلا تلك النظرات الكارهة التي كانت دوماً تثيره إشمئزازه،
أبنًا حاقد كارهاً لوالده و والد لا يهتم مدام يعيش حياة رغده، و والدته العظيمة السيدة منال بعدما كان على لسانها أن لا شقيق له وليس لديه إلا أختً واحدة أصبح حديثها لا يخلوا إلا من حثها للأقتراب من الشقيق الذي كان منبوذاً حتى ينال ثقته وتصبح أمواله ذات يوماً له،
فكاظم سيظل طيلة عمره كاره لكل شئ ولن تطيق أمرأة العيش معه وسيمو…ت دون أن يكون له نسلاً،
ووالدته لا تتمنى إلا أن يكون مو….ته قريبً لعلا الحياة تمنحها فرصه وهي ترى أمواله ينعم بها أولادها كما نعمت هي ذات يوما بأموال والدته قليلة العقل التي أختارت أن تعيش مذ…لوله تحت سطوة رجل أحب إذلالها و رؤيتها ذليلة.

عائلة يُغلفها الأحقاد وسواد القلب وحتى اليوم لا يعرف من منهم ليس مريضًا نفسياً

– الدوو اللي فكرني نجحت في تمثيله، الوحيد اللي قدر في يوم ينجح هو جودة باشا واظن عارف مين كويس اللي عرف يضحك عليها

احتدت عينين كاظم فلم يشعر إلا وهو يقبض فوق عنـ,ـقه ، فالمرأة التي يقصدها ليست إلا والدته التي اذلها جودة و زوجته منال واستغل ضعـ,ـف عقلها وسذاجتها

ارملة أمطرها رجلا بالغزل وبعض المشاعر التي افتقرتها في زواجها الأول من رجل كبير بالعمر، فاستطاع إسقاطها في الفخ

– أخرس يا…، أبوك الواطي وامك اللي عامله نفسها هانم وعايشين في خيري هما السبب

أشتدت قبضة كاظم فوق عنقه لا يشعر بحاله وصورة واحده أمامه
والدته الضعيفه التي لم تكره والده يوماً رغم كل ما فعله بها

سعل أمير بشدة مُحاولاً تخليص حاله من قبضته، فكاظم يلـ,ـعنه ويسبه وكأنه يرى فيه والديه ” جودة ومنال”

– عرف يضحك ويمثل عليها، كان عامل زي التعبان.. استغلها اختار هو وأمك يعيشوها ذليله ويرملها الفتافيت بتاعتهم، بعد ما كانت عايشه هانم بفلوسها بقت أمك بنت البواب هي الهانم

– همو..ت في ايدك يا كاظم

دفعه عنه أمير بعدما ارتخت يديه عن عنقه، وعادت الذكريات السيئة تقتحم ذاكرته

” جودة بيحبني يا كاظم، لكن منال ضحكت عليه.. منال ست وحشه ومفترية بتكر…هني وبتكر…هك”

تأخذه بين ذراعيها تُخبره عن خو..فها من تلك السيدة وحقدها عليهم، راضيه بتلك الشقة البسيطة في إحدى الحارات الشعبية والأب الذي تُخبره عن حبه لهم يعيش في الرغد مع زوجته الأولى وأولاده منها”

طالعه أمير مشفقًا وهو يراه لا يتمكن من التحكم في إرتجاف كفيه

– أنا مش جودة ومنال يا كاظم، ليه مش قادر تشوف ده..، ليه يتحملني ذنب ماليش دخل فيه

” ذنب يُحمله له “، اقتحمت العبارة أذني كاظم.. فلو كان يُحمله الذنب ما كان احبه، قسوته وشدته ليست إلا لأنه يُريده أن يكون رجلاً وليس شبيهاً لجودة النعماني الذي احب العيش على أموال الأخرين غير مهتم بالحلال والحرام

– كفايه كره وتمثيل، أنت في النهاية عرفت تاخد حقك منهم عرفت تخليهم تحت رجليك.. كل حاجه بقت بتاعتك أنت وإحنا بقينا ولا حاجه

بنظرة مستهزءة رمقه أمير بعدما تمكن من إلتقاط أنفاسه

– عرفوا يخلوك نسخة ابشع منهم، نسخه مليانه سواد.. سواد ممكن يقـ,ـتل صاحبه في يوم

غادر أمير بعدما القى عليه نظرة أخيره، يشعر بالشفقة عليه كما كان يشعر على حاله ولكنه تحرر منذ وقتً طويلاً من سواد النفس والحقد الذي سعت والدته بشدة لتزرعه داخله نحو كاظم.

طالعه كاظم حتى اختفى طيفه عن أنظاره يشعر بالأخـ,ـتناق يزيل عنه رابطة عنقه لعله يستطيع التنفس.

لحظات مرت عليه وهو جالس فوق أحد الأرائك التي تضمها غرفة مكتبه الفسيحة يستمع لصوت سكرتيرته من خلفه وقد بدأت ساعات العمل.

حاول النهوض بثبات بعدما سيطر على ظلام ذكرياته المرسخة داخله ينظر نحو سكرتيرته التي وقفت منتظرة رده عن طلب قهوته وإطلاعه على بريد اليوم.

حملقت به سكرتيرته في ذهول، فلم يُجيب عليها وقد غادر دون كلمه.
……

توقفت جنات في منتصف الحجرة بعدما جهزت جلستها الاسترخائية وارتدت ملابس الرياضة ووضعت زجاجة الماء قربها ، تزفر أنفاسها ببطئ قبل أن تضغط على زر التشغيل بالجهاز اللوحي وقد وضعته أمامها لتُشاهد أحدى الحلقات الرياضية المخصصة للنساء في شهور حملهم.

انصتت لكل حرف تنطقه المدربة تلتقط كل حركة تقوم بها حتى تطبقها

بدأت تطبق كل حركة, تشعر بثقل جسدها الذي امتلئ بالفعل حانقه من نفسها لأنها لا تفعل شئ سوى أكل الطعام، ومشاهدة التلفاز تُخبر حالها لو إنها كانت بالوطن لخرجت للترفيه مع فتون أو ربما كانت مازالت تعمل أو فتحت مشروعها الذي كانت تُخطط له مع أحمس وفتون وقد ضاعت جميع الخطط لأن الجميع أنشغل بحياته

– ضحكت عليا يا كاظم وقولتلي مجرد رحله وأنت كنت مخطط إننا نفضل هنا فتره

وكلما أخطأت في فعل إحدى الحركات وتطبيقها كان حنقها يزداد منه

لم تسمع غلق الباب ولا بصوت إلقاءه لأشيائه بسبب سماعة الأذن التي وضعتها في كلا أذنيها للتو مع بدء التمرين الأخر الذي يحتاج لموسيقي تمنح الاسترخاء.

ضاقت عينين كاظم وهو يراها بتلك الوضيعة وكأنها في نادي رياضي بتلك الملابس التي ترتديها وذلك الحذاء
فاقترب منها يدقق النظر في حركتها

– جنات

صوته خرج قوياً بحده لشدة ما يشعر به من ضيق، ولكنها لم تسمعه

– جنات

هذه المرة خانتها ذراعيها فانبطحت أرضاً، تنتبه على حذائه اللامع ترفع عيناها نحوه تقطب جبينها في دهشة لمجيئه بهذا الوقت.
أزالت عنها سمعت الأذن تنظر إلى يده التي يمدَّها لها

– أولدي الأول وبعدين مارسي كل أنواع التمارين حتى لو هتتشعلقي في السقف

امتقعت ملامحها من فظاظة عبارته، تمدّ له كفها ساخطه

– وهي الست الحامل متنفعش تعمل رياضه

ارتفعت زواية شفتيه وهو يراها تنهض بصعوبة

– ردك يا حببتي ديما جاهز

التوت شفتيها في سخريه وقد عاد الدوار يُداهمها.. فاطبقت فوق جفنيها بقوة تُقاوم ثقل رأسها

أسرع في إسنادها ولكنها كالعادة عليها أن تظهر له بأنها قوية ولا تحتاج له

زفر أنفاسه بضيق، فهو ليس اليوم بمزاج يسمح له بتقبل مزاجها السئ

– جنات ممكن منتجادلش النهارده

ابتلعت حديثها تنظر إلى ملامح وجهه التي لا تحتاج لتفسير

صمتت عن الحديث ولا تعلم لما ألح هذا السؤال في عقلها التو، رغم إنها تعلم أن كاظم لن يمنحها جوابً يُسعدها

– كاظم هو أنا جميلة
ضاقت عيناه ينظر إليها يستعجب سؤالها

طالت نظراته نحوها فكيف له أن يعرف الجواب ولم يهوى من قبل أمرأة، فالنساء جميعن كانوا شيئاً واحد بالنسبه له

ابتعدت عنه وقد علمت الجواب دون أن ينطقه، شعرت بيده تجذبها إليه وسرعان ما كان يُحاوطها بكلا ذراعيه يُقربها نحو صدره يدفن رأسه في تجويف عنقها هامساً

– ولو قولتلك إن كل حاجه فيكِ جميله ياجنات

اصابها الذهول وهي تسمع ما كانت تراه مستحيلاً، تلتف بجسدها إليه لعلها تتأكد مما سمعته أذنيها

– كاظم…
وضاع باقية الحديث بين شفتيه
…….

علقت عيناه بها وهي تحمل قهوته وعيناها عالقة نحو عبدالله الصغير تبتسم على حركاته وسقوطه الذي يتعمده ثم نهوضه.

صغيرها الجميل الذي يُحاول الترفيه عنهم مستمتعاً معهم بالجو العائلي الذي افتقدوه يُخفف عنهم ما يشعروا به من فقد، فهو وحده من يحتاج هذا وعلى ما يبدو أن نعمه الصغر لها تأثير كبير في النسيان وإستعاب ما يدور حولهم

– الولد مبسوط أوي

تمتم بها رسلان وهو يلتقط منها فنجان قهوته، وعيناه هو الأخر أتجهت نحو صغيره الحبيب

– بقاله مده محسش بإهتمامنا، بيحاول يبسطنا

قاومت ملك ذرف دموعها, تشعر بيده تقبض فوق يدها بقوه داعماً لها

– قولنا هنحاول يا ملك، هنحاول عشانه

حركت رأسها مؤكدة على ما اتفقوا عليه ليلاً ولكن قلبها يخونها رغماً عنها وهي تتذكر فقدها للأخر وشوقها له وجنينها الذي فقدته قبل أن تعرف بوجوده.

داعب لحيته مشمئزاً من طولها حتى يُغير حديثهم نحو شيئاً أخر يُلهيهم قليلاً

– حاسس إني بقيت زي رجل الكهف

ورغماً عنها كانت تبتسم وهي ترى نفوره تمدَّ يديها نحو لحيته

– محتاج تحلقها يا رسلان، كده المرضى هيبدئوا يخافوا منك

فلتت ضحكته بصوت مسموع وهو يرى صغيره يُهرول نحوهم بعدما رأى تقاربهم دافنًا رأسه في حجرها ثم التف نحوه جاذبً له من ملابسه حتى يحمله ويداعب هو الأخر لحيته

– بابا بتشوك..

خرجت قهقهت الصغير بعدما شعر بخشونتها يضم كفيه إليه ثم يمسحهم في ثيابه

أعاد الصغير الأمر ثانية وهذه المرة رغماً عنهم شاركوه الضحك

داعبه رسلان دامغًا خديه ببعض القبلات..، والصغير ينفر ويبتعد عنه ضاحكاً

– ملك.. رسلان هيعورني

ضحكت ملك تُسرع في ضمه إليها تبعده عن قبلات رسلان

– يلا نهرب ونجري بعيد عنه

والصغير أعجبته اللعبه، يطلب منها الركض بعيداً والإختباء عن قبلات والده المتوحشة.

صدحت الأصوات في الحديقه، فوقفت الخادمة والمربية ينظرون نحو سيدهما يستعجبون تبدل الحال..وعلى ما يبدو أن المنزل لن يعد مهجورا بعد الأن رغم وجود أصحابه
ارتسمت الابتسامة فوق شفتي الخادمتين وهم يروا سيدهم الطبيب يركض خلف زوجته وطفله الذي صمم أن يترك حضـ,ـن والدته ويركض معها
التقطه رسلان من ملابسه قابضاً عليه
– بقى أنا وحش يا عبدالله، هتشوف الوحش هيعمل فيك إيه دلوقتي
والصغير يصرخ هاتفاً باسم ملك التي وقفت تلتقط أنفاسها ضاحكة، تنظر نحو صغيره وهو معلق بالهواء ويُحرك ساقيه
– ملك الوحش مسكني
اقتربت منهم ملك لا تقوى على إلتقاط أنفاسها من شدة الضحك، فصغيرها الحبيب يستنجد بها
– نزل الولد يا رسلان، مالك معلقه كده.. حبيب ماما متخا…فش هاخدك منه وهنعاقبه
– عضيه يا ملك، عضي الوحش
لم تتمالك ملك ضحكاتها التي شعرت معها وكأنها تعود للحياة.
…….

حدقت بها السيدة سعاد بنظرات حائرة وهي تراها ترتب الأغراض التي جلبها العم جميل بذهن شارد، حبات البطاطس تضعها مع حبات الطماطم وعلب العصائر تتركها جوار علب الزيت
اقتربت منها السيده سعاد بعدما سقط منها طبق الفاكهة، وتناثرت حبات الفاكهة حولهم

– خدي بالك يا بسمة

توترت بسمة وهي ترى ما أحدثته بسبب شرودها، تنظر نحو السيدة سعاد بملامح تحمل الصدمة

أسرعت في لملمت ما أحدثته من فوضى

– خليكي أنتِ يا داده متوطيش عشان ضهرك

– أنا مش عارفه مالك يا بنتِ، مسهمه مع نفسك مع إنك كنت الصبح بتضحكي وتزرعي الورد في الجنينة

هتفت السيدة سعاد عبارتها تنظر لها وهي تُلملم ما تناثر، تتسأل عن السبب الذي جعلها شاردة هكذا

– هو أنتِ سمعتي حاجة عن ملك هانم، الواحد قلبه وجعه على اللي حصلها.. غلبانه وطيبه واميرة في نفسها متستهلش كل اللي حصل معاها

– ملك بخير يا داده

توقفت السيدة سعاد عن ثرثرتها، ف ملك بخير فما الذي يشغل بالها ويجعلها شاردة، وقبل أن تتسأل السيدة سعاد عن السبب

وضعت بسمه طبق الفاكهة فوق المنضدة

– أنا عندي أمتحان بكره في المعهد وهيقيمونا عليه وخايفه مانجحش

حاولت بسمة أن تُخرج حديثها مُرتبًا بتلك الكذبه التي صدقتها السيدة سعاد على الفور

– كده يا بسمه يكون عندك مذاكره وواقفه معايا تساعديني في المطبخ

أسرعت السيدة سعاد في دفعها من أمامها محذرة

– أطلعي على اوضتك وذاكري يا بنتِ، علامك هو اللي هينفعك.. عايزاكي تعملي اللي أنا معرفتش اعمله يا بنتِ ويكون ليكي قيمة وسط الناس يا بنتِ

جلست بسمة بغرفتها بعدما أصرت السيدة سعاد على أن تصعد وتُذاكر دروسها تشعر بالندم لأنها كذبت عليها ولكن بماذا كانت ستُخبرها؟

جلست فوق الفراش تلتقط أحد الكتب وهي تعلم إنها لن ترى حرفً فعقلها شارد بتلك اللحظة كلما تذكرت تشعر بالحرارة تسري في جسدها من شدة الخجل.

اغمضت عيناها وقد عادت الصورة تقتحم ذاكرتها ، تتذكر نظراته التي علقت بها رغم إنها لم تكن إلا ثواني.

……….

منذ أن وصل والجميع اليوم متأهب لتلك الأوامر التي يُلقيها عليهم، الكل يشعر بغرابه من حال رئيسهم..

جسار الذي توقف في القاعة الواسعة التي تضم عدد كبير من الموظفين وكل منهم يجلس أمام حاسوبه يُطالع عمله ينتظرون مروره حتى يلتقطوا أنفاسهم فلا شئ يعجبه اليوم والكل عليه إعاده عمله من جديد.

التقطوا جميعهم انفاسهم بعدما غادر القاعة، عائدين إلى ثرثرتهم سوياً ومزاحهم

دلفت سكرتيرته خلفه ولم يعد لديها جهد لتظل راكضة خلفه أو تنفيذ ما يأمرها به

– في حاجه تانيه محتاجها مني جسار بيه

تمتمت بها وهي تتمنى أن لا يكون هناك بالفعل أمر أخر عليها تنفيذه

انصرفت براحه بعدما أخبرها إنه لا يحتاجها الأن وتستطيع أخذ إستراحتها

اغلقت باب الغرفة خلفها تزفر أنفاسها غير مصدقه أن حركة نشاطه العجيبه عليهم أنتهت أخيراً

– هو إيه اللي جراله، ماله النهاردة كتله من النشاط

استند بساعديه فوق سطح مكتبه يمنح عقله الراحه قليلاً قبل أن يفتح حاسوبه الشخصي ويرى ما أرسل على بريده.

اعتقد أن صورتها وهي عارية غادرت عقله، ولكن ما تمناه وظن قدرته على تجاوزه لم يُغارد عقله حتى تلك السخونه التي شعر بها تعود وتغزوه مرة أخرى.

عادت هيئتها تقتحم مخيلته وذلك الشعور الذي حتى هذه اللحظه لم يفهمه بل يمقت حاله من أجله، فكيف لها أن تؤثر به هكذا، كيف انحبست أنفاسه وخانته عيناه ؟
ومع من مع بسمه التي لا يراها إلا حالة يشفق عليها، فتاة جعلها في حياته قليلاً حتى تهدء الأحاديث عن سمعته ويقهر جيهان التي بالفعل وجدت صيداً أخر لها بعد أن ثارت قليلاً غير مصدقه أن حبه وولعه بها قد انتهى، إنه بالفعل حتى اليوم لا يُصدق إنه انخدع في شخصية جيهان تلك التي يرى إنها بحاجه لمصحة نفسية

– معقول يا جسار، معقول غريزتك اتحركت لما شوفتها كده.. لا لا ده مجرد إحتياج مش اكتر

حاول التبرير لحاله ولكن عقله كالعادة كان يمنحه التساؤل

– وأنت من أمتى بتفقد سيطرتك على نفسك، ده حتى ملك مهما كانت بتظهر قدامك عمرك ما لقطه ليها اقتحمت عقلك كده..

عادت السخونه تتدفق إلى سائر جسده، يزفر أنفاسه بضيق فما الذي حدث له، هو لن ينظر لبسمة بتلك النظرة التي ينظر بها الرجال للنساء راغبين بهم.

دلفت سيرين غرفة مكتبه تحمل التقرير الذي طلبه منها عن الخطه التسويقية الجديده لحملتهم مبتسمة كعادتها

– حبيت اسمع رأيك عن وجهة نظري قبل ما أعرضه على أبيه شريف

انتبهت على خطأها في نطق لقب زوج شقيقتها هكذا دون أحترام لمكانته بالشركة كشريكً أخر

– اسفه قصدي شريف بيه ، غصب عني بنسى إننا في مكان شغل

خرج جسار من أفكاره على حديثها، وسرعان ما كنت تتداعب شفتيه ابتسامة عذبه.. فهذه الفتاه كتله من النشاط واللطافه ولن ينكر إنها ذكية جدا وماهره في عملها

مدّ يده إليه، فاقتربت منه تمنحه التقرير منتظرة أن يطلع عليه ويعطيها رأيه

– هحاول اطلع عليه في البيت يا سيرين وبكره نتناقش في الأفكار المطروحه

عبست سيرين بشفتيها، فهي كانت تتوقع إنه سيعطيها اليوم وجهت نظره وهل سيوافق على خطتها أم ستحتاج للتعديل والمزيد من الدراسة

– أنا كنت فاكره إني هاخد موافقة مبدئيه النهاردة

– موافقه مره واحده، على فكره أنا مبقتنعش بسهوله يعني هتلاقيني بتناقش معاكي في كل أقتراح معروض

ابتسمت رغما عنها، صحيح عملها معه لم يمر عليه إلا شهراً لكنها بدأت تفهم شخصية هذا الرجل ويزداد إعجابها به يوماً بعد يوم

نهض عن مقعده منهيًا أي نقاش أخر، فطالعته بخيبة أمل وهو يلتقط سترته

– لو الخطه التسويقية الجديدة نالت إعجابي، بكره هتلاقي في أجتماع لمدراء الأقسام

ابتسمت بحماس رغم خيبة الأمل من مغادرته، تأمل أن تنال تقديره الذي يزيدها إصراراً في إثتبات حالها له حتى تنال منه تلك النظرة المعجبة.

غادر جسار الشركة عائداً للمنزل مبكراً عن عادته راغبًا في ملاقتها أمامه حتى يثبت لها ولحاله إنها مجرد لحظة سيطرت عليه شهوته لا أكثر .
……

توقفت السيارة أمام البوابة الداخلية للمزرعة لتتعلق عينين سليم بها وهو يرى شحوب ملامحها فهذا المكان يُذكرها بأسوء ليلة قضتها في عمرها معه

– فتون أنا عارف إن الموضوع صعب عليكي لكن أنا بحب المزرعه.. مقدرش أفرط في المكان ده لأنه عزيز عليا

طالعته بقليل من الشحوب بعدما قاومت تلك الذكرى القاتلة وهي تركض خارج البوابة الضخمه تلملم ثوبها الممزق فوق جسدها

شعر بالندم لأنه ظن إنها تناست تلك الذكرى السيئة يسألها قبل أن يمدّ يده يُعيد تدوير سيارته

– نرجع
– لاء يا سليم

هتفت بها بعدما اطبقت فوق جفنيها بقوه، تتذكر إنها الأن مع سليم زوجها وحبيبها وليس رب العمل وهي خادمته التي يعطف عليها

– فتون أنا مبهزرش لو مش متقـ,ـبله وجودنا هنا خلاص نرجع

– لا أنا عايزه اقضي اليوم هنا ووسط الخـ,ـضره ومع سكره

ذكرته بفرسته الغالية الحبيبة وقد أشتاق إليها

– وكمان أنا مصدقت نكون في مكان لوحدينا يا سليم ومقرر تنسى العالم كله ومتفكرش غير فيا

ارتفع حاجبه الأيسر وهو مندهشًا من حديثها وسرعان ما انفـ,ـجرت شفتيه في ضحكة قو….ية

– فتون هو حصل إيه فيكي، مش معقول لما مركزش معاكي فترة الاقي تغير رهيب حصل

شعرت ببعض الخجل يتخلله بعض الضيق منه

– هو مينفعش أعبر عن مشاعري وأكون زي بقيت الستات، شوف أه أنت اللي مش عارف عايز إيه

نفضت ذراعه عنها بعدما حاول جذبها إليه بعد تذمرها

– هرفع راية الاستسلام لأن أنا اللي خرجت الوحش من جواكي وغلطان, في حد يركز أصلا مع الستات

حدقته بنظرة شرسة، فتعالت ضحكاته

– لا كده هبدء أخاف

رغماً عنها كانت تبتسم وهي تستمع لتعليقاته المازحه، هي لم تتغير كما يظن بل تحررت من شخصيتها المكبلة بعدما ابتعد عنها الفترة الماضية نائياً حاله عنها..

ترجلوا من السيارة لتُدرك أن مناوشتهم بالفعل قد جعلتها تنسى تلك الذكرى الأليمة في هذا المكان

لم يجعلها سليم تفكر كثيراً بعدما أمر الحارس أن يهتم باخراج ما جلبوه معهم، فسحب ذراعها خلفه

– خلينا نروح الاسطبل واعلمك ركوب الخيل، أنا النهاردة ليكي أنتِ وبس

……

تعالت ضحكاته وهو يقف معها يُحضر الطعام، تتذمر عليه من جهله في تقطيع حبات الطماطم وكم التوابل التي يضعها دون أن يهتم بنكهة ما يضع

– قولتلي هتوريني سليم النجار راجل تاني خالص في المطبخ، مكنتش فاكره إنك طباخ فاشل يا حبيبي

تعالت ضحكاته وهو يستمع لنعتها له بالفشل يحشر شريحة الطماطم بفمها

– حببتي مش لازم أكون ناجح في كل حاجه..، غير إن قولتلك هبهرك وشايف إنبهار في عينك فظيع

انفرجت شفتيها بضحكة مجلجلة لا تُصدق إنها ترى جزء اخر من شخصيته غير تلك الشخصية التي لا تراها إلا وهم في متعتهما

– بعد الضحكة ديه قلبي مش هيستحمل، غير إن إحنا عشان اصالحك واكيد مش هنتصالح في المطبخ

غمزه بمكر تفهم تماماً مقصده، طالعها في صدمة وهي تضع يدها فوق صدره تدفعه قليلاً

– ما أنت صالحتني خلاص، مش محتاج تصالحني بزياده

حدق بها يستوعب حديثها وتلك النظرة التي يُطالعها بها

– هما قالولي اختلاط الستات ببعضها نتايجه وحشه لكن أنا مصدقتش

وسرعان ما كانت تضيق عيناه مستطرداً

– فتون هو أنت بتحلوا مشاكل إيه في الجمعيه

ابتسمت بسعاده وهي تتذكر تلك الرساله التي باتت تخبر بها أي سيدة ضعيفه

– إزاي نكون سيدات صاحبات رأي وشخصيات قويه ولا ننساق خلف الرجال

تقمست الدور دون شعوراً منها كما تعلمت من السيدة سحر، ازداد ضيق عيناه لا يستوعب أنها باتت تتقمس شخصية النساء اللاتي يدافعون عن حقوق المرأة

– هو أنا إيه اللي عملته في نفسي

غمغم بها لا يُصدق إنه أخفق في أختيار المكان الذي أراد فيه تغير شخصية زوجته

– بتقول حاجه يا سليم
ارتسمت ابتسامة واسعة فوق شفتي سليم ينظر لمعلقة الطعام التي تحملها

– بقول إني جعان يا حببتي

…….

انهت عشائها معه في صمت مطبق تتحاشا النظر إليه كما فعل هو الأخر…تسألت داخلها لما كل هذاالتوتر الذي تشعر به

ألمتها معدتها وهي تجد الإجابه التي تعلمها وستقهرها ذات يوم حينا تُغادر حياته.
إنها مازالت مفتونه بهذا الرجل تتمنى لو نظر لها بتلك النظرة التي سمعت عنها يوماً

عضت فوق شفتيها في قهر وانسابت د.مو.عها، فهل عاد قلبها مرة أخرى لأحلام قتـ,ـلتها داخلها.

صعدت غرفتها بعدما ساعدت السيدة سعاد ك كل ليلة، والتقطت حاسوبها تبحث عن شئ تندمج معه.

حلقة وراء حلقة كانت تُشاهدها من سلسلة أحدى المسلسلات الأجنبية التي استمعت عنها من إحدى زميلاتها بمعهد اللغة
….

توقف جسار في شرفة غرفته يُدخن بضيق، فتجاهلهم لبعضهم اليوم لا يوضح له إلى رساله واحده

– لازم أوضلحها إنها تنسى الموقف، وكأنه محصلش…،معقول تفهم من نظرتي ليها إني حسيت بحاجه ناحيتها، لا لا.. لازم تفهم إنه موقف وخلص وياريت متطلعش من الحمام بعد كده من غير ما تلبس هدومها

سحق سيجارته تحت حذاءه مقرراً الذهاب لغرفتها فالساعة تجاوزت العشرة مساءً بقليل

طرق الغرفه بضعة طرقات يستمع لصوت ما تسمعه وقد ظن إنها لا تسمع طرقاته بسبب شدة الصوت

دلف غرفتها فوقعت عيناه عليها وهي غافية وجوارها الحاسوب الذي كاد أن يسـ,ـقط أرضاً من زحزحتها ناحيته

التقط الجهاز ينظر لما تُشاهده فضاقت عيناه وهو يرى ذلك المسلسل الذي يعرفه تماماً، مسلسل رومانسي به الكثير من اللقطات العاطفيه.

أغلق الحاسوب ينظر إليها وقد بدأت المخا.وف تقتحمه

– معقول بسمه تكون.. لكن هي عارفه إن نهاية جوازي منها الإنفـ,ـصال, أي شعور ناحيتها تعا…طف مش أكتر. حاله وبساعدها صحيح غلطت في جوازي منها لكن أه ارتحت من أي إشاعه ممكن تطلع عليا لأنها عايشه في بيتي

تلملمت بسمه فوق الفراش تبحث عن الغطاء أسفلها بعدما شعرت بالبرودة
طالعها وهي مغمضة العينين تجذب الغطاء حانقة لأنه علق في ساقيها

اقترب منها يُخلص ساقيها منه ويجذبه برفق فوقها ولكن عيناه بنظراتها الناعسة وقد فتحت عيناها للتو تنظر إليه بأبتسامة واسعة ترفع كفها نحوه تلمس خده القريب ومازال النعاس يحتل جفونها

– نامي يا بسمه أنا كنت خارج…

ارتفعت برأسها قليلاً تنظر إليه بأبتسامة حالمه قبل أن تصبح يدها هذه المرة خلف عنقه و تجذبه إليها
ألجمته الصدمة وهو يشعر بشفتيها فوق خاصته..

الفصل الستون(1)
********

ازدادت سرعة أنفاسه وهو يراها تبتعد عنه، ترخي ذراعها الملتف حول عنقه.. تفتح عيناها وتنظر إليه بنظرة متخمة وسرعان ما كانت تغلق عيناها عائدة إلى غفوتها تفرج عن شفتيها قليلاً.

أصابته الصدمة وهو ينظر إليها لا يستوعب أنه بادلها قبلتها. ابتعد عن الفراش يلتقط أنفاسه الهائجة من شدة تسارعها ينظر إليها مجدداً.

تنفسها المنتظم لا يدل إلا على شئ واحد إنها كانت تحلم وتلك القـ,ـبلة ما كانت إلا في حلمها، ولكن هو..

خرج من غرفتها يمسح فوق وجهه المتعرق، يتسأل هل بات يراها بتلك الصورة التي يرفضها.

دلف غرفته حانقاً من نفسه يفرك رأسه بقوة

– أنت بوستها يا جسار، ولو مكنتش بعدت عنك بنفسها كنت ممكن…

جمدته الحقيقه التي أخبر بها حاله لن يكـ,ـذب على نفسه هذه المرة، هو تجاوب معها, شعر بتلك الر..عشة التي لا تقتحم الجسد إلا رغبة ولكن منذ متى ينساق نحو رغباته دون أن يُسيطر عليها

– لا، لا مش معقول أكون بدأت أشوفها بالصورة ديه.. مش معقول

……..

علقت عيناه بها وهو يراها واقفة أمام المرآة تنظر لهيئتها في ثوب نومها بلونه المميز.

تلاقت عيناهم بعدما اقترب منها ووقف خلفها ينظر إليها بتلك النظرة الدافئة التي تُخبرها حقيقة واحدة أن لا أحد أحبها سواه ،
رسلان هو عائلتها الوحيدة مهما عصفت بها الحياة وضاعت في بؤسها لم تجد إلا هو جوارها يُحارب من أجلها يبحث عن أي شئ يُرضيها ويُسعدها.

شعرت بيديه تلتف حول خصرها يُخرجها من شرودها

– صحي بعد ما حطيته على سريره ففضلت جانبه لحد ما نام تاني

– تعب من اللعب طول اليوم

هتفت بها وقد ارتسمت فوق شفتيها ابتسامة ناعمة، تتذكر ركض الصغير وصياحه بسعاده طيلة اليوم

– كان مبسوط أوي النهاردة، وأنا كمان كنت مبسوط يا ملك

همس بها وقد داعبت أنفاسه الساخنة عنقها وأزدادت يديه جراءة في لمس نعومة ثوبها

– عبدالله ملهوش ذنب في كل اللي عيشناه، كان بيضحك ويجري النهاردة عشان إحنا حواليه وشايفنا مبسوطين

التمعت عيناه بألم ممزوج بالحنين ، فصغيره الحنون يُشبهها

– عبدالله طالع ليكِ يا ملك، بيفكرني بيكِ وأنتِ طفله.. كنتِ زي الفراشة الجميلة وجودك ليه بهجة

– أنت بتكذب يا دكتور، أنا كنت طفله منطوية .. مها هي اللي كانت بهجة العيلة

اختفت ابتسامتها بعدما تمتمت بها وقد اقتحمت بعض الموافق ذاكرتها.
توقفت يديه فوق ذراعيها وقد أصابه الجمود حينا ذكرت اسمها وذكرته بصورة العائلة المثالية المترابطة.

ارتخى ذراعيه عنها ، فشعرت بجموده وابتعاده عنها

– رسلان.. مها مكنش ليها ذنب في حاجة ..هي ضحية

غامت عيناه بالظلمة، فعن أي ضحية تتحدث وما كشفه الزمن كان أبشع .. تشاركوا في إسحاره، سعوا ليحبها بأعين يغشوها الظلام ويكرهها هي وكأنه لم يحبها يوماً، فلا أحد ضحية إلا هي وحدها.

استدارت بجسدها نحوه بعدما وجدته يُطالعها بتلك النظرة الخاوية ، يقبض فوق كفيه بقوة يعود بذاكرته لتلك الأيام الماضية بعدما فاق السائق وأخبره بتفاصيل لقائه بخالته

– أنت قولت إنك مش هتأذيني يا بيه، أنا هحكيلك على كل حاجه أعرفها

تمتم بها السائق وقد اقتحمه الندم بعد ذلك الحادث وخروجه بأعجوبة من السيارة التي ارتطمت بها أحدى مقطورات النقل

– من أول ما ركبت معايا وأنا كنت شاكك فيها، حاسسه إنها مش طبيعيه

زفر رسلان أنفاسه حانقاً من الإطاله في حديث سمعه من ضابط الشرطة وقد اوضحت كاميرات المراقبة تلك التفاصيل

– قولت لظابط المباحث إنك ودتها لحارة قديمة تزور ناس معرفه، إحنا ملناش معارف ولا قريب من مكان زي ده.. فياريت تقولي الحقيقه

ترقب رسلان خلجاته، فازدرد السائق لعابه يظن ما يعتقده مجرد تكهنات, فلم يخبر الضابط عنها

اخبره عن الحالة التي خرجت بها خالته بعدما قضت ساعه في ذلك المكان ثم دسها لشيئاً ما في حقيبتها وعن ظنه إنها لها في أمور الدجل والشغوذة ثم إعطائه لها لرقم هاتفه إذا أحتاجته مرة أخرى،
إتصالها به تلك الليلة تُخبره عن إنتظارها له في ذلك المكان الذي أخذها منه ولم يكن إلا الشارع الخلفي بعيداً عن أنظار الحرس وقد الهتهم بذلك الحريق الذي اشعلته في إحدى الغرف المطلة على الحديقة.

توقف الرجل عن سرد تفاصيل هذه الليلة بكل صغيرة وكبيرة

– أنت قولتلي أحكيلك كل حاجة بالتفاصيل يا بيه، لكن ابوس أيدك متسجنيش أنا راجل شقيان وعلى باب الله وعندي كوم لحم، ياريتني ما رديت على التليفون الليلة ديه.. كنت فاكر إنها توصيلة السعد وهاخد فلوس حلوه

– قصدك تسرقها

بجمود تمتم رسلان، فابتلع السائق لعابه.. فقد كانت نيته هذه الليله بعدما أخبرته ناهد إنها ستعطيه الكثير من المال ولكن عليه أن يوصلها لمدينة الاسماعيليه

– الشيطان غواني ساعتها يا بيه، ست غنية وهربانه بشنطة فيها فلوس و دهب ، قولت هاخد اللي يساعدني واسيبلها الباقي

لم يتحكم رسلان بأعصابه، وانحني صوبه يلتقطه من عنقه

– كنت شايفها مش طبيعيه ومعاها ولد صغير، طبعاً ساعتها مفكرتش غير في الفلوس.. ابني ما….ت بسببكم

التمعت الدموع في عينيه وقد عاد الألم ينهش فؤاده.
سعل الرجل بشدة يُحاول مقاومته

– ليك حق يا بيه، ليك حق قلبك يو…جعك.. مو..تني لو هترتاح

غادر المشفى قاصداً ذلك المكان فماذا كانت تفعل خالته هناك، أخذه الفضول خاصة بعدما أعطته شقيقته زجاجة بها ماء وجدتها الخادمة في غرفة خالتهم ،
أخبرته شقيقته نادمة إنها استمعت من قبل لسعي خالته في أمور السحر حتى تفرقه عن ملك و يُحب أبنتها غير تلك الحقيقة المؤلمة التي افصـ,ـحت له عنها،
لقد وضعت خالته ملك في الملجأ ولكنها اعادتها بعد بضعة أيام.

– رسلان

فاق من شرو.ده على صوتها ينظر إليها يتذكر ما اباحت له عنه المشعو..ذة بعدما أخبرها بمكانته وقدرته على سحقها ،
خالته أتت لها حتى تجعله يكر…هها ويعيش على ذكرى أبنتها وحدها وألا يكون له ذرية منها.. الماء الذي أعطته لها في الزجاجة وكان سيُنثر فوق ملابسهم وفراشهم كان سيتم به عقد الصفقة مع الأسياد.

– رسلان، أنت أكيد افتكرت عزالدين

عادت تهتف اسمه تسأله بمرارة بعدما طالت نظراته نحوها،
خانتها دموعها رغم محاولتها المستميتة ألا تبكي أمامه بعدما اتفقوا أن يتعايشوا مع حدث.

حاول نفض رأسه من تلك الأفكار التي اقتحمته يرسم ابتسامته بصعوبة يمدّ كفيه نحو وجهها يمسح دموعها،ثم
ضمها إليه بقوة حتى توقفت عن البكاء

– سليم اقترح عليا نروح عمره، إيه رأيك

ابتعدت عنه غير مصدقة إقتراحه

– بجد يا رسلان

تسألت بأعين دامعة فكيف تجاهلت أمراً كهذا سيُنسيها هموم الدنيا وستطيب فيه روحها

– إحنا محتاجين ده يا ملك

اماءت برأسها مؤكده عائدة لحضـ,ـنه

– أنت عيلتي الوحيدة يا رسلان

اختفى كل شئ من حولهم بعد تلك العبارة، ينظر إليها بنظرة مشتاقة وجائعة.
عادت يديه لعبثهم يبثها شوقه يسألها بأنفاس لاهثة، ماذا كان سيحدث له إذا لم تكن من نصيبه

– مكنتش هحب ست غيرك مهما حصل

ضاعت مع جراءة لمساته ودفئ ذراعيه ولا تعرف متى وكيف اسقطها فوق الفراش يبثها من فيض مشاعره.

ارتخت أهدابها بعد تلك الليلة العاصفة، تشعر بلمساته الناعمة تتحرك فوق ذراعها يطبع بقـ,ـبلات مترفقة فوق رأسها.

احاطتها حاله من التخدر اللذيذ ولمساته مستمرة في السير بخفة فوق ذراعها .
شدّت جسدها نحو جسده، فداعبت ابتسامته خفيفة شفتيه وهو يرى جفونها ترتخي مستسلمة للنوم.

……..

قضى ليلته ساهداً يُدخن بشراهة يقبض على سياج سور الشرفة لا يُصدق تجاوبه معها يسمح لشفتيه في التقاط شفتيها.
لطم سور الشرفة بقوة فما الذي يسعى إليه جسده، فهل صار جسده راغبً بها

– كفاية تفكير بقى

تمتم بها حانقًا من أفكار عقله ، يلتف برأسه ينظر نحو شرفتها

– علاقتنا معروف نهايتها، ديه مجرد رغبه..أنا لازم ابعد كام يوم عن البيت، ده الحل الوحيد عشان ارجع اسيطر على نفسي
…..

فتحت عيناها على وسعهما لا تُصدق ما كانت تحلم به، إنها كانت بين ذراعيه يبثها بتلك المشاعر التي يعيشها الأزواج في علاقة كامله.

تدافقت الدماء في أوردتها ، فكيف خانتها أحلامها..

تسارعت أنفاسها وقد عاد الحلم يغزو مخيلتها بتفاصيله المخجلة، قبلاته تأوها باسمه تلك الحرارة التي سارت في أوصالها، يديه التي عرتها من ثوبها، وانفاسهم اللاهثة التي امتزجت من شدة توقهم.

أسرعت في وضع يديها فوق عينيها، تُحاول مسح تلك التفاصيل من أمامها وكأنها علقت في خيالها

– أكيد ده بسبب المسلسل، لكن ليه احلم بالتفاصيل ديه.. وإزاي احلم بيها

عضت فوق شفتيها من شدة خجلها وسرعان ما كانت تشعر بالألم فوق شفتيها

ضاقت عيناها في دهشة، فهل القبلات التي اغرقها بها في حلمها كانت حقيقيه لتشعر بذلك الألم الطفيف فوق شفتها السفلية.

أسرعت في الإعتدال من رقدتها تلطم جبهتها لا تستوعب وقاحة حلمها

– أكيد أنتِ اتجننتي يا بسمة، طول عمرك بتحلمي أحلام بريئة

احتلت الصدمة عيناها تنظر ليديها التي داعبت صدره، لم تجد إلا النهوض من فوق الفراش ووضع رأسها أسفل صنبور المياة, هو أسلم حل لها حتى تجعل عقلها ينسى حلمها المخجل.

اغرقت رأسها أسفل المياة.. تلتقط المنشفة تدفن داخلها رأسها لتُجفف المياة عنها

علقت عيناها بملامح وجهها, فرفعت يدها نحو شفتيها تتحسسهما ببطئ غارقة في ذلك الأحساس الذي خدرها..
لطمت وجهها بالمياة حتى تخرج عقلها من خيالته

– عمره ما شافك إلا أخت فتحي رد السجون، فبلاش تحلمي حلم مش بتاعك يا بسمه.. أنت هنا لسا معاه عشان هو قدملك فرصة هتساعدك تبني نفسك، أنسي أحلامك يا بسمة بالفستان والبوسة اللي بتنتهي بيها الأفلام بالنهايات السعيدة

خرجت من المرحاض وسرعان ما كانت تتسع حدقتيها تنظر حولها في ذهول تُحاول تذكر أخر شئ فعلته قبل أن تسقط غافية،
فهي غفت جوار الحاسوب دون غلقه
– معقول دادة سعاد هي اللي غطتني وقفلته وحطته على المكتب

…..

تلملمت فوق الفراش الواسع تبحث عنه جوارها، تحركت بيديها من الجهتين لتجد الفراش خالي..
حاولت طرد النعاس عن جفنيها المغلقين تفتح عيناها ببطئ بعدما استشعرت قوة الضوء الساقط عليها من الشرفة

– سليم

هتفت اسمه وهي تحك فروة رأسها بأحد أيديها وباليد الأخرى ثبتت الغطاء فوق جسدها تسمع صهيل الخيل،
فعلمت أين أختفى في هذه الساعة الباكرة

نهضت بتكاسل تلف الغطاء حولها، فقد أنتهت العطلة الصغيرة التي أراد منحها لكلاهما بعيدا عن اشغاله ومخاوفه التي تعلم إنها لن تنتهي مادام ابنته بعيده عنه

– كنتِ بتسألي نفسك إزاي راجل زي سليم النجار مهوس بيكِ ومش عايز يبعد عنك وبيدور على الوقت عشان يقضيه معاكِ، اه دلوقتي أنتِ اللي بتسألي نفسك عن الوقت اللي تكوني معاه فيه يا فتون

تسألت في تذمر وهي تغمض عيناها في حنق بعدما احرقها صابون الإستحمام، فقد ضاعت السحابة الوردية التي كانت تحيط حياتهم وليتها عاشتها بجميع تفاصيلها،
بل عاشتها وهي تظن أن ما عليها إلا لتشبع حاجته العزيزية كما كانت تفهم ونشأت..
فما يربط الازواج سوى تلك العلاقة لا غير.

جففت خصلاتها في عجالة، وارتدت ثوبها البسيط وصندلها الخفيف تهبط الدرج حتى تتجه إلى مكان وجوده.

توقفت مكانها وهي تراه يدلف المنزل بعدما استمعت لصوته وهو يخبر احد العمال المهتمين بالمزرعة إنه سيغادر بعد ساعه من الأن.

أصابها الإحباط، فلأول مرة تشعر إنه لها وحده دون قيود وتحكمات تُغلف حياتهم رغم تلك الذكريات المريرة التي عاشتها في هذا المكان الذي اتت إليه من قبل خادمة وخرجت منه ك الحسالة مطرودة.

ابتعلت غصتها في مرارة، تُحاول تطرد أي شعور يعيدها لأي نقطة بائسة..

– فتون هانم اللي قالت صحيني معاك نشوف شروق الشمس سوا

ضاقت عيناها بعدما اقترب منها يلثم خدها
– أنا

تسألت بعدما حاولت تذكر لحظة إعتراضها

– لا أنا، عموما هطلع اخد دش سريع ونمشي..

تخطاها قبل أن تعترض ولكنه عاد في هبوط تلك الدرجات القليلة التي صعدها يلثم ثغرها بقبـ,ـلة خاطفة

– حضرتلك الفطار في المطبخ، افطري لحد ما انزل

ارادت الحديث وإخباره عن رغبتها في قضاء اليوم هنا ولكن عاد يسكتها بقبـ,ـلته مرة أخرى.

– عايزك تقوليلي نجحت في البيبض بالبسطرمة وطبقت الطريقة صح ولا لاء

اسرع في صعود الدرجات فعلقت عيناها به في هيام ، فهي عالقة بحب هذا الرجل منذ أن كانت خادمته.

دلفت للمطبخ لتجد كل شئ مجهز فوق الطاولة لا تُصدق إنه فعل ذلك بنفسه, لأنها اكتشفت أن زوجها اعتاد على خدمة الأخرين له

تذوقت طعم البيض ولكن سرعان ما كانت تخرج اللقمة من فمها لشدة ملوحته

ارتشفت بضعة رشفات من كأس العصير بعدما مضغت شرائح الخيار التي قطعها بطريقة اعلمته إنه حاول من أجلها أن يجعل لها طعام الفطور مميز.

نظفت المطبخ بعجالة وصعدت للغرفة حتى ترتبها قبل رحيلهم مادام لن يبقوا سويعات أخرى.

توقفت نهاية الدرج تنظر نحو الطرقة المؤدية لغرفة الجد،
ولم تشعر بقدميها وهي تأخذها نحو الغرفة التي شهدت سقوط الجد في تلك الليلة التي اقتحم فيها حسن المنزل لسرقة تلك المجوهرات الخاصة بجدة سليم وكان الجد يحتفظ بها

لم يتغير شئ بالغرفة رغم التحديث الذي أحدثه سليم في بيت المزرعه، كل شئ كان مكانه وصورة الجد معلقة.

ارتجف جسدها وكأن رياح هذه الليلة عادت تقتحمها بكل تفاصيلها

– فتون

أجفلها صوته فانتفضت مفزوعة

– بتعملي إيه هنا

بصعوبة استدارت إليه تنظر إلى شعره الرطب بأنفاس تحاول إلتقاطها

– مش عارفه ليه رجلي اخدتني لهنا..

تجمدت ملامح سليم ، فحاولت إخراج بعض العبارات..
اجتذب ذراعها حتى يُخرجها من الغرفه يمسح فوق وجهه.

تعال رنين هاتفه الذي فتحه وهو يبحث عنها، ينظر نحو رقم السيدة ألفت وقد بدء هاتفه يصدر الكثير من الرسائل العالقة التي أتته ليلة أمس

– سليم بيه، خديجة هانم هنا

…….

استقبلتهم السيدة ألفت فور أن دلفوا للمنزل تشعر ببعض القلق على حال السيدة خديجة خاصة إنها منذ وقت قليل كانت لديها تسألها إذا ارادت أن تعد لها وجبة الافطار،
وجهها الشحوب ومحاولتها في إخراج صوتها جعلها تشعر بوجود خطب ما بها

– الهانم وصلت الفجر، انا كنت عندها فوق لكن شكلها تعبان

تصلب وجه سليم من شدة القلق، فعمته حينا تأتي لمصر يكون على علم مسبق منها

– سليم أنت قلقان كده ليه اكيد مجرد زيارة وحبت تعملها لينا مفاجأه

تمتمت بها فتون رغم التوتر الذي تشعر به لأنها ستلتقي ب خديجة النجار عمة زوجها تلك المرأة التي حينا التقت بها اشعرتها كم هي ضئيلة في كل شئ أمامها.

تحرك سليم نحو الدرج قاصداً غرفتها ولكن رنين هاتفه بتلك النغمة المخصصه جعله يتوقف ينظر لصورة صغيرته التي أضاءت على شاشة هاتفه

ابتعدت قليلاً حتى يُحادث صغيرته يسمع عتابها له عن عدم مهاتفته لها ليلاً

طالعته فتون بعينين لامعتين تتوهج توقً لتلك اللحظة التي ستحمل فيها احشائها طفلاً منه

– اطلعي يا بنتِ لخديجة هانم، أنتِ دلوقتي ست البيت

تمتمت بها السيدة ألفت بعدما اقتربت منها تومئ لها برأسها إنها عليها الترحيب بعمة زوجها وإتخاذ دور سيدة المنزل.

بتوتر صعدت فتون بعدما القت بنظرة أخيرة نحو سليم الذي انشغل في التبرير لصغيرته عن سبب عدم مهاتفته وأن العمه خديجة هنا وسيأتي لأخذها حتى ترحب بشبيهتها الكبرى وتقضي بضعة أيام معهم.

اختفى صوت سليم عن أذنيها وقد أصبحت أعلى الدرج تتجه نحو الغرفة التي اخبرتها عنها السيده ألفت عن وجودها فيها

ببضعة طرقات خافته طرقت الباب تنتظر سماع صوتها

– ادخلي يا مدام ألفت

تمتمت بها خديجة وهي منحنية، تضع بيدها فوق بطـ,ـنها من شدة الأ..لم.
دلفت فتون بقليل من الأرتباك تنظر نحوها وقد صد…مها مظهرها وذلك التعرق الذي يغطي جبهتها، لم تعرف فتون بما تُناديها او تتحدث ولكن صوت خديجة اخرجها من أفكارها

– فتون ممكن تشوفيلي أي مسكن قوي.. أ…لم فظيع في بطني هيمو…تني

تمتمت بها خديجة وقد ازداد انحنائها، تعصر أسفل بطنـ,ـها بقوة

– في دم بينزل
تمتت بها فتون بوجه شاحب، وقد افزعتها تلك الدماء التي بدأت تنساب فوق ساقيها وقد اظهر ثوبها القصير الأمر بوضوح

شحب وجه خديجة تنظر نحو ساقيها.. ترفع عيناها نحو فتون التي اقتربت منها وقد عادت تلك الذكرى الشنيعة لذاكرتها ومازال صوت تلك المرأة الحنون السيدة حسان يختر..ق مسمعها حينما رأت الد..ماء تُغرق ملابسها، بعدما اجهـ,ـضها حسن قاصدا الأمر بعد علا..قة عنـ,ـيفة.

انسحبت أنفاس فتون كما وقف سليم مكانه جامد الحركة
……..

توقفت عن تذوق الحلوى تنظر للسيدة سعاد بغرابه وهي تخبرها عن تعجبها الشديد لقرار السيد جسار المفاجئ ،
تتذكر تجاهله لها هذا الصباح وعدم الرد على تحيتها وإنهاءه لفطوره بعجالة بعد أن جلست على طاوله الإفطار معه

– أنا مستغربه ليه قرر يسافر البلد فجأة، عمك جميل بيقول مفيش مشاكل مع المزارعين.. يمكن يكون عايز يريح اعصابه شويه..

تمتمت السيدة سعاد بعباراتها ومازال الفضول يأخذها كعادتها

– مش كان اخدنا معاه نغير جو، ده أنا البلد وحشتني بناسها

تعجبت صمت بسمة وعدم مشاركتها الحديث

– تفتكري لو عملناها مفاجأه للسيد جسار وروحنا البلد هيفرح، إيه رأيك نشوف عمك جميل والسواق موجود ياخدنا هناك نقضي كام يوم.. أهل البلد وحشوني وعايزه اطمن على الحبايب

لم تنتظر السيدة سعاد سماع جوابها، فتركتها في صمتها واسرعت للخارج تقترح على العم جميل هذا الأمر

كل شئ نُفذ وكأنهم كانوا يُرتبون للأمر، فالسيدة سعاد تشتاق لأهل قريتها.
طالعت بسمة الطريق وقد عاد الحلم يطرق حصونها تُحاول فهم السبب الذي جعله يُعاملها هذا الصباح بجفاء.

شعرت ببعض الرجفة تنظر نحو الطريق ثم للسيدة سعاد

– داده هو أنا ممكن ارجع واستناكم في البيت، انا نسيت إني عندي مذاكرة.. وعندي حصه كمان بكره في المعهد

ضحك العم جميل كما ضحك السائق والسيدة سعاد وهم يروا عيناها العالقة بالطريق

– القرية هتنسيكِ كل حاجة وهتنبسطي هناك اوي يا بنتِ

تمتم بها العم جميل ثم اردف وقد طالع الطريق أمامه

– مش عايزه تشوفي البلد اللي اتولد فيها جوزك

الفصل الستون (2)
******

توقف عن السير تتملكه حاله من الضياع لا يستوعب حتى هذه اللحظة ما نطق به الطبيب قبل أن يتركه،
عمته حامل, كيف ومتى ومع من ولما أخفت عليه هذا الأمر وأخفت عن الجميع؟

تعالت أنفاسه يرفع كفه نحو عنقه يمسده، فعقله مازال لا يستوعب
اتجه نحو الجدار يلطمه، هل اخطأت عمته بعد هذا العمر مع رجلاً؟

فارت دمائه مع تلك الأحتمالات التي اقتحمت عقله ، إنه سيجن إذا ظل هكذا منتظر أن يفهم.

اقتربت منه فتون وقد عادت بعض الدماء لوجهها الشاحب، تلتقط كفه الذي لطم به الجدار..
تنظر مصدومه نحو اصابعه التي جُرحت من شدة لطمته، فهي حتى هذه اللحظه لا تعرف متى أصبحوا بالمشفى منتظرين بالخارج خروج الطبيب ليُخبرهم عن حالتها

– سليم أرجوك حاول تهدا ، اهم حاجه دلوقتي تكون هي بخير

جذب ذراعه عنها مبتعداً، فهو ليس بحالة تسمح له ليسمع أحد.
خرج الطبيب إليهم أخيراً.. فتعلقت عينين فتون به واسرعت نحوه في لهفة صادقة

– هي كويسة ، الطفل منزلش..

حاول الطبيب أن يخرج حديثه مُرتبًا وبوضوح حتى لا يُعلقوا أمالهم على هذا الطفل، فالحمل ضعيف خاصة بعد تلك الرحلة الجوية المضطربه التي أتت عليها ومع سنوات عمرها الخامسة والأربعون, لا يستطيع إلا قول إستعدادهم لفقد الجنين.. فقد فعل ما بوسعه ولكن الأمر أصبح متروك للساعات القادمة

– مقدرش اقولكم علقوا أمالكم على إستمرار الحمل، عمر خديجة هانم ميسمحش للحمل ويعتبر حدوثه من الحاجات اللي بتحصل بالصدفه.. اكيد فهمني طبعا يا سليم بيه

– يعني إيه ممكن ينزل، متخليهوش ينزل..

هتفت بها فتون تحملق ب سليم الذي خرج عن صمته أخيراً

– المهم هي عندي، مش مهم أي حاجه تانيه..

اماء له الطبيب متفهماً، فحملقت بهم فتون في صدمه

– أنت عايز الطفل ينزل يا سليم..

انسحب الطبيب من أمامهم تاركاً تلك المناقشات العائلية

– فتون خلي السواق يوصلك

طالعته في دهشة، فما الذي لا يُعجبه في حديثها.. هي ترغب من كل قلبها أن يبقى هذا الطفل، تلك السيدة التي اضاعت سنوات عمرها في السعي وراء نجاح أعمال العائلة فالوقت الذي كان هو فيه لا يهتم لا بحاله.

ابتعدت عنه تتأخد أحد المقاعد مكاناً للجلوس عليه رافضة إقتراحه الذي لم يُعجبها.

تجاهلت قراره متحاشية النظر إليه وسرعان ما عادت تُحملق به وهي تراه يسير من أمامها قاصداً المصعد

خرج من بوابة المشفى يشعر بحاجته القوية للتدخين، فلم يعد يطيق ألم رأسه

تحرك نحو احد المقاعد الخشبية وجلس شارداً لا يقوى على تصديق ما وصل إليه من قبل عن علاقة عمته بشقيق كاظم النعماني ، معلومة لم يُلقي لها بالًا.

…..

ضاقت عيناه، ينظر نحو العم الجميل القادم نحوه وقد تهللت أسارير الرجل الذي يقف معه سعيداً لرؤية صديقه هنا في البلدة وأسرع نحوه بعدما تمتت بكلمات معتذرة

– ده احنا النهاردة وكأن يومنا عيد، البيه وأنت مرة واحده هنا..

ضم العم جميل رفيقه وقد جمعهم العمل في أراضي السيد عبدالرحيم والد جسار رحمه الله

– أول ما عرفت أنا وسعاد إن البيه قرر يجي البلد، قولنا نحصله

هتف العم جميل بكلماته ينظر نحو رب عمله الواقف على بعد منه في عشم، فما فعلوه لن يغضبه

تحرك جسار نحو العم جميل، فاقترب منه هو الأخر

– أنت جيت إزاي ياعم جميل ومبلغتنيش ليه إن عايز تيجي كنت أخدتك معايا

اسرع العم جميل في إجابته سعيداً برؤيه نمو بعض المحاصيل وقد أنتجت ثمارها

– الست سعاد، فجأه لقيتها طالعالي من المطبخ تقولي نعملها ليك مفاجأه.. الحبايب وحشوها الظاهر فأخدتها حجة.. ما أنت عارف يا بيه مش بتحب تسيبك لوحدك.. تقول مين اللي هيأكله ويهتم بي

تمتم بها العم جميل،فلاحت شبه ابتسامة على شفتيه ولكن سرعان ما كان يتذكر ما صرفه عن عقله منذ ساعات، شاغلًا عقله بمشاكل المزارعين والمحاصيل

– حتى بسمة اتفاجأت بقرارنا، كانت عايزه ترجع وإحنا في نص الطريق.. لكان سعاد محدش يقدر يخالف قراراتها

ضحك الواقف جوارهم فهو اكثر من يعرف صفات سعاد، تلك المرأة التي جمع بينهم العمل هنا وأعدوها كشقيقة لهم

ارتسم فوق شفتي جسار الجمود، فهل هرب من وجودها ليصرف تفكيره عنها ويعود كما كان لا يراها إلا فتاة صغيرة يعطف عليها وقد علقتها ملك في رقبته كلما حادثته واخبرته مراراً عن المعاناه التي عاشتها بسمة

…..

أغلقت حاسوبها الشخصي بعدما انتهت ساعات عملها، حركت ظهرها للخلف قليلاً حتى تشعر ببعض الإسترخاء.. فقد بات كل شئ مرهق لها ولكن هذا ما اختارته، أن تُهلك نفسها في العمل حتى تنسى ما عاشته وما تعيشه عائلتها.

المنزل أصبح كئيب، والدها أصبح في قلق دائم بسبب إحتمالية عزله من منصبه كوزير و والدتها مازالت لا تتحدث.. وانعزلت عن الجميع وقد وجدت في عزلتها راحة لها.

رسلان و ملك قرروا البعد عنهم ولا تستطيع لومهم على قرارهم، فقد عانوا كثيراً

عادت لوضيعتها السابقة تدفن رأسها بين راحتي كفيها قبل أن تنهض, ف أمامها طريق طويل من الاسكندريه إلى القاهره، وقد اعتادت عليه بعدما أعطاها صديقها هذا العرض لتعمل معه، فلا بأس أن تأتي ثلاثة أيام بالأسبوع لا غير فعملهم لا يحتاج للوجود الدائم فالحاسوب هو وحده رفيقهم في عملهم.

بضعة طرقات اخرجتها من شرودها لترفع رأسها تنظر نحو الوافد ولم يكن إلا حسام رفيقها منذ أن كانوا زملاء بالجامعه وأصبح الأن رئيسها بالعمل

– قولت اجي بنفسي اقولك الخبر اللي واثق إنه هيفرحك.. التطبيق عجب الشركة جداً، وبدأت بالفعل تشغله على أجهزتها

التمعت عينين ميادة بسعادة ونهضت من فوق مقعدها

– إنضمامك لينا يا ملك عمل فرق قوي معانا

ازدادت سعادتها وهي تستمع لمديحه، فالبعض يشعر بالحنق لاعطائها مميزات لم يحصلوا عليها

– بالعكس يا حسام وجودي معاكم رجعني تاني لشغفي وحبي للبرمجة، ده غير طبعا إرشادتك ونصايحك ليا

– نصايح مين يا بشمهندسه، إحنا اللي بنتعلم منك.. وبنستغل خبرتك ودراستك

خطفت ابتسامتها الخجوله فؤاده كما كانت تخطفها من قبل وهم مجرد زملاء بالجامعه

– وعشان شراء التطبيق والنجاح اللي إنضاف لشركتنا.. انا عازم الفريق كله وطبعا أنتِ على رأسهم.. العزومة معمولة على شرفك

ارادت الأعتراض لكنه لم يمنحها الفرصه

– مقدرش اعتذر من القوم اللي مستنين بره دول بيستنوا أي لحظه زي ديه مادام العزومة على حسابي

شعرت ملك بالحرج فقد تم ترتيب كل شئ وتحمس الجميع، اماءت برأسها فما عليها إلا الموافقه حتى تندمج مع زملائها بالخارج

– هكلمهم في البيت أبلغهم إني هتأخر

حرك رأسه متفهماً واستدار بجسده مغادراً لكنه توقف مكانه متذكراً ذلك الطلب الذي طلبته منه من قبل

– أنتِ كنتِ طلبتي مني شغل لقريبه ليكي عايشه هنا، أنا محتاج حد يساعد مدام نوال في الأمور الإدارية

…..

جمع بعض الأوراق الهامة مُعطياً أوامره لنائبه أن يتولى أمور العمل ومراسلته أول بأول كالعادة

– بشمهندس أمير هيرجع من سفرية الصين على مصر، كل حاجه تحت إدارتك يا فادي

حرك الواقف رأسه كما حركت سكرتيرته رأسها بعدما ألقى عليها بعض أوامره

تحرك لجراج المبنى الذي تحتل فيه شركته طابقين، يشعر بالضيق لأتخذه هذا القرار ولكن عليه العودة بعد رحيل خديجة وقد عرف من مصادره إنها سافرت بعد رحلة شقيقه وكأنها كنت متخذه قرارها من قبل.

– ديما طيشك أنا اللي متحمله يا أمير، واحد زي سليم النجار هيقبل بيك إزاي وهيصدقك إنك بتحب عمته

صعد سيارته يتمتم عباراته حانقاً، هو حتى هذه اللحظة حينا يفكر في الأمر يصعب عليه تخيل تلك العلاقة التي جمعت بين شقيقه وأمرأه كخديجة النجار حتى لو كانت علاقه شرعيه موثقة بعقد زواج.

ارتفع رنين هاتفه، ينظر لرقم المتصل وعلى ما يبدوا أن جنات تجهزت وتنتظره

– أنا جهزت يا كاظم، أنا حضرت اسماء كل الأماكن اللي عايزه أشوفها

جنات تظن إنه سيصطحبها لنزهة ترفيهية، لم تمهله فرصه للتوضيح؛ فأخذت تخبره عن الأماكن التي تُريد رؤيتها

– اعمل حسابك هنقضي اليوم كله بره وتبسطني وتبطل تكشير، انسى إنك كاظم النعماني

– جنات ممكن تسكتي شويه وتخليني اتكلم

– لا سيبني أنا أتكلم أنا مبتكلمش طول اليوم مع حد وفتون بقت مشغوله عني واحمس إظاهر البنت اللي معجب بيها شاغله وقته.. أنا عماله احذره واقوله ابعد عنها.. ديه عمها حازم صاحب سليم وشريكه في مؤسسة المحاماه

قصت له عن حكاية أحمس مع الفتاة التي اجتذبته أنظاره ذلك اليوم الذي أتت فيه المؤسسه ورأها في مكتب السيد حازم وعلم بعد ذلك إنه عمها.

زفر أنفاسه بأرهاق لا يُصدق أن معاشرة النساء هذه نتائجها.

تركها تحكي له عن تلك التفاصيل التي لا علاقه له بها.. حتى توقف أمام البناية الراقية التي يقطنون فيها وترجل من سيارته.

جنات كانت مندمجة بشدة في ثرثرتها حتى توقفت أخيراً عن الحديث تزفر أنفاسها بتعب تسأله

– كاظم أنت ساكت ليه، مترديش عليا ليه وتقولي إن رأي صح ولازم احمس يقتنع برأي بدل ما يحبها ويتجرح

ابعدت الهاتف عنها بعدما ظنت أن تكون المكالمة قد أغلقت، ولكن الخط كان مفتوح ولكن أين هو لما لا يُجيب عليها؟

– خلصتي كل حاجه نفسك تقوليها يا جنات ولا نقعد نكمل حكاية احمس وصاحبته الجديده

أجفلها صوته، فانتفضت مفزوعه تلتف إليه حانقة من فزعه الدائم لها

– أنا لو جاتلي ساكته قلبيه هيكون بسببك، انا عارفه إنك عايز تمو.تني يا كاظم وترتاح مني

وبعدما انتهت الثرثرة في حديث لم يكن من شأنه سماعه.. أنفـ,ـجرت بالبكاء

– جنات أنا حقيقي مبقتش فاهمك، أنتِ لو قصده ترجعيني اكره الستات من تاني مش هتعملي كده وهتكوني ديه معاناتي بتاعت كل يوم

– أنا صعبا…نه عليا نفسي أوي

تجهمت ملامحه يفرك عنقه بقوة وضجر فلا وقت لديه، فعليه الذهاب بها إلى طبيبتها أولا ثم يتجهزوا لرحلة العودة حيث كل المشاكل التي عليه حلها مع سليم النجار عندما يصبح أمر زواج شقيقه وعمته علنياً

– صعبانه عليكِ نفسك ليه يا حببتي

قربها منه يضمها إليه يُهدئها كما يُهدء الصغار

– مش عارفه

ازدادت ملامحه تجهماً ينظر إليها بغيظ

– كاظم أنت غيرت ريحة البرفان

ازداد غيظه فهي تغير حديثهم من نقطه لنقطه، تجعله يصل إلى أقصى ذروة من الغضب ثم يعود ويهدء ويبرر لها سبب أفعالها،
جنات من النساء اللاتي الأفضل لهن إشغالهم بشئ، لكن تجعلها متفرغة تصبح بهذا المزاج الذي بدء يفقده صوابه فهو ليس لديه قدرة لتحمل تقلبات النساء ولولا محاولته لتحسين علاقتهم ورغبته في إبقائها جواره لن يتحمل تلك التقلبات

– أنا بقيت احط البرفان في العربيه،اعمل أكتر من كده إيه

– لا ديه ريحتها جميله اوي

اقتربت منه تشمه كالقطه، فارتفع حاجبه في ذهول.. فمنذ لحظات كانت تبكي

– كاظم
همهمت وهي تضم نفسها إليه، فتنهد بحيرة من هذا الجنون الذي أصبح يُغلف حياتهم

– كاظم لأول مره ميكونش فاهم حاجه

اجتذبته من عنقه، فازدادت دهشته، تشّب فوق أطراف أصابع قدميها

– هو أنت ليه مبتقولش ليا كلام حلو، مش المفروض إحنا في فترة أنت بتحاول تصالحني وتراضيني وأنا أتدلل عليك

لم يتحمل كل هذا الجنون ورغماً عنه أنفجر ضاحكاً

– لما نرجع من عند الدكتوره هبقى أصالحك في الكام الساعه الفاضين قبل ميعاد الطيارة

ابتعدت عنه بعدما الجمها ما يُخبرها به

– إحنا رجعين مصر

…..

أسرعت السيدة سعاد نحوه فور أن دلف من باب المنزل

– كده كنت عايز تبات كام يوم هنا من غير ما حد ينضفلك البيت

قربها منه يقبل رأسها، فهذه المرأة افنت شبابها في خدمة عائلته ورعايته

– كنت هجيب حد ينضف البيت يا داده

لم يعجبها الحديث فلوت شفتيها متذمرة

– وكنت هتلاقي حد ينضف البيت كده ولا يعملك أكله حلوه زي أنا وبسمه

تجمدت عيناه وقد تلاشى إنبساط ملامحه

– داده أنا خلصت كل حاجه قولتي عليها

التفت نحوها السيدة سعاد تُطالعها بنظرة راضيه

– والله أنا مش عارفه يا بسمه لما تبعدي عنا وياخدك ابن الحلال اللي يستهلك هعمل إيه

نظراته الجامدة حملقت بها بعدما حاول تجاهل وجودها، فشعرت بالتوتر من نظراته واطرقت رأسها

– كل وقت ولي أوان يا داده

اقتربت منها السيدة سعاده وكادت أن تتحدث عن ذلك المُعلم الذي يُدرس لها في المعهد حيث تأخذ دوراتها

– لا أنا قلبي حاسس مش هتعدي السنه ديه إلا وهتلاقي اسمه إيه بيخبط علينا

قتمت عينين جسار فما الذي تتحدث عنه السيدة سعاد بهذه الثقه

أسرعت بسمه في تغير الحديث تتحاشى النظر نحوه، فالسيدة سعاد من بضعة نظرات حكت لها عنها افترضتها بدايه لقصة حب ستنتهي بالزواج، ألا ترى إنها ليست جميله لتجتذب أنظار الرجال لها

– داده جسار بيه شكله جعان، خلينا نحضر الأكل

انصرفت بسمة من أمامهم بعجالة، فرمقتها السيدة سعاد ضاحكة

– شكلها أتكسفت منك

ازداد جمود جسار وهو يشعر أن هناك ما يُخفى عنه

– في حد دخل حياتها

تسأل بغضب لا يفسره إلا إنها لا تحترم فترة زواجهم المؤقته ، فطالعته السيدة سعاد بابتسامة واسعه

– اصل المُدرس اللي بيدرسلها في المعهد عينه منها، الحمد لله كده قلبي هيطمن عليها بعد ما تطلقها وتشوف حياتك.. واه تروح لراجل يضلل عليها.. كلاب السكك كتير يا بني لكن خايفه لمحدش يفهم بعد كده إن جوازك منها فترة مؤقته وإنها يعني…

شعرت السيدة بالحرج من ثرثرتها وحديثها في أمور لم تحدث بعد

رمقته السيدة سعاد بحيرة بعدما ابتعد عنها وقصد غرفته صاعداً لأعلى، يتسأل داخله
أكانت تحلم بهذا الرجل الذي يُدرس لها وبهذه السرعه أجتذبت أنظاره إليها

…..

ابتسمت خديجة بوهن بعدما فاقت أخيراً وبدأت تنتبه على ما حولها، مدّت يدها بصعوبه نحو فتون تُشجعها على الأقتراب منها

أسرعت فتون نحوها تمسك يدها مبتسمه بسعاده إنها فاقت أخيراً ولم تفقد الجنين رغم أن الطبيب مازال يتوقع حدوث هذا الأمر

– نزل مش كده

حركت فتون رأسها، ترى اللهفة في عينيها على سماع تلك العبارة

– لا منزلش، إن شاء الله مش هينزل.. مش أنتِ عايزاه

تسألت فتون ورغماً عنها ولمعت عيناها بدموع لا تعرف سببها

بحركة خفيفه حركت خديجة رأسها، ثم اغمضت عيناها متسائله

– فين سليم

لم تعرف بما تُجيبها، فشعرت بالتوتر..

– مش عايز يشوفني، عمري ما خبيت حاجه عنه.. تعرفي زمان كان بيجيبلي هو العرسان ويقنعني عشان أتجوز

– هو مصدوم شويه، لكن سليم حنين ومتفهم

فتحت خديجة عينيها تُطالعها بوجه شاحب

– لكنه مش هيوافق على أمير ولا الناس هتوافق عليه

تجمد مكانه يحملق بالجدار أمامه متراجعاً بخطوات متعثرة، فهل تأكد من شكوكه للتو.. شقيق كاظم ذلك الذي لا يعده رجلا بل مجرد شخص بلا نفع يركض وراء النساء ولديه سجل حافل من النزوات.

تحرك من أمام الغرفه مبتعداً لا يُصدق أن عمته بعد هذا العمر تقع في غرام شاب لا يراه إلا طامعاً بها بل وحامل منه.

……

ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتي مسعد وهو يراها تُحدق بهاتفه بعدما تمكنت من التقاط الرمز منه.

هي بالفعل أمرأة ذكية يُريد التصفيق لها، ولكن أفعالها باتت مكشوفه له، تظنه احمق مازال يلهث نحو جسدها ولكنه ضجر منها, ولكن لا بأس أن تظل بحياته قليلاً هذه المتلاعبة

– كنتِ قولتيلي وأنا أفتحه ليكِ

تجمدت يدها فوق الهاتف بعدما أجفلها صوته، تشعر بالصدمة لأنه لم يغلق صوت المياة وكأنه فعلها قاصداً

ببطئ استدارت نحوه تزدرد لعابها تبحث عن كذبه سريعه

– بدور وراك عشان بدأت أشك فيك يا مسعد، حاسه إن في ست تانيه في حياتك

واسرعت في الأقتراب منه تجذبه إليها تُقبل شفتيه حتى تثيره.
ابعدها عنه فليس لديه وقت لما تُريده.. يمسح فوق شفتيه يرمقها ساخراً من كذبتها

– هي ست واحده عايزها حتى لو ليله واحده ، وأنتِ اللي هتساعديني ف ده.. بدل ما تدفعي تمن خيانتك ليا

احتلت الصدمه ملامحها تنظر إليه تُحاول ابتلاع لعابها

– أنا اخونك يا مسعد
داعب خدها بكفه يرمقها بنظرة اخبرتها إنه كشف امر تلاعبها مع شريكه وتلك العلاقة التي نشأت بينهم

– اختارتي الشخص الغلط اللي تلعبي عليه يا دينا، أنا اه ابان راجل مغفل لكن أنتوا المغفلين يا حببتي

ارتسم الرعب فوق ملامحها، فتراجعت للخلف

– تنفذي اللي هطلبه منك بالحرف الواحد

– أنت عايز مرات سليم النجار، عايزه الخدامه

اتسعت ابتسامة مسعد يصفق لها على ذكائها

– عايزها زي ما هما الاتنين خدوا حقهم منها

…..

وضعت بيدها فوق بطنها من شدة الجوع، فلم تعد تستيطع النوم.
حكت رأسها بتردد، ليتها تناولت الطعام قبل صعودها دون أن تتحجج بحاجتها للنوم لكنه هو من أجبرها، فكيف كانت ستبتلع الطعام وهي تراه لا يطيق وجودها هنا.

– بكره تبعدي عن حياته يا بسمه ويكون ليكِ حياة تانيه محدش يشوفك فيها قليله ولا دخيله على حياته، لازم تفوقي وتعرفي إنك لازم تستغني عن كل حلم هيضعفك

نهضت من فوق الفراش، ترتدي خُفها الخفيف تجذب حجابها لتضعه فوق ذراعيها لتُغطي ما يُعريه ثوب نومها.

بخطوات خفيفه تحركت فوق الدرج، المنزل كان معتم بعض الشئ فالكل نائم, وها هي تقف تبحث عن طعام يسد جوعها.

البراد الذي كان خالي من الطعام قد امتلئ بالطبع قد أعطى اوامره لاحد رجاله ليجلب الطعام.

هكذا وقفت بسمه تُحادث نفسها ورغماً عنها ارادت تقليد نبرته الخشنه وحديثه المقتضب بصوت ساخر

– لا كلوا أنتوا هبقى أكل بعدين

– ولما أنتِ جعانة رفضتي لي تاكلي

تجمدت في حركتها تمضغ لقمه الطعام بصعوبه، فهل ما تسمعه صوته

– ماظنش صوتي سئ بالطريقه ديه

بصعوبه استدارت صوبه، تُحاول إخفاء ربكتها وفزعها

– كويس إنك صاحيه، عايز افهم منك إيه حكايه المُحاضر اللي بيبص ليكِ بنظرات إعجاب

ظن حاله إنه يسأل من باب الفضول ولكن كان هناك شئ أخر يدفعه.
تعجبت من سؤاله تطالعه في دهشة تمضغ بقية اللقمة، فانحشرت في حلقها.

سُعلت بشدة وقد احمرت وجنتيها من شدة السعال

أصابه الفزع وهو يراها تسعل ولا تتحكم في إلتقاط أنفاسها، أسرع نحو كأس الماء يملئه، ويدفعه إليها حتى ترتشف منه

سقط غطاء الرأس الذي كانت تلفه حول ذراعيها، تشعر بيده وهو يُحاول الربت فوق ظهرها حتى يهدء السعال

هدأ السعال تنظر إليه، مبتعده عنه بعدما ألتقطت أنفاسها أخيراً

– الحمدلله، كنت حاسه إن روحي كانت هتروح مني

حاول أن يستجمع نفسه من ذلك الشعور الذي شعر به يعطيها كأس الماء ثانية حتى ترتشف منه.

ارتشفت بضعة قطرات وارخت اهدابها قليلاً تحاول التنفس ببطئ.

انتبهت على سقوط غطاء رأسها اسفلها، فاسرعت بالأنحناء تلتقطه حتى تُسرع صاعده لغرفتها.
نظراته رغما عنه تحركت معها، وقد كشف الثوب على بضعة تفاصيل من جسدها

الأمر بدء يتعدي الرغبة، ما الذي يراه فتنه في أشياء رأها من قبل في أجساد النساء.

أسرعت في وضع غطاء الرأس فوق ذراعيها بأحكام، وتحركت من أمامه ولكن يده كانت الأسرع في جذبها يعيد سؤاله الذي ظنته نساه

– إيه حكاية المُحاضر، داده سعاد مش هتقول كلام من فراغ.. متنسيش إنك مراتي مهما كان جوازنا.. إحنا أتفقنا على الأحترام

نفضت ذراعه عنها تشعر بالإهانة من طريقته التي يُحادثها بها

– مافيش حاجه، داده سعاد بتفترض حاجات من نفسها.. ولو حتى بقى في حاجه بيني وبين أي شخص أنا حره

القت عبارتها الأخيرة بأنفاس متسارعه، فهل يظن بها السوء

عاد لجذب ذراعها، يدفعه نحو سطح الطاولة

– متعودتش أسأل عن حاجه وماخدش إجابة

– جسار بيه مش شايف إنك بتدخل في خصوصياتي، ولو سامحت عايزه انام مينفعش وجودنا مع بعض كده.. لو سامحت ابعد

حاولت دفعه عنها ولكن الأمر سلك طريقًا أخر.. هو يُريد معرفة مذاق تلك القبـ,ـلة مرة أخرى.

الفصل الواحد والستون
********

تسارعت أنفاسها حتى اللهاث بعدما دفعته عنها بقوة تنظر إليه وهي تُحاول إلتقاط أنفاسها.

علقت عيناه بها لا يُصدق فعلته يشعر بالصدمة من حاله، شفتيها كانت خير دليل لقبلته العنيفة وما عراه من كتفيها
هربت عيناه عن جريمته، فما الذي كان يُريده..

ابتلع خزيه يرفع كفه نحو عنقه يمسده بتوتر يراها وهي تتقهقر

– بسمه.. أنا

خرجت نبرة صوته متذبذة يُحاول جاهداً ترتيب الكلمات فما عساه أن يقول ويُفسر، فالتفسير بات واضحًا هو أصبح ضعيفًا، أصبح يراها في صورة لم يظن يوماً سيراها فيها
بسمة حالة يُساعدها ويعطف عليها ، أمرأة لا تناسب حياته الأجتماعية ولا حتى سنوات عمره، تزوجها بعدما خانه لسانه في ذلة منه أمام طليقته

– بسمة أنا مش عارف عملت كده إزاي

خرجت الكلمات من شفتيه مبعثرة وعادت عيناه تسقط فوق شفتيها.
اقترب منها بخطوات متوترة يُريد توضيح الأمر لها وقد اوجعته نظراتها.

توقف مكانه في صدمة بعدما سقط كف يدها على خده ينظر لأثرها بعينين جامدتين.

في الصباح الباكر، وقفت السيدة سعاد بالمطبخ بملامح مشرقة تعد طعام الفطور, تُرتب داخل عقلها قائمة الأهل والأحباب ومن عليها زيارتهم، لقد اشتاقت لأهل البلد وأحبابها

– متعمليش حساب جسار بيه لأنه رجع اسكندرية

قطبت السيدة سعاد حاجبيها بعدما تركت تلك المعلقة التي كادت أن تُخرج بها الزبدة

– رجع اسكندرية إزاي، هو قال هنقعد يومين..

– هو أنا هضحك عليكي يا سعاد، أنا زيك استغربت لما سمعت صوت العربية

ازدادت حيرة السيدة سعاد؛ فاسرعت تبحث عن هاتفها حتى تهاتفه وقد أصابها القلق.

طالعها العم جميل يطرق كفيه ببعضهم وكأنها مازالت لا تُصدقه

– أكيد جاله اتصال مهم، بلاش تزعجيه زمانه على الطريق

دلفت بسمة الغرفة تُدلك عينيها ولم تذق طعم النوم ليلة أمس تتسأل بعينين شبه مغلقتين

– دادة ملاقيش معاكي أي مسكن للصداع

– مالك يا بسمة يا بنتِ

تمتم بها العم جميل بعدما استدار نحو بسمه في قلق

– أيوة يا بني، هو حصل حاجة خليتك ترجع اسكندريه فجأه.. مش قولت هنقعد يومين

استرخت ملامح السيدة سعاد قليلًا تستمع له وتُحرك رأسها في تفهم وكأنه يراها

تراجعت بسمة للخلف وقد صدمها ما سمعته، لقد غادر المزرعة في الصباح الباكر.. والسبب واضح لها وحدها.

غادرت المطبخ تاركة العم جميل منشغلًا في البحث لها عن مسكن لألم رأسها

غشت عينيها الدموع، تلطم موضع قلبها

– ليه لحد دلوقتي متعشم في حبه، ليه عايز تتحب من راجل قاسي.. شايفك متساوش شئ.. اصحى بقى وافهم إنك غبي بتدور على اللي يوجعك

كتمت صوت نحيبها بأعجوبة تهز رأسها رافضة ، هو لم يقبـ,ـلها إلا كما يرغب الرجل بعاهرته إنها لا تختلف عنهن

– مش هتشفي من مرض حبه غير لو بعدتي عنه يا بسمه ، اوعي تكذ…بي على نفسك أنتِ بتحبي.. اتو….همتي بالحكايات وافتكرتي إنه ممكن يحبك

…….

اندفع سليم لداخل غرفته بعدما تعالا صوته يأمر تلك التي نهضت عن مكتبها تُخبره أن السيد كاظم أعطى أوامره ان لا يدلف إليه أحداً ولا ترسل له مكالماتً حتى لو كانت هامة.

أجفل كاظم من دخول سليم بتلك الطريقة الهوجاء وقد صدمه ذلك الوعيد الذي يراها في عينيه

– قول لسكرتيرتك تطلع بره المكتب خالص ولا حابب كلامنا يوصل لموظفينك

ابتعد كاظم عن مكتبه مشيراً لتلك الوافقة في ذهول من صفاقته، فهي تعاملت مع سليم النجار مرات عدة من قبل ولكنها لأول مرة تكتشف هذا الجانب الفظ من شخصيته.

نفذت الوافقة الأوامر تسحب حقيبتها من فوق سطح مكتبها، فعليها تنفيذ الأوامر دون أسئلة

– سليم لازم نتكلم بهدوء وعقل لأن اللي حصل حصل خلاص وخديجة وأمير متجوزين فعلاً مش مجرد علاقة عابرة

– فين أخوك الصايع يا كاظم

تجاهل سليم حديثه غير عابئ بشئ، لا يرى أمامه إلا صورة عمته في أحد نساءه اللاتي تزوجهم سراً

– كنت عارف بعلاقتهم يا كاظم والوضع طبعا كان عجبك

تصلبت ملامح كاظم في صدمه، فما هذا الهراء الذي يتحدث به

– أنت واعي لكلامك يا سليم، سليم أنا مقدر صدمتك لأني زيك كنت مصدوم لما عرفت بجوازهم..

– أخوك لو منزلش مصر في ظرف يومين أنا هعرف كويس اجيبه

طالعه كاظم في ذهول، فقد رحل ناهياً الحوار دون أن يستمع إليه .. هو مثله لا يرى تلك الزيجة مناسبه لكليهما ولكن ماذا عساه أن يفعل وقد أجبره شقيقه على تقبل الأمر

……

جلست فتون فوق الفراش بعدما عادت من المشفى حتى تزيل عنها ملابس أمس، زفرت أنفاسها بأرهاق تُحاول إستيعاب ما حدث.. فرغم وضوح كل شئ إلا إنها مازالت لا تُصدق.

اخرجها رنين هاتفها عن شرودها.. فالتقطته دون أن تنتبه على رقم المتصل

– فتون

تمتمت بها جنات وقبل أن تخبرها جنات عن عودتها كان صوت أحمس يتعالا بحماس فقد أتت الكبيرة خاصتهم ولكنها لم تأتي لهم بهدايا

– سمع الجيران كمان يا أحمس واقولهم إن جنات رجعت من غير هدايا

التقط أحمس الهاتف منها متجاهلاً تبريراتها

– شوفتي يا فتون وأنا اللي كنت متحمس اشوف الهدايا اللي هتغرقني بيها… سافرت إيطاليا ورجعالنا ايديها فاضيه لا وجاية تتغدا عندنا وخالتك صباح بتعملها كل الأكل اللي بتحبه وشيلاها على كفوف الراحه وبتدلع فيها

حاولت فتون إستيعاب ما تسمعه

– هي جنات رجعت مصر

– لا تعالي يا جنات كلمي فتون لأني حاسس بضيق نفس

صدحت ضحكات جنات لا تُصدق أن فتون حتى هذه اللحظة تظن إنها تتوهم

– أنا عارفه إني كنت وحشاكم يا جماعه اوعدك مش هسافر تاني.. اصل كاظم ده محدش يسافر معاه

تمتمت بها جنات بمزاح, تنظر نحو أحمس الذي التوت شفتيه تهكماً نافياً لها برأسه إنهم لم يشتاقوا لها لهذا الحد

– جنات أنتِ تعرفي بجواز خديجة من أمير

طال صمت جنات فلم تفسره فتون إلا إن صديقتها كانت تعلم ولم تُخبرها

– سليم أفتكر إني كنت عارفه يا جنات ومخبيه عليه

– أنتِ تقصدي إيه.. إنه اتهمك إنك على علم بجواز عمته.. فتون صدقيني أنا مكنتش عارفة حاجه أنا كان عندي شكوك لكن مكنتش متأكده حتى كاظم كان جواه مجرد شكوك

توقفت جنات عن الحديث تلتقط أنفاسها تنتظر سماع رد فتون

– سليم فاكر إنه لعب بعمته وضحك عليها

– هو مين يقدر يلعب على خديجة النجار يا فتون، خديجة النجار ست ذكية جداً..

– خديجة حامل يا جنات

هوت جنات فوق المقعد الخشبي الذي وقفت تستند عليه للحظات وقد الجمها ما سمعته

– خديجة حامل..!

زفرة طويلة خرجت من شفتي فتون ومازالت تلك اللحظات تخترق عقلها

– الجنين وضعه مش مستقر يعني ممكن في أي لحظه تفقد الطفل..

توقف الحديث على طرفي شفتيهم،فأخذت جنات تُدلك جانب عنقها

– فتون.. أمير بيحب خديجة ولو عرف بموضوع الطفل مش هيسكت غير إنه ميعرفش لحد دلوقتي إن خديجة نزلت مصر.. كاظم قايله إنها في رحلة عمل حتى مديرة مكتبها بلغته بكده .. خديجة لازم تقرر وتواجه واوعي تقوليلي المجتمع زي ما اتزرع في عقلك زمان

– أنا عايزه الطفل يعيش يا جنات..أنتِ مشوفتيش خوفها لما عرفت إنها حامل، حملها كان صدمه لينا كلنا حتى هي لكنها دلوقتي متعلقه بالأمل

– أنا مش هبلغ كاظم بأي حاجة عرفتها منك.. خليني نسيب صاحبة الشأن تقرر هي عايزه إيه

حركت فتون رأسها بتأكيد ترفع كفها نحو جبينها تمسده

– فتون خليكي جانبها.. وياريت سليم يفتكر إنه اتجوز شهيره وهي اكبر منه وخلف منها كمان.. المفروض يكون أكتر واحد داعم لعمته..

بترت جنات بقية حديثها حانقة من تلك التهمة التي الصقها سليم بصديقتها.. فما دخل فتون بغضبه ليُخبرها إنها كانت على علم بأمر علاقة عمته بشقيق زوجها

…….

– مش هتعرفينا على الحلوه اللي معاكي يا ست سعاد

طالعت سعاد بسمه بابتسامة واسعة تُقربها من إحدى نساء البلدة

– الحلوه ديه قريبة جسار بيه، ديه خالتك فوزيه يا بسمه صديقه عزيزه وغاليه

اقتربت بسمه من المرأة بتوتر؛ فاسرعت في احتضـ,ـانها مرحبة

– اهلا يا حببتي، نورتي البلد.. شكلك قريبة البيه من أهل الست فاطمه

تصلب جسد بسمة في حضـ,ـن المرأة تومئ برأسها.. فما عساها أن تفعل إلا ذلك، فهى بين هذه العائلة لا محل لها من الإعراب إلا كلمة فارغة توضع لتُجمل الجملة.

تلاقت عيناها بعينين السيدة سعاد، فقد ازدادت أسئلة صديقتها بفضول

– مالك يا فوزية.. شغاله سين وجيم في البنت, أنتِ مش هضيفينا ولا إيه

شهقت السيدة فوزية تلطم صدرها.. فكيف تناست أصول الضيافه

– اخص عليا صحيح، أنتِ عرفاني يا سعاد بنسى نفسي مع الحبايب.. أنتوا هتتغدوا معايا النهارده

رحلت السيدة فوزية وهي تُنادي على زوجة ابنها حتى ترحب بصديقتها الغالية

– دادة سعاد خليني أمشي أنا.. دلوقتي الكل هيجي يسلم عليكي وهيفضلوا يسألوا أنا مين..

استرخت السيدة سعاد في جلستها تنتظر الأحباب تزفر أنفاسها بحنين للذكريات

– أهل البلد كانوا وحشني أوي

– يا داده خليني أمشي، وخليكي أنتِ مع حبايبك وأهلك..

انتبهت سعاد اخيراً على ملامح بسمه القلقه، فقد انستها فرحتها بملاقات الأهل أمر بسمه ولكن لماذا هى قلقة وقد اتفقوا على كل شئ قبل مجيئهم

– أنتِ أعملي بس زي ما اتفقنا يا بسمه ومترديش غير على قد السؤال

توقفت السيدة سعاد عن الحديث وهي ترى دلوف الوافدين وقد تعالت أصوات الترحيب

طالت الجلسة التي شعرت فيها بسمة بالألفة وانبسطت ملامحها ولكن كل شئ اختفى وقد أصم الحديث أذنيها

– هو البيه مش ناوي يتجوز تاني يا ست سعاد

والسيدة سعاد تُجيب عليهم، بل وتصف لهم العروس المرتقبة.. ومواصفات العروس لا تنطبق إلا على واحدة، واحدة تعلم تماما إنها من تناسبه.

……

اغمضت عيناها تُقاوم ذلك الشعور الذي احتلها فور أن انفردت بحالها، لقد عادت تلك الأحلام تحتل فؤادها..

– حتى الحلم ده صعب يا بسمه، أنا مكنتش عايزه راجل من الأساطير أنا كنت عايز راجل يحبني، يشوفني كبيره في عينه

زفرت أنفاسها تستمع لصوت عقلها، يخبرها بالحقيقة الموجعة

– لكن أنتِ حبتي راجل مش ليكي يا بسمه، حلمتي حلم مش من حقك.. اوعي تكذبي على نفسك أنتِ مش عارفه تتحرري من حبه.. ولا هتتحرري طول ما أنتِ عايشه معاه.. هيفضل الأمل يكبر جواكي…

توقف الحديث على طرفي شفتيها تتذكر ما تظنه كان حلماً تلمس شفتيها في شرود فكيف لها أن تنسى تلك القـ,ـبلة

أسرعت في نفض رأسها، تُخبر حالها أن لا تدع قلبها يأخذها لطريق تعرف نهايته.

شعرت باليأس وهي تفكر في طريق رحيلها عن منزله وطلا….قها منه دون خسـ,ـارة والعودة لبطش فتحي.

اخرجها رنين هاتفها عن شرودها، تنظر للرقم المضاء أمامها.. تضغط على زر الإجابة بلهفة

– بشمهندسة ميادة

– تاني بشمهندسة يا بسمه، قولتلك قولي ميادة وبس ولا لسا مش بتشوفيني زي ملك

هتفت بها ميادة بعدما غادرت غرفة والدتها واتجهت نحو غرفتها

– أبداً والله أنتوا الاتنين غاليين عندي أوي، عمري ما هنسى وقفتكم معايا

ترقرقت الدموع في عينين بسمة تنظر لتلك اللوحة المعلقة أمامها

– حاسه من نبرة صوتك إنك مش كويسه يا بسمه وعشان كده هدخل في الموضوع علطول واقولك على سبب اتصالي عشان افرحك

صمتت ميادة لثواني، فاعتدلت بسمه في تسطحها تنتظر سماع ما سيفرحها ولكن من أين سيأتي لها الفرح وكأن كتب عليها ألا تفرح

– أنا لقيت ليكي شغل في الشركة اللي بشتغل فيها يا بسمه، ومتقـ,ـلقيش من موضوع الشهادة.. أنا وضحت لحسام كل شئ عنك وإنك مازلتي بتكملي دراستك

بعبارات قصيرة قصت لها ميادة عن طبيعة عملها في الأمور الإدرايه لتساعد سكرتيرة المدراء الثلاثة وهذه فرصة لها تتعلم أكثر عن مجالهم عن قرب

دلفت السيدة سعاد تُخبرها أن تستعد في الصباح ليغادروا المزرعة ويعودوا للمدينة

– شيفاكي مبسوطة يا بنتِ وعينك بتلمع من السعادة

تسألت السيدة سعاد وهي تجلس جوارها متحمسة لرؤية السعادة فوق ملامحها

– أنا هشتغل يا داده في شركه وهما موافقين على شهادة الثانوية العامه

ضاقت عينين السيدة سعاد للحظات وسرعان ما كانت تنفرج شفتيها بابتسامة واسعة

– هتشتغلي يا بنتِ وهتطلعي تشوفي الناس وتكبري وتحسي إنك منهم وعقلك يكبر أكتر ومتحتاجيش لحد

حركت بسمه رأسها ترى نظرات السيدة سعاد الدافئة التي لا تؤكد لها إلا شيئاً واحداً.. السيدة سعاد لا تُريد لها إلا تحقيق أحلاماً تمنت لو حققتها، لا تريدها أن تحصد ما حصدته وتنتظر أن يراها السيد ويقع في عشقها فالجميع ليسوا محظوظين لينالوا الحب.

احتضنتها السيدة سعاد بقوة تُذكرها بعباراتها الدائمة

– مش عايزاكي تربطي نفسك بالوهم يا بسمه زي في شبابي ، شوفي علامك ومستقبلك يا بنتِ هو ده سلاحك.. الست قوتها في تعليمها وناجحها

صمتت السيدة سعاد تبتلع تلك المرارة التي تُذكرها بحلمها الضائع في حب السيد عبدالرحيم والد جسار

– مش كل ست فينا محظوظة عشان تلاقي الحب وراجل يعشقها ، لكن كل ست تقدر تكون نفسها وتبني ذاتها

تردد صدى الكلمات داخلها تنظر في عينين السيدة سعاد بعدما ابتعدت عنها تمسح فوق وجنتيها برفق

“راجل يحبها، يعشقها” هكذا كانت هي تحلم كلما نظرت لصورتها المنعكسة في مرآتها

…….

تجهمت ملامح كاظم يقبض فوق هاتفه بقوة يستمع لثورة شقيقه فهو سيعود وسيواجه سليم النجار وليس جبانًا

– هقول تاني وتالت وعاشر وهقولها قدام سليم النجار.. أنا بحب خديجة النجار مش بحبها بس أنا بعشقها أنتوا بقى عندكم عقد نقص وشايفين إن حبي ده كذبه أنتوا أحرار

– وهى لو كانت بتحبك مكنتش نزلت مصر مع إنكم اتفقتوا تواجه العالم كله سوا

هتف بها كاظم بتهكم فعن أي حب يتحدث شقيقه وهناك طرف تخلى عن الأخر، هو لا يثق في شقيقه بسبب نزواته القديمه العديدة حتى حب خديجة لشقيقه لا يثق فيه ربما هي لحظة ضعف منها قادتها لتقع في شرك هذا الزواج

صمت أمير، فقد خذلته خديجة بتخاذلها لمرات عدة..يتسأل داخله لما هي قوية في كل شئ إلا في حبهم

– ساكت ليه، عشان عارف إنها لو بتحبك كانت وجهت الناس وأولهم سليم ومتخلتش عنك.. افهم يا أمير خديجة اتخلت عنك خلاص

ابتلع كاظم بقية حديثه وقد اصابته تلك التنهيدة القوية التي زفر بها شقيقه أنفاسه

– اسمع الكلمه ديه منها وهي عينها في عيني

– بلاش تنزل الفتره ديه يا أمير.. خليني احل الموضوع مع سليم الأول وقبل ما تقول خايف على الشراكه اللي بينكم…اوعاك تنسى السبب الأكبر في غضب سليم النجار منك أنا وأنت وهو عارفين السبب كويس

اطبق أمير فوق جفنيه بقوة لما يُحاسبه هذا الرجل على أفعاله القديمه، هو مثله تماماً إذا أعجبته فتاه يركض خلفها حتى ينالها

– بيحاسبني على الماضي وهو إيه ملاك..

– أمير.. سليم النجار بيتجوزهم حتى لو في السر لكن أنت…

خلاص يا كاظم كفاية تأنيب فيا، اه ربنا انتقم مني.. أنا دلوقتي عاجز أني أكون مع الست اللي بحبها.. لو كنت حبيت جنات بجد كنت فهمت أحساسي

استمر كاظم في التحديق بهاتفه, يزفر أنفاسه يأمل أن يصدق شقيقه في وعده وألا يأتي البلاد إلا بعدما يتمكن من الحديث مع خديجة النجار بنفسه

– كاظم

أتاه صوتها فهاهى زوجته العزيزة التي لا يحكمها شئ قد أتت.

اقتربت منه بخطوات بطيئة تأن من الألم الذي لا تعرف له موضع

– أنت كنت بتكلم أمير، خلي ينزل خديجة في المستشفى.. لازم يكون جانبها في وقت زي ده

حاولت إخراج كلماتها بترتيب حتى لا تُخطئ وتفصح عن حمل خديجة، فقط عليها أن تخبره إنها بالمشفى وسبب مكوثها لا تعرفه فليبحث هو عن السبب بعلاقاته.

استمر تحديقها به وقد ضاقت عيناها في حيره لما يقف هكذا دون أن يلتف نحوها أو يتحدث

– أنت واقف زي الجماد كده ليه يا كاظم

وسرعان ما كانت ترتسم أبتسامة بلهاء فوق شفتيها تُخبره عن معاناتها في طفولتها في تلك اللعبة التي تمثل التماثيل وعلى الرابح أن يظل لأخر اللعبة كالتمثال حتى يكون الفائز

– وقفتك ديه فكرتني بلعبة كنا بنلعبها وإحنا صغيرين، كنت ديما بطلع أول واحده من اللعبه.. عمري ما كسبت

سرحت في ذكريات طفولتها فلم تشعر بحركته ومتى أصبحت عيناه الجامدتين عالقة بعينيها

– حمدلله على السلامه يا هانم.. ما كنتي قضيتي باقي اليوم بره البيت..

سقط حذائها من يديها وقد خلعته عند ترجلها من سيارة الأجرة بعدما أزداد ألم قدميها

– تصدق كنت بفكر في كده.. انا مصدقت رجعت مصر.. حاسه إن كل الشوارع وحشاني

تجهمت ملامحه وكأنه كان يحتجزها في الصحراء

– أنتِ بتتعمدي تخرجي أسوء ما عندي يا جنات

اماءت برأسها تضحك داخلها وهي ترى الغضب مرتسم فوق ملامحه ولكنه يُجاهد في السيطرة على غضبه

– جنات

صرخ بها يجتذبها إليها بقوة، إنها تزيد غضبه بصراحتها.. فكيف لها أن تتعمد أفعالها معه

– جنات أنا معنديش حد عزيز.. مش معنى إني بقيت مستحمل تقلباتك وبراضيكي وعايز حياتنا تنجح يبقى خلاص تفتكري هكون لعبه في أيدك تقدري تتحكمي فيها.. أنا كاظم النعماني

تجمدت في وقفتها رغم وقع الكلمات عليها تنظر إليه بعتاب،
انتظر حديثها ومناطحتها بعدما اخرج ما قبع داخله من غضب تستحقه.

استدارت بجسدها تجر قدميها بصعوبة

– أنا خلصت كلامي لسا، صوتك مش طالع عشان عارفه نفسك غلطانه

تعالا صياحه فاكملت خطواتها، تعلم إنها مخطئها ولكنه هو من جعلها تعود لشخصيتها القديمة قوية لا يهمها إذا فارقها أحد

– جنات
قبض فوق ذراعها يديرها نحوه زافراً أنفاسه بقوة، هى لا تتعمد الخلافات فقط بل تتعمد تجاهله

– مش بتكلم معاكي..

ولكن بقية الحديث توقف على طرفي شفتيه وهو يرى ترقرق الدموع في مقلتيها

– أنت تجاهلتني أول ما وصلنا.. فضلت أرن عليك وأنت مبتردش

ارادت الحديث ولكن الكلمات علقت في حلقها وهي تراه يتحسس خديها برفق

– وطبعا قولتي تردي ده ليا.. وزي ما تجاهلتك تتجاهليني

رغماً عنه كانت تشق ابتسامة خاطفة شفتيه وهو يراها تُحرك رأسها تأكيداً على حديثه

– لكن ديه مش هتكون حياة يا جنات، المفروض إننا بنصلح علاقتنا

انكمشت ملامحها وهي تستمع له، حتى ضاقت عيناه وهو يرى الألم مرتسم فوق ملامحها

– طبعا تعبانه .. بعد مغامراتك طول اليوم ورحلة سفر طويله.. عايزه تكوني عامله إزاي.. ارحميني يا جنات وياريت مسمعش صوتك

هو لم يعطيها فرصة للحديث حتى يسمع لها صوت، انحنى يحملها برفق ويتحدث بهدوء بعدما كان الغضب يُحركه.. فهذا الرجل يُحيرها

يخبرها أنه ليس لديه عزيز ولا تنتظر منه المزيد من الصبر, وهاهو يحملها ويسير بها نحو الدرج ورغم معاتبته إلا أن عتابه أصبح لينًا

توقف كاظم منتصف الدرج يستمع لصوت صديقه جلال وهو يسأل الخادمة عن مكان وجوده وقد كان الجواب واضحاً أمام عينيه,
صديقه صار في الطريق الذي لا عودة منه.

وضعها كاظم أخيراً فوق الفراش في غرفته الخاصة التي كان لا يسمح لها بالدلوف إليها من قبل

– كاظم، ديه اوضتك أنت

استاءت ملامحه، فعن أي غرف تتحدث هذه الحمقاء..

– معلش تعالي على نفسك واعتبريها أوضتنا إحنا الاتنين

وسرعان ما كانت تسمع همهمته داعياً الله بالمزيد من الصبر،
ابتعد عنها ف جلال ينتظره بالأسفل

– تعرف إني كسبت الرهان مع احمس ، قولتله كاظم هيغضب شويه لكنه هيكون حنين

توقفت خطواته يلتف إليها.. يُحدق بها وهى ترطب شفتيها بلسانها

– لما عرف إني فضلت بره البيت عناداً فيك

– صراحتك تجلط يا حببتي

توقفت عن الحديث وقد الجمتها عبارته التي هتف بها

– القوة والعِند حبالهم قصيرة يا جنات

غادر الغرفة وتركها في حيرة مع كلماته، كاظم يتهاون ولكنها تعلم تهاونه هذا حتى يستمر زواجهم.

ظلت تتقلب فوق الفراش وقد غادر النوم جفنيها رغم إرهاقها

دلف كاظم الغرفة بملامح مرهقة يتذكر تعليق جلال الذي ينبع من كر..هه على جنس حواء بأكمله

” عشت وشوفت ابن النعماني شايل ست.. ومش أي ست، ست كانت طمعانه في فلوسه وفرضت نفسها عليه.. ”

وقبل أن يستمر جلال في سخا…فته، كان يبتلع بقية كلماته فكرهه الشديد لطلـ,ـيقته يرغمه أن يرى جميعهن ليسوا إلا عا..هرات, ولكن أن تخدع أمرأة كاظم النعماني وتجعله يسقط في نفس ما سقط فيه يوماً فهذا ما لا يستوعبه عقله، كاظم اقسم ألا يخضع لجنس حواء

طالعته وهو يلتقط ثيابه بعدما ازال عنه قميصه, يقطب جبينه بقوة

– أنتِ لسا صاحيه

تمتم بها بعدما انتبه على وجودها مستيقظه

– مستنياك تحكيلي عملت إيه مع أمير

ضاقت عيناه وهو يستمع لها عن سبب استيقاظها

– وتفتكري أنا من النوع ده من الرجاله

حركت رأسها، تزفر أنفا..سها بضيق.. فكاظم لا يرى الفراش إلا لغرض واحد وكلما قل الحديث بينهم كان الأمر أكثر نفعاً لكلاهما

– نامي يا جنات بيتهيألي إنك تعبا..نه

اتجه نحو المرحاض دون كلمة أخرى، هى بالفعل متعبة ولكنها لن تغفو إلا عندما يخبرها بما حدث وكيف سيحل المشكله،
وهاهى تنتظره أن يتحدث ولكنه يعطيها ظهره

– عشان تعرفي كويس تردي ليا تجا….هلي يا جنات

– أنت بتعاقبني يا كاظم

– جنات أنا تعبـ,ـان ولازم أكون في الشركة من بدري

اغمض عينيه يستمع لتنهيداتها القوية, تُطالع ظهره في مقت

– كاظم، أنا عايزه ارجع إيطاليا

فتح عيناه يستدير إليها، فمن التي تتحدث عن العودة لإيطاليا

– انت هنا رجعت لنسختك القديمة

ارتسمت الحيرة فوق ملامحه وسرعان ما كان يجدها تدفعه فوق الوسادة تُحاصره بجسدها

– هتحل مشكلة أمير وخديجة النجار إزاي، وتفتكر ممكن بسبب الخلا؟؟فات ديه سليم يبعد فتون عني، أعمل حسابك أنا مش هخسر فتون عشانك..

توقفت عن الحديث تلتقط أنفاسها، وسرعان ما كانت تفتح شفتيها لتستكمل حديثها.

ضاع حديثها تزدرد لعابها وهى تراه يقلبها أسفله يضع بيده فوق شفتيها, يرمقها بنظرات عابثة

– أنا شايفه إنك عندك طاقه مفرطة يا حببتي.. تفتكري ممكن نضيعها في إيه

سؤال لم ينتظر له جواب، فالجواب أصبح في قيد التنفيذ

……..

الصغيرة تُخبره إنها اشتاقت إليه واشتاقت للعمة خديجة، وهو يبرر لها
وقفت فتون أمامه تنتظر أن يُنهي المكالمة حتى يذهبوا للمشفى يجلبون العمة

– بكره يا حببتي هاجي أخدك عشان تشوفي ديدا الكبيرة

تعالا حماس الصغيرة، فطالعتها شهيرة بنظرة دافئة التقطها الجالس قبالتها

– كفاية يا ديدا كلام، بابي مش فاضي

حاولت شهيرة التقاط الهاتف منها، ولكن الصغيرة تشبثت به فمازال لديها المزيد مما ستخبره به

– بابي.. عمو ماهر اخذني الملاهي أمبارح لما عرف من مامي إني زعلانه منك والنهارده اخدني النادي..

تجمدت ملامح شهيرة وهي تستمع لحديث أبنتها ونظرات ماهر اللامعة عالقة بها يلتقط جميع خلجاتها بنظرات ثاقبة

تصلبت ملامح سليم ينظر لفتون الواقفة أمامه بنظرات جامدة، صغيرته تمتدح رجل أخر تخبره إنها احبته…فأي هدف تسعى خلفه شهيرة؟

ارتسمت الصورة داخل عقله، يقبض فوق كفه بقوة ينظر أمامه بنظرات خاوية

……..

طالعتها السيدة سعاد بملامح سعيدة وهي تستمع لتلك التفاصيل الدقيقة عن أول يوم لها في عملها الجديد

– الناس هناك متعاونه أوي يا داده، ولا بشمهندس حسام راجل ابن ناس ولطيف

امتدحته بسمه بصدق بسبب معاملته لها وحديثه الذي ترك أثر داخلها عن تقديره لأي شخص يتمسك بأي فرصة حتى يصل لأحلامه.

التمعت عينين السيدة سعاد وهي تسمعها وقد تناست أمر ذلك القابع داخل غرفة مكتبه ينتظر قدومها وقد أمرها أن تخبره بعودتها عندما تعود

– اطلعي غيري هدومك يا بنتِ، لحد ما أجهز العشا.. جسار بيه هنا من بدري وسأل عنك قولتله إنك في الشغل

أسرعت السيدة سعاد في لطم جبهتها ، فهى تناست أن تخبره بعودتها

– اطلعي أنتِ أوضتك وأنا هبلغه إنك وصلتي.. أكيد هيسأل عن تفاصيل الشغل وهيشكر الست ميادة وملك

تبدلت ملامح بسمه فور أن استمعت لسؤاله عنها

– أنا مش جعانة يا دادة أكلت مع زمايلي في الشغل، هطلع انام لان بكره اليوم هيكون طويل لاني هروح المعهد كمان بعد الشغل

غادرت بسمه المطبخ تجر قدميها في أرهاق تحلم باليوم الذي ستغادر فيه هذا المنزل..

– هانت يا بسمه من شغلك تقدري تلاقي مكان تعيشي فيه، والجامعه خلاص كلها اقل من شهر وتبدء

التقطت ثيابها ولم تكد تحل بضعة أزرار من بلوزتها حتى وجدت الباب يفتح ثم أغلقه خلفه بقوة يتسأل بغضب

– كنتي فين؟

أدارت جسدها لتغلق ما احلته من أزرار بلوزتها

– كنت في الشغل، بيتهيألي دادة سعاد قالتلك

– وأنتِ مبلغتنيش ليه بنفسك

استدارت إليه ترفع حاجبيها في دهشة تتجاهل سؤاله

– جسار بيه مش شايف إن وجودك في أوضتي ميصحش

– ردي على سؤالي يا بسمه

– جسار بيه أنت ليه شايف نفسك وصي عليا، أنا هنا مجرد ضيفة وقريب همشي، السؤال ده تسأله لاختك او مراتك

تعالا تصفيقه بشدة ترتسم فوق شفتيه ابتسامة ارجفت جسدها

– أحب اقولك إنك وصلتي لهدفك يا بسمه

ضاقت عيناها في حيرة فعن أي هدف يتحدث

– كنتي عايزة بأفعالك تشغلي عقلي بيكي وأنا اه بقولك إنك نجحتي

أصابها الذهول، ما الذي يتحدث عنه هذا الرجل

– أنت بتقول إيه

– بقول إني عايزك وحطي المقابل اللي أنتِ عايزاه

رواية لمن_القرار ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *