لمن القرار بقلم سهام صادق ج8

الفصل الواحد والأربعون(1)
***************

أصابها الذعر وهي ترفع عينيها محدقة بصاحب الصوت ، أسرعت في وضع الملف الذي التقطته للتو فضولاً ثم عادت تُطالعه بتوتر وتزدرد لعابها.
اطرقت رأسها ، تمسح كفيها بثوبها من شدة توترها؛ فاقترب منها وعيناه تفحصها بنظرات ثاقبة

– إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟

تسأل ؛ فطال إنتظاره لسماع جوابها، تحرر لسانها أخيراً يمنحها الخلاص من ربكتها

– تليفوني وقع مني، فجيت ادور عليه هنا

اماء برأسه، وقد عادت نظراته نحوها تفحصها بتدقيق

– ولقتيه؟

هتف ، فمنحته الجواب سريعاً ترفع إليه الهاتف، وبنبرة جليدية، جامدة كان يصرفها متمتماً

– روحي أوضتك

اعتلى ملامحها الحرج، تلوم حالها على غبائها منذ البداية في إضاعة هاتفها، جرت قدميها دون النظر إليه،وفور أن دلفت الغرفة التي تقيم فيها مع السيدة ” سعاد”، أسرعت في إلقاء جسدها فوق الفراش تخفي وجهها بين كفيها وقد انسابت دموعها.
بكت لدقائق لا تعرف عددها، بكت على سنوات عمرها القليلة، وبكت على ألم يغزو قلبها ولا تعرف سببه، شعرت بتقلب السيدة “سعاد” فوق الفراش الذي يجاور فراشها؛ فاسرعت في مسح دموعها تؤنب نفسها على دراميتها وحسسيتها الزائدة حينا تكون معه.

ظل “جسار” واقف في مكانه، يُحدق بالفراغ الذي خلّفته خلفها، تنهد بضجر ، والتقط الملف الذي به بنود الحملة وعقدها وعلى ما يبدو إنها لم تلتقط شئ مما هو مكتوب به.
……….

طرقات خافتة وصوت بكاء ضعيف كان يتردد داخل أذنيه، فتح عيناه بثقل يرفع رأسه قليلاً، ليُدرك الأمر سريعاً, فصغيرته تطرق باب غرفته باكية..،
اسرع في النهوض من فوق فراشه بعدما عدل من وضع
” فتون” وغطا جسدها.
فتح باب غرفته وقد اعتلى الذعر ملامحه وهو يري شدة إحمرار وجه صغيرته، انحني مجفلاً نحوها يلتقطها بين ذراعيه

– مالك يا خديجة، حببتي كفاية عياط

– سبيتني لوحدي يا بابي، وكذبت عليا

ضمها إليه يحتضنها بقوة، وقد اعتصره الألم..،والغضب أخذ يزداد داخله نحو فعلة ” شهيرة” ، فلم تُراعي سنوات عمر صغيرتهم

– حبيبت بابي، أنتِ عارفه بابي بيحبك أد إيه، يسيب كل الدنيا عشانك أنتِ

مسح لها دموعها بكفه، فعانقته الصغيرة بشدة وخوفاً من فقدانه كما أخبرتها والدتها.

التف خلفه بعدما أستمع لصوت ” فتون” الناعس , التي فور أن لمحت الصغيرة بين ذراعيه، أسرعت في إلتقاط ثوب نومها، اشتدّت الصغيرة في احتضانه.. فتحرك بها نحو غرفتها؛ فعادت الصغيرة لبكائها فتوقف في مكانه متسائلاً بعدما تعالت شهقاتها

– حبيبتي قوليلي عايزة إيه بس واعملهولك، ديدا بابي هيزعل منك

وبشهقات وكلمات متقطعه، كانت تخبره عن رغبتها في النوم بين ذراعيه، عاد بها نحو الغرفة وقد وقفت ” فتون” وسط الغرفة بمنامة محتشمة،
أسرعت نحو الصغيرة حتى ترى ما بها ولكن نفور الصغيرة وحده ما تلقته، فمسحت فوق ظهرها تسألها برفق متُجاوزة كره الصغيرة لها

– الأميرة خديجة عايزة إيه وإحنا ننفذه ، بس المهم هي متزعلش

صمتت الصغيرة للحظات تدفن وجهها في عنق والدها، وقد اتجه بها نحو الفراش متسائلاً هو الأخر

– فتون قدمت عرض جميل يا ديدا، وحطت بابي في موقف وحش

واكمل مازحاً ينظر نحو تلك التي تسلبه فؤاده دون أن يعرف السبب، وقد لمعت عيناها بأمل أن تخبرهم الصغيرة برغبتها

– لأنكم لو طلبتوا أي حاجة حتى لو دلوقتي، هنفذها من غير نقاش

– إيه رأيك نروح بكره الملاهي يا ديدا

التمعت الفكرة في عينين ” فتون”؛ فالقتها سريعًا، ظنن منها إنها ستعجب الصغيرة.. ، التفت نحوها الصغيرة، فابتسمت
” فتون” على الفور ولكن تلاشت ابتسامتها, تستمع لطلب الصغيرة

– هي لاء يا بابي، مامي بس تيجي معانا

ابتلعت غصتها ونهضت من فوق الفراش تاركة الغرفة، ف
” خديجة” أصبحت تكرهها وهي التي كانت ترى فيها أشقائها الصغار،
تُحب حنان ” سليم” عليها، وكلما نظرت إليها تمنت أن تنجب طفله رقيقة مثلها.

اتكأت برأسها فوق طاولة المطبخ، تخبر حالها إنها الحقيقة التي تغافلت عنها ، هي زوجة الأب، هي الساحرة الشريرة التي ستسرق الأب من أبنته..

غفت الصغيرة مجدداً بعدما اطمئنت إنها اصبحت بين احضانه وهو جوارها، برفق وضع ذراعيها جانبها،
ثم نهض يبحث عن زوجته الصغيرة التي فرت هاربة تحبس دموعها.

اعتلت شفتيه ابتسامة حانية، بعدما وجدها داخل المطبخ… ، صغيرته الأخري وجدت ملاذها في المطبخ، مسح فوق شعرها برفق يهمس اسمها حتى يوقظها من غفوتها

– فتون

فتحت عينيها فور أن استمعت صوته، وبلهفة تسألت

– خديجة نامت، متخليهاش تكرهني يا سليم، أنا فعلا بحبها

أسرع في جذبها إليه، يدفن وجهها بحضنه، اشتد ارهاقه فقد وضعته ” شهيرة” في وضع كان يظن إنها أعقل من أن تسير نحوه.
تنهد بزفرة طويلة، فالغيرة تحرق قلوب النساء بل وتظهر كيدهن مهما وصلت بهن حنكتهن وعقولهن

– خديجة مش بتكرهك يا فتون، خديجة خايفة تاخديني منها

وضحك وهي يتذكر وصف أبنته ، لتلك المرأه الشمطاء في الحكاية التي ترسخت في عقل صغيرته

– خديجة شيفاكي الساحرة الشريرة يافتون

ابتعدت عن حضنه، تنظر إليه، فهل حقاً أصبحت بهذه الصورة، أم يمزح معها, داعب خديها بكفيه مازحاً حتى يقضي على ثقل تلك الليلة عليهما

– بس بذمتك في ساحرة شريرة حلوه كده، وعينيها بتزيد جمال كل ما كانت نعسانة

– خديجة شيفاني شريرة،أنا عملت إيه عشان تشوفني كده..، انا بحبها اوي وبحب حبك ليها

ابتسم مسترسلاً في تغزله لها

– خديجة بكره تحبك زي ما ابوها مبقاش شايف غيرك

استمر في مداعبتها بحديثه ولمساته، ظنن إنه سيتجاوز الأمر هكذا دون إستفاضة في الحديث، انسحبت من بين ذراعيه والسؤال الذي لم يرغب هو في سماعه تلك الليلة، هتفت به وقد رأي الإصرار في عينيها لتعلم الإجابة

– ليه خديجة اتغيرت معايا ؟ ليه شهيرة بتعمل معايا كده..، أنت قولتلي إن انفصالكم مكنش بسببي

فمسح فوق وجهه بارهاق، ودلك عنقه، متمتماً قبل أن يغادر المكان

– اكيد مش هنتكلم في المطبخ يا فتون

اتبعته حانقة من حالة الجمود التي يصبح عليها، حينا يكون الحديث عن حياته السابقه، دلفت خلفه غرفة مكتبه, فطالعها منتظراً إقترابها ،
خرجت زفراتها وهي تقترب منه، و دام الصمت بينهم للحظات

– لما اتجوزت أنا وشهيرة في البداية كانت علاقتنا، علاقة إعجاب وإفتنان،بالأصح كانت علاقة رغبة بتقودها الشهوة، هي لقت فيا الراجل اللي كانت عايزه، وأنا لقيت فيها الست اللي ترضى غريزتي

ورغماً عنه كان يصف لها تلك العلاقة، علاقة في الماضي لم يكن يراها بشعة، ولكن الأن أصبح يراها في ابشع صورة..،

رغبة مقززة لمجرد إطفاء الشهوة، تلاقت عيناهم، فلم يجد داخل عينيها إلا الصدمة وبنبرة متعلثمة بعدما ازدردت لعابها تسألت

– يعني كل ست كنت بتتجوزها عشان كده..

بترت كلمتها الأخيرة، فابتسم وهو يلفظها إليها صراحة دون خجل

– ايوة يا فتون، مافيش راجل بيتجوز لمجرد علاقة عابرة، إلا لو كانت رغبته هي المتحكمة فيه، لا عيب بيكون في الراجل ولا الست مدام بيتجوزوا في الحلال

– شهيرة ست جميلة ومناسبة ليك، ليه محبتهاش

عادت عيناه تُعانق عيناها مع سؤالها، فتناول كفيها يحتويهما داخل كفيه

– أنا فعلا حبيت شهيرة، بس حب عن حب بيفرق يا فتون

طالع ملامحها التي بهتت من تصريحه، فابتسم وهو يشدّ أكثر فوق كفيها، مستطرداً

– حبي لشهيرة، مكنش لشهيرة نفسها.. ،حبي ليها كان جسد، مكانه، ست ناجحة، ست فيها كل المميزات اللي تبهر راجل زي، بيدور علي كل حاجة مميزة.. “وفي قانون سليم النجار” ، إنه ينول حاجة مقدرش يطولها غيره، لا وكمان تبقى في سريره.

وتنهد أسفاً على ماضي يخجل منه

– شهيرة حبتني يا فتون، أي ست اتجوزتها قبل كده طرقنا افترقت دون راجعه، متعة بتخلص وفلوس بتتاخد مقابل، لكن شهيرة كانت غيرهم

ولأنها أمرأة, كانت تشعر بمشاعرها..، شعرت بكفه تسير ببطء فوق كفها، فرفعت عيناها إليه، انتظرت منه أن يُكمل حديثه، ولكن ضوء الصباح، بدء يشع أشعته الخافتة داخل الغرفة

– خلينا نطلع اوضتنا وبليل نكمل كلامنا

ظهر الحنق فوق ملامحها، ومدّت شفتيها دليلاً على تذمرها، ليري لأول مرة جانب اخر منها، فعلي ما يبدو أن الحديث وسبر الأغوار يأخذهم لطريق أخر، شكر داخله تلك الطبيبة التي أعطته بعض النصائح من أجل خلق حوار بينهم

– أنت مكملتش ردك على سؤالي، ليه محبتش شهيرة، وليه افترقته زمان..

وأصبحت الجلسة مزيد من الأسئلة، اسرع في جذبها إليه يُسكتها باكثر الأشياء تفضيلا لديه، بل ويقتنص الفرص..،
ابتعد عنه يتأمل ملامحها التي ازدادت تورداً

– كل يوم نعمل حلقة عن مغامرات سليم النجار

والاقتراح أعجبها بشدة، ليكتشف أن زوجته الصغيرة لا تحتاج إلا سوي المزيد من الأحاديث التي تجعلها تشعر بوجودها داخل حياته.
………

نظرت للأغراض التي ملئت غرفتها وعلامات الدهشة ارتسمت فوق ملامحها، طالعت السيدة ” سعاد” سعادتها مبتسمة

– كل الحاجات ديه بتاعتك يا بسمة، جسار بيه بعتهم ليكي

رفرف قلبها وهي تستمع لاسمه، تتسأل داخلها هل حقاً يهتم لأمرها؟

أسرعت في نفض رأسها وصوت السيدة ” سعاد” يتردد

– بيقولك اجهزي لأن في واحدة جاية تقعد تدردش معاكي شوية

عادت الدهشة تعتلى ملامحها، ولكن تلك المرة دهشة يصحبها القلق، فلما يجعلها تُقابل ضيوفه وما هو الحديث الذي ستتحدث به معها؟

– اقابلها، طيب ليه.. هو في حاجة حصلت؟

تسألت مستفهمه، فنفت السيدة ” سعاد” معرفتها بالأمر،
وقد علقت عيناها بثوب جميل سرعان ما اجتذبته تعطيه لها

– خدي البسي يا بسمة، ويلا بسرعة قبل ما الضيفة تيجي

ارتدت الثوب الأنيق، لتعود السعادة لعينيها، فكم تمنت لليالي أن ترتدي ثوبً جديداً غير باهت اللون ومن الأسواق الخاصه بالثياب المستعملة

– الفستان جميل اوي، ومعاه كمان جذمته والطرحة، عندها حق ملك تقولي عليه إنه كريم وشهم

خاطبت حالها تنظر لهيئتها بالمرآة، وأحاديث عدة اخبرتها بها
” ملك” تخترق أفكارها.

انتبهت على طرقات السيدة ” سعاد” تستعجلها للخروج، ف السيد ” جسار” ينتظرها قبل قدوم الضيفة المجهولة.

أسرعت في وضع حجابها، تنظر لملامحها بأسي، وقد اختفت تلك السعادة التي ارتسمت فوق ملامحها منذ للحظات، فكيف لها أن تنسى إنها عالة هنا في هذا البيت وعليه.

خرجت بملامح باهتة ، وفور أن دلفت للغرفة، رفع “جسار” عيناه نحوها متمتماً بحشرجة

– قربي يا بسمة

طالعته في صمت وهي تتقدم منه ، فما الحديث الذي يُريده معها قبل قدوم ضيفته، ومن ملامح “جسار” الجامدة خشيت أن يكون حدث شئ

– جسار بيه، هو في حاجة حصلت

واسرعت في وضع كفها فوق شفتيها متمتمه بذعر

– هو عنتر متنزلش عن المحضر اللي قدمه فيا، والله أنا مظلومه

– بسمة، موضوع عنتر انتهى خلاص

هتف عبارته, ناهضاً عن مقعده، مشيراً نحو تلك الأريكة القابعة في احد أركان الغرفة

– اقعدي يا بسمة، عايز اتكلم معاكي شوية

طالعته بتوتر بعدما جلست فوق الأريكة ورأت نظراته الفاحصة إليها بثوبها الجديد، تنحنح بهدوء واشاح عيناه بعيداً عنها، بعدما وجدها تقبض بكفيها فوق ثوبها.
جلس فوق المقعد القريب منها، فانتبهت على فعلتها فاسرعت في إزالة كفيها عن الثوب

– شكراً على الفستان، قصدي على كل حاجة جبتها

واردفت بباقية عبارتها بعدما اطرقت رأسها أرضاً

– بس انا مش محتاجة كل ده
– بسمة، عايزك تسمعيني كويس، موضوع الهدوم نبقى نتكلم في بعد كده

قطع عبارتها بفظاظة ، فعلقت عيناها به ..،ثواني من الصمت، ثم اتبعها الحديث الذي يُريد وضع نهايته وعقده.

استرسل في حديثه، والحديث لم يكن إلا مصلحة يتبعها قانون ” الاستفادة لكلا الطرفين “.

استمعت، واستمتعت لكل كلمة تخرج منه، ثم وقفت مبهوتة الملامح ، غير مصدقة أن كرمه، وإستضافته لها في بيته وضيوفه الذين اجلسها معهم ما هم إلا شركاء في بنود صفقة يتم وضعها.. ،
فقد كانت البدايه معه غرضاً ولكن لم يكتمل وطلق زوجته، أما الأن غرضه في نجاح عمله

– هتكوني أنتِ المستفادة يا بسمة، هتدخلي الجامعه، بيتهيألي ده كان حلمك اللي اتحرمته منه

اخترق حديثه أذنيها كحال ما سبق

– هطلع قدام الناس احكي حكايتي

بنبرة مهتزة سألته عما أخبرها به منذ لحظات، لعلها خانتها أذنيها في سماعه

– لازم يكون في مصداقية مع الناس يا بسمة

– الناس هتعرف اسمي وتشوف صورتي

والإجابة كانت ب ” نعم”، فهذا هدف حملتهم، أن يعرف الجمهور كل شئ حتى لا يظنوا إنها حملة وهمية

– طيب لو رفضت

والجواب كان قاسي عليها، قاسي على قلبها الذي عشقه منذ تلك اللحظة التي وقعت عيناها عليه، ثم معروفه معها

– لو رفضتي، اكيد كل اللي بقدمه ليكي هينتهي يا بسمة ، وجودك في بيتي عشان الحملة الدعائية وعشان اكون كريم معاكي هديكي فلوس وتبعدي عن طريقي, لأني مش مستعد اتحمل مشاكلك اكتر من كده

وبنبرة بادرة جامدة أصابت قلبها، اتبع حديثه

– مافيش حاجة تربطني بيكي يا بسمة، المعروف وانا قدمته ليكي كذا مرة..
………..

نهض مرحباً بزوج أخته ” مهيار”، الذي فور أن دلف غرفة مكتبه تمتم معاتباً

– اسمع إنك اتجوزت بالصدفة، طيب كنت استنى لما ارجع من السفر

حضنه ” كاظم” رابتً فوق ظهره

– صدقني الموضوع جيه بسرعة يا اشرف، أنت عارف مكانتك عندي إزاي

ابتسم ” اشرف” بعدما ابتعد عنه، وهتف مباركاً له بسعادة حقيقية

– مبروك يا كاظم، حقيقي أنا مبسوط إنك اخدت الخطوة ديه، رغم اللي سمعته من العيلة الكريمة مبشرنيش بالخير

” والعائلة الكريمة” لم تكن إلا زوجة والده السيدة ” منال” و والده السيد ” جودة “، و أخته “مهيار” المتقلبة المزاج حياله

ضحك ” كاظم” بعدما أستمع لوصف زوج أخته، فاردف اشرف متسائلاً

– قولي بقى يا سيدي العروسة حلوة

تجاوز ” كاظم” سؤاله
– تحب تشرب إيه يا أشرف
– قهوة مظبوطة

هاتف سكرتيرته، حتى تجلب له فنجانين من القهوة، وجلس قبالة” أشرف” يسأله عن سفرته الأخيرة ومتى أتى ، وهل سيتستقر بمصر أم تعب من الغربة

– انا لو عليا مش عايز ارجع مصر تاني، بس اعمل إيه في أختك، طول ما هي ماشية ورا امها حياتنا هتفضل كده، كل واحد فينا في بلد

امتقع وجه ” كاظم” عندما أتي ذكر اسم تلك المرأة

– منال هانم، عايزه ولادها حواليها..

ثم تمتم حامداً الله، أن إخوته لم يورثوا طباعها لا هي ولا طباع جودة النعماني
– الحمدلله إنهم مورثوش طمعها، وبيحبوك يا كاظم
ثم اعقب عبارته هاتفاً
– لكن الزن على الودان.. ، أمر من السحر
توقف الحديث بينهم، عند دلوف سكرتيرته ووضعها لفنجانين القهوة أمامهم،
انصرفت السكرتيرة، واغلقت الباب خلفها، فعاد “أشرف” لحديثه

– العمر بيجري يا كاظم وانت داخل على الأربعين خلاص ، قضيت عمرك كله عشان تثبت لجودة النعماني إنك أقوى منه , واه انتصرت في صراعك وبقيت الأغنى والأقوي..

ساد الصمت للحظات وقد احتلت القسوة ملامح “كاظم”

– جيه الوقت اللي يكون ليك وريث يا كاظم

الفصل الواحد والأربعون (2)
**************

وقف قبالة والده، وقد غامت عيناه بالحزن وهو يستمع للطرف الأخر عبر الهاتف.
أنهى “عزالدين” مكالمته، ثم اطرق رأسه لا يستوعب حتى الأن..، أن صغيرته ومدللته القريبة لقلبه تخون ثقته في بلد جعلها تذهب إليها من أجل الوصول للعلم وليس الخزي الذي جعلته يحمله اليوم فوق كتفيه.

طالعه “رسلان” وقد تأكد هو الأخر أن شقيقته لا تهذي بالكلام، إنما ما تخبرهم به هو حقيقة

– أختك طلعت متجوزاه يا رسلان، اتجوزوا في أسبانيا، وقضوا اسبوع ورجعوا علي اليابان، اختك اللي مستنيها ترجعلي بشهادتها عشان افتخر بيها قدام الناس، حطيت راسي في الأرض

تمالك “عزالدين ” دموعه ونظر إلى ولده بقلة حيله, وقد ظل يسرد إليه ما أخبره به أحد رجاله ، ثم هوي بجسده فوق الأريكة خلفه ، يحاول إستيعاب ما وضعته به أبنته، فانحني صوبه ” رسلان” يُحاول تهدأته

– خلاص يا بابا اللي حصل حصل، وهي اتجوزته بعقد مدني والولد من نفس الديانه، نحاول نتواصل معاه وينزل مصر ويتجوزها بعقد شرعي وقدام الناس ونصلح المهزله ديه

– فات الأوان يا رسلان
تعالت ملامح الدهشة فوق ملامح “رسلان”، فرفع “عزالدين” رأسه نحوه

– هنصلح إيه، الولد مات..، يا رسلان
.. ……….

صرخت “ميادة” بقهر ، وهي تستمع لسَبَّاب والدتها ، وحديثها الذي لا يتوقف عن عارها..، لم تتوقف عن إخبارها أن زواجهم كان لمجرد خوفها منها هي خاصة، بعدما لمحت إليها لمرات عديدة إنها اختارت لها شريك حياتها ولن تقبل بتزويجها إلا بمن أقرب مكانه إليهم

– كفاية يا ماما، كفاية حرام عليكي

رمقتها ” كاميليا” بقسوة، بعدما لطمت فوق فخذيها

– أقول إيه للناس اللي كانوا مفروض يزورونا النهاردة، اقولهم إيه معلش، بنتي المهندسة العظيمة اللي مستنياها تاخد الدكتوراه من بره، رجعالي متجوزه، وإحنا أخر من يعلم

ضمتها “ملك” إليها ، فالوضع لا يحتمل اي حديث منها..
خرج ” عزالدين” من غرفة مكتبه يتبعه “رسلان”، فهرولت “كاميليا ” إليهم، لعلا ما أخبرتها به ابنتها مجرد كذبه..

– عزالدين، طمني بنتك بتكدب علينا، عشان العريس

تعلقت نظرات “عزالدين” بأبنته، وقد نهضت هي الأخرى واقتربت منها على أمل أن يكون معشوقها بخير

– بِنتك كانت متجوزاه فعلا يا كاميليا، والولد كان دكتور جامعي بيدرس ليها وبيشرف علي رسالتها، وكان فعلا حاجز تذكرة الطياره عشان ينزل مصر، بس عمل حادثه وفضل في العنايه فتره في غيبوبة
انسابت الدموع فوق وجنتي “ميادة” ف “رايدن” لم يخن معها العهد الذي أتفقوا عليه، تمتمت برجاء وتوسل

– خليني اسافرله يا بابا، وبعدين اعمل فيا كل اللي أنت عايزه

لم تتحمل ” كاميليا” وقاحتها، فاسرعت نحوها, ترفع كفها عاليا حتى تصفعها

– جوز بنتك مات النهاردة الصبح يا كاميليا

ورغم السعادة التي ارتسمت فوق ملامح ” كاميليا” إلا أن صرخة ابنتها ثم سقوطها أرضاً، وصراخ “ملك” باسمها.. ،جعلها تهتز داخلها وهي ترى “رسلان” يحمل شقيقته صاعداً بها نحو غرفتها.

الخيبة وحدها ما كانت مرتسمة فوق ملامح “رسلان” من شقيقته، إلا إنه كان يتمالك حاله بعدما فاقت وأخذت تبكي غير مصدقة إنها فقدت الرجل الوحيد الذي احبته، مُعلمها الوسيم كما كانت تخبره في كل لحظة كانوا يجتمعون بها..

كانت عينين “ملك” لا تحيد عنهم في تعاطف على حال صديقتها التي أخفت عنها وما اقترفته في حق نفسها، تمتم
” رسلان” بخيبة لم تخفي عليها

– أنتِ يا ميادة تعملي كده، كنتِ قولتيلي، او قولتي لمحمد..، كنا هنقف معاكي وندعمك

طالعته بدموع اغشت عيناها والألم ينهش فؤادها

– وقفوا قدام حبك رغم إن ملك اتربت وسطينا، فتفتكر كاميليا هانم كانت هترضي بقصة حبي

تجمدت عيناه نحو تلك التي طالعته بألم، ثم انسحبت من الغرفة، وسنوات الماضي قد عادت إليها بأدق التفاصيل
……….

لقد طالت اللحظة التي انتظر فيها جوابها،حدق بها وبتلك الدموع التي علقت بعينيها، ولا يعرف تفسيراً لها،
إنها يضع أمامها حياة كريمة، حياة ستنال فيها كل ما افتفدته.. ، ف الحملة يوماً ما وسينساها الجميع لكن ما يعرضه عليها ستجني منه مستقبلاً، رمق الوقت الذي اهدره في إنتظار سماع جوابها

– بسمة، في غيرك ممكن يقبل العرض، وباقل شئ ممكن يوافق.. اتمنى أسمع ردك دلوقتي لأن مافيش وقت معايا..، والحملة لازم إعلانتها تنزل على مواقع التواصل الاجتماعي

اغمضت عينيها بعد حديثه ، تشرد في حياتها وما علمته للتو منه.
لقد جاء “فتحي” شقيقها يبحث عنها وذهب إليه ولولا المال الذي يلهث خلفه شقيقها ما كان تركها او رحل من هنا..، والحقيقة التي كل يوم تكتشفها إنها لا شئ في الحياة.

نهض “جسار” من أمامها بعدما ضجر من الأمر ، وقد أراد أن يُنهي نقاشه ويحسم وجودها في منزله وموعد رحيلها والمال الذي سيمنحه لها حتى يتخلص من وجودها بحياته، كل هذا أنتهي في كلمة واحدة منها

– موافقة

ابتسم “جسار” وقد اجتاحه شعور الشفقة نحوها، وهو يراها تطرق عينيها أرضاً.. ،تنهد بضيق فليست من طباعه إحتواء أحداً وخاصة بعدما اعادته “جيهان” لتلك النقطة التي تخطاها مع ” ملك”

– بسمة، الضيفة اللي هتيجي تتكلم معاكي النهاردة، هتحب تعرف تفاصيل كتير عن حياتك وإزاي اتحديتي الظروف ..، قصتك هتكون ملهمة لناس كتير يا بسمة

فرفعت عينيها نحوه، تزدرد لعابها

– حاضر يا جسار بيه

بعد دقائق كانت تدلف سيدة جميلة أنيقة، خرج هو حتى يعطيها مساحة في الحديث، كما إنه سيقرء التقرير الذي سيتم إعداده بعد الإنتهاء .

سردت “بسمة” للسيدة الجالسة قبالتها بعملية كل ما كانت تسأل عنه ، كانت حكايتها حكاية تحياها نماذج كثيرة، هي تتقبل حكايتها ولكن حينما وضع هو في حكايتها كانت تتجرع مرارة الحقيقة التي يُخبرها بها عقلها

” أن حبها الذي أصبح يتوغل في قلبها لهذا الرجل، حبً مستحيل وبعيد”

انتهت الجلسة ، فخرجت “بسمة ” من الغرفة بملامح حزينة بعدما تذكرت كل ما حُرمت منه وعانته على يد شقيق لا يعرف الرحمه

– أختيارك ليها من وسط البنات اللي رشحناهم، كان أمثل اختيار يا فندم، هنبدء فوراً في التنفيذ بس طبعا هنحتاج وجودها في الشركة عشان تحضير الإعلان الترويجي
…………

دلفت السيدة ” سعاد” خلفها، بعدما أخذها الفضول لتعرف ما سبب وجود تلك الضيفة، التي غادرت بعد دقائق من تركها للغرفة، ولكن السيدة ” سعاد” وقفت في مكانها مصدومة من هيئة ” بسمة” الباكية وقد ضاع فضولها وهي تهرول نحوها تسألها

– مالك يا بسمة، هو حصل حاجة ضيقتك يا بنتي، هو أنا شكلي حسدتك ولا إيه لما شوفت الفستان جميل عليكي

حاولت “بسمة” الاعتدال من فوق الفراش، ومسح دموعها، فقد أخرجت كل ما يعتلى فؤادها وانتهى الأمر

– انا كويسه يا خالتي، متقلقيش

ابتسمت السيدة “سعاد” وهي تراها تمسح دموعها، فاقتربت منها تضمها إليها بعدما جلست فوق الفراش جوارها

– خالتك سعاد هتسيبك لحد ما تهدي وتيجي تحكيلها، مش يمكن تلاقي عندي اللي يريح قلبك يا بنتي ، ويلا قومي معايا خلينا ناكل، ده أنا وعمك جميل مستنينك تتغدى معانا

عادت الدموع تلمع في عينيها، فاسرعت السيدة “سعاد” في جذب يدها حتى لا تجعلها تعود لبكائها

– عمك جميل جاع وممكن في لحظة نلاقي هنا في الأوضة
…………

أراد أن يجرب سياسته التي كانت تحصد له ما يُريد من النساء، ولكن مع “خديجة النجار” كانت قوانينه ضائعة،
لقد أعطاه ” كاظم” فرصة في بقاءه هنا لبعض الوقت، وها هو ينفذ سياسته…
تجاهلته في البداية كلما كان ينظر إليها، تنظر نحو الملفات وتتحدث مع الجالسين بعملية..، إنها بالفعل سيدة أعمال ناجحه، هو فخور بها ولكنه لا ينظر إليه بتلك الصورة،
هو لا يراها إلا بين ذراعيه في فراشه.. ،
قضم شفتيه وهو يُحادث نفسه, بالمزيد من الصبر والصمود حتى تلين هي، فقد اعطته إشارة أمل بعدما طلبت وجوده في إيطاليا ما دام “كاظم” لن يأتي بدلاً عنه.

انتهى الأجتماع ونهض عن مقعده بعد الأتفاق نحو كل شئ، ومثلما فعلت هي كان يفعل، تجاهلها بعدما اعطي الأوامر لمدير مكتبهم هنا في إيطاليا, وغادر الغرفة دون الالتفاف خلفه مع ابتسامة واسعة ارتسمت فوق شفتيه.. ،فالمرأة الحديدية كما يُلقبها نزلت عن عرشها بعدما غادر أعضاء مجلس الأدارة والشركاء وانتظرت أن يُطالعها ويقترب منها بلهفة مثلما كان يفعل من قبل.

اتجهت نحو غرفة مكتبها بوجه عابس، وعندما دلفت خلفها مديرة مكتبها تُعطيها تقرير اليوم ، التقطت حقيبتها

– ألغى كل مواعيدي يا جيداء

و “جيداء” وقفت مصدومه من قرار رئيستها المنضبطه في عملها.

استقلت سيارتها، تجلد ذاتها نحو تلك المشاعر التي أصبحت تنتابها ولا تُفسر إلا شيئاً واحداً، إنها لم تعد تتحكم في غريزتها.

– فوقي يا خديجة، فوقي من اللي أنتِ فيه وحساه، مش كفاية بدل ما تسعي ورا رحيله من هنا وتعيدي توازنك من تاني، اقتراحتي علي كاظم يخليه بديل له، ما دام مش هيقدر يجي إيطاليا ..

والمبررات كان يمنحها لها عقلها، حتى يعفيها من الخزي

– لا أنا معملتش كده, غير عشان الشغل
– أنتِ كدابة، أنتِ بتضحكي علي نفسك

توقفت بسيارتها عند إحدى إشارات المرور، مدَّت يدها جوارها حتى تلتقط زجاجة المياة وترتشف منها، ولكن كل شئ كان يُعاندها.. ،وقعت عيناها عليه وهو يتجه نحو أحد المطاعم ثم جلس في إحدى الطاولات المطلة نحو الطريق.

انفتحت إشارة المرور، وبدلاً أن تُكمل طريقها نحو منزلها..، كانت تدور بسيارتها نحو الجهة الأخرى بل ونحو طريق اللاعودة.
………….

ودعت ” أحمس” أمام بوابة الجامعة..، بعدما طلب منها مازحاً للمرة الثانية أن تتذكره عند زوجها السيد ” سليم” المحامي الشهير سابقاً ورجل الأعمال حالياً ،
هي بالفعل تتمنى أن يوافق “سليم” علي إعطاءه تلك الفرصة، غير أن ” أحمس” شاب مكافح وضعت والدته كل أحلامها به و دوماً كان شقيق لها ول جنات ..

توقفت السيارة التي خصصها لها ” سليم”، فصعدت على الفور وقد بدأت تعتاد حقاً الدلال والحياة المرفهة التي يغمرها بها.

عادت للمنزل فاليوم لم يكن لديها تدريب بشركة المحاماه لتأخر محاضراتها..، ابتسمت لها السيدة “ألفت” فور أن دلفت من باب المنزل

– سليم بيه، جوه في مكتبه.. جيه من ساعة ومستنيكي تتغدوا سوا

اعطتها السيدة “ألفت” تقريراً صغير، ومن نظرتها كانت تري فيها أمً تخاف علي حياة أبنتها.. ،اماءت لها برأسها مبتسمه واتجهت نحو الغرفة تطرقها برفق، ثم دلفت بعدما سمح للطارق بالدلوف.
ابتسم بحنان عندما رأها ونهض عن مقعده يفتح لها أحد ذراعيه، يدعوها للأقتراب منه

– تبلغني فوراً، أول ما ترجع من السفر
لم تهتم بحديثه الذي أنهى به مكالمته، بل كانت لا تشعر بشئ إلا حضنه الذي غمرها داخله

– جيتي أمتي يا حببتي

رفعت عينيها نحوه، تنظر إليه بحب عاد يستوطنها كما استوطن قلبها من قبل

– لسا واصله

ابتسم وهو يري نظرتها المحبة إليه، يتحسس خدها بكفه

– أنا وخديجة مستنينك عشان نتغدا سوا
– هطلع اغير هدومي وأنزل علطول

ابتعدت عنه حتى تُسرع من تبديل ثيابها، والتفت بجسدها مغادرة ولكن توقفت مكانها، تستمع لأخر شئ كانت تنتظره من
” سليم النجار”، الرجل الذي تُحاوطه كل رفهيات الحياة، الرجل الذي كان قديماً عابث بجدارة

– صلي فروضك يا حببتي، تمام

لم تشعر بقدميها وهي تعود إليه، تدفن حالها بين ذراعيه.
ابتسم.. ، بعدما انسحبت من احضانه دون حديث، وعندما اغلقت الباب خلفها..، وقف يتنهد براحه، ثم عاد الغضب يرتسم فوق ملامحه وهو يتذكر فعلة “شهيرة” بصغيرته ثم سفرتها في رحلة عمل وكأنها تتهرب من لقاءه تلك الفترة.
………..

أشارت الصغيرة لمربيتها برأسها متذمرة عن جلوسها فوق المقعد الذي اعتادت الجلوس عليه

– أنا عايزه بابي

خرج “سليم” من غرفة مكتبه على صوت صغيرته، فنظر للمربية حتى يفهم ما بها صغيرته

– والله يا سليم بيه، مش عارفه مالها

اقترب من صغيرته وانحني نحوها، يسألها عن سبب عبوسها، وعندما علقت عينين الصغيرة نحو “فتون” التي أتت نحوهم بابتسامة واسعة, ولكن سرعان ما تلاشت من فوق ملامحها وهي تستمع لصياح الصغيرة

– بابي متخليهاش تاكل معانا، خليها تمشي يا بابي

التف ” سليم” خلفه، حتى يفهم ما تتحدث عنه صغيرته، فتجمدت ملامحه وهو يري ” فتون” واقفة خلفه باهتة الوجه من حديث الصغيره، فعاد ينظر لأبنته مُعنفاً

– خديجة عيب كده

هرولت الصغيرة صاعدة, نحو غرفتها باكية ومربيتها تتبعها، لم يتحمل سماع بكائها فاسرع خلفها بعدما عانقت عيناه عينين الواقفة بأسف.

سقطت دمعتها، لقد كانت سعيدة منذ لحظات، وهذا ما تخشاه دوماً أن تزول أي سعادة تقتحم فؤادها.
انسحبت هي الأخرى من المكان نحو غرفتها، ولكن وقفت مكانها وهي تراه عائد بالصغيرة ، يمزح معها وتعانقه ضاحكة، متسائلة عن رحلتهم الجميلة هو وهي وحدهم.
تبدلت ملامح الحزن علي وجهها وهي ترى سعادة الصغيرة

– ديدا لما بنعمل حاجة غلط ونقول كلمة وحشة، لازم نعمل إيه
هتفت الصغيرة دون النظر نحو “فتون”

– بنعتذر يا بابي، عشان ربنا يحبنا

ازدادت سعادة “فتون” وهي تستمع للصغيرة، التي مازالت داخل أحضان والدها

– يلا قولي ل فتون، أنا أسفه

ورغم هتاف الصغيرة للعبارة حانقة، إلا إنها وصلت لقلب “فتون”، واسرعت نحوها تُقبلها
لم تنظر نحوها الصغيرة، وازدادت سعادتها اكثر وهي ترى والدها يُجلسها فوق ساقيه ويُطعمها ويُدللها.
جلست تتناول طعامها بينهم بملامح سعيدة، وعيناها تُعانق كل شئ صغير يفعله..

انهت الصغيرة طعامها واسرعت لمربيتها حتى تغسل لها يديها، فابتسم بحب وهو يسمع هتافها

– هغسل ايدي بسرعه يا بابي, وارجعلك

وعاد ينظر لصغيرته الأخرى، التي لم تمس طعامها بل ظلت تنظر له ولأبنته، انحني صوبها يهمس لها

– هنتعشا النهاردة في اوضتنا سوا

وابتسم وهو يراها تغمض عينيها، بعدما حرك خده فوق خدها وقد دغدغتها لحيته

– برنسيس فتون مأخدتش حقها النهاردة في الدلال، وأنا راجل عادل
وبقبلة خاطفة وضعها بالقرب من شفتيها، كان يُنهي حديثه قبل أن تعود إليه صغيرته، فالصغيرة لا تُريد لأحد أن يشاركها في والدها
………..

وقفت أمام المرآة تُجفف خصلاتها، وقد اتخذت قرارها..، ستعود لعملها، ستعود لجنات القوية وليس تلك التي بحثت عن مشاعر الحب..، لن تجعله يهزمها مجدداً ولن تصبح مجرد عاهرة في فراشه.

كانت شاردة في أفكارها ولم تشعر بوجوده ولا قربه وهو يقف خلفها وقد اصبحوا صورة منعكسة، نظرته كانت خاوية، وأفكاره كانت تتضارب برأسه، طوق خصرها بذراعيه..؛ فانتفضت مذعورة من أثر لمسته ونفضته عنها

– أوعى تلمسني تاني، أنا عمري ما هكون مجرد متعة ليك في سريرك

ولكن ” كاظم” كان حاسم الأمر بل وراغب أيضاً، تقدم منها ثانية يجذبها إليه

– هوس، مافيش ست محترمه ترفض جوزها
– ده لما تكون العلاقة بينهم صح، زوج وزوجه بجد..
– وإحنا إية يا جنات؟

تاهت في نظرته وتلك اللمسة التي استباح بها جسدها، انصاع القلب للحظات ولكن عقلها أخذ, يُذكرها بما فعله بها وما فعلته بحالها

– ابعد عني، أنت كسبت وأنا خسرت، أنا كنت فعلا غبية لما وقفت قدامك…

اقتباس من القادم
*****

نظرت إليه وقد توهج بريق عينيها وضاعت جميع قراراتها وعاد القلب يخفق من جديد دون أن يرحم صاحبته، عادت تنظر إلى المحتوى الترويجي للحملة صوت وصورة..،
لم تظهر ملامحها بل جعلها مشوشه حتى اسمها كان مجرد اسم وهمي..،
ظهرت للجمهور بالفعل ولكن بهوية مخفية،
فالحملة مؤمنة باحترام المرأة وتقديرها،
بضعة عبارات تم إقتناءها بعناية، بدء بها الإعلان الترويجي ثم بعدها بدأت الحكاية وانتهت ب دعم الشركة لنماذج أخرى مستقبلاً ، انتشر الإعلان الترويجي بقوة، فالحكاية وصلت للناس لصدقها

– جسار بيه، أنا كنت فاكرة إنك مرضتش اروح الشركة ونصور الإعلان هناك، عشان يعني حضرتك مكسوف من وجودي في شركتك

هتفت عبارتها بتعلثم وخجل عما ظنته به بعدما رفض ذهابها لشركته ، فابتسم إليها متفهماً سوء ظنها…,
ارتفعت دقات قلبها وهي تري ابتسامته

– ديه رغبتك يا بسمة ولازم تُحترم، والموضوع مخسرش الحملة حاجة، بل بالعكس الناس اتبسطت جداً من الطريقة ديه

اتسعت ابتسامتها وبعدما ظنت إنها فاقت من حبها لهذا الرجل، عاد قلبها يمنحها حلم أخر ولكنه كان مسكين

– مع بداية السنة الجديدة، هتبدأي دراسه في كلية التجارة..، وهتشتغلي عندي في الشركة

نهضت عن مقعدها وقد لمعت عيناها من فرط السعادة، ولكن كل شئ اختفي ولم تبقي إلا المرارة تتجرعها

– للاسف مقدرش اشغلك في أي مكان عند معارفي، مش ناقص مصايب تاني ولا اخوكي يظهر ويعملي مصيبة ، فمضطر اخليكي تحت عيني وأنتِ وشطارتك يا بسمة تثبتي نفسك ليا، أنا مش بتهاون في الشغل

الفصل الواحد والأربعون (3)
***************
تنهدت بألم وهي تري حالة صديقتها بعدما عانقت الوسادة باكية ولسانها يُردد وكأنه يُقنع صاحبته إنها ليست إلا الحقيقة..،
لقد مات ” رايدن” وتركها بمفردها بعدما حلموا بكل شئ معاً، بل وكان الأمر أكبر بينهم..، لم تصل علاقتهم للنقطة الأخيرة، ولكنهم وصلوا معاً لنقطة أكبر وأعمق..، نقطة رسخت داخلها.

انسابت دموعها بمراره بعدما استمعت لصوت إغلاق الباب وقد انصرفت “ملك” من الغرفة بعد أن دثرتها
والمقتطفات تعود إليها

” لا استطيع رايدن، انتظر حتى نُعلن زواجنا”

يتذمر قليلاً بعدما يبتعد عنها ناهضاً، وقد نزعته من لحظة الكمال التي يعيشاها معاً ، ولكن فور أن تتعلق عيناها بعينيه ويري أسفها..، يُعانقها متناسياً كل شئ، متمتماً

” لا بأس حبيبتي ، سانتظر”

عادت الحرقة تخترق فؤادها، بعدما اقتحمت الذكريات قلبها..، تتسأل داخلها ما الخطأ الذي فعلته حتى تضيع سعادتها..، لقد اختارت الحب، اختارت أن لا تكون حكاية أخرى بائسة مثل شقيقها .

دلفت ” ملك” غرفتها بملامح مُرهقة، فتعلقت عيناها بعينين “رسلان” الذي رمقها للحظات، ثم عاد يغمض عيناه متسائلاً

– نامت

اقتربت من الخزانة تلتقط منامتها، وهي حزينة علي حال صديقتها، ثم هزت رأسها نافية..
زفر أنفاسه واعتدل في رقدته وأقترب منها، فانتفخت عروقه غضبًا وهو يتذكر ما مروا به اليوم

– الموضوع صعب علينا، مش علي الهانم، لحد دلوقتي مش قادر أصدق إنها تعمل كده في نفسها وفينا..، تتجوز من ورانا ليه؟

طالعته في صمت، ولكن عينيها كان بهما حديثًا أخر..

– عايزة تقولي إيه يا ملك، إن إحنا السبب!

وكأنها كانت تنتظر سؤاله، حتى تجيبه بحقيقتهم التي أصبحوا عليها

– ميادة مش لوحدها الملامة يا رسلان، انتوا كمان مذنبين زيها

والرد كان يخرج من شفتيه في ذهول، يُشير نحو حاله غير مصدقًا.. ،أن شقيقته التي تحظى علي كل شئ, ويضعونها في مرتبة عالية، ويروها لا تُخطئ وعقلها دوماً يفوق سنوات عمرها.., “ميادة”.. ،الطموحة
“ميادة” .. ،التي لا تبحث إلا عن التفوق..، ميادة التي لم تميل لمشاعر الهوى ..

– إحنا يا ملك
– أيوة يا رسلان أنتوا، طول عمرها هي اللي بتحاول تقرب منكم..، تظهر ليكم ميادة اللي أنتوا عايزين تشوفوها وفخورين بيها.. ،لكن عمركم في يوم ما شوفتوا ميادة نفسها عايزة إية

احتدت عيناه رغماً عنه وهو يسمعها..

– يمكن أنت اقل واحد فيهم مذنب يا رسلان

وعلقت عيناها به وهي تري نظراته نحوها

– محمد طول عمره بعيد عنكم، وأنت في الأول كنت بعيد عشان توصل لحلمك لكنك بعدت من التاني ..، عمي عزالدين بقى مشغول طول الوقت وطنط كاميليا بعد ما كنت بتمنى اكون ست زيها في يوم.. مظاهر الحياة اخدتها ومبقتش بتدور غير إزاي تكونوا فوق ديما، مهما كان التمن

والتمعت عيناها بالدموع وهي تتذكر رفضها لها، رغم إنها كانت تراها فتاة مميزة

– والدتك موفقتش ولا سعيت علي جوازنا غير عشان ولادك و ولاد مها يا رسلان..، حبها ليك ولأحفادها اجبرها إنها ترجع ملك من تاني لحياتكم ..

اقترب منها ، بعدما بدء يشعر برجفة جسدها

– مش قولنا نحاول ننسى الماضي يا ملك

انسابت الدموع فوق خديها، وهي تتذكر نظرات ” كاميليا” لها ، بأنها من شجعت ” ميادة” ، فلا احد يعلم باسرار أبنتها إلا هي ..
ارادت “كاميليا” البوح بما تشعر به ولكن ما كان يلجم لسانها وجود ” رسلان”.. ،فهي لا تُريد خسارة ابنها الحبيب مجدداً

– الماضي عمره ما بيتنسي يا رسلان، الماضي بيحفر جذوره جوانا..، خليك رحيم عليها يا رسلان.. ،أنت عارف ومتأكد إنها هتواجه غضب والدتك..

واردفت متحسرة علي صديقتها

– كاميليا هانم بتخاف من الفضايح ومش هتسكت غير لما تجوز ميادة ومش هيفرق معاها حزنها

حاول أن يُبرر أفعال والدته، فرغم كل شئ لا يُحب أن يراها إلا بصورتها القديمة..، الأم المحبه لأطفالها..، الأم التي لم تأخذها مظاهر الحياة وتصنع منها شخصية أخرى

– أمي مش وحشة اوي يا ملك، هتغضب شويه علي ميادة لكن بعد كده هتقف معاها..

وتنهد بارهاق وحرقة عما صنعته شقيقته بحالها قبل أن تصنعه بهم..، وما يجعله لا يجن أن صحة ما تقوله حقيقة

– لأنها في النهاية أم

ارتخي جسدها بين ذراعيه، وعبارته تتردد داخلها..، احتواها بحنان وهو يشعر باستكانتها

– أنا عايزه اكون أم يا رسلان
……..

تثاءب بنعاس وهو يستمع لأخر سطر تسرده له من إجابة سؤاله..، بعدما ظل لساعتين يُدرسها بمهارة فمن سيكون أبرع منه في القانون كما يُخبرها “أحمس” دائماً،
ابتسمت وهي تراه يغلق الكتاب أخيراً متنهداً براحه

– تصدقي وأنا طالب مكنتش بذاكر كده

رفعت حاجبيها دليلاً علي أن الأمر لم يدخل عقلها..، فشحص مثله كان بارع في تلك المهنة بالتأكيد كان متوفقاً ومميزاً في دراسته

– بتبصيلي كده ليه، مش مقتنعه!

هتف عبارته ضاحكاً علي هيئتها، وهي ترمقه بنظرة قد راقت له

– مش معقول، ده أنت أسمك علامة في عالم المحاماه

تنهد مسترخياً وهو يتذكر عمه الراحل، الذي جعله يحب تلك المهنة وقد أعطاه من سنين خبرته بل وتلك المؤسسة التي كبرت علي يديه

– عمي الله يرحمه هو السبب، كنت قريب منه اوي..، كنت بحب كل حاجة هو بيحبها.. ،تقدري تقولي كان قدوتي بجد

ارتسم الحنين فوق ملامحه، فاقتربت منه، بعدما شعرت بحزنه علي ذكرى ذلك الراحل

– هو مات من زمان

اماء برأسه إليها، يتذكر رحيله الذي كان نقطة فاصلة في حياته

– علمني أكبر درس في الحياة

صمت عن حديثه، فنظرت إليه بترقب.. ، تنتظر سماعه..
عانقت عيناه عينيها, فابتسمت وهي تراه يُطالعها بتحديق

– أني مسيبش الحياة تسرقني يا فتون

اتسعت ابتسامتها، رغم إنها لا تعي مقصده..، لكنه درس جدير بأن تتعلمه..، فكم مرة سرقة الحياة من عمرنا وأخذت منا الكثير

– اجمل حاجة يكون عندك ناس في حياتك تتعلم منهم

كان يشعر بها وباحتياجها لأشياء تمنت ان تحظى بها ولكنها كانت ترضي بما تمنحه لها الحياة..، اقترب منها متسائلا بعدما حاصرها بجسده

– وأنتِ مين في حياتك بتتعلمي منه يا فتون

وانفلتت ضحكته وهو يراها تراوغه عن قصد

– جنات، ومدام سحر مديرة الجمعية اللي اتبنت حالتي زمان
– والمدام ليه متتعلمش من جوزها ولا هو برة الحسبة

هتف بجدية مصطنعه..، فتغيرت ملامحها وهي لا تصدق إنه قد حزن منها..

– سليم ،انت زعلت

و “سليم” كان رجلاً ماكراً، مُحنك في خطواته وبارع في التلاعب..، عادت ضحكته تصدح في الأرجاء وهو يميل عليها يلثم ثغرها

– هتفضلي طول عمرك بريئة ونقية يا فتون

وقبل أن تدفعه عنها بعدما تلاعب بها، كان يحيطها بتملك، يذيقها من حبه..، حب أصبحت تحتاجه بل وأدمنته.

ابتعد عنها بعدما افاقته من توقه الشديد ، ينظر إليها قبل أن يفهم، لماذا دفعته عنها برفق قبل أن يُكمل رحلته؟

– سليم، خديجة بتعيط

اغمض عينيه قليلاً حتي يفيق من نشوته، ثم نهض عنها بعدما التقط ثوبها يعطيه لها، اسرعت في ارتدائه بخجل متمتمه

– افتحلها يا سليم، ديه بتعيط بقالها مدة

عاد لثباته بعدما هندم هيئته سريعاً، واتجه نحو باب الغرفة يفتحه لصغيرته التي أندفعت لحضنه باكية

– الوحش كان هياكلني يا بابي

تألم قلبه وهو يري الدموع اغرقت خدي صغيرته، ثم اخدت تلتقط أنفاسها بصعوبة

– حببتي أنتِ في حضن بابي دلوقتي مافيش حاجة هتحصلك، مش بابي هو الفارس بتاعتك

اماءت الصغيرة برأسها تدفن وجهه في عنق والدها

– متسبنيش يا بابي

انفطر قلبه وهو يري حالتها، وقد ازداد حقده علي “شهيرة” لأول مرة دون تعاطف

– أنتِ عمري كله يا ديدا، بابي مستحيل يسيبك

وببضعة كلمات تحبها صغيرته، كان يخبرها بحبه.. ،تعلقت بعنقه بشدة تحت نظرات “فتون” إليهم.. ،
تلاقت عيناه بها.., فوجدها تتخذ طرف الفراش تاركة للصغيرة مساحة بينهم تدعوه بعينيها أن يقترب بها،
أستمع لتثاوب صغيرته تهمس إليه راجية

– بابي، ديدا عايزه تنام معاك وتحكيلها حكاية

ضمها بشدة بعدما وضع بقبلة حانية فوق خصلاتها

– حاضر يا حببتي

اقترب بالصغيرة من الفراش، فحاولت “فتون” الاقتراب منها ولكن الصغيرة تجاهلتها في صمت..، وبأسف كان يهز رأسه إليها, ألا تحزن

ورغماً عنه كان يبتسم وهو يري صغيرته الماكرة ، المتملكة تحتضنه بقوة وتفرد ذراعيها فوقه.. وكأنها تخبر الجالسة جوارها أنه ملكية خاصة بها وحدها.

ولم يكن الأمر مختلف علي”فتون ” التي طالعت الأمر بذهول، غير مصدقة غيرة الصغيرة منها، وبنبرة هامسة مضحكة كان يُخبرها
– ديه ضُرتك يا فتون
– بابي احكي الحكاية، ديدا عايزة تنام

فابتسم وهو يرفعها قليلا فوق صدره، ويحاوطها بذراعيه

– طيب إيه رأيك نخلي فتون تحكينا حكاية

طالعته ” فتون” بنظرة سعيدة، مرحبة باقتراحه ولكن سرعان ما انطفاءت تلك النظرة السعيدة من عينيها، وهي تستمع لصوت الصغيرة

– لا
– بابي معندهوش حكاية يحكيها يا ديدا، اطلبي من فتون هي اللي تحكي..
ض
وبحماس اخذ يُخبرها عن بضعه حكايات لا تعرفها سوي “فتون”، تحمست الصغيرة قليلاً ولكن حمسها انطفئ وهي تغمض عينيها بقوة تتذكر مكالمة والدتها لها هذا المساء ..، فإذا أرداتها هي لابد ان لا تحب “فتون”، والصغيرة لا تُريد إلا والدتها في حياتها

– خلاص يا بابي، مش مهم الحدوته

انصدم من رفض صغيرته..، وسرعان ما ضمت نفسها إليه تهمس له برجاء

– بابي أنا عايزة مامي

غفت الصغيرة بعد دقائق، من شدة إرهاقها بسبب البكاء..، ليتنهد ” سليم” وهو ينظر نحو التي كانت تطالع الصغيرة ..،فهي تشعر بمشاعر تلك الصغيرة وشوقها لوالدتها

– فتون…

أراد إكمال عبارته معتذراً، ولكنها أسرعت تخبره بصدق

– أنا مش زعلانه، لو مكانها هعمل كده صدقني..،أنا بحب حبك ليها، خديجة محظوظة بيك

التمعت عيناه بحب وهو يسمعها وقد زال الحزن الذي استوطن قلبه بسبب صغيرته، فلم يكن يتمنى لها يوماً أن تعيش مشاعر هكذا بينه وبين والدتها

– حببتي العاقلة، واللي بسبب عقلها هتخليني أنام في الوسط، مع اني مبحبش أكون الوسط في أي حاجة

لم تستوعب ما يقصده، إلا عندما ازاح صغيرته قليلاً، ثم فرد ذراعه الأخر
– ولا مش عايزة تنامي في حضني
أسرعت في تلبية دعوتها..، سعيدة بتلك المشاعر التي يجعلها تعيشها.
……….

فرك جبينه مرُهقًا بعدما نهض عن مقعده في غرفة مكتبه، فالأعمال أصبحت تتثاقل فوق كتفيه.. ،والتوسع الذي أراده أصبح لا يعطي له متسع للتنفس ولكنه قد اختار الطريق..، أن يُهلك نفسه في العمل..

تقدم بخطواته نحو خارج الغرفة ولكنه توقف مكانه متذكراً ذلك التقرير والتسجيل الصوتي الذي به التفاصيل عن حياة تلك التي ستمثل حملته وتعيش معه تحت سقف واحد..، وما هي إلا كابوس ..، لم يتمني في حياته أن يرتاح من أمر أحداً اكثر منها..، فتاة مشرفة ذو أصل مشرف

والسخرية ترتسم فوق شفتيه يُخاطب حاله
“يا لك من محظوظ يا جسار”

عاد لمكتبه ثانية حتي يلتقط ما يخص الحمله وعاد بادراجه نحو الخارج قاصداً غرفته.

وبعينين مغلقتين كان يستمع لما تسرده في التسجيل الصوتي ، خفق قلبه شفقة وهو يستمع لكل كلمة تنطقها بمرارة.
ساعة مرت وهو جالس يستمع..، يتسأل داخله هل تعرضت لكل هذا في سنوات عمرها القليلة..، إنها لم تتجاوز الثاني والعشرون من عمرها
تحرش وتعرضت، ضرب ونالت، عمل وعملت بأي شئ حلال، يُجلب المال دون خجل وحلمها الوحيد كان أن تعيش هي وأبيها حياة كريمة بعيده عن شقيقها, وتُكمل تعليمها ولكن والدها قد رحل وتركها تحت سطوة أخ لا يُرحم.

انتهى التسجيل أخيراً، فعن أي جزء سيتم أخذه من حكايتها في الحملة حتي يتعاطف الناس، والحكاية بأكملها نابعه من القلب ومن مرارة ما عانته صاحبتها.

شعر بالندم قليلاً، يتذكر حينما طلب منها أن لا تُهاتف “ملك” وتبتعد عنها, فهي ليست أهلاً لصداقتها،
وقد ذكرت “ملك” في حياتها.., ذكرت تلك التي احيانا يشعر بالحقد نحو “رسلان” لأنه نالها..

جفاه النوم ولكن لم تكن حكاية “بسمة” هي من جافته..، فقد أخذه الحنين نحو الأيام التي قضاها مع “ملك”.. ، كانت كشقيقه وصديقه لم ينظر لها يوماً بتلك النظرة التي ينظر بها الرجال للنساء، رغم إنه حاول أن تنجح علاقتهما، ولكنها كانت في عينيه في صوره الشقيقه..،
ليت قلبه الأحمق وقلبها كانوا اجتمعوا ما كان وقع في حيلة “جيهان” الخبيثه..، جيهان التي نالت المال الكثير لتخرج عن حياته وجعلته كارهاً للنساء.
………..

داعبت “خديجة” عنقها بيدها وهي تري رسالته التي بعثها رداً عن رسالتها..، صحيح أن المراسلة بدأت بينهم من أجل الاطمئنان عليها بعدما كانت ستنزلق قدمها عند خروجها من المطعم اليوم..،
لم يكن اللقاء صدفة من قِبلها ولكن هو كان أكثر من سعيد وهو يراها في المطعم الذي يأتي إليه دوماً.

ابتسمت وهي تري بعض الصور التي يبعثها لها في رحلة التزلج الأخيرة برفقة أصدقاءه، ولكن ابتسامتها تلاشت وهي تري في إحدى الصور فتاة تُعنقه..
تجمدت عينيها قليلاً نحو الصورة، ولم تشعر بحالها إلا وهي تغلق هاتفها تزفر أنفاسها وتمسح فوق خديها غير مصدقة..، أن شعور الغيرة اقتحم فؤادها.
………..

فتح شرفته بعدما لم يجد أملاً في النوم هذه الليلة..، طالع السماء الملبدة بالغيوم واقترب من سياج الشرفة.. ،فعلي ما يبدو إنها ستمطر هذه الليلة أو في الصباح.

اغمض عينيه يزفر أنفاسه براحه.. ،و ظل هكذا حتى شعر بالاسترخاء..؛ ففتح عينيه..،
ولكن عيناه علقت بتلك التي جلست فوق العشب تحمل قطة فوق حجرها وتطعمها..
بدأت قطرات المياة ترتطم برأسه ثم اشتدَّ هطول المطر،
ظنها ركضت نحو الداخل ولكنه وجدها تقف مكانها تبحث عن مكان ما..،
تنهد بضيق ف في الصباح ستذهب معه للشركة حتى يبدأوا جلسة التصوير معها ولكنها كالحمقاء واقفة والمطر يهطل فوقها.

اسرع في خطواته للأسفل، وخرج حانقاً، غاضباً
وجدها تتجه نحو مكان يمنع تسرب الماء فوقها ، ثم اسرعت تزيل عنها سترتها وتضعها فوق القطة بعدما وضعت لها الخبز الذي كان معها

– ميمي، خليكي هنا اوعي تمشي وعقلك يوزك تقولي اروح للقط اللي ماشيه معاه..

طالعتها القطه وهي تضيق عينيها، فرمقتها “بسمة” حانقة

– بلاش البصه ديه، ده أنا قفشاكي امبارح معاه

وانحنت نحوها حتى تُحذرها من الركض وراء ذلك القط

– أنتِ بتعملي إيه هنا، والدنيا بتشتي ؟

سكنت “بسمة” مكانها، لا تستوعب إنه واقف خلفها..، التفت ببطء نحوه، تنظر إليه برجفة لا تعرف أهي من شدة البرودة ام من تلك النظرة التي يرمقها بها

– جسار بيه

تمتمت اسمه والماء يتقطر منها، فاقترب منها يجذب ذراعها حانقاً

– لو حضرتك تعبتي دلوقتي، هنضطر نأجل التصوير عشان خاطرك..

انسابت دموعها ، وهي تستمع إليه.. ،فكل ما يعبأ لأمره هي حملته

– كنت بحط اكل ل ميمي، دادة سعاد قالتلي انك بتكره القطط
– استهتارك بسبب قطه
– ممكن تسيب دراعي

طالع ” جسار” يده التي مازالت تقبض فوق ذراعها، فتنهد بضجر، أمراً

– ياريت تدخلي تغيري هدومك وتنامي علطول..، وشوفيلك أي علاج للبرد بدل ما بكرة الاقيكي تعبانه

ابتلعت غصتها، فقد قررت أن تتحمل قسوته حتى تنال ما سيقدمه إليها ثم ترحل عن هذا المنزل وعنه دون رجعة…

تحركت من أمامه، وسرعان ما خرجت منها صرخة وهي تجد جسدها يميل للخلف، فاغمضت عينيها وهي تعلم أن الأرض من سترحب بها ولكنها لم تجد إلا ذراعيه تسندها وعيناه تُحدق بها
…………

حتى بعدما نالها ونال متعته منها، مازال يتمتم باسمها راغبًا بها بل ويُخبرها وهي بين ذراعيه, إنه يُريدها

– يمكن لما انولها، انساها يا بت يا سميرة

ابتعدت عنه “سميرة” حانقة بعدما غطت جسدها بشرشف الفراش، تتذكر “بسمة”، والغيرة تنهش قلبها

– بعد كل اللي بعمله ليك يا عنتر، عايزاها برضوه
ثم هتفت حانقة، تُشير نحو رأسه
– ده أنت لسا راسك مخفتش، وعلمت عليك حته بت ملهاش أصل ولا فصل وهربانه من أهلها

التمعت عينين ” عنتر” بالشهوة غير عابئ بحديثها ، يتذكر طراوة جسدها اسفله

– ما أنا بقولك يمكن لما أدوقها.. ،أنساها

ثم نظر نحو “سميرة”، وقد أخذت تلتقط ملابسها حتى ترديها, وهي تسبه بصوت مسموع

– هعديلك طولة لسانك يا سميرة..
ثم مدّ ذراعه يلتقط علبة سجائرة

– ادائك النهاردة كان وحش، ولا شكلك مبقتيش نافعه

التمع الغضب في عينين “سميرة”، وعادت إليه تدفعه بقبضتيها فوق صدره وضحكاته تتعالا عليها

– بقى كده، ما أنا اللي رخصت نفسي يا عنتر

عاد لينلها ثانية بشراسه، وقد تناست حنقها منه.. ،طالعها وهو يلهث أنفاسه وابتسم وقد بدء يفقد صوابه قبل أن يغفو جوارها
– بسمة
بهتت ملامح “سميرة” ثم دفعته عنها وقد عاد الحقد يحرق قلبها
– ماشي يا بسمة، مبقاش سميرة إلا ما فضحتك في المكان اللي بقيتي عايشة فيه

الفصل الثاني والأربعون (1)
*************
تأملت ملامحها، وقد توهجت وجنتيها تورداً لا تعلم سببه،
بل في الحقيقة كانت تعلم.
داعبت عنقها قليلاً , وقد اطبقت جفنيها مسترخية، وعادت تستشعر بلمساته التي مازالت تشعر بحرارتها فوق جلدها.

خفق قلبها نحو ذلك الشعور، الذي تشعر به معه, ولكن سرعان ما جمدتها الحقيقة التي أصبحت عليها، إنها باتت ضعيفة نحو رغباتها
اتجهت نحو فراشها تتهاوي فوقه، بعدما رأت في عينيها ما لا ترغب به, معنفة نفسها
– معقول وصلتي لكده يا جنات، معقول بقيتي ضعيفة للدرجادي
لم يرحمها عقلها وهو يُخبرها عن الطريق الذي اختارته لحالها..، فهي لن تكون في حياته سوي لتلبية رغباته،
ولكن عن أي رغبة ذكورية ستتحدث وهي من تكون مرحبة بالأمر رغم تمنعها

وها هي الصدمة تحتل ملامحها مرة أخرى، بعدما عادت الحقيقة مجدداً تطرق رأسها.. ،في لقاء لم يكن إلا ليلتين
، ليلة بعدما اذاقها فيها العسل.. دفع مرارة الدواء لحلقها وهو يُهينها علي ضعفها..، ولكن أمس والليلة الثانية لهما..، كانت بشعور مختلف ..،
ذابت بين ذراعيه رغم تمنعها ورفض عقلها أن تكون مجرد زوجة في الفراش لا أكثر.

شعرت بدلوفه للغرفة ثم تحركه لتلك الغرفة الجانبية التي تحتوي علي متعلقاته الشخصية..، دون أن يُحادثها بشئ
وبعد دقائق كان يخرج منها يحمل ملف بين يديه، يُقلب في أوراقه..
رمقها خلسة ، وقد نهضت عن الفراش واستجمعت ثباتها من تلك الحرب التي تعيشها بين قلبها وعقلها
اكمل خطواته نحو الخارج، ولكنه توقف وهو يستمع لصوتها

– ممكن نتكلم دقيقة

التف نحوها ببطئ، وارتفع حاجبه الأيسر..، ينتظر سماعها

– أنا محتاجه..

وقبل أن تُكمل حديثها ، وقد أرادت أن تخبره عن حاجتها للعودة للعمل..، فلم تعد تملك شئ سواه..، في حرب بدأتها مع تلك العائله..، انتهت بخسارتها، فلا ربحت مالا ولا كرامة
, وفي القريب العاجل ستكون لديها خسارة اخري، مطلقة بعد عدة أشهر من زيجة لم تنال منها إلا اللقب.

توقف الحديث علي طرفي شفتيها، وهي تراه يبتعد خطوة ويضغط علي زر هاتفه بعدما بدء بالرنين.. ،وقفت تنتظر إنهاء مكالمته التي تخص أعماله وقد طالت بعض الشئ..

زفرت أنفاسها وهي تنظر نحو خطواته، وهو يتحرك في الغرفة ويُخاطب الطرف الأخر بانفعال.. ، ولحماقتها وسذاجة قلبها الذي أصبح يخفق في حضور هذا الرجل الذي اراده..، كانت تتفرس في كل تفاصيله..، حركة شفتيه وهو يتحدث، طوله الذي يشعرها بقصر قامتها وضئالتها جواره رغم إنها ليست هكذا..،
فعلقت عيناه بها في لحظة شرودها نحوه، وهو يُنهي مكالمته مع الطرف الأخر، سحب بعض المال من جزدانه، متمتماً بعجالة بعدما وضع المال فوق طاولة الزينة

– لو في كلام تاني أجلي ، لاني مش فاضي

وببساطه كان يُلقي عبارته.. ، يُخرجها من تلك الدائرة التي اقحمت نفسها بها حتي تنال رجلاً لم تجني من ورائه إلا الخيبة.

ركضت خلفه بعدما شعرت بالأهانه من فعلته..، فهي لا تريد المال بل تُريد اخباره إنها ستعود لعملها حتي تنتهي تلك الزيجة التي تعلم بنهايتها
١
– أنا مش عايزة فلوس، مش معنى إني محتاجة حاجة يبقى عايزه فلوس

توقف في منتصف الدرج يُطالعها متنهداً بضيق، فوقفت تُحدق به، بعدما التقطت أنفاسها الهادرة

– جنات أنا مش فاضي، لو في كلام تاني عندك..، يبقى بلغيني بي لما ارجع

وبخفة صعد الدرجات، بعدما رأي تلك النظرة التي يعلمها ، فهو يُريدها ضعيفة غارقة في لذة الحب حتي ينال مبتغاه أولاً..، وقبل أن تخرج الكلمات مرة أخرى من شفتيها..
كان يلثم خدها بقبلة لم تصدقها..، شعر برجفتها.. ، فابتسم داخله علي سذاجتها، وقد صدق حقاً صديقه “جلال” حينا اخبره..
أن النساء لا يضعفون إلا أمام المال او رغباتهم..، والمثال كان متجسد أمامه من قبل..، والدته التي ضعفت من أجل الاحتياج لرجلاً بعدما فقدت زوجها واصبحت أرملة ثرية..، ليدخل ” جودة النعماني” حياتها ويلعب علي ما تحتاجه امرأة شابه مثلها..،
اما المثال الاخر يتجسد في زوجة والده ” السيدة منال” تلك المرأة التي لا تهتم سوي بالمال مهما مرت سنوات عمرها.. ، اما تلك التي وقفت مسلوبة الأنفاس من مجرد قبله ولمسه
, ما هي إلا تجسيد لكلاهما..، امرأة طامعة راغبة

– كانت ليلة مميزة يا جنات

همس عبارته التي ضاعت معها، بقلب انثي تفتح براعمه لأول مرة علي حب رجلاً لا يحمل في قلبه سوي القسوة، ثم ابتعد عنها وتابع خطواته، وابتسامة واسعة ترتسم فوق شفتيه.. ،والنصر كان حليفه.
………….

أرتشف قهوته سريعاً وانحني صوب صغيريه يقبلهما.. ،تعلقت عيناه بعينين خالته وقد طالت نظرتها نحوه كعادتها.. ،
تجاهلها كما يفعل دوماً.. ،فقد جعلته يجني من التعاسة ما لا يجعله يغفر لها.
خرجت “ملك” من الغرفة التي تقيم بها “ميادة” في منزلهم، فنظر نحو الصينية التي تحملها ومن علامات وجهها الحزينه قد علم الإجابة دون أن يسمعها منها

– ملك تعالي ثواني

القى عبارته، واتجه نحو غرفتهما ينتظرها..،اقتربت منها الخادمة تلتقط صينية الطعام ..، اتجهت نحو الصغيرين تداعب وجنتيهم متمتمه بحب

– حبايب ماما اللي كبروا

والصغيرين، يرفعون ايديهم نحوها ينتظرونها بأن تحملهم وتداعبهم..، قبلتهم ثم انحنت تتنفس رائحتهم

– هروح اشوف بابا واجيلكم وعلطول

وكما علقت عينين “ناهد” برسلان، كانت عيناه تتعلق بكل شئ تقدمه “ملك” للصغار..، طالعت صغار ابنتها الحبيبة..، وأمنية وحيدة عادت تطرق قلبها.. ، أن لا يكون الحديث الذي لم تخبرها به العرافة منذ سنوات هو ما تخشي حدوثه ،
ان يستمر حب ” رسلان” ل “ملك” وتتم تلك الزيجة.

عاد ذلك اليوم يسير أمام عينيها وكأنه كان بالأمس

– يعني هيحب بنتي، وينسي اختها

نظرت العرافة نحو الطبق الذي تضعه أمامها..، وكلما كان الماء يتحرك كانت “ناهد” تحصل علي الإجابة منها
– الجوازه هتم، لكن مش هتم بأرداته..، هيكون غايب عن حاله ومش شايف غير حبيبته فيها.. ،وهي ليلة واحده

لم تفهم “ناهد” شئ من حديثها، فاردفت مستفهمه

– ليلة واحدة..، أنا بقولك عايزاه ميشوفش غير بنتي.. ،ويرجع من السفر..، بدل ما هو هجرها من ساعه ما اتجوزها

– هتسافرله البلد اللي هو فيها.. ،عشان يتم المراد

تأففت “ناهد” ضجراً، فما الذي تتحدث عنه هذه المرأة..

– لكن عمرك ما هتمنعي النصيب

وشهقت العرافة ، شهقة طويلة, افزعت “ناهد” التي انكمشت علي حالها، وقد ندمت أشد الندم لاتجاهها لامور السحر ثانية..، فقد تخشب جسدها والخوف بدء ينتابها

– بنتك طريقها ملهوش وضوح ..، طريق ضلمه

واقتربت من الإناء الذي تضعه أمامها، ثم القت داخله بشئ، وعادت تشهق ثانية

– هو انا دافعه كل الفلوس اللي دفعتها..، عشان تقوليلي الكلام ده..، بقولك عايزة حاجة تخليه يفكر في بنتي

رفعت العرافة رأسها نحو تلك المُلحة، ونهضت عن مقعدها.. ، تتناول زجاجة بها ترياق

– قبل ما يقرب من بنتك، خليها تشرب منه

التقطت”ناهد” الزجاجة ، تنظر نحو السائل الذي تحتويه

– طيب وهو
والجواب الغامض كان يخرج من العرافة مجدداً

– الإنسان حيله كتير، فكري وهتلاقي الجواب
– وهيكره ملك؟

والصدمه كانت تحتل ملامح “ناهد” وهي تستمع لجوابها
– هيتجوزها
الجمها ما سمعته، وقبل أن تتسأل عن شئ أخر .. ، اتجهت العرافة نحو غرفة أخرى متمته

– المقابلة انتهت

فاقت من شرودها علي بكاء احد الصغار..، بعدما سقطت لعبته.. ، أعطته لعبته مبتسمه , وعادت عيناها، تتعلق نحو الباب المغلق

داعب “رسلان” وجهها بيديه متسائلا وهو يري تبدل ملامحها بعدما أخبرها عن ضرورة سفره في الغد

– افهم من كده، إنك زعلانه

طالعته “ملك” وقد هربت بنظراتها عنه، فابستم وهو يُقرب وجهها منه

– مش قولنا هنعبر عن مشاعرنا..، ونبدء من أول وجديد
– ده شغلك يا رسلان..، مقدرش ازعل في حاجة فيها مستقبلك

عانقها بعينيه، قبل أن يعانقها بذراعيه..

– رسلان

ابتعد عنها، ينتظر سماعها

– ميعاد الدكتور بتاعها النهاردة.. ، عشان الجرعة
تنهد وهو يُدلك جبينه وقد تذكر أمر جرعة خالته

– هاخدها معايا في طريقي
– خليني اروح معاك..، اكيد هتحتاجني

ابتسم وقد تلاقت عيناهم في صمت ..، فرغم كل ما فعلته “ناهد” لها..، مازالت “ملك” عطوفة رحيمة بها ، مال نحوها يُحرك شفتيه قرب خدها

– وتقوليلي خايفة الزمن يغيرك..، القلوب النضيفة مش بتتغير يا ملك
تعلقت عيناها به، تري في نظراته “رسلان” الذي احبته منذ طفولتها
– أنا واثق إنك هتفضلي تحبي ولادي..

واغمض عيناه حزيناً علي حالهم، يتذكر رغبتها المُلحه عليه في إتمام علاقتهما..، لتنجب طفلاً

– لما هرجع من السفر، هنتمم جوازنا يا ملك
…………

هل أنتهى التسجيل هكذا !

كان أول سؤال تسأله “بسمة” لتلك السيدة التي ارشدتها عن النقاط التي ستتحدث فيها عن حياتها،
وكيف دعمتها الشركة التي تقود الحملة الدعائية ، محتوي منمق اعده فريق التسويق حتي يجذب العملاء..، وهي ما كان عليها إلا أن تفعل ما هو مطالب منها.

اماءت لها الواقفة برأسها، وانشغلت بعدها في مطالعة المحتوى وحديث “بسمة” عن مقتطفات من حياتها القاسية ..

نظرت نحو أفراد العمل الواقفين ولم يكونوا سوي ثلاثة أفراد اجتمعوا بها في غرفة مكتب ” جسار”، بعدما عفاها من الذهاب لشركته, بعد أن رأها لا تقوى علي الذهاب بسبب ليلة أمس وغباءها في أن تظل تحت مياة الأمطار.

ارتفعت نبضاتها عندما عادت تفاصيل ليلة أمس تقتحمها..، تتذكر ذراعه التي مازالت تشعر بلمستها ورائحته التي التصقت بكفيها.. ،
احمرت وجنتيها وقد شردت في المشهد..، شردت في مجرد لمسة ونظرة اخترقت حصونها.

انتبهت علي صوت “السيد سعاد” وقد جاءت بالمشروبات للواقفين، وقد جمعوا أغراضهم ، حتي يعودوا للشركة

– خدي اشربي العصير يا بسمة، انتي كمان تعبتي يا بنتي

همست لها “السيدة سعاد” بحنو وهي تُطالع المنشغلين بجمع اشياءهم ويتحدثون عن أشياء لا تفهمها
التقطت منها “بسمة ” كأس العصير، فتأملتها “السيدة سعاد” بعدما القت بنظرة سريعة نحو الفتاة، التي يظهر حسنها وثقافتها, بسبب ثيابها الفخمه وبضعة الكلمات الانجليزيه التي تنطق بها

– بكرة تكوني زيهم يا بنتي، وتحققي كل أحلامك.. ،وتبقى هانم

ورغماً عنها كانت تضحك علي حديث تلك السيدة الطيبة

– ابقى هانم مرة واحدة يا خالتي
– وهما الهوانم، أقل منك يا بنتي

طالعتها ” بسمة” بنظرة حزينة..، فعن أي هانم تتحدث وهي التي أصبحت رمز لمن يحصلون علي شفقة المجتمع.

لم تنتبه ” السيدة سعاد” علي تلك النظرة الحزينة التي ارتسمت فوق ملامحها، بل اخذت تحدق بتلك الفتاة التي طالعتهم بنظرة محتقرة،
عندما أقتربت منهم لتضع كأس العصير الفارغ فوق الصينية التي تحملها..،
لوت “السيدة سعاد ” شفتيها حانقه من عجرفتها، وهي ليست إلا موظفة كحالها..، صحيح خادمة ولكن في النهاية هم متساويين..، يقدمون خدمتهم ويحصلون علي المال.

شكرتهم السيدة الأخرى والشاب بلطف ثم غادروا، فزفرت “السيدة سعاد” أنفاسها بعد رحيلهم

– والله الست ام جيبة حلوه والشاب القمر..، ذوق.. لكن التانيه يا ساتر عليها

واردفت متهمكة رغم إنها ليست من طباعها

– حطه مناخيرها في السما، ولا يكونش عشان عنيها ملونه

انفرجت شفتي “بسمة” بضحكة عالية ، وهي تستمع لحديث “السيدة سعاد” الحانق نحو تلك الفتاة

– عارفه كان نفسي اجبها من شعرها، لما لقيتها بتقولك غيري فستانك, لفستان قديم عشان الحملة تكون فيها مصدقية

توقفت” بسمة” عن الضحك، بعدما تذكرت هذة اللحظة, وقد شعرت حينها، أن دلو من الماء البارد قد سكب عليها..،
عندما طلبت منها تلك الفتاة أن ترتدي ثوب أخر وتمسح عن وجهها ما تضعه..، رغم إنها لم تضع إلا مرطب لتفتح البشرة قد أعطته لها “السيدة سعاد ”

– اه شوفي الكلام أخدني معاكي، ونسيت الأكل علي النار

واسرعت بادراجها عائدة للمطبخ، فنظرت “بسمة” نحو فستانها الرث الذي لا يدل إلا حالتها المتدنية.
………….

توقف أمام سيارتها، بعدما قضى اليوم بأكمله يُحاول الوصول إليها..، ولكن “خديجة النجار ” حينا تغضب..، تتجاهل بل تشعرك إنك لا شئ..,
ولحظه الجميل..، إنه لم يقع في غرام إلا هذه المرأة..، شامخة، قوية، عزيزة النفس، وجميلة بل وجميلة جداً. خرجت من سيارتها حانقة، تنظر إليه ،بعدما نظرت حولها في المكان
– مش هتحرك من مكاني يا خديجة، لغير اما أفهم إيه اللي ضايقك من أخر مكالمه

طالعته بجمود تتقنه، رغم الغيرة والحيرة التي تنهش فؤادها وتنكرها

– مش شايف إنك بدأت تتجاوز حدودك معايا

وبنبرة مُسلية كان يسألها، بعدما تجاوز عبارتها

– اضايقتي لما شوفتيني في حضن واحده..، مش كده يا خديجة

اتسعت عيناها من وقاحته وتلك الثقة الواهية التي يتحدث بها عنها، فكيف له أن يصدق حاله ويظن إنها تهتم لأمره او لنساءه
دفعته عن طريقها متمتمه، بعدما رفعت اصبعها مُحذره

– كل اللي بيربطنا الشغل وبس، مفهوم

تفحصها بعينيه، بطريقة سلبت أنفاسها.. ، خشيت أن يري ربكتها وذلك الأحتياج الذي أصبحت تشعر به قربه، اتجهت نحو سيارتها حتي ترحل هاربة، ولكنها توقفت مكانها تسمعه في صدمه

– كل جزء فيكي بيصرخ بالاحتياج يا خديجة..، خديجة النجار بقت عايزة تحس إنها ست، وفي حضن راجل يحبها

وبوقاحة كان يُجيدها لخبرته في أمور النساء كان يُخبرها، عما يتوق له جسدها
صفعته وقبل أن يستوعب ما فعلته..، كانت ترحل بسيارتها بسرعة فائقة لا تُصدق إنها بات يفهمها
……….

– فتون فين ملف القضية؟
التفت ” فتون” بمقعدها تنظر للسيد هاشم، الذي أصبحت تحت مسئوليته وإشرافه، وقد الذي جاء يطلب منها الملف الذي أعطاه لها حتي تتعلم منه، كيف تُدرس القضايا ويتم وضع الحلول

– أنا خلصته أمبارح وحطيته في درج المكتب..، ثواني هجيبهولك يافندم

هتفت بحماس وابتسامه اعتدوا عليها رفقائها منها .. ،
انحنت قليلاً نحو الدرج الذي وضعت داخله ملف القضية

– فتون بسرعة، استاذ حازم عايز الملف ..، لأن العميل عنده في مكتبه

تمتم بها “هاشم” بعجالة، وقد اخذ يحك فروة رأسه متوتراً

فبهتت ملامحها بعدما فتحت جميع الأدراج

– أنا مش لاقية الملف..، أنا كنت حطاه هنا في الدرج
– أنتِ بتقولي إيه؟

صرخ بها “هاشم”، وقد بهتت ملامحه هو الأخر.. ،غير مصدقًا ان ملف القضية الذي كان بحوذته واعطاه لها قد اضاعته..

ابتعدت عن مكتبها بعدما ازاحها بيده، وقد انسابت دموعها خوفًا، وهي تستمع لعبارات ” هاشم” المؤنبة لأنه استأمنها علي ملف قضية هامه كهذه

– الملف لازم نلاقيه..، أنا هروح في داهية بسببك
– كان هنا في الدرج صدقني ، معرفش راح فين.. انا هدور عليه تاني

عادت تبحث عنه علي أمل هذه المرة، ولكن لم يكن هناك أثر للملف المفقود، وهاشم وقف خلفها حانقاً والغضب يعتلي ملامحه، يهتف بها بنبرة غليظة محتقرة

– قلبنا المكتب ومافيش حاجة يا فتون، إختفاء الملف ملهوش غير تفسير واحد
وقبل أن يتم عبارته، ارتفع صوت “حازم” من خلفهم..، وقد أصابه الضجر من انتظار ملف القضية

– فين الملف يا هاشم، أنت ناسي إن العميل في مكتبي

وبعينين دامعه، تعلقت نظراتها ب ” هاشم” الذي وقف يُطالعها بنظرة لوم وخيبة بل وشك.

الفصل الثاني والأربعون (2)
********
انقلب المكتب رأس علي عقب، فالكل اخذ يبحث عن هذا الملف المفقود..، الجميع كان حانقاً بشدة من إهمال فرد..، نال الجميع الذنب معه..، ومن غيرها إلا تلك الفتاة التي أتت كمتدربة في مؤسستهم التي لا تقبل المتدربات..
، رمقها البعض بنظرة غاضبه والبعض الأخر بتعاطف.

تنهد “السيد هاشم” وهو يهوي بجسده فوق أحد المقاعد..، فقد ضاعت وظيفته من أجل متدربة غير مسئولة والسيد “حازم” يضع الذنب عليه وحده لأنه المسئول وليست هي.

اقتربت إحداهن منه ، بعدما رمقت “فتون” التي جثت فوق ركبتيها تقلب بين الملفات ، لعل الملف يكون مندس بين أحدهم

– المفروض أستاذ حازم يحط اللوم عليها هي، مش عليك أنت يا استاذ هاشم

طالعها “هاشم” بقلة حيلة، فتوظيف تلك الفتاة كان من أمر “السيد سليم” شخصياً ، فمن سيعترض علي قراره ويهين فتاة، تحظى بعناية الشركاء في المؤسسة.

استمعت “فتون” لحديثها، ف الاستاذه “كارمن ” لا تطيقها منذ أن أتت هنا وكأن بينهم عداء أو سابق معرفة، ولكن الجميع أخبرها إنها هكذا مع المستجدين في العمل

– تاريخي المهني ضاع

هتف بها ” السيد هاشم ” بعدما أسند مرفقيه فوق ساقيه ثم وضع وجهه بين راحتي كفيه بفتور ، فقد خسر وظيفته بسبب إهماله في العمل..، فيا لها من نهاية مشرفة في مؤسسة عريقة كهذه

– لا مش معقول يكون أستاذ حازم، ظالم كده

القاها البعض، فلن يخسروا زميلهم ذو التاريخ الحافل بالإنجازات من أجل متدربة قد أتت لتتعلم من خبرتهم.

اطبقت ” فتون” فوق جفنيها بقوة، وقد انسابت الدموع فوق خديها.. ،
فهل ستكون سببً في قطع عيش أحدهم لا ذنب له؟
نهضت عن مكانها وقد علقت عينين البعض بها، بعدما عاد البعض الأخر للأهتمام بعمله
…. ……

أضاء هاتفه باستمرار، ولكنه لم يكن منتبهاً له..، في الاجتماع كان هاماً وحاسم بعد إطاحة “شركة الأسيوطي” التي تتولى مهامها “شهيرة” بالطبع،
و إنضمام شريك أخر بدلاً عنها..، يعلم إنها بعدما تعلم الخبر وبالتأكيد قد علمت به..، ستعود علي الفور من رحلتها التي هربت فيها منه.

فرك عنقة بارهاق وهو يستمع للشريك الاخر بعدما تحدث المستشار القانوني الخاص به..، فالبنود موضوعة.. والكثير من المستثمرين يتمنوا تلك الشراكه، لكنه لا يختار إلا من لا يحوم حولهم الشبهات في مصادر أموالهم ويتمتعون بالنزاهة

– استاذ فكري، الكرة دلوقتي في ملعبك، لا أه..، لا لاء، إحنا مش هنخسر حاجة من عدم شراكتك..، واختيار الشركة ليك كان بسبب سمعتك في السوق

تمتم بها ” سليم”، فطالعه الجالس يحسم قراره قبل أن يوقع فوق أوراق الشراكة في الصفقة الجديدة.

– علي خيرة الله

ابتسم “سليم” وهو يري توقيعه..، فها هو قد اكتسب الرجل الذي يسعي “حامد الأسيوطي” لضمه إليه.
انتهى الاجتماع المغلق أخيراً، وانصرف الجالسين..، إلا مدير اعماله الذي أخذ يُطلعه علي كل شئ جديد، واخبار منافسيه
……

تنهد “حازم” بضجر، بعدما شعر باليأس من رد “سليم” عليه، حتي مديرة مكتبه لا تُجيب علي الهاتف..، وكأن كل شئ ضده اليوم..
طالع ساعة معصمه بحنق، فالوقت يمر والسيد “فهيم”، سيعود إليهم بعد ساعتين لمناقشة قضيته..، فلولا المكالمة الطارئه التي أتت إليه..، لكان وقع في بشاعة الموقف الذي يحدث لأول مرة،
وكل هذا بسبب “سليم” الذي ادخل زوجته للعمل وهي ليست سوي طالبه لم تتخرج بعد..

– رد يا سليم

– استاذ حازم

اغمض “حازم” عينيه، يستمع لها.. يهدء من روعِه حتي لا ينسى إنها زوجة صديقه.
التف نحوها ببطء ورغم غضبه إلا إنه أشفق عليها، من تلك الحالة التي أصبحت بها.. ،فقد لطخت الدموع وجهها…
فطالعها علي أملاً..، أن تكون قد وجدت الملف، أو تذكرت أين قد اضاعته ؟

– لقيتي ملف القضيه، أو افتكرتي حطتيه فين

اطرقت رأسها، فقطب “حازم” جبينه، واشاح وجهه عنها، زافراً أنفاسه بضيق

– استاذ حازم أنا المسئولة، بلاش تطرد أستاذ هاشم..، أنا مستعدة أتحمل أي مسئولية..، بس متقطعش عيش حد بسببي

عادت دموعها تُغرق خديها، تخبره بُصدق..،إنها تركت ملف القضية بالمكتب

تجمدت عينين “حازم” لحظة، فكيف ضاع الأمر عن عقله..
اسرع بخطواته، تحت نظرات “فتون” التي وقفت تمسح دموعها بكفيها، فعلي ما يبدو أن السيد حازم قد تذكر شئ.

دعت داخلها، أن يمر الأمر ولن تعود لهذا المكان ثانية..
تحركت من مكانها..، تتبع خطوات ” حازم”، حتي تعلم إلى أين ذهب؟

– إيه الإهمال اللي بيحصل في المؤسسة ده يا أساتذة

خرج “حازم” من غرفة المراقبة، يتبعه المسئول عن هذا القسم وما يتعلق به

– يا فندم، في عطل في الكاميرات من أمبارح ..، بنحاول نصلحه

– فين الموظف المسئول يا استاذ

والواقف يطرق رأسه خجلاً متمتماً

– في أجازة مرضية

– شكله هيكون في طرد جماعي النهارده
تحدث أحدهم، وكان الجميع يتابع الوضع بترقب وغرابه، أما “فتون” وقفت منعزلة تنتظر ما سيحدث

– الملف أه يا استاذ حازم

هتفت بها “كارمن” وهي ترفع الملف عالياً، والكل ينظر إليها بذهول.. ،فكيف وجدته؟ والكل بحث عنه

– مالكم يا جماعه بتبصوا عليا كده ليه، الملف كان عالق في الدرج..

لم يهتم ” هاشم ” بالأمر، وأسرع نحوها يلتقطه متنهداً براحه، ينظر نحو “حازم” الذي وقف يُطالع “كارمن” بشك، فلما هي الوحيدة التي وجدته رغم بحث الجميع عنه

– النهاردة مش يوم حظك, يا استاذ هاشم كالعادة

القتها ” كارمن” بداعبة، فهتف “هاشم” يُصدق علي كلامها

– اليوم ده هسجله من كل شهر، عشان منزلش من بيتي

ضحك الجميع، وقد تناسوا ما حدث، وقد عاد الملف
انسحب” حازم” لمكتبه، وأخيراً ها هو ” السيد سليم” صديقه العزيز يُهاتفه
……….

ضحكت ” دينا” مستمتعه وهي تستمع للطرف الأخر عبر الهاتف

– هايل يا كارمن، بجد تجنني..، مش عارفه أزاي اشكرك

ابتسمت “كارمن” بسعادة وهي تعبث بخصلاتها في دورة المياة أمام المرآة

– اه لو شوفتيها وهي منهارة، حالتها يا حرام تصعب علي الواحد

واردفت بعدما مسحت طرفي شفتيها، من طلاء الشفاه الخاص بها

– عشان تتعلم تعرف تبص لفوق إزاي، وتتظاهر قدامنا إنها بنت عادية..، وهي مرات سليم النجار

تمتمت عبارتها الأخيرة بحقد، فحتي هذه اللحظة لا تتخيل أن ” سليم النجار” يتزوج فتاة مثلها، كانت خادمة في منزله وزوجة سائقه.

التمعت عينين “دينا” بمكر بعدما انهت المكالمه، واقتربت من مرآتها تنظر لهيئتها

– بتعمل فينا إيه يا سليم، مخلينا نجري وراك..، وفي النهايه تكون متمسك بواحدة زي ديه.. ، مجرد خدامة مسيرك في يوم هطلقها
………..

دلف المؤسسة بخطوات سريعة جامدة، وعيون الواقفين عليه.. ينظرون له وقد ادركوا أن الأمر قد وصل له

نهض “حازم” عن مقعده، ينظر نحو ” فتون” التي نهضت من فوق الأريكة وقد كانت تجلس في غرفة “حازم” حتي يزيل الخلاف بينها وبين “السيد هاشم” الذي أخذ يعتذر لها عن أي كلمة قد بدرت منه دون قصد

– إيه اللي حصل يا حازم؟

– سليم بيه، أنا حقيقي مكنتش أعرف إنها زوجة حضرتك.. ،غير من استاذ حازم النهاردة

هتف بها “هاشم”، فحدق “سليم” بصديقه الذي اشاح عيناه بعيداً عنه ..،ولولا دلوف سكرتيرة “حازم ” التي أتت كالنجدة إليه، تُخبره عن عودة “السيد فهيم”

– سليم أنا هروح المكتب التاني ، عشان القضيه.. وفتون تشرحلك كل حاجة

غادر الغرفة دون أن ينتظر سماع شئ، فاتبعه “هاشم” الذي شعر بالأرتبارك من نظرات “سليم ” له.

تنهد بغضب، يُحاول تجاوز حنقه من صديقه..، فتعلقت عيناه بها واخيراً قد ظهر وجهها الذي كانت تطرقه أرضاً

– مين عمل فيكي كده، الدموع مغرقة وشك ليه.. ،فهميني

صرخ بها وهو يمسك وجهها بين كفيه، فارتجفت شفتيها تتذكر تفاصيل ما حدث
١
– فتون، انطقي.. ، أنا علي أخرى وخصوصا منك لأنك زي العادة بتنسي تستنجدي بيا وكأني مش هعرف أحميكي واخدلك حقك
– طيب وطى صوتك، وأنا احكيلك

طالعها، طالباً الصبر..، حتي لا يصب غضبه فوق رأسها..، وبلطف لا يعرف كيف تملكه؟ وهي تُطالعه بتلك النظرة التي تأسر قلبه

– بحاول اهدي يا فتون

وضمها إليه بعدما هتف عبارته، يمسح فوق ظهرها

– متخافيش

استكانت بين ذراعيه، لمدة من الوقت..، إلى أن ابعدها عنه وتحرك بها نحو الأريكة، ينتظر سماع الأمر منها
سردت له كل ما حدث، تقسم إليه إنها لم تضيع ملف القضيه عن قصد منها.

دلك جبينه، ثم فرك رأسه واسترخي برأسه للخلف

– مين البنت اللي لقيت الملف

تعجبت من سؤاله، فقد ترك كل شيء وارد أن يعلم بهوية من خلصتهم من تلك الكارثة، ولكنها جاوبته في النهاية

– كارمن
……..

دلف “حازم” أخيراً مكتبه بارهاق..، ولكن عيناه قد توقفت علي صديقه الذي جلس يمازح ويلاطف زوجته..، يُعطيها العصير والحلوي وكأنها طفله صغيرة.

اقترب “حازم” منهم وقد انتبهوا أخيراً علي وجوده ، وقبل أن يهتف “سليم” بشئ.. ، كان “حازم” يلتقط علبة العصير من يده متمتماً

– قالتلك مش عايزة، فهشربها عادي بدلها..، ولا أنتِ عندك اعتراض يا فتون

ابتسمت “فتون” وهي تومئ له برأسها، وقد عادت الدماء لوجهها

– فتون روحي مكتبك، عشان عايز حازم في كلمتين

تمتم بها “سليم” ينظر له بنظرات متوعده، فاسرع “حازم” مستنجداً بها بطريقة لم تعهدها منه من قبل

– فتون ، أنا رئيسك في العمل، وبقولك خليكي..
– فتون ، زي ما قولتلك روحي علي مكتبك

كادت أن تخرج من الغرفة، ولكن “حازم” اسرع في هتافها ثانية ولكن بجدية

– فتون، قولي لسليم إنه كان طالبك محدش يعرف بهويتك في المؤسسة

– قالتلى يا حازم متخافش، بس أنا وأنت حسابنا في حاجات مش في حاجة واحده

خرجت من الغرفة، تتنفس براحة ولكن تلك المرة كانت راحتها يرفقها سعادتها التي ارتسمت فوق ملامحها.

عادت لمكتبها تُجمع أغراضها حتي تغارد معه، والكل اخذ ينظر نحوها غير مصدقين ما سمعوه ..،
فكيف لفتاة صغيرة، تبدو بسيطة المنشأ زوجة لرجلاً ك
” سليم النجار” , رئيسهم القديم الذي كان يدب الخوف في قلوبهم من نوبات غضبه.

وبعد دقائق كان يخرج برفقة “حازم”، يتجه نحو أفراد مؤسسته.. ، وعيناه عالقة نحوها وحدها..
اقترب من سطح مكتبها، يستند بجسده عليه.. ،يعقد ساعديه أمام صدره.
الكل توقع أنه سيوبخهم بعنف، ولكن كعادته لا أحد يفهم عقل “سليم النجار”

– أنتم عارفين إن نجاح المؤسسة، بسبب نجاح كل فرد منكم، عارف ومتأكد إن المؤسسة جزء منه..، اسمنا بيعلا بتكاتفنا سوا.. ، صحيح أنا بعدت عنكم لكن مازالت فخور بيكم..، ولولا اخلاصكم و ولائكم كانت المؤسسه انهارت

ابتسم الجميع، وهم سعداء مما يسمعوه ..، ف رئيسهم القديم لم يتحدث عن زوجته كما كانوا يتوقعون..، بل وقف يمدح بهم وبتعاونهم سوياً

– مش هتكلم عن موضوع الملف، لأنه موضوع وانتهى خلاص
تظاهر بأن الأمر قد مضي، واخذ يمازحهم قليلاً وحازم يُشاركه الأمر..، ضحكت معهم فابتسم وهو يغمز لها وقد لاحظ البعض

– حقيقي وحشني وجودي في المؤسسه، لكن بقيت موجود معاكم في الفترة أخيرة، حتي لو مش ظاهر في الصورة

ونظر لها مبتسماً، بعدما جذبها نحوه وقربها منه..، تحت نظراتهم

– طبعا المدام بتناقشني في القضايا ، وبتستغل خبرتي عشان تتفوق في المجال

واردف وهو يُطالع نظرات البعض نحوه وخاصة نظرات “حازم” ، وقد كان يفهم لما وقف هكذا صديقه بينهم

– طبعا في إستغلال مهني في الحكاية، بس منقدرش نقول للسلطة العليا في البيت لا
ألقاها بدعابه، فعاد البعض يضحك غير مصدقين.. ،إنه “سليم النجار”
خفق قلبها وهي تسمعه، وتري النظرات نحوها وقد بدء البعض يسألها عن “سليم النجار” في المنزل، فقد عاهدوا مديراً صارم، ورجل قانون مُحنك لا يتمازح معهم..
كانت نظراتها نحوه في هيام رأه في عينيها ، ولم تكن تعلم
ما ينتظرها من رجل القانون عند العودة.
………….

اقتربت منه بتوتر، بعدما اخبرتها “السيده سعاد” إنه يُريد رؤيتها
انتظرت أن يرفع عيناه عن الأوراق التي يُطالعها.. ،ثم نهض عن مقعده وقد ظهرت علي ملامحه علامات التعب

طالعت الأوراق التي يقدمها لها، ثم التقطتهم منه مُتعجبه

– ديه اوراقك كلها يا بسمه، بيان نجاحك في الثانويه العامه، كل اوراقك الرسمية..، ومن بدايه السنة الدراسية للعام الجديد هتكوني ضمن الفرقة الأولى في كلية التجارة

اتسعت ابتسامتها وهي تسمعه، فها هو يصدق بأول وعوده، وقد احضر لها أوراقها

– يعني هتقبل
– اكيد يا بسمه

تهللت اساريرها وهي تضم الأوراق إليها، رغم إنها لم تحصل علي إفادة القبول ، ولكنها تعلم إنه سوف يصدق بكل شئ أخبارها به.

اخرج منديله يضعه فوق رذاذ شفتيه بعدما عطس بشدة؛
فطالعته بأسف، فعلي ما يبدو إنها يُعاني من بوادر البرد..، مسح أنفه..، وعاد لمقعده

– تقدري تروحي تشوفي اللي وراكي يا بسمه

التفت بعدما ، لم تجد حديث تخبره به، ولكنها توقف في مكانها وعادت تلتف إليه

– شكلك تعبان، اخلي دادة سعاد تعملك أعشاب للبرد او تجبلك علاج

رمقها بنظرة لم تفهمها، فشعرت بالتوتر.. وكادت أن تنصرف حانقة من حالها، لأنها اقحمت نفسها بما لا يعنيها

– ياريت يا بسمة، لأحسن حاسس إن جسمي مكسر

وتلك المرة كانت اساريرها تنبسط من أجل حديثه معها .. ،أندفعت لخارج الغرفة..، تبحث عن “السيدة سعاد” بلهفة
– جسار بيه، تعبان يا داده

وبخطوات سريعة قلقه، كانت “السيدة سعاد ” تذهب إليه حتي تري ما به، وبعد برهة عادت للمطبخ.. ،تبحث عن الأعشاب التي تُريحة في نزلات البرد

– يعني مش هياخد علاج

سكبت “السيدة سعاد” المشروب في الكوب، وقد صعد البخار منه
– جسار بيه، مبياخدش أي علاج غير لو لزم الأمر
– ليه طيب مهمل في صحته كده

رمقتها ” السيدة سعاد “، قبل أن تُغادر المطبخ.. ،فتنهدت بعدما جلست فوق احد بالمقاعد بالمطبخ

– أنا السبب في تعبه
…….

طالعها مدهوشاً من قدومها،
فهل بعد ما حدث وصفعها له تقف أمامه؟
ابتعد عن الباب وقد ترك أمر الدخول لها..، إذا أرادت

– خلينا نتجوز يا أمير

اتسعت حدقتيه، وهو يلتف إليها غير مصدقاً ما يسمعه منها..، فبعدما اتخذ قرار الإبتعاد عنها ، تأتي إليه تخبره إنها تُريد الزواج منه، وعبارة أخرى قد جمدته في مكانه..، تمتمت بها

– نتجوز في السر

………..

وقفت أمام غرفته هذه المرة بدلاً عن ” السيدة سعاد” التي ارهقها الصعود إليه، شعرت بالتوتر وهي تجده يخرج من المرحاض يُجفف عنقه.. ،
التقت عيناه بها وهو يراها تقف خارج الحجرة تطرق رأسها أرضاً في خجل

– تعالي يا بسمه

تمتم بها، فتقدمت منه.. ،تمدّ له يدها بالمشروب الساخن

– بقيت كويس ، دادة سعاد قالتلي اطلعلك الأعشاب

عطس بشدة ، يُشيح بوجهه عنها..، وقد حصلت على الإجابة.. ،فتمتمت معتدزة تؤنب حالها

-يعني أنت تعبت..، وأنا محصلش ليا حاجة

ابتسم وهو يسمعها، وقد تناول منها الشراب الساخن واتجه نحو فراشه يجلس فوقه

– حصل خير يا بسمة

طالعته بنظرة مرتبكة، نظرة ذكرته بملك، في بداية لقاءه بها.. ، فتوترت من نظراته والتفت بجسدها مغادرة الغرفة، بعدما شعرت أنها طالت المكوث فيها

– بتكلمي ملك ، يا بسمة

توقفت في مكانها وقد أخذها الحنين لصديقتها الوحيدة، وعادت تلتف إليه.. ،تخبره بما أمرها به منذ أن علقت بحياته

– متقلقيش يا جسار بيه، بنفذ وعدي ومبتصلش بيها.. ،لاني عارفه إني مشرفش حد

لم يكن يقصد ذلك، بل أراد أن يعرف منها أخبارها.. فمنذ زواجها أصبح يحترم إنها زوجة لرجل أخر..، انصرفت من أمامه بعدما غزت الدموع عينيها.

فتنهد بارهاق، فلم تعطيه فرصة ليوضح لها خطأه..، لم يفكر بامرها كثيراً..، فما يفعله معها حالياً ليس إلا شفقة بحالها وظروفها , خاصة بعدما عرف تفاصيل كثيرة عن حياتها.

غفا بعدما تملك الإرهاق منه، وفي منتصف الليل كان يتصبب عرقًا ويهذي في أحلامه..

رمقها وهي قريبة منه تحمل فوطة مبلله، تضعها فوق جبينه.. ،فاغمض عينيه فلم تكن لديه قوة علي الحديث..

استمرت طيلة الليل جواره..، حتي غفت فوق المقعد الجالسة عليه.

شعرت بلمسات تسير فوق سائر جسدها؛ فانتفضت مفزوعة من غفوتها القصيرة..، تنظر حولها تصرخ بخوف.

سقط كأس الماء من يده ونهض من فوق الفراش بإرهاق بعدما رأي فزعتها

– كان هنا، كان عايز يلمسني
– بسمة مافيش حد هنا، أنتِ كنتي نايمة على الكرسي

التفت حولها تبحث عن “عنتر” بالغرفة، فاقترب منها حتي يوقفها عن دورانها ويُهدأها.. ، اجتذبها بذراعيها, يهمس ببطئ لها وقد عانقت عيناه نظراتها الضائعة

– بسمه انتِ في امان هنا، محدش هنا غيري

تمتم عبارته، يُخبرها أن تُردد عبارته ، كانت تهمس عبارته بخوف.. فلم يشعر بحاله إلا وهو يضمها إليه وقد تشبثت به وهي لا تشعر بخطأها ..

وقفت” السيدة سعاد” منزوية، وقد تجمدت عيناها عليهم
فما الذي تفعله بسمة هنا، وفي هذه الساعة من الليل؟
………

ابتعد عنها وعلامات الصدمة فوق ملامحه، فما يعرفه إنه لم تتزوج يوماً، بل تركت نفسها لعالم الأعمال

– أنتِ كنتي متجوزه؟
طالعته “خديجة”، وقد اخذ يفرك عنقه بقوة، فالمرأة التي ظن إنه الأول في كل شئ..، لم يكن هو أول من نالها

– هو يفرق معاك يا أمير
أردات أن تظهر إليه بصورة جامدة..، حتي لا يظن أن الأمر يفرق معها..، ولكن عبارته قد جمدتها

الفصل الثاني والأربعون (3)
*******
والعبارة التي أخبرها بها للتو ، لا تتلخص إلا في صدمته ..، وهي لم يكن حالها مختلفاً..، لم تتوقع إنه سينتظر أن يجدها عذراءً، و أول رجلاً قد لمسها، ف امرأة بسنوات عمرها، ما كان سينتظره منه، هل ينتظر أن يجدها عفيفه دون تجربه؟

ومن نظراته نحوها، جعلها تعود لسنوات الماضي، جعلها تعود لمآسيها

– الحاجة الوحيده اللي اقدر اقولها ليكي يا خديجة، إني مصدوم في الست اللي كنت فاكر إني اول راجل في كل حاجة

التقطت أذناها عبارته، فنهضت من فوق الفراش تلتقط مئزرها تضمه حول جسدها، ولو ذبذبتها نظراته وكلماته، لن تكون “خديجه النجار” ، وقد عاشت سنوات تُشكل شخصيتها، إنها قوية، صارمة، لا تقبل الذل، تضع قلبها أسفل قدميها إذا شعرت إنه سيجلب لها الضعف والهوان، وقد فات وقت البكاء

– أحنا لسا متجوزين من ساعات يا أمير، وبساطه ممكن نطلق..، الموضوع مش صعب ولا بينا العشرة الطويله اللي تخلينا نلوم ونتوسل من بعض السماح

تجمدت ملامحه وهو يسمعها، فهل بهذه البساطة تتحدث معه؟ استوحشت نظراته وهو يرمقها

– مش ديه الإجابه اللي أنا منتظرها يا هانم، كام واحد نمتي معاه قبلي

تعلقت عيناها به، وقد اخترقت كلماته فؤادها، وقد الخواء وحده ما يحتل عيناها الباهته

– ردي عليا
– أخرس

نطقتها صارخة، فلو أدعت القوة منذ لحظات، فلم تكن إلا قوة واهية
احتدت عيناه، ولكنها كانت الأسرع في إتخاذ ردة الفعل..، فاتسعت عيناه وهو يجدها تتحرك من أمامه، تلتقط كل ما هو فوق طاولة الزينة، تدفعه نحوه
ألجمه ما تفعله، وقد اخذت دموعها تنساب فوق خديها..

– لو كنت فاكر إنك هتوجعني، فكلمة وجع أنا دفنتها زمان

لم يكن يفيق من عبارتها التي تحمل المرارة وصدمته من هيئتها
، ولكن الصدمه الأخري التي كان يتلقاها

– طلقني
……..

استيقظت بشعور مختلف، شعوراً لأول مرة تجربه، ظلت لوقتً تُطالع سقف غرفتها و فوق ملامحها ترتسم السعادة. خفق قلبها وهي تتذكر ليلة أمس، كيف كان حنوناً معها يطمئنها، يُخبرها بأنها بخير..
توردت وجنتاها خجلاً، وهي تلوم حالها علي سعادتها بشئ لا يجب أن يحدث بينهم ثانية ولا يحدث بين امرأة و رجلاً ليس من محارمها

– إزاي تخلي يلمسك يا بسمة، لا وصاحية مبسوطة…، كله إلا الشرف يا بسمة

خاطبت حالها، وهي تنهض من فوق الفراش واتجهت نحو المرآة الصغيرة، تنظر نحو هيئتها تُحذر نفسها

– اوعي تخسري الحاجة الوحيدة اللي عندك يا بسمه، اوعي ياخدك الطريق للحرام..

توقفت عن الحديث، وقد ابتعلت كلماتها وهي تجد
“السيدة سعاد” تدلف الغرفة ، و ترمقها بنظرات جامده

– الضهر قرب يأذن يا بسمه، ولا هتفضلي نايمه لحد العصر

شهقت مصدومه بعدما استمعت لعبارتها، تضع بكفها فوق شفتيها ولم تنتبه علي نبرة السيدة سعاد وهي تُحادثها بحدة

– الضهر… ، ليه مصحتنيش يا دادة

رمقتها ممتعضه، وقد لوت شفتيها حانقه

– قولت اكيد سهرانه طول الليل في حاجة مهمه
تخضبت وجنتاها بحمرة الخجل ، وقد عادت ليلة امس تقتحم عقلها.. ، اخذت السيدة سعاد تتفرسها بنظراتها، وبغلظة تمتمت

– في طلبات المفروض تتجاب من السوق يا بسمه

لم تفهم مقصدها، فاقتربت منها السيدة سعاد، تلتقط كفها وتضع الورقه داخله هاتفه

– السواق مستني بره، وكل الطلبات كتباها ليكي في الورقه
……..

طالعته وهو يقف يُهندم ملابسه، وكلما حاولت الحديث معه..، كانت تبتلع كلماتها.. ، ولكن في النهاية شجعت حالها ونهضت من فوق الفراش واقتربت منه

– أنا مش عايزه اروح المؤسسة تاني

والإجابة كانت تحصل عليها منه ببساطه
– براحتك

اتسعت حدقتيها في صدمه، فلم تكن تتوقع أن تحصل علي إجابته بهذه السهوله، فقد ظنت انه سيعارضها ويسألها لما اتأخدت قرار كهذا

– هو أنت ليه متغير من أمبارح

وأخيراً قد انتبهت علي تجاهله لها وعدم الحديث معها إلا بكلمات مقتضبه..

– الحمدلله إنك حسيتي إني متغير يا فتون، أنا قولت يمكن نقعد شهر وأنتِ بتحاولي تعرفي السبب

شعرت أن كلماته تُهينها بعض الشيء، ولكنها تجاهلت حديثه وارتمت بين ذراعيه

– أنا كنت عايزه اعمل ده امبارح، قدامهم كلهم

ازداد حنقه منها بعبارتها ، فابعدها عن ذراعيه، ف طالعته بذهول وهي تستعجب فعلته

– ومعملتيش كده ليه يا فتون

تهربت بنظراتها عنه، فماذا ستخبره.. ؟
إنها تخشي قربه، تخشي تلك النظرة المتسائلة من بعض، كيف تزوجها وترك زوجته الأولى أم أبنته

– عارفه معملتيش ليه ده يا فتون؟

تعلقت عيناها به، تنتظر سماعه ، وقد بدأت تنتبه علي غضبه منها، وليست هي بالغبية حتي لا تفهم لماذا يغضب عليها اليوم هكذا..

– هسيبك تقولي لنفسك الاجابه، اللي أنتِ عارفاها كويس

القى عبارته وهو يداعب إحدى وجنتيها بكفه، ثم التف بجسده مغادراً، ولكنه توقف مكانه يسمع عبارتها

– عشان جبانه..، عشان بخاف من كلام الناس..، بخاف يشاوروا عليا ويعرفوا حكايتي

وببطئ كان يلتف إليها، وقد ظنت إنه سيأخذها بين ذراعيه كعادته

– وأنا مش عايز مراتي جبانه يا فتون، عايزها قوية

غادر الغرفة بعدما صفع الباب خلفه، ولكنه عاد بادراجه ثانياً, بعدما بحث عن هاتفه في سترته ولم يجده ..، علقت عيناها به، وابتسمت وهي تراه يتجه نحوها، ولكنه تخطاها، يلتقط هاتفه
تلاشت ابتسامتها، وهي تراه يغادر الغرفة مرة أخرى، ولكنه التف إليها يُحذرها

– ما دام معندكيش محاضرات، تلبسي وتنزلي المؤسسة..، أنتِ مش بتلعبي يا استاذه، وفي تقرير هيجيلي شهرياً عنك

غادر الغرفة، فوقفت مكانها تُحدق بالباب..، أسرعت خلفه تهتف اسمه فوق الدرج ولكنها توقفت مكانها كما توقف هو الأخر، يُطالع “شهيرة” التي دلفت للتو ترمقها هي خصيصاً بنظرات قاتمة
……….

مضغت لقمتها بعجالة وهي ترتشف من كأس الشاي وتفتح الأحاديث كعادتها مع السيدة سعاد، رمقتها ” السيدة سعاد” بعدما رأتها تتوقف عن الحديث، وقد أدركت للتو ما تفوهت به

– جاسر بيه، نزل الشغل يا بسمه، فمتقلقيش بقى كويس وصحته تمام، مش محتاج الوصفة اللي كانت بتخفف والدك من البرد

ارتبكت “بسمة ” واطرقت رأسها، فما الذي تفوهت به

– لو خلصتي فطارك، ياريت تطلعي للسواق

أسرعت في مغادرتها للمطبخ، وقد شعرت بتغير نبرة السيدة سعاد معها اليوم ، تنهدت “سعاد” بعدما غادرت تهتف لحالها

– مش معقول تكون بسمه منهم، انتِ نسيتي شوفتيها فين يا سعاد، كانت في اوضته، وفي حضنه
……..

ارتسم الجمود فوق ملامحها وهي تتبعه لغرفة مكتبه، لم تُحب أن تراها تلك الوافقة في موضع ضعف، اغلقت الباب خلفها تحت نظرات “فتون” التي وقفت مكانها
اقتربت “شهيرة” منه لا تُصدق إنه تلاعب معها بتلك الطريقة

– من أمتي بندخل شغلنا في حياتنا الشخصيه يا سليم

طالعته بقوة، وانتظرت سماع عبارته التي توقعتها.. ولكن وقف يراوغها متسائلا

– وأنا من أمتي بخلط بين الشغل وحياتنا يا شهيرة

ضاقت عيناها وهي تتفرس ملامحه

– خرجتني من الصفقة ليه يا سليم

ابتعد عنها، يمنحها جوابه ببساطة

– أنتِ عارفه كويس الصفقة ديه هتكون مع مين، وحامد وجوده معانا في شبهه، وكلام كتير عن مصادر أمواله

وبصراخ وحدة كانت تهتف

– ما أنت طول عمرك عارف، إن حامد ماشي في سكك غلط، ولا اكتشفت فجأة عشان تعاقبني..
وبسخرية كانت تردف

– بتعاقبني يا ابن النجار

– صوتك يا شهيرة، متنسيش إنك في بيتي

– وأنت ليه بتنسي إني أم بنتك، مش كفايه اتجوزت خدامه
ومخلي بنتي عايشه معاها…

– شهيرة

احتدت عيناه ، و اقترب منها, ولكن وقفت بثبات أمامه

– أنتِ فاكراني هعدي اللي عملتيه مع بنتي بسهوله ، بتقلبي البنت عليا يا شهيرة
صفقت بيديها ، بعدما القت بحقيبة يدها أرضاً

– وانت قررت تعاقبني، عشان بنتك ولا الخدامه
– قولتلك مليون مرة، هي مراتي مش خدامه يا شهيرة

أشتدَّ الشجار بينهم، وبعدما كانت تسيطر علي مشاعرها، منذ أن دلفت المنزل، و وجدتها تقف خلفه، ف الخادمة أصبحت تعيش بالمنزل الذي كانت هي سيدته يوماً

خرجت من الغرفه، وعيناها تتوهج بالوعيد..، ولحظها كانت واقفة تستمع لحديثهم من خلف الباب المغلق..، تراجعت للخلف متوتره، فرمقتها شهيرة بحقد

– وكمان بتتصنتي علي كلامنا، هستني اشوف إيه من خدامة
– شهيرة، قولت كفايه مهزله لحد كده

التقط ذراعها يسحبها لخارج المنزل، ينظر نحو فتون بقوة، وقد ارتجف جسدها خوفاً، اقتربت منها السيدة ألفت وقد أتت مهروله من المطبخ..، بعدما أصبح صوت “شهيرة” يصدح بالمنزل وقد وقف الخدم يستمعون للشجار

– مش همشي من هنا يا سليم، ده بيتي مش بيت الخدامة
– مامي

هتفت الصغيرة اسمها، فتوفف عن دفعها..، يقبض فوق كفيه بقوة.. ، التفت لصغيرتها تبتسم بحنان..، فهي نقطه ضعف سليم الوحيدة

– شايفه بابي مش عايز مامي ترجع تعيش معاكي تاني يا خديجة
– لا يا مامي متمشيش وتسبيني لوحدي تاني

تجمدت عيناه، و تعلقت عيناه بعينيها، فابتسمت وقد التمع الزهو بعينيها، وانحنت صوب صغيرتها تضمها إليها

– لو بابي بيحبك مش هيحرمك مني، بس بابي مش بيحبك
– شهيرة

تجهمت ملامحه وهو يصرخ بها، ولكنها قد وجدت طريقها الذي لم تخطط له، بكت الصغيرة في أحضانها تهتف بخوف ورجاء

– بابي، أنت وحش، وحش يا بابي.. أنا عايزه أمشي مع مامي

ساد الصمت المكان، فاخفت شهيرة ابتسامتها.. ف ابنتها جعلتها تفوز في حربها الضارية بينهم، حربً لم تفكر في إندلاعه إلا من أجل تلك التي تزوجها بعدها، وجعلها سيدة في بيتها وأم بديله لابنتها، وجرح كبريائها وكرامتها.. ،واحبها ولم تحظى هي بهذا الحب.. فكيف نالت قلبه وهي وحدها من تستحقه؟

أعادت الصغيرة كلماتها، فانتفض في وقفته وبنظرة قوية كان يرمق شهيرة، اسرع نحو صغيرته يلتقطها من الأرض ،يضمها إليه رغم رفضها

– كده يا خديجة، تقولي لبابي إنه وحش، بابي اللي بيدور علي سعادتك

مسح دموع صغيرته، بعدما طالعته بحزن..،فارتمت الصغيرة بين ذراعيه هذه المرة تهتف برجاء

– رجع مامي البيت تاني يا بابي، ديدا مش هتزعل منك

ابتلعت “فتون” غصتها وهي تُطالع المشهد منذ بدايته، وجوارها “السيدة ألفت” وقد وقفت متأثرة بالموقف..، سحبتها من المكان بأشفاق.. فالأمر بالتأكيد قد حسم..، ستعود السيدة شهيرة للمنزل مجدداً بعدما لعبت بورقتها الأخيرة
………

حدقت “السيدة سعاد” بتلك التي تقف أمامها، كانت أمرأة محتشمه.. تطرق رأسها خجلاً، فتسألت وهي تتفرس النظر بملامحها

– الحارس قالي، إنك عايزة بسمة

اماءت “سميرة” برأسها وبهمس خافت اخذت تُجيبها

– جيت اشوفها أصلها وحشاني اوي
– بس هي مش موجوده يا بنتي، راحت السوق

تهللت أسارير “سميرة” فرحاً ولكن سرعان ما عادت لخجلها، ورفعت عيناها نحو ” السيدة سعاد”

– يا خسارة، كان نفسي أشوفها يا خالة..، ده انا جيالها من مشوار بعيد

اشفقت ” السيدة سعاد” عليها، وابتعدت عن الباب..، ترحب بها

– تعالي يا بنتي، اتفضلي.. اشربي حاجة لحد ما تيجي

ابتسمت “سميرة ” وهي تخطو نحو الداخل..، تنظر للمكان بذهول، لا تُصدق أن” بسمة ” أصبحت تعيش هنا..
دلفت للمطبخ خلف السيدة سعاد، التي أسرعت في ضيافتها، بعدما توسمت فيها الطيبة

– هو أنتِ وبسمة صحاب من زمان يا بنتي

بفضول كانت تتسأل ” السيدة سعاد” وهي تضع المشروب البارد أمامها..، ارتشفت “سميرة” من الكأس تنظر إليها، وقد انتظرت “السيده سعاد” جوابها بفضول

– لا مش من زمان يا خاله، كنا شغالين مع بعض في المطعم، قبل ما تسيبه بعد الليله اياها
– هو أنتِ سميرة

اماءت برأسها، وقد تبدلت ملامح السيدة سعاد عندما علمت بهويتها

– أكيد بسمة حكتلك عني

وبنبرة ممتعضة، كانت تجيبها ” السيدة سعاد”

– حكتلي عنك كل خير، شربتي العصير يا بنتي

كانت تطردها بالذوق، فارتبكت “سميرة” وهي تري نظراتها إليها

– بسمة ديما ظلماني

و ببكاء،و انكسار كانت تُخبرها.. لما كانت تكرهها..، فقد اخذت منها حبيبها..
كانت عينين السيدة سعاد تتسع ذهولاً، لا تُصدق أن بسمة كذبت عليها
احتلت الصدمة ملامحها وهي تستمع لحديث الجالسة، وقد تأثرت ببكائها، فلن يكون بكائها كذبً

– كشفتلي دنائته ياخاله، طلع راجل خسيس، بس هي السبب اغرته وخليته يتعلق بيها..، مع إنها كانت عارفه إني بحبه وحكيالها أسراري

– وأنتِ ليه يا بنتي تمشي مع راجل في الحرام

انسابت دموع ” سميرة” وقد استحضرت بعض المشاهد حتي تستطيع ذرف دموعها بإتقان

– النصيب، واتعلمت الدرس..، ادعيلي يا خاله ربنا يسامحني

دعت لها “السيدة سعاد”، وأخذت تربت فوق كفها بتعاطف

– ربنا يبعد عنك ولاد الحرام يا بنتي

انصرفت ” سميرة” وهي تشعر بزهو إنتصارها،فالمرأة كانت ساذجة وصدقتها ببضعة عبرات ذرفتهم فوق خديها
………

دلفت “بسمة” بارهاق وهي تحمل الأغراض، وخلفها السائق بالأغراض الأخري

– جبت كل حاجة زي ما طلبتي

تجاهلتها السيدة سعاد، واقتربت من الأغراض تفحصها..، طالعتها “بسمة” وقد تيقنت أن هناك شئ يؤرقها ، اتجهت نحو احد مقاعد المطبخ تجلس عليه، فالتفت السيدة سعاد نحوها بعدما طالعت الأغراض بنظرة سريعه

– اطلعي نضفي الأوض يا بسمة
– هاخد بس نفسي، وحاضر.. هلمع وانضف واعمل كل اللي أنتِ عايزاها

قالتها بابتسامة واسعه، ولكن ابتسامتها قد تلاشت وقد تعالا صوت السيدة سعاد بحده

– إحنا مش فاضين للدلع، البيت كبير ومحتاج تنضيف..، والبنت اللي بتيجي تنضف رجليها اتكسرت..

لم تنتظر “بسمة” سماع كلمة أخرى منها، ونهضت علي الفور واقتربت منها تقبل خدها
– هوا يا سوسو، هعمل كل اللي أنتِ عايزاه.. بس هروح أغير هدومي

رمقتها ” السيدة سعاد”وهي تنصرف، وشعرت ببعض الضيق من حالها، ف بسمة طيبه، ولن تكون ممن يدعون البراءة والطيبة وتحت وشوشهم قناع أخر،
ولكنها رأتها ليلة أمس في غرفة ” السيد جسار”، واليوم اخبرتها رفيقتها التي كانت تعمل معها إنها تنال تعاطف الجميع حتي يثقون بها وبعدها تظهر شخصيتها الحقيقية.
………..

وضعت الطعام فوق الطاوله بعناية، تبتسم للاصناف التي صنعتها..، وقد قامت بدورها علي أكمل وجه..، شعرت بخطواته خلفها، فالتفت نحوه وقد لمعت عيناها بنظرة يعلم إنها ليست إلا مصطنعه, ولكنها كانت أبعد عن ظنه

– حضرت كل حاجة، فاضل بس الحلو في الفرن

حرك رأسه وهو يحدق في الأصناف متسائلاً

– كل ده عملتي لوحدك؟

وبابتسامة واسعة كانت تُجيبه

– أنا ست بيت شاطرة

وهو لن ينكر هذا الأمر، فقد اصبحت هي من تعتني بالمنزل بعدما صرف الخدم، ظنها ستعترض او ستفر هاربة بعد أن تجد لا شئ تملكه معه إلا الإهانة..، فلو كانت امرأة تشعر وتهتم لكرامتها لكانت رحلت دون أن تلتف خلفها، ولكنها مستمرة معه وهو أصبح مرحب حتي ينال مبتغاه.

اقترب منها، وهو يُريد أن يري سطوته عليها، شعرت بذراعيه تأسرها, يُلامس جسدها ببطئ.. ، فاغمصت عينيها مسترخي، تشعر بانفاسه قرب عنقها

– كاظم

ابتسم وهو يقتنص منها قبلة طويلة، سلب معاها أنفاسها

– حطي كل حاجة هتتقدم في المطبخ، واطلعي علي اوضتك علطول
– مش هستقبل معاك ضيوفك

وبنظرة باردة ممتعضة، كان يُجيبها

– نبقى نتكلم في الموضوع ده بعدين
– طيب وموضوع الشغل، قولتلي برضوة هنتكلم فيه ومتكلمناش

ضجر من تساؤلاتها ، و لولا هدفه من أستمرارية هذا الزواج، الذي ستكون نهايته بنيل وريثه، ما كان تحمل وقوفها أمامه ومجادلته

– قولت بعدين يا جنات ، الضيوف علي وصول

وفور أن أنهى عبارته، كان رنين هاتفه يتعالا.. ،مشيراً إليها بالصمت…
وبعد دقائق كانت تصعد الدرج ، كما أمرها..، وقد اقتنعت بعض الشئ بعدم تفضيله لوجودها،
فضيوفه جميعهم رجال بالتأكيد ،
ولكن وقفت مكانها أعلى الدرج وهي تستمع لصوت امرأة..

هبطت قليلا بضعة درجات حتي تتضح لها الصورة عن قرب، ولم يكونوا إلا خمسة أفراد، امرأتان وثلاث رجال وعلي ما يبدو إنهم زوجاتهم، اما الرجل الثالث هي تعرفه تماما وقد رأته في عقد قرانهم

رحب بهم بلطف وحفاوة، وقد تسألوا عنها..، بعدما أصبح لديهم علم بأمر زواجه..، ولكنه تجاهل سؤالهم ومضى بهم نحو غرفة الطعام..
انسابت دموعها رغماً عنها..، فقد صرفها وكأنها لا شئ في حياته ، لقد عرضت عليه استقبال ضيوفه معه، وصنعت له الطعام بحب حتي تشرفه أمامهم، كان من الممكن أن لا تهتم ولا تعرض عليه أن تقوم هي بالعزيمة،
أرادت أن تريه إنها لا تُريد شيئاً إلا أن تعيش في جو أسري يملئه الدفئ.. ،أرادت أن تريه جنات الحقيقية وليست تلك التي تحدته وتزوجته.

أسرعت في خطاها نحو غرفتها، بعدما مسحت دموعها بقوة، التقطت أرقى ثيابها ودلفت للمرحاض حتي تزيل عنها أعباء اليوم وتستقبل الضيوف بأناقة، فعلت كل شئ بسرعة قصوى وكأنها تتسابق مع الوقت.

وبخطوات هادئة، وكعب حذائها يطرق فوق الأرض كانت تتحرك نحو غرفة الطعام

– مش لما يعتبرها كاظم زوجة الأول، يبقى يعرفها عليكم

القاها “جلال” لاحد الأصدقاء، بعدما تسأل عن زوجة كاظم لتتعرف عليها زوجته.
وقفت مكانها تُحدق بضحكاتهم وهي تستمع لحديثهم الذي يخصها

الفصل الثالث والأربعون (1)
********
وفي أوقات تحتاج لأن تتلاشى كل شئ من حولك، أن تلقى ما تسمعه خلفك، أن تقف بثبات وترسم ابتسامتك..، وأن تتقدم لتُحارب في جبهتك، لتُحارب في منطقتك..، نحو طريق انت من سعيت لأجله.

تعلقت عيناها بذلك الذي نهض فور دلوفها، وقد رمقها صديقه بقوة، وابتلع باقية حديثه والتقط الماء يرتشق منه لعله يخرج من حرجه..،
رمقته “جنات”وهي تتمنى أن تقف رشفة الماء بحلقه ويموت من شدة سعاله.. ، وقد تحققت دعوتها وأخذ “جلال” يسعل بشدة.
تقدمت منه وعيناه لم تحيد عنها، ينظر مترقبً ردة فعلها، ومن نظرتها الواثقة…، خشي أن تحرجه أمام ضيوفه.. ،لم يفكر كيف جرح كرامتها ، بل فكر في وضعه أمام ضيوفه

– مساء الخير يا جماعه

القت تحيتها بابتسامة هادئه، واقتربت من ذلك الواقف..، تنظر لترقبه وانتظاره لرؤية ما سوف تفعله

– اسفه علي تأخيري، وعدم استقبالي ليكم

وبنبرة مازحه وهي تُسلط عيناها نحوهم، تتمتم بابتسامة واسعه

– المطبخ للأسف سرق اليوم كله مني، وملحقتش اجهز قبل وصولك

وببطئ كانت تلتف نحو الذي يجاورها، وقد تصلبت ملامحه

– اتمنى يكون الأكل عجبكم ، واكسب الرهان من كاظم.. إني طباخه هايله

امتدح الجميع طعامها وبالطبع عدا “جلال” الذي التقط أنفاسه اخيرا للتو من أثر السعال، واخذ يرمقها ويرمق صديقه.. ،منتظراً ردة فعله مع تلك التي يعرف مدى كره صديقه لها

– شايف يا حبيبي، صحابك بيشهدوا بطبخي..،بس بصراحه هو مبيحبش يتعبني في أي حاجة

ضحك الجميع، وبدأت الزوجات يتحدثن عن اطباع أزواجهم وحنقهم الدائم منهم لعدم اتقانهم للوصفات..

– مالك يا حبيبي لسا واقف مكانك كده

رمقها حانقاً، وعاد لجلوسه متمتماً لصديقه “جلال”، بعدما وجد ضيوفه ينتظرون جلوس سيدة المنزل اللطيفة

– جلال من فضلك..

لم يفهمه “جلال” في البدايه، ولكن سرعان ما تدارك حاله، ونهض من فوق المقعد يسمح لها بلباقه رغم حنقه الداخلي

– طبعا، طبعا.. اسف يا مدام جنات.. اتفضلي

جلست بينهم، وقد التمعت عيناها بثقه وهي تري نظراته المصوبه نحوها، ابتلعت غصتها وهي تشعر باستياءه من وجودها، ولكنه لم يكن يفكر إلا إنها بالتأكيد تسعي لتحقيق شيئاً ما، فباحثة مثلها علي الثراء لن تظل في حالة الضعف طويلاً
أصبحت الجلسة مواضيع لا تدور إلا عليها، كيف تعرفت علي كاظم، كيف جعلت هذا الرجل يتزوج أخيراً بعدما كان مضرباً عن الزواج

– اتقابلنا في شركة سليم النجار

التمعت عينين الجالسات، وقد جعلوا جميع حواسهم منصبه عليها.. ،يسمعون منها كيف كان اللقاء..،
نسجت في علقها حلماً بعيداً تمنته في مراهقتها.. ،قصت عليهم بعض مقتطفات استطاعت ترتيبها بواقعية..، وهو كان جالس يستمع في جمود، اما جلال ينظر إليها بنظرة ساخرة.. ،فهذه المرأة ليست سهله ولديه كل الحق في أن يجعل صديقه يكرهها

– مالك يا كاظم ساكت، ولا يا سيدي مكسوف تعترف لينا إنك اخيراً حبيت وجات الست اللي خليتك تفكر تتجوزها

القاها احد الأصدقاء مازحاً، فتنحنح بعدما قاوم مشاعر حنقه ومقته نحو تلك التي أصبحت هي محور الجلسه

– المدام حالمية شويه عن اللازم يا جماعه وبتحب تتكلم كتير
– أخص عليك يا حبيبي

التقطت كفه، فتجمدت عيناه علي فعلتها..وطالعت الجالسين ببراءة لا يعرف كيف اجادة اصطناعها

– ده مقليش بحبك غير يوم فرحنا
– صحيح يا مدام جنات ليه معزمتوش حد علي فرحكم، ولا عملتوا في أوتيل فخم

رمقها بتشفي، منتظراً سماع جوابها..، فهي من وضعت حالها في هذا الموقف

– كاظم مبيحبش الحفلات ولا الدوشة.. وبصراحه وانا كمان.. ف احتفلنا بجوازنا وسط بعض الأهل

طالعته بانتصار وهي تري نظراته القاتمة تخترقها، ابتسم “جلال” متهكماً، فكم هي ذكيه، ماكرة

– أنتِ لسا بتشتغلي في مجموعة النجار ولا دلوقتي طبعا انضميتي لمجموعة النعماني

واتبع الصديق عبارته ضاحكاً، وهو ينظر نحو “كاظم”.. منتظراً جوابه حتى يُخبر زوجته أن الراجل معظمهم لا يحبون عمل زوجاتهم معهم

– لا كاظم سيبلي القرار، لكنه مرحب جدا إني اشتغل معاه

احتدت ملامحه، وقبض بقوة فوق شوكة طعامه، فقد تجاوزت جميع النقاط..، وجعلته يظهر أمام أصدقاءه وزوجاتهم، كم هو زوج محب، عطوف..، إنها تتلاعب به تلك الماكرة
تلاقت عيناه بعينين “جلال” الذي انتظر أن يتخلى صديقه عن صمته

– مش هنكمل اكلنا يا جماعه، ولا هتفضلوا مع حكايات المدام..

وبنرة حاول جاهداً، أن يُخرجها مازحاً تمتم، وهو يرمقها بوعيد

– اصل المدام بتاعتي مش هتسكت خالص

ضحك الجميع، كما ضحكت معهم، وابتسمت بزهو وهي تشعر برغبته في إنهاء هذه الضيافه بأسرع وقت.

انتهت الضيافه، كما كان يأمل.. ولكنها استنفذت منه طاقته،
غادر أصدقاءه بزوجاتهم، فوقف “جلال” معه بالخارج وضحكاته تتعالا بقوة

– ديه مطلعتش سهله خالص

تجهمت ملامح “كاظم” يتمتم بغضب

– اتفضل يا جلال أنت كمان، السهره خلصت وياريت بعد كده تحافط علي لسانك..، مهما كان هي مراتي

رمقه “جلال” وهو لا يُصدق حديثه

– مالك يا كاظم، هي بدأت تسيطر عليك ولا إيه.. ،مهما الستات كده يدحلبوا لحد ما يوصلوا لهدفهم

– أنت عارف كويس، إن مافيش ست تقدر تضحك عليا..، لكن بغباءك وبكل بساطه تقول إني مش معترف بيها زوجه قدام صحابنا ليه..

– هو أنت خايف منها يا كاظم.. عشان سمعتني.. ما هي ديه الحقيقة.. ،ده غير الحقيقة التانيه اللي أنا واثق إنك بتعاملها بلطف لحد ما تاخد اللي عايزه

– جلال، بلاش تلعب معايا يا جلال

صرخ به بحدة، فتراجع “جلال” للخلف قليلاً.. وقد علم إنه تعدي نقاطه مع صديقه

– خلاص يا كاظم، فاهم.. ولو عايزني اعتذر من المدام مافيش مشكله عندي

تجهمت ملامح ” كاظم”، فاسرع جلال بالمغادرة مودعاً

– سلام يا باشا
……….

التف العم “جميل” حوله، بعدما جلس أمام طاولة الطعام الصغيرة التي اعدتها “سعاد” من أجل أن يتناولوا وجبتهم كعادتهم في المطبخ

– فين بسمة يا سعاد؟

وضعت ” سعاد” الأطباق، وجلست فوق مقعدها، وشرعت في تناول طعامها

– بتنضف الفيلا

رمقها “جميل” وقد استعجب ما تخبره به، ف سعاد لم تحب أن تجعل بسمة تُعامل كخادمة بالمنزل..، كانت تُعاملها كالضيفة المرحب بها، ومهما عرضت من مساعده..، كانت تجعلها تُساعد باشياء بسيطة، ولكن أن تنظف وتمسح..، كان الأمر عجيب عليه فهذه كانت مهمة إحدى السيدات التي تأتي يومان بالأسبوع

– بتبصلي ليه يا جميل، مستغرب ليه يعني إنها بتنضف.. ،هو وجودها إيه هنا غير كده..، لا هي ضيفه ولا قريبة..، هي مجرد واحده جابها جسار بيه رفقاً بيها، و إكراماً لطليقته الست ملك

– خلصت أخيراً، البيت كبير ما شاء الله وتنضيفه صعب.. ،ده أنا كنت بكلم نفسي وأنا بنضف وأقول الله يعينها الست اللي بتنضفه
هتفت بها “بسمة” وهي تدلف المطبخ، بملامح مرهقة.. تمسح يديها في عباءتها المبتلة، علقت عيناها بالطعام وقد نغزها الجوع بشدة..، فهرولت نحو الطاوله تقبل وجنتي “سعاد”، التى تجهمت ملامحها من فعلتها ولكنها اخفت مشاعرها سريعاً

– تسلم ايدك يا احلي سوسو في الدنيا

ابتسم العم “جميل “وهو يراها تأكل بجوع، يُمازحها كعادته

– هتزوري يا بسمة، براحه يا بنتي

– جعانه اوي يا عم جميل، سوسو النهاردة حبت ترجعني للشقي ، بعد ما كنت بدأت اتعود علي الراحه

هتفتها بمزاح، ولكن “سعاد” لأول مرة كانت تراها شكوى..، وكأنها مرأة شريرة ظالمة

– ما ديه حياتنا، ولا أنتِ فاكرانا هوانم هنا .. إحنا بنشتغل عشان ناكل لقمتنا بالحلال

تمتم بها “سعاد” بحده، فطالعها جميل وقد توقف عن مضغ طعامه..، ينظر نحو ملامح “بسمة” التي سكنت

– مهمتك تنضفي البيت كل يومين، لحد ما ترجع العامله من تاني
………….

دلف للغرفه بملامح متجهمة، سرعان ما تحولت للذهول وهو يراها تلتقط متعلقاتها وتمر من جواره،
التقط ذراعها بعدما فاق من ذهوله يتسأل، وقد راودته الشكوك

– رايحة فين؟

نفضت ذراعها عنه، بطريقه صدمته.. تنظر إليه بتحدي

– هنقل حاجتي الاوضه التانيه، لحد ما يعدوا ست شهور علي جوازنا ومتقلقش هتصحي الصبح تلاقيني مشيت

ورغم المرارة التي علقت بحلقها وهي تهتف بها ، إلا إنها بدأت تفيق.. وكأنها الفترة الماضيه لم تكن هي

– نعم!

وباستنكار كان يتمتم عبارته، يلتقط منها حاجتها..، يلقيها أرضاً

– القرار ده أنا اللي اخده، مش أنتِ
– لا يا ابن جودة النعماني، لو كنت في البدايه ساكته ومتقبله إهانتك ليا، وإني مجرد ست في سريرك بتلبي ليك رغباتك..، فكان عشان اكسبك واخليك تعرف إني مش وحشه ولا طماعه

انسابت دموعها رغماً عنها، تنظر إليه وهي تتذكر كيف لم يرغب بها أن تستقبل ضيوفه، وكيف تحدث عنها صديقه

– يمكن لعبة معاك غلط، يمكن كنت طماعه..، يمكن حاجات كتير
أرادت أن تخبره، إنها ارادت أن تكون أمرأته.. ولكن لم تعد تُريد أن تظهر أمامه بالضعف..،فقد انتهت علاقتهما الفاشلة بكل المقاييس

– وبعترف إني استحق اللي حصدته، استحق إني أكون زوجة مهمشة.. ، استحق الوجع اللي أنا حساه دلوقتي

شعر برجفة قلبه، ولكن سرعان ما كان يعود لجمودة، فهو لا يتأثر بدموع أحد وخاصة النساء

– خلاص خلصتي الدراما اللي أنتِ فيها، بسبب كلمتين سمعتيهم من جلال

تجهمت ملامحها، واندلعت براكين الغضب داخلها، ولم تشعر بحالها إلا وهي تدفعه بكل قوتها

– أنت مريض، أنت إيه جبروت معندكش أي مشاعر

وببساطة كان يُجيبها، بعدما تحكم في قبضتيها

– ايوة مريض يا جنات، وزي ما قولتي أنتِ اللي اختارتي طريقك بنفسك

– هصلح غلطتي ونتطلق

احتدت عيناه، فلو كان راغب برحيلها , فهو من يطردها وليست هي من تقرر

– هعيش هنا ضيفه، لحد ما الايام تعدي..، ولولا كلام الناس كنت مشيت وسيبتلك بيتك اللي مفيهوش روح ولا حياة زيك

تركها، تُخرج كل ما تُريده.. ولم تكن عيناه إلا نحو شفتيها.. ،سيخرسها بطريقته، سيجعلها ترضخ تحت سطوته
قبلها بشراسة، واخذ يدفعها نحو الفراش.. حتى تهاوت فوقه بعدما قاومته بضراوة صارخة

وكلما كانت تصرخ وتدفعه عنها، كان عنفه يزداد.. ، شعر بملوحة دموعها التي تذرفها، فتوقف عن نيلها بتلك القسوة..، يهمس اسمها

– جنات

ولكن جنات التي كان يُخضعها بين ذراعيه قد أنتهت، وعادت “جنات” القديمة..، جنات الباردة، جنات التي لا تجعل قلبها يُسيطر عليها.. ،عاد يقبلها برفق.. ، يدمغها بجسده ككل ليلة، وعند فروغه منها.. وجد امرأة أخرى بين ذراعيه.. هادئة ،باردة تُطالعه في الصمت

– كسبت يا ابن النعماني، و دمرتني

تمتمتها بمراره، فنهض عنها وكأن عبارتها لسعته.. ،ينظر إليها وهي تُلملم ثوبها الممزق وتنهض من فوق الفراش تسير مترنحة, لتُغادر الغرفة تحت نظراته المصدومة
………….

اقترب من المطبخ، بعدما شعر بحركة ما داخله..، طالع الوقت، ف السيدة سعاد قد ذهبت لغرفتها , وقد ابلغته بعدما وضعت له فنجان قهوته الأخير.

دلف للمطبخ بخطوات حذرة، فعلقت عيناه بها.. وهي منحنية بعض الشئ تضع بيدها فوق بطنها..، وتنتظر غليان الماء الذي تضعه فوق الموقد…
تأوهت بألم وهي تغلق الموقد وتلتقط الركوة…، التقطت عيناه الكوب الموضوع جانباً، وقد وضعت به بعض الأعشاب كما يظهر إليه

– حاسبي أيدك

هتف عبارته، وهو يراها لا تتحكم في سكب الماء، و التقط منها الإناء.. ،وشرع في صب الماء متسائلاً

– أنتِ تعبانه

تخضبت وجنتاها خجلاً، فبماذا ستُجيب عليه.. ،صمتت دون جواب، فابتسم وقد تفهم الأمر وهو يُقلب لها مشروبها

– لو فضلتي تعبانه، خدي مسكن
– ده هو دور برد، وهشرب الأعشاب وهكون كويسه

أسرعت في إلقاء عبارتها، حتى تصرف عن ذهنه ما وصل إليه..، اتسعت ابتسامته وهو يري شدة ارتباكها

– ما أنا عارف إنه برد يا بسمه، اشربي الأعشاب وبعدين خدي مسكن، عشان البرد

ضغط بتأكيد علي عبارته الأخيرة, وهو يُطالع تورد وجنتاها، قطبت حاجبيها بألم.. ، واشاحت عيناها عنه.. واتجهت نحو طاولة المطبخ تحمل كوبها

– لازم تاخدي مسكن

سقطت دموعها من شدة آلامها، تخبره بصوت قد خذلها

– دورت، ومافيش مسكن في المطبخ
– إزاي، مش معقول.. ،ثواني وهطلع اجيبلك من أوضتي

اسرع في خطاه نحو غرفته، وعاد إليها.. فوجدها تتحامل علي حالها وتحتسي مشروبها الساخن لعله يُخفف عنها، انحني صوبها يعطيها حبة الدواء

– هتكوني كويسه متقلقيش

توقفت السيدة “سعاد” تلك المرة داخل المطبخ، تنظر إليهما وقد أنتبه إليها “جسار” ، ينظر لدورق الماء الفارغ الذي تحمله..، وكما يبدو له إنها نهضت بسبب العطش

– كويس إنك صحيتي يا دادة، خدي بالك منها

هتف بها قبل أن يغادر علي الفور، بعدما القى بنظرة سريعة نحو “بسمة” التي اخذت تطالع نظرات ” السيدة سعاد” إليها

…………

ظلت لساعات تنتظر قدومه حتى بدأت تفقد الأمل، عاد مشهد اليوم يسير أمامها، فسقطت دموعها وقد أدركت أن رحيلها قد أوشك..،ستعود “شهيرة” للمنزل رغم إنه لن يُعيدها لعصمته.. ،ولكن بالتأكيد خطوتها الأخرى ستكون العودة لعصمته، وستكون هي كما أخبروها مجرد نزوة.

انتفضت من فوق الفراش، بعدما ترددت تلك الكلمه داخل أذنيها..، فهي لن تكون نزوة ولن تظل ضعيفه ولن تتركه لغيرها…

أسرعت في ارتداء حذائها المنزلي، واسرعت في خطاها لأسفل.. تقصد مكانه المعتاد، ولم يكن إلا غرفة مكتبه

كان الظلام يعم الغرفة ، فبحثت عنه حولها ..، لتقع عيناها عليه وهو مسطح فوق الأريكة ويضع ذراعيه أسفل رأسه

اقتربت منه لتراه مغمض العينين، والأرهاق يحتل ملامحه، تألم قلبها من أجله وجثت فوق ركبتيها جوار الأريكة تمسح فوق خده تهتف اسمه بهمس

– سليم

فتح عيناه ببطئ، يرمقها متسائلاً عن سبب استيقاظها لهذا الوقت

– منمتيش ليه، اطلعي نامي.. أنا هفضل في المكتب

– مبقتش أعرف أنام غير وأنت جانبي

علقت عيناها به وهي تتمتم بعبارتها ، فطالعها غير مصدقاً.. ، فهي إلى الأن تخاف أن تحبه وتثق به..، تظن نفسها في حياته مجرد نزوة..، تراه ببشاعة وكأنه رجل خسيسً، ضعيف لشهواته..، حينا يشبع شبقه منها سيُلقي بها خارج حياته..

– شهيرة هتيجي تعيش معانا هنا

ظنها ستعترض، أو ستغضب ولكنها اجابتها بأخر شئ كان ينتظره منها

– هي هتيجي عشان خديجة، لكن متحلمش إنها هتاخد حاجة تانية

وبابتسامة لعوبة وعبث قد افتقدتهم منه، تسأل وهو يعتدل ويتفحص ما ترتديه أسفل مئزرها

– وإيه هي الحاجة ديه يا فتون

وهي لا تعرف المراوغة مثله، منحته الإجابه التي اطربت قلبه، وجعلته ينسى حنقه منها

– أنت
وبتملك تعجبه منها، لا يستوعب أنه يسمع تلك العبارة منها

– أنت ملكي أنا وبس يا سليم

ارتفعت أنفاسه المشتعلة بالرغبة، رغبة كان يقودها الحب..، ولم تشعر إلا وهي بين ذراعيه فوق الأريكة.. تطير فوق السحاب، تبادله الحب بنفس توقه
غفت فوق صدره، بعدما لثم رأسها بحنو يهمس لها

– أنا فعلا، ملكك أنتِ وبس يا فتون
……….

داعبت أشعة الشمس جفنيه وهو يُطالعها بسعادة وهي تغفو فوق صدره..، داعب خدها برفق، حتى بدأت تفتح عينيها بصعوبه، لا تُصدق إنها غفت جواره فوق الأريكة

– صباح الخير

بهمس يصحبه الخجل تمتمت

– صباح النور

وبمشاغبة ونشاط كان يصاحب جسده، داعبها بكلماته

– تعالي نطلع اوضتنا، قبل ما الخدم ينتشروا في البيت

طالعته بوداعة، وهي تومئ برأسها دون نطق شئ من شدة خجلها، ولكنه ضرب قراره في عرض الحائط..، وعاد ينالها مجدداً

ابتعد عنها بعدما أستمع صوت شهيرة، الذي أخذ يصدح بالمنزل.. تُخبر الخدم بأخذ حقائبها لإحدى غرف الجناح الأيمن، و تتسأل عنه.. تستعجب عدم نزوله من غرفته لهذا الوقت

– مش معقول يكون سليم لسا نايم، ده الساعه تسعة.. اكيد في اوضة المكتب

وقبل أن تخبرها الخادمة، بعدم استيقاظه بالفعل..، اتجهت شهيرة نحو غرفة مكتبه..، تُحرك مقبض الباب وتهتف باسمه

الفصل الثالث والأربعون (2)
************

وقفت جامدة في مكانها، وقد تعالت أصوات أنفاسها..، تتحكم جاهدة في ثباتها أمام أعين الخادمة التي وقفت أمامها مترقبة بعدما أندفعت لداخل غرفة المكتب، وخرجت منه علي الفور وكأن عقربً قد لدغها بالداخل

– ست شهيرة، أنتِ كويسه يا هانم

حدقت بها “شهيرة” وقد كان عقلها غائب في المشهد الذي رأته منذ لحظات في ثواني خاطفة..، سليم يلتقط قميصه بعجالة، يُعطيه لها حتى ترتديه فوق اللاشئ.. ،وهي تقف خلفه تتحامي بجسده..

اندلعت النيران داخل فؤادها وهي تقبض فوق كفيها..، حتى انغرزت أظافرها داخلهما ؛ ف المشهد لا يترك عقلها بل بدء عقلها يرسم لها اللحظات التي صارت بينهم بأتقان..
سليم والخادمة في غرفة المكتب..، هل وصل به الأمر أن يُعاشرها في مكتبه ..
اخذتها أفكارها لنقاط بعيدة ، تنظر حولها للمنزل..
تتخيل أين وصل بهم الحال…
هل لهذه الدرجة لا يتحمل رغبته بها؟.. ويتوق إليها بمجرد أن تتدلل عليه قليلاً.. وعند هذه النقطه كانت تُريد أن تصرخ عالياً

– روحي علي شغلك يا مجيدة

تجمدت جميع حواسها وهي تستمع لصوته بعدما غادر مكتبه أخيراً.. ،التفت بجسدها ببطئ لتري تلك التي لن تُشبهها إلا بالعاهرة الصغيرة

– فتون انجزي واطلعي من الأوضة، مش هنفضل كده وكأننا مش في بيتنا

هل يمزح ويضحك بفخر؟ كان أول شئ طرء في عقل “شهيرة” وهي تقف تحملق بهم..
وجدتها تخرج من الغرفة، ترتدي قميصه وتحمل ثيابها الأخرى..، فتعالت ضحكاته وهو يرمقها كيف وقفت تتلفت حولها.. ،حتى لا يراها أحداً من الخدم

– أنت السبب علي فكرة

وعندما وجدت نظرته المحذرة اللعوبه.. ركضت من أمامه تخشي أن يُنفذ وعيده ويعودوا للغرفة مجدداً.. ،فهو لا يعبأ بشئ وسيكون أكثر من سعيد.

تعالت ضحكته وهو يتحرك خلفها، فوقفت “شهيرة” مذهولة.. ، وقد انسحبت أنفاسها وهي لا تُصدق إنها تُشاهد “سليم” هكذا.. رجلاً مراهقاً ، ليس في الخامسة والثلاثون من عمره

– تقدري تطلعي لبنتك يا شهيرة، واتمنى فعلا تقربي منها وتعرفي تحتويها

حدقته بنظرات طويلة، قبل أن يلتف بجسده مجدداً ويُكمل خطواته نحو الأعلى، وكأنه أخيراً قد رآها

تجهمت ملامحها، وعادت لتوازنها بعدما فاقت من حالة ذهولها

– إحنا لازم نتكلم يا سليم، المهزله ديه مينفعش البنت تشوفها

توقف أعلى الدرج وهو يستمع لصوتها الذي تعالا

– صوتك يا شهيرة، متنسيش إنك في بيتي

التجم لسانها، لا تستوعب ما تسمعه منه، بل وأكمل خطواته دون أن يُعيرها أي التفافه أخرى، بحثت عن شئ حولها حتى تُخرج فيه حنقها ولكن لم تجد إلا الخادمة التي أتت إليها تُخبرها بأن أغراضها تم ترتيبهم.
………

وضعت طعام الفطور بملامح بشوشة، رغم الإرهاق الظاهر فوق ملامحها.. ،ابتعدت عن الطاوله بعدما شعرت بخطواته قربها وقد تفاجأ بتحضيرها لطعام الفطور، وإسناد السيدة “سعاد” لبعض المهام لها

شرد في حديث السيدة سعاد معه ليلة أمس، عندما أتت مكتبه بفنجان قهوته

– محتاجة أتكلم معاك في كلمتين يا بني

طالعها “جسار” بعدما أغلق الملف الذي كان يُدقق فيه بتركيز، ارتبكت السيدة سعاد، فحدق بنظراتها المرتبكة

– أنت عارف قد إيه عندي ولاء ليك، ولعيلتك.. ،أنا اشتغلت سنين عند الست فاطمه الله يرحمها و والدك الله يرحمه ، وسيبت البلد وجيت اخدمك هنا

طالع حديثها عن حبها له ولعائلته وإخلاصها لهم، ولم تكن بحاجة لتخبره عن هذا..، فهو لا يعدها خادمة في منزله.. ،بل جزءً من عائلته

– دادة سعاد أتكلمي، أنتِ مش محتاجة تقولي كل الكلام ده لاني عارف ومتأكد من حبك لعيلتي

دمعت عينين السيدة سعاد، وهي تتذكر الراحلين
– الله يرحمهم يا بني

و ازالت دموعها، لا تعرف من أين تبدء حتى تُخبره عن قلقها نحوه، أم عن ما اخبرتها به صديقة بسمة، أم عن تلك النظرات التي تراها في عينين بسمة نحوه والصدف التي باتت تجمعهما وتثير الشكوك داخلها

استند بمرفقيه فوق سطح مكتبه، وانتظر سماعها..، تقوس حاجبيه في دهشة وهو يراها تتحدث عن “بسمة” ولم يكن الحديث منصفاً، بل بدأت تتغير نظرة” السيدة سعاد” نحوها، القت كل ما بجبعتها ، تنظر إليه وهي لا تعلم
هل مخاوفها في محلها، أم إنها تظلمها؟

– مبقتش عارفه يا بني، البنت فعلا طيبه وقليلة الحيله، ولا زيها وزي ناس كتير.. بيظهروا الغلب وهما قلوبهم سودا

واطرقت رأسها وهي تُذكره بطليقته “جيهان” التي كانت مثالا للنقاء والوفاء..، ليكتشف بعدها ما هي إلا ماكرة

– أنا عارفه إنها من طرف ست ملك، لكن الست ملك طيبه وعلي نيتها..، هي لو مكنتش طيبة كانت سابتك لواحده غيرها وانسحبت

تجمدت عيناه وهو يستمع لحديث … لا يُريد التطرق إليه، ولكنه كان يعلم أن السيدة “سعاد” تتحدث بصفاء نية وعلي سجيتها
انتبهت السيدة سعاد علي حديثها، فتمتمت معتذرة

– اعذرني يا بني

– بسمة عملت إيه يخليكي تغيري نظرتك عنها، مش غريبه يا دادة

طالعته في صمت، تتذكر مشهدها معه في غرفته..، نهض عن مقعده واقترب من “السيدة سعاد” يسألها بسؤال أخر أكثر وضوحاً

– شوفتي إيه يا داده، لو في حاجة شوفتيها بعينك..قوليها

عادت السيدة سعاد، تطرق رأسها.. ،ف بماذا ستخبره
هل تخبره إنها تخشي عليه منها؟ ، وهو رجلا تتمناه الكثيرات
دار بعقلها الكثير، حتى انتبهت علي ما تفوه به

– بلاش تظلميها يا داده، البنت فعلا غلبانه

ارتبكت ” السيدة سعاد”، وهي تخشي بالفعل ظلمها لها، فطالعته بقلة حيله

– أنت عارفني يا بني، مش بعاشر ناس كتير.. ،بتعامل مع الناس بفطرتي.. ،بس أنا خايفه عليك ليكون كلام صاحبتها صح وهي اللي غوت الراجل

– داده

تمتم بحده، عندما بدء الحديث يتطرق نحو الأعراض

– والله يا بني أنا مش عارفه بقول إيه

التفت بجسدها راحله، بعدما شعرت بالخزي.. ولكن توقفت مكانها تستمع إليه

– أنا هدور ورا البنت ديه وأعرف إذا كان كلامها صحيح ولا لاء

استرخت ملامح ” السيدة سعاد”، وقد تأكدت إنها اوصلت إليه رسالتها، بألا يثق في النساء بسهولة ..، فبعد زوجته الراحله والسيدة ملك.. جميعهن خادعات..

غادرت السيدة سعاد، فاحتدت عيناه.. ،وهو يتذكر الحديث الذي اخبرته به للتو، فهل هي بالفعل من أغوت عنتر، أم كان هو خسيسً بالفعل..،
فما يعلمه عن عنتر إنه فاسق لكنه ليس مغتصبً ولا يجبر النساء علي معاشرته، فهو يجدهم بسهوله في الأماكن التي يرتاد عليها.

فاق من شروده وهو يستمع لتحيتها، وقد ارتسمت فوق ملامحها ابتسامة واسعه، و علي ما يبدو إنها بدأت تري لطفه معها بنظرة أخرى

– صباح الخير

لم يُجيب علي تحيتها، فشعرت بالتوتر وهي تطرق رأسها أرضاً بحرج ، تشعر بالندم لأنها تحدثت، ولكن لم تهتف بشئ إلا تحية الصباح، فعن أي جرم أجرمت.

جلس فوق مقعده، يلتقط بشوكته بعض قطع الخضار والجبن..، فهو يُحافظ علي وجبة فطوره بعناية
انسحبت في صمت وقد علقت الدموع بأهدابها ، ولكن وقفت مكانها بعدما أخيراً قرر محادثتها

– الإعلان الترويجي محقق نجاح هايل

التفت إليه، وهي تراه يمدّ لها بهاتفه، في دعوة منه أن تشاهد المقطع..
نظرت إليه وقد عاد بريق عيناها ، وضاعت جميع قراراتها في الرحيل

التقطت منه الهاتف، تُحدق بالأعلان الخاص بالحملة الدعائية صوت وصورة..، لكن مهلاً إنها لا تري صورتها واضحه

ملامحها كانت مشوشه حتى اسمها كان مجرد اسم وهمي..، ظهرت للجمهور بالفعل ولكن بهوية مخفية، ف الحملة تدعم إحترام المرأة وتقديرها ، بضعة عبارات تم اقتناءها بعناية، بدء بها الإعلان الترويجي ثم بعدها بدأت الحكاية وانتهت بدعم الشركة لنماذج أخرى، وقد وصلت الحكاية للناس لمصدقيتها

– جسار بيه، أنا مش عارفه أقولك إيه…

وانسابت دموعها فوق خديها لا تعرف كيف تشكره، هي لا تكره حياتها وفقرها، ولكنها لا تُريد أن ينظر إليها الناس بشفقة إذا تذكروها يوماً

ارتسمت فوق شفتيه ابتسامه صغيرة ، فارتفعت دقات قلبها وهي لا تُصدق إنه بات يُعاملها بهذا الرفق

– ديه رغبتك يا بسمة ولازم تُحترم، والموضوع مخسرش الحملة حاجة ، بل بالعكس الناس اتبسطت جداً من طريقة العرض

اتسعت ابتسامتها وهي تزيل عنها دموعها، تنظر إليه بسعادة وشكر

– مع بداية السنة الجديدة، هتبدأي دراسه في كلية التجارة..

عادت عيناها تلك المرة, تلمع بدموع سعادتها، لا تستوعب ما تسمعه وانتظرته طويلاً

– اما بالنسبة لموضوع الشغل، فعلي الاقل تكوني بدأت دراسة فعلية في جامعتك، وساعتها هقدر اساعدك تشتغلي في مكان محترم

وبتوتر احتلي ملامحها، تسألت.. ،بعدما ضاع حلمها أن تحصل علي وظيفه لديه بشركته

– طيب هشتغل فين؟

ببساطة كان يمنحها الجواب، بل يمنحها الحقيقة التي تناستها مع أحلامها

– تقدري تساعدي، دادة سعاد في شغل البيت يا بسمة..، واعتبريه وضع مؤقت..

عادت للمبطخ بعدما علمت بوظيفتها الجديدة، فطالعتها
” السيدة سعاد” بنظراتها الصامته ولكنها شعرت بالفضول، لتعرف لما طال وجودها هناك، وهي أمرتها بوضع الفطور ثم العودة لمساعدتها

– كل ده بترتبي الفطار علي السفرة
التقت عينين “بسمة” بملامح السيدة سعاد الواجمة، وقد ظنتها غاضبه منها لتأخرها عليها

– الحملة نجحت و جسار بيه قدملي ورقي في كلية التجارة

تعالت السعادة فوق ملامح السيدة سعاد، واقترب منها تضمها نحوها سعيدة بما تسمعه وقد تغلبت طيبتها علي ظنونها

– مبروك يا بنتي، حلمك أتحقق أخيرا

دمعت عيناها، ورغم السعادة التي تشعر بها إلا أن هناك شئ خفي كان يؤلمها

وقبل أن تسألها، عن حياتها الجديده وإلى أين ستذهب وستعمل..، دلف “جسار” المطبخ ينظر إليهما

– بسمة هتشتغل تحت إشرافك يا دادة، بشكل مؤقت

القي بقرارة، ورحل فعلقت عينين السيدة سعاد بها بوجوم وقد عادت الظنون تقتحم عقلها مجدداً.
……

اتجهت نحو باب المنزل تفتحه بملامح شاحبه، تنظر للواقفان أمامها بملامح حزينه.. ،ارتمت بين ذراعين” فتون” التي ضمتها إليها بدورها تشعر بالصدمه

– مالك يا جنات، فيكي إيه؟

تجهمت ملامح “أحمس” الذي وقف خلفهم، يشعر بالغضب.. فها هي النتيجة باتت واضحة

– قولتلك بلاش يا جنات، قولتلك الراجل ده هيدمرك..، لكنك عاندتي واصريتي إنك تتجوزيه.. ،قوليلي كسبتي إيه

تعالت شهقات “جنات” وهي تستمع لحديثه، الذي أخبرها به من قبل ولم تهتم به، بل عاندت واصرت أن تُكمل ما اختارته، فهي لا تخرج من معاركها إلا منتصرة

– كفاية يا أحمس، أنت مش شايفها عامله إزاي

هتفت بها “فتون”، وهي تشعر بالحزن عليها، ف لأول مرة تري “جنات” بهذا الضعف..، لطم “أحمس ” كفيه وهو يتحرك خلفهما

– الراجل ده أنا مرتحتش ليه، من أول يوم شوفته فيه

رمقته “فتون” بنظرات قوية، حتي يصمت قليلاً، ولكنه كان حانق بشدة منها وعليها

– كان عندك حق يا أحمس

خرج صوتها أخيراً، وهي تطالعهما بعدما مسحت عنها دموعها

– قريب هرجع تاني لبيتي، ولحياتي وهرجع جنات القديمة

طالعاها بأعين متسعة، فهل بهذه السرعه أنتهت هذه الزيجة

– جنات، أنتوا هتنفصلوا
– أنتِ لسا بتسأليها، ما بتقولك هترجع لبيتها وحياتها من تاني

تجاهلته “فتون” تنظر إليها، تنتظر سماعها

– كاظم عمره ما هيحبني، أنا فرضت وجودي عليه

انتفض “أحمس”، من مقعده الذي جلس عليه للتو

– و نصيبك في الأرض اللي ضيعتي نفسك عشانها، و بقيتي شريكة فعلا في الاسهم اللي هيتبني عليها المنتجع…
واردف حانقاً، وهو يستمع لتصليح فتون له عن المشروع الذي سيتم فوق الأرض

– مصنع ولا مجمع سكني.. خلينا في المهم.. هتاخدي الفلوس ولا الاسهم اتكتبت باسمك

– اتنزلت عنهم ليه

وبمرارة كانت تخبرهم، عما فعله هو قبل أن تفعله هي..

– ابن..

لفظ “أحمس” قولاً بذيئاً، أجفلهم. ،و اندفع صوبها لا يصدق إنها سعت خلف سرابً

– قوليلي أنتي استفدتي إيه من الجوازة ديه، كنتي مجرد ست بتمتع الباشا

– كفاية يا أحمس، ما أحنا كنا متوقعين ده يحصل

اطبقت فوق جفنيها بقوة، تستمع للشجار الذي أصبح دائر بين “فتون” و “أحمس”، لم يكذب أحمس في شئ، فهي لم تكن إلا امرأة اشبع رغباته بها..

– إيه اللي بيحصل في بيتي؟

توقفوا عن شجارهم، وهم يستمعون لأخر صوت توقعوا سماعه، حتى هي شحبت ملامحها وهي تراه واقف بملامح جامده ينظر إليها، وأكثر ما اخافت منه أن يُهينها أمامهم أو يُقلل من وجودهم ويطردهم من بيته.

………….

حملت الصغير بعدما فحصته الطبيبة التي لم تكن إلا من زملاء “رسلان”، رسلان الذي اكتشفت أنها افتقدت غيابه بل واشتاقت إليه

خرجت من المصعد الخاص بالبناية الراقية التي بها عيادة الطبيبة، وقد أخذ الصغير يبكي بين ذراعيها..
وقفت قليلاً تُهدئه، وتحاول إخراج منديلاً له من حقيبتها حتي تمسح عنه سيلان أنفه

اقتربت منها إحداهن، وقد اوقفها المشهد وهي تري ربكتها في تهدئته والبحث داخل حقيبتها عن علبة المحارم..
استمعت لصوت المرأة وهي تُخبرها أن تحمله عنها حتى تجد ما تبحث عنه

– ممكن اساعدك واشيله عنك، لحد ما تلاقي اللي بتدوري عليه

التفت نحوها “ملك” ببطئ حتى تُشكرها علي مساعدتها اللطيفة، ولكن سرعان ما كانت تُدقق النظر بتلك الواقفه أمامها غير مصدقة إنها هي

– أمينة المحمدي

طالعتها الواقفه وهي تزيل عن عينيها نظارتها، تدقق النظر بها أيضا

– ملك

اتسعت ابتسامة ملك وهي تري التغير القوي الذي حدث لها،
” أمينة” كانت رفيقة لها منذ أيام الجامعه، وقد تزوجت بعد تخرجهم مباشرة، وسافرت إليه لأحدي دول الأوربية

التمعت عينين “أمينة” وهي ترى جمال الصغير الذي تحمله

– ابنك ده يا ملك

الجواب كان دوماً حاضر علي لسانها، وهي تُحرك رأسها بإيجاب

– ما شاء الله عليه، اتجوزتي ابن خالتك الوسيم.. بقى

هتفت “أمينة” مازحه، فكم كانت ملك فتاة حالمة، عاشقه لابن خالتها، لا تسمح لاحد بالاقتراب منها.. فلم تكن لا تري إلا غيره

– اتجوزنا، ومعانا عبدالله و عزالدين

اخبرتها بالحقيقة التي تراها، حتي لو لم يكونوا من رحمها فهي تعتبرهم طفليها، و أول فرحتها..

– لا، ده احنا محتاجين نقعد مع بعض.. ونرجع الذكريات

اشارت “أمينة” نحو المصعد حتى تصعد معاها، نحو شركتها الصغيرة التي أسستها

– تعالي اطلعي معايا المكتب فوق

تعلقت عينين “ملك” بصغيرها الذي بدء يغفو فوق كتفها، من شدة تعبه

– مرة تانيه بقى يا أمينه، الولد تعبان..

انتبهت “أمينة” علي حماقة، ما نطقت به، فمسحت فوق شعر الصغير

– يبقى علي الاقل ناخد أرقام بعض، وهتصل بيكي.. لازم يكون بينا لقاء تاني، ياملك

غادرت “ملك” البنايه، وهي لا تُصدق أن المرأة الواثقة ، شديدة الجمال والأناقة.. كانت “أمينة” التي كان أغلب الجميع يتضاحك علي هيئتها التي تظهرها بعمر أكبر.

اتجهت نحو السيارة، وهي سعيدة بهذا اللقاء..، و وضعت الصغير في مكانه المخصص، وصعدت سيارة “رسلان” التي أصبحت لها منذ أن سافر لمؤتمره الطبي.
………

غادرت ” كاميليا” الغرفة التي تقيم بها ابنتها، بعدما ضجرت من صمتها.. وكأنها تُعاقبها بحالتها ،
قابلتها عينين “ناهد” التي أنشغلت في فحص الصغير الأخر، خوفً عليه أن يمرض كما مرض توأمه

– الولد كويس يا ناهد، بلاش الخوف المرضى عليهم اللي بقيتي فيه..، ملك لو زهقت من اسلوبك ده..، هتسيب البيت وتمشي..

طالعتها “ناهد” وكأنها لم تسمع عبارتها، فهي لن تقضي لحظة واحده بعيداً عن الصغار.. حتى ترحل لابنتها التي اشتاقت إليها
، زفرت “كاميليا” أنفاسها في يأس وجلست فوق احد المقاعد..، تضع بوجهها بين راحتي كفيها

– أنا مش عارفه ليه وصلنا لكده

تمتمت بها “كاميليا”، فهتفت “ناهد” وكأنها في عالم أخر

– السحر، مها ماتت .. كنت عايزاه يحبها وميشوفش غيرها

تجمدت عينين “كاميليا” وهي تتذكر الجرم الذي شاركة فيه شقيقتها بمعرفتها للأمر دون ردعها، رغم إنها عارضتها في المرة الأولى، لكن رحيل رسلان عنهم وتركه لهم البلد،
جعلها تقتنع بتنفيذ الأمر، فهم يسعون لتقريب زوجين من بعضهم..
اخدت “كاميليا” تعيد شريط حياتها منذ ذلك اليوم، فلم تجد إلا التعاسة التي دخلت حياتها وحياة أولادها، حتي علاقتها ب “عزالدين” زوجها أصبحت باردة،
“مها” ماتت وتركت صغيريها، “ناهد” أصبحت كالعجوز الخرفاء لا تعي لشئ حولها، و رسلان عاد بصعوبة لحياتهم

– أنا إزاي طاوعتك ساعتها، إزاي مشيت وراكي
– هيرجعوا لبعض، ولاد مها مش هيلاقوا اللي يحبهم..
هيحصل فيهم زي ما أنا عملت.. ،هترميهم في الملجأ زي ما عملت فيها زمان..، مينفعش تخلف من رسلان

اخذت تهذي بحديث متقطع، كانت ” كاميليا” تفهمه تماماً، ولكن ميادة التي استمعت لمحادثتهم لم يكن ما تسمعه إلا صدمة
فعن أي ملجأ وضعوا به ” ملك” بالتأكيد عندما كانت صغيرة وانجبت خالتها مها

دلفت “ملك” المنزل، وهي تحمل الصغير.. ،تنظر نحوهم.. فحدقت بملامح حماتها الشاحبه، و لم تمهلها “ناهد” لحظة فاسرعت نحو الصغير تأخذه منها.. تفحص كل جزءً فيه،
ثم ابتعدت به
لم تتعجب ” ملك” من الأمر..، ف ناهد كل يوم يزداد تعلقها بالصغار ولم تفسر ذلك إلا بسبب مرضها وصعوبة شفاءها منه، وكأنها بطريقتها هذه تشبع منهم قبل رحيلها

حاولت “كاميليا” تلاشي ما تشعر به، تزدرد لعابها متسائلة

– الولد كويس

اقتربت “ملك” من أحد المقاعد تهوى فوقه، تُخبرها بما أخبرتها به الطبيبه وطمئنتها علي صحته

طالعتهم “ميادة” من فتحت بابها الذي لم توصده كاميليا خلفها…
“ملك” التي اخدت تُجيب والدتها وتطمئنها علي حفيدها الغالي ابن الغاليه مها، لكن ملك ما هي إلا البديل وقد اعادوها لحياتهم حتى تربى الصغار، العائلة المثالية ظهرت صورتها الحقيقية، ويتسألون لما أصبحوا يحصدون من حزن، بعدما كانت الحياة تمتعهم بالسعادة..
……….

ضجرت ” شهيرة” من إنتظار تلك التي لا تعرف كيف استطاعت إغواء رجلاً ك سليم النجار، هل وصل بها الزمن أن تنتظر علي طاولة العشاء.. الخادمة، من لا اصل لها

طالعته وهو يتحرك نحو الردهة، يسير بضيق ويضع هاتفه فوق أذنه ينتظر جوابها علي هاتفها

انتفخت اوداجها حنقاً، ولم تنتبه علي صوت صغيرتها وهي تُطالبها بسكب الطعام لها
هبطت الصغيرة من فوق مقعدها واسرعت نحوه، تجذبه من بنطاله لعله ينتبه إليها

– بابي، أنا جعانه

التف نحوها بلهفة ، وانحني صوبها.. يرفعها بذراعيه ويضمها إليه، وقد وقعت عيناه علي “شهيرة” متهكماً ، اتجهت إليهم وهي تعلم بما يدور داخله..، فهي لن تخسر فرصتها الأخيرة، وتتركه للخادمة، كما تركته من قبل، وها هي تعض يدها ندماً

– البنت مش راضيه تاكل من غيرك

حاولت أن تظهر له هدنتها، وتغيرها.. ،ولكنه لم يكن يوماً بالمغفل..

– أنتِ جعانه أوي يا حببتي
سأل صغيرته بلطف، وقد تجاهل حديث “شهيرة” التي امتقعت ملامحها..

اماءت له صغيرته، فلثم كفها الصغير معتذراً منها

– ما دام حبيبت بابي جعانه، لازم ناكل فوراً.. عشان العصفوره متزعلش

تعالت ضحكات الصغيرة من حديث والدها ودغدغته لها، فالتمعت عينين “شهيرة” بالسعادة، وهي تري الدلال الذي تنعم به صغيرتها من والدها..
شعرت بالندم لأنها جعلت طموحها يسرق منها لحظاتها السعيدة مع عائلتها..، والإصرار كان يزداد داخلها..، إنها ستسعي جاهدة لتعيده لها ولأبنتها وحدهم

اخذت ضحكاتهم تتعالا، خاصه بعدما بدأت الصغيرة تُخبرهم بمقتطفات يومها في الروضه

– البنت كبرت يا سليم وبقي في معجبين بيها

ابتسم “سليم”، رغم ضيقه..، مما تخبره به صغيرته من تقبيل أحد الصغار لها فوق خدها حتي يُصالحها عندما اسقطها أرضاً، رمق “شهيرة” ممتعضاً.. ،فاتخذت دور الصمت علي الفور

– ديدا أميرة بابي، مش هتخلي حد يلمسها تاني..، صح يا حببتي

اماءت له الصغيرة برأسها، تهتف إليه بوعد

– ديدا شاطرة وبتسمع الكلام يا بابي، ومش هتعمل كده تاني

طالعها بحب، وبابتسامة واسعه.. قد انتقلت لشهيرة التي كانت راضيه تماماً، عما يحدث.. فهي تحب حبه لصغيرتهما ..، حبه الذي يعد نقطه ضعفه.

لهثت “فتون” أنفاسها، بعدما فتحت لها الخادمه الباب، لقد تغافلت عن تغيير خاصية هاتفها من وضع الصامت، فلم تري مكالماته العديدة إلا عندما اقتربت من المنزل
– مساء الخير

هتفت عبارتها وهي تقترب منهم، فحدقتها “شهيرة” بملامح ممتعضه واتجهت بعينيها نحو طبقها، فلو علقت عيناها بها.. سيتصاعد غضبها ،و ربما تفعل شيئاً يضيع اول خطواتها نحو استقرارها في البيت مجدداً وعودتها زوجة ل سليم

رد تحيتها، بملامح واجمه.. يُخبرها بجمود أن تجلس وتتناول الطعام..
لم تكن جائعه، ولكنها جلست حتى لا تعطي الفرصه لشهيره لتشعر بالنصر

انتهى العشاء الذي أصبح الصمت يتخلله، فاسرعت بالصعود لأعلى، بعدما بدأت مناقشات “شهيرة” معه في عيد ميلاد أبنتهما الذي اقترب

– شهيرة، عيد ميلاد البنت فاضل عليه شهر، فلما يجي وقته نتكلم

شعرت بالضيق، وهي تراه يُحاول قدر استطاعته الفكاك منها و الصعود لغرفته

– عايزه أتكلم معاك واخد رأيك في حاجات خاصه بالشغل

– بكرة يا شهيرة

تمتم بها وهو يُغادر غرفة الضيافه، بعدما انحني صوب أبنته الغافية في أحضان والدتها، والتي تعد أول مرة يري فيها شهيرة تقوم بمهامها كأم

تجهمت ملامحها وهي تراه…يُسرع في خطواته، وكأنه لا يطيق صبراً بعدها عنه..

وجدها تُغادر المرحاض، بعدما انعشت جسدها بحماماٍ دافئ
والسؤال الذي صبر عليه، حتى ينفردوا بغرفتهما، قد حان وقته

– كنتِ فين؟

وقبل أن تُجيبه، جذبها من ذراعها يُخبرها، من أين أتت

– روحتي بيت كاظم النعماني

وبتعلثم تمتمت وهي تعلم بفداحة خطأها
– جنات اتصلت بيا و أنا.. في الجامعه وكانت منهارة
رمقها متهكماً، وقد توهجت عيناه بالغضب.. وهو يتذكر إتصال “كاظم” به، يسأله حانقاً عن أمر الشاب الذي رأه في بيته، وعلي ما يبدوا أن علاقة زوجاتهم به قوية للغاية

– وطبعا حضرتك، مبتروحيش مكان، غير والأستاذ معاكي
– أحمس

هتفت اسمه، وهي لا تعلم لما يكرهه سليم هكذا، هي وجنات يعتبرونه شقيقاً لهم، تربطهم علاقه أخوة قوية ببعضهم

– قولت مليون مره، متنطقيش اسمه قدامي

تعالا صراخه، فاقتربت “شهيرة” من غرفتهما بعدما أعطت صغيرتها للخادمة لتضعها فوق فراشها ، اتسعت ملامح شهيرة فرحاً، تتمنى صفعه لها

– أعرف مراتي، بتلف من هنا لهنا، وانا اخر من يعلم..، ما الهانم بتتعامل مع الحرية اللي سيبها تتمتع بيها في كل حاجة في حياتها، وفاكرة نفسها مش زوجة

اطرب الشجار والحديث فؤاد “شهيرة”، وسمعتها وهي تتوسله أن يعطيها فرصه للتحدث

– مش طايق اسمع اي كلمه منك..، فالاحسن اسيبلك الاوضه كلها

تجمدت عيناها وهي تراه، يتحرك نحو الباب، لتبتعد شهيرة بخطواتها، ولكنها توقفت مكانها وتلاشت سعادتها وهي تسمعها، تعتذر إليه بكل عبارات الندم

– أنا أسفة، مش هيتكرر ده تاني

واسرعت إليه تُعانقه، لا تضع امامه مجال للحديث..

– بتستغلي ،حبي ليكي

قبضة “شهيرة” فوق كفيها، وهي تستمع لعبارته، فهل بهذه السهوله استطاعت الخادمة تلينه نحوها

– اوعدك مش هتمتع بكل امتيازات الحرية

شاكسته بطريقه جعلته يضحك، فاحتدت عينين ” شهيرة” وهي تستمع لنبرة صوته الضاحكة

تعالا الغضب فوق ملامح شهيرة وقد عادت مقتربة من الباب، تضع بأذنها فوقه.. تستمع لاصواتهم ثم همساتهم التي لم تكن غافلة عن معناها
لم تشعر بحالها إلا وهي تضع بيدها فوق مقبض الباب..، ونيران الغيرة تشتعل داخلها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *