لمن القرار بقلم سهام صادق ج7
الفصل السابع والثلاثون (1)
لفظت “شهيرة” عبارتها، فكان لصداها قوة اخترقت قلب الواقفة في سكون تام. لم تكتفِ “شهيرة” بما قالته بل أخذت تُكرره إلى أن شعرت بالارتياح وهي ترى عيني “فتون” الدامعة من وقع كلماتها عليها.
شعرت “شهيرة” بزهوة النصر، وأن غريمتها فتاة ضعيفة في ثوب امرأة. تلاشت المسافة بينهما، ومع إحكام “فتون” المئزر حول جسدها وقبضتها المتماسكة به؛ عاد الحقد يشتعل في عيني “شهيرة”.
اوعي تفتكري أنك حاجة ميقدرش سليم يتخلص منها ويرجع لعقله، أنتِ مجرد واحدة هيتخلى عنها بكرة لما ينتهي ارتباطه بيكي. وتجلجلت ضحكتها عالياً، تنظر نحو غريمتها الضعيفة الباكية.
اللي زيك ملهومش قيمة.
ثم كممت “شهيرة” فمها بكف يدها تنظر إليها بتعاطف مصطنع.
أنا مش عارفه كان فين عقل سليم، لما فكر يتجوز واحدة كانت بتخدم عنده، لا وكمان كانت مرات السواق بتاعه. وتحولت نظرتها لتقزز وكأن الحديث يثير غثيانها.
ازاي بيقدر يقترب منك مش قادرة أتخيل.
شعرت شهيرة بسعادة بالغة وهي ترى قسوة كلماتها فوق ملامحها، أدركت أنها وصلت للنقطة التي أرادتها. طالعتها بكبر تجيده، تُردف بتهكم وسخرية لاذعة.
سليم سيتركك حتماً، خاصةً مع ماضيكِ.
لم تتحمل “فتون” سماع المزيد فاندفعت نحوها تدفعها من أمامها، صارخة بغضب:
كفاية! كفاية! اطلعي بره بيتي!
تجمدت عيني “شهيرة” نحوها لا تستوعب ما تسمعه تنظر نحو يدها وهي تدفعها.
بيتك! نطقتها “شهيرة” بصدمة، فهذا المنزل كانت هي سيدته يوماً، وكيف لهذه أن تُهينها بتلك الطريقة. تلاشت لذة النصر من عينيها وعاد الغضب والمقت يحتلهما.
أيوة بيتي، ولحد ما يجي اليوم اللي أنتِ مستنية تشوفيني مطرودة فيه فهو بيتي. وبنبرة قوية كانت تُخبرها رغم ارتعاش جسدها، أمام الواقفة بملامح جامدة.
أنتِ طليقته، لكن دلوقتي أنا مراته يا شهيرة هانم!
أندفعت شهيرة لخارج الغرفة وصوت صراخها يعلو باسم السيدة “ألفت”، التي كانت قريبة منها. طالعتها السيدة ألفت بتوتر.
فين بنتي؟ فين خديجة؟ جهزولي حاجتها هاخدها معايا.
لكن يا هانم…
قولت بسرعة ولا أنتِ مش بتفهمي!
ابتعدت عنها السيدة “ألفت” تنفذ لها أوامرها في صمت. شعرت “فتون” بارتجاف جسدها وهي تستمع لأمرها بأخذ الصغيرة، خشيت أن تصبح في النهاية هي الملامة بعدما يعلم “سليم” برحيل صغيرته عن المنزل. بدأت أنفاسها تهدأ رويداً رويداً إلى أن شعرت بارتياح، ولكن ذلك الارتياح قد تبدل تماماً وهي تستمع لصوت بكاء الصغيرة وصراخها باسم المربية التي ترعاها و”شهيرة” تصرخ بها.
أندفعت للخارج راكضة تنظر للصغيرة التي تحملها إحدى الخادمات و”شهيرة” حانقة من بكائها.
خديجة! مدّت الصغيرة يديها إليها، فالتفت شهيرة نحوها ترمقها بوعيد ثم بحثت بعينيها عن السيدة “ألفت”.
بلغي سليم إن بنتي مش هترجع البيت ده تاني…
وعادت بعينيها نحو “فتون” التي علقت عيناها بالصغيرة وقد أوجعت هيئتها قلبها.
بنتي مش هتعيش مع واحدة لا ليها أصل ولا فصل! رحلت “شهيرة”، فدمعت عيني “فتون” تنظر نحو السيدة ألفت.
ديه أخدتها يا مدام ألفت؟ طالعتها السيدة ألفت بخوف.
ربنا يستر يا بنتي ومتخدهاش خالص وتنفذ كلامها، في النهاية هي في الأول والأخر أمها. وأردفت بحزن على حال الصغيرة.
سليم بيه مش هيستحمل يشوف خديجة بعيدة عنه، ده روحه فيها…
انهارت “فتون” فوق درجات الدرج، تنظر لملامح السيدة “ألفت” وقد فهمت حديثها كما يجب أن تفهم، فإذا وضع “سليم” بينها وبين ابنته، بالتأكيد ستكون هي خارج هذا المنزل.
…………
فتحت عينيها بتثاقل دون رغبة في الاستيقاظ، داهمتها أحداث ليلة أمس. فعادت تُغمض عيناها هاربة تضم الغطاء نحو جسدها وقد عاد شعور الوجع يقتحم كل جزء من جسدها، بل وعادت كل عقدة عُقد بها فؤادها تعود إليها.
سقطت دموعها بعدما اقتحم حديثه أذنيها، تتذكر كيف أخبرها إنه سيحررها منه و سينتهي بها المطاف للمرة الثانية بالطلاق. عنفت نفسها على ضعفها تُخبر حالها:
الظاهر يا ملك هتفضل طول عمرك أنتِ الخسرانة، هتفضلي طول عمرك ضعيفة! ولكن عقلها كان يُجيب عليها، فهي ليست ضعيفة بل هي امرأة ضائعة، تائهة في دروب الماضي بقسوته.
وبخطوات ثقيلة كانت تنهض من فوق الفراش، تتجه نحو المرحاض ولكن قدميها توقفت أمام المرآة تنظر لحالتها المبعثرة وذلك الكحل الذي طُبع أثره فوق وجنتيها بعدما أغرقتهما أمس دموعاً قبل أن تسقط في غفوتها. سقط الغطاء عن جسدها بعدما ارتفعت يدها نحو شفتيها المُتألّمتين من أثر الليلة القاسية. لم تتوقف يدها عند ذلك الحد بل انحدرت إلى جيدها ثم عظمة ترقوتها تتلمسهما، وفجأة تجمدت حركتها وهي تراه يدلف الغرفة وعيناه تنظر نحو صنيعه.
أسرعت في التقاط الغطاء تحمي به جسدها؛ ليُغمض عينيه متنهداً ثم اقترب منها بعدما سيطر على حاله.
شوفتي بسببك وصلنا لأيه يا ملك، كنتِ هتخليني أتجاوز كل الحدود!
هو أنت كده مش متجاوز يا دكتور؟ هتفت عبارتها بمرارة وأكملت همسها.
ولا عشان متممتش الجوازة مبقاش تجاوز؟
شعر بقبضة قوية تعتصر فؤاده ولكنه حاول تجاوز شعوره ليعود “لرسلان” الذي أراد أن يكون عليه ليلة أمس، رجلاً بارداً.
مش حرام إني آخد حقي اللي حلله ربنا ليا، وأظن إن أنتِ كنتي قايمة بدور كويس عشان تغريني! وتذكر عبارتها التي أدمت قلبه بل حطمته.
تخليني أفقد السيطرة عليكي وأول ما توصليني لدرجة مش هقدر أقاوم لهفتي عليكي تسحبي نفسك مني عشان تقفي تسقفيلي وتقوليلي قد إيه أنا راجل ضعيف قدام شهوتي… واستكمل حديثه ساخراً وقد عادت المرارة تسيطر على حلقه وهو يخرج الكلمات من بين شفتيه.
مش ديه نظرية القوة والضعف برضه… خسارة يا ملك، وصلتنا لطريق كل واحد فينا بقى موجوع بزيادة.
أنت عايز تطلعني وحشة في النهاية، كلكم عايشين دور الضحية وملك هي اللي لازم تقدم وتدي وتسكت، ملك لازم تكون معطاءة، ملك هي البديل في كل حاجة، أنا بكرهك وبكره ناهد وكاميليا هانم وبكرهكم كلكم حتى بابا الله يرحمه خليتوني أكره عشان كان ضعيف وضيعني معاكم وضيع أمي وخلاني أتربى وسط عيلة افتكرت إنها بتعطف عليا إحسان… انحدرت دموعها وانهار جسدها حاولت التماسك ولكن خانتها قدماها وقبل أن تسقط أرضاً كانت يداه تتلقفها، ضمها إليه. فهمست بضعف:
بنت اترمت على الرصيف، عشان يعرف أبوها يقنع بنت الحسب والنسب إنهم لقيوها بالصدفة… بكرهك يا رسلان.
لم تعد تتبع أي عتاب لها إلا وتخبره إنها تكرهه، رغماً عنه كان يبتسم وهو يضمها أكثر إليه يهمس لحاله:
الطريق قدامنا طويل يا بنت عبدالله.
…………
نظرت “بسمة” نحو الباب الذي أغلقه خلفه للتو بعدما دلفت تلك الحسناء المتعالية وقد أعطتها ذلك المسمى بعد نظرة الكبر التي ألقتها نحوها. اقتربت من الباب بفضول ولكنها شعرت بالغضب من تصرفها الوقح ولكن فضولها غلبها في النهاية وعادت تقترب.
خوفك عليا بيدل إنك لسا بتحبني، أدينا فرصة يا جسار أرجوك.
جيهان كفاية خلاص، علاقة وانتهت زي أي علاقة زوجية.
أنت قاسي أوي يا جسار، عرفت تخليني أحبك لدرجة مبقتش عايزة حاجة غيرك ومهما أتوسل ليك مش قادر تسامحني وكل ده ليه؟ عشان ماضي أنت حكمت على طرف واحد فيه إن هو المظلوم.
و رسلان يا جيهان.
بهتت ملامحها وهي ينكشف السر الأخر، وعلى ما يبدو أن “ملك” أخبرته بالأمر حتى تظل أمامه دوماً ملاك. حقاً كل يوم يزداد كرهها لها بل وتحقد عليها وتتمنى أن تظل طيلة حياتها هكذا من رجل إلى آخر دون أن تعرف لها طريق وحياة.
ملك هي اللي قالتلك؟ وأردفت بحقد لم تستطع السيطرة عليه:
مافيش راجل فيكم محبهاش، مش عارفه هي عايزة إيه أكتر من كده.
امتقع وجهه وقد ازداد غضبه وهو يستمع لحديثها عنها ولم يشعر إلا بصرختها بعدما قبض فوق ذراعها المكدوم.
دراعي يا جسار حرام عليك.
كل ما أحط ليكي عذر يا جيهان، ألاقي كل حاجة بتظهر قدامي، لدرجة دي أنا كنت أعمى ومغفل.
دفعها عنه، فأسرعت نحوه تلتقط ذراعه.
جسار أنت لازم تسمعني، بلاش تحكم عليا من غير ما تسمعني. ولكن “جسار” كان يفتح الباب دون أن ينظر إليها. شهقت “بسمة” فزعاً بعدما ارتطم جسدها بجسده، فرمقها بمقت يقبض فوق ذراعها بقوة.
هتوقع إيه من واحدة زيك غير التصنت!
جرها خلفه دون توقف ولم يعبأ بصراخ “جيهان”، كانت “بسمة” مصدومة مما سمعته وما يحدث. فهو يجرها خلفه رغم أنه أتى بها لهنا حتى تعمل لدى زوجته. التوت قدم “بسمة” من شدة سرعة خطواته، فصرخت حانقة:
أنت بتجرني كده ليه؟ ترك ذراعها يدفعها داخل المصعد.
اخرسي، مش عايز أسمع ليكِ صوت بدل ما أبلغ أخوكي بمكانك ويجي ياخدك وأخلص من مصيبتك.
ابتلعت “بسمة” لعابها وتراجعت للخلف بخوف، ففتحي شقيقها لن يرحمها. خرج من المصعد فاتبعته وهي لا تعرف إلى أين ستذهب معه وعندما توقفت أمام سيارته نظرت إليه.
أركب ولا هتسبني هنا؟ لم يعطها جواباً بل صعد سيارته ينتظر دلوفها. طالت وقفتها كما طال انتظاره فعاد صراخه يتعالى.
أنتِ غبية ما تركبي ولا أنا غلطان… الأفضل أسيبك تغوري في ستين داهية.
دلفت “بسمة” للسيارة خشية من قراره الأخير. فهي لا تريد منه إلا مأوى أما العمل فستدبر حالها. اندفع بسيارته وهي مصدومة من تلك الحالة التي أصبح عليها ودون أن تشعر وجدت نفسها تهمس وهي تتذكر كيف تغيرت ملامحه بعدما غادروا المصعد قبل دلوف الشقة وقد وقف يُحدق بهاتفه بعد أن تعالى رنينه بنغمة قصيرة.
أكيد الرسالة اللي جاتله على التليفون.
كان “جسار” يشق الطريق بجنون، يتفادى السيارات بسبب سرعته. فاتسعت عيني “بسمة” وهي ترى السيارة القادمة نحوهم.
العربية هتخبط فينا، هنموت! تفادى “جسار” السيارة فتنفست الصعداء لكن سرعان ما عادت لهيئتها المذعورة.
هتدوس الراجل، هتدوس الراجل، الراجل مات!
وضعت بكفها فوق عينيها خشية من رؤية موت الرجل ولكنه كان يتفادى كل شئ بمهارة. التقطت أنفاسها بصعوبة بعدما توقفت السيارة أخيراً.
الحمد لله ممتناش…
ألقت بنظراتها نحوه بعدما استند بظهره فوق السيارة، قطبت جبينها وقد عاد الفضول إليها.
إيه اللي حصل… ما كان عايز يدي فرصة لمراته… الصراحة هي ست حلوة أوي تستاهل الفرصة، بس شكلها مش محترم ديه قابلتنا بملابس مُثيرة ميتلبسش… مش جوزها يا بسمة أنتِ إيه اللي بتحكي فيه ده. عادت تُخاطب حالها وقد تناست وجودها بالسيارة وعدم فهمها لشئ.
بس هو مكنش موجود لبساه بقى لمين… لا لا هي شكلها أصلاً مش مؤدبة لا وصابغة شعرها.
مجرد لقاء واحد وقد التقطت كل شئ من تفاصيل “جيهان”. نظرت نحو مرآة السيارة حتى ترى هيئتها هي الأخرى، فلم تستمر بالتحديق بملامحها لأنها دوماً تنظر لحالها بعين النقص، زفرت أنفاسها دفعات متتالية تزم شفتيها تذمراً فما الذي دفعها لتقحم هذا الرجل في مصيبتها وهو لديه الكثير من العقد.
قررت الخروج إليه بعدما طالت جلستها، لطم الهواء وجهها فشعرت بالانتعاش وهي تنظر حولها ولكي تجعله ينتبه عليها كانت تتبع طريقتها التي تراها مناسبة.
يا سلام الجو جميل أوي، محتاج كام سندويتش وإزازة عصير وحاجة نفشرها ونستمتع…
انتبه “جسار” على حديثها بعدما خرج من دوامة أفكاره وتلك الرسالة الطويلة التي بعثها إليه “رسلان” يخبره بما فعله ويطلب منه مسامحته بالطريقة التي يراها. لم ترَ بسمة منه أي بادرة إنه استمع لحديثها، فاستمرت في إلقاء كلماتها.
إيه ده البحر هناك آه…
شايفه نفسك في صحرا، ده أنتِ في اسكندرية. تمتم أخيراً، فابتسمت هي ولكن سرعان ما أنبت حالها وأخفت ابتسامتها.
خليني أشوف هوديكي فين.
انتبهت على حالة الإعياء التي أصبح عليه، فاقتربت منه وقد أطرقت عيناها ندماً لعبئها عليه.
شوف أنا عارفه إن عندك مشاكل كتير ومش ناقص مشكلتي، أنا بس محتاجة مكان أقعد فيه… حتى لو أوضة بس أتحامى فيها من الشارع ومش عايزة حاجة تانية منك… أنا متعودة أتمرمط. ودمعت عيناها وهي تتذكر والدها ودفئ فراشها.
بس متعودش على نومة الشارع.
غز قلبه بعض التعاطف، فأطرق رأسه يُدلك جبينه إرهاقاً.
أكيد سمعتي كلامي أنا وجيهان، يعني عرضي ليكي انتهى لأن خلاص أنا وهي مفيش حاجة تقدر تصلح بينا اللي حصل. أومأت برأسها، فلمعت عيناه بقسوة وهو يتذكر كيف استغفلته منذ البداية.
الكلام اللي سمعتي ميطلعش بره، وأنا عند وعدي هساعدك.
أسرعت في مسح دموعها تنظر إليه تُقسم له بصدق.
لا متخافش سرك في بير. تأملها للحظات وهو يشك في وعدها.
ليا صديق عنده مطعم، هطلب منه يشغلك. فلمعت عينيها فها هو قد وجد لها عملاً.
طب وهعيش فين؟
طالعها في صمت مُفكراً ولكن احتفظ بجوابه وهو يصعد السيارة مُشيراً إليها بأن تصعد هي الأخرى.
………..
بهتت ملامحها وهي تستمع لعرضه المخالف دون رحمة، كان مُسترخياً في حديثه وكأنه يعرض صفقة عمل وليس زواجاً. أطرقت “جنات” عينيها نحو فنجان القهوة الذي نظرت إليه بمرارة وتمنت لو كانت قهوتها سادة المذاق حتى تتجرعها دفعة واحدة لترثي معها حالها.
شايفك ساكته… أقول العرض عجبك… هتف “كاظم” عبارته بعدما اعتدل في جلسته يرمقها بكبر، رفعت “جنات” عينيها نحوه تنظر لجمودة ملامحه ولذلك الكبر الذي يطغى عليه. حاولت الثبات والعودة لجنات التي تعرفها، جنات التي تأبى الإذلال وبصعوبة كانت تجلو حنجرتها، تهتف بمرارة لا تعلم سببها.
ليه كل ده، أنت مش محتاج فلوس… طالعها متهكماً، ثم أسبل جفنيه يستند على الطاولة.
كويس إنك عارفة إني مش محتاج فلوس، بس اللي متعرفهوش عني إني مبحبش حد ياخد مني حاجة من غير رغبتي أو يقف ليا ند، وأنتِ أختارتي اللعب مع الشخص الغلط.
ده حق أبويا وأظن والدك اعترف ليك إنه فعلاً أخد حقه. ضحكة ساخرة خرجت من بين شفتيه، فتراجع للخلف يستند بظهره على المقعد ومازالت ضحكته تعلو وكأنها ألقت نكتة على مسمعه وليست حقيقة.
جودة باشا اعترف بالحقيقة لأنه مبقاش يملك الأرض، الأرض ديه ملكي أنا… مشتريها منه يعني حقك عنده هو مش عندي.
الجمها حديثه للحظات، ولكن سرعان ما كانت الحقيقة التي تغافلت عنها حين جمعت بعض المعلومات عن تلك العائلة تقتحم عقلها. فـ “كاظم النعماني” يُعتبر هو المتحكم في زمام الأمور جميعها. سأم من صمتها ينظر نحو ساعة معصمه وقد ضاق صدره.
أتمنى أسمع قرارك في أقرب وقت، بس لو رفضتي العرض يبقى ترضي بالتلاتة مليون وأتمنى مشوفكيش تاني وتنسي صلتك بالعيلة.
شعرت بالمهانة وهي تستمع إليه، فتبدلت ملامحها المستكينة لملامح واجمة حانقة.
ميشرفنيش إن يبقى ليا صلة بعيلة بتسرق حقوق الناس. تجمدت عيناه نحوها بعدما ألقى بالمال فوق الطاولة.
القرار معاكي يا آنسة جنات، يا إما الفلوس أو عرض الجواز.
غادر “كاظم” المكان حانقاً لا يصدق إنه عرض الزواج على امرأة بل وجعلته يخضع عن قرارته حتى لا يخسر شراكة “سليم النجار” بعدما تدخل بالأمر. أشار لسائقه أن يظل مكانه ثم دلف نحو مقعده مشيراً إليه بالتحرك، وقبل أن تتحرك السيارة كانت عيناه تتجه نحوها وهي تغادر المطعم متجهة نحو سيارتها الصغيرة ذو الطراز القديم المصطفة. رمقها بنظرة مُستهزئة ويقينه يزداد أنها ستوافق على عرض الزواج حتى تنال نسبتها الضئيلة بل وستسعى لتنال المزيد فهي ليست إلا فتاة طامعة ولكنها للأسف تلاعبت مع الشخص الخطأ.
………………
وقف “فتحي” أمام ذلك الفندق الذي تمت فيه حفل الزفاف، طالع المكان بوجه مُكفهر ثم نظر خلفه للمعلم “وجدي”.
هندخل هنا إزاي، مش بعيد يطلبوا لينا البوليس. دفعه “وجدي” بقبضته، يهتف إليه متوعداً.
أختك أو الفلوس اللي لهفتها، المعلم وجدي ميتنصبش عليه.
الله يحرقك يا بسمة الكلب، ألاقيكي بس وهشرب من دمك.
عاد “وجدي” يدفعه بقبضته الغليظة.
أنت هتنوح زي النسوان، ادخل خلينا نعرف أختك اختفت فين… وأردف بمقت ينظر إليه شزراً.
يومين بتماطل معايا، أتاريك مش عارف مكانها… ثم بصق أسفله.
أخص على الرجالة والرجولة.
غلت الدماء في عروق “فتحي” فطالع المكان متمتماً بوعيد.
أعرف هي فين بس… ومش هيطلع ليها صبح الفاجرة.
طب يلا يا سبع الرجال، ادخل اتصرف مع الواقفين.
شجعه “وجدي” ولكن “فتحي” خرج إليه خالي الوفاض، مُطرق الرأس. رمقه “وجدي” بنظرات ساخرة ثم دفعه عن طريقه. أتبعه “فتحي” الذي وقف مذهولاً وهو يرى الطريقة التي يتعامل بها “وجدي” وكأنه رجل ذو مكانة عالية وليس شخص ذو سوابق مثله.
تجمدت عيني “فتحي” أمام إحدى الشاشات الخاصة بكاميرات المراقبة، وهو يرى شقيقته تتحرك نحو إحدى السيارات في جراح الفندق، فصاح وهو يشير نحوها.
أيوه هي ديه… ارتكزت عيني الموظف الذي ساعدهم في الدلوف لتلك الغرفة ليُكمل تتبع الفتاة، فاتسعت عيني “فتحي” ثانية.
ده نفس الراجل اللي كان بيجي الحارة… أيوه أنا فاكره.
طالعه “وجدي” حانقاً.
أختك المحروسة هربانة في عربية راجل، لا وقايلي بنت بنوت وواخد مني خمس آلاف جنية… فلوسي يا فتحي الكلب. بدء العراك بين الرجلين، ليتوقف العراك بعدما اندفع الموظف نحوهم يدفعهم نحو الخارج.
أنتوا عايزين تقطعوا عيشي، روح دور على أختك مدام عرفت الراجل اللي ركبت عربيته.
توقفوا خارج الفندق، لينظر “فتحي” نحو “وجدي” الذي أخذ يطالعه بشر.
أسبوع واحد بس وهجيبها ليك يا معلم. فقطب “وجدي” حاجبيه يرمقه مأقتاً، يشك بحديثه.
لو مجبتهاش صاغ سليم، ده أنا واعد صاحب الكباريه تكون بنت بنوت، الزبون عايزاها كده.
التمعت عيني “فتحي” بوعيد يخبره بما سيفعله بها، إذا أضاعت شرفها.
هقتلها وهشرب من دمها.
الفصل السابع والثلاثون (2)
ودعت المكان الذي كانت تحبه يوماً، لتتعلق عيناها به وهو يُصافح الحارس ويعطيه مفتاح المزرعة المكلف بشئونها. شقت السيارة طريقها لتنظر له وسؤال واحد كان يدور بعقلها:
هنعمل إيه مع الخدامة اللي ممكن تنقل كل حاجة لكاميليا هانم؟ وصمتت قليلاً تُجلي حنجرتها من شدة توترها، ثم أردفت:
وخصوصاً وإحنا نعتبر في حكم المنفصلين.
ابتسامة ساخرة شقت طريقها نحو شفتيه، لم يعقب على حديثها ولم يعطِ لها إجابة. ولكن مع ضجرها من صمته وتجاهله، استطردت:
مش عايزين الولاد يتأثروا بحياتنا. تنهد في صمت.
ملك أنا أغلب يومي في المستشفى أو العيادة، لو كنت الأيام اللي فاتت موجود كتير حواليكي. وأبتلع مرارته يُعطيها الإجابة صريحة:
كان عشانك، كنت عايز أعوضك لكن ملك الجديدة مش قادرة تسامح. أتخذت دور العتاب ولكن قبل أن تُردف بشئ:
ملك أنا وعدتك هطلقك بعد ست شهور وهسيبلك الولاد تربيهم، حريتك مني مش بعيدة يا ملك.
حاولت أن تستشعر السعادة وهي تراه يهتف حديثه بمرارة، ولكن السعادة أصبحت بعيدة عنها منذ أن باتت ندوب الماضي عالقة بفؤادها.
توقفت أخيراً السيارة أمام البناية، طالعها ثم ترجل من سيارته حتى يخرج حقائبهم التي كانت مُعدة نحو رحلة أكبر. اتبعته وقبل أن تنتبه نحو شئ، كان “فتحي” يهتف اسمها بعلو صوته:
فين أختي؟ طليقك أخدها فين؟
أنت بتقول إيه، شكل حبسك كام يوم مأثرش فيك.
حاول “فتحي” إزاحة يديه عنه، وعيناه عالقة بملك التي أتخذت “رسلان” درع حامي لها.
أسأل مراتك يا باشا، مراتك هربت أختي مع طليقها يوم فرحكم. صاح بها “فتحي”، مما جعل سائق “كاميليا” وحارسها الشخصي ينتبهوا على الأمر ويندفعون خارج السيارة المصطفة بانتظار سيدتهم. تفاجأ رسلان بإحاطتهم له وقطب ما بين حاجبيه ولكن سرعان ما تلاشت تقطيبته ينتبه على صوت صراخ فتحي وقد بدأ البعض ينجذب لحديثه.
ولا أحنا عشان ناس على قد حالنا يا باشا تعملوا فينا كده، أنا عايز أختي يا باشا.
قولتلك أختك منعرفش عنها حاجة.
بهتت ملامح “ملك” خوفاً على بسمة واندفعت للأمام بعدما أخذ الحديث يتحول للشجار.
فين بسمة… عملت فيها إيه… أنت يوم الفرح كنت ضاربها علقة موت. وعادت عيناها نحو “رسلان” تنظر إليه برجاء:
خليهم يقبضوا عليه يا رسلان أكيد هو السبب في هروبها.
علقت عيني “فتحي” بهم، فبعد أن كان هو صاحب الحق… أصبح مُتهماً يُحيطه رجلان ضخام الجثة، هاتف حاله بحنق:
جاي تتعارك مع ابن الوزير، هتروح اللومان ومحدش هيعرف عنك حاجة يا فتحي. وفي لحظة خاطفة، كان فتحي يهرول مغادراً المكان.
ده هرب يا باشا.
توقفت “ملك” عن البحث في حقيبتها حتى تجلب هاتفها وتُحادث “جسار”.
أنا لازم أكلم جسار، فتحي ده شراني ممكن يأذي. ألقت عبارتها وتقدمت أمامه غير عابئة بحديثها الذي أشعل الغيرة داخله، قبض فوق كفيه بقوة مشيراً للرجلان:
أتمنى محدش يعرف باللي حصل دلوقتي. فهم الرجلان حديثه، وأومأوا برؤوسهم قبل أن يعودوا لمكانهم في انتظار سيدتهم.
غامت عيني “رسلان” بالغضب بعدما اتبعت عيناه تلك التي وقفت أمام مدخل البناية وعلامات الارتياح تعلو شفتيها.
ما الهانم لازم تبقى مرتاحة، مافيش بطل قدامها غير السيد جسار العزيز. ورغم عدم كرهه لجسار إلا أن الغيرة كانت تقتل فؤاده، وخاصة إنه كان يوماً ما زوجها وتكن له الاحترام.
بجد يا جسار ساعدتها، بسمة غلبانة أوي… أنت متعرفش فتحي ده كان بيعمل فيها إيه.
أخذت تخبره ببضعة مقتطفات وبعض المواقف التي حضرتها ورأت فيه معاملته لشقيقته.
أطمن عليها ديماً أرجوك لحد ما أعرف أجيلكم إسكندرية. التقط “رسلان” آخر حديثها، فامتقع وجهه بشدة وهو يتقدم أمامها نحو المصعد بعدما سبقه حارس البناية بالحقائب وبارك لهم بحفاوة.
انتظر بضيق حتى أنهت حديثها مع جسار العزيز، وقد فهم من نهاية حديثهم أن “جسار” يُخبرها بأن تبتعد عن الأمر حتى تهدأ الأمور وبسمة سوف تُحادثها. انتفخت أوداجه وهو يستمع إلى تنهيدتها القوية ورغماً عنه كان يضغط على أزرار المصعد بقوة.
قلبي مش مطمن عليها، وجسار قالي بلاش تيجي إسكندرية دلوقتي ليعرف فتحي طريقها.
وإيه كمان.
أخذت تُخبره عن قلقها وحزنها على حال “بسمة” وعما فعله جسار معها وكيف وجد لها عملاً.
جسار باشا طبعاً بطل مغوار. هتف عبارته بعدما توقف المصعد، فطالعته لتُدرك أنه يكاد أن ينفجر بوجهها. ورغماً عنها كانت تبتسم داخلها، رسلان يتمالك شعوره كرجلاً حتى لا تُسئ الأمور بينهم.
تقدمت أمامه بدلال لا تعرف لما تفعله، ولكن رؤية حنقه يجعلها تشعر بالنصر وبأنوثتها وهي تراه يضبط نفسه بصعوبة من أجلها. وبين رغبة القلب وندوب الماضي كانت هي عالقة في نقطة فاصلة. والصدمة الكبرى كانت أمامه وهو يفتح باب الشقة، ويرى والدته وخالته وقد فهم سبب وجود سائق والدته وحارسها الشخصي.
اتسعت عيني “ملك” وهي ترى كلتاهما والصغار أمامهم يلعبون بأشياءهم وناهد جالسة من تلاعبهم في صمت ووجه شاحب.
…………..
تنهدت “كاميليا” أسفة وهي تطالعهم، تبرر لهم موقفها وقد انسابت دموعها في ألم.
خالتك تعبانة يا رسلان، ديه أختي مقدرش أكون قاسية عليها وأشوفها بتترجاني أجيبها عندك. وطالعت “ملك” التي انهارت فوق أحد المقاعد، بعدما علمت بمرض ناهد وقد هزمها المرض.
أنا عارفه يا ملك إننا عملنا فيكي حاجات كتير وحشة، حرمناكم من بعض، بس أنتِ مش زينا ولا قلبك قاسي… ناهد السرطان تمكن في جسمها ومبقاش فاضل كتير. وانهارت باكية، ترثي شقيقتها الوحيدة، لا تُصدق ما حدث معها هذه السنوات.
موت مها خلاها متتمناش حاجة غير الموت… أنا مش قادرة أصدق إن كل ده بيحصل لينا.
خرج صوتها مُجهداً تنظر نحو نظرات “رسلان” الجامدة إليها، يشك بالأمر ولكن “كاميليا” قطعت شكوكه وهي تُخرج له بضعة أوراق وتحاليل من المشفى تضعها أمامه.
لو فاكر إني بعمل تمثيلية عليك، فالتحاليل والتقارير الطبية قدامك يا دكتور.
تعلقت عينا “رسلان” بالتقرير وقد تلاشى جموده، رفعت “ملك” عينيها نحوهم وهي ترى نظرات كاميليا اليائسة نحو ولدها الذي غيره الزمن وجعل قلبه قاسي.
من حقها تفضل جانب أحفادها… وأردفت بمرارة:
في يوم من الأيام هي ربتني حتى لو محبتنيش بس كان ليها فضل عليا.
انصدمت ملامح “كاميليا” من حديثها وسرعان ما كانت تبكي حسرة وندماً وتقترب منها.
أنا مش عارفه أقولك إيه يا ملك، بس ناهد بتموت خلاص وحلمها تقضي الأيام الأخيرة مع ولاد مها… صعب اللي حصل ليها… ناهد كان روحها في مها وراحت منها.
كانت خير من يعلم أن ناهد كانت شديدة التعلق بـ “مها”، فقد ذاقت مرارة التفرقة ونبذه حتى لا تأخذ ما رسمته “ناهد” لابنتها. ولو يعلم المرء أنه لا ينال من الدنيا إلا ما هو مُقدر له، لترك كل شئ يأتي إليه بسلام.
تنهد “رسلان” وهو يُطالعها، فكلما أراد أن يُقنع قلبه بالتخلي… كان يغرق أكثر في حبها… مازالت “ملك” خاصته كما هي بريئة، حنونة وذو عقل صلد لا يعرف ما يُريده.
تركت لهم الغرفة وقد غامت ملامحها بالحزن وهي ترى “ناهد” جالسة أرضاً تُلاعب الصغار وقد ركض الصغار إليها يهتفون لها.
ماما. انحنت “ملك” نحوهم تحملهم وعيناها لا تفارق عيني ناهد الحزينة.
حبايب ماما وحشتوني أوي. والصغار بين ذراعيها ومُتعلقين بعنقها، يخبروها إنهم يريدون طعامهم.
والصورة التي تمنت أن ترى “ناهد” فيها ابنتها يوماً، كانت ترى فيها “ملك” التي سعت بكل الطرق لحرمانها مما أرادته لابنتها.
غادر “رسلان” هو الأخر الغرفة وخلفه “كاميليا” ودون أن يهتم بأحد كان يتجه نحو ملك وصغاره يداعبهم مازحاً:
وبابا فين من كل ده، ولا مامتكم ليها الأحضان والحب وأنا بره الحسبة. حملهم عنها، يُداعبهم بحديثه والصغار يمنحوه ذلك الحب الذي حرم نفسه منه يوماً.
دمعت عيني “ناهد” بحسرة وكذلك “كاميليا”، ولكن كاميليا كانت تبكي سعادة، لقد تغيرت حياة ابنها وأحفادها. وملك لم تكن غافلة عن نظراتهم التي تفهمها، كان قلبها يؤلمها ولكنها كانت تتغلب على حقدها نحوهم فمن ترعاهم هم أبناء شقيقتها، شقيقتها التي كانت ضحية لأحلام “ناهد”.
…………
صعدت السيارة بحماس بعدما أنهت دروسها بالجامعة وقد نالت معدل عالي في تلك المادة التي ساعدها في دراستها.
هنروح المؤسسة يا هانم، سليم بيه منبه عليا أخدك هناك.
تلاشى حماسها، لتنظر نحو السائق بتوتر، صحيح أن “سليم” أخبرها أن تذهب لهناك ذلك اليوم الذي أتت فيه “شهيرة” وخربت لها سعادتها، ولكنها تمنعت عن الذهاب فهي في النهاية ستغادر حياته عندما يكتشف خطأه بالزواج منها. أو كما قالت لها شهيرة سيكون قد انتهى ارتباطه بها.
تعالى رنين هاتفها باسمه، فهو منذ رحلة سفره لم يحادثها. توترت وهي تضع الهاتف فوق أذنها تستمع إليه.
وحشتيني. همس عبارته باستكانة سلبت قلبها، لتُسبل أهدابها بخجل وقد تضرجت وجنتاها بالحمرة.
طبعاً مدام متصلتش بيكي، فأنتِ مكنتيش هتاخدي الخطوة ديه.
ارتبكت من حديثه، وبتلك النبرة التي يُحادثها بها وكأن لا شئ قد حدث.
أصل… ابتسم وهو يتسطح فوق فراشه مُرهقاً من كثرة أعماله يسمعها.
خديجة يعني… تنهد وهو يتذكر ما علم به وقد أخبرته به السيدة “ألفت”.
فتون السواق هياخدك المؤسسة… وحازم هيحطك وسط زمايل ليكي جايين يتدربوا، فتون لازم تختلطي أكتر مع الناس وتفهمي إزاي تعرفي تواجهي.
ورغم الشكوك التي اقتحمت فؤادها بعدما تجاوز حديثه عن خديجة وفعلت شهيرة، إلا أن إصراره في منحها فرصة نحو مستقبلها كان يشعرها بالامتنان إليه، فمن اهتم لأمرها من قبل لا أحد إلا هو.
بس حازم عارفني وعارف أنا كنت إيه زمان. هتفت عبارتها بمرارة، فهذا الصديق تتذكره تماماً وتتذكر لقاءها به وكيف عاملها تلك الليلة التي طلبت فيها مساعدته حين مرض هو.
ضحك وهو يستمع إلى تذمرها الطفولي، ورغم إدراكه إنها لا تريد اقتحام عالمه بسبب الماضي إلا إنه كان يُصر نحو ذلك.
لا متخافيش من حازم أنا آه موصي عليكي في تدريبك لكن كمعاملة محدش يقدر يجي عليكي ولا يزعلك، أنتِ زوجة سليم النجار.
شعور لأول مرة تُجربه، شعور له متعة وهي تسمعه. رفرف قلبها وقد عاد هذا الرجل يغزو كيانها مجدداً، شعر بتخبطها فقرر إنهاء محادثتهم حتى لا يجعلها تتخبط أكثر.
حبيبتي مضطر أقفل دلوقتي لكن هكلمك بليل أطمن عملتي إيه. ضمت الهاتف إليها ومازالت دقات قلبها تدق كالطبول، أغمضت عينيها قليلاً ولكن سرعان ما كانت تفتحهما وهي تستمع للسائق.
وصلنا يا هانم.
تعلقت عيناها بالبناية التي تشغل مساحة في إحدى المناطق الراقية، لم تكن شاهقة الارتفاع فهي عبارة عن طابقين ولكنها كما سمعت من “أحمس”، أن لها سيط كبير ومن يحصل على تدريب فيها يكون قد خطى أول خطواته نحو مستقبله وليته يحصل على فرصة كهذه وهذا ما ستطلبه من “سليم” حين يعود.
ترجلت من السيارة وقد عاد إليها شعور الخوف من هذا الوسط الذي دخلت إليه من قبل مجرد زوجة سائق وخادمة صغيرة، ومع كل خطوة من خطواتها كانت رهبتها تزداد إلى أن أصبحت في الداخل. التفتت حولها وهي تظن أن الأعين عليها وكأنهم يشيرون نحوها ويتحدثون عنها، ولكن الكل كان مشغولاً في عمله. ابتسمت وهي تنظر نحو ملابسها فهي لم تعد تشعر بأقليتها وسط الناس، فـ “سليم” لا يحرمها من شئ بل يُغدق عليها بالكثير.
نفضت رأسها وهي تشعر بالحنق من حالها، فقد عادت فتون الصغيرة تعد محاسنه وقد تناسى قلبها إنه يحصل على مقابل كل هذا وهي تُسلم له حياته كل ليلة يريدها فيها.
رسمت ابتسامة يتخللها التوتر واقتربت من إحدى الموظفات تُخبرها عن موعدها مع السيد “حازم” بخصوص تدريبها.
ممكن اسم حضرتك يا فندم؟
فتون. وقبل أن ترى الموظفة هل لديها بيانات عنها، كان حازم يقترب منها مرحباً.
أهلاً يا فتون، المؤسسة كلها نورت بيكي.
تعجبت الموظفة من ترحيب رئيسهم وما زادها دهشة وهي تستمع لاسم “سليم” صاحب الأكبر نصيباً وسلطة في هنا، ولكنه لم يعد يهتم بعمل المحاماة إلا إنها استمعت إنه كان يتصف بالدهاء والمكر.
سليم اللي مبقاش يتصل بيا، هريني اتصالات، فتون وصلت فتون استلمت تدريبها. أشار إليها برفقته، يتحدث معها ببساطة أدهشتها. شعر بنظراتها المستغربة إليه، فتنحنح حرجاً.
أنا عارف إن لقائنا زمان مكنش أد كده. وأردف وهو يقف في المساحة الواسعة التي تضم عدد من المحامين الزملاء والمتدربين.
دول زمايلك يا ستي.
ونظر إليهم يخبرهم ببساطة:
أنضم ليكم فرد جديد ومش أي فرد. انتبه الجالسون وبعض الواقفين لحديث رئيسهم وقبل أن يُردف بشئ آخر، أسرعت في همسه بصوت خافت.
بلاش يا أستاذ حازم.
لكن سليم… تعلقت عيناها به راجية.
لو عرفوا إني مراته المعاملة هتتغير وأنا عايزة أكون فرد زيهم من غير تميز.
ولأول مرة حازم يكتشف نظرته في الناس خاطئة، لقد ظن إنها مجرد طامعة مستغلة، أومأ برأسه وعاد يُطالع موظفيه يجلو حنجرته وتمتم مازحاً.
أستاذة فتون لسا طالبة في الكلية، ويمكن لأول مرة المؤسسة تسمح لانضمام الطلبة ومش هيكون أكيد آخر مرة، لازم نشجع الشباب. ألقى عبارته الأخيرة وهو يصفق بيديه بتلك الحركة التي اعتادوا عليها منه حين يُريد إنهاء حديثه.
يلا يا شباب نرجع لشغلنا والقضايا بتاعتنا.
وبالفعل بدأ الجميع بالتحرك، فأشار هو نحو فتون.
ابدأي أكتشفي المكان وزمايلك ومكتبي الكل عارفه. وأخفض صوته.
ربنا يستر من ردة فعل سليم لما يعرف إن عرفتك ليهم مش زي ما هو عايز. ورغماً عنها كانت تضحك على طريقة حديثه المذعورة، إذا علم سليم برغبتها.
……………
بسمة، بسمة تعالي شوفي الزباين. هرولت بسمة نحو الطاولة التي أشار إليها السيد “صدقي”، ذلك الرجل العجوز ذو القلب الطيب. دونت الطلبات بابتسامة هادئة تسأل الجالس:
أي أوامر تانية يا فندم.
شكراً.
وهكذا كان عملها طيلة اليومين منذ أن جاء بها “جسار” لهنا. تنهدت بأرهاق عندما أتى موعد راحتها تنظر نحو زميليها وهم يتناولون طعامهم.
الشغل النهاردة كان كتير أوي، الواحد رجله وجعته من الخدمة.
استمع السيد “صدقي” لحديث “سميرة” العاملة.
ما تقولي ماشاء الله يا سميرة. واقترب العجوز منهم وجلس يتناول معهم الطعام. فهتفت سميرة حرجاً من سماعه حديثها.
مش قصدي يا حاج.
الصراحة ده وش بسمة الحلو علينا.
هتف بها العجوز وهو يطالع “بسمة” التي أطرقت عينيها نحو طبقها، وكما مدحها العجوز كان يمدحها زميلها “ماجد” هو الآخر مما أزاد حنق “سميرة” نحوها.
آه والله يا حاج، ياريتها كانت اشتغلت من زمان هنا.
وبسمة تزداد خجلاً من مديحهم، ولكن تلك الجلسة التي يملئها البهجة لم تستمر طويلاً وصوت أحدهم يعلو بالمكان، تهللت أسارير “سميرة” سعادة وهي تستمع لصوت “عنتر” عكس السيد “صدقي” الذي شعر بالضيق لمجئ ولده الذي جعله يكره الأبوة ويكره تلك الساعة التي أنجبه فيها.
هو ماله المطعم فاضي كده ليه.
ونظر نحو وجه بسمة:
عندنا وجه جديد في المطعم، مش كنت تقول لي يا حاج. وطالع “ماجد” الذي أخذ يتناول طعامه دون اهتمام لوجوده، ثم نظر نحو “سميرة” غامزاً إليها وقد تلاشى عبوسها سريعاً بعدما أبعد أنظاره عن بسمة.
مش قولتلك مليون مرة لما تشوفني تقوم تقف. صاح بها “عنتر” بكبر، بعد أن دفع مقعد “ماجد” الذي شعر بالحرج، طرق الحاج “صدقي” فوق الطاولة بقوة.
ويقف ليه، اقعد يا ماجد كمل أكلك.
ونهض عن مقعده يجذب ذراعه:
جاي ليه، مش قولتلك مليون مرة ده مكان أكل عيش.
إيه المعاملة ديه يا حاج ده أنا ابنك حتى.
ابني، يا حسرة… ابني راجل مُتسكع بتاع نسوان صارف فلوس أبوه على سرمحته.
تأفف عنتر حانقاً، فدلك رأسه بضيق فقد بدأت أسطوانة والده اليومية.
عايز فلوس يا حاج. ولكن صياح السيد “صدقي” جعل بسمة التي لم تعتد على الأمر تتشبث بمقعدها، اقترب منها “ماجد” يطمئنها.
متعودين على كده، قومي نكمل شغلنا في المطبخ.
نهضت بسمة ترافق ماجد، فلوت سميرة شفتيها متمتمة.
لا حنين يا واد. استمرت محاضرة السيد “صدقي” لبضعة دقائق ولكن في النهاية كان “عنتر” يأخذ المال قبل رحيله.
ياريت مشوفش وشك هنا تاني ولا في البيت. ضحك عنتر ملئ شدقيه.
خايف على السنيورة الصغيرة اللي متجوزها مني يا حاج، لا أخص عليك… تنهد السيد “صدقي” واتجه نحو المطبخ يُباشر على الأطباق التي سوف تُعد للمساء.
ابتسمت سميرة وهي ترى المكان قد أصبح خالياً، فركضت إليه قبل مغادرته.
عنتر. ارتفع حاجبيه وهو يلتف إليها، يدرس تفاصيلها بعينيه، تقدمت منه بملابس مُلفتة بعدما حررت البعض من أزرار قميصها العلوية حتى يظهر نحرها بسخاء.
هتمشي من غير سلام ولا كلام.
لم يمهلها “عنتر” المزيد من الحديث فكان يجذبها نحو أحد الأركان المتوارية ينفرد بها في عجالة. وشهقة خرجت مصدومة من بسمة التي ارتجف جسدها وهي تراهم في ذلك الوضع الخاطئ. أسرعت بخطواتها نحو المطبخ بعدما سقط دلو الماء من يدها، أسرعت سميرة في هندام قميصها وترتيب خصلاتها.
يالهوي ديه ممكن تفضحني قدام الحاج صدقي، يا فضحتك يا سميرة.
سلام يا سمورة، وابقى أتعاملي أنتي مع البت ديه.
رحل دون أن يعبأ لشئ كعادته، فتنهدت “سميرة” بخوف وعادت للمطبخ تبحث عن بسمة بعينيها متوعدة لها إذا فضحتها.
اقتباس من الفصل القادم
انتفضت من غفوتها تنظر حولها بخوف بعدما استمعت لسقوط أحد المقاعد، ارتجف قلبها ذعراً وهي تبحث عن هاتفها القديم تفتح كشافه لتنير عتمة المكان الذي تغفو فيه.
مين هنا… عم السكون المكان ولكنها كانت تشعر بالريبة، حاولت طمئنت نفسها وهي تُخاطب حالها.
يمكن تكون قطة دخلت المطعم يا بسمة، نامي متقلقيش.
عادت لغفوتها تضم الغطاء لجسدها بعدما أطمئنت على أحكام حجابها فوق شعرها. ولكن هناك أنفاس كانت قريبة منها ثم لمسات مريبة أخذت تتحرك مقتربة منها. انتفضت بكل قوتها تنظر لصاحب تلك العينين والزجاجة التي يحملها بيده وقبل أن يخرج صراخها كان يجثم فوقها بكل ضخامته محاولاً إسكاتها.
دخلتي مزاجي يا قطة، وأنا اللي بيدخل مزاج عنتر النمر مبيخرجش منه!
الفصل السابع والثلاثون (2) – تكملة
(تم تنقيح الجزء التالي الذي لم يكن واضحاً في الإرسال السابق وتم دمجه مع الفصل 2، مع إزالة الوصف المُخالف في مقطع خديجة وأمير).
…………..
أنتهي الاجتماع أخيراً وانصرف رؤساء الأقسام حتى مديرة فرعه تلك الإيطالية الحسناء قد انصرفت. تراجعت خديجة بمقعدها ترمقه وهو جالس باسترخاء وقد أنفض الجميع من حولهم.
أظن الاجتماع خلص يا سيد “أمير”.
ابتسم وهو يسمع نداءها لاسمه، فنهض عن مقعده وقد ظنت إنه سينصرف ولكن جراءته قد أذهلتها وهو يقترب من باب الحجرة يغلقه.
أنت بتعمل إيه؟
بتتجاهلي رسايلي ومكالمتي، كل ده ليه؟
ومال نحوها حتى اقتربت أنفاسهم، ولوهلة كانت خديجة تشعر بالضياع وبرفرفة قلبها نحو مشاعر قد وأدتها منذ زمن.
خديجة أنا مش عارف إزاي وأمتى بقيت شغوف بيكي، أنا المفروض أرجع مصر بعد أسبوعين. همس بحروفه ينظر في عينيها مسحوراً.
شايف في عيونك كلام كتير.
وبقوة كانت تنهض عن مقعدها تعود لصلابتها، صارخة:
أطلع بره والصفقة اللي بينا تعتبر انتهت.
وفي لحظة لا تعرف كيف تمت، كان يشدها إليه يحاول إقناعها بشغفه. سقطت في دوامة المشاعر، سقطت في منطقة اللاعودة، لقد جعلها تتذوق مشاعر جديدة عليها. تمالكت حالها بصعوبة وهي تدفعه عنها بكل قوتها تنظر إليه وهو يلهث أنفاسه.
بره مش عايزة أشوف وشك تاني، بره.
خديجة أنا آسف.
واقترب منها أسفاً ولكنه توقف مكانه وهو يرى نظرتها الحازمة.
بشمهندسة خديجة يا أستاذ، وزي ما سمعت بره. غادر “أمير” المكان وهو يُدرك خطأه الفادح وتسرعه.
انهارت فوق مقعدها ودقات قلبها تتسارع تلوم حالها بجنون.
غبية يا خديجة غبية. وفي بكاء مرير كانت ترثي سنوات عمرها، تتذكر تلك الليلة التي أنهت كل أحلامها وانهارت أحلامها معها واتخذت درباً لم تكن تهواه يوماً. ” سيدة أعمال ذات اسم ساطع، لم يكن هذا ما أرادته ولكن هل لنا القرار ؟ ”
…………….
مش معقول يا جنات هتوافقي على عرضه! هتفت بها “فتون” بعدما مسحت يديها بعد إعدادها لإحدى أصناف الحلوى، وقد انشغل أحمس بالاهتمام ببعض الزبائن.
جنات أنا استحالة أصدق إنك تقبلي بالمهزلة ديه.
هقبل يا فتون، هقبل عشان أكسر مناخيره.
حدقت بها “فتون” وقد قطبت حاجبيها بغرابة.
مش قادرة أصدق إن ده السبب الوحيد يا جنات. توترت “جنات” وقد أدركت اكتشاف فتون لسببها الحقيقي.
أنتي تعرفي كاظم النعماني من أمتى يا جنات؟ أطرقت جنات عينيها تُخبرها بصدق.
لما كنت بشتغل في شركة السياحة… كان صديق السيد فؤاد صاحب الشركة. وتنهدت بمرارة حقيقية.
لكن عمره ما أخد باله مني…
ولو فضل طول عمره مش واخد باله منك يا جنات هتعملي إيه؟
ورغم صعوبة الجواب إلا إنها ابتلعت ريقها بمرارة.
هخرج أكيد كسبانة من الجوازة ديه وأبقى سيدة أعمال بحق. استغربت “فتون” حديثها الذي ألقته ببساطة ثم أردفت بحماس.
أشغل أحمس معايا وأنتِ تمسكي الشئون القانونية ونبقى نساء مستقلين.
ورغم الحماس الذي كانت تتحدث به إلا أن “فتون” لأول مرة كانت تفهمها. “جنات” ضائعة مثلها ومثل الكثير من النساء ورغم قوة جنات إلا إنها تحتاج للحب، للعائلة. تعالى رنين الهاتف، فطالعت “فتون” هاتفها ثم انسحبت متمتمة بخفوت.
ده سليم.
ابتسمت جنات وهي ترى ابتسامتها وخجلها عند ذكر اسمه وكيف أصبحت هيئتها وملامحها بعدما منحها “سليم” الحب، وجزء داخلها كان يُريد لها أن تصبح هكذا وجزء آخر يخبرها أن لا تدلف بقدميها نحو حياة رجل لا يحبها ويُقدم لها الزواج كعرض. تلك المرة صدح هاتفها برسالة، نظرت للاسم فشعرت بالدهشة من رؤية اسمه لتفتح الرسالة وتنظر نحو محتواها بعينين شاردتين.
تجمدت أصابعها فوق الهاتف ولكنها كانت قد اتخذت القرار، لتُسطر بجوابها ببضعة أحرف: ” موافقة”
وعلى الجانب الآخر، كانت ضحكات “كاظم” تعلو مع جمودة ملامحه وهو يرى جوابها.
أوعي تقولي إنك كسبت الرهان ورفضت العرض.
ألقى كاظم هاتفه نحو “جلال” يُعطيه الإجابة يقرأها، فانبسطت ملامح جلال وعلت السعادة وجهه، فهو يُريد أن يستمتع برؤية عذاب امرأة حتى يُسكن خيبته ويؤكد لحاله يوماً بعد يوم أن النساء جميعهن طامعات.
للأسف خسرت يا صديقي، وأنت الكسبان. وأردف بوعيد.الفصل السابع والثلاثون (1)
لفظت “شهيرة” عبارتها، فكان لصداها قوة اخترقت قلب الواقفة في سكون تام. لم تكتفِ “شهيرة” بما قالته بل أخذت تُكرره إلى أن شعرت بالارتياح وهي ترى عيني “فتون” الدامعة من وقع كلماتها عليها.
شعرت “شهيرة” بزهوة النصر، وأن غريمتها فتاة ضعيفة في ثوب امرأة. تلاشت المسافة بينهما، ومع إحكام “فتون” المئزر حول جسدها وقبضتها المتماسكة به؛ عاد الحقد يشتعل في عيني “شهيرة”.
اوعي تفتكري أنك حاجة ميقدرش سليم يتخلص منها ويرجع لعقله، أنتِ مجرد واحدة هيتخلى عنها بكرة لما ينتهي ارتباطه بيكي. وتجلجلت ضحكتها عالياً، تنظر نحو غريمتها الضعيفة الباكية.
اللي زيك ملهومش قيمة.
ثم كممت “شهيرة” فمها بكف يدها تنظر إليها بتعاطف مصطنع.
أنا مش عارفه كان فين عقل سليم، لما فكر يتجوز واحدة كانت بتخدم عنده، لا وكمان كانت مرات السواق بتاعه. وتحولت نظرتها لتقزز وكأن الحديث يثير غثيانها.
ازاي بيقدر يقترب منك مش قادرة أتخيل.
شعرت شهيرة بسعادة بالغة وهي ترى قسوة كلماتها فوق ملامحها، أدركت أنها وصلت للنقطة التي أرادتها. طالعتها بكبر تجيده، تُردف بتهكم وسخرية لاذعة.
سليم سيتركك حتماً، خاصةً مع ماضيكِ.
لم تتحمل “فتون” سماع المزيد فاندفعت نحوها تدفعها من أمامها، صارخة بغضب:
كفاية! كفاية! اطلعي بره بيتي!
تجمدت عيني “شهيرة” نحوها لا تستوعب ما تسمعه تنظر نحو يدها وهي تدفعها.
بيتك! نطقتها “شهيرة” بصدمة، فهذا المنزل كانت هي سيدته يوماً، وكيف لهذه أن تُهينها بتلك الطريقة. تلاشت لذة النصر من عينيها وعاد الغضب والمقت يحتلهما.
أيوة بيتي، ولحد ما يجي اليوم اللي أنتِ مستنية تشوفيني مطرودة فيه فهو بيتي. وبنبرة قوية كانت تُخبرها رغم ارتعاش جسدها، أمام الواقفة بملامح جامدة.
أنتِ طليقته، لكن دلوقتي أنا مراته يا شهيرة هانم!
أندفعت شهيرة لخارج الغرفة وصوت صراخها يعلو باسم السيدة “ألفت”، التي كانت قريبة منها. طالعتها السيدة ألفت بتوتر.
فين بنتي؟ فين خديجة؟ جهزولي حاجتها هاخدها معايا.
لكن يا هانم…
قولت بسرعة ولا أنتِ مش بتفهمي!
ابتعدت عنها السيدة “ألفت” تنفذ لها أوامرها في صمت. شعرت “فتون” بارتجاف جسدها وهي تستمع لأمرها بأخذ الصغيرة، خشيت أن تصبح في النهاية هي الملامة بعدما يعلم “سليم” برحيل صغيرته عن المنزل. بدأت أنفاسها تهدأ رويداً رويداً إلى أن شعرت بارتياح، ولكن ذلك الارتياح قد تبدل تماماً وهي تستمع لصوت بكاء الصغيرة وصراخها باسم المربية التي ترعاها و”شهيرة” تصرخ بها.
أندفعت للخارج راكضة تنظر للصغيرة التي تحملها إحدى الخادمات و”شهيرة” حانقة من بكائها.
خديجة! مدّت الصغيرة يديها إليها، فالتفت شهيرة نحوها ترمقها بوعيد ثم بحثت بعينيها عن السيدة “ألفت”.
بلغي سليم إن بنتي مش هترجع البيت ده تاني…
وعادت بعينيها نحو “فتون” التي علقت عيناها بالصغيرة وقد أوجعت هيئتها قلبها.
بنتي مش هتعيش مع واحدة لا ليها أصل ولا فصل! رحلت “شهيرة”، فدمعت عيني “فتون” تنظر نحو السيدة ألفت.
ديه أخدتها يا مدام ألفت؟ طالعتها السيدة ألفت بخوف.
ربنا يستر يا بنتي ومتخدهاش خالص وتنفذ كلامها، في النهاية هي في الأول والأخر أمها. وأردفت بحزن على حال الصغيرة.
سليم بيه مش هيستحمل يشوف خديجة بعيدة عنه، ده روحه فيها…
انهارت “فتون” فوق درجات الدرج، تنظر لملامح السيدة “ألفت” وقد فهمت حديثها كما يجب أن تفهم، فإذا وضع “سليم” بينها وبين ابنته، بالتأكيد ستكون هي خارج هذا المنزل.
…………
فتحت عينيها بتثاقل دون رغبة في الاستيقاظ، داهمتها أحداث ليلة أمس. فعادت تُغمض عيناها هاربة تضم الغطاء نحو جسدها وقد عاد شعور الوجع يقتحم كل جزء من جسدها، بل وعادت كل عقدة عُقد بها فؤادها تعود إليها.
سقطت دموعها بعدما اقتحم حديثه أذنيها، تتذكر كيف أخبرها إنه سيحررها منه و سينتهي بها المطاف للمرة الثانية بالطلاق. عنفت نفسها على ضعفها تُخبر حالها:
الظاهر يا ملك هتفضل طول عمرك أنتِ الخسرانة، هتفضلي طول عمرك ضعيفة! ولكن عقلها كان يُجيب عليها، فهي ليست ضعيفة بل هي امرأة ضائعة، تائهة في دروب الماضي بقسوته.
وبخطوات ثقيلة كانت تنهض من فوق الفراش، تتجه نحو المرحاض ولكن قدميها توقفت أمام المرآة تنظر لحالتها المبعثرة وذلك الكحل الذي طُبع أثره فوق وجنتيها بعدما أغرقتهما أمس دموعاً قبل أن تسقط في غفوتها. سقط الغطاء عن جسدها بعدما ارتفعت يدها نحو شفتيها المُتألّمتين من أثر الليلة القاسية. لم تتوقف يدها عند ذلك الحد بل انحدرت إلى جيدها ثم عظمة ترقوتها تتلمسهما، وفجأة تجمدت حركتها وهي تراه يدلف الغرفة وعيناه تنظر نحو صنيعه.
أسرعت في التقاط الغطاء تحمي به جسدها؛ ليُغمض عينيه متنهداً ثم اقترب منها بعدما سيطر على حاله.
شوفتي بسببك وصلنا لأيه يا ملك، كنتِ هتخليني أتجاوز كل الحدود!
هو أنت كده مش متجاوز يا دكتور؟ هتفت عبارتها بمرارة وأكملت همسها.
ولا عشان متممتش الجوازة مبقاش تجاوز؟
شعر بقبضة قوية تعتصر فؤاده ولكنه حاول تجاوز شعوره ليعود “لرسلان” الذي أراد أن يكون عليه ليلة أمس، رجلاً بارداً.
مش حرام إني آخد حقي اللي حلله ربنا ليا، وأظن إن أنتِ كنتي قايمة بدور كويس عشان تغريني! وتذكر عبارتها التي أدمت قلبه بل حطمته.
تخليني أفقد السيطرة عليكي وأول ما توصليني لدرجة مش هقدر أقاوم لهفتي عليكي تسحبي نفسك مني عشان تقفي تسقفيلي وتقوليلي قد إيه أنا راجل ضعيف قدام شهوتي… واستكمل حديثه ساخراً وقد عادت المرارة تسيطر على حلقه وهو يخرج الكلمات من بين شفتيه.
مش ديه نظرية القوة والضعف برضه… خسارة يا ملك، وصلتنا لطريق كل واحد فينا بقى موجوع بزيادة.
أنت عايز تطلعني وحشة في النهاية، كلكم عايشين دور الضحية وملك هي اللي لازم تقدم وتدي وتسكت، ملك لازم تكون معطاءة، ملك هي البديل في كل حاجة، أنا بكرهك وبكره ناهد وكاميليا هانم وبكرهكم كلكم حتى بابا الله يرحمه خليتوني أكره عشان كان ضعيف وضيعني معاكم وضيع أمي وخلاني أتربى وسط عيلة افتكرت إنها بتعطف عليا إحسان… انحدرت دموعها وانهار جسدها حاولت التماسك ولكن خانتها قدماها وقبل أن تسقط أرضاً كانت يداه تتلقفها، ضمها إليه. فهمست بضعف:
بنت اترمت على الرصيف، عشان يعرف أبوها يقنع بنت الحسب والنسب إنهم لقيوها بالصدفة… بكرهك يا رسلان.
لم تعد تتبع أي عتاب لها إلا وتخبره إنها تكرهه، رغماً عنه كان يبتسم وهو يضمها أكثر إليه يهمس لحاله:
الطريق قدامنا طويل يا بنت عبدالله.
…………
نظرت “بسمة” نحو الباب الذي أغلقه خلفه للتو بعدما دلفت تلك الحسناء المتعالية وقد أعطتها ذلك المسمى بعد نظرة الكبر التي ألقتها نحوها. اقتربت من الباب بفضول ولكنها شعرت بالغضب من تصرفها الوقح ولكن فضولها غلبها في النهاية وعادت تقترب.
خوفك عليا بيدل إنك لسا بتحبني، أدينا فرصة يا جسار أرجوك.
جيهان كفاية خلاص، علاقة وانتهت زي أي علاقة زوجية.
أنت قاسي أوي يا جسار، عرفت تخليني أحبك لدرجة مبقتش عايزة حاجة غيرك ومهما أتوسل ليك مش قادر تسامحني وكل ده ليه؟ عشان ماضي أنت حكمت على طرف واحد فيه إن هو المظلوم.
و رسلان يا جيهان.
بهتت ملامحها وهي ينكشف السر الأخر، وعلى ما يبدو أن “ملك” أخبرته بالأمر حتى تظل أمامه دوماً ملاك. حقاً كل يوم يزداد كرهها لها بل وتحقد عليها وتتمنى أن تظل طيلة حياتها هكذا من رجل إلى آخر دون أن تعرف لها طريق وحياة.
ملك هي اللي قالتلك؟ وأردفت بحقد لم تستطع السيطرة عليه:
مافيش راجل فيكم محبهاش، مش عارفه هي عايزة إيه أكتر من كده.
امتقع وجهه وقد ازداد غضبه وهو يستمع لحديثها عنها ولم يشعر إلا بصرختها بعدما قبض فوق ذراعها المكدوم.
دراعي يا جسار حرام عليك.
كل ما أحط ليكي عذر يا جيهان، ألاقي كل حاجة بتظهر قدامي، لدرجة دي أنا كنت أعمى ومغفل.
دفعها عنه، فأسرعت نحوه تلتقط ذراعه.
جسار أنت لازم تسمعني، بلاش تحكم عليا من غير ما تسمعني. ولكن “جسار” كان يفتح الباب دون أن ينظر إليها. شهقت “بسمة” فزعاً بعدما ارتطم جسدها بجسده، فرمقها بمقت يقبض فوق ذراعها بقوة.
هتوقع إيه من واحدة زيك غير التصنت!
جرها خلفه دون توقف ولم يعبأ بصراخ “جيهان”، كانت “بسمة” مصدومة مما سمعته وما يحدث. فهو يجرها خلفه رغم أنه أتى بها لهنا حتى تعمل لدى زوجته. التوت قدم “بسمة” من شدة سرعة خطواته، فصرخت حانقة:
أنت بتجرني كده ليه؟ ترك ذراعها يدفعها داخل المصعد.
اخرسي، مش عايز أسمع ليكِ صوت بدل ما أبلغ أخوكي بمكانك ويجي ياخدك وأخلص من مصيبتك.
ابتلعت “بسمة” لعابها وتراجعت للخلف بخوف، ففتحي شقيقها لن يرحمها. خرج من المصعد فاتبعته وهي لا تعرف إلى أين ستذهب معه وعندما توقفت أمام سيارته نظرت إليه.
أركب ولا هتسبني هنا؟ لم يعطها جواباً بل صعد سيارته ينتظر دلوفها. طالت وقفتها كما طال انتظاره فعاد صراخه يتعالى.
أنتِ غبية ما تركبي ولا أنا غلطان… الأفضل أسيبك تغوري في ستين داهية.
دلفت “بسمة” للسيارة خشية من قراره الأخير. فهي لا تريد منه إلا مأوى أما العمل فستدبر حالها. اندفع بسيارته وهي مصدومة من تلك الحالة التي أصبح عليها ودون أن تشعر وجدت نفسها تهمس وهي تتذكر كيف تغيرت ملامحه بعدما غادروا المصعد قبل دلوف الشقة وقد وقف يُحدق بهاتفه بعد أن تعالى رنينه بنغمة قصيرة.
أكيد الرسالة اللي جاتله على التليفون.
كان “جسار” يشق الطريق بجنون، يتفادى السيارات بسبب سرعته. فاتسعت عيني “بسمة” وهي ترى السيارة القادمة نحوهم.
العربية هتخبط فينا، هنموت! تفادى “جسار” السيارة فتنفست الصعداء لكن سرعان ما عادت لهيئتها المذعورة.
هتدوس الراجل، هتدوس الراجل، الراجل مات!
وضعت بكفها فوق عينيها خشية من رؤية موت الرجل ولكنه كان يتفادى كل شئ بمهارة. التقطت أنفاسها بصعوبة بعدما توقفت السيارة أخيراً.
الحمد لله ممتناش…
ألقت بنظراتها نحوه بعدما استند بظهره فوق السيارة، قطبت جبينها وقد عاد الفضول إليها.
إيه اللي حصل… ما كان عايز يدي فرصة لمراته… الصراحة هي ست حلوة أوي تستاهل الفرصة، بس شكلها مش محترم ديه قابلتنا بملابس مُثيرة ميتلبسش… مش جوزها يا بسمة أنتِ إيه اللي بتحكي فيه ده. عادت تُخاطب حالها وقد تناست وجودها بالسيارة وعدم فهمها لشئ.
بس هو مكنش موجود لبساه بقى لمين… لا لا هي شكلها أصلاً مش مؤدبة لا وصابغة شعرها.
مجرد لقاء واحد وقد التقطت كل شئ من تفاصيل “جيهان”. نظرت نحو مرآة السيارة حتى ترى هيئتها هي الأخرى، فلم تستمر بالتحديق بملامحها لأنها دوماً تنظر لحالها بعين النقص، زفرت أنفاسها دفعات متتالية تزم شفتيها تذمراً فما الذي دفعها لتقحم هذا الرجل في مصيبتها وهو لديه الكثير من العقد.
قررت الخروج إليه بعدما طالت جلستها، لطم الهواء وجهها فشعرت بالانتعاش وهي تنظر حولها ولكي تجعله ينتبه عليها كانت تتبع طريقتها التي تراها مناسبة.
يا سلام الجو جميل أوي، محتاج كام سندويتش وإزازة عصير وحاجة نفشرها ونستمتع…
انتبه “جسار” على حديثها بعدما خرج من دوامة أفكاره وتلك الرسالة الطويلة التي بعثها إليه “رسلان” يخبره بما فعله ويطلب منه مسامحته بالطريقة التي يراها. لم ترَ بسمة منه أي بادرة إنه استمع لحديثها، فاستمرت في إلقاء كلماتها.
إيه ده البحر هناك آه…
شايفه نفسك في صحرا، ده أنتِ في اسكندرية. تمتم أخيراً، فابتسمت هي ولكن سرعان ما أنبت حالها وأخفت ابتسامتها.
خليني أشوف هوديكي فين.
انتبهت على حالة الإعياء التي أصبح عليه، فاقتربت منه وقد أطرقت عيناها ندماً لعبئها عليه.
شوف أنا عارفه إن عندك مشاكل كتير ومش ناقص مشكلتي، أنا بس محتاجة مكان أقعد فيه… حتى لو أوضة بس أتحامى فيها من الشارع ومش عايزة حاجة تانية منك… أنا متعودة أتمرمط. ودمعت عيناها وهي تتذكر والدها ودفئ فراشها.
بس متعودش على نومة الشارع.
غز قلبه بعض التعاطف، فأطرق رأسه يُدلك جبينه إرهاقاً.
أكيد سمعتي كلامي أنا وجيهان، يعني عرضي ليكي انتهى لأن خلاص أنا وهي مفيش حاجة تقدر تصلح بينا اللي حصل. أومأت برأسها، فلمعت عيناه بقسوة وهو يتذكر كيف استغفلته منذ البداية.
الكلام اللي سمعتي ميطلعش بره، وأنا عند وعدي هساعدك.
أسرعت في مسح دموعها تنظر إليه تُقسم له بصدق.
لا متخافش سرك في بير. تأملها للحظات وهو يشك في وعدها.
ليا صديق عنده مطعم، هطلب منه يشغلك. فلمعت عينيها فها هو قد وجد لها عملاً.
طب وهعيش فين؟
طالعها في صمت مُفكراً ولكن احتفظ بجوابه وهو يصعد السيارة مُشيراً إليها بأن تصعد هي الأخرى.
………..
بهتت ملامحها وهي تستمع لعرضه المخالف دون رحمة، كان مُسترخياً في حديثه وكأنه يعرض صفقة عمل وليس زواجاً. أطرقت “جنات” عينيها نحو فنجان القهوة الذي نظرت إليه بمرارة وتمنت لو كانت قهوتها سادة المذاق حتى تتجرعها دفعة واحدة لترثي معها حالها.
شايفك ساكته… أقول العرض عجبك… هتف “كاظم” عبارته بعدما اعتدل في جلسته يرمقها بكبر، رفعت “جنات” عينيها نحوه تنظر لجمودة ملامحه ولذلك الكبر الذي يطغى عليه. حاولت الثبات والعودة لجنات التي تعرفها، جنات التي تأبى الإذلال وبصعوبة كانت تجلو حنجرتها، تهتف بمرارة لا تعلم سببها.
ليه كل ده، أنت مش محتاج فلوس… طالعها متهكماً، ثم أسبل جفنيه يستند على الطاولة.
كويس إنك عارفة إني مش محتاج فلوس، بس اللي متعرفهوش عني إني مبحبش حد ياخد مني حاجة من غير رغبتي أو يقف ليا ند، وأنتِ أختارتي اللعب مع الشخص الغلط.
ده حق أبويا وأظن والدك اعترف ليك إنه فعلاً أخد حقه. ضحكة ساخرة خرجت من بين شفتيه، فتراجع للخلف يستند بظهره على المقعد ومازالت ضحكته تعلو وكأنها ألقت نكتة على مسمعه وليست حقيقة.
جودة باشا اعترف بالحقيقة لأنه مبقاش يملك الأرض، الأرض ديه ملكي أنا… مشتريها منه يعني حقك عنده هو مش عندي.
الجمها حديثه للحظات، ولكن سرعان ما كانت الحقيقة التي تغافلت عنها حين جمعت بعض المعلومات عن تلك العائلة تقتحم عقلها. فـ “كاظم النعماني” يُعتبر هو المتحكم في زمام الأمور جميعها. سأم من صمتها ينظر نحو ساعة معصمه وقد ضاق صدره.
أتمنى أسمع قرارك في أقرب وقت، بس لو رفضتي العرض يبقى ترضي بالتلاتة مليون وأتمنى مشوفكيش تاني وتنسي صلتك بالعيلة.
شعرت بالمهانة وهي تستمع إليه، فتبدلت ملامحها المستكينة لملامح واجمة حانقة.
ميشرفنيش إن يبقى ليا صلة بعيلة بتسرق حقوق الناس. تجمدت عيناه نحوها بعدما ألقى بالمال فوق الطاولة.
القرار معاكي يا آنسة جنات، يا إما الفلوس أو عرض الجواز.
غادر “كاظم” المكان حانقاً لا يصدق إنه عرض الزواج على امرأة بل وجعلته يخضع عن قرارته حتى لا يخسر شراكة “سليم النجار” بعدما تدخل بالأمر. أشار لسائقه أن يظل مكانه ثم دلف نحو مقعده مشيراً إليه بالتحرك، وقبل أن تتحرك السيارة كانت عيناه تتجه نحوها وهي تغادر المطعم متجهة نحو سيارتها الصغيرة ذو الطراز القديم المصطفة. رمقها بنظرة مُستهزئة ويقينه يزداد أنها ستوافق على عرض الزواج حتى تنال نسبتها الضئيلة بل وستسعى لتنال المزيد فهي ليست إلا فتاة طامعة ولكنها للأسف تلاعبت مع الشخص الخطأ.
………………
وقف “فتحي” أمام ذلك الفندق الذي تمت فيه حفل الزفاف، طالع المكان بوجه مُكفهر ثم نظر خلفه للمعلم “وجدي”.
هندخل هنا إزاي، مش بعيد يطلبوا لينا البوليس. دفعه “وجدي” بقبضته، يهتف إليه متوعداً.
أختك أو الفلوس اللي لهفتها، المعلم وجدي ميتنصبش عليه.
الله يحرقك يا بسمة الكلب، ألاقيكي بس وهشرب من دمك.
عاد “وجدي” يدفعه بقبضته الغليظة.
أنت هتنوح زي النسوان، ادخل خلينا نعرف أختك اختفت فين… وأردف بمقت ينظر إليه شزراً.
يومين بتماطل معايا، أتاريك مش عارف مكانها… ثم بصق أسفله.
أخص على الرجالة والرجولة.
غلت الدماء في عروق “فتحي” فطالع المكان متمتماً بوعيد.
أعرف هي فين بس… ومش هيطلع ليها صبح الفاجرة.
طب يلا يا سبع الرجال، ادخل اتصرف مع الواقفين.
شجعه “وجدي” ولكن “فتحي” خرج إليه خالي الوفاض، مُطرق الرأس. رمقه “وجدي” بنظرات ساخرة ثم دفعه عن طريقه. أتبعه “فتحي” الذي وقف مذهولاً وهو يرى الطريقة التي يتعامل بها “وجدي” وكأنه رجل ذو مكانة عالية وليس شخص ذو سوابق مثله.
تجمدت عيني “فتحي” أمام إحدى الشاشات الخاصة بكاميرات المراقبة، وهو يرى شقيقته تتحرك نحو إحدى السيارات في جراح الفندق، فصاح وهو يشير نحوها.
أيوه هي ديه… ارتكزت عيني الموظف الذي ساعدهم في الدلوف لتلك الغرفة ليُكمل تتبع الفتاة، فاتسعت عيني “فتحي” ثانية.
ده نفس الراجل اللي كان بيجي الحارة… أيوه أنا فاكره.
طالعه “وجدي” حانقاً.
أختك المحروسة هربانة في عربية راجل، لا وقايلي بنت بنوت وواخد مني خمس آلاف جنية… فلوسي يا فتحي الكلب. بدء العراك بين الرجلين، ليتوقف العراك بعدما اندفع الموظف نحوهم يدفعهم نحو الخارج.
أنتوا عايزين تقطعوا عيشي، روح دور على أختك مدام عرفت الراجل اللي ركبت عربيته.
توقفوا خارج الفندق، لينظر “فتحي” نحو “وجدي” الذي أخذ يطالعه بشر.
أسبوع واحد بس وهجيبها ليك يا معلم. فقطب “وجدي” حاجبيه يرمقه مأقتاً، يشك بحديثه.
لو مجبتهاش صاغ سليم، ده أنا واعد صاحب الكباريه تكون بنت بنوت، الزبون عايزاها كده.
التمعت عيني “فتحي” بوعيد يخبره بما سيفعله بها، إذا أضاعت شرفها.
هقتلها وهشرب من دمها.
الفصل السابع والثلاثون (2)
ودعت المكان الذي كانت تحبه يوماً، لتتعلق عيناها به وهو يُصافح الحارس ويعطيه مفتاح المزرعة المكلف بشئونها. شقت السيارة طريقها لتنظر له وسؤال واحد كان يدور بعقلها:
هنعمل إيه مع الخدامة اللي ممكن تنقل كل حاجة لكاميليا هانم؟ وصمتت قليلاً تُجلي حنجرتها من شدة توترها، ثم أردفت:
وخصوصاً وإحنا نعتبر في حكم المنفصلين.
ابتسامة ساخرة شقت طريقها نحو شفتيه، لم يعقب على حديثها ولم يعطِ لها إجابة. ولكن مع ضجرها من صمته وتجاهله، استطردت:
مش عايزين الولاد يتأثروا بحياتنا. تنهد في صمت.
ملك أنا أغلب يومي في المستشفى أو العيادة، لو كنت الأيام اللي فاتت موجود كتير حواليكي. وأبتلع مرارته يُعطيها الإجابة صريحة:
كان عشانك، كنت عايز أعوضك لكن ملك الجديدة مش قادرة تسامح. أتخذت دور العتاب ولكن قبل أن تُردف بشئ:
ملك أنا وعدتك هطلقك بعد ست شهور وهسيبلك الولاد تربيهم، حريتك مني مش بعيدة يا ملك.
حاولت أن تستشعر السعادة وهي تراه يهتف حديثه بمرارة، ولكن السعادة أصبحت بعيدة عنها منذ أن باتت ندوب الماضي عالقة بفؤادها.
توقفت أخيراً السيارة أمام البناية، طالعها ثم ترجل من سيارته حتى يخرج حقائبهم التي كانت مُعدة نحو رحلة أكبر. اتبعته وقبل أن تنتبه نحو شئ، كان “فتحي” يهتف اسمها بعلو صوته:
فين أختي؟ طليقك أخدها فين؟
أنت بتقول إيه، شكل حبسك كام يوم مأثرش فيك.
حاول “فتحي” إزاحة يديه عنه، وعيناه عالقة بملك التي أتخذت “رسلان” درع حامي لها.
أسأل مراتك يا باشا، مراتك هربت أختي مع طليقها يوم فرحكم. صاح بها “فتحي”، مما جعل سائق “كاميليا” وحارسها الشخصي ينتبهوا على الأمر ويندفعون خارج السيارة المصطفة بانتظار سيدتهم. تفاجأ رسلان بإحاطتهم له وقطب ما بين حاجبيه ولكن سرعان ما تلاشت تقطيبته ينتبه على صوت صراخ فتحي وقد بدأ البعض ينجذب لحديثه.
ولا أحنا عشان ناس على قد حالنا يا باشا تعملوا فينا كده، أنا عايز أختي يا باشا.
قولتلك أختك منعرفش عنها حاجة.
بهتت ملامح “ملك” خوفاً على بسمة واندفعت للأمام بعدما أخذ الحديث يتحول للشجار.
فين بسمة… عملت فيها إيه… أنت يوم الفرح كنت ضاربها علقة موت. وعادت عيناها نحو “رسلان” تنظر إليه برجاء:
خليهم يقبضوا عليه يا رسلان أكيد هو السبب في هروبها.
علقت عيني “فتحي” بهم، فبعد أن كان هو صاحب الحق… أصبح مُتهماً يُحيطه رجلان ضخام الجثة، هاتف حاله بحنق:
جاي تتعارك مع ابن الوزير، هتروح اللومان ومحدش هيعرف عنك حاجة يا فتحي. وفي لحظة خاطفة، كان فتحي يهرول مغادراً المكان.
ده هرب يا باشا.
توقفت “ملك” عن البحث في حقيبتها حتى تجلب هاتفها وتُحادث “جسار”.
أنا لازم أكلم جسار، فتحي ده شراني ممكن يأذي. ألقت عبارتها وتقدمت أمامه غير عابئة بحديثها الذي أشعل الغيرة داخله، قبض فوق كفيه بقوة مشيراً للرجلان:
أتمنى محدش يعرف باللي حصل دلوقتي. فهم الرجلان حديثه، وأومأوا برؤوسهم قبل أن يعودوا لمكانهم في انتظار سيدتهم.
غامت عيني “رسلان” بالغضب بعدما اتبعت عيناه تلك التي وقفت أمام مدخل البناية وعلامات الارتياح تعلو شفتيها.
ما الهانم لازم تبقى مرتاحة، مافيش بطل قدامها غير السيد جسار العزيز. ورغم عدم كرهه لجسار إلا أن الغيرة كانت تقتل فؤاده، وخاصة إنه كان يوماً ما زوجها وتكن له الاحترام.
بجد يا جسار ساعدتها، بسمة غلبانة أوي… أنت متعرفش فتحي ده كان بيعمل فيها إيه.
أخذت تخبره ببضعة مقتطفات وبعض المواقف التي حضرتها ورأت فيه معاملته لشقيقته.
أطمن عليها ديماً أرجوك لحد ما أعرف أجيلكم إسكندرية. التقط “رسلان” آخر حديثها، فامتقع وجهه بشدة وهو يتقدم أمامها نحو المصعد بعدما سبقه حارس البناية بالحقائب وبارك لهم بحفاوة.
انتظر بضيق حتى أنهت حديثها مع جسار العزيز، وقد فهم من نهاية حديثهم أن “جسار” يُخبرها بأن تبتعد عن الأمر حتى تهدأ الأمور وبسمة سوف تُحادثها. انتفخت أوداجه وهو يستمع إلى تنهيدتها القوية ورغماً عنه كان يضغط على أزرار المصعد بقوة.
قلبي مش مطمن عليها، وجسار قالي بلاش تيجي إسكندرية دلوقتي ليعرف فتحي طريقها.
وإيه كمان.
أخذت تُخبره عن قلقها وحزنها على حال “بسمة” وعما فعله جسار معها وكيف وجد لها عملاً.
جسار باشا طبعاً بطل مغوار. هتف عبارته بعدما توقف المصعد، فطالعته لتُدرك أنه يكاد أن ينفجر بوجهها. ورغماً عنها كانت تبتسم داخلها، رسلان يتمالك شعوره كرجلاً حتى لا تُسئ الأمور بينهم.
تقدمت أمامه بدلال لا تعرف لما تفعله، ولكن رؤية حنقه يجعلها تشعر بالنصر وبأنوثتها وهي تراه يضبط نفسه بصعوبة من أجلها. وبين رغبة القلب وندوب الماضي كانت هي عالقة في نقطة فاصلة. والصدمة الكبرى كانت أمامه وهو يفتح باب الشقة، ويرى والدته وخالته وقد فهم سبب وجود سائق والدته وحارسها الشخصي.
اتسعت عيني “ملك” وهي ترى كلتاهما والصغار أمامهم يلعبون بأشياءهم وناهد جالسة من تلاعبهم في صمت ووجه شاحب.
…………..
تنهدت “كاميليا” أسفة وهي تطالعهم، تبرر لهم موقفها وقد انسابت دموعها في ألم.
خالتك تعبانة يا رسلان، ديه أختي مقدرش أكون قاسية عليها وأشوفها بتترجاني أجيبها عندك. وطالعت “ملك” التي انهارت فوق أحد المقاعد، بعدما علمت بمرض ناهد وقد هزمها المرض.
أنا عارفه يا ملك إننا عملنا فيكي حاجات كتير وحشة، حرمناكم من بعض، بس أنتِ مش زينا ولا قلبك قاسي… ناهد السرطان تمكن في جسمها ومبقاش فاضل كتير. وانهارت باكية، ترثي شقيقتها الوحيدة، لا تُصدق ما حدث معها هذه السنوات.
موت مها خلاها متتمناش حاجة غير الموت… أنا مش قادرة أصدق إن كل ده بيحصل لينا.
خرج صوتها مُجهداً تنظر نحو نظرات “رسلان” الجامدة إليها، يشك بالأمر ولكن “كاميليا” قطعت شكوكه وهي تُخرج له بضعة أوراق وتحاليل من المشفى تضعها أمامه.
لو فاكر إني بعمل تمثيلية عليك، فالتحاليل والتقارير الطبية قدامك يا دكتور.
تعلقت عينا “رسلان” بالتقرير وقد تلاشى جموده، رفعت “ملك” عينيها نحوهم وهي ترى نظرات كاميليا اليائسة نحو ولدها الذي غيره الزمن وجعل قلبه قاسي.
من حقها تفضل جانب أحفادها… وأردفت بمرارة:
في يوم من الأيام هي ربتني حتى لو محبتنيش بس كان ليها فضل عليا.
انصدمت ملامح “كاميليا” من حديثها وسرعان ما كانت تبكي حسرة وندماً وتقترب منها.
أنا مش عارفه أقولك إيه يا ملك، بس ناهد بتموت خلاص وحلمها تقضي الأيام الأخيرة مع ولاد مها… صعب اللي حصل ليها… ناهد كان روحها في مها وراحت منها.
كانت خير من يعلم أن ناهد كانت شديدة التعلق بـ “مها”، فقد ذاقت مرارة التفرقة ونبذه حتى لا تأخذ ما رسمته “ناهد” لابنتها. ولو يعلم المرء أنه لا ينال من الدنيا إلا ما هو مُقدر له، لترك كل شئ يأتي إليه بسلام.
تنهد “رسلان” وهو يُطالعها، فكلما أراد أن يُقنع قلبه بالتخلي… كان يغرق أكثر في حبها… مازالت “ملك” خاصته كما هي بريئة، حنونة وذو عقل صلد لا يعرف ما يُريده.
تركت لهم الغرفة وقد غامت ملامحها بالحزن وهي ترى “ناهد” جالسة أرضاً تُلاعب الصغار وقد ركض الصغار إليها يهتفون لها.
ماما. انحنت “ملك” نحوهم تحملهم وعيناها لا تفارق عيني ناهد الحزينة.
حبايب ماما وحشتوني أوي. والصغار بين ذراعيها ومُتعلقين بعنقها، يخبروها إنهم يريدون طعامهم.
والصورة التي تمنت أن ترى “ناهد” فيها ابنتها يوماً، كانت ترى فيها “ملك” التي سعت بكل الطرق لحرمانها مما أرادته لابنتها.
غادر “رسلان” هو الأخر الغرفة وخلفه “كاميليا” ودون أن يهتم بأحد كان يتجه نحو ملك وصغاره يداعبهم مازحاً:
وبابا فين من كل ده، ولا مامتكم ليها الأحضان والحب وأنا بره الحسبة. حملهم عنها، يُداعبهم بحديثه والصغار يمنحوه ذلك الحب الذي حرم نفسه منه يوماً.
دمعت عيني “ناهد” بحسرة وكذلك “كاميليا”، ولكن كاميليا كانت تبكي سعادة، لقد تغيرت حياة ابنها وأحفادها. وملك لم تكن غافلة عن نظراتهم التي تفهمها، كان قلبها يؤلمها ولكنها كانت تتغلب على حقدها نحوهم فمن ترعاهم هم أبناء شقيقتها، شقيقتها التي كانت ضحية لأحلام “ناهد”.
…………
صعدت السيارة بحماس بعدما أنهت دروسها بالجامعة وقد نالت معدل عالي في تلك المادة التي ساعدها في دراستها.
هنروح المؤسسة يا هانم، سليم بيه منبه عليا أخدك هناك.
تلاشى حماسها، لتنظر نحو السائق بتوتر، صحيح أن “سليم” أخبرها أن تذهب لهناك ذلك اليوم الذي أتت فيه “شهيرة” وخربت لها سعادتها، ولكنها تمنعت عن الذهاب فهي في النهاية ستغادر حياته عندما يكتشف خطأه بالزواج منها. أو كما قالت لها شهيرة سيكون قد انتهى ارتباطه بها.
تعالى رنين هاتفها باسمه، فهو منذ رحلة سفره لم يحادثها. توترت وهي تضع الهاتف فوق أذنها تستمع إليه.
وحشتيني. همس عبارته باستكانة سلبت قلبها، لتُسبل أهدابها بخجل وقد تضرجت وجنتاها بالحمرة.
طبعاً مدام متصلتش بيكي، فأنتِ مكنتيش هتاخدي الخطوة ديه.
ارتبكت من حديثه، وبتلك النبرة التي يُحادثها بها وكأن لا شئ قد حدث.
أصل… ابتسم وهو يتسطح فوق فراشه مُرهقاً من كثرة أعماله يسمعها.
خديجة يعني… تنهد وهو يتذكر ما علم به وقد أخبرته به السيدة “ألفت”.
فتون السواق هياخدك المؤسسة… وحازم هيحطك وسط زمايل ليكي جايين يتدربوا، فتون لازم تختلطي أكتر مع الناس وتفهمي إزاي تعرفي تواجهي.
ورغم الشكوك التي اقتحمت فؤادها بعدما تجاوز حديثه عن خديجة وفعلت شهيرة، إلا أن إصراره في منحها فرصة نحو مستقبلها كان يشعرها بالامتنان إليه، فمن اهتم لأمرها من قبل لا أحد إلا هو.
بس حازم عارفني وعارف أنا كنت إيه زمان. هتفت عبارتها بمرارة، فهذا الصديق تتذكره تماماً وتتذكر لقاءها به وكيف عاملها تلك الليلة التي طلبت فيها مساعدته حين مرض هو.
ضحك وهو يستمع إلى تذمرها الطفولي، ورغم إدراكه إنها لا تريد اقتحام عالمه بسبب الماضي إلا إنه كان يُصر نحو ذلك.
لا متخافيش من حازم أنا آه موصي عليكي في تدريبك لكن كمعاملة محدش يقدر يجي عليكي ولا يزعلك، أنتِ زوجة سليم النجار.
شعور لأول مرة تُجربه، شعور له متعة وهي تسمعه. رفرف قلبها وقد عاد هذا الرجل يغزو كيانها مجدداً، شعر بتخبطها فقرر إنهاء محادثتهم حتى لا يجعلها تتخبط أكثر.
حبيبتي مضطر أقفل دلوقتي لكن هكلمك بليل أطمن عملتي إيه. ضمت الهاتف إليها ومازالت دقات قلبها تدق كالطبول، أغمضت عينيها قليلاً ولكن سرعان ما كانت تفتحهما وهي تستمع للسائق.
وصلنا يا هانم.
تعلقت عيناها بالبناية التي تشغل مساحة في إحدى المناطق الراقية، لم تكن شاهقة الارتفاع فهي عبارة عن طابقين ولكنها كما سمعت من “أحمس”، أن لها سيط كبير ومن يحصل على تدريب فيها يكون قد خطى أول خطواته نحو مستقبله وليته يحصل على فرصة كهذه وهذا ما ستطلبه من “سليم” حين يعود.
ترجلت من السيارة وقد عاد إليها شعور الخوف من هذا الوسط الذي دخلت إليه من قبل مجرد زوجة سائق وخادمة صغيرة، ومع كل خطوة من خطواتها كانت رهبتها تزداد إلى أن أصبحت في الداخل. التفتت حولها وهي تظن أن الأعين عليها وكأنهم يشيرون نحوها ويتحدثون عنها، ولكن الكل كان مشغولاً في عمله. ابتسمت وهي تنظر نحو ملابسها فهي لم تعد تشعر بأقليتها وسط الناس، فـ “سليم” لا يحرمها من شئ بل يُغدق عليها بالكثير.
نفضت رأسها وهي تشعر بالحنق من حالها، فقد عادت فتون الصغيرة تعد محاسنه وقد تناسى قلبها إنه يحصل على مقابل كل هذا وهي تُسلم له حياته كل ليلة يريدها فيها.
رسمت ابتسامة يتخللها التوتر واقتربت من إحدى الموظفات تُخبرها عن موعدها مع السيد “حازم” بخصوص تدريبها.
ممكن اسم حضرتك يا فندم؟
فتون. وقبل أن ترى الموظفة هل لديها بيانات عنها، كان حازم يقترب منها مرحباً.
أهلاً يا فتون، المؤسسة كلها نورت بيكي.
تعجبت الموظفة من ترحيب رئيسهم وما زادها دهشة وهي تستمع لاسم “سليم” صاحب الأكبر نصيباً وسلطة في هنا، ولكنه لم يعد يهتم بعمل المحاماة إلا إنها استمعت إنه كان يتصف بالدهاء والمكر.
سليم اللي مبقاش يتصل بيا، هريني اتصالات، فتون وصلت فتون استلمت تدريبها. أشار إليها برفقته، يتحدث معها ببساطة أدهشتها. شعر بنظراتها المستغربة إليه، فتنحنح حرجاً.
أنا عارف إن لقائنا زمان مكنش أد كده. وأردف وهو يقف في المساحة الواسعة التي تضم عدد من المحامين الزملاء والمتدربين.
دول زمايلك يا ستي.
ونظر إليهم يخبرهم ببساطة:
أنضم ليكم فرد جديد ومش أي فرد. انتبه الجالسون وبعض الواقفين لحديث رئيسهم وقبل أن يُردف بشئ آخر، أسرعت في همسه بصوت خافت.
بلاش يا أستاذ حازم.
لكن سليم… تعلقت عيناها به راجية.
لو عرفوا إني مراته المعاملة هتتغير وأنا عايزة أكون فرد زيهم من غير تميز.
ولأول مرة حازم يكتشف نظرته في الناس خاطئة، لقد ظن إنها مجرد طامعة مستغلة، أومأ برأسه وعاد يُطالع موظفيه يجلو حنجرته وتمتم مازحاً.
أستاذة فتون لسا طالبة في الكلية، ويمكن لأول مرة المؤسسة تسمح لانضمام الطلبة ومش هيكون أكيد آخر مرة، لازم نشجع الشباب. ألقى عبارته الأخيرة وهو يصفق بيديه بتلك الحركة التي اعتادوا عليها منه حين يُريد إنهاء حديثه.
يلا يا شباب نرجع لشغلنا والقضايا بتاعتنا.
وبالفعل بدأ الجميع بالتحرك، فأشار هو نحو فتون.
ابدأي أكتشفي المكان وزمايلك ومكتبي الكل عارفه. وأخفض صوته.
ربنا يستر من ردة فعل سليم لما يعرف إن عرفتك ليهم مش زي ما هو عايز. ورغماً عنها كانت تضحك على طريقة حديثه المذعورة، إذا علم سليم برغبتها.
……………
بسمة، بسمة تعالي شوفي الزباين. هرولت بسمة نحو الطاولة التي أشار إليها السيد “صدقي”، ذلك الرجل العجوز ذو القلب الطيب. دونت الطلبات بابتسامة هادئة تسأل الجالس:
أي أوامر تانية يا فندم.
شكراً.
وهكذا كان عملها طيلة اليومين منذ أن جاء بها “جسار” لهنا. تنهدت بأرهاق عندما أتى موعد راحتها تنظر نحو زميليها وهم يتناولون طعامهم.
الشغل النهاردة كان كتير أوي، الواحد رجله وجعته من الخدمة.
استمع السيد “صدقي” لحديث “سميرة” العاملة.
ما تقولي ماشاء الله يا سميرة. واقترب العجوز منهم وجلس يتناول معهم الطعام. فهتفت سميرة حرجاً من سماعه حديثها.
مش قصدي يا حاج.
الصراحة ده وش بسمة الحلو علينا.
هتف بها العجوز وهو يطالع “بسمة” التي أطرقت عينيها نحو طبقها، وكما مدحها العجوز كان يمدحها زميلها “ماجد” هو الآخر مما أزاد حنق “سميرة” نحوها.
آه والله يا حاج، ياريتها كانت اشتغلت من زمان هنا.
وبسمة تزداد خجلاً من مديحهم، ولكن تلك الجلسة التي يملئها البهجة لم تستمر طويلاً وصوت أحدهم يعلو بالمكان، تهللت أسارير “سميرة” سعادة وهي تستمع لصوت “عنتر” عكس السيد “صدقي” الذي شعر بالضيق لمجئ ولده الذي جعله يكره الأبوة ويكره تلك الساعة التي أنجبه فيها.
هو ماله المطعم فاضي كده ليه.
ونظر نحو وجه بسمة:
عندنا وجه جديد في المطعم، مش كنت تقول لي يا حاج. وطالع “ماجد” الذي أخذ يتناول طعامه دون اهتمام لوجوده، ثم نظر نحو “سميرة” غامزاً إليها وقد تلاشى عبوسها سريعاً بعدما أبعد أنظاره عن بسمة.
مش قولتلك مليون مرة لما تشوفني تقوم تقف. صاح بها “عنتر” بكبر، بعد أن دفع مقعد “ماجد” الذي شعر بالحرج، طرق الحاج “صدقي” فوق الطاولة بقوة.
ويقف ليه، اقعد يا ماجد كمل أكلك.
ونهض عن مقعده يجذب ذراعه:
جاي ليه، مش قولتلك مليون مرة ده مكان أكل عيش.
إيه المعاملة ديه يا حاج ده أنا ابنك حتى.
ابني، يا حسرة… ابني راجل مُتسكع بتاع نسوان صارف فلوس أبوه على سرمحته.
تأفف عنتر حانقاً، فدلك رأسه بضيق فقد بدأت أسطوانة والده اليومية.
عايز فلوس يا حاج. ولكن صياح السيد “صدقي” جعل بسمة التي لم تعتد على الأمر تتشبث بمقعدها، اقترب منها “ماجد” يطمئنها.
متعودين على كده، قومي نكمل شغلنا في المطبخ.
نهضت بسمة ترافق ماجد، فلوت سميرة شفتيها متمتمة.
لا حنين يا واد. استمرت محاضرة السيد “صدقي” لبضعة دقائق ولكن في النهاية كان “عنتر” يأخذ المال قبل رحيله.
ياريت مشوفش وشك هنا تاني ولا في البيت. ضحك عنتر ملئ شدقيه.
خايف على السنيورة الصغيرة اللي متجوزها مني يا حاج، لا أخص عليك… تنهد السيد “صدقي” واتجه نحو المطبخ يُباشر على الأطباق التي سوف تُعد للمساء.
ابتسمت سميرة وهي ترى المكان قد أصبح خالياً، فركضت إليه قبل مغادرته.
عنتر. ارتفع حاجبيه وهو يلتف إليها، يدرس تفاصيلها بعينيه، تقدمت منه بملابس مُلفتة بعدما حررت البعض من أزرار قميصها العلوية حتى يظهر نحرها بسخاء.
هتمشي من غير سلام ولا كلام.
لم يمهلها “عنتر” المزيد من الحديث فكان يجذبها نحو أحد الأركان المتوارية ينفرد بها في عجالة. وشهقة خرجت مصدومة من بسمة التي ارتجف جسدها وهي تراهم في ذلك الوضع الخاطئ. أسرعت بخطواتها نحو المطبخ بعدما سقط دلو الماء من يدها، أسرعت سميرة في هندام قميصها وترتيب خصلاتها.
يالهوي ديه ممكن تفضحني قدام الحاج صدقي، يا فضحتك يا سميرة.
سلام يا سمورة، وابقى أتعاملي أنتي مع البت ديه.
رحل دون أن يعبأ لشئ كعادته، فتنهدت “سميرة” بخوف وعادت للمطبخ تبحث عن بسمة بعينيها متوعدة لها إذا فضحتها.
اقتباس من الفصل القادم
انتفضت من غفوتها تنظر حولها بخوف بعدما استمعت لسقوط أحد المقاعد، ارتجف قلبها ذعراً وهي تبحث عن هاتفها القديم تفتح كشافه لتنير عتمة المكان الذي تغفو فيه.
مين هنا… عم السكون المكان ولكنها كانت تشعر بالريبة، حاولت طمئنت نفسها وهي تُخاطب حالها.
يمكن تكون قطة دخلت المطعم يا بسمة، نامي متقلقيش.
عادت لغفوتها تضم الغطاء لجسدها بعدما أطمئنت على أحكام حجابها فوق شعرها. ولكن هناك أنفاس كانت قريبة منها ثم لمسات مريبة أخذت تتحرك مقتربة منها. انتفضت بكل قوتها تنظر لصاحب تلك العينين والزجاجة التي يحملها بيده وقبل أن يخرج صراخها كان يجثم فوقها بكل ضخامته محاولاً إسكاتها.
دخلتي مزاجي يا قطة، وأنا اللي بيدخل مزاج عنتر النمر مبيخرجش منه!
الفصل السابع والثلاثون (2) – تكملة
(تم تنقيح الجزء التالي الذي لم يكن واضحاً في الإرسال السابق وتم دمجه مع الفصل 2، مع إزالة الوصف المُخالف في مقطع خديجة وأمير).
…………..
أنتهي الاجتماع أخيراً وانصرف رؤساء الأقسام حتى مديرة فرعه تلك الإيطالية الحسناء قد انصرفت. تراجعت خديجة بمقعدها ترمقه وهو جالس باسترخاء وقد أنفض الجميع من حولهم.
أظن الاجتماع خلص يا سيد “أمير”.
ابتسم وهو يسمع نداءها لاسمه، فنهض عن مقعده وقد ظنت إنه سينصرف ولكن جراءته قد أذهلتها وهو يقترب من باب الحجرة يغلقه.
أنت بتعمل إيه؟
بتتجاهلي رسايلي ومكالمتي، كل ده ليه؟
ومال نحوها حتى اقتربت أنفاسهم، ولوهلة كانت خديجة تشعر بالضياع وبرفرفة قلبها نحو مشاعر قد وأدتها منذ زمن.
خديجة أنا مش عارف إزاي وأمتى بقيت شغوف بيكي، أنا المفروض أرجع مصر بعد أسبوعين. همس بحروفه ينظر في عينيها مسحوراً.
شايف في عيونك كلام كتير.
وبقوة كانت تنهض عن مقعدها تعود لصلابتها، صارخة:
أطلع بره والصفقة اللي بينا تعتبر انتهت.
وفي لحظة لا تعرف كيف تمت، كان يشدها إليه يحاول إقناعها بشغفه. سقطت في دوامة المشاعر، سقطت في منطقة اللاعودة، لقد جعلها تتذوق مشاعر جديدة عليها. تمالكت حالها بصعوبة وهي تدفعه عنها بكل قوتها تنظر إليه وهو يلهث أنفاسه.
بره مش عايزة أشوف وشك تاني، بره.
خديجة أنا آسف.
واقترب منها أسفاً ولكنه توقف مكانه وهو يرى نظرتها الحازمة.
بشمهندسة خديجة يا أستاذ، وزي ما سمعت بره. غادر “أمير” المكان وهو يُدرك خطأه الفادح وتسرعه.
انهارت فوق مقعدها ودقات قلبها تتسارع تلوم حالها بجنون.
غبية يا خديجة غبية. وفي بكاء مرير كانت ترثي سنوات عمرها، تتذكر تلك الليلة التي أنهت كل أحلامها وانهارت أحلامها معها واتخذت درباً لم تكن تهواه يوماً. ” سيدة أعمال ذات اسم ساطع، لم يكن هذا ما أرادته ولكن هل لنا القرار ؟ ”
…………….
مش معقول يا جنات هتوافقي على عرضه! هتفت بها “فتون” بعدما مسحت يديها بعد إعدادها لإحدى أصناف الحلوى، وقد انشغل أحمس بالاهتمام ببعض الزبائن.
جنات أنا استحالة أصدق إنك تقبلي بالمهزلة ديه.
هقبل يا فتون، هقبل عشان أكسر مناخيره.
حدقت بها “فتون” وقد قطبت حاجبيها بغرابة.
مش قادرة أصدق إن ده السبب الوحيد يا جنات. توترت “جنات” وقد أدركت اكتشاف فتون لسببها الحقيقي.
أنتي تعرفي كاظم النعماني من أمتى يا جنات؟ أطرقت جنات عينيها تُخبرها بصدق.
لما كنت بشتغل في شركة السياحة… كان صديق السيد فؤاد صاحب الشركة. وتنهدت بمرارة حقيقية.
لكن عمره ما أخد باله مني…
ولو فضل طول عمره مش واخد باله منك يا جنات هتعملي إيه؟
ورغم صعوبة الجواب إلا إنها ابتلعت ريقها بمرارة.
هخرج أكيد كسبانة من الجوازة ديه وأبقى سيدة أعمال بحق. استغربت “فتون” حديثها الذي ألقته ببساطة ثم أردفت بحماس.
أشغل أحمس معايا وأنتِ تمسكي الشئون القانونية ونبقى نساء مستقلين.
ورغم الحماس الذي كانت تتحدث به إلا أن “فتون” لأول مرة كانت تفهمها. “جنات” ضائعة مثلها ومثل الكثير من النساء ورغم قوة جنات إلا إنها تحتاج للحب، للعائلة. تعالى رنين الهاتف، فطالعت “فتون” هاتفها ثم انسحبت متمتمة بخفوت.
ده سليم.
ابتسمت جنات وهي ترى ابتسامتها وخجلها عند ذكر اسمه وكيف أصبحت هيئتها وملامحها بعدما منحها “سليم” الحب، وجزء داخلها كان يُريد لها أن تصبح هكذا وجزء آخر يخبرها أن لا تدلف بقدميها نحو حياة رجل لا يحبها ويُقدم لها الزواج كعرض. تلك المرة صدح هاتفها برسالة، نظرت للاسم فشعرت بالدهشة من رؤية اسمه لتفتح الرسالة وتنظر نحو محتواها بعينين شاردتين.
تجمدت أصابعها فوق الهاتف ولكنها كانت قد اتخذت القرار، لتُسطر بجوابها ببضعة أحرف: ” موافقة”
وعلى الجانب الآخر، كانت ضحكات “كاظم” تعلو مع جمودة ملامحه وهو يرى جوابها.
أوعي تقولي إنك كسبت الرهان ورفضت العرض.
ألقى كاظم هاتفه نحو “جلال” يُعطيه الإجابة يقرأها، فانبسطت ملامح جلال وعلت السعادة وجهه، فهو يُريد أن يستمتع برؤية عذاب امرأة حتى يُسكن خيبته ويؤكد لحاله يوماً بعد يوم أن النساء جميعهن طامعات.
للأسف خسرت يا صديقي، وأنت الكسبان. وأردف بوعيد