خيوط العنكبوت 5

الفصل الثلاثون
فتح سليم عيناه على وجـ هها الملائكي، أبتسم بسعادة ومال على وجـ نتها يطبع قـ بلة ناعمة ثم ابتعد عنها وظلت أنظاره مصوبة على كل تفاصيل ملامحها وكأنه يحفر ملامحها بعقله كما وشم قلبه بوجودها داخله، انتابه شعور بغصة تغزو بصـ دره، حاول تنفيض الأفكار التي تعصف بكيانه الآن، ونهض من جانبها متوجهًا إلى المرحاض لينعش جـ سده تحت المياه الدافئة، وبعد أن انهي استحمامه جفف جـ سده بالمنشفة وارتدي ثيابها المكونة من بنطال قماشي اسود وقميصه الأبيض ووضع سترته السوداء أعلى قميصه ثم نظر لساعة يـ ده ليجدها الساعة الواحدة إلا خمسة عشر دقائق بعد منتصف الليل.
صدح رنين هاتفه ليخرجه من جيب سترته ووضعه على اذنه يستمع لطرف الأخر، بعد دقيقة واحدة أغلق الهاتف ودسه ثانيًا داخل سترته، ثم اقترب من فراش محبوبته يودعها بنظراته ورفع انامله تلامـ س وجـ هها برقة.
فتحت عيناها تنظر له ببسمة هادئة ثم اغمضت عيناها ثانيًا، تبسم هو براحة فيبدو انها تحلم، طبع قـ بلة أخيرة اعلى شـ فتيها برقة ثم استقام وهم بمغادرة الغرفة وعيناه حائرة لا يريد أن يبعدها عن رؤية محبوبته، تنهد بعمق وغادر الغرفة وهو يحدق بالفلاشة داخل قبضة يـ ده ثم قبض عليها بقوة وغادر الشقة وأغلق الباب خلفه بهدوء ليجد “جان” ينتظره أمام البناية
فتح له باب السيارة ليستقل “سليم” بالمقعد الخلفي ثم جلس “جان” خلف عجلة القيادة يقود السيارة إلى حيث المجهول…
❈-❈-❈
بينما في القاهرة
أشرقت شمس الصباح وغادر أسر المشفى بعدما أستقر وضع نور الصحي ولكن يجب عليها الراحة والاهتمام بصحتها.
كان يحاوطها من كتفها ليصلها إلى سيارته ثم ساعدها على الجلوس بمقعدها برفق وانطلق هو يشق طريقه إلى حيث وجهتهما.
كانت شاردة تتطلع من خلف نافذة السيارة ترمق الطريق بنظرات مشتته.
كان أسر بين الحين والآخر يلقى نظراته عليها، ظن بأنها حزينة بسبب ما عرفته عن وضع جنينها، لا يعلم بأنه تتصنع الهدوء ما قبل العاصفة وانها تخطط لقضاء على عائلته.
وضع كفه أعلى كفها وحاول رسم ابتسامته ليجعلها تتطلع له وتنسى حزنها
نظرت لعيناه بقوة، هتف أسر قائلا بحنان:
– ماتشغليش بالك بالتفكير
أومت براسها دون أن تنبس بكلمة
عاد أسر قائلا بحنو:
– نفسك في حاجة اعملهالك، أو مشتهية أي أكل، فاكهة أي حاجة؟
هزت راسها نافية وسحبت كفها من كفه وعادت تنظر للطريق بشرود وتخطيط عميق.
ابتلع ريقه بضيق ونظر لطريق أمامه وهو مشفق على حالتها تلك..
بعد مرور نصف ساعة صفا سيارته بحديقة الفيلا وترجلا منها ودار إلى الجهة الأخرى فتح لها باب السيارة واحاطها من كتفها ولكن ابتعدت عنه وسارت بخطوات سريعة
لؤي أسر ثغره بضجر ولحق بها وجدها صعدت إلى حيث غرفتها بينما هو اقترب من والدته يلقى عليها تحية الصباح وهو يقبل وجـ نتيها :
-صباح الخير يا ماما
-صباح الورد والياسمين على عيونك يا حبيبي، نور عاملة اية؟
تنهد بعمق ورفع كتفه ثم قال:
-والله ما عارف أقول ايه
ربتت على كتفه بحنان وقالت:
– معلش يا حبيبي حاول تهون عليها عشان خاطر اللي جاي في السكة ده حرام يتظلم معاكم
هز راسه مؤكدًا :
– والله بعمل المستحيل عشان اهون عليها ثم اردف متسالا:
– أمال ميلانا فين؟
-نايمة لسه اطلع اطمن عليها
سار أسر بخطوات مبتعدة يصعد الدرج متوجهًا لغرفة زو جته، بعدما دلف الغرفة وأغلق الباب خلفها وجدها مازالت نائمة، لاحت ابتسامته ثم دنا منها يمد جـ سده بجوارها ثم جذبها باحضـ انه يثتنشق عبيرها ليغمض عيناه بارهاق، لعله يشعر بالراحة ويحاول نسيان ما يحدث معه تلك الفترة العصبية في حياته..

❈-❈-❈
عودة إلى لندن..
بعدما كان في طريقه لشرطة الفيدراليه ليصل إليهما الفلاشة ومساعد والده اوهمه بذلك، وجد نفسه يسير بمعتكف الطريق وداهمتهم سيارة سواد ضخمه وبها عدة مُسلحين يشهرون أسلحتهم متوجهًا أليه واوقف جان السيارة وترجل منها مسرعًا وترك سليم وحده يواجهه مصيره بعدما باعه للمافيا خوفًا على حياته، فقد كانت حياته مقابل حياة سليم.
ضرب سليم بقدمه السيارة بغيظ وهو يشاهد جان يركض مبتعدًا فعلم مخططه واتفاقه مع المافيا ضده، فهذا الشخص كان يثق به على مدار الخمسة أعوام الماضية ولكن باعها اليوم للاعداء دون أن يحذره
وقف شبان ضخام البنية يرتدون ملابس سوداء ملثمون ويشهرون بوجـ هه السلاح الآلي ويصرخون عليه بأن يترجل من السيارة ويضع كفيه خلف عنقه مستسلمًا
وقف شخص آخر أمامه يفتشة ليخرج سلاح سليم من جيب بنطاله الخلفي واحتفظ به ثم عصم عيناه وجذبه من ساعده ليسير جوارها ليستقل سيارتهم ويجلسون محاطين به من كل جانب، لتنطلق السيارة بسرعة فائقة، يصطحبون سليم إلى زعيم المافيا للموافضة بينهما…

فتحت عيناها بكسل تتطلع حولها تبحث عنه، ثم نهصت من الفراش تنادي باسمه وهي كالمذعورة تبحث عنه بارجاء المنزل فلم تجده، وضعت كفها أعلى صدرها مكان قلبها الذي ينبض بصخب وخوف لم تشعر به من قبل، انسابت دموعها بحزن وظلت تنظر حولها بقلة حيلة لا تعلم أين ذهب ومتى سيعود في ذلك الوقت..
استجمعت شتاتها واستقامت لتذهب إلى المرحاض لتستحم ثم ارتدت ثيابها الخاصة بالصلاة ثم فرشت سجادة الصلاة ارضًا وبدت في صلاتها وعندما انتهت جلست تقرأ سورة البقرة كما اعتادة ودموعها تسيل على وجنـ تيها بغرازة وظلت تناجي ربها بحفظ زوجها وأن يرده إليها كما انها حاولت الاتصال به ولكن يأتي إليها بأن الهاتف مغلق، لم تجد أمامها الان إلا الدعاء فهي لا تعلم بماذا عليها أن تفعل بتلك البلدة الغريبة..

بمكان أخر
توقفت السيارة بعد ما يقرب نصف ساعة من السير، وترجل الشخص الملثم وفتح الباب الخلفي للسيارة ليترجل الشبان وهم ممـ سكين سليم بأحكام متوجهين به داخل ممر طويل وفي نهاية الممر توجد غرفة فتحها الشاب وجذب سليم خلفه ثم اجلسه بالمقعد عنوة وقيد ذراعيه خلف ظهره ثم غادر الغرفة وتركوا سليم يهتف بصراخ بأنه يريد أن يلتقي بزعيمهم ولكن لم يجيب احد على صراخه.
واوصدوا الباب ووقفوا ينتظرون الأوامر أمام تلك الغرفة..

❈-❈-❈
بالقاهرة بمنزل الجدة سناء
بعدما غادرت حفيدها المنزل ذاهبًا إلى عمله، قررت أن تهاتف ابنتها لتتحدث معها عن أمر خطبة سراج..
وضعت الهاتف على أُذنها تستمع لرنين الهاتف على الطرف الآخر
وبعد لحظات اجابتها ابنتها “رقية”
– ازيك يا ماما عاملة ايه يا حبيبتي؟
اجابتها سناء بهدوء:
-بخير يا بنتي والحمد لله، ثم هتفت بتسأل:
-انتي ومراد عاملين ايه، مش آن الأوان يا قلب امك تنزلي
– قريب أوي يا ماما أن شاء الله، مراد هياخد أجازة
ردت سناء قائلة:
– ماكلمتيش سراج من أمته يا رقيه؟ اخر مرة كلمتيه وقت ايه قبل ما يسافر مع أسر مش كدة
اجابتها بقلق؛
– ماله يا ماما سراج؟ هو تعبان ولا ايه؟
زفرت أنفاسها بضيق وقالت:
-لا سراج بخير بس زعلان يا رقيه من جواه وانتي اكتر واحدة عارفة أن ابنك بيكتم جواه، سراج اختار عروسة،، ومحتاجلك جنبه أنتي ووالده ولا ناوية ابنك يتجـ وز وأنت مش موجودة جنبه
هتفت رقيه بفرحة:
– بجد سراج اختار عروسة، مين يا ماما حد كويس وأهلك كويسين؟
– أه يا قلب أمك ناس مافيش لا في ادبهم ولا أخلاقهم، سراج بيحب فريدة بنت دلال بنت خالك
-بجد هي بنات دلال كبرو اوي كدة
– أه وسليم أبن توفيق أتجـ وز الكبيرة حياة، لازم تتكلمي مع مراد وتنزلي عشان فرحة ابنك تكمل يا رقية، بلاش عشاني يا بنتي بس ما تخليش فرحة سراج ناقصه ومش هقولك أكتر من كدة يا بنتي ربنا يهديلك الحال
بعدما اغلقت الهاتف مع ابنتها، قررت أن تذهب لمنزل دلال وتقص عليها رغـ بة سراج في الارتباط من فريدة، وعندما يأتي من عمله ستفاجئ بذلك الخبر السعيد لكي تدخل السرور على قلبه ولا يشعر بالخذلان كيفما يعمل به والديه دائما فهي وحدها تشعر برغم كبر عمره إلا أنه بحاجة لوالديه دائما جانبه..
يُعتبر الخذلان إحساسًا عميقًا ومؤلمًا يضم عدّة مشاعر داخلية مُزعجة تعصف بصاحبه كخيبة الأمل، والإحباط الشديد، والذي قد ينجم عن تعرضه للمُعاناة والأذى النفسي ..
❈-❈-❈
بلندن..
انتفضت بذعر عندما استمعت لصوت جرس الباب، ركضت مسرعة لتفتح الباب بلهفة ظن بأن زو جها قد عاد، وعندما فتحت الباب تفاجئت بشاب ملثم ينثر بوجـ هها مادة مخدرة لتفقد وعيها في الحال، ثم حملها وغادر بها البناية ووضعها بالسيارة ثم انطلق بها إلى وجـ هته
اما عن سليم فظل يصرخ يطالبهم بفك قيوده ولكن لن يجيبه احد، صمت قليلا يفكر في زو جته، ماذا يصيبها في غيابه، وعندما تستيقظ وتشعر بغيابه كيف ستواجه حقيقة بعده بعدما افصح كل منهما عن مشاعره للآخر، كيف ستتحمل أذا أصابني مكروه أو فراقت الحياة باكملها واصبحت في تعداد الموتى، وماذا سيحل بعائلته والدته وشقيقه هل سيتقبلون أمر فراقه؟ وماذا عن الماضي؟ هل سينفضح سر والده الذي جاهدًا في اخفاءه؟
عقله مشوش وداخله تساؤلات كثيرة لم يجد لها أجابة..

في ذلك الوقت ولج الشاب المقنع ذلك المنزل العريق الذي يوجد بمكان خاوي وهو يحمل على كتفه زو جة سليم ثم وضعها بالغرفة المجاورة له وقبل ان يتركها يغادر الغرفة، لثم فمها بلاصق لكي لا تصدر صوتًا، وقيد ذراعيها للخلف وتركها كما وضعها بالفراش مقيدة باحكام.
وبعد ذلك أوصد باب غرفتها بالمفتاح وفي تلك اللحظة أت الزعيم برفقة رجاله المُسلحين وجميعم يشهرون أسلاحتهم، ولج رجل في العقد الخامس من عمره ولكن ذا بنيان ضخم لم يظهر عليه العمر، يرتدي حُلة رمادي يعملوها كنزة شتويه عندما دلف القصر استقبله إحدى رجاله لينزع عنه كنزته وهو يهتف به مرحبًا بقدومه:
– أهلا بك يا زعيم
هتف الزعيم بصوته الجلي:
-هل أتممت المهمة المكلف بها؟
-أجل يا سيدي
-أصطحبني إلى عند “سليم”
– امرك سيدي الزعيم
قاده إلى غرفة سليم ثم فتحها ليترقب من بالداخل ويصوب أنظاره على باب الغرفة المقيد داخلها، ليطل رجل ذات هيبة وجـ سد ضخم، دقق سليم بملامحه وأيقن بأنه الزعيم فقد كان بعمر والده تقريبًا
وقف الزعيم يطالعه بشدة ثم أبتسم وهو يدني من سليم قائلا:
– تشبه والدك كثيرًا
هتف سليم بعناد وتماسك :
– ما هذا التصرف إذا؟ هل الترهيب والخطف من قواعد المافيا؟
عاد يبتسم بسخرية ثم مال على اذن سليم قائلا بصوت كفحيح :
– لا مكان للخيانة في قانون المافيا، وأنت تعلم بذلك، أنسيت ما حدث لوالدك عندما أراد الإبتعاد
ثم استقام وابتعد عنه عدة خطوات وعاد يرمقه بنظراته الحادة ثم بتر كلماته الأخيرة :
-انتظرت تلك المواجهة لخمسة أعوام، انتظرت قدومك يا أسدي
ثم فرد ذراعيه وهو يقول :
– وها أنت أمامي الآن
– ماذا تريد؟
دار حوله ووقف خلفه ثم ربت بشدة على كتف سليم من الخلف وقال:
-إذا أنت علمت بأن “جان” سلمك لي، وعلمت منه ماذا فعلت طوال تلك الأعوام الماضية وكل ما أريده منك، الفلاشة الخاصه بنا وإلا ستدفع حياتك الثمن وحياة كل من حولك، صدقني هذا ليس تهديد، ” توماس” لا يهدد “توماس” ينفذ
ثم لاحت ابتسامته السمجة وهو يتطلع لسليم قائلا:
– اعلم بأنك عريس جديد ومعك زو جتك الحسناء، أطمئن زو جتك بالغرفة المجاوره، لا أفضل أن تتفرقًا لذلك هي أيضا بقبضتي وتحت رحمتي
ثار غضبه وحاول فك قيوده وظل يسبه ويصرخ بوجـ هه أن يفك قيودة واياه والتقرب من زو جته، أما عن الزعيم توماس أعطاه ظهره ونجح في أثارة غضبه ثم غادر الغرفه ولم يكترث لزمجرة سليم الغاضبة.
حاول النهوض من ذلك المقعد المقيد به وكفيه يتلوى يريد التحرر من تلك القيود، وعيناه تتطلع لقدمة اليمنى، فهو قبل أن يغادر شقته دس الفلاشة داخل الجوراب قبل أن يرتدي حذاءه وشرد تفكيره يتسأل داخله:
-هل تلك الفلاشة والمعلومات المسجلة عليها تستحق أن يضحي بنفسه وبزو جته من أجلها؟ هل كانت تستحق بأن والده يتطرق ويسلك ذاك الطريق الذي ليس له عودة وتم قتله بالنهاية؟ هو يعلم جيدًا أن الفلاشة ثمن حياته وأذا أعطاهم اياها بسهولة سوف يكون مصيره كمصبر والده الراحل، لابد من إيجاد حلا لكي يصبح بامان هو وحياة.
هتف مناديا بصوت عالِ :
– حـــياة…
يريد أن يطمئن قلبه بوجودها ويحاول أن يطمئنها أيضا بأنه جانبها ولن يتركها، ظل يردد أسمها بصوت مرتفع ولكن لم يأتيه الرد
اما عن حياة فتحت عيناها بوهن تتطلع بريبة لذلك المكان بعدما تذكر بأن اخر شيء رأته الشاب المقنع، حاولت أن تنهض وجدت يديها مقيدها وفمها ملثم، اعتدلت وجابت بعيناها الغرفة ودب الرعب قلبها فتلك هي النهاية، ولكن اتاها صوت سليم وهو يصرخ بأعلى طبقات صوته مناديا باسمها، همت بأن تجيبه ولكن لم تقدر على ذلك فقد كان فمها ملثم بلاصق محكم ولن تستطيع أن تنبس بكلمة ولكن نهضت تقترب من الباب وركلته بقدمها بقوة ثم انسابت دموعها بعدما علمت بأنها لا تستطيع فعل شيء.
بعد لحظات انفتح باب الغرفتين في أن واحد
دلف الشاب المقنع غرفة حياة بينما الشاب الاخر دلف لغرفة سليم ثم أشعل شاشة خلفه ليجعل سليم يحدق بتلك الشاشه، وجد حياة أمامه جالسة على الأرض والشاب يجوب حولها ويحدج الشاشه بنظراته الخبيثة ليصل رسالته لسليم بماذا سيشاهد على تلك الشاشة إذا لم يقدم الفلاشة
صرخ سليم مناديا لحياة تلك المرة بصوت أعلى وأقوى يحاول أن يطمئنها بوجوده بعدما علم بأنها لن تستطيع الرد عليه
– حياة ما تخفيش أنا هنا جنبك
لاحت شبه ابتسامة أعلى ثغرها واتاها الشعور بالأمان ولكن وجود ذلك الشاب يشعرها بالقلق، والتقطها كالريشة بين يـ ديه ثم اعادها إلى الفراش ونظراته تطلع لها بشراسة، صرخ سليم للشاب الذي أمامه وأخبره بأنه سيعطيه الفلاشة ولكن لا أحد يقترب من زو جته وأنه يريدها معه بتلك الغرفة.
بالفعل هاتف الشاب الزعيم وأخبره بحديث سليم، أدى الزعيم اوامره بأن ياخذ الفلاشة ثم الخلاص منهما ولا يهم أن تكون بنفس الغرفة أو لأ كل ما يهمه هو الحصول على مبتغاه..
ابتعد الشاب عن حياة وجذبها من ساعدها لتهم معه وغادر بها الغرفة ثم دفعها لداخل غرفة سليم بعدما نجح الشاب الاخر بالحصول على الفلاشة، اتاهم امر إخلاء المنزل وأضرام النيران بداخله ليشتعل ويكون كومة رماد وتختفي معالم الجريمة ولم يكن لهم وجودًا..

تنهد سليم بارتياح واسرعت حياه تقترب منه بلهفة وعيناها تهطل الدموع، همس بصوته الحاني لكي تكف عن البكاء ودنا جبينه من جبينها وعيناه تعانق عيناها بحب خوف قلق رهبة بمشاعر متخبطة ونبضات قلبهم في تزايد، طلب منها الهدوء وأنت تعطيه ظهرها وتحاول فك قيوده بكفيها
نفذت كل ما املاها به وظلت تحاول أن تفكه ولكن لم تقدر على ذلك فتولي سليم تلك المهمة وفك هو قيود حياه أولا فنزعت حياة اللاصقه من على فمها وعانقته بقوة، أبتسم بحنان وطلب منها أن تحاول فكه او جلب شي يساعده على التحرر لكي يفروا من هنا، فهو يعلم بأن حياتهم الان مهددة وبخطر.
فجأة اضرمت النيران واشتعلت الجيدران من حولهم واصبحت الرؤية معدمة لدى حياة بسبب الدخان المتصاعددمن حولها وانتها نوبة اختناق وفقدة وعيها تحت نظرات سليم الهلعة وصوت صراخه يدوي بالمكان..

الفصل الحادي والثلاثون
تصاعدت ألسنة اللهب وأصبح المنزل بأكمله مُشتعلاً وأنعدمت الرؤية بمقلتي حياة الخائفة التي كانت تنظر إلى سليم بصدمة ولن تقدر على التفوه بكلمة بعدما رأت الغرفة تشتعل والنيران تحاوطهما من كل جانب، علمت بأنها النهاية ، أستسلم جـ سدها وفقدت وعيها وأخر ما رأته وسمعته هو صراخ زو جها وهلعة وهو ينظر لها يحاول أن تصمد ولكن خارت قواها ولم تعد تتحمل..
لم يتحمل رؤيتها بذلك الوضع فقد كانت طريحة أمامه والنيران على وشك الاقتراب منها، حاول جاهدًا في فك قيود كفيه ودار بعينيه مسرعاً يتطلع للغرفة لعله يجد شيئا يساعده على الخلاص من قيوده، وقعت عينيه على النافذة والنيران التي ضرمت بها أيضا ، سار اتجاهها وهو مقيد بالمقعد فقد كانت حركته بطيئة ولكن لن يترك حبيبته تلتقفها ألسنة النيران المُشتعلة،
كث السواد النافذة وأحترقت الأخشاب بها ليبقى الزجاج الذي تساقط داخل الغرفة، حاول سليم أن يلتقط قطعة كبيرة منه بفمه وبعدما حصل عليها وضعها بالفراش القابع بمنتصف الغرفة ودار ظـ هره إليها وظل يعود للخلف إلى أن التقطها ثانيا بأطرافه المُقيدة وحاول أن يقربها من الحبل الغليظ المقيد به وظل يجرها كالسكين على الحبل وبعد لحظات نجح في فك قيوده وحرر نفسه من ذلك المقعد ، وركض إلى زو حته نزع عنه سترته السوداء ودنا من حياة ، حملها على كتفه كالطفلة الصغيرة ووضع الستره لتحجب النيران عندما وقف بالقرب من باب الغرفة يحاول دفعه بقدمه بكل ما أوتي من قوة، ظل يركله مراراً وتكراراً يحاول الفرار والنجاة بمحبوبته من ذلك المكان ، ولم يفلح فقد شعر باليأس عاد بها لداخل الغرفة واراح جـ سدها برفق على الفراش واستقام واقفًا يتطلع للغرفة بخيبة أمل ولكن وجد النافذة هي الحل الخلاص منما هم فيه الآن ، اقترب منها ولكن النيران تتأجج حولها كما أنهم بالطابق الثاني فكيف سيقزف منها هو وزو جته.
دار بعينيه تجوب بالغرفة بمشاعر متضاربة من الخوف والهلع والقلق ليس على نفسه ولكن على زو جته ، لا يريد لها تلك النهاية البشعة ، فقد رسم بمخيلته عدة سيناريوهات ،هل سيكون مصيرهما الموت حرقًا بذلك المنزل ولن يعثر أحد على جثمانهم وما مصير عائلتهما من تلقي ذلك الخبر، ضربات قلبه تتزايد تضرب صـ دره بقوة وأنفاسة تتسارع كالمذعور يدور حول نفسه يكاد أن يفقد عقله ولكن قرر عدم الاستسلام واسرع في خطواته
إلى الباب ثانياً وظل يركله بغضب احتاج جـ سده وبين تاره وأخرى يتطلع لحياة الفاقدة للوعي ويعاود الصراخ باعلى طبقات صوته يطلب المساعدة لعل أحد يستمع إليه بعدما يأس تمامًا عاد إلى الفراش جلس على أطرافه والتقط كفها بين راحتيه لا يعلم يحاول ايقاظها لكي تواجه الخوف والفزع بتلك اللحظات الفاصلة بحياتهما أم يتركها ساكنة كما هي لكي لا تواجه الموت بعينين خائفتين، وهو يسعل بشدة بسبب الأدخنة التي تتصاعد واللهب الذي كاد أن يلتهم أجسادهم والنيران تقترب رويداً رويداً تلتهم كل شيء حوله ، أغمض عيناه مستسلمًا لمصيرة وهو يضـ م جـ سدها أليه لتتعانق أجـ سادهم في مشهد يَقَشعر له الأبدان، ثم نطق الشهادتين بعدما شعر بأنها حقًا النهاية…
❈-❈-❈
بالقاهرة..
ظلت نور حبيسة بغرفتها ، حاولت “خديجة ” أن تتحدث معها ولكن تحججت بأنها تريد النوم ، فتركتها وغادرت الغرفة، لتلقي بأسر وهو يحاوط بكتف زو حته ميلانا ويقترب من والدته متسألا عن نور:
-بردو مش عاوزة تخرج
هزت راسها نافية وقالت:
– بتقول عاوزة تنام، مش عارفه ده هروب ولا فعلا محتاجه تنام لأن في وحم بيجي بالنوم
– يعني ايه مش فاهم:
نطق بها أسر مستفهمًا
ردت خديجه قائلة:
– يعني في ستات حوامل بيكون الحمل نوم ، تفضل طول الوقت عاوزة تنام ، وفي بيجي عليها بالترجيع المستمر وغيرها بقا الاكل والشهية المفتوحه، يمكن نور حملها أنها عايزة تفضل نايمة ، بس لازم تاكل وتتغذء وتغذي اللي في بطنها حرام دي روح
قال أسر بتفهم:
– خلاص هسبها ترتاح ساعة وهحاول معاها
تركتهم خديجة ودلفت إلى غرفتها لأنها تشعر بانقباض بقلبها ولا تعلم ما هو سببه، ولن تريد أن تشغل أسر بما تشعر به يكفي ما يمر به مع زو جاته وحزنه على الطفل القادم الذي لا يريد أن يكون مصيره مثل مصير أبيه.
شعورها بالضيق ينهش قلبها، اقتربت من شرفة غرفتها فتحتها تحاول استنشاق الهواء العليل لينعش رئتها وتطلعت للسماء لينقبض قلبها ويعتصر بغصة مؤلمة وكأنها لمحت طيف كبيرها سليم، وضعت كفها أعلى صـ درها الذي يضرب داخلها بقوة ، هزت راسها بقوة وخرج صوتها مبحوح وهي تقول:
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم أغلقت الشرفة كما كانت وولجت تبحث عن مصحفها لتقرأ به وتطرد الشيطان الذي يحاول اقلاقها على أبنها ، وعندما فتحت مصحفها وجدت سورة يٰس أمامها فقررت أن تقرها بهدوء وتمعن وبعد ختامتها شعرت بالراحة وظلت تدعي لابنائها بصلاح الحال والشفاء وتمنت لهما السعادة والذرية الصالحة ..

بالاسفل.
كان يجلس على الأريكة الوثيرة بغرفة الصالون وميلانا تجلس بجانبه، رفع أسر ذراعه ثم جذبها لتتوسد صـ دره وهو يشاهد التلفاز على فيلمه المفضل وقال هامسًا:
– عاوزك تفضلي كده في حـ ضني ماتبعديش عني
ابتسمت بسعادة وقالت مازحة:
– شو راح تضل هون مافي عمل
طبع قـ بلة على جبينها وقال باسمًا:
– أنا عريس وفي أجازة، ولم سليم يرجع بالسلامة هنطلع شهر عسل ما حصلش ده وعد
همست بحزن:
– ما بدي شهر عسل
– ليه يا قلبي؟ ده حقك
هزت راسها نافية وقالت برفض:
– ما بدي اياك تنسى نور يا أسر ، هي بحاجتك اكتر مني، ما فيني أشعر بالذنب أكتر من هيك
تنهد بضيق وقال:
-وانتي ذنبك أية انتي كمان، ثم أردف قائلا:
– الذنب ذنبي أنا من الاول، ما فكرتش بعقلي ، فكرت بانانية رغم أن المسئلة كانت واضحة زي الشمس ، هتعب من زو اجي من نور، كان أحساسي صح ، حب من طرف واحد بس كنت بكدب قلبي دايما
أخرج تنهيدة حارقة من أعماقه وتطلع لميلانا بحب:
– صدقيني مش ذنبك خالص، أنا بلاقي نفسي اللي ضايعه معاكي أنتي، نور يمكن كانت في وقت صعب نفسي أخرج من صدمات كتير حصلتلي في حياتي وكان الوقت والإختيار والظروف كله غلط ، ممكن عشان خاطري ما تخليني أحـ س أن ظالمها معايا ، لأنها كل يوم بتثبت أنها لاعمرها حبتني ولا شافتني الفارس اللي هي كانت بتتمناه والمشاعر دي وصلتني وصعب جدا على أي راجل يتحملها ، ممكن نقفل الموضوع ده
شعرت بمدا جرحه وحزنه ولكنها تعلم علم اليقين بأنها المتربعة على عرش قلبه لذلك تبسمت له بحب وظلت متشبثه باحـ ضانه الدافئة التي تحتويها بحب وحنان وأمان …

❈-❈-❈

بعد انتهاء يوم عمله ، عاد سراج إلى منزل جدته لتقابله بوجـ ه باسم بشوش، وهو يقترب منها يقـ بل كفها ثم وجنتيها وجلس بجوارها بارهاق، ربت الجده على فـ خده ثم هتفت قائلة:
– تعرف كنت فين؟
نظر لها مستفهمًا
لتجيبه بنبرة حانية:
– كنت عند عمك فاروق وخالتك دلال بطلب ايـ د فريدة
تهللت اساريره وعانق جدته بحب :
– حبيبتي يا تيتا ، ربنا ما يحرمني منك يا سنسن
ربتت على ظهرها بحنو وقالت بجدية:
– ورحمة جدك يا سراج لو رقية ما جت خلال يومين اتنين بس، أنا هكمل الجـ وازة وماحدش هيقدر يرد ليه كلمة
ابتعد عن أحـ ضانها وزاغت عيناه بخيبة أمل وخرج صوته منكسر قائلا:
– كلمتي ماما وقالت مش جايه؟
بعدما شعرت بمدا حزنه هزت راسها نافية وقالت:
-لا يا حبيبي هتيجي طبعاً، معقول مش تحضر ، ده أنت أول فرحتها يا قلبي، هي فرحت أوي وكمان لم عرفت مين العروسة ، قالت مراد يظبط أمور شغله وهننزل فورا ، بس أنا عاوزة افرح بيك وهم احرار بقا
أوما برأسه لجدته فهو يعلم بأنها تخفي عليه لا تريد حزنه ولكن ليس مهم أن ينتظر شيئا لا يناله دائما ،فقد كان مهمشًا لدى عائلته رغم أنه الطفل الوحيد لعائلته، لذلك عند مرحلة الجامعة عاد إلى القاهرة ليدرس أداره اعمال ببلدته وظل بجانب جدته ،تلك السيدة التي تبلغ من العمر سبعون عامًا ولكن أعطته ما فقده من حب وحنان الأبوين ، لذلك هي أهم شخصًا بحياته ..
❈-❈-❈
عودة إلى منزل لندن الذي يحترق بداخله “سليم و حياة”
شعور لا يوصف عندما تكون على يقين بأنك على مشارف الموت، ليس بينك وبين النجاة إلا معجزة؛
أسبل سليم عينيه مستسلمًا لمصيره المحتوم وإذا بصوت أنثوي رقيق استماعه يأتي من بعيد بلكنتها المميزة، علم من تكون صاحبة الصوت، حرر حياة من أحـ ضانه وركض بلهفة يقف خلف النافذة المُحترقة ليجدها حقا ” كريستينا ” تقف بالاسفل وتصرخ منادية باسمه لن يتوهم ، أشار بيـ ده وخرج صوته العالِ مستغيثًا بها:
– أرجوكِ كريست ساعديني، المنزل يحترق
– حسنًا عزيزي ، أنا هُنا من أجلك
وضعت الدرج الخشبي وثبتته على الحائط الذي يصل لنفاذة الغرفة التي يوجد بها سليم وهتفت قائلة:
– النيران محاطة من كل جانب، ولن أستطع أن أدلف لداخل، هيا حاول أن تستقل الدرج بحذر
دقق أنظاره على الدرج والنافذة والتهمت النيران كتفه الايسر وأوقدته ،صرخ متألمًا ونزع القميص ولكن طالت النيران ذراعه ولكن عاد إلى حياة مسرعاً لم يكترث لآلام ذراعه ، فقط يريد الفرار بزو جته من هذا المنزل، وحملها برفق بعدما وضع سترته تحتمي بها من ألسنة اللهب وصعد النافذة بخفة ودنا بقدمه ليثبتها على اول دراجات السلم الخشبي ونجح في الامـ ساك بوضع يـ ده اليمنى تحاوط زو حته والأخرى يضعها على الدرج ليهبطه بخطوات مترقبة وأنفاس متلاحقة إلى أن انتهى وتنفس الصعداء وهو يسير خلف كريستينا ليستقل سيارتها مسرعاً بهما إلى المشفى.
بعدما استقل سيارتها وقابض بقوة على حياة نظر لكريستينا يشكرها على ما فعلته من أجله وأجل زو حته
– أشكركِ على أنقاذك لحياتي وحياة زو جتي، مديون لك بعمري وحياتي كريست،ثم أردف قائلا:
– لكِ ما شأتي وأنا سألبِ لكِ كل ما تحلمين به
نظرت له مبتسمة وقالت :
– لا داعي للشكر، هذا عملي سيدي
لم يفهم سليم مقصدها ولكن تذكر جان وخيانته وكان يظن بأنها مثله ولكن تفاجئ بقدومها وأنها أرادة أنقاذة
بعدما وجدت التشتت على ملامحه أشهرت الكارت الخاص بهويتها أمام عينين سليم :
– هذة هويتي الحقيقية، رائد مارينا جورج
جحظت عين سليم وهتف بدهشة:
– وكريست
ضحكت بخفة واجباته:
– فتاة أقتحمت عالم المافيا من قبل الشرطة الفيدرالية ولذلك كنت أساعدك دائما وحان الوقت لكي تعرف هويتي
ثم صفت سيارتها أمام المشفى ونظرت له:
– أهتم بصحتك وصحة زو جتك أولاً ثم سنتحدث ثانياً وسوف أخبرك بكل شيء ، الآن عليَّ اللحاق بجان وسوف أزف له خبر الخلاص منكما لكي ينقل الخبر للزعيم ويطمئن قلبه
قال سليم بخيبة أمل:
– ولكن حصلُ على الفلاشة الخاصة بكل شيء
– أعلم بأن زو جتك تعمل بالهاكر وسوف تساعدنا في أعادة المعلومات تلك من الهارد الخاص بك، هيا ترجلا لكي لا يلتهب جرحك ويجب إنقاذ زو جتك أيضا
ترجلا سليم مسرعاً لكي يلحق بحياة وولج بها مسرعاً لداخل المشفى الذي صرخ بهما يريد الطبيب المصري أدم لكي يفحص “حياة” فهو لم يثق بأحد بعدما تعرض لهما.
وبالفعل عندما ات أدم خبر وجود مصرين يستدعونه بالطوارئ ذهب على الفور لكي يتفاجئ بوجود سليم بحالة يُرثى لها ومازال يحمل حياة بين ذراعيه يخشى عليها
قرب له أدم التورلي لكي يضع حياة عليه ونظر لسليم يهتف بقلق:
-اية اللي حصل؟
هتف سليم بخوف من خسارته لمحبوبته:
– الشقة اللي كنا مستاجرينها حصل فيها حريق وحياة اختنقت من الدخان
رمقة بنظرة مبهمة ولكن قرر أن يفحص حياة أولا ونظر لذراع سليم الملتهب بشدة وقال:
– لازم حد يشوف دراعك ، حرقك من الدرجة الثالثة
هتف بقلق وعيناة مصوبة على الغافلة التي لا تشعر بكل ما يحدث حولها:
– أطمن على حياة الأول
بدأ في تفقد نبضها وعلم بأنها فقدت الكثير من الأكسجين ، فلابد وأن تخضع لعدة فحوصات ووضعها بالعناية المركزة على جهاز التنفس الصناعي لأن الريئتين تأذت تمامًا بسبب الدخان التي عبئ ريئتها مدة طويلة.
واستعان بطبيب أخر خاص “جلدية وتجميل” لكي يُعالج الحرق الذي أصاب ذراع سليم الأيسر بأكمله..

بعدما أنتهى الطبيب من تطهير الحروق والجروح التي بذراع سليم وضع الشاش الطبي على ذراعه بالكامل ولم يشعر سليم بالألم بسبب الإبرة المخدرة التي غرزها الطبيب بذراعه لكي يخفف من حدة الألم
ظل عيناه تطالعها وهي مُـ مدة على الفراش الطبي داخل غرفة العناية والأجهزة محاطة بها من كل جانب، أسند رأسه بالحائط خلفه وانظاره متعلقة بباب غرفة العناية وأنفاسة تختنق بسبب ما تعرضت له حياة بسببه هو، يلوم نفسه على تلك المجازفة بحياتها ، يا ليته لم يأتي بها إلى هنا ولن تتعرض حياتها للخطر ، لن يسامح نفسه على ما حدث، يجلد نفسه ويحاسبها ودعى ربه بأن تسترد وعيها لتعود لقلبه النبضات التي أختفت معها خلف ذلك الباب..
نتألم عندما نعجز عن البوح عما في داخلنا، نتألم عندما نرى من نعشقهم ليسوا معنا، نتألم في لحظات اشتياقنا لهم ولا‌ نستطيع لو النطق بكلمة ” أنا مُشتاق”
❈-❈-❈
بالقاهرة
عندما حل المساء ، غادر المنزل وقرر أن يذهب لانتقاء باقة من الورود الحمراء وبوكس مغلف من الشكولاته الفاخرة ، كما انتقى قلادة ذهبية يتدل منها قلب صغير لكي يريدها أن تضع صورته داخل ذلك القلب ولن تنزعها من عنقها ، ثم بعد ذلك توجهًا مسرعاً لمنزلها، لكي يلتقي بها يريد أن يتحدث معها ويفتح له قلبها فهو لا يتمنى من الدنيا سواها..

بينما بفيلا السعدني.
حمل أسر صينية الطعام وذهب لغرفة نور لكي يطعمها بنفسه ويهتم بها من أجل تحسن حالتها النفسية .
طرق باب غرفتها ثم ولج لداخل وعلى محياة ابتسامته الهادئة، أقترب منها ثم جلس على طرف الفراش ووضع الصينيه على أرجله ونظر لها بحنان قائلا بحنو:
– نور لازم تأكلي عشان صحتك وصحة البيبي ، حرام تجوعي ابننا
أنهى كلماته وهو يبتسم لها لتحدجة بنظراتها الحادة وهتفت قائلة:
– الاهتمام دة عشاني ولا عشان أبنك وبس
أخرج تنهيدة عميقة وتطلع لعيناها ثم همس بصوت دافئ يملئوه المشاعر الصادقة:
– على فكرة حياتك تهمني أكتر من البيبي اللي لسه في علم الغيب ، أنا مش روبرت بلا مشاعر ، أنا عندي قلب وبعرف أحـ س بغيري، صدقيني يا نور أنتي تهميني جدا ، مش عشان علاقتنا كأتنين متجـ وزين فشلنا أننا نحافظ عليها يبقى مابقتيش تهميني ولا تخصيني، المهم دلوقتي لازم تفكري في صحتك وبس وماتشغليش بالك باي تفكير ، وأن كان على وضع الجنين أن شاء الله خير وكلها أرادة ربنا ولازم نرضا بيها
هزت راسها نافية وقالت:
– بس أنا مش هقدر أتحمل يكون ليه ابن أو بنت أشوفها بتتعذب قدامي ، أسر انت اكتر حد هيفهم المشاعر دي، البيبي ده لازم ينزل لازم
ابتعد عنها بغضب ووضع الطعام جانبها أعلى الكومود ثم هم بأن يغادر الغرفة لولا أنها بترت كلماتها الأخيرة جلعته يتسمر مكانه
– أسر في سر لازم تعرفه
دار وجـ هه ونظر إليها بعدم فهم لتهتف هي قائلة بثبات:
– ما سالتش نفسك الطفل ده منك ولا لأ
اتسعت بؤبؤة عيناه بصدمة واكفهرت ملامح وجـ هه لتعود قائلة على مسامعه:
– الحقيقة أن مش قادرة أحـ س بالذنب أكتر من كدة، مش هقدر أخدعك انت ماتستهلش مننا كده ، البيبي لازم ينزل عشان مش ابنك انت يا أسر
اقترب بخطواته كالفهد الذي ينقص على فريسته وأمـ سك بذراعيها يهزهما بقوة وهو يتسأل بصوت غاضب وأنفاسة تلهث بصعوبه كأنه داخل كابوس يريد أن يفيق منه:
– أنتي اتجننتي؟ أنتي سامعه نفسك بتقولي أيه؟
إجابته ببرود:
– لا مش جنان دي للاسف الحقيقة المرة
نظر لاحشائها مكان طفله ثم رفع أنظاره بغضب يرمقها بنظراته وخرج صوته خافت منكسر أثر صدمته:
– لو مش أبني يبق أبن مين؟
ابتسمت بمكر وهدرت قائلة:
– أبن سليم أخوك …

الفصل الثاني والثلاثون
توقف فجأة عن هزها بين ذراعيه وألجمته الصدمة بسبب ما تفوهة به هذه المجنونة،حقًا مجنونة فمن يصدق ما تقوله سيكون بالفعل مجنونًا هو الآخر ، هدر صوته الغاضب :
– أنتي أكيد اتجننتي ، مابقاش فيك عقل بيفكر خلاص
قاطعته بحدة وأنفعال:
– ليك حق ما تصدقش الملاك البريء ، صاحب الوقار اللي لابس قناع الغدر وأول حد بيغدر بيه هو أنت، أخوه اللي من لحمه ودمه ومستكتر عليه تعيش حياة طبيعية وسعيدة معايا
صفعها بقوة ليخرسها ولكن هذا ما جعلها تتاجج كالنيران المشتعلة فعادة تصرخ بوجـ هه ولا تبالي لأفعاله:
– سليم كان يعرفني قبل ما أشوفك ، كان بيحبني وبحبه وأتجوزتك بس عشان أكون جنبه، أنا عمري ما حبيت غيره وكنت يشوفه فيك ، في ملامحك في تفاصيلك، كنت بتمنى اكون مع سليم وبس ، وعشان كدة عمري مااديت نفسي فرصة أحبك يا أسر ، عارف ليه عشان سليم كان بينا ، واقولك اللي حصل بينا حصل أزاي؟
وضع كفيه يصم بها أذنية لا يريد سماعها
ولكن هي لم ترأف بحالته تلك فظلت تضعط على جرحه وهتفت كاذبة:
– كنت بروحله أوضة لم كنت بتاخد الدوا تنام ، ويوم البسين بالليل كنت معاه فاكر اليوم ده
صرخ منفعلا بصوت عالِ غاضبًا وخرج صوته كذئير الاسد الجريح :
-بس كفايا مش عاوز أسمعك تاني، أسكتي بقولك أسكتي
وتجمدت أوصاله وظل مكانه هبط بقدمية أرضاً وظل محاوط كفيه بإذنه وجـ سده يرتجف وعيناة تزرف دمًا يغزو بروحه وصـ دره وظل يهمس بخفوت بعدم تصديق إلا أن أسبلت عيناه وفقد الحراك تمامًا وأرتخت أعصابه وتصلب جـ سده
بالاسفل كانت تجلس بجانب السيدة خديجة وعندما أستمعت لصراخ أسر ، ركضت مسرعة إليه ولحقت بها والدته بخطوات متلهفة، ونبضات قلبها في تسارع تخشى من القادم .
وعندما فتحت ميلانا باب الغرفة تسمرت مكانها بصدمة عندما وجدت أسر متوقعًا على نفسه بأرضية الغرفة وفاقد لوعيه ونور تقف أمامه دون حراك لم تتحرك ساكنة لكي تحاول أنقاظة من تلك الحالة التى هاجمته.
أنسابت دموعها وفاقت من صدمتها وركضت إليه لتحاول إيفاقته واتت خديجة من خلفها تحاول فهم ماذا يحدث …
❈-❈-❈

وقف سراج على أعتاب الباب ثم دق الجرس وهو يحمل بين يـ ديه باقة الزهور ، فتحت له دلال بابتسامة عريضة ترحب به ثم دعت للدخول وسارت جانبه ترشده إلى غرفة الصالون
– اتفضل يا حبيبي ، عمك فاروق بيصلي العشاء وجاي ، تحب تشرب أيه؟
– تسلم ايـ دك يا طنط ، مالوش لازمة تتعبي حضرتك
– تعبك راحة يا سراج، هو هيجيلي اعز منك يا حبيبي ، انت لازم تتعشا معانا الأول ، نخلي الشرب ده لبعدين
شعر بالألفة داخل ذلك المنزل ولمـ س الدفئ والحنان النابع من قلبها ، تمنى لو برا والدته تغدقه بحنانها الذي هو بحاجته فهما كبر الابن فسيظل بحاجة لاحضـ ان والدته ، فهي بئر أسراره ومنبع حنانه ، ياليتها تشعر بأنه حقا يريدها أن تشاركة فرحته فهو لم يشعر بطعم الفرحة بدون وجود عائلته.
بعد لحظات أقترب فارق بخطوات بطيئة يصافحه بود ثم جلس بالمقعد المقابل له:
– شرفتنا ونورتنا يا بني
– ده بنور حضرتك يا عمي
تنحنح ثم أردف قائلا بتوتر:
– عمي أنا متوتر شويا
ضحك فاروق وربت على أرجل سراج قائلا بود:
– ما فيش داعي لتوترك ده يا بني أحنا أهل ، والحجة سناء بلغتني بطلبك وأن كان عليه موافق طبعا عليك انت شاب محترم واصل طيب
قاطعة سراج معتذرًا:
– بعد أذنك يا عمي تسمحلي أفتحلك قلبي وأتكلم معاك بصدق
– أكيد يا بني أتفضل
ابتلع ريقه بتوتر ثم أخرج زفيرا هادىًا وقال:
– الحقيقة أنا مش زي ما حضرتك شايف الوجـ ه الخارجي ده مجرد برواز لتجميل الصورة ، لكن الداخل غير تمامًا
ثم استرسل حديثه قائلا:
– أنا كنت شاب طايش وبعمل كل حاجه وسبق وكان ليه علاقات قبل كده وكنت بتسالي ما أخدتش اي علاقة جد
قاطعه فاروق بتسال:
– حالك أية مع الله يا سراج، لو حالك مع ربنا صالح هتكون زوج صالح في بيتك وهتصون مراتك وتتقي ربنا فيها ، لكن ماناخذنيش يا بني لو أنت لسه على حالك ومافيش رضا وقبول من ربنا ليك فمش هتقدر تتحمل مسؤولية كبيرة زي الزو اج وأنك تصون بنتي وتتقي الله فيها ، خلى بالك يا بني طول ما بتراعي ربنا في حياتك وكل خطوة بتخطوها عارف رايحه فين وهدفها ايه ربنا هيحافظ على أهل بيتك في غيابك، دائن تدان والديان لا يموت يا بني
تنهد بعمق ثم قال بصدق:
– ماكنتش شايف كل ده يا عمي، مافكرتش غير أن أبسط نفسي ونسيت الأهم والأكبر هو رضا ربنا عليه وازاي ربنا شايفني كده، قعدت مع نفسي كتير ولاقيت حياتي غلط ولازم اصلح منها وبدأت بالفعل اصلح علاقتي بربنا في صلاتي ومحتاج لدعم من حضرتك أكمل في طريقي وماتسبش أيـ دي ولا تتخلى عني
هز رأسه نافيا ثم قال:
– لا يا بني ، ثق في كرم ربنا وطول ما باب التوبة موجود ربنا بيقبلك في كل منجاه وصلاه ودعوة طلبتها لا يمكن يرد أيـ دك ، وإذا كان الرب سبحانه وتعالى بيغفر وبيسامح العبد الفقير والضعيف إلى الله مش هيسامح ولا يقبلك في حضـ نه ، أنا معاك وهناخد بأيـ د بعض ،بس أياك الكلام اللي بينا ده حد يعرف بيه وبالأخص فريدة
– ليه يا عمي؟ انا كنت ناوي انهاردة اصارح فريدة بكل اللي جوايا مش عاوز اخبي عليها حاجه ، عاوزها تثق فيه أن ماكدبتش عليها وأن سراج اللي حبها واختارها بقا أنسان تاني
– لا يا سراج غلطان يا بني ، الست مهما كانت مش بتعدي ولا بتفوت الحاجات دي وهتفضل تشك فيك والثقة اللي بينكم هتنعدم يا بني مع اول مشكلة تواجهوها في حياتكم، اصل الحياة مش دايما وردي ، في جانب تاني وهي المسئولية والمشاركة بينكم وان يكون في بينكم مودة ورحمة مش حب وبس لا حب ومودة ورحمه واهتمام ، تقدر تقولي لو صارحتها بكلامك ده مش بعيد اصلا مش تقبل بيك وهتفضل دايما شاكه فيك طول الوقت والحياة بينكم هتكون صعبه وهتضيعوها ما بينكم في مبررات واعذار
-يعني تنصحني بأية دلوقتي يا عمي، أنا بجد بحب فريدة ومش عاوز ازرع الشك جواها من ناحيتي ونفسي جوا زنا يكون ناجح وفي بينا تفاهم في كل حاجه
– يبقى ماتقولش حاجه عن حياتك زمان ، أنسى اللي فات وفكر في اليوم وصلح حالك كله مع ربنا عشان هو دة الباب اللي هتكسب منه سعادة زوجتك واستقرار بيتك ومش بس ترمي الماضي ولا ضهرك ، لا ده انت هتدفنه خالص اللي اندفن لا يمكن ننبش أحنا فيه وتكشف ستره.
أقترب منه يعانقه بسعادة حقيقية ليشدد فاروق على ظهره وقال هامسًا:
– ربنا ينورلك طريقك ويصلح حالك دايما يا بني
بعد لحظات هتف فاروق مناديا لابنته فريدة لكي تجلس مع سراج
استقام واقفًا عندما دلفت فريدة الغرفة ومد يده يصافحها ثم قدم لها باقة الزهور وقال باسمًا:
– الورد عشان الورد
توردت وجنـ تيها بحمرة الخجل ثم التقط منه الباقة وخرج صوتها الخافت قائلة : شكراً
رفع إحدى حاجبية وقال بمشاكسة:
– عفواً
ثم مال عليها قائلا بهمس:
– حمل وديع يا خواتي
ضحكت برقة ولم تعقب على كلماته
عاد سراج قائلا:
– مش واخد انا على الرقة دي يا ديدة
– مين ديدة دا
– أنتي، بدلعك يا قلبي أنا ، أنتي كمان مش هتدلعني
لوت ثغرها بضجر وقالت:
– وهو في راجل بيدلع
ضحك بخفة وأومى برأسه قائلا:
– لم حبيبتي وروحه وقلبه ومراته تدلعه بيكون مسموح عادي في قاموس الرجاله إنهم يدفعوا
– لم بقا أكون مراتك ابق أفكر
– ماشي يا شرس ثم أرسل إليها غمزة من عينيه اليسرى وتطلع لها بحب:
– قولتلك أن بحبك يا فريدة قلبي
هزت راسها وتبسمت قائلة:
– قول تاني كدة
ضحك مجلجلا على مشاكستها فهذه الفتاه سرقت لُب قلبه بعفويتها ومرحها، كما أنها بريئة ورقيقة رغم أنها قطة شرسة ببعض الاحيان وهذا ما جعله مُتم بها عشقًا..
❈-❈-❈
داخل المشفى بـ لندن..
عندما أسترد حياة وعيها تطلعت حولها بذعر بعدما تذكر أخر مشهد مر على ذاكرتها وهو حبسهم بغرفة والنيران تحيط بهما من كل جانب، همست بأسمه
-سليم
لتجده جانبها ممـ سك بكفها يجيبها بلهفة:
– قلبه
ثم رفع كفها وطبع قـ بلة على باطنه بنعومة وهتف قائلا بعدما أسترد أنفاسه وعاد النبض لقلبه يقرع داخله ، دبت الروح بجـ سده ثانيًا بعدما أستفاقت محبوبته وفتحت عيناها على الدنيا ثانيًا.
قبض بقوة على كفه وهمست بخوف :
– أنت بخير
لمعة عيناه بفرحة وأوما بخفة ثم أجابها قائلا ببسمة حانية:
– الحمدلله بخير وزي القرد قدامك
أنهى كلماته بضحكة هادئة ثم عاد يسترسل حديثة قائلا:
– حمدالله على سلامتك يا قلبي ، أنتي حاسة بأية دلوقتي
دلف في ذلك الوقت الطبيب ادم الذي تابع حالتها وعندما وجدها أستعادت وعيها ، علت الابتسامة وجـ هه ودنا منهما قائلا ببسمة الجذابة وهو يتفحص مؤشرات جـ سدها عبر جهاز القلب
– حمدالله على سلامتك
ابتلعت ريقها بتوتر واجابته بهدوء:
– الله يسلمك
عاد بتسال وهو يتفحص ارتفاع معدل الأكسجين في الدم:
– وحاسـ ة بخنقة جوة صـ درك ولا مش موجودة دلوقتي
مازالت تشعر بالاختناق وكأنها لازالت داخل الغرفة المحترقة واجابته:
– الحمدلله ، شعور بسيط بالخنقة
– معدل الأكسجين ارتفع عن الاول بكتير بفضل ربنا وحالتك دلوقتي مستقرة ، بس هتفضلي مشرفانا يومين كمان لم الصحة العامة تستقر
شعر سليم بالغيرة بسبب نظرات إدم الفاحصة لزو جنه وابتسامته التي اتسعت عندما رآها وتحدث معها وهي ترد على تسالاته وكان وجودة أصبح سربًا ، لم يشعر به أحد.
عاد ادم يتطلع لسليم بود ثم قال:
– حمدالله على سلامة المدام ، بكرة تخرج معاك وياريت تطمن أنت كمان على جرح دراعك
بعد أذنكم لو احتاجتوا لاي حاجة بلغوني وهكون عندكم ، الف سلامه
أومأ له برأسه وحدث نفسه :
– دلوقتي خد بالك أنها المدام ، ابتسم لها رغما عنه وبعد أن غادر أدم الغرفة ، خطى خطواته اتجاه محبوبته وعيناه تتطلع لها بشغف ثم مال عليها يهمس بجانب أذنها:
– لطيف دكتور ادم صح
لاحت ابتسامتها وقالت برفق:
– طمني الاول عنك حصلك ايه ؟ واحنا خرجنا إزاي
وعندما وقعت عيناها على ذراعه المحاطة بالشاش وهتغت بفزع:
– سليم مال دراعك؟
– حرق بسيط الحمدلله ربنا قدر ولطف
كادت أن تبكي اقترب منها حاوطها من ذراعه الأيمن وطبع قـ بلة حانية أعلى جبينها وهمس قائلا :
– بخير والله يا حياتي، الحمد لله ربنا نجانا من الموت محروقين
ثم ضحك بصخب وشدد في ضـ مها لصـ دره
وعاد بتسال بغيرة واضحة على تقاسيم وجـ هها :
– أدم مجرد دكتور عالج بابا بس ؟
ابتسمت برقة وقالت:
– لا وكان من تلمذة بابا وهو أنسان محترم
رفع حاجبه وضيق عينيه ثم قال بوجه عابث:
– اللي خلاني طلبته بالاسم أنه هو يعالجك عشان بس مش واثق في اي حد غيرة ، بس ده ما يمنعش أنك تتكلمي عنه بالرقة دي
هتفت بصدمة:
– انا بتكلم عنه برقة
هز راسة بالايجاب وقال بغيظ:
– أنا مش هسمحلك تتكلمي عن أي راجل تاني لا بحلو ولا بوحش يا حياة ، وعلى العموم مضطر أتحملة لحد بكرة وخلاص ، احنا اصلا هنسيب لندن بكرة
-هنروح فين؟
– مش عارف لسه كله هيتحدد بعد مقابلتي للشرطة الفيدرالية ، المهم عندي دلوقتي اطمن عليكي
قالت بتسأل:
– ما قولتليش خرجنا إزاي وايه اللي حصل ؟
همس بحزن وهو يُ قبل وجنتها:
– أنا أسف يا حياة ، عرضت حياتك للخطر بسببي
ربنا على ظهره برفق وقالت هامسة:
– أحنا متفقين هنواجه كل حاجة مع بعض
قص على مسامعها عندما استسلم للموت المحتوم وفجأة أتت كريستينا تنادي باسمه وأنقذتهم من ذلك الحريق المروع واتت بهما الي المشفى وافصحت عن هويتها الحقيقية وأنها تابعة للشرطة الفيدرالية
جحظت عيناها بصدمة وتذكرت حديثه معها وهو يتودد للقاءها فابتعدت عنه وقالت بصوت غاضب:
– كريست البنت الشقرا اللي كل لما تشوفك تقرب منك وتبوسك وتاخدك بالاحضـ ان مش كدة ، ممكن أعرف ايه علاقتك بيها اصلا؟
أبتسم بمراوغة على حديثها الثائر بغضب الغيرة ودنا منها يقرب وجـ هه من وجـ هها واسند جبينه بجبينها ومقلتيه البنيةُ تعانق عشبتها الخضراء وهمس قائلا بصوت دافئ ومشاعر صادقة:
– ولا يفرق معايا مليون واحدة شقرا ولا صفرا حتى، إللي يملئ عيني وقلبي هي حياة واحده وبس ، لا حد دخل القلب قبلها ولا في حد هيدخل بعدها، حياتي أنا وبس
ثم طبع عدة قُ بلات متفرقة على صفيحة وجـ هها يبث لها مدا حبه وشوقه لها فقط، مشاعر صادقة القلب هو المتحكم الرئيسي بهما..
❈-❈-❈
عودة إلى القاهرة
داخل المشفى الخاص بوالده ..
كان جـ سده مُمد على فراش المشفى الابيض وهو بعالم أخر لن يشعر بمن حوله، فقد كانت والدته وزو جته بالقرب من فراشه وعينيهم تزرف الدموع بصمت قاتل لمشاعرهم ، لا أحد يعلم بالذي حدث بينه هو وزو جته جعله يدخل بذلك الانهيار ، فقد كان بحالة يرثي لها بعدما هاجمته نوبة صرع قاتلة تكاد تودي بحياته ولولا أن لحقه الأطباء وتم إسعافه بالوقت المناسب ولم يفتح عيناه بعدها لأن تعرضت أعصابه لانهيار عصبي حاد ولا يستطيع أحد إخراجه من تلك الحالة سوا أن يخضع للمهدئات في الوقت الحالي ولابد من طبيب نفسي يتفقد حالته ويحاول معرفة سبب ذلك الانهيار..
أما عن نور فشعرت بالتعب يحتاج احشائها بقوة وعندما لحقت بهم للمشفى صرخت مستغيثة بالألم التي تشعر به وتم فحصها ونقله لغرفة العمليات على الفور فقد تعرضت لنزيف حاد وتوفي الجنين داخل رحمها ، والان يجب أن تخضع لعملية الإجهاض والخلاص من الجنين.
وهي من وقعت بنفسها على أوراق أجراء تلك العملية …
إن الكره ليرتجف أمام الحبّ، وإن الحقد ليهتز أمام التسامح، وإن القسوة لترتعش أمام الرقة واللّين. إذا استسلمت للحقد والكراهية فسوف تهزم وتنتهي، سوف تهزم كإنسان، وسوف تنتهي كقضية.
❈-❈-❈

الفصل الثالث والثلاثون..

أشعل الفتيل داخل قلبه وهو الآن لا حول له ولا قوة من أمره، ممد على الفراش جـ سدًا بلا روح، طعنته بخنجرًا مسموم في رجولته عندما أدعت عشقها لشقيقه،وأنها أتمت الزو اج منه فقط من أجل أن تظل أمام حبيبها ، كما أنها شوهة سمعة شقيقة الأكبر ، سنده في الحياة، الرفيق والصديق والاخ والاب، كيف عليه أن يتحمل كلماتها القاسية ولسانها اللازع والتهم البشعة التي أتهمت بها شقيقه الذي يعلمه جيدًا ويعلم أخلاقه ومن المستحيل أن ينظر لزو جته،كيف صور لها شيطانها بفعل ذلك، بسبب حقدها وكرهه لما فعله سليم بها تنتقم منهما بأشد الانتقام وتسول لها نفسها باتهامه بالباطل لكي تهدم حصون الترابط بين الإخوة ويصبحون بعد ذلك أعداء ، يا لها من خطة خبيثة ..

داخل غرفة العمليات لن ينجح الطبيب في السيطرة على النزيف بعدما أجهضت الجنين وليس بيده فعل شيء إلا أن يخبرهما بأنها يجب الخضوع لعملية إستىصال للرحم ، محاولة أخيرة بالنجاة بالام التي خسرت جنينها ولكن حياتها الان أهم
غادر الطبيب غرفة العمليات بأسف على حال تلك الشابة الصغيرة التي في مقتبل العمر وستفقد رحمها ، المكان الخاص بتكوين قطعة مصغرة تشبهها ، ولن تتحمل أي فتاة خسارة أمومتها ولكن هذا هو الحل الوحيد لإنقاذها ..
لم يجد الطبيب إلا السيدة خديجة ليتحدث معها واخبرها بما سوف يتم الآن داخل غرفة العمليات لإنقاذ حياة نور ، لم تجد خديجة إلا أن توقع على إقرار العملية الخاصة بنور ، لأن أسر بحالة يرثى لها وحياة تلك المسكينة بخطر، وقعت على الأوراق ودموعها تنهمر كالشلال وتنظر لابنها الراقد بفراشه بحزن واسف فالطفل الذي كان يتمناه لم يعد وحزينة على نور فهي فتاة صغيرة وسوف تفقد رحمها أيضا ،كما أنها تعلم بأن حياتها مع أسر كزوج وزوجه أصبحت مستحيلة فهو كان باقي عليها من أجل الطفل القادم فقط ، ولا تعلم ما سبب الشجار الأخير الذي قام بينهما ليرقدون الآن داخل المشفى كل منهما بعالمه الخاص ..
ولجت لغرفة أسر بعدما كفكفت دموعها ووجدت ميلانا جالسة بجواره تمـ سك بكفه ثم رفع مقلتيها لتلتقي بعينين خديجة الحزينتين على ما أودت بهم الأمور، تركت يـ د أسر ونهضت عن المقعد سارت بخطواتها لتقف أمام السيدة خديجة وهي تهتف بقلق:
– شو في يا إمي؟ أسر بيه شي ء؟
هزت راسها بالنفي وخرجت صوتها بحزن :
– نور فقدت الحمل ودلوقتي في العمليات هتشيل الرحم عشان يقدروا ينفذوا حياتها
شهقت بصدمة ووضعت كفها على فمها فهي لن تتمنى أن يصيب نور كل تلك الآلام وخاصة بأنها فتاة مثلها ، غمرها الحزن بسبب ما تواجهه نور الان ، يا ليتها تملك شيئا لتفعله لتلك الفتاة.
بينما في تلك اللحظة فتح أسر عينيه بوهن بعدما شعر بألام متفرقة تضرب بجـ سده وصداع قوي يفتك برأسه ، اغمض عيناه ثانياً فلم يطيق النظر إلى الإضاءة فخرج صوته غاضبًا
– أقفلوا النور ده
أسرعت ميلانا تغلق أضاءة الغرفة واقتربت منه والدته تمـ سد على وجـ هه بحنو ثم قالت:
-عامل أية يا حبيبي
أجابها بهدوء عكس ما يشعر داخله من صراع قوي يكاد يفقده عقله وثوابه:
– أنا بخير ما تقلقيش عليا يا ماما
رددت بارتياح:
– الف حمد وشكر إليك يا رب
تقدمت ميلانا تتطلع له بحب وقالت باسمة:
– شو عملت فينا يا قبضاي، أنتزع قلبنا
حاول جاهدًا رسم أبتسامته التى خرجت بصعوبة واجابها قائلا:
– بعد الشر عنكم ، اخرج تنهيدة حارقة من بين أضلعه ثم أردف قائلا:
– أنا بخير ومتعود على النوبات الصعبة دي
نكست برأسها أرضًا واخفت حزنها عنه أما والدته فلم تنبس بكلمة فيكفي عليه ما يشعر به ولا تريد أحزانه
تبادلات النظرات بينها وبين ميلانا بصمت منما لاحظ أسر الأمر يبدو مريبًا له ، لا يعلم إذا كانوا أستمعوا للشجار الذي قام بينه هو ونور أم لا ، ولكن هتف بفضول لمعرفة ما سبب توترهما بذلك الشيء الملحوظ:
– في أية يا ماما ؟ في حاجة حضرتك عاوزة تقوليها ؟ اتكلمي عادي أنا كويس واقدر اتحمل ما تخفيش
هتفت بتوتر وسردت عليه ما حدث لزو جته داخل غرفة العمليات وهي الآن ستخضع لعملية أخرى وسيتم إستىصال الرحم.
استقبل الخبر بجمود تام ونهض عن الفراش وهو يهتف بجدية :
– أنا عاوز أروح البيت مش هفضل في المستشفى اكتر من كدة
جحظت عين والدته وهتفت ميلانا بتسال:
– كيف فينا نسيب نور هلا
هتف بلامبالاة وكأن الأمر لا يعنيه بشئ:
– عاوزين تضلوا جنبها ضلوا ، أنا لأ
استقام واقفًا وارتدا ثيابه تحت نظرات والدته القاتمة فلم تصدق ما يفعله ابنها وزو جته في ذلك الوضع ويتركها ولم يهتم بها بظروفها تلك..
هتفت خديجة بقلة حيلة:
– روحي يا حبيبتي مع زو جك وانا هفضل جنب نور لم اطمن عليها
انصاعت ميلانا لحديث خديجة وبالفعل غادرت المشفى برفقة أسر عائدين إلى الفيلا وكل منهما شاردًا بملكوته الخاص..

❈-❈-❈
بـ لندن ..
تماثلت حياة الشفاء وغادرت المشفى بعدما شكر سليم أدم على كل ما فعله من أجلهم ، واتت “كريستينا” تصطحبهما بسيارتها الخاصة متوجهين بها إلى مركز الشرطة الفيدرالية أولاً ليخبرهما سليم بما حدث معه وتم اختطافه هو وزو جته من قبل زعيم المنظمة الدولية التي تورط بها والده سابقًا ، كما أن حياة سوف تخترق حساب سليم الخاص الذي كان يضع الملف مشفرًا على جهازه الحاسوب ونجحت في أختراقه ثانياً
كان ينظر لها منبهرًا وهو يراها تفعل ذلك بثقة عالية وفي غضون دقائق كانت تنسخ الملفات الخاصة بالصفقات التي تمت خلال الأعوام الماضية وكل المعلومات الخاصة بالمنظمة وأفرادها ، فقد كانت تضم العديد من الأسماء المشهورة من رجال الأعمال ورجال الدولة ،مافيا تجارة السلاح وتجارة سرقة الاعضاء أيضا ..
وبعد إنتهاء عملهما بالشرطة غادروا برفقة فريق حماية مشددة من الشرطة الفيدرالية وقرر سليم أن يقضي اليوم فقط باحدي الفنادق وفي الصباح سيتوجها إلى مطار لندن للسفر إلى المملكة العربية السعودية كما وعد والد حياة من قبل بأنه سيصطحب حياة بنفسه والتوجه إلى مكة المكرمة لأداء مناسك العمرة، لكي يتم شفاءها تمامًا من السحر الذي فعلته لها زو جة عمها..
عندما وصلا الفندق الان تنهد الصعداء فقد شعر بأن الجبال التي كانت على عاتقه انزاحت تمامًا وتبدل مكانها طمئنينه وسعادة بوجود زو جته التي لم تترك يـ داه كما تواعدًا بأن يظلان متماسكان مترابطان في السراء والضراء في الحزن قبل الفرح ، تواعدًا بألا يتفرقًا..
تتطلع لها سليم بحب وداخله يردد :
أتساءل في نفسي كيف لي أن أواجه صعوبات الحياة بمفردي، ولكن عندما تكون يـ دي بيـ دك أشعر بقوّة لا يمكن لإنسان أن يتخيّلها، أشعر وكأنّني قادرٌ على السّيطرة على كلّ العالم بوجودك معي
أما حياة فقد كانت تعانقه بعشبتيها الصافية وتبث له مشاعرها التي يعجز بها اللسان عن وصفها:
لغة العيون تصل أقرب للقلب، فعناق العينين ابلغ كثيراً من الكلمات
فالعين هي مرآة الروح وعندما يعجز اللسان عن البوح تتحدث العيون بمشاعر أبلغ من الكلام .
تبسم سليم وهمس ليقطع الصمت والسكون الذي حل بالمكان:
– طب أية؟
هزت كتفيها وردت:
– أية ..!؟
جذبها إليه بخفه لترطم بجـ سده وحاوط خصرها بذراعة الأيمن يقربها منه أكثر ثم مال بشـ فتيه يلتقط شـ فتيها في قُـ بلة عميقة ورفع ذراعه ليفك حجابها وتسلل بأنامله بين خصلاتها الحريرية يجذبها إليه لتلتصق أرواحهما كما التصقت أجـ ساهم ولغة العشق هي التي تقودهما لعالمهما الخاص بعيدًا عن كل ما مَرون به من صعاب…

❈-❈-❈

بعدما وصلا الفيلا، ترجلا مسرعًا من السيارة وسار بخطوات واسعة اشبه بالركض، وعندما ولج لداخل الفيلا صعد الدرج مهرولا إلى الجناح الخاص بـ “نور ”
تحت نظرات “ميلانا” المندهشة صعدت خلفه تريد فهم ما يحدث له وعندما فتحت باب الغرفة علت الدهشة محياها وفرغت فاها بصدمة
فقد كان يصرخ بأنهيار ويبعثر كل ما طالته يـ ده ودموعه تنهمر دون توقف
اقتربت منه بقلق وامـ سكت بذراعه لكي لا يؤذي نفسه، تهربت نظراته واشاح بوجـ هه للجهة الأخرى، همست ميلانا بتسأل :
– شو فيك أسر، ما راح تحاكيني على جواك
تنهد بحرقة وقال بصوت ملتاع:
– أه يا ميلانا أه
ضـ مته لصـ درها كالطفل الصغير وهو دفن وجـ هه بأحضـ انها الدافئة الآمنة، حصنه الذي يحتمي به بعد كل العثرات التي يواجهها، مـ سدت على وجـ نته برفق وقالت بصوت هامس:
– أنا معك وراح أضل معك ، بس فيك تجاوبني شو فيك وليه موجوع ها القد؟
ازاح رأسه عن جـ سدها واستقام واقفًا ثم تجاهل حديثها وأسرع إلى خزانة الملابس الخاصة بـ نور اخرج ثيابها والقاه ارضًا وهتف مناديا بصوت جلي الخادمة لكي تصعد إليه وبعد ذلك أخبرها بطي الثياب داخل حقيبة وترسلهم مع السائق إلى فيلة “شاكر بدراوي” واي شيء متعلق بـ نور، لا يريد أن يرا شيء خاص بها بعد الآن.
تسمرت ميلانا مكانها وهي تنظر له بحزن ولن تستطيع أن تخفف عنه، وماذا تفعل من أجله.
عاد أسر إليها تطلع لها بمقلتي حزينين ثم القى بنفسه داخل أحضـ انه لتحتويه هي بين ذراعيها وفضلت ان تصمت ولا تلح عليه بالتسالات سوف تتركه ليهدئ وسوف يأتي هو ويتحدث معها عندما يحتاج لذلك.
همست بصوتها الرقيق قائلة:
– راح اتركك تهدأ بالأول، بس بدي إياك تعرف إن موجوده وراح أسمعك بأي وقت
شدد في عناقها وقال بصوت منكسر:
– اللي جوايا صعب يخرج، مافيش أي كلام ينفع يتقال بعد اللي عرفته
-شو اللي عرفته قلب حالك هيك؟
-مش قادر أتكلم يا ميلو مش قادر
رتبت على ظهـ ره برفق وأؤمت براسها بأنها تفهمه ولن تحاصره التساؤلات..

عودة إلى المشفى
بعد عدة ساعات من أجراء العملية غادرت نور غرفة العمليات ومكثت بغرفة عادية، ظلت خديجة بجوارها إلى أن تفيق وتطمئن على صحتها ثم تغادر بها إلى الفيلا لتكمل علاجها وتظل تحت راعيتها، فلن تتركها بتلك الظروف، كما أن عقلها شاردًا بسبب تصرفات أسر الأخيرة، وأثناء تفكيرها شهقت بصدمة خوفًا من أن تكون نور قد أفشت الماضي إلى أسر وهذا ما جعله على تلك الحاله
في ذلك الوقت فتحت نور عينيها بوهن وتطلعت حولها لتعلم أين هي، تذكرت عندما أخبرها الطبيب بأن الجنين لم يعد قلبه ينبض وعليها اجهاضه الان ووقعت ذلك الإقرار بنفسها، وضعت كفيها تحتضن بهما أحشائها وأنسابت دمعة هاربة وهي تعلم بأنها فعلت ما كانت تريده، فلم تكن تتحمل رؤية صغيرها يعاني الصرع طوال حياته وهي تقف أمامه عاجزه عن علاجه.
ربتت خديجة على كتفها مواسية اياها :
-حمدلله على سلامتك يا بنتي، قدر الله وما شاء فعل
أيماءة بسيطة فعلتها دون أن تنبس شـ فتيها بكلمة فقد كانت خجلة من فعلتها ولم ترف لها عينيها بعدما رأت انيهار أسر التام أمامها وهاجمة نوبة صرعيه كاد ان يفقد حياته على أثرها.
شعرت بألم حاد يضرب بأحشائها وظلت تتلوي وهي تصرخ متألمة، خرجت خديجة من غرفتها مستغيثة الطبيب الذي آت إليها على الفور وأمر نور بالهدوء وانه ألم طبيعي بعد أجراء العملية ثم أمر الممرضة اعطاءها أبرة مسكن ووقف بجانب نور يخبرها بما جرا داخل غرفة العمليات..
لم تستوعب ما يقوله ظلت تصرخ بأعلى طبقات صوتها لم تصدق بأنها أصبحت عاقر لم تنجب ثانيًا، فقدت أمومتها للأبد، يا ليتها فقدة حياتها كان اهون عليها منما هي تعيشه الان من لحظات صعبة لم يبلغها أي كلام، لحظات قاسية تمر بها أي سيدة عندما تفقد أنوثتها ومعالم الحياة بالنسبة إليها، خسارتها الفادحة التي لن ولم تعوض
اشفقت السيدة خديجة على حالتها وظلت تواسيها ببعض الكلمات، حزينه على ما تشعر به وتمر به، وغرزت الممرضة أبرة المهدئ وبعد لحظات من الصراخ المتواصل هدا فجأة واسبلت عينيها بسكون هادئ ..
❈-❈-❈

في المساء بمنزل الجدة سناء
صدح صوت رنين جرس الباب، نهض سراج من جانب جدته بعدما تطلع لساعه يـ ده التي تدق الحادية عشر مساءً
– مين هيجي دلوقتي
هتفت سناء بقلق:
– خير اللهم اجعله خير، أفتح يا بني شوف مين؟
اسرع سراج في خطواته يفتح باب الشقة لتتسع عيناه بجحوظ أثر المفاجأة التي لم يصدقها
ضحك مراد والده على هيئته وفرد ذراعه على كتف زو جته وهو يقول :
– واضح انها مفاجأة غير ساره يا روكا، ايه يا بني نرجع مكان ما جينا
تركت رقيه ذراع زو جها واقتربت من ابنها تعانقه بقوه وتخبره بمدا أشتياقها له ولن تتركه وحيدًا بعد أن، تعلم انها قصرت في واجباتها اتجاهه ولكن لم يبقى في العمر اكثر من الأعوام التي مضت وعليها ان تستقر ببلدتها بجانب والدتها وابنها وان ترا صغيرها وهو يأسس أسرته بنفسه وتنتظر رؤية احفادها، فالمال لا يعوض لحظات الحرمان الذي قضاها ابنهما وهو بحاجة لوجود والديه بكل تفاصيل حياته..

“أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً”.. هي حقا مقولة رائعة يؤمن بها عدد لا بأس به من البشر .. ولعل من يأتي متأخراً يصل قبل من حضر باكراً.. ما زال هناك أمل ..نعم سيظل هناك أمل ..بما أن أنفاسك لم تنقطع وحياتك لم تنتهي..فهناك أمل ..فكرة أن يكون لك وجود.. فكرة أن تحقق حلمك يوما ما حتى وإن تقدم بك العمر ، فقط عليك بالإستمرار في البحث عن الذات لا تتوقف إلا إذا توقفت انفاسك. فكل دقيقة لا تضيف إلى وجودك، فإنها تحط من قدرك.

الفصل الرابع والثلاثون
“الأخيرة”
هبطت الطائرة في مطار “جدة” ومن ثم استقلوا الحافلة التي ستقلهم إلى “مكة المكرمة” مع الفوج السياحي الذاهب لأداء مناسك العمرة.
وعندما وصلت إلى الأراضي المقدسة.
غمرتها السعادة وهي تخطو خطواتها على تلك الأرض المباركة ، خير بقاع الأرض،فكانت البقعة التي بُنِيَ عليها البيت، وأن يختار له أشرفَ البلدان، فكانت مكة المكرمة؛ لذا هي أشرف البلدان وأكرمها؛ لاحتوائها على بيت الله الحرام، ومن ثَمَّ كانت مكةُ (البلد الحرام) خيرَ البقاع وأحبَّها إلى الله تعالى، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك عدة أحاديث منها:
عن ابن عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قال: قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَكَّةَ: (مَا أَطْيَبَكِ من بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إليَّ! وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ؛ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ)

جرت عادة البشر أنهم إذا كان لديهم شيء ثمين ونفيس، فأرادوا حفظه، فإنهم يختارون له أولاً أفضلَ الأوعية وأحسَنَها لاحتوائه، ثم يختارون له أفضل الأماكن وآمنَها لحفظه وصيانته، ويحتاطون له ما لا يحتاطون لغيره، وهذا واقع مُمارس من أنفسنا، ومُشاهد من غيرنا.

فما الظن ببيت نَسَبَه الله تعالى إلى نفسه الشريفة، وجَعَلَه مباركاً وهدى للعالمين، وخصَّه دون غيره بأن ضمَّنه من أحجار الجنة حجرين؛ الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وجَعَلَه قِبلةً لعباده المؤمنين في صلاتهم، وجَعَلَه مقصداً لشعيرة من أعظم الشعائر، وهي شعيرة الحج.

لفحتها نسمات الهواء العليل ، أقشعر جـ سدها بالروحنيات التي طغت على المكان، شعور بالراحة والهدوء والسكينة والطمأنينة التي تسكن الروح وتطمئن النفس، أنشرح صـ درها عندما رأت البيت الحرام ، أحتاج جـ سدها قشعريرة طفيفة من رهبة تلك البقعة المباركة أحب أرض الله إلى الله .
أنسابت دموعها من عظمة الخالق سبحانه وظلت عينيها متعلقة بالكعبة الشريفة، نست نفسها وكل ما مرت به من معاناة ، لا تسمع ولا تنطق بكلمة ، فقط تنظر لجمالها الأخذ للعيون، تنهمر دموعها دون توقف لا تعلم بماذا تتفوه ، لسانها عاجز عن البوح، غمرتها السعادة والطمأنينة بقربها لذلك المكان.
أما عن سليم فلم تقل رهبته عن رهبة حياة ، فتلك هي المرة الأولى التي يأتي بها إلى البيت الحرام ويؤدي مناسك العمرة ، أنسابت دموع الخزي أنها لم يأتي قبل ذلك، شعور بالحزن على ما اقترفه والده من ذنب، ظل لسانه يردد بألحاح وأستغفار بأن ربه يقبل توبة والده ، ظل يناجيه ويلح عليه بالدعاء بأن يغفر لوالده كل ما اقترفه بحق الأبرياء الذين كانوا يُعالجون بالمشفى الخاص به تحت رحمته وأفعاله المشبوهة مع تلك المافيا.
كما أنه لم ينسى شقيقه من الدعاء له بالشفاء وأن يقر عينيه برؤية قطعة مصغرة منه وتشبه بملامحه الهادئه ، وتكمل به سعادة شقيقه.

❈-❈-❈
بالقاهرة ..
داخل المشفى بعدما استردت “نور” وعيها وعلمت بكل ما حدث لها، لم تجد سوا خديجه هي التي ترافقها ، أنسابت دموعها وهمست قائلة بانكسار:
– كل اللي حصلي أنا السبب فيه
تطلعت لها خديجة دون أن تتفوه بكلمة
أردفت نور قائلة بحزن دفين:
– أنا تمنيت الطفل ينزل لم عرفت أن ممكن يكون ورث الصرع من أسر، غصب عني ماكنتش هقدر أتحمل، لكن ما اتمنيتش أيدا أن استئصال الرحم ، زرفت الدموع وعادت تهتف بأسي:
– أنا كدبت على أسر ، وأوهمته أن الطفل مش منه
شهقت خديجة بصدمة وهتفت بحزن:
– أوعي تكوني شككتيه في أخوه
نكست برأسها أرضًا وهتفت قائلة بانفعال:
– سليم أذاني كتير وكنت حابه انتقم منه ، هو اللي تخلى عني قبل كده بعد ما علقني بيه ، قبل جو ازي من أسر اتمنيت يصلح غلطته ونتـ جوز هو رفضني، أتجـ وزت أسر بس عشان أكون جنب سليم ، هو اللي دمر حياتي كلها ، ماعرفتش أشوف أسر ولا أحبه في وجود سليم؛ وكمان هو السبب في وفاة جدو ، هو دمر حياتي وحبيت أدمره زي ما دمرني
هزت راسها بأسى وهتفت قائلة:
– منك لله ، كنت بحاول اداري عمايلك السودة عشان خاطر ولادي ما يعدوش بغض، شوفت منك كتير واتحملت تصرفاتك أكتر وكنت بقول معلش هي وحيده دلوقتي مالهاش حد، اعتبريها بنتك يا خديجه ، اقفي جنبها وفي ضهرها ، جيت على ابني كتير عشان خاطرك ، لكن يا خسارة كنت غلطانه، هو ده جزات المعروف يا نور ، مش هقول غير كفاية اللي انتي فيه
وتركت خديجة الغرفة بقلب مكلوم وعيناها تزرف الدموع بصمت يقتل روحها على ما أصاب أبنها ، تخشى بأن يكون قد صدقت زو حته في الكذب والافتراء على شقيقه الأكبر ، وضعت كفها مكان قلبها الذي ينبض بصخب وكأنه سيخرج من بين أضلعها تخشى القادم .
أما عن نور فظلت وحيدة ، حطام أنثى بعد ما جنت ما زرعته من حقد وكره ، وقررت ترك المشفى والعودة إلى فيلا جدها ، هذا ملجاءها الأخير الذي ستحتمي بجدرانه المتبقي من عمرها ..

عندما وصلت خديجة الفيلا هرولت مسرعة لغرفة “أسر ” تتفقده بعدما قصت الخادمة ما حدث قبل ساعات ، طرقت باب الغرفة ودلفت على الفور
وجدته ممدد بفراشه يبكي بصمت وزو جته بجواره تمـ سد على ذراعه بحنو ولا تعلم ما سبب حزنه الصامت والقاتل لروحه، أما عن خديجة فقد علمت الان سبب ما يحدث لصغيرها ، أقتربت منه بقلب منفطر وهمست بجانب أذنه قائلة بحنو:
– لو كنت مصدق “نور” في اللي قالته مش هدافع عن اخوك ، هحـ س بالقهرة وأقول يا خسارة تربيتي فيكم يا ولادي
انتفض بذعر من فراشه وصوب أنظاره على والدته وهو يهتف بتسأل:
– حضرتك كنتي تعرفي أن في بينهم
قاطعته بحسم:
– اسكت .. أنت أزاي تفكر في اخوك كده، أخوك اللي ضحى بعمره كله عشانك وعشان يشوف بس الفرحة في عينيك، سليم مستعد يديك عمره كله ، أزاي يفكر في مراتك ، سليم قالي فعلا شافها في اخر سفرية قبل الحادثه ومافيش بينهم حاجه من ناحية اخوك ، لكن هي اتعلقت بيه وحبته هو مالوش ذنب وعشان كده مش عرفك بحاجه عشان شافك بتحبها ، نور بنفسها حكتلي كل حاجه دلوقتي ، هي حاولت تنتقم من سليم عشان مفكرة أن هو تخلى عنها وعشان هو السبب في موت جدها، لكن جدها مات لم تراكمت عليه الديون وسليم مش ساعده ، اخوك مالوش ذنب في كل اللي بيحصل
صرخ منفعلا:
– وأنا عارف ومتأكد أن سليم ماقربش منها ، لكن موجوع أن كنت مغفل ، كنت اتمنى اخويا مايخبيش عليه حاجه حصلت زمان ويسبني انا أقرر أكمل مع نور ولا لا ، ماكناش وصلنا للنقطة دي يا أمي، وعارف أن حملها مني انا وكان ضعيف وعشان كده نزل، والحمدلله أن نزل ، عشان ده اللي كان رابطني بيها وهتصل بالمحامي يخلص كل إجراءات الطلاق
ربنا على كتفه برفق :
– أنت وأخوك هتفضلوا سند لبعض العمر كله ، أوع تظلمه يا أسر أو تيجي عليه يا بني ، سليم ده ابوك وأخوك ومالوش غيرك يا حبيبي ، أوع حد يدخل بينكم ويهد علاقتكم الاخ يا حبيبي ما يتعوضش
أرتمى باحضـ ان والدته وظل يبكي بحرقة وهمس بحزن:
– تعبان أوي يا أمي
ظلت تمـ سد على ظهره برفق وقالت:
– كل حزن الدنيا كله يهون يا حبيبي مدام كلنا ايـ د واحده وماحدش يقدر يبعدنا عن بعض مهما كان مين

“إن أخاك من يسعى معك ومَن يَضر نفسه لينفعك، ومَن إذا ريب الزمان صدعك، شتت فيك شمله ليجمعك”
“يبقى الأخ أمن لا يشوبه خوف وسند لا يميل ولا يهتز، وحب لا يخيب. الاخ سند عظيم، قوة وضلع ثابت لا يميل. قيل في حب الأخ هو ذلك الجبل الذي أُسند عليه نفسي عند الشدائد، وكيف لا أحبه ورب الكون قال فيه “سنشد عضدك بأخيك”.

❈-❈-❈
بمنزل فاروق ..
عمت الفرحة بالمنزل وتعالت أصوات الزغاريد ، فرحًا بخطبة فريدة وسراج ، فاليوم قراءة الفاتحة وتم تحديد موعد الخطبة عندما يعود سليم وحياة من الخارج..
شعر فاروق بالسعادة من أجل سعادة بناته فهو لن يتمنى أكثر من ذلك ، وعندما كان منشغلا بالحديث مع والد سراج أتاه اتصالاً هاتفياً من شقيقه.
انقبض قلبه ونهض عن مقعده ، سار بخطوات مضطربه وولج لداخل غرفته ثم اغلق الباب خلفه واجاب على شقيقه بلهفة:
– سلام عليكم يا حج شريف
أتاه صوته منكسرًا خجلاً من تصرفاته معه
– وعليكم السلام يا اخويا
استشعر الحزن والانكسار بنبرة صوت شقيقه فهتف متسائلا بقلق:
– خير يا أخويا مال صوتك؟
زفر انفاسه بضيق ثم قال:
– سامحني يا فاروق، حقك عليا ،انا جيت عليك كتير يا اخويا ثم انهمرت دموعه وقال بصوت متألم:
– ام طارق صابها المرض الوحش وبقالها شهر راقدة في السرير ، ومافيش في أمل في علاجها ، الدكاترة كلهم قالوا هي في أخر أيامها ، وهي عرفتني بكل اللي عملته في حق بنتك ، خلى حياة تسامحها وام حياة تسامحها ، وانت حقك على راسي يا حبيبي ، ومن يوم سفر طارق وأحمد البيت فضي علينا والمرض صابها ومابقاش لينا حد ، كنت عشمان تيجي عاوز اشوفك واديك ورثك وكل حقوقك بشرع ربنا ، انا ياما ظلمتك وانت كنت مسامح ، عاوز أوجه رب كريم وان خفيف ، الدنيا دي كلها ماتستهلش أن الاخوات تقطع في بعضها عشان ورث وفلوس ، كله رايح وفاني ولن يبقى إلا وجهه ربنا
زرفت دمعة هاربة من عين فاروق تأثرًا بحديث شقيقه وهتف قائلا بحب:
– مافيش بين الأخوات زعل ولا عتاب يا اخويا، ربنا يقوملك مراتك بالسلامه ،وأنا أن شاء الله هكون عندك ، وماتشلش هم ام حياة وحياة أحنا أهل والمسامح كريم ، ربنا يديمك في حياتي
هكذا أفصح وأعفا فاروق عن أذية شقيقه وزو جته له ولابنته فيبقي شقيقه مهما حدث فالقدر لا يغير شيئا.

” الحياة أقصر من أن نقضيها في تسجيل الأخطاء التي يرتكبها غيرنا في حقنا أو في تغذية روح العداء بين الناس”
العائلة هي اللفظة التي لا يمكن للإنسان أن يحيا سويًا من دونها ولا يمكنه أن يعيش إلا في أحضـ انها مهما تظاهر بغير ذلك، لهذا فإن خير ما يفعله الإنسان مع عائلته هو أن يسامحهم ويعفو عنهم ويصفح عن أخطائهم، فالعتاب لا يجر معه سوى الضغائن والأحقاد.

عاد فاروق بعدما اغلق الهاتف مع شقيقه وظل يتطلع لأفراد عائلته بحب ، وتنفس الصعداء .
أما عن سراج فقد كان يرمق فريدة بنظرات عاشق ولهان ، يشعر بسعادة لا توصف بوجود عائلته جانبه في تلك اللحظة كما تنمى وحصل على مبتغاه من الحب الذي سكن فؤاده، كما وعد والدها بأنه سيكون جديرًا بابنته ولن يعود لطريق النزوات ثانياً فقد توج قلبه بِحُبها ولن يخسرها بعدما حصل بالاخير عليها..
وتتطلع له فريدة بخجل كما أنه عشق خجلها وابتسامتها الرقيقه التي تظهر عن غمزاتها المحببة لقلبه فتلك الفتاة تصيبه بالجنون كلما تعلقت عيناه بعينيها وتاه في ملامحها يود لو يفر بها هاربًا من حصار العائلتين والبوح له بمشاعره الدفينة ويتمنى أن يكسب ثقتها ويكون لها الامان والكتف التي تستند عليَّ ، ولكن العيون محاطة بهما من كل جانب، كان يختلس بعض النظرات العاشقة في صمت تام، عيناه تفضحه فالعين لغة القلب ومرآة الروح ، تفصح عن كل ما يخفيه القلب بالداخل ..

بعد مرور شهرًا
انقضى منه أسبوعين داخل الحرم المكي والاسبوعين الآخرين بالمدينة المنورة، فقد كانت زيارة لن تنسى ، كانُ يقضون يومهم داخل الحرم المكي ولن يعودون للفندق إلا لنوم بضع ساعات فقط ثم يعاودن استكمال ما بدءو من طقوس رحلتهم المقدسة داخل الحرم المكي وبعد إنتهاء مناسك العمرة ، توجهوا إلى المدينة المنورة لزيارة البيت النبوي الشريف والصلاة في الروضة الشريفة أو الروضة المباركة، هي موضع في المسجد النبوي واقع بين المنبر وحجرة النبي محمد بن عبد الله ﷺ. ومن فضلها عند المسلمين ما قاله النبي محمد: « ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي ».
وزيارة الحجرة النبوية الشريفة، وتسمى أيضا المقصورة الشريفة، هي حجرة السيدة عائشة بنت أبي بكر التي كانت تسكنها مع الرسول محمد، وهي التي دُفِن فيها بعد وفاته. ثم دفن فيها بعد ذلك أبو بكر الصديق وكان قد أوصى عائشة أن يدفن إلى جانب رفيقه محمد بن عبد الله، فلما توفي حفر لهُ وجعل رأسه عند كتفي محمد بن عبد الله، ودُفن أيضا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأصبحت تلك الحجرة هي قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ورفاقه ابي بكر وعمر…
روحانيات المدينة ونفحاتها الطيبة التي ابكت حياة عندما أت موعد رحيلهم عن تلك البقعة المباركة ، وازداد نحيبها فهي لا تريد تركها بعد ما قضته من أيام لا تنسى.
وعدها سليم بتكرار تلك الزيارة كل عام ، وودعوا المسجد النبوي الشريف وتوجهون إلى الحافلة لتعود بهم إلى جدة ومن ثم يستقلون الطائرة العائدة إلى القاهرة..
❈-❈-❈

أما عن أسر فقد تم تطليق نور رسميًا وأرسل لها مستحقاتها وقرر أن يطوي صفحتها ويفكر في حياته مع زو جته ميلانا فقط، يكفي ما مر به من حزن ، وعاد يباشر عمله بالشركة مع صديقه سراج ريثما يعود سليم .
وفي ذلك الوقت كان سليم أخبرهم بأنه تم شفاءه واصطحب زوجته لأداء مناسك العمرة ولكن رفض الإفصاح عن ما حدث ب لندن ومازال على وعده لا يريد بأن يفشي سر والده ويفضحه بعد مامته وخلال ساعات سيكون أمام والدته.

لم تصدق خديجة فرحتها بأن ابنها تماثل الشفاء وقررت بأن تستقبلهما بحفل بسيط وساعدتها ميلانا في ترتيب ذلك الحفل بحديقة الفيلا ،كما أن تم أخبار عائلة حياة وعائلة سراج لكي يشاركونهم الاحتفال بعودة العروسان وشفاء سليم ..
وتم تزين الحديقة خصيصًا بالإضاءة الخافتة وزينت الحديقة باقواس من البالونات الملونه وعلى جانبي الاقواس وضع شريط طويل بالإضاءة المنبعثة باللون الذهبي لتشعل جو من البهجة والسرور.
وأكاليل من الورود البيضاء والبنفسج والزهور العطرة الملونة التي طغت رائحتها بالمكان.
وتزين الكراسي الموضوعة لاستقبال أفراد العائلة ، زينت ميلانا الكراسي بالتل الأبيض
وظلت خديجة واقفة على قدم وساق لإنهاء أعباء الاحتفال وبين الحين والآخر تنظر لساعتها تتفقد مرور الوقت
في ذلك الوقت أتت عائلة حياة متلهفين لرؤية ابنتهم وات سراج هو الآخر بصحبة والديه وجدته .

بينما على مرم البصر وقف القناص الذي يرتدي ثيابه السوداء ولم يظهر من ملامحه سوا عينيه التي يصوبها بحدة اتجاة ذلك الاحتفال المقام بفيلا سليم السعدني ، وهو على الجهة الأخرى يقف أعلى الفيلا المقابلة لفيلة السعدني ويشهر بندقية القناصة وينتظر قدوم هدفه
بعد لحظات كانت السيارة تدلف لداخل الحديقة وترجلا منها سليم مسرعًا وهو محاط بكتف زو جته التي لم تصدق تلك المفاجأة ووجود عائلتها التي ركضت إليهما ترتمي باحضـ ان والدها الذي التقفها بحنانه وطوقها بذراعيه بشوق كبير ، يرؤي عطش اشتياقه لها فلم يراها منذ شهر ولن تتحمل والدتها فراقها أكثر من ذلك فجذبتها من بين ذراعي والدها وضـ متها هي باحضـ انها الدافئة وتهمس لها بجانب أذنها عن مدا اشتياقها لها وأن المنزل لم يعدا مبهجًا بعدما تركته.
وسليم أيضا الذي شعر بالسعادة بما فعلته والدته من أجلهم، اقترب منها بخطوات متلهفة يُقـ بل كفيها ثم ضـ مها لصـ دره وهي تشبثت به لم تصدق عينيها بأنها تراه واقفاً على قدميه بعد ما مر به من أعوام شداد وهو قعيد لذاك الكرسي المتحرك .
وعندما انضـ م إليه شقيقه ، تلاقت أعينهم بلحظات من الصمت أبلغ من الكلام ، فقد كانت عينهما تشكي للآخر مدا أشتياقهما
وقبل أن تتعانق أجـ سادهم
أخرجت طلقة مدوية بالمكان ، تعرف هدفها وطريقها المحتوم وقد كانت تلك الفاجعة الكبرى ..

لحظات فاصلة من الزمن ، لحظات تحبس فيها الأنفاس ، لحظات قاسية على هتان العيون المتشتة ، والهلع الذي أصاب الجميع وهم يرؤن بركة الدماء ، شلت الصدمة حواسهما وأتسعت أعينهم عندما دوت الرصاصة الثانية تعرف طريقها .
لتجعل من الصدمة كارثة اصابة العائلة كلها بل اصابت كل من حضر الحفل

إلى لقاء في الجزء الثاني.

بقلم فاطمة الألفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *