غريبة في عالمك 3

الحلقة السادسة عشر

*عادة ما تنتهي الابتسامة بدمعة*
“أحيانا يغار الرجل على امرأة تحبه حتى لو لم يكن يحبها , وتغار المرأة على رجل يحبها حتى لو لم تكن تحبه”
مقولة قرأتها مريم ذات مرة وهي تتصفح الانترنت, ولكنها الأن وهي تجلس بجوار يوسف في سيارته وهما في الطريق الى المطار لاستقبال جدها تتساءل ما اذا كانت تلك المقولة تنطبق على حالتها الآن .فهي وان كانت على حسب زعمها لم تقع في حب زوجها الا انها قد شعرت بالغيرة حين رأته في ذلك الوضع مع تلك الفاتنة السمراء.
: ما تقلقيش يا مريم, جدك بخير وان شاء الله هيبقا أحسن.
انتبهت مريم من شرودها على كلام يوسف, وقد شعرت بالارتياح حين ظن ان صمتها ذلك يعود الى مجرد تفكيرها في جدها وقلقها على حالته, فقالت وهي تتجنب النظر اليه: ان شاء الله.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
توقفت سيارة وليد جلال أمام محل المجوهرات الذي نصحه يوسف بالذهاب إليه لشراء الشبكة بما انه خبير بتلك الأمور فخاتم أو أسورة من احدى المعادن والأحجار الكريمة هي أقل هدية من الممكن أن يقدمها رجل كيوسف جلال لاحدى صديقاته.خرج وليد من السيارة وبصحبته حياة و والديها ودخلوا المحل فاستقبلهم صاحب المحل وأخذ يعرض عليهم ما تطلبه مها, أما حياة فكانت توافق على كل ما تختاره والدتها بصمت ودون أن تبدي برغبة حقيقية في مشاركتها الاختيار وهي تشعر بنظرات وليد مسلطة عليها ولا تعلم كيف يمكن أن تتجنبها؟
وبعد أن انتهت مها من عملها بدأ الصائغ في وزن ما انتقته وأبلغهم بالثمن فسأله وليد: انتو بتقبلوا credit card؟
فاعتذر منه صاحب المحل بتهذيب: للأسف يا فندم احنا مش بنقبل credit غير من زباين المحل منعا لأي مشاكل.
وليد بضيق: أنا وليد جلال أخو يوسف جلال سليم.
كان لذكر اسم يوسف وقع السحر على اذن صاحب المحل حيث بدأ يقدم أسفه واعتذاراته: أهلا وسهلا يا وليد بيه, انا اسف جدا لاني ما عرفتش حضرتك من الاول. فعلا يوسف بيه بلغني بزيارة حضرتك النهاردة الصبح. شوف حضرتك الطريقة اللي تحب تدفع بيها ايه؟ او خلي الحساب علينا خالص.
وليد: متشكر.
وأخرج وليد بطاقة الائتمان خاصته وأعطاها للصائغ, وبعد انتهاء اجراءات الدفع, سلمه الرجل الشبكة مع كلمات التهاني المعهودة في تلك المناسبات.
وفور خروجهم وحين عادوا الى السيارة قدم العلبة القطيفة لحياة وهو يقول لها بلهجة متهكمة: مبروك يا عروسة.
وعندما رأى علامات التردد على وجهها ونظرات الحذر في عينيها سألها: ايه؟ مش عاوزة تاخدي شبكتك.
وهنا تدخلت مها بابتسامة واسعة وهي تأخذ العلبة من يد وليد: ودة اسمه كلام يا وليد يابني؟ هي بس أكيد مكسوفة حبتين. مبروك عليكم.
أشاح وليد بوجهه بعيدا عن حياة ورد على ابتسامة مها بمثلها: الله يبارك في حضرتك.
محمود وقد امتازت لهجته بروح الفكاهة: ياللا بقا يا باشمهندس, مش هترجعنا البيت ولا ايه؟ ولا نقضيها موتورجل؟
وليد: لا طبعا. ازاي؟ بس بعد اذنك يا عمي انا عاوزكم تقبلوا عزومتي الأول ع العشا.
محمود: وليه بس التكاليف يابني؟ ما احنا نروح البيت وحياة وأمها يجهزولنا لقمة كويسة.
وليد: معلش بقا يا عمي, صحيح الأكل البيتي مفيش أحلى منه, بس المناسبة تستحق الاحتفال, وانا شايف ان مدام مها موافقة على اقتراحي.
ثم غمز الى مها بشكل متآمر جعل مها تضحك وهي تقول لمحمود: خلاص بقا يا أبو كريم خلينا نفرح العرسان.
محمود: بس كريم قاعد لوحده وانتي عارفة انه مش بيعرف يسلق بيضة بنفسه.
وليد: ما تشيلش هم يا عمي. احنا هعدي على شقتكم الاول ناخد كريم وبعدين نطلع على أي مطعم تختاروه.
محمود: خلاص اللي تشوفه يابني.
ففتح وليد باب السيارة الخلفي لخطيبته وحماته: طب اتفضلوا.
دخلت حياة السيارة وهي تفكر في كيفية مرور تلك الساعات الاضافية وهي بصحبة وليد, فحتى بالرغم من وجود باقي أفراد اسرتها معهما الا انه دائما ما يحرص على الا تشعر الا بوجوده هو وحده.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي احدى المستشفيات نجد عبدالرءوف الكامل مستلقيا على السرير ويضع يده على خد مريم التي تجلس بجواره ويقول لها بصوت ضعيف: وانتي عاملة ايه يا مريم؟ طمنيني عليكي.
فقالت مريم وهي تقبل يده وبعيون دامعة: انا الحمد لله بخير يا جدو بس انت وحشتني اوي.
عبدالرءوف: وانتي كمان وحشتيني يا بنتي.
فتدخل يوسف الذي كان يقف على مقربة منهما بلهجة مرحة لم تعتادها مريم: انت عاوز تقنعني انك كنت بتفكر فينا وحواليك كل الممرضات الالمان اللي سمعت عنهم؟ دة كفاية صوتهم يا راجل اللي كنت بسمعه في التليفون وانا بتصل عشان اطمن عليك.
فابتسم عبدالرءوف ابتسامة واهنة: هتفضل زي مانت يا يوسف مش هتتغير ابدا. ازاي تفكر في واحدة تاني وانت معاك القمر دة؟ يعني عيون خضرة وشعر أحمر, انت عاوز ايه تاني؟
فتقدم يوسف منهما, ولدهشة مريم العارمة وجدته يحتضنها من الخلف ويقبل خدها وهو يقول بصوت حنون: عندك حق يا عمي. ربنا يخليهالي.
وبالطبع لم تحاول مريم الابتعاد عنه في وجود جدها, ولكنها انتهزت الفرصة حين قال عبدالرءوف: طب ياللوا بقا روحوا بيتكم وسيبوني ارتاح شوية.
فنهضت مريم ومالت قليلا ناحية جدها لتطبع قبلة رقيقة على جبينه: طب يا حبيبي مش عاوز اي حاجة؟
عبدالرءوف: تسلميلي يا مريم. بس هي عمتك ما تعرفش اني هاجي من المانيا النهاردة؟
مريم: مش عارفة والله يا جدو.
ولكن كانت الاجابة المريحة التي أرادها عبدالرءوف مع يوسف: ما تقلقش يا عمي, ان شاء الله انا هلاقي اي طريقة أوصلها بيها الخبر.
فنظر اليه عبد الرءوف بامتنان: ربنا يبارك فيك يا يوسف.
وعندما كانا في السيارة في طريقهما الى الفيلا كما كانت تتوقع مريم سألته: انت كنت تقصد ايه بالكلام اللي قلته لجدو؟
فوجه اليها يوسف نظرة خاصة: اي كلام بالظبط؟ مانا قلت حاجات كتير.
علمت مريم بالضبط الام يلمح, ولكنها ادعت التجاهل وهي تقول: الكلام الخاص بطنط وردة طبعا. هو ايه اللي ممكن يمنعنا من اننا نعرفها ان جدو رجع؟
يوسف: حاجات كتير يا مريم. بس ما تشغليش بالك انتي.
ارتفعت نبرة صوتها قليلا: يعني ايه ما اشغلش بالي؟ انا لازم أعرف ايه اللي بيحصل بالظبط.
نجح يوسف في الاحتفاظ بهدوءه وهو يقول لها: مشاكل في الشغل يا مريم بينا وبين جوز عمتك وصلت انه يقولي بانه خلاص قطع علاقته هو وابنه ومراته بعيلتنا ومش هيسمح لحد فينا انه يشوف عمتك او يتصل بيها.
فسألت مريم وكان عقلها ما زال يحاول ان يستوعب ذلك الخبر: طب وعمتو؟ تعرف الكلام دة؟
يوسف: ما اعتقدش , بس حتى لو عرفت, مفيش في ايدها حاجة تعملها.
مريم: يعني ايه مفيش في ايدها حاجة؟ يعني هي ممكن تقاطعنا فعلا لو جوزها طلب دة منها؟
يوسف: يعني عاوزاها تقاطع جوزها وابنها عشان خاطرنا؟ يا مريم كمال وهدان لما قال اللي قاله دة كان متأكد مليون في المية ان عمتك مش هتقدر تعارضه.
مريم بنبرة يملؤها الحزن: طب وجدو؟ يعرف الموضوع دة؟
يوسف: أكيد.
مريم: يا عيني يا جدو. وهو في حالته دي؟
فابتسم يوسف قليلا لمواساتها: لا ما تقلقيش. مش جدك اللي ممكن تكسره أي صدمة, عبدالرءوف الكامل طول عمره أسد, والاسد بيفضل أسد حتى لو عجز.
فنظرت مريم الى الطريق أمامها ثم سألته فجأة: احنا رايحين فين؟ مش المفروض اننا نروح؟
يوسف مراوغا: هو انا مش قلتلك امبارح ان النهاردة عندك يوم طويل؟!
مريم: اه, بس انا مش فاهمة قصدك ايه؟
فقال يوسف بغموض: بعد شوية هتفهمي.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
جلس الجميع أمام طاولة كبيرة للطعام في أحد المطاعم الفاخرة وهم يستمتعون بوجبتهم,ماعدا حياة التي أجبرت نفسها على تناول الطعام حتى لا تجذب إليها الأنظار وكانت تلك حجتها أيضا للعزوف عن الدخول في الحوار الدائر بين الباقين, ولكنها كانت تشعر مع كل لقمة تضعها في فمها أنها تكاد تختنق وهي تشعر بنظرات وليد مركزة عليها, لقدا بدا لها وكأنه يتلذذ كثيرا برؤيتها تتعذب.
: السلام عليكم.
كان هذا الصوت المرح هو صوت يوسف الذي تفاجأ الجميع بلا استثناء بحضوره هو وزوجته, وكاد وليد و محمود أن يقفان للترحيب به بعد أن ردا السلام ,الا ان يوسف قد منعهما باشارة من يده وهو يقول: محدش يقوم, كل في مكانه. لا سلام على الطعام.
ثم سحب كرسيا بجوار حياة لتجلس عليه مريم وجلس هو بجانب زوجته من الجانب الآخر, فسلمت مريم سريعا على حياة وهي تقول لها بسعادة تغمرها محتضنة يديها, فكانت تلك هي صديقتها المقربة: ألف ألف مبروك يا حياة.
فظهرت الابتسامة على وجه حياة للمرة الأولى منذ أن وصلت هذا المطعم: الله يبارك فيكي يا مريم, بس مش انتي قلتي ان جدك جاي النهاردة وكنتي هتروحي المطار عشان تقابليه؟
مريم: ايوة يا ستي والحمد لله اطمنت عليه وهو دلوقت في المستشفى.
حياة بلهجة صادقة: حمدالله على سلامته وان شاء الله ربنا يتم شفاه على خير.
مريم: يارب.
وليد وهو لايزال يستوعب المفاجأة محدثا يوسف: بس انت ما قولتليش انك جاي يعني.
فتظاهر يوسف بالاحراج: اه, شكلك بتطردني يا صاحبي, لو عاوزني أمشي قول من غير مقدمات.
وليد لائما: يوسف!
يوسف: يابني انت أناني كدة ليه؟ يعني انت عاوز تفرح لوحدك؟ انا قلت أجيب مريم ونحتفل كلنا.
بدت الحيرة على وجه وليد: نحتفل؟! بإيه؟
يوسف: هتعرف دلوقت.
وأشار يوسف برأسه لأحد العاملين بالمطعم وقد بادله ذلك الشاب الاشارة, وفجأة انطفئت الأنوار, ثم ظهرت أضواء خافتة ,وصوت ذلك الشاب يقول في الميكروفون: النهاردة يوم متميز للمحل, لأننا بنحتفل بخطوبة وكتب كتاب الباشمهندس وليد جلال على كريمة الاستاذ محمود البدري الآنسة حياة.
اختفت ابتسامتها فجأة وهي تسمع لقب آنسة وتنظر الى ناحية وليد, ولكنها حمدت ربها لوجود ذلك الظلام حولهما والذي قد حجب عنها تعابير وجهه التي كانت تخشاها.
وبعد أن أنهى الشاب كلماته المهنئة وصفق الجميع, دخل شيخ وقور الهيئة يرتدي الجبة والقفطان وفي يده دفتر كبير يقول بابتسامة هادئة: السلام عليكم.
فأجاب جميع الحاضرين بالمطعم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وأسرع يوسف لاستقباله وأجلسه بين محمود و وليد, والشيخ يبتسم قائلا: بالرفاق والبنين ان شاء الله.
فنظر وليد الى يوسف والدهشة تعلو وجهه: ايه دة يا يوسف؟ احنا متفقين ان الشبكة وكتب الكتاب والدخلة في يوم واحد.
يوسف مداعبا: لا يا سيدي انت في الموضوع دة بالذات ما تضمنش, أخاف لييجي وقتها وتهرب من الفرح. وبعدين بيقولوا خير البر عاجله احنا نكتب الكتاب دلوقت عشان يبقا كلبشناك والدخلة زي ما تفقنا بعد اسبوعين, وايه رأيك كمان اننا نعمل تصويت؟
ثم وجه كلامه للجميع: انتوا مش موافقين معايا بردوا اننا نكتب الكتاب دلوقت.
فأجاب الجميع بصوت واحد: موافقين.
يوسف وهو ينظر الى وليد مجددا: شفت بقا. موافقة بالاجماع, ياللا يا سيدنا الشيخ انت مش عاوز تشتغل ولا ايه؟ الراجل عاوز يكمل نص دينه, ولا انت عاوزه يتجه الى الرذيلة؟
فضحك الجميع على دعابته وشرع المأذون في القيام باجراءات الزواج: بطاقتك يا عريس, وبطاقتك يا ابو العروسة.
فسلم كل من وليد ومحمود بطاقته الشخصية للمأذون الذي قال: فين الشهود؟
يوسف مازحا: ايه يا سيدنا الشيخ؟ دة انت حتى في مطعم اختار الشاهد اللي يعجبك وانا التاني.
المأذون: طيب على بكرة الله, ايدك يا سيد وليد, ايدك يا سيد محمود.
وبدأ المأذون بكلاماته المحببة لدى الجميع وأخذ وليد ومحمود يرددان ما يمليه عليهما وسط الزغاريد من بعض الزبائن والتهنئة التي تنهال على أهل العروس والعريس.
وبعد أن انتهى كل ذلك ومغادرة المأذون مع الدعاء للزوجين بدوام السعادة وأن يرزقان بالخلف الصالح.
جاء أحد العمال يدفع أمامه طاولة صغيرة عليها تورتة تحمل صورة لكل من وليد وحياة تفاجأ بها البعض ولكنها بالطبع نالت إعجاب كل من بالقاعة.
فنظر وليد الى يوسف بامتنان: بقا عشان كدة, رشحتلي المطعم دة بالذات؟متشكر أوي يا يوسف.
فاحتضن يوسف أخيه بسعادة لم يستطع التعبير عنها بالكلمات, ولكنها اختصرها بقوله: وهو أنا ليا غيرك أفرحله؟ ألف مبروك يا صاحبي.
وكان التصفيق الحار هو التعليق الوحيد على ذلك المشهد الذي قد انهاه يوسف وهو يدفعه بعيدا عنه بخفة دمه التي فاجأت مريم كثيرا: ايه يا عم الجو الأخوي دة؟ ياللا بقا لبس مراتك الشبكة وبعدين قطعولنا التورتة اصلي انا خلاص تقريبا مت من الجوع.
وليد: بعد الشر عليك يا صاحبي.
ثم توجه وليد سريعا نحو حياة التي كانت الى الان مذهولة من تلك الاحداث السريعة التي توالت عليها خلال الساعات الأخيرة, أخذ وليد العلبة القطيفة من يد مها وفتحها, وقد مدت حياة له يدها تلقائيا وهي تتحاشى النظر اليه لتنظر الى الارض, ثم جاء الدور عليها وقد أعطاها دبلته , فرفعت حياة نظرها اليه لترى في عينيه تعبير لم تفهمه ولم تحاول ان تفسره , ولكنها أخذت منه الدبلة ووضعتها في اصبعه في أسرع وقت أمكنها ذلك.
وفور انتهائها من ذلك سمعت صوته الساخر يقول لها: مبروك يا مدام وليد.
فردت بصوت خافت: الله يبارك فيك.
وبعد تقطيع التورتة جلس كل في مكانه يتسامرون , ولكن قطع عليهم الحديث حضور طفلين؛ ولد وبنت, في سن التاسعة تقريبا بدا من كثرة الشبه بينهما أنهما توأمان, وكان كل منهما يمسك بزهرة حمراء في يده, فقدمت البنت الصغيرة زهرتها لحياة وهي تقول بلهجتها الطفولية البريئة: مبروك يا طنط.
فقبلت حياة منها الوردة ثم قبلتها في خدها: الله يبارك فيكي يا حبيبتي عقبالك بقا.
وهنا تذمر وليد بطريقة طفولية محاولا تقليد الطفلة: ومفيش واحدة بقا عشان عمو؟ ماهو انا بردو العريس.
الطفلة: لا, ماهو كل واحد فيكم يمسكها شوية بقا.
وليد مدعيا الحزن: بقا كدة؟ طب انا بقا هاخد الوردة من أخوكي , وأهو راجل زي بردو.
ثم نظر الى الطفل وهو يسأله: مش الوردة دي بردو عشاني؟
فأجاب الطفل وهو يتحرك ناحية مريم: لا, الوردة دي عشان طنط الحلوة دي.
وليد وهو يضع يده على عينيه: يااااادي الكسفة.
أخذت مريم منه الوردة وهي تقول له باسمة: بس انا مش العروسة.
الطفل: مانا عارف, بس انتي جميلة أوي يا طنط, والمس قالتلنا في المدرسة ان الوردة رمز الجمال, يعني انتي شبه الوردة عشان كدة انا اديتهالك.
وبالفعل تورد خدي مريم من الخجل وهي تتمتم: ميرسي يا حبيبي.
وهنا كان دور يوسف في التذمر بعد أن عاد الطفلان الى والديهما: شكلي كدة هبدأ أغير.
فنظرت له مريم بحيرة وعدم فهم, فأكمل يوسف بنبرة ساحرة: انتي مش ملاحظة ان دي تاني مرة النهاردة حد يشهدلك بالجمال؟!
صمتت مريم من شدة الخجل وهي تشعر بكل العيون التي على طاولة مسلطة عليها,وقد زادت حيرتها في أمر يوسف, فإن كان الجميع يرونها جميلة كما يقول فلم لا يرى هو ذلك؟ أم انه من كثرة الجميلات التي مررن في حياته لم يعد يستطيع أن يفرق بين الجمال الحقيقي والمزيف؟!
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
و في السيارة وهما عائدان الى المنزل, تناست مريم كل وقارها وتحفظها وهي تقول وتكاد تطير من الفرح: اليوم النهاردة كان حلو أوي, ميرسي أوي يا يوسف.
يوسف بنبرة رقيقة: بجد انبسطي؟
مريم: طبعا, انت باللي عملته دة , دخلت السعادة لقلوبنا كلنا.
يوسف بنبرة سمعتها مريم بالكاد: مش كلكم.
مريم: ليه بتقول كدة؟
يوسف: أنا أدرى انسان بأخوية يا مريم, وبالرغم من كل محاولاته عشان يخبي اللي جواه قدامنا, بس انا قدرت الاحظ ان سعادته كانت ناقصة.
مريم بارتباك: تفتكر مثلا انه يكون حس انه اتسرع شوية؟
يوسف نافيا: لا.مش دة اللي أقصده, وليد طول عمره واثق من قراراته. دة غير انه فعلا بيحب حياة.
مريم: ودي بقا عرفتها ازاي؟
يوسف: مش بقولك انه أخوية وانا ادرى الناس بيه, ثم كمان الانسان اللي بيحب بتظهر لمعة معينة كدة في عنيه لما بيشوف اللي بيحبه واللمعة دي انا شفتها في عنين وليد وخصوصا النهاردة.
فسألته مريم وهي تحاول ان تظهر عدم مبالاتها بالأمر وهو ما كان عكس الواقع تماما: انت بتتكلم وكأنك جربت الحب دة قبل كدة.
فرد عليها يوسف بابتسامة مريرة: وانتي بتسأليني وكأني انسان ملوش قلب.
أرادت مريم الاحتجاج, ولكن قاطعها صوته الحازم: خلاص وصلنا.
فترجل يوسف من السيارة تاركا إياهاغير مباليا بأمر مريم التي مازالت جالسة بداخلها, وكأنه مرة واحدة قد تناسى كل قواعد الذوق التي كان يتبعها أمام الناس. فنزلت مريم من السيارة واتبعته الى الداخل لتجده على وشك الصعود الى غرفته فأوقفه صوتها: يوسف, انا أسفة.
يوسف وهو ينظر اليها مندهشا: على ايه؟
مريم: يعني شكلي كدة تعديت حدودي في الكلام معاك, وما كنش ينفع اني أتدخل في خصوصياتك وأسألك سؤال زي دة.
فعدل يوسف عن قراره في الصعود الى غرفته, وغير وجهته ناحية مريم: وهو يسألها: مريم! انتي عندك كام سنة؟
عدم توقعها للسؤال ألجم لسانها عن الرد. فظلت تحملق فيه بدهشة, فأعاد يوسف على مسامعها السؤال مرة ثانية: ايه انتي ما سمعتنيش؟ بقولك عندك كام سنة.
مريم بتلقائية: حوالي 19 سنة. ليه؟
يوسف وهو يقترب منها أكثر: يعني تقريبا انا عمري أد عمرك مرتين, عشان كدة بتمنى انك ما تكونيش بتعامليني كأب, لأني يا مريم أنا عمري ما هفكر اني أكون أب ليكي.
مريم وهي تبتلع ريقها بصعوبة: انا عمري ما فكرت فيك كأب.
فأكمل يوسف بنبرة حزينة: ولا حتى كزوج, مش كدة؟ ودة بقا يا مريم اللي مخليني اسأل انا ابقا ايه بالنسبالك؟
لم تعرف مريم بم تجيب؟ فانها لم تتوقف لحظة لتسأل نفسها هذا السؤال, لذلك كانت تحتاج الى أن تنفرد بنفسها قليلا لتحلل علاقتها بيوسف, وعندما طال صمتها, ابتعد يوسف عنها سريعا وهو يستأنف الصعود ناحية حجرة نومه ويقول لها بلهجة جامدة: تصبحي على خير.
وفي تلك اللحظة شعرت مريم بالدموع الحارة التي تتساقط من عينيها بدون أن تعلم لها سبب.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
أما في الجهة الأخرى وبعد ان قام وليد بتوصيل أهل عروسه الى شقتهم استأذن من محمود أنه سيأخذ حياة في جولة بسيارته لبعض الوقت, فوافق محمود بشرط ان يعيدها الى المنزل سريعا وألا يبقيها في الخارج لوقت متأخر.
وبعد ان وصلا الى كونيش النيل قرر وليد ان يترجلان من السيارة ويتمشيان قليلا متعللا بأن انتعاش الجو تسمح بذلك, فوافقت حياة بصمت, وبينما وهما يتمشيان جنبا الى جنب دون أن يتفوه أي منهما بكلمة, توقف وليد فجأة وهو يستند على سور الكورنيش بمكان شبه خال ناظرا الى الأفق, ووقفت حياة تراقبه لفترة طويلة ظنت أن لا نهاية لها, الى ان أتاها صوته العميق دون أن ينظر اليها: اسمه ايه يا حياة؟
حياة وهي تحاول ان تتأكد من أنها قد سمعته جيدا: نعم!
فأعاد وليد السؤال بنبرة أقوى: بقولك اسمه ايه؟
فسألته حياة وكانت لم تعرف عمن يتحدث: هو مين دة؟
وليد: اللي………..
ثم توقف للحظات وكأنه يبحث عن التعبير المناسب لما يقصده, الا ان قرر ان يصوغ سؤاله بشكل آخر: مريم لما قالتلي ع الحقيقة تقريبا قالتلي كل حاجة بس ما قالتش اسم الشخص دة ايه؟
أخيرا فهمت حياة مقصده وشعرت بأنها على وشك البكاء وهي تسأله: ودة يهمك في ايه؟
فأدار لها وليد وجهه وكأنه يستغرب سؤالها: والمفروض ان دي حاجة ما تهمنيش؟!
حياة بثبات لم تشعر به داخلها: لا ما تهمكش.
لا تعلم من أين أتتها الشجاعة لتتفوه بتلك الكلمات, وأن تتحداه بذلك الشكل؟ وكما توقعت تماما, فها هو يغلي أمامها من الغضب ونظراته تنذر بالخطر بشكل أرعب حياة ولكنها حاولت أن تتماسك أمامه , فقال لها : اظاهر يا هانم انك نسيتي انك خلاص بقيتي مراتي, وأي حاجة تخصك يبقا تخصني انا كمان.
حياة بيأس: يا وليد محدش أجبرك انك تتجوزني, كنت تقدر ترفض ساعتها, لكن مش كل لحظة تفكرني فيها باللي حصل, انت ليه مش عاوز تصدق ان دة والله العظيم حصل غصب عني؟ وان كان أهون عليا اني أموت ولا اني أسلم نفسي وشرفي لواحد غريب.
وليد مصرا بالحاح: طب قوليلي هو مين؟
حياة: ليه طيب؟ ودة هيفرق معاك في ايه؟
وليد: هيفرق كتير يا حياة. ع الاقل هرتاح.
حياة: انت بتكدب على نفسك يا وليد ولا عليا؟ انت فاكر انك لو عرفت هو مين كدة هترتاح؟ لا يا وليد صدقني دة عمره ما هيريحك.
وليد بحدة: يعني انتي مصرة انك ما تقوليش على اسمه؟
حياة: ايوة يا وليد, مش هقولك, وممكن نرجع بقا عشان انا اتأخرت وبابا ممكن يتضايق.
وليد مكرها: ماشي يا حياة ياللا بينا.
ولكنه قبل أن يتحركا خطوة واحدة قال لها بنبرة مملوءة بالعزيمة والاصرار: بس انا بردو هعرفه يا حياة . منك أو من غيرك. انتي سامعة, هعرفه.
لم ترد حياة ولكنها قد سبقته سائرة باتجاه السيارة وقد سمعته يأتي خلفها الى ان استطاع سريعا وبخطواته العريضة أن يلحق بها ويسير بجانبها ولكنها لم تلتفت اليه.ثم ركبا في السياة و كأن على رؤوسهم الطير. وليد لا يفكر الا في كيفية الوصول الى الحقيقة الكاملة التي تحاول حياة ان تخفيها عنه, اما هي فلم تجد كلاما أخر يمكن ان تقوله في هذا الموقف وكأن كل ما يمكن أن يقال قد اختصراه في ذلك الحديث القصير, ولكنها تتساءل لماذا يصر وليد على معرفة ذلك الشخص؟ ما الذي سيجنيه من وراء ذلك؟ أم ان هذا السؤال لم يكن أكثر من وسيلة من احدى الوسائل التي يستخدمها دائما بهدف اهانتها؟ ظلت تفكر في ذلك الأمر طوال الطريق حتى انها لم تشعر بأنهما قد وصلا الى البناية التي تحتوي على شقتها الى ان توقفت السيارة.
فانتبهت حياة من شرودها وعندما همت بمغادرة السيارة أخرج من جيب سترته منديلا ناولها اياه: خدي امسحي دموعك.
فتحسست حياة خديها لتجد آثار الدموع التي لم تكن تشعر بها أثناء الطريق, فأخذت منه المنديل وشرعت بتجفيف خديها من الدموع, لتسمعه يقول وكأنه يكمل جملته التي بدأها: وياريت كمان تبتسمي عشان ما ينفعش أهلك يشوفوكي معيطة كدة .لان ساعتها الله أعلم ممكن يفكروا فيا ازاي؟ وانا مش عاوز حد يتهمني بجريمة عملها حد غيري.
من ضمن كل الاهانات التي تلقتها منه حياة كانت هذه هي الأكثر ايلاما, والتي لم تستطع تحملها على عكس غيرها, فاندفعت خارج السيارة وهي تجهش بالبكاء مسرعة ناحية بنايتها وهي تتحسر على تلك اللحظات التي قضتها بصحبته في المطعم والابتسامات التي كانت تتسلل الى فمها أحيانا والتي تتبدل الأن بالدموع.

 

الحلقة السابعة عشر
*حيرة العشاق*
يقال دائما ” لا ينام الا خالي البال”, أقر أبطالنا الأربعة بصدق تلك المقولة هذه الليلة حيث لم يغمض لأي منهم جفن أبدا حتى آذان الفجر ولكن كما يقولون “فكل يغني على ليلاه”, ففيما يتعلق بمريم فقد جافاها النوم وهي تفكر في مدى تطور علاقتها بالنسبة ليوسف؟ على الأقل بالنسبة لشعورها هي, فلقد بدأت تشتاق لكلماته, تترقب ابتسامته, بل انها أصبحت تحن لسخريته مهما كانت لاذعة. ولكنها تساءلت هل هي بالفعل على استعداد لتتقبله كزوج لها؟ وماذا عنه هو؟ انها تعرف تمام المعرفة ان رجلا كيوسف جلال من الصعب عليه أن يكشف عن شعوره الحقيقي , بل فلنقل أنهم يمكنه أن يعتقد أن تلك الأحاسيس والمشاعر نقاط ضعف يجب ألا يعلمها أحد غيره, ولكن خطر في ذهنها صورة تلك المدعوة علياء وهي تتمايل وتتدلل أمام زوجها دون أن يبدي أي نفور منها وهذا ما جعلها تتخيله ذلك الدون جوان الذي سمعت عنه قبل الزواج والذي يبدو انه لا يشعر بالنفور الا منها هي وحدها “زوجته”.
أما عن يوسف جلال الذي كان يجلس في سريره يقرأ في أحد الكتب كعادته الا ان هذه المرة لم يستوعب عقله كلمة مما قرأ, فلماذا تحتل تفكيره بتلك الطريقة التي لم يعتادها مع أي امرأة؟ انه بالفعل قد عرف الكثير من النساء, ولكن لم تستطع أي منهن أن تحتل تفكيره كما تفعل هي الأن ويمكننا القول انه قد أدمن كل حركاتها الطفولية, و قد أصبح يرغبها بشدة على قدر رفضها له, ولكنه يجهل الطريق للوصول إليها. فبالرغم من انها زوجته الا انه لم يعتد ان يلاحق امرأة مهما كان تعلقه بها وخصوصا وهو متأكد من أنها لن تستجيب له.اذن فالحل الوحيد أمامه الأن هو ان يتناسى وجودها بالقرب منه ويستكمل حياته كما كانت قبل ظهورها.
وإذا ذهبنا الى وليد نجد انه ليس بأفضل حالا منهما, فبعد أن خاصم النوم عينيه قد هجر فراشه وخرج الى الشرفة لعل نسيم الليل يسكره فيغلبه النوم, ولكن حينما وقعت عيناه على ضوء القمر الذي كان في طور البدر في تلك الليلة, ليرى وجهها وقد ارتسم على صفحته ولكنه كان وجها حزينا بعينين تملؤهما الدموع تنظر اليه بألم وكأنها تعاتبه, نعم تعاتبه! وهو يعلم ان لها الحق لذلك, فلقد كان قاسيا معها لأبعد الحدود, ولكنه لا يستطيع أن يتراجع عن القرار الذي قد اتخذه, لذا أصر أن يستمع إلى أحكام العقل وسيلغي دور القلب إلى أن يأتي حينه.
أما هي فلم تجد سواه معين على شدائدها, لذا فبعد أن قامت ليلها ظلت جالسة على سجادة الصلاة تناجي ربها ودموعها تسبقها بدون توقف وهي تتذكر كل كلمة جارحة خرجت في حقها من بين شفتيه: إلهي إن يكن ذنبي عظيم فعفوك يا إله الكون أعظم. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. يارب أنا عارفة اني عصيتك كتير وإن كان دة عقابك ليا على معصيتي فأنا راضية بيه و أنا لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه. ربي اني لا أسألك رد القضاء ولكني أسألك اللطف فيه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي ظهيرة اليوم التالي يدخل يوسف غرفة سكرتيرة مكتبه وفور رؤيتها له وقفت احتراما وهي تقول بلهجة ترحيبية: أهلا وسهلا يا يوسف بيه, حمدالله على سلامة حضرتك.
يوسف: الله يسلمك يا مي. هو وليد جوة.
مي: ايوة يا فندم, وليد بيه في مكتبه.
يوسف: لوحده ولا معاه حد؟
مي: لا يا فندم. وليد بيه لوحده.
يوسف: طيب انا هدخله دلوقت بس مش عاوز حد يقاطعنا.
مي: امرك يا فندم.
وتوجه يوسف ناحية باب المكتب ليدخل وقد أغلق الباب خلفه: السلام عليكم.
فرد وليد وهو ينهض سريعا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. يوسف بيه! يا مرحبا يا مرحبا.
وابتعد عن كرسيه قليلا وهو يشير إلى أخيه:اتفضل يا كبير, أخيرا المكتب هينور بصاحبه.
فوضع يوسف يده على كتفه وهو يبتعد به عن المكتب: سيبك من الكلام دة بس عشان أنا عاوز أتكلم معاك في موضوع مهم.
ثم جلس الاثنان في أحد أركان المكتب وقد كان يشبه بأثاثه الفاخر الاستراحة حين يقرر صاحب المكتب الابتعاد قليلا عن جو العمل, فسأل وليد وقد بدا عليه القلق: خير يا يوسف؟ موضوع ايه اللي انت عاوز تكلمني فيه؟ قلقتني.
يوسف: الحقيقة الموضوع خاص بمسألة جوازك من حياة.
وليد: ماله؟
يوسف: انت مقتنع بالجوازة دي؟
فتبسم وليد قليلا وهو يحاول أن يسبر أغوار أخيه: مش فاهم. وأنا لو مش مقتنع تفتكر كنت هستنا لحد ما نكتب الكتاب؟
يوسف: يعني انت مش حاسس انك اتسرعت شوية؟ أو اني ورطتك امبارح؟ صحيح انا كنت بتمنى اللحظة دي من زمان وكان نفسي أفرح بيك, بس مش عارف فيه حاجة كدة مش مطمناني.
وليد : حاجة؟! حاجة ايه؟ و منين وصلك الاحساس دة.
يوسف: منك انت وحياة, مش عارف ليه ما كنتش حاسس بالفرحة اللي المفروض أشوفها في عيون اتنين على أبواب حياة جديدة.
ثم سأل وليد فجأة وعينيه مليئة بالشك: وليد! هو انت حصل بينك وبين حياة حاجة؟
وليد: مش فاهم قصدك, حاجة ايه؟
يوسف:يعني حاجة تكون هية اللي أجبرتك انك تتجوز حياة. فلو كان دة حصل فعلا, فانت مش مضطر انك تتمم الجوازة وكفاية أوي انك كتبت الكتاب.
فانتفض وليد فور سماعه لاتهام أخيه , ونهض وهو يشعر بالغضب: ايه اللي انت بتقوله دة يا يوسف ؟ انت ازاي تفكر بالشكل دة؟ معقول تكون بتشك ان انا أغلط غلطة زي دي؟
ثم أكمل بجمود: حياة كمان أشرف من انك تفكر فيها كدة, وبتهيئلي ان كفاية اوي انها بقت مراة أخوك عشان تستاهل احترامك.
فنهض يوسف هو الأخر ليربت على كتف أخيه مهدئا اياه باعتذار: أنا اسف يا وليد. ما كنتش أقصد. وألف مبروك يا صاحبي , وربنا يسعدك.
وليد: ع العموم حصل خير. وعلى فكرة انت قاعد هنا لحد امتى؟
يوسف وهو يقبل تغيير أخيه للموضوع بصدر رحب: لا انا مش هقعد, انا بس كنت جاي عشان أقولك اني خلاص اتفقت مع منسقة حفلات كويسة عشان تبدأ شغلها في التجهيز ليوم الفرح, ولا انت غيرت رأيك وناوي تعمله في قاعة أو فندق معين؟ وكمان عاوز اعرف انتو ناويين تقضوا شهر العسل فين؟
وليد: لا يا يوسف, انا خلاص موافق انه يتعمل في الفيلا, وكمان اتفقت مع استاذ محمود على كدة.
يوسف: طب على بركة الله, وشهر العسل بقا, هتعملوا فيه ايه؟
وليد بارتباك: لا احنا مش هنعمل شهر عسل.
فنظر اليه يوسف متعجبا: مش هتعملوا شهر عسل! ازاي يعني؟
وليد: زي الناس, انا اتفقت مع حياة على كدة.
يوسف: وهي وافقت؟
وليد: طبعا, انت نسيت المسرحية اللي بيحضرولها في الجامعة؟ فاحنا لو سافرنا هي مش هتعرف تكمل البروفات, وانا كمان عندي شغل كتير مش عاوزة يتعطل.
يوسف مازحا: امال فين نصايحك ليا زمان؟ وشهر العسل اللي تلاتين يوم؟ وتأنيبك ليا عشان ما سافرتش انا ومريم؟
وليد بمرح وهو يحاول ان يداري الحزن بداخله: ابدا يا سيدي, كل دة لسة موجود. بس مش وقته وانت شايف ان كل حاجة جات بسرعة واحنا ما كناش مستعدين يعني, بس بعد ما نخلص اللي ورانا ان شاء الله هنقضي شهر عسل من اول وجديد.
يوسف بغير اقتناع: اللي تشوفوه.المهم بقا انت كنت بتسأل ليه اذا كنت هقعد في الشركة ولا لا؟
وليد: اصل أنا كلها ساعة وهمشي.
يوسف متعجبا: هتمشي تروح فين؟
وليد: كنت هاخد حياة وننزل نشتري فستان الفرح وبعدين نروح الشقة عشان نشوف اذا كان ناقصها حاجة ولا لا؟ بس للأسف قبل مانت ما تدخل بخمس دقايق تقريبا كلمني الباشمهندس معتز وكان بيقول ان فيه مشكلة عنده في المشروع وقالي انه لازم ييجي يكلمني فيها دلوقت وكلها نص ساعة ويوصل, بس ممكن كلامي معاه ياخد وقت.
يوسف: طب خلاص, روح انت مشوارك وانا هستناه وهشوف ايه الموضوع وهبقا اتابع الشغل في شركة الكامل بالتليفون.
وليد: اوك, شكرا يا كبير.
يوسف مداعبا: طب ياللا ياد امشي من هنا عشان الستات دول ما يكرهوش اد ان الراجل يخليهم يستنوا.
وليد: طبعا بقا. مانت خبير في الأمور العاطفية دي. ياللا سلام.
وقبل أن يغادر التفت مرة أخرى ناحية يوسف يسأله: يوسف! هو احنا مش المفروض بردو نعزم اعمامك على الفرح؟
يوسف: هو دة المفروض فعلا عشان كدة انا هروحلهم بنفسي بكرة.
وليد: وانا هاجي معاك.
يوسف: لا لا, بلاش انت, احنا عاوزين نهديها مش نشعللها, وعمتك طبعا مش هتسكت وممكن وجودك يزود المشكلة.
وليد: طب وان مقدرتش تقنعهم. هيحصل ايه؟
يوسف بعد تفكير قليل: ساعتها بقا يبقا هما حرين. ويبقا احنا كمان عملنا اللي علينا.
وليد مندهشا: هو انا ليه مش حاسس انك زعلان؟
فاقترب منه يوسف و احتضن وجهه بكفيه وهو ينظر اليه بعمق ويقول بنبرة صادقة: عشان لما يكون الموضوع متعلق بمصلحتك وسعادتك يبقا كل الدنيا بالنسبالي تهون.
وليد بامتنان: ربنا ما يحرمني منك يا صاحبي.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي سيارة وليد نجده يجلس خلف مقود السيارة وبجواره حياة وقد بدا ان الاثنان لا يرغبان في الدخول في أي حديث, فبادرت مريم وقد كانت تجلس وحدها في المقعد الخلفي: ميرسي أوي يا وليد , واسفة لاني أخرتكم. معلش بقا ماهي طنط مها هي اللي اصرت اني اروح معاكم عشان هي ما كانتش فاضية, وانا ما كنش ينفع ان النهاردة يعدي من غير ما اطمن على جدو.
وليد: ما تقوليش كدة يا مريم, عبدالرءوف بيه عزيز علينا كلنا, وانا كمان كنت عاوز اطمن عليه, والحمد لله انه بخير.
مريم: بس انا مستغربة اوي من الحراسة اللي برة اوضته دي, هو مين اللي جابها وليه؟
وليد: دي اللي جابها يوسف. ومدربين في أحسن شركة حراسة.
مريم: طب ليه؟ هو فيه خطر على حياة جدو؟
وليد بابتسامة مرحة: لا طبعا, كل الموضوع ان عبدالرءوف الكامل رجل أعمال ليه وضعه واسمه وموضوع الحراسة دة مش أكتر من مجرد prestige منظر يعني زي كل رجال الأعمال.
مريم وكانت لاتزال تشعر ببعض القلق: انت متأكد ان مفيش أكتر من كدة؟
وليد مطمئنا: طبعا يا مريم. أكيد متأكد, اطمني انتي بس ومتشغليش بالك كتير.
مريم: اوك. طب هنروح فين دلوقت بقا؟
وليد: زي ما تحبوا. شوفوا انتو عاوزين تبدأوا بايه ؟ تحبوا نروح نشوف الفستان الاول ولا تشوفوا الشقة الاول؟
مريم بمرواغة وهي تنظر ناحية حياة: والله الرأي رأي العروسة, في الفترة دي يابني المفروض ان لا رأي يعلو على رأيها. وأهي عندك أهي اسألها.
فسأل وليد حياة ببرود وقد زال عنه مرحه: تحبي تروحي فين يا حياة؟
فأجابت حياة وهي تنظر من نافذة السيارة بجوارها منذ أن ركبت بجواره: اللي تشوفوه.
وبعد أن تم الاتفاق بين وليد ومريم على ان يشتروا فستان الفرح أولا ثم يتوجهون الى شقته مباشرة, توقف وليد أمام احدى محلات الازياء التي أشارت عليه مريم به,وكان نفس المحل الذي أشترت منه فستان الخطوبة ثم فستان الزفاف بصحبة حياة, وعندما دخل ثلاثتهم المحل ورأتهم صاحبته تعرفت على مريم مباشرة وتوجهت اليهم مرحبة: اهلا اهلا مريم هانم, نورتي المحل.
مريم بتهذذيب: منور بصاحبته يا مدام ناهد
ناهد: طب تعرفي انا كان قلبي حاسس انك هتيجي تاني وقريب كمان, قوليلي بقا مناسبة ايه المرادي؟
فقالت مريم وهي تشير باتجاه حياة: لا المرادي احنا جايين عشان حياة مش عشاني. فرحها بعد أقل من اسبوعين, وعاوزينلها فستان فرح كويس.
فتحولت ناهد الى حياة وقد زادت ابتسامتها: ألف ألف مبروك.وربنا يتمم بخير, وان شاء الله تلاقي عندنا حاجة تعجبك يا انسة حياة.
فردت حياة بابتسامة هادئة: الله يبارك فيكي.
ثم نظرت ناهد الى وليد بحيرة: وحضرتك بقا العريس مش كدة.
فاكتفى وليد بهز رأسه قليلا مؤكدا على كلامها. فاستأنفت ناهد وقد زادت حيرتها: بس مش عارفة الحقيقة انا شفت حضرتك فين قبل كدة؟
وتولت مريم الرد وهي تعرفها بشكل أوضح على وليد: ماهو دة الباشمهندس وليد جلال أخو يوسف جلال جوزي.
ناهد: ااااه. عشان كدة فيه شبه كبير ما بينكم. أهلا وسهلا بحضرتك.مبروك يا فندم وان شاء الله بالرفاق والبنين. وحقيقي انت عرفت تختار. فعلا عروسة زي القمر
فرد وليد بكلمة واحدة عبرت عن عدم رغبته في المزيد من الحديث: متشكر.
فتداركت مريم الامر سريعا حرصا منها على مشاعر تلك السيدة التي بدا عليها الاستياء من جفاء معاملة وليد: جرى ايه بقا يا مدام ناهد؟ انتي مش هتورينا الفساتين ولا ايه؟ ولا انتي مش عندك حاجات جديدة؟
وبالطبع كان حرصها على عملها كفيلا بنسيانها أي أهانة قد تتعرض لها من أي عميل وخصوصا ان كان في مكانة وليد جلال, فعادت اليها ابتسامتها من جديد وهي تقول: بالعكس مانتي عارفة بقا يا مدام مريم احنا الجديد كله عندنا, واتفضلوا وانتو تشوفوا بنفسكم.
مريم: طب تعالى معانا يا وليد.
وليد: لا انا هستناكم هنا لحد ما تخلصوا.
لم تلح مريم كثيرا في هذا الطلب حتى لا تتسبب في احراج أحد: اوك, واحنا كمان مش هنتأخر.
وبعد ان ابتعدوا عنه قليلا قالت ناهد هامسة: هو الباشمهندس ماله؟ انا شايفة انه متضايق.
مريم: لا ابدا. بس انتي عارفة بقا ان الرجالة مش بيحبوا المشاوير دي.
وبعد انتظار دام ما يقرب من النصف ساعة, عادت مريم لتجد وليد جالسا على أحد الكراسي وهو يغطي وجهه بين كفيه.مما جعل مريم تشعر بالألم من أجله: وليد!.
فنظر اليها وليد وقد رأت الحزن بعينيه وهو يسألها بصوت مهموم: ايوة يا مريم! خلصتوا؟
مريم: تقريبا, فيه فستان عجب حياة وهي بتقيسه دلوقت. مش هتيجي عشان تشوفه؟
كان لصمته أبلغ المعاني, فجلست مريم بجواره وقد رقت لحاله فحاولت التخفيف عنه: وليد! انا عارفة انك مجروح اوي, بس هي والله مجروحة اكتر منك. لكن انتو الاتنين لازم تحافظوا ع الشكليات. وكفاية اني أقولك ان مدام ناهد شكت في موضوعكم, يبقا ليه بس نخلي نفسنا عرضة للقيل والقال؟
وليد: يعني عاوزاني أعمل ايه يا مريم؟
مريم: ع الاقل تيجي معايا دلوقت واحنا بنختار الفستان.
وليد وهو ينهض معها: حاضر.
وأخذته مريم الى حجرة تبديل الثياب , وعندما رآها خالية تساءل: امال هما فين؟
مدام ناهد راحت مع واحدة جات نادتلها عشان تقريبا عندها مشكلة مع واحد من الزباين, اما حياة جوة في البروفة.
وبينما كانت تشير الى أحد الأبواب المغلقة تفاجأ وليد بأنه يفتح لتخرج منه حياة وهي تردي الفستان الأبيض الجميل المطرز بأكمامه الطويلة وتنورته الواسعة التي جعلتها تبدو كالفراشة بحجمها الصغير وخفة حركاتها التي توشك أن تجعلها تطير من فوق الأرض. خرجت وهي تبدو في قمة السعادة وتقول ممتدحة نفسها: ايه رأيك بقا يا مريم؟ انا طول عمري بليق في اللون…………….
لم تكن جملتها هي الوحيدة التي انقطعت لدى رؤيته, بل أيضا لقد ماتت الابتسامة على شفتيها. وكعادته معها أراد ألا يفوت الفرصة ليصفعها من جديد بكلماته الجارحة وسخريته اللاذعة ليكمل عوضا عنها: الأبيض؟!
شعرت حياة بغصة تكاد تخنقها والدموع تتجمع في مقلتيها فانسحبت بشكل تلقائي الى الوراء لتعود من جديد الى الغرفة التي خرجت منها للتو وتغلق الباب خلفها وكأنها تحتمي به.
مريم وهي تعاتبه: ليه كدة بس يا وليد؟
وليد بانفعال قليلا: انا ما قولتش حاجة غلط. وبعدين هي مش كل كلمة هقولها تفسرها على مزاجها,دي بتدلع يا مريم. ولما تخص دلعها بقا. يبقا بلغوني عشان نمشي.
ثم غادر الحجرة وقلبه يعتصر ألما, لا يعلم لم يقول دائما هذا الكلام الذي يتسبب في جرحه هو قبل أن يجرحها به؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ومر بقية اليوم دون أحداث تذكر وفي اليوم التالي نرى هدى مستلقية في فراشها تحتضن الوسادة وهي تجهش بالبكاء, فدخلت عليها هادية لتجلس بجانبها تمسح على شعرها : معلش يا بنيتي, بكرة تتجوزي سيد سيده.
فقالت هدى من بين دموعها : يعني هما مش مكفيهم اللي عملوه, لا وكمان جايين يعزمونا على فرحه؟ دة على اساس يعني اننا هنروح نهني ونبارك؟
هادية بنظرة شيطانية: ومين جال اننا مش هنروح يا بنيتي؟
هدى بصدمة: ايه, انتي بتجوليه دة يا اماي. بجا عاوزاني أروح أباركله عشان سابني وفضل بت البدري عليا؟
هادية: انا جولت اكدة بردك؟ احنا صحيح هنروح. بس عشان نتشفا مش نبارك ونهني.
هدى بعدم فهم: نتشفا! ازاي يعني؟
هادية بايضاح: هجولك يا بنيتي. بس لاول لازم نتأكد من ان عيلة البدري لسة مجاطعين ولدهم محمود.
هدى بتأكيد: ماهما فعلا لسة مجاطعينه, وهو اللي عمله دة يتنسي اكدة ببساطة اياك؟ دة حتى الباشمهندس علاء بيجولوا انه جه وجعد اهنا , وبيدور على شغل جريب من البلد بعد ما ساب شغله حدا يوسف ولد خالي لما عرف ان بت عمه هتتجوز اخوه. ما جولتليش بجا. ناوية على ايه؟
هادية: هتعرفي, بس روحي جيبي ورجة و جلم واكتبي اللي راح أجولك عليه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وجاءت ليلة الزفاف, وفي حجرة نوم وليد نجده مع أخيه يوسف الذي وقف يعدل له البدلة ورباطة العنق الخاصة به. فقال له وليد مازحا وهو يحاول ان يدفعه عنه برفق: يا عم اوعى بقا, مانا طول عمري بربطها لوحدي وانت ولا بتعبر أهلي.
يوسف: يا سيدي الليلة تختلف. انت عرييييييس.
وليد: وايه يعني؟!
يوسف بضيق: بس ياد, انت ايه فهمك انت في الكلام دة؟ بس المهم انك تشرفنا بقا الليلة وانت شكلك قفل كدة.
فرفع وليد كتفيه قليلا بثقة: اخوك طول عمره راجل يابني, ودايما مشرفك.
فدفعه يوسف بلطف وهو يقول له بغيظ: طب ياللا خلص بسرعة. وانا هتصل بمريم واشوف هما خلصوا ولا لسة؟
وليد: والله مريم دي خسارة في جتتك.
فقال يوسف وهو يميل على السرير ليلتقط هاتفه: يابني يعني انت اللي تستاهل واحدة زي حياة؟
وليد: سيبك سيبك, احنا اصلا اتنين ملهمش زي, ويا بخت مدامتنا بينا.
يوسف: مدامتنا! انت بتجيب الكلام دة منين؟
وليد وهو ينظر في المرآة ليتأكد من هندامه: التليفزيون يا ابيه يدق كل الأبواب.
يوسف وهو يضغط على بعض ازرار هاتفه: الله يخربيت التليفزيون اللي مضيعكم.
فتبسم وليد وهو ينظر الى صورة أخيه في المرآة وقد وضع الهاتف على أذنه ويقول: وعليكم السلام, ايوة يا مريم……..اه احنا خلاص خلصنا………وانتو كمان قربتوا تخلصوا؟……. اوك ع العموم احنا كلها نص ساعة ونكون عندكم…….ماشي سلام.
وأنهى يوسف المكالمة ليقول لأخيه: ياللا يا عم بقا.
وليد متذمرا: يا بني انت مش بتقول انهم لسة ما خلصوش؟ يبقا ليه الاستعجال؟
فقال يوسف وهو يضرب كفا بكف: والله لسة غشيم زي مانا قلت من الاول. يا بني انت اللي المفروض تكون مستعجل, وكمان انت نسيت نصيحتي ليك؟ مش قولتلك الستات ما بيحبوش يستنوا؟ كدة هتخليها تاخد عنك فكرة وحشة من أول يوم. افهموها بقا.
فضحك وليد وهو يضع ذراعه على كتف أخيه: طب ياللا بينا يا عم الدون جوان.
وخرج الأخوان من الحجرة لا يعلمان ما تخبئه لهما تلك الليلة
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي احدى الغرف بمركز التجميل نجد أخصائية التجميل تضع اللمسات الأخيرة من الزينة للعروسة التي حرصت على أن تبدو في غاية البساطة بتعليمات من حياة نفسها فأعطاها ذلك وجها ملائكيا يخطف الأنظار, فقالت سلمى وهي ترفع يدها الى السماء حين انتهت الاخصائية من عملها: عقباااالنا يا رب.
فنهرتها هالة بضربة خفيفة على ظهرها: انتي يا بت انتي هتفضلي متسربعة كدة ع الجواز لحد امتى, اهي سربعتك دي هي اللي بتطفش منك العرسان.
سلمى بغيظ: طب بس انتي يا ام حميدة, طبعا مانتي خلاص ضامنة حبيب القلب ومكلبشاه بالدبلة, الرك والباقي بقا ع الغلابة اللي زينا.
هالة: انتي غلابة انتي؟ دة انتي يتفاتلك بلاد يا شيخة, الله يكون في عونه اللي هيتهف في عقله ويتقدملك. اكيد امه دعت عليه في يوم مطرة.
سلمى وهي تدعي الحزن: طب الله يسامحك. دة انا حتى جوهرة بس مش لاقية اللي يكتشفني.
فضحك الجميع , وبينما وهن على تلك الحالة جاءت نورا مسرعة وهي تصيح بصوتها الحاد: العريس جه, العريس جه, العريس جه.
الى أن اقتربت من سلمى وهي تردد جملتها, مما جعل سلمى تغتاظ كثيرا وهي تقول لها: يابنتي ارحمي أهلي بقا. هتجوز انا ازاي دلوقت وانا ودني ضاعت بسببك؟
ثم توجهت الى حياة التي قد خلى وجهها من الحياة وهي تتشبث بيد مريم وترفض أن تتركها: ياللا بقا يا جميل, العروسة للعريس وانا هجري مع المتاعيس دول.
شعرت مريم بيد حياة التي أصبحت كالثلج فانحنت اليها لتهمس في اذنيها لعلها تستطيع أن تزيل عنها ذلك الخوف والقلق: اهدي يا حياة, مفيش داعي للقلق دة كله, وليد مش ممكن يأذيكي.
في الحقيقة لم تعلم حياة ان كان كلام مريم قد طمأنها أم انها ازدادت قلقا؟ ولكن ما كانت على يقين منه أن قدميها لن يحملانها حتى تقف لاستقباله, وبدا ان مريم قد قرأت أفكارة ودون أن يفطن أحد لذلك قد استطاعت أن تساعدها على الوقوف وحياة تنظر اليها بامتنان. الى أن دخل وليد بصحبة يوسف, وما ان رآها بالفستان الأبيض والحجاب الذي من نفس اللون حتى توقف في مكانه يتأملها بتمهل من رأسها الذي يعلوه تاجا جعلها تبدو كالأميرة مرورا بباقة الورد البيضاء التي قد أعطتها لها مريم وقد بدا انها هي التي تضفي مزيدا من الجمال على الزهور وليس العكس وكانت تمسك الباقة بيد وتتشبث بمريم باليد الأخرى وكأنها درع الأمان بالنسبة لها ,وقد بدأ صراع يدور بداخله بين القلب والعقل لا يعلم الى من سيستسلم فيهما؟
وقد ايقظه صوت أخيه وهو يميل عليه قليلا ويقول له هامسا وهو يصر على أسنانه: ما تتحرك يا لوح, الله يخرب بيتك هتكسفنا.
فاقترب منها بخطى ثابتة, و في كل خطوة كان يخطوها نحوها تشعر هي بأنها تبعده عنها لأميال حتى لم يعد يفصلهما شيء وفي ترقب من الجميع, لم يرض وليد أن يخيب ظن الحاضرين: فأخذ وجهها بين كفيه ومال نحوها ليطبع قبلة رقيقة على جبينها ويقول لها بنبرة رقيقة كانت قد افتقدتها معه منذ مدة طويلة: مبروك.
شعرت بأنه قد تم تخديرها كليا فلم تستطع الرد سوى بهزة خفيفة من رأسها, وتعالت الزغاريد من صديقاتها مصاحبة بالتهاني والتصفيق, وعندما جاءت اللحظة ليضع يدها في ذراعه. حاولت مريم سحب يدها برفق الا ان حياة زادت من تمسكها بها,وقد لاحظ وليد ذلك فأراد معالجة الأمر بفكاهة: جرى ايه يا ست مريم؟ ما تسيب عروستي. وانت يا عم يوسف, ما تيجي تاخد مراتك وتحلوا عن سمايا بقا.
فاستجاب يوسف لفكاهته ورد عليه وهو يقترب من مريم ويحتضنها بذراعه: انت ياللا ما ليكش دعوة بمدامتي, انت بقا ليك مدامتك وانت حر معاها بقا, اما انا بقا فهاخد مراتي ونروح مشوار كدة ع السريع وهنبقا نحصلكم بعدين.
وأخيرا استطاعت مريم ان تخلص يدها ليأخذ وليد مكانها ويضع يد حياة في ذراعه, فسألت مريم بدهشة: هو احنا مش هنروح معاهم؟
يوسف وقد بدا انه قد نسى العهد الذي كان قد قطعه على نفسه بأن يتجاهل وجودها معه: لا يا قمر, احنا هنروح مشوار سريع كدة الأول, وبعدين يبقا نحصلهم هناك.
مريم: مشوار ايه في الوقت دة؟
يوسف بنظرة غامضة: هتعرفي بعدين.

 

الحلقة الثامنة عشر
*وحين يندلع الحب*
أقيم حفل الزفاف في حديقة الفيلا كما كان متفق عليه وقد كان بالطبع على قدر كبير من الاستعدادات والفخامة ومسرح العروسين هو أيضا يمتاز رغم بساطته بالجمال والزينة عالية الأناقة والبهاء, كما حضره كبار الشخصيات بالدولة وكبار رجال الأعمال الى جانب أسرة حياة وصديقاتها. ويحيي الحفل بعض الفرق والمطربين المشاهير .
وفي مكان ما بالحديقة وقفت مها بجوار زوجها تتأمل في كل شيء حولها بانبهار و ذهول وهي تقول لمحمود: شايف يا أبو كريم العز والأبهة.
محمود برزانة: قولي ما شاء الله يا أم كريم.
ام كريم بتبرم: اخص عليك يا يا ابو كريم. انت فاكرني بحسد ولا ايه؟ ربنا يزيدهم ويباركلهم. ماهو في الاول وفي الاخر بنتنا هتتمتع في العز دة معاهم .مش هتبقا واحدة منهم؟
محمود: ادعيلها ربنا يسعدها مع جوزها. احنا مش عاوزين أكتر من كدة انشالله حتى تعيش معاه في كوخ وكمان ما تنسيش ان وليد مقرر انه يبدأ حياته بنفسه بعيد عن أخوه.
فقالت مها بامتعاض: يا خوية انا مش عارفة هو بيعمل كدة ليه؟ ماهو المفروض انه بردو ليه في المال دة زي اخوه يعني معقول برضه هيسيب حقه بالشكل دة؟
محمود بايضاح: يا ستي هو مش هيسيب حقه ولا حاجة وكمان الباشمهندس يوسف مش ممكن ياكل حق أخوه اللي هو اصلا أعز انسان على قلبه. بس وليد عاوز يثبت نفسه وشخصيته حاسس ان كل اللي حواليه دة من تعب يوسف وكفاحه ودة حقيقي لان أبوهم الله يرحمه مات وكانو لسة صغيرين والشركة كمان كانت لسة في بدايتها فالباشمهندس يوسف بقا بمساعدة عبدالرءوف الكامل ليه هو اللي وصلها للمكانة اللي هي فيها دلوقت. ووليد بقا عاوز يبدأ من الصفر زي ما اخوه تقريبا عمل عشان كدة حتى في الشركة مصر انه يقبض مرتب عادي زي كل الموظفين.
مها: ربنا يوفقه يا خوية عشان يقدر يسعد البنت ويهنيها.
محمود: يا ام كريم من امتى والسعادة في الفلوس يعني؟ سعادة بنتنا الحقيقية هتكون في حب جوزها ليها ودة اللي انا شايفة في عينيه عشان كدة انا مطمن على حياة.
وفي الناحية الأخرى نجد صديقات حياة تقفن معا جنبا الى جنب يتحدثون بمرح, فقالت هالة وهي تنظر الى الدبلة في يدها اليمنى: وانتي بقا امتى هتتنقلي للايد التانية؟ انا خلاص حسيت اني خللت في الخطوبة دي حتى مريم وحياة اللي اتخطبوا بعدي اتجوزوا قبلي.
نورا: طب ما تقولي لحبيب القلب يشد حيله شوية؟
هالة: لسة ياختي الشقة مش هتخلص الا بعد سنة تقريبا.
فقالت سلمى بغيظ: صحيح الناس دي لا حمد ولا شكرانية. احمدي ربنا يا هبلة انك عرفتي تكلبشي واحد وخلاص. اما الجواز دة بقا ييجي في وقته. الرك والباقي عليا انا والغلبانة دي.
فتصنعت نورا البكاء: اهىء اهىء اهىء. ما تفكرنيش ياختي, و خلينا نحزن في صمت.
ثم نظرت الى سلمى بتآمر: بقولك ايه يا بنت يا سلمى ما تيجي يا ختي ندورلنا على عريسين وسط الناس النضيفة دي.
سلمى: وانتي بقا فاكرة ان الناس النضيفة دي هتبص ليكي يا معفنة انتي؟
نورا بتذمر: انتي كدة يا سلمى دايما بتحبطيني.
سلمى: أحبطك! طب اتفرجي ياختي وانتي ساكتة.
أما عند مسرح العروس نجد البسمة المزيفة القناع الذي يخفي وراءه الكثير من الألام والقلوب الدامية, فكان كل من وليد وحياة في عالم منفصل عن الاخر؛ حياة لا تفكر الا في كيفية العلاقة التي ستكون بينها وبين زوجها والى الحد الذي سيصل اليه انتقامه منها والى متى يمكنها ان ان تتحمل اهاناته وجرحه لها؟ وهل يمكنها أن تأمل بأن الأوضاع بينهما ستتحسن في أحد الأيام؟ أو في حالة استحالة ذلك هل سيطلق سراحها أم انه سيظل يتلذذ بتعذيبها وإيلامها إلى مالا نهاية؟
وبجوارها يجلس وليد, وخلف تلك الابتسامة الجامدة يمكننا أن نرى الصراع المحتد بداخله, فمن ناحية عقله يصر على إن يكمل خطته التي بدأ بتنفيذها بالفعل مهما كان الألم الناتج عن ذلك, ومن ناحية أخرى فقلبه يتعذب كلما رآها تتألم و عندما يرى دموعها التي تنهمر كالشلال من بين جفونها يشعر بأنها كالسكين البارد الذي يمزق فؤاده قطعا صغيرة دون رحمة. ولكن لا مفر من ذلك.
جاء أعمام وليد لتهنئته, حسين ثم سليمان الى أن جاء دور هادية وكانت ابنتها هدى تقف بجوارها ونظراتها تقيم مريم باحتقار لا يخفى على أحد, اما هادية فكانت أبرع من ابنتها في التمثيل, حيث استطاعت أن ترسم ابتسامة كبيرة على وجهها وهي تصافح وليد الذي كان قد وقف احتراما وتقدير لأعمامه: ألف مبروك يا ولدي, وربنا يسعدك ويهنيك, ويرزجك بالخلف الصالح ان شاء الله.
يمكننا ان نقول أن وليد قد خُدع أيضا بتلك الابتسامة المزيفة, فأجابها وقد شعت الفرحة من عينيه: الله يبارك فيكي يا عمتي, وعقبال هدى.
وكانت هدى أسرع من أمها في الرد باقتضاب: لا. انا هكمل تعليمي الاول.
وليد: اكيد طبعا ربنا يوفقك.
ثم تقدمت هادية من حياة وهي تبذل جهدا كبيرا لضبط أعصابها, فصافحتها وهي تقول بتأني وتشدد على كل كلمة تتفوه بها: مبروك يا عروسة.
تجاهلت حياة اللهجة الساخرة التي تحدثت بها هادية, وردت بابتسامة مهذبة: الله يبارك في حضرتك.
وفور ابتعادهما, نظرت حياة إلى وليد لأول مرة منذ أن وصلا الى الفيلا لتقول بلهجة طبيعية وتلقائية: عمتك مش بتحبني ولا كمان بنتها. وطبعا ليهم حق.
وليد: مش فاهم.
حياة: انا عرفت انك كنت المفروض تتجوز هدى, عمتك قالتلي دة في فرح مريم ويوسف, وطبعا انا في نظرها دلوقت واحدة خطفت عريس بنتها.
ثم سألته فجأة, وكأنها تذكرت أمر هام: هو انت صحيح ليه ما اتجوزتهاش؟
فابتسم وليد وامتلأت عيناه بنظرات استطاع ان يجعلها مليئة برغبة جامحة تلتهمها التهاما: لاني زي ما قلتلك قبل كدة. انا عاوزك انتي. وبصراحة انا مش من نوع الرجالة اللي ممكن يتجوزوا اتنين لارضاء رغباتهم, انا ست واحدة بس تكفيني. وانتي الست دي.
أخجلها رده الصريح, بل الوقح وهذا أقل وصف استطاعت أن تجده حياة مناسبا لكلامه, فقررت أن تعود لصمتها من جديد فيبدو أن هذا هو الدرع الوحيد الذي سيجنبها اهاناته المتكررة.
ونعود مرة اخرى الى محمود و مها التي قالت باستياء: شايف يا ابو محمود. شايف عيلة سليم جايين يباركو لابنهم ازاي؟ يعني حتى الزعل اللي بينهم ما قدرش يمنعهم انهم يقفوا جنب ابنهم في ليلة زي دي. اما احنا فحسرة علينا مفيش حد من عيلة العروسة غيرنا احنا. واهلك مفيش حد منهم رضي يعبرنا.
محمود محاولا اخفاء حزنه بقدر استطاعته: خلاص بقا يا ام كريم, واللي حصل حصل.
مها: بس انا صعبان عليا اوي البنت شايف فرحتها ناقصة ازاي؟ كأنها يا عيني حاسة ان هي السبب في اللي بيحصل دة. عشان كدة تلاقيها بتتقهر جواها.
محمود بانفعال بسيط: ان شاء الله كل حاجة تتحل قريب. وكل اللي حصل دة يتنسي وترجع المية لمجاريها. المهم دلوقت سعادة بنتنا وليلتها اللي بندعي ربنا انها تتم على خير.
مها: يارب يا خوية يارب.
وفجأة التفتت مها الى البوابة الرئيسية, فهتفت وهي توجه زوجها الى حيث تنظر: بص, بص يا ابو كريم مين جه دلوقت؟
فتطلع محمود الى حيث اشارت, وكانت المفاجأة الكبرى بالنسبة له حيث رأى أخاه منصور وبرفقته ابنه علاء وبعض رجال العائلة منهم من يرتدي الزي القاهري من قميص وبنطلون وأغلبهم يرتدي الزي الصعيدي المعروف من الجلباب والعباءة والعمة. وكأن الحياة عادت له من جديد حيث ظهرت السعادة على ملامحه وهو يقول لزوجته: مش قولتلك يا ام كريم؟ كل هيتنسي في أقرب وقت.
ثم ذهب لاستقبال رجال العائلة بخطى سريعة الى أن اقترب منهم وهو يفتح يديه على مصراعيهما لاحتضان أخيه الذي استسلم لعناقه دون أي استجابة من ناحيته: اهلا اهلا يا خوي. انا كنت خابر بردك انك مش ممكن تسيب أخوك لصغير في ظرف زي دة, ايوة طبعا امال ايه, ماهي حياة بردك بتكم ويهمكم سعادتها ولازم تفرحولها اكتر مني كمان. تعالى يا خوي وانتو يا رجالة باركوا لبتكم و جوزها.
تعقبه الرجال في صمت ينذر بالشر, ولكن جعلته فرحته العارمة يغفل عن ذلك. فاتجه بهم الى حيث يجلس وليد وحياة, فوقف وليد لتحية الضيوف بابتسامته الالية التي ارتسمت على وجهه فور رؤيتهم. وقام محمود بدوره في تعريف كل منهما للأخر مبتدءا بوليد: الباشمهندس وليد عريس بنتي.
ثم أشار بيده الى منصور وهو يكمل: ودة منصور أخوي الكبير وعم حياة.
فمد وليد يده ناحية منصور بغرض مصافحته وهو يقول بكل تهذيب: اهلا اهلا يا عمي. شرفتنا.
فتجاهل منصور اليد الممدودة اليه وهو يرد ببرود قاتل يخفي وراءه غضب جامح: وانت فضحتنا يا ياشمهندس.
اصابت الدهشة كل من محمود ووليد وكذلك حياة, وكان وليد هو أول من استطاع الرد: فضحتكم؟! يعني ايه؟ مش فاهم.
وبدا محمود منفعلا وهو يسأل بصوت متقطع من فرط الدهشة: ايه الكلام الي انت بتجوله دة يا منصور؟
منصور: اسأل الباشمهندس ولا اسأل بتك.
وليد وهو يحاول الا يفقد اعصابه: يسألنا عن ايه؟
منصور بعينين تقدحان الشرر: يسألكم ع السبب اللي يخلي بته تسيب ولد عمها وتتجوز غيره. وعن السبب اللي يخليكم تعجلوا بجوازكم, لا وكمان تعملوه اهنا بعيد عن البلد, خايفين من ايه يا باشمهندس؟ خايفين لسركم ينكشف؟
بدأ محمود بالفعل يفقد أعصابه: منصور! ما تجولنا جصدك ايه عاد من غير لف ودوران؟
فأشار منصور اللي ابنه الذي يقف بجواره: جولهم يا علاء يا ولدي, الناس في البلد كلاتها بتجول ايه عن بت عمك وولد سليم؟ جولهم انهم بيجولوا ان بتنا غلطت مع ولد سليم وعشان اكدة عجلوا بجوازهم عشان يتجنبوا الفضيحة.
وصل محمود الى قمة غضبه لدرجه انه أمسك أخيه من كتفيه وهزه بعنف وهو يصرخ في وجهه: جطع لسان اللي يجيب سيرة بتي بحاجة عفشة. حتى لو كنت انت يا ولد ابوي.
وهنا تحدث علاء بنبرة حاقدة وعدوانية: خلاص يا عمي. تعالى اجطع لسان كل الناس اللي في البلد حدانا, يمكن تجدر تخرسهم.
فقال محمود بحدة وثقة تامة: ايوة هخرسهم كلاتهم, وهثبتلهم ان بتي, بت محمود البدري أشرف من بت أي حد منيهم.
علاء ساخرا: يعني هتعمل ايه مثلا يا عمي؟
فنظر محمود بعيون جامدة الى وليد: معلش يا وليد يا ولدي, احنا لازم نأجل الفرح و نعمل الدخلة في البلد عندنا.
شعر وليد بالخوف الذي استولى على حياة حتى دون أن ينظر اليها, ولكنه لم يجد أمامه ما يستطيع أن يطمئنها به, فقرر أن يخوض التحدي وهو على علم مسبق بخسارته, ولكنه لم ييأس من المحاولة: ايه الكلام اللي انت بتقوله دة يا عمي؟ احنا خلاص عملنا الفرح هنا واللي كان كان, وحياة بقت مراتي ومحدش ليه عندنا اي حاجة.
محمود: لا يا بني دة شرف بنتي. وانا لازم اردلها كرامتها أدام كل البلد.
منصور: يبجا تسافروا الليلة معانا, والدخلة تتعمل بكرة.
وليد محتجا بقوة: وانا مش موافق, وهاخد مراتي دلوقت ونروح على شقتنا.
وأمسك بيد حياة وساعدها على النهوض ولكن قبل ان يتحركا, اعترض علاء طريقهما وبصحبته رجلان أخران ذات أجسام ممتلئة وكل منهما يمسك بيده عصا ضخمة, وهو يقول ببغض و تهديد صريح: مش بالبساطة دي يا باشمهندس, دة كلام رجالة ولازم يتنفذ, واللي اتفجنا عليه هيحصل, دة شرف ولازم يتصان.
فتسمر وليد في مكانه وهو يشعر بأصابع حياة تكاد تنغرس في ذراعه من شدة خوفها وقلقها مما يمكن أن يحدث. اما هو فحاول ان يركز تفكيره في هذا الوضع الذي وجد نفسه فيه باحثا عن أي تسوية مرضية يمكن ان تخرجه من تلك الورطة بأقل الخسائر.
وعلى مقربة منهما نجد ابتسامة هادية الكريهة تعلو وجهها وهي تقول لابنتها التي كانت تراقب الموقف بصمت: شفتي بجا مش جولتلك ان الفرح راح يتجلب جنازة؟
هدى باستخفاف: وايه يعني؟ ماهم برديك هيعملوا الدخلة في البلد ويكتشفوا انها بت بنوت, وكأنك يا ابو زيد ما غزيت.
هادية بنظرة خبيثة: يبجا ما انتيش شايفة خضة ولد خالك هو وعروسته اول ما عرفوا انهم هيسافروا البلد وكنهم خايفين ليتكشف سترهم.
هدى بدهشة وعدم تصديق: جصدك انهم……….
فوضعت هادية اصبعها على فمها وهي تقول لابنتها بهمس: هسسس, ما تكمليش لحد يوعالنا وخلينا نتفرج من بعيد.
وفي مكان بعيد نسبيا عن كل المدعوين الذين يراقبون ما يحدث في صمت , وقفت هالة ونورا تنظران الى سلمى التي كانت تضغط بعض الازرار في هاتفها الجوال بيد مرتعشة, وهما يستحثانها على الاسراع, فقالت نورا باستنكار: معقول اللي بيحصل دة, مش العادات دي المفروض انها خلصت من زمان.
هالة: خلصت عندنا احنا بس وكمان مش في كل المناطق, اما الصعيد بقا فمتمسكين بيها الى أقصى حد, ما تيللا يا سالمى بقا.
سلمى بحنق: بيديني غير متاح شكل الشبكة مش حلوة.
هالة: حاولي مرة واتنين وتلاتة, بسرعة قبل ما تحصل كارثة.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
جلست مريم بجوار يوسف في سيارته في الكرسي الأمامي, حيث كان الكرسي الخلفي يحتله كل من عبدالرءوف الكامل وابنته وردة التي كانت تمسك بيد أبيها اليمنى وهي تقبلها بحنان: ألف حمدالله على سلامتك يا بابا. معقول تكون وصلت البلد من أكتر من اسبوعين وانا معرفش غير النهاردة؟
فربت عبدالرءوف على كتفها برقة واشفاق: معلش يا بنتي, للظروف أحكام.
وردة: أحكام دي ايه بس اللي تبعدني عنك بالشكل دة؟ بس اللوم مش عليك, اللوم والحق على يوسف ومريم, كان لازم يبلغوني اول ما وصلت بالسلامة.
عبدالرءوف: لا يا بنتي, هما ما لهومش ذنب, جوزك وعمايله هما السبب, كان مانع اي حد من انه يتصل بيكي. فأول ما يوسف عرف انه مسافر رتب كل حاجة عشان يجيبك المستشفى.
وردة: طب و كمال يعمل كدة ليه؟
عبدالرءوف: هييجي الوقت وتعرفي كل حاجة, عشان ساعتها ما تلومنيش على اللي هعمله فيه.
وردة وهي تقبل يده مرة اخرى برجاء: ابوس ايدك يا بابا, ابوس ايدك. لو كان كمال غلط في اي حاجة يبقا بلاش تاخد ابني بذنبه.
فمسح عبدالرءوف على رأسها بحنان: ربنا يقدم اللي فيه الخير يا بنتي.
فأدارت مريم وجهها اليهما وهي تسأل جدها بعتاب رقيق: بس انت يا جدو كان لازم تقولي بميعاد خروجك من المستشفى عشان كنت أبقا معاك من اول اليوم.
فظهرت ابتسامة رقيقة على محياه وهو يقول: فكرت انا ويوسف اننا نعملهالك مفاجأة.
مريم بسعادة: أجمل مفاجأة بالدنيا يا جدو, ربنا يخليك لينا وما يحرمنا منك ابدا.
عبدالرءوف: ولا يحرمني انا كمان منكم.
ثم سمعت مريم صوت جرس هاتفها الضعيف يتصاعد من حقيبتها, ففتحت الحقيبة وأخرجت الهاتف وما ان رأت اسم المتصل زادت ابتسامتها وهي تقول ليوسف: شكلنا كدة اتأخرنا, وصاحباتي بيرنوا عليا.
يوسف: طب ردي على صاحبتك وقوليلها ان كلها ربع ساعة ونكون عندهم.
ففتحت مريم المكالمة وهي تقول مازحة: السلام عليكم, ايه يا سلمى يا رخمة؟ انتو دايما كدة لايصين من غيري؟
ثم تجهم وجهها وهي تقول بانزعاج وقلق: ايه؟ بتقولي ايه؟……طب يا بنتي اهدي شوية وفهميني بالراحة……….يوووووووه ما تهدي بقا. مش فاهمة منك حاجة.
فنظر اليها يوسف بقلق: فيه ايه؟
مريم وهي لا تزال تضع الهاتف على اذنها: مش عارفة, مش قادرة افهم منها حاجة, كل اللي سمعته انهم عاوزين ياخدوا حياة ووليد………..
وفور سماع اسم أخيه تبدلت ملامحه من الارتياح الى القلق والانزعاج ومد يده الى مريم آمرا: هاتي الموبايل.
فأطاعته مريم على الفور دون نقاش وبدأ هو يتحدث عبر الهاتف: ايوة يا انسة سلمى, ياريت بالراحة كدة وفهميني ايه اللي بيحصل عندك بالظبط؟
ثم أخذ يستمع اليها بصمت ووجهه لا ينم عن أي تعبير حقيقي يكشف ما بداخله, الى ان قال أخيرا بلهجة متزنة: طب خلاص, انا كدة فهمت, اوك كلها ربع ساعة ونبقا عندكم ان شاء الله, مع السلامة.
وبعد ان أنهى المكالمة بدأ يضغط بعض أزرار الهاتف لاجراء مكالمة أخرى فسألته مريم في قلق: فيه ايه يا يوسف.
يوسف بهدوء: ثواني لو سمحتي يا مريم.
ثم وضع الهاتف على أذنه في انتظار ردا من الجانب الأخر, وبعد لحظات قليلة بدأ يتحدث: ايوة يا مدحت انا يوسف جلال. بقولك عندك كام جارد فري في الشركة؟………….طب تمام, ياريت تبعتهملي كلهم ع الفيلا خلال ربع ساعة,…………هقولك بعدين يا سيدي……….لا انا برة بس عاوز اوصل الفيلا الاقيهم هناك……..تمام اوي……..مع السلامة.
شعرت مريم بأن هناك أمر خطير فكررت سؤالها: هو فيه ايه يا يوسف؟
يوسف دون أن يفقد هدوئه: خير ان شاء الله.
لم تطمئن مريم للهجته وكانت تشعر بداخلها أن الأمر ليس هين كما يحاول يوسف تصويره لها, كما ان قلبها كان يحدثها بأن صديقتها في خطر.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
ونعود مرة أخرى لنجد أن الوضع تأزم كثيرا, وتعالت الأصوات, ومن بينهم صوت منصور: ماهو بمزاجكم أو غصب عنيكم اللي اتفجنا عليه هو اللي هيحصل برضاك او من غيره.
وليد بغضب وكانت حياة لا تزال تتشبث بذراعه: ازاي يعني؟ هي سايبة؟ اللي هيقرب من مراتي مش هيكفيني فيه عمره.
علاء بتحدي: اكدة؟ طب يا ولد سليم احنا هناخدها ودلوجيت , وأعلى ما في خيلك اركبه.
وتقدم علاء منهما ينوي الشر ولكن قبل أن يصل اليهما سمع الجميع صوت طلقة نارية ينبعث من الخلف. فجمد كل في مكانه , ثم ظهر يوسف وهو يشق الصفوف وصولا اليهم وفي يده سلاح صغير, وعندما وصل اليهم سألهم بنظرة ثابتة: ممكن حد يفهمني ايه اللي بيحصل هنا بالظبط ؟
وكان علاء هو الذي تولى الرد عليه بصوت حانق: احنا هناخد حياة وجوزها ونتم فرحهم في البلد عندينا.
نظر اليه يوسف باحتقار: انا بكلم الرجالة مش العيال.
فاحمر وجه علاء غضبا وهو يستعد للانقضاض على يوسف: انت بتجول ايه؟ انت مش عارف بتكلم مين؟
فتجاهل يوسف كلامه ونظر الى منصور يسأله: فيه ايه يا حج منصور؟
منصور: فيه ان بجا راسنا في الطين خلاص يا باشمهندس, ومش هنعرف نرفع راسنا جدام الناس غير لما الباشمهندس وليد ينفذ طلبنا.
فألقى يوسف نظرة سريعة الى وليد فرأى في عينيه نظرات الاعتراض. فعلم أن الأمر خطير بالفعل, ففكر سريعا ثم قال للجميع: طيب ممكن لو سمحتوا ندخل جوة عشان نتكلم براحتنا.
علاء بانفعال: مفيش كلام غير عندينا في البلد يا باشمهندس.
وأكد منصور على كلام ابنه: ولدي عنديه حج. نسافر لاول ونتفاهم هناك في بلدنا.
يوسف بحزم: مادام كدة بقا؟ يبقا معلش, لا انا ولا أخوية ولا مراته هنتحرك من هنا خطوة واحدة.
علاء: هية بالعافية اياك؟
يوسف: سميها زي ما تسميها.
فأمر علاء باقي الرجال: بجا اكدة؟ طب ياللا يا رجالة هاتوهم وياللابينا نعاود ع البلد.
وقبل ان يتحرك أحد من مكانه تعالت صوت طلقات النيران من كل جانب, فاتجهت الانظار لمصدر الصوت ليجدوا مجموعة من الحراس ذات الأجسام الضخمة وكل منهم يمسك سلاحا ناريا بيده ويحيطون بكل الموجودين, فنظر يوسف الى علاء ومنصور بابتسامة ساخرة وهو يقول بلهجة تهديد مبطن: انا بقول نتفاهم هنا الاول وبعدين يبقا نشوف هنعمل ايه
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
جلس يوسف مع محمود في حجرة الصالون برفقة منصور و علاء وبعض الرجال الاخرين , وكان الجدال قد احتد كثيرا, فقال يوسف ولم يتخل عن هدوئه بعد: مين اللي طلع الاشاعة دي؟
علاء بانفعال: هو دة كل اللي هامك يا باشمهندس؟ ومش همك كل اللي اتجال؟
يوسف مؤنبا: ودة كان المفروض هو اللي يهمكم بردو باعتبار ان حياة بنتكم وانتو اولى الناس للدفاع عنها وعن سمعتها. واي حد يقول كلمة في حقها كان لازم تقطعوله لسانه وما تسمحوش ان الكلام دة يوصل لغيره.
منصور: وادي الكلام وصل للبلد كلاتها والحل الوحيد دلوجيت انهم ييجوا معانا والدخلة تتم في البلد عشان تتجطع كل الالسنة من نفسيها.و الا بعد اكدة سيرتها هتكون لبانة في وسط الخلج من كبيرهم لصغيرهم. جولت ايه يا باشمهندس؟
فقال يوسف بجدية وصرامة: طيب اسمعوا أخر الكلام اللي عندي بقا.الفرح خلاص هيتم هنا زي ما اتفقنا من الاول و من اللحظة اللي فيها وليد كتب كتابه على حياة وهي خلاص بقت مراته يعني بقت واحدة مننا, من عيلة سليم واللي هيقول كلمة واحدة في حقها كأنه اتعدى عليا أنا شخصيا وساعتها بقا مش هيكفيني دمه هو لوحده, لا دة هيبقا بحر دم هيغرق هو وكل عيلته فيه.
ثم جال بعينيه في وجوه جميع الحاضرين ليرى تأثير كلماته عليهم, وبعدها استأنف حديثه بنظرة محذرة: فيه حد عنده كلمة تاني عاوز يقولها؟
وعندما لم يتلق ردا من أحد, نهض قائلا وهو يهم بالرحيل: طب عن اذنكم بقا لان ورايا معازيم معرفتش ارحب بيهم كويس, وطبعا لو حابين تحضروا معانا الفرح فدة أكيد شيء يشرفنا. ياللا بينا يا استاذ محمود عشان تحضر زفة بنتك.
ثم تركهم وخلفه محمود وهم ينظرون بعضهم لبعض في ذهول وقد ألجمتهم كلماته.
فور خروجهما توجهت اليهما كل من مها و مريم وقد أسرعت مها بالسؤال: خير يا جماعة؟ وصلتوا لايه؟
يوسف: اطمني حضرتك, كل شيء خلاص انتهى وياريت تخليكي مع بنتك تطمنيها.
فنقلت مها نظرها الى محمود في تساؤل فهز لها رأسه موافقا وهو يضع ذراعه حول كتفها: ياللا بينا ام كريم نطمن على بنتنا.
ثم توجها الى مسرح العروس تاركين يوسف ومريم وحدهما ينظران لبعضهما في صمت, وكانت نظرات يوسف محبة وهو يتأملها بشغف, مما جعل خدي مريم تتوردان من الخجل وهي تسأله: انت بتبصلي كدة ليه؟ هو انا فيا حاجة غريبة؟
يوسف بصوت حالم قد اخترق كل دفاعات مريم: انتي جميلة أوي يا مريم.
وقبل أن تقوم مريم بالرد وقد ارتسمت ابتسامة ساحرة على شفتيها سمعا الاثنان صوت انثوي ناعم يقول بدلال: أخيرا لقيتك يا يوسف؟ على فكرة بقا انا مخصماك, ازاي يا وحش ما تعزمنيش على فرح أخوك.
وجد الاثنان علياء تقترب منهما بخطوات متمايلة بها بعض الاغراء ثم وضعت يدها في ذراع يوسف بتملك وهي تكمل: بس ولا يهمك, انا قلت انك اكيد نسيت, عشان كدة جيت لوحدي, ماهو البيت بيتي بردو.
وقفت مريم واجمة وقد ماتت الابتسامة على وجهها.

 

حلقة التاسعة عشر
*الزوج العاذب*
فتح وليد باب شقته, وقد أفسح الطريق لحياة لكي تسبقه اليها, فدخلت حياة بخطى مترددة, بل لولا دخوله خلفها وإغلاقه للباب سريعا كان من الممكن أن تتراجع وتفر هاربة الى بيتها حيث أسرتها الصغيرة التي تشعر بينها بالأمان وهو ما تفتقده بالفعل في تلك اللحظة. أجالت حياة بعينيها في أنحاء الشقة الواسعة فتلك أول مرة تطؤها قدميها, لانها رفضت أن تفعل ذلك في اليوم الذي اختارت فيه فستان الزفاف بعد كلمات وليد المهينة لها. فوجدتها الآن تمتاز بالذوق الرفيع في كل شيء سواء من تناسق الألوان أو فخامة الأثاث وتوزيعه الدقيق في مختلف أنحاء الشقة بحيث يوضح مدى اتساعها وجمالها. ظلت حياة تتأمل محتويات الحجرة بدقة وإعجاب واضحين أبعدها للحظات عن الواقع الذي تعيشه, حتى انتفضت على صوت يهمس في أذنها من الخلف: عجبتك الشقة؟
ابتعدت حياة عنه قليلا وهي تواجهه لتجيب على سؤاله بنبرة تمنت أن تبدو طبيعية: أه, جميلة ورقيقة أوي. ربنا يجعلها فتحة خير عليك ان شاء الله.
صحح لها وليد مشددا: علينا, ولا انتي نسيتي انك مراتي؟
هزتها الكلمة بقوة من الداخل وهو ما حاولت ألا تظهره له, ولكن بدا أن لا شيء يمكنه أن يخفى عن تلك النظرات المتفحصة, أو أن عينيها كانت صادقة اللي أبعد الحدود, حيث سمعته يسألها بنظرات مسددة الى عينيها مباشرة: ايه؟ خايفة؟
وعندما وجدها تغرق في صمت دون أي أمل في الرد, قال: بس ياريت ما يكونش مني.
وعندما اقترب منها وأمسك بيدها شعرت برعشة تسري في كل أنحاء جسمها, ثم قال وهو يسحبها خلفه برفق: تعالي أفرجك على باقي الشقة.
وقادها الى حجرة الصالون ثم الى حجرة الطعام التي تحتوي على طاولة متوسطة الحجم يحيط بها العديد من الكراسي ثم المطبخ وبعده الى حجرة نوم صغيرة وأنيقة أخبرها بأنه قد أعدها للضيوف ممن تحكم الظروف ليبيتوا عندهم ليلة أو أكثر, وأخيرا أدخلها حجرة النوم الرئيسية ذات السرير العريض وخزانة الملابس الكبيرة والتسريحة التي تشغل تقريبا منتصف الحائط, كما أنها تضم أريكة وزوجين من الكراسي ذات المساند المريحة.
اذن فهل جاء وقت تسديد الدين؟ وما ان خطرت على بالها تلك الفكرة حتى ارتعش جسمها تلقائيا, وقد لاحظ وليد ذلك وهو الذي كان يسد منفذ الباب بجسمه الطويل ويستند على الباب بمرفقه فسألها وهو يقترب قليلا منها: ايه؟ بردانة؟
لم يكن سؤالا عاديا, بل كان فيه من السخرية ما جعل الدموع تتجمع في مقلتيها, فهي تعلم حق العلم أنه مدرك تماما لسبب ارتعاشها ولكن سؤاله كان فقط لاستفذاذها وكأن رؤيته لها تتألم سببا أساسيا يكمل به سعادته التي تسببت هي نفسها في انقاصها, ولكن هل ستستسلم له ليذيقها مزيدا من العذاب لن يمكنها تحمله؟
ولكنه ظل ينظر اليها طويلا بصمت فزاد من ارتباكها لذا قررت ان تبدأ بالحديث فمهما كانت كلماته لاذعة فهي أرحم بكثير من ذلك الصمت المطبق الذي يكاد يخنقها, فقالت له وهي تتجنب النظر اليه: على فكرة, انا متشكرة أوي يا باشمهندس.
وكالعادة يقوم بالتصحيح لها: وليد, انا اسمي وليد, مفتكرش يعني ان فيه واحدة بتنادي جوزها وتقوله يا باشمهندس. لكن متشكرة على ايه؟
حياة وهي تبتلع ريقها بصعوبة: على اللي عملته معايا النهاردة, الحقيقة انت طلعت شهم لدرجة ما كنتش متخيلاها, واحد زيك ما كنش قبل على نفسه اتهام زي دة, وكان ممكن يريح نفسه من أي جدل ويقول الحقيقة.
وليد بلهجة موضوعية: وتفتكري ساعتها اني كنت هبقا محط احترام اي حد؟
حياة: ع الاقل ما كنتش هتبقا مضطر انك تحاول تثبت براءتك من تهمة انت مليكش يد فيها.
وليد ونظره مثبت الى عينيها: مش انا اللي أعمل كدة يا حياة, ولو كنت انا الشخص اللي انتي متصوراه دة كان ايه اللي يجبرني اني اتجوزك؟
فسارعت حياة بالنفي: لا انا أسفة .انا ما كنش قصدي كدة. انا كنت أقصد…………
فقاطعها وليد باشارة صارمة من يده وهو يقول: ما يهمنيش أعرف كان قصدك ايه؟ وبعدين أكيد احنا مش هنقضي الليلة كلها في شرح أمور انتهت خلاص.
ثم أشار بيده الى باب أخر بالغرفة وهو يكمل: دة الحمام, ادخلي وغيري هدومك.
وعندما لمس ترددها ووجدها تنظر اليه بارتياب, فسألها ساخرا: ايه؟ مالك؟ ناوية تنامي بالفستان ولا ايه؟
لم ينتظر ردها بل توجه الى خزانة الملابس وهو يقول بلا مبالاة: ع العموم براحتك.
فتح خزانة الملابس وأخرج بعض الثياب الخاصة به وحملها بيديه وهو يتوجه الى خارج الحجرة وعندما مر بحياة القى اليها نظرة سريعة وهو يقول: تصبحي على خير.
راقبته حياة بذهول يغلق الباب خلفه بهدوء وهي لا تصدق ما يحدث. فهل هو حقا قد ترك لها الحجرة؟ لقد قال لها قبل أن يغادر: تصبحي على خير, فهل ذلك يعني أنه قد نوى أن ينام في مكان آخر؟ انها حقا لم تستطع أن تستوعب الأمر برمته, لقد أخبرها قبل الزواج بأنه يريدها, وقد أكدت لها عينيه ذلك بما فيهما من رغبة. اذن فلم تصرف معها على هذا النحو؟ لم هذا العزوف المفاجىء الذي لم تتوقعه منه؟ فهل كان كل ذلك مجرد تمثيل؟ اذن فما الهدف الذ يسعى اليه من وراء ذلك؟ سؤال لن تجيب عنه سوى الأيام.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
جلست مريم وهي تغلق احدى علب الأدوية بجوار جدها الذي كان مستلقيا على السرير وتقول له: بالشفا ان شاء الله يا جدو.
عبد الرءوف: متشكر أوي يا بنتي, تعبتك معايا. بس جوزك بقا هو اللي أصر اني اجي أقعد معاكم الفترة دي. ويوسف لما بيصر على حاجة ما حدش بيقدر يراجعه حتى أنا.
مريم وهي تقبل جبينه: اوعى تقول كدة تاني يا حبيبي, ربنا يخليك ليا يارب ويقومك لينا بالسلامة. وكمان كان مين غيري يقدر ياخد باله منك؟
عبد الرءوف: كنا نجيب أي ممرضة من المستشفى وخلاص.
مريم بلهجة مشاكسة: اه, قول كدة بقا؟
عبدالرءوف بعدم فهم: أقول ايه؟
مريم: قول انك اتعودت على شغل الممرضات داخلين خارجين عليك, ومين عارف؟ ما ممكن تكون عنيك زاغت على واحدة فيهم, وقررت انك تتخلى عن حياة العزوبية.
ابتسم عبدالرءوف بضعف: الله يجازيكي يا مريم , وهو انا وش كدة بردو؟
مريم: وليه لا بقا يا سي جدو؟ وهو انت كبرت بقا يعني ولا كبرت؟ طب ايه رأيك بقا ان انا فعلا بفكر أجوزك بدل مانت قاعد لوحدك كدة. دة انا حتى لقيتلك العروسة. واحدة صاحبتي. سلمى مانت عارفها. هي صحيح مجنونة حبتين بس طيبة وهتموت على اي عريس والسلام.
فضحك عبد الرءوف وشعرت مريم بالسعادة لانها كانت السبب في تلك الضحكة الصافية من أعز انسان عليها, ثم سمعته يقول لها: طب ياللا روحي نامي بقا , انتي زمانك تعبانة اوي, يوسف قالي انك تقريبا من اول اليوم وانتي واقفة على رجليكي, الا صحيح, هو لسة ما جاش من برة؟
فأجابت مريم بضيق: لا لسة يا جدو. من ساعة ما خرج يوصل اللي اسمها علياء دي وهو لسة ما رجعش.
لمح عبدالرءوف الغيرة بعينيها فزادت ابتسامته وهو يقول: معلش. اكيد فيه حاجة عطلته في الطريق.
فقالت مريم وهي لا تشعر بأن صوتها قد احتد ونبرته قد امتلأت بالغيظ: أو يمكن تكون الست هانم عزمت عليه انه يقعد معاها شوية فهو طبعا مقدرش يقولها لا.
وهنا لم يستطع عبدالرءوف أن يكتم ضحكته. فاغتاظت مريم كثيرا وازادت عينيها اتساعا وهي تقول غضبا: ممكن اعرف انت بتضحك على ايه يا جدو؟
تمالك عبدالرءوف نفسه وهو يقول محاولا تهدئتها: طب انتي متعصبة ليه بس دلوقت؟ يعني كنتي عاوزاه يشوفها في الحالة اللي هي كانت فيها دي, وهي مش قادرة تقف على رجليها , ويسيبها كدة تروح لوحدها؟
مريم متهكمة: لا طبعا ازاي؟ وهو ما بيفوتوش اي واجب.
عبدالرءوف: يا بنتي حرام عليكي, ما تظلميش الراجل, ما انتي كنتي شايفاها بنفسك.
مريم وهي تستمر في تهكمها: اه شفتها, يا عيني كانت بتطوح هنا وهناك وما كنتش قادرة تسند نفسها من الزفت اللي كانت شارباه.
ثم سمعا صوت سيارة تتوقف في الأسفل بحديقة الفيلا. فقال عبد الرءوف لمريم: جوزك جه, يالا بقا قومي وروحي اوضتكم.
ثم أشار نحوها باصبعه محذرا: واوعاكي يا مريم تكلميه في الموضوع دة او حتى تحاولي تتخانقي معاه, الرجالة اللي زي يوسف ما بيحبوش حد يحاسبهم وخصوصا لو كانت مراته.
مريم بدون اهتمام وكأن الامر لا يعنيها: وانا هكلمه ليه يعني؟ وانا مالي؟ يعمل اللي يعجبه ولا يهمني.
ثم أمالت رأسها نحوه وقبلت جبينه بقبلة حانية: تصبح على خير يا جدو.
فرد عبدالرءوف لها القبلة على خدها وهو يقول: وانتي من أهله يا مريم.
ثم تركته مريم وغادرت الحجرة وهي تغلق الباب خلفها, فابتسم عبدالرءوف وهو يعيد الكلمات التي قالتها بسخرية: يعمل اللي يعجبه ولا يهمني؟! ما ابقاش انا عبد الرءوف الكامل لو الليلة دي ما انتهتش بخناقة. والله يكون في عونك بقا يا يوسف. جرب نار الغيرة من اللي بتحبك بقا.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
دخلت مريم حجرتها لتجد يوسف يخلع الجاكيت الخاص به ويلقيه على احد الكراسي باهمال وهو يخرج صفيرا متناغما من بين شفتيه. وقد كانت عيناه تنطق بالسعادة العارمة جعلت مريم تغلي غضبا وهي تشعر بحاجة ماسة الى البكاء وتقول له: ما لسة بدري. كل دة كنت بتوصلها؟
تلقاها يوسف بابتسامة واسعة: طب قولي مساء الخير الأول, جدك خلاص نام؟
شعرت مريم ببعض المراوغة في سؤاله, فسألته: وكلامك دة بقا اسميه ايه؟ هروب مثلا؟
لم يبد عليه انه على الاستعداد للدخول في اي جدال. فأغمض عينيه قليلا وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه ليخرج صوته هادئا مصحوبا بابتسامة رقيقة:هروب! هروب من ايه يا مريم؟
مريم: من سؤالي.
غلبته روح الدعابة وهو يقول متصنعا النسيان: سؤال ايه؟ مش فاكر.
مريم بعصبية وغضب: كنت فين كل دة يا يوسف؟
حاول يوسف ان يمنع الابتسامة من الظهور على شفتيه حيث بدا انه يتلذذ كثيرا برؤيتها على تلك الحال وقرر ان يستمر في مراوغته لها, وهو يقول بجدية مصطنعة: مانتي عارفة كنت بوصل علياء لانها ما كنتش تقدر تسوق وهي في الحالة دي, وما كنش ينفع اني أخليها تركب تاكسي لوحدها.
مريم: اه, انا عارفة كدة كويس بس كمان ما كنتش اعرف ان بيتها بعيد اوي كدة للدرجة اللي تخليك تتأخر أوي بالشكل دة.
يوسف: لا هي شقتها مش بعيدة ولا حاجة. انا بس اللي ما حبتش امشي قبل ما اطمن عليها.
مريم و هي تشتعل غضبا: يااااااااااااه ,للدرجادي؟ طب مادام هي تهمك اوي كدة ما كنت تخليك جنبها احسن وما كنتش تعبت نفسك وجيت.
جاهد يوسف كثيرا لخروج صوته طبيعيا وهو يكتم ضحكته و يدير ظهره لها حتى لا ترى الابتسامة في عينيه: الحقيقة هي طلبت مني دة, بس انا رفضت.
فارتفعت نبرة صوتها وهو يقترب للصراخ تقريبا: وليه رفضت؟ ما كنت تبات عندها أحسن ماهي اكيد مش أول مرة. وانت شكلك مش هتتغير يا يوسف.
بدأ يوسف يضيق ذرعا من هذا الجدال الذي قد اتخذ منحنى جديدا لم يعجبه فبدت نظرته محذرة: مريم! الزمي حدودك, لاني مش هسمحلك تعلي صوتك عليا مرة تانية.
تجاهلت مريم تحذيره واستأنفت تقول بنفس النبرة العالية: امال بتسمح لنفسك انت بس انك تهيني قدام كل اصحابي, وتخرج قدام الناس كلها مع اللي اسمها علياء دي وانت حاطط اديك على وسطها بتسندها وهي كمان رامية راسها على كتفك وكأنها ما صدقت, وكمان تروح شقتها وتتأخر عندها كل دة؟ من غير ما تراعي البني ادمة اللي في البيت ولا كأني مراتك.
يوسف بعيون جامدة توحي بالخطر: بأمارة ايه؟
لم تفهم مريم سؤاله فنظرت اليه بحيرة تسأله: قصدك ايه؟
يوسف موضحا بتأني مشددا على كلة كلمة يتفوه بها: بأمارة ايه بتقولي انك مراتي؟
فشعرت مريم بالارتباك يشوب كلماتها التي تخرج من فمها بدون اقتناع تام بها: قصدي المفروض اني مراتك, و كل الناس عارفة كدة, ودة يخليك مضطر انك تحافظ على شكلي وكرامتي قدامهم, دة حقي عليك.
فور سماعه لكلامها انفجر ضاحكا وكأنها قد ألقت عليه باحدى النكات, مما جعها تنظر اليه مشدوهة بنظرات فارغة لا تدري ان كان يضحك فعلا أو انه يسخر منها؟ ولم يتركها يوسف تنتظر كثيرا حيث قطع ضحكته فجأة ليسألها: انتي متأكدة من اللي بتقوليه دة؟
مريم وقد اهتزت ثقتها بنفسها كثيرا مما جعل كلماتها تخرج مشوشة ولا تحمل أي معنى حقيقي: ايوة طبعا متأكدة.
فاقترب منها يوسف كثيرا وهو يؤكد على كل كلمة يقولها دون أن يحيد بنظره عنها: يعني انتي مستعدة انك تديني حقوقي زي ما بتطالبيني بحقوقك؟
سألت مريم نفسها ان كانت قد فهمت سؤاله بشكل صحيح, حتى توصلت بالفعل الى المعنى الحقيقي وراء كلماته مما جعلها تحملق فيه بعينين متسعتين من شدة الذهول عاجزة عن الرد, و هو أيضا عندما رأى تأثير كلماته عليها لم ينتظر ردهها بل قال لها منهيا حديثه بلهجة جادة تقترب الى الهمس: نصيحة مني يا مريم ما تحاوليش تدخلي في أي جدال معايا لانك أكيد هتطلعي منه خسرانة, تصبحي على خير.
ثم اتجه الى حجرته وأغلق الباب بعنف ليكون صوت الباب هو الوسيلة التي أفاقتها من دهشتها, ولتقر بأنه على حق.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
في صباح اليوم التالي وقد تعدت الساعة العاشرة, استيقظت حياة من نومها وهي تنظر حولها بدهشة جاهلة بمكان تواجدها, وما هي الا لحظات حتى استعادت أحداث الأمس لتعلم أنها الآن في شقة زوجها الذي ينبذها ولكنه لايزال متمسكا بوجودها معه.
بعد ان نهضت حياة من الفراش و أعادت ترتيب سريرها , ذهبت الى الحمام لتغتسل وتبدل ثيابها, ثم فتحت باب الحجرة بحذر تتلفت يمينا ويسارا تتلمس وجوده في أي مكان, ولكن يبدو انه لا يزال نائما, فقررت أن تذهب الى المطبخ لاعداد الفطور فهي حقا تشعر بالجوع الشديد كما أنها لا تريد أن تكون أول فكرة يكونها عنها في بداية حياتهما الزوجية أنها كسولة, وبخطوات ثابتة توجهت الى المطبخ الذي لاتزال صورته مطبوعة في ذاكرتها حتى الان. وما ان خطت أولى خطواتها داخل الحجرة حتى تراجعت مرة أخرى خطوة للخلف وهي تكتم صرختها, بالطبع فهي لم تتوقع أنه قد سبقها الى المطبخ وقد أعد فطاره بنفسه, وهو الأن يجلس أمام الطاولة الصغيرة التي بالمطبخ ويتناول الفطار, وما إن أحس بدهشتها لرؤيته , رفع حاجبه في تساؤل: اللي أعرفه انهم في الأوقات دي بيقولوا صباح الخير.
ابتلعت حياة ريقها وهي تتغلب على صدمتها سريعا وقالت: صباح الخير, انا اسفة ما كنتش فاكرة انك صحيت.
فقال وليد بعد أن ارتشف بعضا من كوب اللبن أمامه: انا متعود دايما اني أصحى بدري عشان أفطر الاول قبل ما اروح الشغل في ميعادي.
فسألته حياة وهي تجلس أمامه في توجس: وانت هتروح الشغل دلوقت؟
بدا أنه كان في انتظار سؤالها ليرد عليها بسخريته اللاذعة ولكنها كانت قد اعتادت عليها: أولا المفروض ان دة يوم الصباحية وهيبقا شكلنا احنا الاتنين وحش اوي لو نزلت الشغل النهاردة, وثانيا المفروض ان مامتك هتجيلك النهاردة فهتقوليلها ايه بقا لما تسألك فين جوزك؟ ثالثا أنا المفروض اني ببقا موجود في مكتبي الساعة تسعة بالظبط والساعة دلوقت حداشر .
فقالت حياة بابتسامة مترددة: على العموم انا اسفة لاني اتأخرت في النوم فما عملتش الفطار.
وليد بجمود: حصل خير, بس ياريت ما تتكرش تاني, لاني متعود اني لما اصحى بلاقي الفطار جاهز دة غير اني مش بحب اكل برة.
فهزت حياة رأسها في موافقة وهي تقول باستكانة: ان شاء الله مش هتتكرر تاني.
فقال لها وليد في لهجة آمرة أقرب منها للطلب: فيه أكل في التلاجة فلو جعانة قومي جهزي لنفسك حاجة تاكليها.
وبالرغم من أنها تكاد تتضور جوعا الا أنها شعرت بالخجل الشديد لتعترف بذلك,فقررت ألا تفعل لتقول نافية: لا انا مش جعانة دلوقت.
فنظر اليها وليد متشككا ثم قال لها بلهجة حازمة وهو يستند بمرفقيه على الطاولة: بصي يا حياة, احنا مش هنقعد مع بعض مجرد يوم او اتنين, احنا متجوزين وبما ان مش في نيتي اني اطلق في يوم من الايام دة معناه اننا هنعيش مع بعض مدى الحياة ان شاء الله, يعني مفيش داعي لانك تحسي بالاحراج قدامي, لان دي مش هتكون اول ولا اخر مرة ناكل فيها مع بعض, ياللا اتفضلي حضري لنفسك الفطار وتعالي افطري معايا.
علمت حياة بأنه لن يفيد الجدال معه, لذا نهضت لتنفذ الأمر وكانت قد فقدت شهيتها بالفعل.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي غرفة نوم عبدالرءوف كانت تجلس مريم مرة أخرى بجواره وتسقيه بعض الحساء بيديها في اللحظة التي طرق فيها يوسف باب الحجرة المفتوح ثم تقدم الى الداخل وهو يقول: صباح الخير.
رد الاثنان معا: صباح النور.
وابتسم له عبدالرءوف وهو يقول له مداعبا: نموسيتك كحلي ياسي يوسف, الساعة في ايدك كام دلوقت؟
يوسف بعد أن نظر الى ساعة يده سريعا: الساعة حداشر وربع.
عبدالرءوف مؤنبا: بذمتك مش مكسوف تقولها؟ دة انت لو كنت موظف عندي كنت زماني طردتك من زمان قبل ما الشركة تضيع.
يوسف مبتسما: طب الحمد لله اني مش موظف عندك. ثم ان مفيش حاجة مستعجلة تستاهل اني اروح بدري عشانها, كل الشغل ماشي تمام اطمن.
عبدالرءوف بثقة تامة: ومين قال اني بشك في ادارتك؟ انا عارف ان كل الموظفين بيعملولك ألف حساب في غيابك قبل حضورك. بس قولي عملت ايه في موضوع محمد جمال؟
يوسف بغموض: طلع هو.
عبدالرءوف: وناوي تعمل معاه ايه؟ هتطرده؟
يوسف بابتسامة واسعة: هبقا عبيط لو عملت كدة, باستمراره معانا هستفيد منه أكتر.
عبدالرءوف: طب وكمال, ايه آخر أخباره؟
يوسف: لسة مسافر, وسمعت انه بيتفق على صفقة كبيرة, بس لسة معالمها مش واضحة.
عبدالرءوف: طب خلي بالك بقا.
فأومأ يوسف برأسه وهو يرى نظرات مريم المتسائلة تنتقل بينه وبين جدها, لذلك قرر الهائها بأمر أخر فاستأنف الحديث بلهجة أكثر مرحا: ياللا بقا عاوزين حاجة؟ اصل صاحب الشركة شكله ناويلي على نية, وباين عليا هطرد قريب. امتى بقا وليد يرجع للشغل تاني؟ والله الواد دة كان مريحني. كان هو في ناحية وانا في ناحية, دلوقت حاسس اني مشتت.
عبدالرءوف مازحا: يا أخي حرام عليك, سيبه يتهنى بعروسته شوية, ولا انت عاوزه يقلدك ويسيب عروسته في شهر العسل عشان ينزل الشغل؟
يوسف: لالالالا, هو اصلا ناوي من نفسه انه يقلدني, قالي انه بالكتير أوي تلات ايام ويرجع الشركة. عشان كمان مراته تروح كليتها.
عبدالرءوف ساخرا: انا مش عارف ايه عرسان اليومين دول اللي يا خوية يزهقوا من الجواز والعروسة بعد يوم او اتنين!
نظر يوسف الى مريم نظرة ذات معنى وهو يجيب على عبدالرءوف بتهكمه: معلش بقا يا عمي, الايام ادامنا كتير. ياللا بقا سلام عليكم.
وقبل أن يغادر الحجرة ناداه عبدالرءوف: يوسف!طب مادام انت رايح الشركة ماتاخد مريم في طريقك توديها الجامعة, بدل ما كل واحد منكم يمشي لوحده.
كانت مريم تلوم عبدالرءوف في سرها لاقتراحه هذا الأمر وحاولت التملص من ذلك الموقف وهي تقول متحججة: لا يا جدو شكل يوسف مستعجل وانا هعطله.
عبدالرءوف بالحاح: ولا مستعجل ولا حاجة. مش شايفاه قايم الساعة كام؟ وكمان انتو تقريبا طريقكم واحد دة غير انك جاهزة للخروج, يعني مفيش عطلة ولا حاجة.
مريم بتبرم: بس يا جدو انا مش ممكن امشي قبل ما تخلص فطارك واديك العلاج.
عبدالرءوف سادا أمامها كل منافذ الهروب: انا يا ستي الحمد لله خلاص شبعت, اما بالنسبة للعلاج اهو جنبي وهاخده بنفسي. ياللا ياللا ما تتحججيش بيا.
لم تر مريم أمامها سبيل آخر سوى الاستجابة لطلب جدها فقالت بانهزام أمام عيني يوسف التي تتتبعانها في ترقب: أمرك يا جدو.
ثم نهضت مرغمة لتضع الصينية التي في يدها على طاولة صغيرة في احدى زوايا الحجرة, وقالت لعبدالرءوف: طب انا مش هتأخر عليك, هشوفهم بس وصلوا لايه في المسرحية واذا كانوا محتاجين مني حاجة ولا لا, وبعدين هاجي على طول, وانت لو احتجت اي حاجة في غيابي رن الجرس اللي عندك وام ابراهيم هتطلعلك انا منبهة عليها.
فابتسم عبدالرءوف من دور الأم الذي تحاول مريم ان تؤديه أمامه رغم صغر سنها وهو يقول مطيعا: حاضر يا مريم, بس على فكرة بقا انا خلاص كبرت وأقدر اعتمد على نفسي كويس اوي.
فطبعت مريم قبلة سريعة على وجنته: ربنا يخليك ليا ويديك الصحة يا حبيب قلبي. ياللا بقا مش عاوز حاجة؟
فهز عبدالرءوف رأسه بالنفي: مع ألف سلامة.
وأفسح يوسف لها المجال لتتقدمه بخطوة, ثم خرج الاثنان معا
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي شقة علياء كانت تجلس وهي تستشيط غضبا, و ماهر يحاول تهدئتها: ما خلاص بقا يا لولا . اللي حصل حصل.
علياء وهي تشير باصبعها الى نفسها بتفاخر: بقا انا علياء القوصي ييجي عليا اليوم اللي يرفضني فيه واحد زي يوسف جلال, لا وعشان مين؟ عشان بنت مفعوصة لا راحت ولا جات.
ماهر بعقلانية: ما تنساش بردو ان البنت اللي انتي بتقولي عليها دي تبقا مراته.
علياء: طب وديني ليكون طلاقهم على ايدي وقريب اوي كمان, وبكرة تشوف يا سي يوسف.
ماهر: هيحصل يا علياء. وغلاوتك عندي ليحصل, بس كل حاجة هتيجي في وقتها.
فنهضت علياء فجأة وقالت وهي لاتزال تشتعل غضبا: انا هاين عليا أروح للي اسمها مريم دي دلوقت واديلها الكارت الميموري اللي معايا .
ماهر محذرا: لا اوعي, دة مش وقته, الكارت دة لو ظهر في ميعاد غير ميعاده مش هيكون ليه التأثير اللي احنا عاوزينه.
علياء صائحة: مانا كمان مش قادرة اقف كدة واتفرج وانا ساكتة, وكل ما افتكر شكله وهو بيرفضني احس بنار قايده جوايا, ومش هيطفيها الا لما انتقم لكرامتي.
ماهر: استني بس لما بابا يرجع من السفر, ونتفق على كل حاجة.
علياء: طب وباباك هيرجع امتى؟
ماهر: كلها اسبوع كتير ويخلص الصفقة اللي معاه ويرجع على طول. وبعدها بقا نبتدي اللعب اللي على اصوله.
علياء: طب وانا نصيبي كام من الصفقة الجديدة دي؟
ماهر وهو يمسك يدها ليجلسها بجواره وهو يبتسم: انا كلي ليكي ياروح قلبي, وكل اللي تؤمري بيه هتاخديه. بس انتي شدي حيلك معانا.
علياء: من غير ما تقول, وهو فيه حد بردو بيكره المكسب؟
ثم ادارت جسمها على غفله لتنظر اليه متسائلة: الا قولي صحيح, انت حقيقي ناوي تتجوز مريم دي بعد ما تطلق من يوسف؟
ماهر: طبعا, امال انا بعمل كل دة ليه؟
علياء بتذمر: انا مش عارفة البنت دي عاملة فيكم ايه مخلياكم انتو كلكم بتجروا وراها؟
ماهر مبتسما بخبث: عاملة فينا كتير, كفاية ميراثها من ثروة جدي عبد الرءوف الكامل, عرفتي بقا احنا بنجري وراها ليه؟
علياء بتشكك: يعني انت قصدك ان يوسف متمسك بيها عشان طمعان في نصيبها من الميراث؟
ماهر بثقة: طبعا يا بنتي, زيادة الخير خيرين. هو عاوز يضم شركة عبدالرءوف لشركته وياكل هو السوق كله لوحده بدون اي منازع. وكمان كفاية التسجيل اللي معاكي هو أفضل دليل على صحة كلامي. امال انتي كنتي فاكرة ايه؟
علياء بصوت سارح وكأنها تحدث نفسها و لكن بصوت مسموع: مش عارفة, بس لو صحيح يوسف زي مانت بتقول كدة يبقا ليه عمل معايا اللي عمله امبارح؟ وكأنه كان واحد تاني غير يوسف اللي اعرفه. زي ما يكون اتبدل تماما.

 

الحلقة العشرون
*رجل بكل الأمزجة*

“فشلت جميع محاولاتي
في أن أفسر موقفي
فشلت جميع محاولاتي
مازلت تتهمينني
كأني هوائي المزاج , ونرجسي
في جميع تصرفاتي
مازلت تعتبرينني
كقطار نصف الليل .. أنسى دائما
أسماء ركابي , ووجه زائراتي
فهواي غيب
والنساء لدي محض مصادفات
مازلت تعتقدين .. أن رسائلي
عمل روائي .. واشعاري
شريط مغامرات
وبأنني استعمل اجمل صاحباتي
جسراً إلى مجدي .. ومجد مؤلفاتي
مازلتي تحتجين أني لا احبك
كالنساء الأخريات”
******نزار قباني******
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
كان كالأسد الجريح يزرع مكتبه ذهابا وإيابا, حسنا فهو بالفعل يعترف بأنه قد أخطأ, ولكنه لم يفعل ذلك إلا لإغاظتها فقط, لمجرد أن يرى ماذا يكمن خلف هذا القناع الجليدي الذي ترتديه؟ ولكنه لم يتصور أن يفلت الزمام من يده بهذا الشكل, فلقد استطاعت أن تجرحه دون أن تدري, هي المرأة الوحيدة التي استطاع كلامها أن يغزو قلبه بتلك الطريقة العنيفة, فلقد تدرب كثيرا على غيرة النساء حتى اكتسب منها مناعة لا بأس بها, ولكن مع مريم كان الأمر مختلفا تماما, وقد حاول أن يعزي ذلك الأمر الى اتهامها المبطن له بالخيانة, ولكنه قرر يوسف ان يكون صريحا مع نفسه أكثر من ذلك, لذا لقد اعترف وان كان امام نفسه فقط بأن ما ازعجه هو علمه بأنها لم تهتم الا بكرامتها ووضعها الاجتماعي وكأنه لأول مرة في حياته يخسر نزالا مع امرأة , ولكنها لن تكون النهاية يا ابنة الكامل. فهي جولة واحدة من جولات عدة أعدك بأنني سأكون فيها الرابح بلا منازع.
سمع طرقات على الباب, أعادته الى الواقع, فجلس على كرسيه خلف المكتب وقد عقد العزم أن يولي كل اهتمامه لعمله: ادخل.
فدخلت السكرتيرة مي وتمسك بيدها ورقة لفتت انتباه يوسف, فرفع نظرة عينيه الى مي بتساؤال: فيه ايه يا مي؟
قدمت مي له الورقة وهي تقول: دة فاكس لحضرتك لسة واصل حالا من لبنان.
أخذ منها الفاكس. وقال لها: طب روحي انتي دلوقت يا مي واطلبيلي فنجان قهوة.
مي: امرك يا فندم.
وبعد ان خرجت السكرتيرة , القى نظرة الى الفاكس يقرأه, وما ان انتهى وضعه أمامه على المكتب وهو يقول محدثا نفسه: ياترى بتخطط لايه يا كمال؟
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
جلست مريم على أحد الكراسي بجوار سرير جدها تسيطر عليها دهشتها وهي تسأل: ممرضة؟! بس انا ازاي ما كنش عندي خبر بالموضوع دة قبل كدة.
جدها باسما: انا كمان ما كنتش اعرف غير لما جات هنا بعد ما مشيتوا بحوالي نص ساعة وقالتلي ان الدكتور عزت هو اللي بعتها بناء على طلب يوسف جوزك.
ففكرت مريم محتارة في أمر ذلك الرجل. فكيف له أن يهتم بأمور الجميع بهذا الشكل في وقت واحد؟ وبالرغم من خلافهما مساء أمس, وكذلك الصمت الرهيب الذي غرقا فيه خلال توصيله لها بسيارته في هذا الصباح, الا انه لم ينسَ أمر جدها, وقام بتدبير ممرضة لتهتم بشئونه في غيابها. لقد أصبح يشكل بالنسبة لها لغزا كبيرا يصعب عليها حله. وفي تلك اللحظة التي كانت تفكر فيه رأته وكأنه يتجسد من أفكارها الى الواقع يسد فتحة الباب بجسمه العريض فارع الطول, ولم تتأكد من انه حقيقة الا عندما سمعت صوته يقول موجها حديثه لجدها وهو يتقدم الى الداخل بلهجته المرحة التي أصبحت واثقة من أنه يستخدمها مع الجميع سواها:عال عال, واضح ان صحتك اتحسنت اول ما شفت الممرضة الجديدة.
تزين ثغر عبدالرءوف بابتسامة هادئة: الله يجازيك يا يوسف. بس تعالى هنا, انت ليه اصلا ما قولتليش موضوع الممرضة دي قبل ما تبعتها؟
يوسف: ما جتش فرصة, انا لسة اصلا مكلم دكتور عزت النهاردة وانا في الشركة.بس بذمتك مش احسن بردو؟
فهز عبدالرءوف رأسه: مفيش فايدة فيك.
وانتبه الجميع لصوت الطرقات الخفيفة على باب الحجرة المفتوح فاتجهت الانظار لتلك الشابة السمراء ذات الشعر الكستنائي الطويل والملامح الهادئة وهي تقول بصوتها الناعم ذات اللهجة الوقورة والتي تمتاز بالحزم تلك الصفة التي تغلب على معظم الممرضات: ميعاد الحقنة يا عبدالرءوف بيه.
فقال لها عبدالرءوف باذعان: أمري لله, ادخلي يا رحمة.
فاقتربت منه رحمة وأخذت تعد الحقنة, وخلال ذلك وبعد تقييم سريع لمظهرها, قال يوسف بابتسامة مداعبة: على فكرة يا آنسة رحمة, انا شكلي كدة هطلب من دكتور عزت انه يبعت حد غيرك.
كادت أن تسقط من يدها الحقنة وهي تسأل وقد فاجأها كلامه للغاية: ليه يا فندم؟ هو انا صدر مني حاجة غلط لا قدر الله؟
يوسف: لا, بس وجودك مع عمي فترة طويلة دة في حد ذاته خطر, مين عارف؟ مش ممكن يعجبه الوضع ويقرر انه يفضل عيان على طول؟ ياريتي انا اللي كنت مكانه.
فضحك كل من عبدالرءوف ورحمة, اما مريم فقد ظلت ملامحها جامدة وهي ترمقه بنظرات مليئة بالسخط كانت تفيض مما بداخلها من غضب.
فقالت رحمة , وقد عادت الجدية الى ملامحها من جديد: طب ممكن لو سمحتوا تخرجوا برة بقا؟
يوسف: أوك يا ستي, ياللا بينا يا مريم بقينا بنطرد.
وعندما خرجا وقد سبقته مريم الى غرفتها, وفور دخوله سمعها تقول ساخرة, وهي تجلس أمام المرآة تحاول الانشغال بسحب الدبابيس من طرحتها حتى لا تبدي اي اهتمام حقيقي: طب ما كنت تاخد رقمها بالمرة.
فسألها يوسف لمجرد ان يتأكد من ان الحديث موجها اليه: تقصدي مين؟
مريم: قصدي رحمة اللي انت كنت عايز تعيا مكان جدي عشان هي تهتم بيك.
حاول يوسف مشاكستها قليلا: لا مانا نسيت أقولك ان دكتور عزت عطاني رقمها عشان كنت هتصل بيها لو اتأخرت.
يبدو ان هذا الشخص دائما يبرز أسوأ ما في طباعها, ولكنها حاولت ضبط انفعالها وهي تبتسم ابتسامة صفراء,وقد انتهت من التخلص من طرحتها وأخذت تحرر شعرها الناري وهي تسأله باستهزاء: طب وياترى بقا ناوي تتصل بيها امتى؟
قرر يوسف مسيارتها في شكوكها دون محاولة منه لنفيها: أكيد لو احتجناها هنضطر نتصل بيها.
نهضت من مكانها لتتجه الى خزانة ثيابها وهي تشعر بغضب شديد وتحاول بكل جهدها ألا تبدي ذلك وهي تقول متهكمة: قصدك لو انت احتجتها.
فبدا الأمر بالنسبة له مسليا للغاية وثغره يعلوه الابتسامة وهو يعقد ذراعيه حول صدره بتحدي: معناه ايه كلامك دة؟ ويا ترى أقدر اعتبره غيرة؟
توترت شفتاها وهي لا تدري بما تجيب, و تحاول ان تشغل نفسها بالعبث بثيابها دون هدف لتجنب مواجهته وهي تقول بنبرة مرتبكة على غير ما أرادت: غيرة؟ من مين؟ وعلى مين أصلا؟
رد يوسف بلهجة واثقة دائما ما حسدته عليها لأن ذلك هو ما تفتقره في معظم مواقفها معه ومن ضمنهم ذلك الموقف الذي زجت بنفسها فيه دون أي حسبان لما قد ينتج عنه: عليا مثلا
فوجدت لسانها دون أن تدري ينطق بتلقائية ليزيد المشكلة تعقيدا: عليك انت؟! ليه؟
وما ان نطقت بتلك الكلمات التي بدا ان يوسف قد اعتبرها جرحا لكرامته وربما انقاصا من رجولته لتجده وقد جذبها من ذراعها فجأة بقوة وعنف لتصبح في مواجته وملاصقة له وقد كتمت صرختها التي كادت تنطلق من هول المفاجأة وكذلك الألم الذي شعرت به يغذو ذراعها نتيجة لأصابعه الممسكة بها وتكاد تنغرز فيه, مما جعلها تقول له وهي غير واعية تماما: انت مجنون؟
فهز رأسه نافيا وهو يقول بهدوء تام متأملا ملامحها بكل دقة وبطء: لا يا مريم, انا مش مجنون. انا جوزك ودي الحقيقة اللي انتي بتحاولي تتجاهليها فياريت بلاش تستفذيني عشان ما تخلنيش أعمل حاجة ممكن نندم عليها احنا الاتنين.
تقاربهما لهذه الدرجة المخيفة والتي لم تتوقعها جعلها ثابتة في مكانها لا تقوَ على الحراك إلى جانب أنها لم تستوعب جزءا كبيرا من كلامه, ولقد لاحظ هو أيضا ذلك فلم يشأ أن يفسد على كل منهما تلك اللحظة الفريدة التي يشعران فيها بالانسجام معا, وقد بدا انهما في عالم خاص بهما يفصهما عن كل ما حولهما, ودون أن يشعر رفع يده ليلمس خدها بظهر يده في مداعبة رقيقة وهو ينظر في عينيها بعمق دون أدنى مقاومة منها, وعندما طال الصمت بينهما, خرج صوته الأجش وهو يقول: مريم! انا………
لم يتم جملته حيث قطعتها طرقات متواصلة على الباب لتخرجهما من عالمهما وتعيدهما الى الواقع من جديد لتبتعد مريم عنه فجأة وكأنها قد أدركت أخيرا ما كان يحدث, ثم سمعته يتمتم بكلمات سريعة غاضبة استوعبت بعضها وقد فهمت منها أنه يشتم ذلك الطارق في داخله, وعندما لاحظ اصرار هذا الشخص سأل بصوت عال ينم عما يعتمر بداخله من غضب: مين؟
فجاءهما صوت رحمة ذات النغمة المبحوحة: انا رحمة يا فندم.
وعندما لاحظ تصلب جسمها وهي تنظر اليه بعينين عاتبتين قرر بأنه من المحتمل أن يطرد تلك الفتاة ان لم يكن الأمر الذي جاءت من أجله على قدر كبير من الأهمية لتقاطعمها في تلك اللحظة بالذات, فذهب ليفتح الباب وحاول أن يبدو صوته لبقا بقدر الامكان: خير يا رحمة؟ فيه ايه؟
رحمة معتذرة: انا اسفة جدا يا فندم, بس عبدالرءوف بيه عاوز حضرتك ومدام مريم في اوضته دلوقت.
يوسف: اوك, روحي انتي, وانا هبلغ مريم ونروحله.
رحمة: أمرك يا فندم.
ورحلت رحمة, ثم أغلق يوسف الباب وهو لا يفكر في شيء سوى كيفية تصليح علاقته بزوجته ليتكرر ذلك التقارب الذي كان بينهما منذ لحظات وقد أفسده كل من عبدالرءوف ورحمة.
وفي غرفة عبدالرءوف الذي كان يجلس تقريبا في سريره ويريح ظهره الى الخلف عندما دخلت عليه مريم مسرعة وقد احتضنته بلهفة وتقول: جدو! مالك يا حبيبي؟
وكأنها تحتمي بحضنه اما من يوسف الذي جاء بعدها على تمهل وإما من تلك المشاعر التي اكتشفتها فجأة عندما كان يحتضنها يوسف منذ قليل, مشاعر لم تكن تعلم بوجودها من قبل كما لم تعلم أيضا سبب ظهورها الآن فقط.
تفاجىء عبدالرءوف من تصرفها وابتسم فجأة وهو يحاول طمئنتها: فيه ايه يا مريم؟ انا كويس يا حبيبتي؟ انتي اللي مالك؟
ابتعدت عنه مريم قليلا ولعدم قدرتها بالطبع على اخباره بالحقيقة, فحاولت ان تراوغ بعض الشيء: ابدا يا حبيبي, انا بس لما رحمة جات وقالتلنا انك عاوزنا, اتخضيت عليك. خير يا حبيبي كنت عاوزنا في ايه؟
تطلع عبدالرءوف الى يوسف الذي كان يقف بعيدا بعض الشيء: ما تقرب يا يوسف. واقف بعيد كدة ليه؟
فاقترب يوسف وقد اختار أن يجلس بجوار مريم التي شعر بتشنجها فور لمسته لها, فقال عبدالرءوف الذي لم تكن تخفى عليه تلك الأمور, ولكنه لم يشأ أن يتدخل في الأمور ليس من حق شخص آخر سوى مريم ويوسف التدخل فيها, ولكنها حفيدته وهو ابن أعز أصدقائه, بل كان يعتبره ابنا قد عوضه الله به عن ابنه الحقيقي, لذا كان يحاول بطريقة غير مباشرة اذابة الحواجز التي بينهما لينعما بالسعادة التي يتمناها لهما من كل قلبه, و من أجل هذا الغرض قال بلهجة تنم عن البراءة التامة: والله يا ولاد أنا بدأت أحس اني عبء عليكم……..
وقبل أن يكمل قاطعته مريم لائمة: اخص عليك يا جدو, ازاي تقول كدة.
عبدالرءوف: اصلي يا بنتي من ساعة ماجيت وقعدت معاكم هنا حسيت اني ربطكم معايا. ودة بردو ما يرضيش ربنا يعني حابسين نفسكم معايا لا بتخرجوا ولا بتشموا هوا. غير يدوب بتنزلوا الا للجامعة أو الشغل.
مريم بمداعبة: وهو احنا كنا اشتكينالك بردو بقا سي جدو؟
أما يوسف الذي يعرفه حق المعرفة فلم تكن لتنطوي عليه تلك الحيلة ولكنه قرر أن يلتزم الصمت ليرى مالذي يبغيه صديقه من تلك اللعبة والتي بدا انها بالفعل قد جاءت على هواه هو أيضا. فاستمر عبدالرءوف باقناع حفيدته بوجهة نظره: يا بنتي ما تنساش بردو انكم لسة عرسان جداد, ودة حقكم, دة غير ان جوزك اصلا مش واخد على الحبسة دي, وفيها ايه يعني لما تخرجوا وتتفسحوا شوية مع بعض؟
مريم بدلال: ازاي بس نخرج نتفسح ونسيبك هنا لوحدك يا جدو؟
عبدالرءوف: يا حبيبتي انا كويس والحمد لله, وكمان معايا رحمة وام ابراهيم, ومجرد ساعتين يعني هتقضوهم برة مش هيبقوا مشكلة.
كانت مريم بالطبع تميل الى الخروج ليس لسبب سوى أنها تريد تأجيل وجودها مع يوسف وحدهما مرة أخرى فأزعنت لطلبه دون ابداء اللهفة التي بداخلها: خلاص اللي تشوفه يا جدو.
فنظر عبدالرءوف الى يوسف الذي لم يرفع عينيه عن مريم بل اكتفى فقط بمراقبة تعبيرات وجهها المختلفة: وانت يا يوسف, ايه رأيك؟
يوسف: انا معنديش مانع طالما مريم موافقة.
فتنهد عبدالرءوف بارتياح: تمام, انا حجزتلكم بالتليفون ترابيزة في مطعم هيعجبكم اوي, بس لازم تكونوا هناك الساعة سبعة يعني يدوب تلحقوا تجهزوا.
فابتسم يوسف وهو يضع ذراعا حول مريم ويضمها اليه بعفوية توحي لآي شخص يراهما للوهلة الاولي بأنهما عاشقين مغرم كل منهما بالآخر: شفتي يا حبيبتي, يعني عمي ما كنش بياخد رأينا ولا حاجة, دة كان مخطط ومرتب وبيبلغنا عشان ننفذ.
اغتصبت مريم ابتسامة لترد عليه بها وهي تصارع ذلك الشعور الغريب الذي أصبح يغمرها كلما اقتربت منه.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وفي المطعم الذي أخبرهما به عبدالرءوف استقبلهما النادل بحفاوة وتهذيب بالغين, فعميل كيوسف جلال فخر لكل مكان يدخله, أرشدهما النادل الى الطاولة التي حجزت خصيصا لهما وقد كانت معزولة بعض الشيء في ركن يبعد قليلا عن بقية الطاولات وتنيره إضاءة خفيفة تضفي عليه مزيدا من الخصوصية والجو الرومانسي, وبعد ان اختارا من قائمة الطعام ما يفضلانه وطلبا كوبين من العصير قبل تناول العشاء, تركهما النادل.
فنظرت مريم الى كل ما يحيط بهما باعجاب, وقالت باطراء: فعلا جدو كان عنده حق لما قال ان المكان هيعجبنا.
يوسف مبتسما: جدك من يوم ما عرفته وهو دايما عنده حق.
مريم مشاكسة: طبعا مانت تعرف جدو من زمان.
فقهقه يوسف بصوت خافت, ثم رد عليها ردا أغاظها: تقريبا من قبل مانتي ما تتولدي.
وعندما وجد ملامحها تتبدل ويبدو عليها الغضب فأكمل بلهجة جادة تقريبا: عاوزة توصلي لايه يا مريم؟ عاوزاني أعترف اني راجل عجوز؟ يمكن معاكي حق تقريبا, أصل انا طول عمري بسمع ان الواحدة ممكن تتجوز صديق باباها, لكن دي أول مرة أشوف واحدة بتتجوز صديق جدها.
مريم بلهجة صادقة: اللي زيك يا يوسف عمره ما هيعجز.
يوسف وقد استطاع أن يخفي نظرة الألم السريعة التي ظهرت في عينيه: بس بردو ما تقدريش تنكري فرق السن الكبير اللي بيننا.
مريم: تصدق ان أنا عمري ما حسيت بفرق السن دة من يوم ما عرفتك, صحيح لما جدو كلمني عنك تصورتك راجل كبير وبكرش.
ثم اتجهت عيناها الى شعره: وشعرك كله أبيض أو ع الاقل معظمه, يعني زي كل رجال الاعمال اللي دايما بنشوفهم في التليفزيون.
جعلته يبتسم رغما عنه وهو يقول: انا بجد آسف لاني خيبت ظنك وما طلعتش زيهم.
فبادلته مريم الابتسامة في حين كان يضع النادل أمامهم العصير, وبعد ان رحل سأل يوسف: قوليلي بقا حسيتي بايه بعد ما شوفتيني مختلف عن الصورة اللي كانت في دماغك؟
مريم بعد ان ارتشف قليلا من كوبها: اتصدمت طبعا , واتغظت أوي بصراحة لاني كنت بانية امال كبيرة ع الموضوع دة, كان نفسي الاقي فيك اي عيب أقنع بيه جدي عشان اقدر ارفضك, وخصوصا لما حسيت انك انت كمان كنت واخد عني فكرة معينة مش كويسة.
يوسف موافقا: فعلا, بس أنا بردو معذور بعد ما عرفت انك كنتي عايشة لحد فترة قريبة في بلد أجنبية لها عادات وتقاليد مختلفة تماما عن عاداتنا وتقاليدنا, لكن قوليلي بقا حياتك هناك كانت عاملة ازاي؟
لم يعجبها تماما طريقته في تغيير الموضوع الى جانب اصراره دائما على اختراق عالمها بينما لا يسمح لها هي بذلك, ولكنها أحبت تلك اللحظة من المصارحة التي تحدث بينهما, ومهما حدث فقد قررت الا تضع نهايتها بيدها لذا عزمت على ان تجيب سؤاله بكل مصداقية: طبعا حياتي هناك مش كانت سهلة اوي وخصوصا بعد ما ارتديت الحجاب اللي طبعا كانت ماما رافضاه تماما زي ما كانت رافضة حاجات كتير كنت بعملها و حاجات اكتر كنت مش بحب اعملها.
يوسف: زي ان يكون ليكي boy friend مثلا؟
شعرت مريم باحراج شديد من صراحته المفاجئة لها حيث بدا وكأنه يقرأ أفكارها: اه, كانت اوقات تتضايق لما تلاقيني برفض صداقة الاولاد, الحقيقة مش هي لوحدها كل زمايلي كانوا بيعتبروني شاذة.
ثم نظرت اليه بطرف عينيها لترى وقع كلماتها عليه وعندما رأت بعض العبوس على وجهه سألته بحذر: هو انا قولت حاجة زعلتك؟
فأضاءت الابتسامة وجهه وهو يجيب: تفتكري اني ممكن ازعل وانا بسمع اني أول راجل في حياة مراتي؟
فأفلت لسانها دون أن تدري: بالنسبة لتاريخك النسائي دة يخليني أشك.
وضعت يدها على فمها وهي لا تدري لما تفوهت بتلك الكلمات التي بدا انها لم تهز فيه شعرة واحدة وهو يقول بهدوء: شوفي يا مريم, انا مش هضحك عليكي واقولك اني كنت عايش قبلك حياة الرهبان يعني, صحيح مر بحياتي بعض الستات بس مش بالشكل اللي الصحافة بتتكلم عنه.
مريم: أمال بأي شكل؟
للمرة الثانية يفلت لسانها بكلمات لم تكن لتنطق بها في ظروف أخرى, ولكنها وجدته يتلقى سؤالها بصدر رحب: يعني انا عمري ماكنت دون جوان زي ما بيقولوا, لان كل الستات اللي كنت أعرفهم كانت بتجمع بيني وبينهم المصلحة في الاول وفي الاخر وهما كانوا عارفين كدة كويس.
مريم: حتى علياء؟
يوسف: واشمعنا علياء بالذات؟
حاولت مريم أن تركز انتباهها على كوب العصير بيدها حتى لا يزيد توترها وهي تقول: يعني , يمكن عشان هي دي الوحيدة اللي اتعرفت عليها, وواضح كمان ان علاقتك بيها لسة مستمرة لحد دلوقت.
احتضن يوسف بكفه يدها التي ترتكز على الطاولة, ثم وضع أصابع اليد الأخرى تحت ذقنها ليرفع وجهها اليه برفق وهو يهمس اليها تقريبا: لو كنتي تقصدي الليلة اللي وصلتها فيها فهتصدقيني لو قولتلك اني دخلتها شقتها ومشيت على طول؟
مريم: أمال ايه اللي أخرك كل دة؟
يوسف: كان فيه كمين في الطريق وطبعا ما كنش ينفع أكسره عشان ارجع بدري واتجنب الاستجواب اللي كان في انتظاري… ايه؟ مصدقاني ولا لا؟
كيف لها أن تكذبه ونظرات الصدق تشع من عينيه وتخترق قلبها؟ لذا أومأت برأسها موافقة بابتسمة أسرته, ولكنه عاد الى وضعه الطبيعي عندما لمح النادل يقترب منهما حاملا أطباق العشاء إلى أن انتهى من وضعه أمامهما على الطاولة.
وأمسك يوسف بالشوكة والسكينة مستعدا لتناول طعامه ويقول: على فكرة يا مريم الاكل في المطعم دة لذيذ جدا, يعني حتى لو مكنتيش جعانه, فريحته نفسها هتجوعك.
مريم مازحة وهي تتناول بدورها الشوكة والسكينة: يعني المفروض اني أشمه الاول قبل ما اكل؟
فتبسم يوسف بمرح ظاهر, وكان كل منهما يسعد بتلك اللحظات التي يقضيانها في هذا المكان وقد ذابت معظم الحواجز التي بينهما, ولكن الى متى سيستمر ذلك الصفاء؟ جاءت الاجابة على هذا السؤال سريعة جدا عندما سمعا صوتا ذكوريا مهذبا يقول: مساء الخير.
تطلعت أنظارهما الى صاحب هذا الصوت, فهتفت مريم بصوت خافت من دهشتها: أستاذ خالد؟
أما يوسف فبعد أن ألقى نظرة سريعة الى تعابير وجهها نظر الى خالد وقال بطريقة لبقة: مساء النور. أي خدمة؟
خالد وقد أربكه هذا الاستقبال الغير مرحب على الاطلاق: لا أبد, انا بس حبيت أطمن على مدام مريم, لانها مشت النهاردة وكان شكلها تعبان شوية, ولما شفتها قصدي شفتكم هنا في المطعم قولت أسلم عليكم, وانا اسف لو كنت تسببت في أي ازعاج.
وكان سؤال يوسف الصريح: مين حضرتك؟
فتولت مريم مهمة التعارف وهي تشعر بنظرات يوسف الحادة مصوبة الى كل منهما: أستاذ خالد صلاح معيد في كلية إعلام وهو البطل ادام حياة في المسرحية اللي بنحضرلها.
ثم أشارت إلى يوسف: يوسف جلال جوزي, رجل أعمال.
فمد خالد يده لمصافحته بابتسامة واسعة: أكيد طبعا يوسف بيه غني عن التعريف.
فصافحه يوسف ببرود: تشرفنا يا استاذ خالد. اتفضل اتعشى معانا.
رفض خالد عرضه بتهذيب وهو يشير إلى طاولة تبعد عنهما قليلا وتجلس عليها شابة تقريبا تقريبا أكبر من مريم بسنتين أو ثلاث: متشكر أوي يا فندم ومرة تانية ان شاء الله, ومعلش بقا أستأذن عشان معايا أختي, وألف سلامة عليكي للمرة التانية يا مدام مريم. وياريت بقا نشوفك بكرة في البروفا ان شاء الله, عن اذنكم.
اكتفت مريم بابتسامة باهتة وايماءة بسيطة من رأسها وهي تتوقع استجوابا من زوجها فور رحيله, ولكن عكس ما توقعت فلم يعلق يوسف بشيء ولكن قد اختفى سحر تلك اللحظات التي عاشاها سويا قبل ظهور خالد المفاجىء, وقد أكمل يوسف تناول وجبته بصمت أما هي فقد أجبرت نفسها على تناول القليل من الطعام حيث أنها قد فقدت شهيتها ولم تعلم ما السبب؟
عادا الى الفيلا وقد سبقته مريم الى حجرتها بخطوات واسعة فيما يشبه العدو فقد شعرت بغضب مكبوت بداخله بحاجة الى من يشعل فتيله, وسرعان ما لحق بها, ولقد صدقت تكهناتها حيث أغلق الباب خلفه بعنف وجاءها صوته الهادر يسألها:اسمعي يا مريم انا استنيت لحد ما نرجع بيتنا بس عشان ما اعملش مشاكل في مكان عام, بس دة مش معناه اني موافق على اللي حصل. فممكن تقوليلي بقا مين خالد صلاح دة وايه علاقتك بيه بالظبط؟
الآن فهمت لِمَ لم يعلق على الامر في حينه, فشعرت بالغضب يتسلل اليها بسبب اتهامه غير الصريح, وردت بعنف ثائرة لكرامتها: علاقة ايه اللي انت بتتكلم عليها دي؟ أستاذ خالد دة زي ما قولتلك بالظبط في المطعم هو معيد في كلية اعلام وبطل المسرحية اللي انا بصمم الديكور بتاعها.
لم تهدأ ثورته بعد ولكن قد انخفضت نبرة صوته قليلا: ودة بقا يديله الحق انه أول ما يشوفك في مكان ييجي يسلم عليكي؟
مريم: لا طبعا مش للدرجة, هي كل الحكاية اني النهاردة واحنا شغالين حسيت اني تعبانة شوية, فاستأذنت منهم وروحت بدري , عشان كدة هو أول ما شافني في المطعم كان من الذوق طبعا انه ييجي ويطمن عليا. وأفتكر انه لو كانت نيته حاجة تانية ما كنش جه وهو شايفك قاعد معايا. ودة أكبر دليل على حسن نيته. وبعدين الموضوع ما كنش يستاهل كل اللي انت عملته دة.
خرج صوته باردا بشكل مخيف: ماشي يا مريم, بس اسمعي آخر الكلام بقا, أنا مش عاوز أسمع انك اتكلمتي مع الشخص دة مرة تانية. مفهوم؟
مريم: يعني ايه بقا؟ انت ناسي أصلا اننا بنشتغل مع بعض في مكان واحد؟ يعني الطبيعي انه ممكن يكلمني وأكيد هرد عليه.
يوسف بلهجة حاسمة: يبقا تسيبي المسرحية دي خالص.
لم تصدق مريم ما سمعته أذنيها, بل انها لم تتوقع منه هذا التحكم المفرط في حياتها, لذا لم تستطع اخفاء غضبها: يعني ايه بقا؟ انت اصلا مش ليك الحق انك تطلب مني حاجة زي كدة.
يوسف: اظاهر يا مريم اني لازم أفكرك كل شوية انك مراتي وليا كل الحقوق عليكي.
مريم بتحدٍ ظاهر: وان رفضت؟
يوسف وقد رفض الهزيمة بعنف وهو يرد لها التحدي بنظرة جليدية: انتي أذكى من انك تعانديني يا مريم. واللي قولت عليه هو اللي هيحصل بإرادتك أو غصب عنك.
كانت مريم على يقين بأنه بالفعل يستطيع ارغامها على كل ما يريده فهو من ذلك النوع الذي لا يقبل التحدي وهذا ما يقر به بعض رجال الأعمال الذين يوقعهم حظهم في التعامل معه. ولكنها مثله ترفض الاعتراف بالهزيمة بسهولة فقالت: يعني ايه بقا؟ ناوي تحبسني مثلا؟
يوسف: لو دي كانت الوسيلة الوحيدة قدامي مش هتردد اني اعملها يا مريم.
ثم تركها في حالة من الذهول الشديد ودخل حجرته.
قاسي, عنيف, همجي, تلك هي الألفاظ التي أطلقتها عليه من خلال ذلك الموقف وقد ندمت على اللحظات القليلة التي كانت تصفه فيها باللطف والحنان والسحر.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
وذات صباح, جلس كل من وليد وحياة أمام مائدة الطعام لتناول وجبة الفطار, وقد كان وليد يرتدي ثيابا للخروج استعدادا لمغادرة المنزل, فبدت حياة مترددة قليلا وهي تقول: وليد.
لم يرد عليها وليد, بل انه لم يلق لها بالا على الاطلاق, فاستمرت وقد شعرت بثقتها تتزعزع بسبب تجاهله المتعمد لها: انا كنت عاوزة اروح الكلية النهاردة. البت سلمى عمالة تزن عليا عشان انزل للبروفات وبتقول اننا كدة مش هنقدر نقدم المسرحية في ميعادها.
ثم صمتت قليلا لترى ردة فعله, ولكنه لم يرفع نظره عن الطبق الذي أمامه, بل لم يبد عليه اطلاقا بأنه قد سمع حديثها, فحاولت أن تعيد ما قالته مرة أخرى بنبرة أعلى: وليد, انا بقولك………..
قاطعها صوته الهاديء: انا سمعت كويس اللي انتي قولتيه, ع العموم معنديش مانع بشرط انك ترجعي بدري.
حياة بإذعان: حاضر.
وليد وقد بدأ ينظر اليها وان كانت نظراته لاتزال باردة الا انها أفضل من تجاهله: هتنزلي امتى؟
حياة: بعد مانت ماتنزل على طول هغير هدومي وأتصل بمريم عشان تعدي عليا.
فقال وليد بلهجة آمرة أكثر منها اقتراح: وليه تخلي مريم تقطع المسافة دي كلها لهنا وبعدين تروح الجامعة؟ انا بقول ان من الافضل اني أوصلك في طريقي, وتقدري تدخلي تغيري هدومك عقبال ما اخلص فطار.
حياة: بس انت كدة ممكن تتأخر. وانت قولتلي انك مش بتحب تتأخر على مواعيد الشغل.
وليد بغموض: لا, النهاردة الوضع اختلف, لاني مش هروح الشغل كموظف.
حياة مستوضحة: يعني ايه؟
وليد: هتعرفي بعدين, ياللا بقا عشان انتي ما تتأخريش.
لم تنزعج من لهجته الأمرة فلقد اعتادت عليها خلال الايام القليلة التي قضتها معه تحت سقف واحد وقد ظل خلالها باردا متحفظا قاسيا في معظم الأوقات, كما انها وبخت نفسها كثيرا على سذاجتها التي جعلتها تعتقد أنه من الممكن أن يشركها في أمر يتعلق به, فهي ليس لها الحق تماما في التدخل في شئون حياته أما هو فله الحق كل الحق في التحكم في كل حياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *