في قبضة الأقدار نورهان العشري ٢

#القبضة_الرابعة
#نورهان_آل_عشري
الصدمه التي لا تقـ,ـتلك ستجعلك أقوي بكل تأكيد ! مقوله أشبعتني ضحكًا حد البكـ,ـاء ! فبساطه كلماتها تتنافي تمامًا مع ذلك الد..مار الهائل الذي يتلو صد…..متك فيقودك إلى حافه المو……ت لتتجرع سكراته كامله و حين توشك علي إغماض عينيك طالبًا الراحه يعود بك إلي واقع مرير فتجد نفسك مُجبرًا علي مُجابهته بقوة نابعه من جر….ح عميق حفرته تلك الصد؟؟؟؟مه التي بالنهايه لم تقتـ,ـلك !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت تناظره بعينان متسعه و قلب ينتفض بين ضلوعها لتسري رجفه قويه في سائر جسدها بينما تاهت الكلمات من علي شفتيها أمام نظراته المسلطه فوقها و التي كانت مختلفه عن نظراته السابقه لها فقد بدت و كأنها قاسيه غاضبه محتقرة !
لم تستطع التفوه بحرف واحد و خاصةً حين وجدته يتقدم إلي الغرفه بينما تراجعت هي للوراء و قد دب الذعر بقلبها حين سمعت لهجته الساخرة التي تُخـ,ـفي بجو…فها غضبًا مر؟يرًا كان جليًا في عيناه
“مش عادتك تسكتي ! القطه كلت لسانك و لا إيه ؟”
حاولت تجاوز صد…متها و أخذت نفسًا قو……يًا كان معبًأ برائحته الرجوليه التي تغلغلت إلي أنفها و جعلت جميع حواسها تتنبه و لأول مرة تظهر إنفعا…لاتها بمثل هذا الوضوح أمامه و لكن غضـ,ـبه كان يطمس كل شعور لديه في تلك اللحظه و قد كان صمتها يزيد من غضبه و لكنها أخيرًا إستطاعت السيطرة علي نفسها و قطع ذلك التواصل البصري بينهم و الذي كان يعج بعتاب مشحون غاضب و خرجت كلماتها بلهجه جافه كجفاف حلقها
” أنت جيت هنا إزاي ؟”
خرجت من بين شفتيه ضحكه خافته قا….سيه خاليه من المرح أتبعها بحديثه الذي تتساقط الإتها؟؟؟مات من بين سطوره
” هو دا إلي فارقلك ! جيت هنا إزاي ! ”
كانت نظراته تقتنص ارتباكها الذي ظهر لأول مرة جليًا علي ملامحها فقد كانت في موقف لا تُحسد عليه عالقه في شباك نظراته التي تجعلها تتفوه بالحماقات و تقف سدًا منيعًا بينها و بين التفكير بتعقل بينما هو تابع قائلًا بعنف بكتوم
” مع إن مفروض أنا إلي أسألك بتعملي إيه هنا ؟ ”
أبتلعت غصة مؤلمه و حاولت أن تشحذ بعضًا من قوتها التي تبعثرت بحضوره و قالت بجمود
” مدام عرفت مكاني يبقي عرفت أنا هنا بعمل إيه ؟”
تشكلت غصه في حلقه حين سمع كلماتها التي لم يكن بها أي ذرة تأ….نيب ضمير أو هكذا ظن لتخرج الكلما..ت من فمه مُحـ,ـمله بأكبر قدر من الإحـ,ـتقار
” جايه تشاركي في قتـ,ـل روح بريئه ملها؟؟ش ذنب في أي حاجه !”
إستقر إتها…مه بمنتصف قلبها ليشطره إلي نصفين و قد ظهر ذلك الأ….لم بعيناها التي كانت تخفيها تحت إطار من الزجاج حجب عنه رؤيه عذ…ابها و لكنه تجلي في نبرتها حين قالت بعتاب خـ,ـفي
” صدقت أو مصدقتش أنا معرفتش أنا هنا ليه غير من خمس دقايق بس . و عمري ما كنت هشارك في ذ…نب زي دا ”
قاطعها بقوة و نبرة حادة
” و سبتيها تدخل أوضه العمـ,ـليات ليه ؟”
تهدجت نبرتها و خرج صوتها متحشرجًا حين قالت و هي تُحا…رب عبراتها
” مكنتش قادرة أستوعب إيه إلي بيحصل . الوقت بين لما عرفت أنها حا…مل و لما عرفت أنها جايه تنزله ميتعادش عشر ثواني .”
لأول مرة تكن لهجتها ضعيفه بذلك الشكل ! كان هناك صوت بأعماق قلبه يصدقها و لكن غضبه كان يخرس كل شئ حوله و لا يستوعب سوي حقيقه واحده أنه لو لم يتدخل في الوقت المناسب كان سيـ,ـخسر الشئ الوحيد المتبقي من أخاه المتوفي لذا تجاهل هذا الأ…..لم الجلي علي ملامحها و قال بخشونه
” أحمدي ربنا إني أدخلت في الوقت المناسب و إلا ..”
إستيقظت روحها الثائرة بداخلها ما أن سمعت كلماته المهددة فإنتز….عت الباقي من إرادتها و قالت بقوة
” متهددنيش ! ”
سالم بلهجة هادئه و لكن قويه توازيها نظرات محذرة
” مبهددش ! أنا بعرفك عشان تفكري ألف مرة قبل ما تعملي حركه غبيه زي دي تاني!”
فرح بتحدي
” لو فاكر إنك كدا بتخوفني تبقي غلطان !”
سالم بهدوء ظاهري و نبرة عميقه بينما عيناه تبحر فوق ملامحها بغموض
” لا مخوفك ! وبلاش تخليني أخوفك أكتر و أستخدم معاكي أسلوب أنا مابحبوش !”
« اللعنه عليك !» كان هذا أول ما تفوهت به بداخلها فذلك الرجل بغيض لدرجه جعلتها لا تستطيع التواجد معه في مكان واحد فالتفت تنوي مغادرة الغرفه و ما أن همت بتجاوزه حتي إمتدت يده تقبض علي معصمها بقوة آلمتها فتوقفت علي الفور و قد شعرت بطبول تدق بين ضلوعها إثر ملامسته لذراعها و علي مهل أدارت رأسها تواجهه لتشتعل حربًا صامته بين أعينهم دامت لثوان قبل أن تقطعه لهجته المحذرة حين قال من بين أسنانه
” لآخر مرة هحذرك ! لما أكون بكلمك أوعي تمشي و تسبيني ! ”
حاولت رد الصاع صاعين و لكن بطريقتها فقالت بإستفزاز
“إيه دا هو انت مكنتش خلصت !”
تحركت تفاحه آدم التي تتوسط عنـ,ـقه بينما أشتدت قبضته علي ذراعها مما يدل علي محاولته إبتلاع غضبه التي زاد من إشتعاله أستفزازها و قال بصرامه
” كلامنا لسه مخلصش . هروحك أنتي و الغبيه إلي جوا دي و بعدها نتكلم عشان نحط النقط عالحروف ”
كانت هذه أكبر جمله تفوه بها منذ أن عرفته لذا كانت تعلم أن خلف حديثه هذا أشياء لن تعجبها و لكنها آثرت تأجيل كل شئ حتي تطمئن علي شقيقتها فقامت بتوجيه نظراتها إلي قبضته الممسكه بذراعها فخففها تدريجيًا إلى أن تركها فقالت بإختصار
” هروح أطمن علي جنة ”
*************
كانت جنة مستلقيه علي سرير الكشف و الطبيبه تقوم بتمرير جهاز الموجات فوق معدتها و فجأة صدح صوت قوي لنبضات صغيرة جعلت كل خليه في جسدها ترتجف فنظرت إلي الطبيبه التي قالت بوقار
” سامعه صوت قلبه !”
دون حديث إنهمرت الدموع فوق وجنتيها و شعرت بأن قلبها علي وشك الخروج من مكانه من فرط التأثر
كانت تشعر و كأن نبضاته تعاتبها علي جريمتها التي كانت علي وشك إرتكابها في حقه فلم تستطع الإجابه علي سؤال طبيبتها التي قالت بتأثر
” لما جتيلي و قولتيلي إنك عايزة تنزلي البيبي أول حاجه جت في بالي إني أطردك فورًا بعد ما أديكي الدُش المتين. بس لما عيني جت علي إيدك إلي كنتي بتحضني فيها بطنك و كأنك بتحمي إلي جواها من نفسك و خدت بالي من شفايفك إلي بترتعش قولت دي مش منظر واحده عايزة تضحي بضناها أبدًا . قولتلك أتفضلي عشان أكشف عليكي بس وقتها مكنش لسه في نبض عشان كدا أديتك ميعاد النهاردة بحيث تيجي في الوقت إلي يبقي قلب الطفل بدأ ينبض و كنت واثقه أنك بعد ما تسمعي صوت قلبه عمرك ما هتقدري تضحي بيه . أنا معرفش ظروفك إيه بس صدقيني ربنا مأردش أنك تحملي فيه إلا إذا كان له حكمه في دا و زي ما زرعه جواكي أكيد هيلطف بيكي و بيه . أحمدي ربنا علي النعمه دي في آلاف الستات بتجيلي هنا عندها استعداد تدفع عمرها كله قصاد انها تبقي أم . بتتمني بس ضافر طفل . استغفري ربنا علي الجر….يمه إلي كنتي عايزة تعمليها دي . و أحمدي ربنا الف مرة أنه أنقـ,ـذك في الوقت المناسب ”
أنهت الطبيبه حديثها تزامنًا مع دخول «فرح » التي نظرت إلي ملامح شقيقتها المنـ,ـهارة فهرولت تحتضنها فعلى صوت بكائها و هي تقول يإنهيـ,ـار
” أنا كنت همو؟؟؟؟ت أبني يا فرح . كنت هقـ,ـتله بإيدي .”
حاولت فرح تهدئتها فأخذت تمرر يدها فوق رأسها المُلقي بين أحضا..نها وهي تقول بتأثر
” أحمدي ربنا أنك اتلحقتي في الوقت المناسب يا جنة . ”
جنة بإنهـ,ـيار
” أنا سمعت صوت قلبه يا فرح دا زي ما يكون بيعا…تبني و بيقولي إزاي جالك قلب تفكري تعملي فيا كدا ..”
هطلت العبرت من مقلتيها تأثرًا بحديث شقيقتها فشددت من إحتضا..نها و قالت بخفوت
” أهدي يا جنة عشان خاطره هو . أنفعالك دا غلط عليه ..”
هدأت حدة بكائها قليلًا و لكن أستمر خيط الدموع بالنزول في صمت و أخذ لسانها يردد عبارات الحمد بينما « فرح» رفعت رأسها للطبيبه و ناظرتها بإمتنان قابلته هي بابتسامه هادئه و ناولتها ورقه بها بعض الادويه و العقاقير بعد أن أعطتها التعليمات اللازمه للحفاظ علي الجنين ..
كانت تحتضن شقيقتها متوجهه إلي الخارج تنوي العودة إلي المنزل لتجده ييقف بسيارته أمام البنايه فخرجت منها زفرة تعبه فهناك مواجهه وشيكه ستحدث بينهم و لكنها كانت تفضل أن تحدث في غياب «جنة» التي إرتجفت حين رأته فمالت عليها « فرح» قائله بطمأنه
” متخافيش أنا جمبك ”
لم تُمانع حين رأته يقوم بفتح الباب الخلفي لشقيقتها التي أطاعته بصمت هي الآخري بينما أرسلت لها «فرح » إبتسامه مطمئنه قبل أن تقوم بالتوجه الي الكرسي الأمامي بجانبه و أنطلق بالسيارة متوجهًا إلي منزلهما الذي و لدهشتها وجدت أنه يعرفه فقد وصل إليه في وقت قياسي فإلتفتت تلقي عليه نظرة غاضبه قبل أن تترجل من السيارة لتقوم بمساعدة شقيقتها في الدخول إلي المنزل و لكنها توقفت تلتفت إليه قائله بلهجه باردة
” أتفضل نتكلم جوا ”
أومأ برأسه و تبعها فقامت بفتح باب الشقه و الدلوف إلي الداخل و بجانبها «جنة» المتشبسه بيدها و كأنها طوق نجاتها و قد كانت كذلك بالفعل فقد أقسمت بداخلها بأن تحميها هي و طفلها مهما كان الثمن .
” أظن مش محتاج أنبه عليكي تخلي بالك من نفسك و من إلي في بطنك ”
توقفت الفتاتان في منتصف الطريق المؤدي لغرفه «جنه» و التي كانت أمام صاله الاستقبال المتوسطه المساحه حين سمعوا جملته التي كانت تخفي تهديدًا واضحًا تجلي في لهجته الصارمه فإلتفتت إليه فرح تلقي عليه نظرة حانقه و قبل أن تجيب خرج صوت شقيقتها خافت مرتعش
” عمري ما هفكر أأذيه أبدًا ”
كانت نبرتها مرتعشه و لكنها صادقه و قد لمس هذا الصدق بها لذا لم يتابع بل جلس علي إحدي المقاعد خلفه بأريحية جعلت الغضب يتمكن منها من ذلك المتعجرف الذي إعتاد إلقاء الأوامر ثم يجلس بهدوء و كأنه في بيته «تبًا له »
كان يناظر غضبها بنظرات متسليه فتحديها له يروقه و إنتصاره الدائم عليها له مذاق لذيذ لا يعرف كنهه فتلك المرأة تثير فضوله بشكل غير مسبوق . خوفها الذي تخفيه خلف قناع من القوة الواهيه يجعله يريد الفتك به بلحظه و باللحظه الآخري يشعر بالألم حين يري ضعفها. بيد يريد تحطيم رأسها اليابس و الذي يهوي القتال أمامه و باليد الآخري يريد أن يطيب جراحها و يبثها أمان يعلم أنها تحتاجه .
لم يكن يهتم بالنساء كثيرًا و قد كان هذا يثير فضول من حوله . لم تجذبه إمرأه منذ سنوات طويله و لكن تلك المرأة منذ أول لقاء لهم شعر بشئ مميز بها . فبالرغم من جرأتها و مناطحتها له إلا أنها من كلمات بسيطه تتحول إلي فتاه خجوله مراهقه .
مزيج غريب أثار فضوله يعلم أن خلف قناع المعلمه الجادة الذي ترتديه توجد أنثي مختلفه كثيرًا . و بداخله رغبه كبيرة في التعرف إليها ..
أخيرًا أطلت عليه بعد أن أطمأنت أن شقيقتها آمنه في غرفتها و قد أخذت كل أدويتها التي توقف بمنتصف طريقهما ليحضرها رافضًا أن تقوم هي بجلبها و كأنه يريد أن يخبرها بأنه سيتابع كل شئ بنفسه بعد الآن .
أخذت نفسًا عميقا قبل أن تتوجه إلي حيث ينتظرها فقد جاءت لحظة المواجهه التي لا تعلم لما كانت خائفه منها بهذا الشكل .
قبل أن تخرج حانت منها إلتفاته بسيطه لمظهرها فقد بدت ملامحها هادئه عاديه وجه طبيعي باللون الخمري الذي يتسم بحمرة طبيعيه علي الوجنتين و شفاه ممتلئة امتلاءًا طبيعيًا ذا لون وردي هادئ و نظارات طبيه تخفي غابتها الزيتونيه و التي هما أكثر شئ مميز بها و كالعادة كانت تعقص شعرها علي هيئه كعكه تهدئ من جنونه و تطيح بجماله المتمرد و لكن كان هذا الشكل هو ما تحتاج أن تظهر عليه . فهو يعطيها وقارًا تستمد منه قوتها التي تحتاجها في مواجهه الحياة .
توقفت أمامه تناظره بهدوء تجلي في نبرتها حين قالت
” تشرب إيه ؟”
سالم بهدوء يماثل هدوئها
” و لا حاجه . خلينا ندخل في الموضوع علي طول ”
أبتلعت ريقها بتوتر حاولت إخفاؤه و تقدمت لتجلس أمامه علي الأريكه ذات الألوان البيضاء المريحه للعين و من ثم رفعت انظارها إليه و هي تقول بهدوء
” موافقه . بس الأول في كام سؤال محتاجه أعرف إجابتهم منك ”
رفع إحدي حاجبيه مستفهمًا فتابعت قائله بوضوح
” عرفت موضوع حمل جنة إزاي ؟ و عرفت مكاننا إزاي ؟ ياريت كل شئ يبقي واضح بينا معدش فيه مجال نكذب و لا نخبي كل حاجه إنكشفت خلاص ”
ناظرها طويلًا قبل أن يقول بنبرة ذات مغزي و عيناه تقتنص وقع الحديث علي ملامحها
” عرفت بالحمل تاني يوم الحادثه !”
تفاجئت من حديثه و قالت بصدمه
” نعم ! هو كان في حمل اصلًا وقتها ؟”
لاحت إبتسامه ساخرة علي جانب شفتيه قبل أن يقول بتقريع خفي
” أومال الحمل حصل بعدها !”
جفلت من حديثه الساخر و تابعت بغضب مكتوم
” أقصد أن مكنش في أي أعراض. الدكتورة قالتلنا النهاردة أنها في نص الشهر التالت . يعني لو حسبنا من تاني يوم الحادثه زي ما بتقول يبقي كان لسه في أوله و لا يمكن يكون ظهر في الكشف ”
سالم بإختصار
” بس بيظهر في الدم !”
فرح بإستفهام
” و مين طلب تحليل دم ؟ جنة مكنتش محتاجه نقل دم يوم الحادثه مجرد كسر في ايديها و كدمات في جسمها ”
سالم بهدوء
” أنا طلبت !”
فرح بقوة
” و ليه طلبت ؟”
أجابها بلهجه صارمه
” من غير ليه ؟”
كان تحادثه الند بالند و علي الرغم من هدوء النبرات كانت هناك حربًا مشتعله بين نظراتهم و لم تستطع نظاراتها إخفاء تحديها الصريح له و كأنها تريد أن تصل إلي نقطه ما و هذا ما جعلها تقول بقوة
” طلبت تحليل دم ليه ؟ كنت عايز تتأكد من إيه ؟ متقوليش أنك كنت شاكك أنها حامل ؟”
رفع إحدي حاجبيه و هو يناظرها بينما عيناه تجوبان ملامحها التي بدت واثقه من شئ ما و هذا ما جعله يقول يإختصار
” هاتي إلي عندك .”
شعرت بأنها في مركز قوة و علي وشك تحقيق انتصارًا عظيمًا عليه لذا قالت بتروي و كأنها تدخل كلماتها بعقله
“يمكن لما الدكتور قالك أن حازم الله يرحمه كان شارب مخدرات كنت عايز تشوف هي كمان كانت شاربه زيه و لا لا ؟ ”
صدمه معرفتها بالأمر و لكنه كالعادة لم يظهر شئ بل ظلت ملامحه علي حالها حتي أن نبرته خرجت عاديه كما لو أنه لم يتأثر بكل يقال حوله
” حلو طلعتي متابعه و عارفه كل حاجه .”
لو يعلم أنها علمت صدفه عند سماعها حديث الممرضات عن أضرار المخدرات و أنها السبب في ضياع شاب في ريعان شبابه و لكنها إغتاظت من رده كثيرًا و قد ظهر ذلك علي ملامحها و مع ذلك قالت بهدوء
” أكيد لازم أتابع و أعرف كل حاجه و خصوصًا بعد ما أخوك جه و هدد جنه بسبب إلي عملته في أخوه و الحقيقه أن كل إلي حصله و حصلها كان بسببه إدمانه و تهوره ”
سالم بلهجة جافه خشنه
” عايزة توصلي لأيه ؟”
فرح بقوة
” إننا لينا حق عندكوا و أظن أنت فاكر وعدك كويس أوي ”
كانت تظن بأنها حاصرته و لكنها لم تحسب حساب أبدًا لحديثه الذي جعل الدماء تتجمد بعروقها و خاصةً لهجته القاسيه
” فاكر . بس المفروض قبلها نتأكد إذا كان ليكي حق فعلًا ! ”
لا تعلم لما شعرت بالخوف من تلك النظرات ناهيك عن لهجته التي كانت توحي بأن هناك الكثير لم يخبرها به و لذلك تأهبت جميع حواسها حين قالت بترقب
” تقصد إيه ؟”
كانت الكلمات تخرج من بين شفتيه و كأنها سهام يقصد أن يجعلها تخترق مسامعها
” قبل ما تتكلمي عن إدمان حازم دوري علي إلي وصله لكدا ؟”
فرح بتوجس
” معناه إيه كلامك دا؟”
سالم بإختصار و عيناه علي باب غرفة شقيقتها
” أسأليها .”
حاولت الحفاظ علي هدوئها و قالت بإستنكار
” و جنة إيه علاقتها بالموضوع دا ؟”
سالم بإختصار و بعينان لا تحيد عنها
” هعرف ! و لحد ما أعرف إيه مدي علاقتها بالموضوع هنأجل موضوع حقي و حقك دا .. خلينا دلوقتي في المهم ”
شعرت بأن هناك شئ آخر خلف رغبته في الحديث معها لذا قالت بإستفهام
” و هو في أهم من الموضوع دا ؟”
سالم بإختصار
“طبعًا في . ”
” إلي هو إيه ؟”
” إبن أخويا إلي كنتوا هتقـ,ـتلوه النهاردة!”
كانت كلماته قويه توازي قوة عيناه التي توحي بأن هذا الأمر لن يمُر مرور الكرام و بالرغم من غضـ,ـبها من كلماته إلا أنها أعطته الحق في غضبه لذا قالت بنبرة هادئه نسبيًا
” مكنتش هسمح بدا يحصل أبدًا . و انت شفت بعنـ,ـيك إني كنت بفتح الباب و رايحه أمنع جنة تعمل كدا لولا إني لقيتك قدامي ”
سالم بإختصار
” أفرض حاولت تعمل دا من ورايا أنا و أنتي ؟”
فرح بنفي قاطع
” لا طبعًا عمرها ما تعمل كدا أنت شوفت حالتها كانت عامله أزاي و أزاي كانت حاسه بالندم أنها فكرت في كدا ”
أطلق تنهيدة خشنه غاضبه قبل أن يقول بلهجة جافه
” لو هحكم بإلي شفته فأختك غير مسؤوله بالمرة ”
فرح بإندفاع
” أنت إنسان غير مُنصف ”
سالم بقسوة
” أنا إنسان عملي بحكم عالناس من خلال تصرفاتهم . و تصرفاتها لحد دلوقتي كلها غير مسؤوله ”
لا تعلم ماذا دهاها في تلك اللحظه فجل ما تريده هو الدفاع عن شقيقتها فخرج الكلام منها عبثًا حين قالت
” علي فكرة جنة و حازم كانوا متجوزين عرفي!”
ما أن اختتمت جملتها و رأت تلك الإبتسامه البغيضه علي ملامحه حتي لعنت غبائها و خاصةً عندما قال بتهكم
” و دا في رأيك تصرف مسؤول ”
كان مهيمنًا علي الوضع بطريقه أغاظتها و أخرستها كلماته. تعلم بأن شقيقتها أخطأت كثيرًا و لكنها لا تستطيع أن تقف مكتوفه الأيدي أمام إتهاماته لها فخرج الكلام من بين شفتيها في محاوله أخيرة لنفي تلك التهم البغيضه التي تتجلى بوضوح في عيناه
” الغلط مكنش غلطها لوحدها . و أعتقد أني جيت و نبهتك قبل كدا ”
كانت ملامحها تضج بالألم و الغضب معًا و قد شعر بوخزة ألم علي حالتها تلك لذا قال بلهجه باردة تمامًا كما أراد
” أنا مش هنا عشان أشوف مين فيهم غلط أكتر من التاني . أنا هنا عشان أمنع غلط أكبر ”
فرح بعدم فهم
” تقصد إيه ؟”
” جنة هتيجي تعيش معانا لحد ما تولد !”
ألقي بقنبلته بينما أخذت عيناه وضع المراقبه لكل همسه تصدر منها و لكنها بقت جامدة للحظه قبل أن تخرج منها ضحكه قصيرة خاليه من المرح و كأنه القي نكته سخيفه كسخافه ذلك الوضع الذي هي فيه
” أنت أكيد بتهزر صح !”
أجابها بجفاء
” إنتي شايفه إيه ؟”
فرح و قد علت نبرتها دونًا عنها
” أنا هعمل نفسي لا شايفه و لا سامعه . ”
سالم بفظاظه
” تبقي بتدفني راسك في الرمل زي النعام ! ”
هبت من مكانها و قالت بانفعال
” أنت مستوعب كلامك ؟”
سالم بهدوء مستفز
” طبعًا ! الدور عليكي أنتي تستوعبيه عشان مش هيحصل غيره ”
فرح بتهكم
” و ياتري عايزها تروح تعيش معاك علي أي أساس ؟”
سالم مصححًا
” قولت هتعيش معانا مش معايا . و هنا أقصد عيلتنا والدتي و أخواتي ”
فرح ساخرة
” بصفتها إيه ؟”
كانت السخريه تغلف ملامحها و نبرتها و قد أغضبه هذا و لكنه كان يفهم ذلك الصراع بداخلها لذا قال مشددًا علي كلماته
” بصفتها أرملة حازم الله يرحمه و أم إبنه أو بنته إلي جاي ”
لم تنكر إرتياحها لتلك الصفات التي نسبها لشقيقتها و نبرته التي أكدت علي حديثه و لكنها لن تتنازل أبدًا عن حقها في الدفاع عنها فقالت بهدوء
” طب تمام حلو أوي دا. تقدر تعتبرها أرمله أخوك و أم إبنه أو بنته وهي في بيتها عشان جنه مش هتخرج من البيت دا و لو علي جثتي ”
نهض سالم بتكاسل من مقعده و قام بإغلاق أذرار بذلته و هو يقول بخفوت صارم و عيناه تؤكد علي حديثه
” لا هتيجي معايا و برضاكي كمان . ”
شعرت بالسخافه من نبرته الواثقه و كلماته الهادئه فقالت بتعجب
” ممكن اعرف إيه مصدر ثقتك دي . يعني حقيقي الموضوع مثير للإهتمام . بقولك مش هتخرج غير علي جثتي بتقولي لا هتخرج و برضاكي . إزاي بقي معلش !”
واصل حديثه خانقًا ضحكه بسيطه كانت تهدد بالخروج علي مظهرها الذي يبدو أقرب للجنون و أيضًا غضبها الذي تحاول كتمه بصعوبه فقد كانت هناك لذه خفيه في كل إنتصار يحققه عليها لا يعلم مصدر تلك اللذة و لا متي بدأ يعتبر نجاحه في إربكاها يعد إنتصار ؟ كل ما يعرفه أن هناك شئ ما بأعماقه يجبره علي تحديها و الإستمتاع بكل إنفعالاتها. خرج صوته هادئًا خشنًا يناقض كل أفكاره
” إيه رأيك تسأليها رأيها في كلامي ؟ و بعدين نشوف !”
خرجت منها ضحكه ساخرة خاليه من المرح و جاء صوتها مدهوشًا من حديثه
” دا بجد ! أنت عايزني أخد رأي جنة في الهبل دا ؟ طبعًا من رابع المستحيلات أنها توافق علي حاجه زي كدا !”
” بس أنا موافقه يا فرح !”
جفلت فرح من ذلك الصوت القادم من الخلف و شعرت بطلق ناري يستقر في منتصف ظهرها حين أستمعت لصوت شقيقها القادمه من وراءها فتسمرت في مكانها تنازع في محاولة لأسترداد أنفاسها الهاربه قبل أن تلتفت ببطئ لتلتقي عيناها مع شقيقتها التي كان الحزن و الألم مرتسمان علي ملامحها وهي تري وقع قنبلتها علي وجه «فرح» الذي كان يُحاكي شحوب الاموات في تلك اللحظه و صوتها المبحوح الذي ردد اسمها بعدم تصديق
” جنة ”
أقتربت منها «جنة » و علي وجهها جميع عبارات الأسي و عيناها ترسل ألف إعتذار و إعتذار لتلك التي كانت علي وشك الإغماء فأمتدت يد جنة تمسك بكفوف شقيقتها المرتعشه و هي تقول بنبرة قويه يشوبها بعض البكاء
” كفايه عليكي أوي كدا يا فرح !”
خرجت الكلمات من فمها مر….تعشه تمامًا كحال قلبها
” كفايه إيه يا جنه ؟”
جنه بإنفعال وهي تشدد علي كل حرف تتفوه به
” كفايه بهدله فيكي لحد كدا . طول عمرك شايله حملنا علي كتافك . من أول تعب ماما ومو…تها و أنتي شايلانا كلنا حتي بابا إلي كان مفروض يعوضنا غياب ماما كان بيتسند عليكي . كنتي انتي إلي شيلاه مش العكس . بسببنا أتخليتي عن حلمك أنك تبقي دكتورة و سبتي كليه الطب عشان تقدري تتحملي مسئوليتنا و البيت دا يفضل مفتوح. و حتي بعد بابا ما ما….ت محسستينيش يوم واحد إني يتـ,ـيمه . فضلتي جمبي و في ضهري و عمرك ما حر…..متيني من حاجه . كفايه أنك أتخليتي عن حب حياتك عشان تفضلي جمبي و متسبنيش. عشان كدا بقولك كفايه . لازم أتحمل نتيجه أخطائي . جه الوقت إلي تعيشي في حياتك و كفايه تتحملي كل حاجه لوحدك إرتاحي مرة واحده بقي ”
كانت كلمات جنة تتردد علي مسامعها و ذكريات حياتها كله يعاد أمام عيناها كالشريط فأفصحت مقلتيها عن دمعه خائنه إثر جملتها الأخيرة فعن أي راحه تتحدث ! هل فعلا قُدرت لها الراحه ؟ تجا….هلت كل هذا الأ……لم الهائل الذي عصف بها و قالت بلهجه حاولت أن تكون ثابته
” بس أنا مشتكتلكيش ؟”
جنة بلهفه
” و لا هتشتكي يا فرح ! عارفه ليه ؟ عشان أنتي أحسن حد في الدنيا . هتفضلي تتحملي لحد ما تقعي و لا أنك تحسسيني بأي حاجه بس أنا مش هتحمل تقعي يا فرح . أنتي بالذات خسارتك غير أي خسارة في الدنيا. خسارة مش هقدر عليها أبدًا ..”
لم تستطع الحديث إذ تفاجأت بجنه التي إلتفتت إلي سالم الذي كان جامدًا كتمثال صلب يستمع إلي ذلك الحديث الشائك عن معاناتها و كم تحملت لأجل عائلتها و هنا تغيرت كل نظرته إليها و تبدلت معالم شعوره نحوها و قد صدق ظنه بشأنها فهي كما وصفها منذ أول لقاء لهم أنثي إستثنائيه . و لكن عقله توقف أمام جمله ( أتخليتي عن حب حياتك ) خربش الفضول جدران قلبه بصورة قاتله لمعرفة ماذا تقصد و أي شكل أتخذ هذا الحب ؟
أخرجه من شروده و تساؤلاته كلمات جنة الذي يسكنها حزناً عميقًا
” أنا موافقه يا سالم بيه آجي معاك ”
لم تتحرك من مكانها و لم يرتفع رأسها و قد كان مظهرها يغضبه أو ربما يؤلمه لذا أعاد انظاره إلي «جنة» قائلًا بخشونة
” أتفقنا . العقد بتاع الجواز العرفي معاكي ؟”
أومأت برأسها بصمت فقد كان الخزي يتوج ملامحها في تلك للحظه فجاء طلبه لينقذها إذ قال بفظاظه
” عايز اشوفه ”
للمرة الثانيه أومأت برأسها و توجهت للداخل كي تحضره بينما كانت «فرح» ما تزال بمكانها لا تستطيع أن تواجهه فقد خسرت كل شئ أمامه تجردت من كل شئ تحت أنظاره
فتولد عندها شعور مفاجئ بحاجتها للإختفاء !
تود في تلك اللحظه أن تكون شئ غير مرئي مجرد سراب فلم تعد لديها طاقه للجدال أو النقاش أو أي شئ.
فالحياة تستمر بمعانداتها و إعطاؤها صفعه تلو الآخري حتي فقدت قدرتها علي التحمل لذا حاولت الإنسحاب خلف «جنة» هربًا من نظرات شامته لابد و أن ترتسم بعيناه في تلك اللحظه و لكنها لم تقدر علي تحملها . و ما أن تحركت تنوي الهروب حتي وجدت يد فولاذية تمسك برسغها تمنعها من الحركه تلاها صوتًا هادئًا يناديها
” فرح !”
حاولت أن تشحذ بعض قواها الخائرة و ألا تجعله يراها مهزومه بتلك الطريقه فلتواجه للنهايه و لتكن دائمًا مرفوعه الرأس .
أخيرًا رفعت رأسها تناظره فصدمها ذلك الدفء الغريب منبعثًا من عيناه التي بدت و كأنها تؤازرها في مصابها حتي أن ملامحه كانت هادئه خاليه تمامًا من أي سخريه أو شماته كما توقعت و لكنها تجاهلت كل شي و قالت بنبرة جافه
” نعم !”
خرجت نبرة صوته لينه بعض الشيء ففاجأته بقدر ما فاجأتها
” جنة عندها حق . أوعي تزعلي منها ”
لاحت إبتسامه ساخرة علي ملامحها تتنافى مع لهجتها المريرة حين قالت
” بتدافع عن جنة قدامي ! دا يوم المعجزات بقي !”
أستعاد سالم ملامحه الجامدة و قست لهجته قليلًا حين قال
انا مبدافعش عنها بشخصها لكن كلامها صح . الموضوع المرادي أكبر منك .”
فرح بمرارة
” بجد ! عمومًا مش زعلانه عشان عارفه أنها هترجعلي في النهاية بعد ما تاخدوا إلي أنتوا عايزينه منها ”
قطب جبينه و إزداد عبوس ملامحه قائلًا بعدم فهم
” يعني إيه ناخد إلي إحنا عايزينه منها !”
فرح بقسوة
” إبن أخوك ! مش دا إلي جابك ورانا لحد الدكتوره و طبعًا أكيد كنت مراقبنا قبلها عشان كدا عارف مكان بيتنا كويس ! طبعًا أخوك الله يرحمه طلعله طفل من تحت الأرض و أنا عذراك دا حقك إنك تتمسك بيه . لكن مصير جنة إيه بعد كدا ؟ أقولك أنا هترجع تاني مكان ما جت و تقضي بقيت حياتها تتعذب علي ضناها إلي أنتوا هتاخدوه منها ”
ضاقت عيناه و إسودت ملامحه من حديثها الذي صدمه كثيرًا فقال بإستنكار غاضب
” أنتي إزاي متخيلانا بالبشاعه دي ؟”
فرح بغضب
” لا دانا متخيلاكوا أكتر من كدا ”
سالم بحدة
” ليه ؟ إيه السبب ؟”
صرخت بقهر
” عشان مشفتش منكوا غير كدا .. أخوك من أول ما دخل حياتنا بوظها و دمر أختي و حول حياتنا لجحيم و أخوك التاني فجأة لقيناه داخل علينا عمال يهدد و يقل أدبه و بمنتهي البجاحه بيقول هعلمكوا الادب . مشوفتش منكوا حاجه واحده بس كويسه تخليني أآمن علي أختي معاكوا ”
” طب ما تجربي أنك تقربي أكتر يمكن تغيري رأيك ! ”
لا يعلم كيف غافلته الكلمات لأول مرة بحياته و خرجت مندفعه من بين شفتيه فصدمته بقدر ما صدمتها !
في البدايه ظنت أنها تتوهم و لكن لا . فقد أخترقت كلماته سمعها حتي أن قلبها إرتجف رغمًا عنها. تري ماذا يقصد بتلك الجمله ؟ هل يشير إلي نفسه فهي ذكرت شقيقيه بينما لم تأتي علي ذكره !
” مفهمتش ! تقصد إيه ؟”
هكذا تحدثت بخفوت
” أقصد إن كلامي مكنش علي جنة بس ؟ ”
هكذا أجاب بعدما أستعاد ملامحه الصارمه و لهجته الخشنه و تجاوز عن ذلته محاولًا إنقاذ هفوته التي لا يعلم كيف حدثت ؟
لم تفهم ما يقصد و كان عقلها توقف عن العمل فسألته بخفوت
” تقصد إيه ؟”
وصل إلي نقطه معينه من الحديث كان يريدها في أعماقه و الآن قد حان وقتها لذا قال بتمهل
” قصدي إنك تيجي معاها ”
برقت عيناها من حديثه و لوهله شعرت بالصدمه تجتاح كيانها فعجزت عن الرد لثوان في حين أن عيناه كانت تبحر فوق معالمها المصدومه و شفاهها المرتعشه فأستغل فرصة تبعثرها بهذا الشكل و قال بعتاب ماكر
” أكيد مش هتسيبي أختك و هي في الظروف دي وسط ناس متعرفهاش ! ”
نجحت كلمات في زرع الأشواك بصدرها و قد تجلي ذلك علي ملامحها فتابع ليصُب النار علي البنزين
” مهما كانوا الناس كويسين و هيعاملوها حلو أكيد هتكون محتجالك . بالرغم أنها عمرها ما هتقدر تطلب منك دا !”
كان محقًا و مقنعًا للحد الذي جعلها لا تستطيع أخذ أنفاسها و هي تتخيل شقيقتها تُعاني وسط هؤلاء البشر و لا تجد أحد يدافع عنها أو تبكي علي صدره !
إنقبضت ملامحها حين مر ببالها هذا الخاطر و آلمها قلبها كثيراً و قد شعر هو بذلك و لام نفسه بشدة علي إضفاء المزيد من الوقود إلي خزان أحزانها و لكنه عزم علي شئ و لن يتراجع عنه أبدًا .
” أنت طلعتلي منين ؟”
كأن سؤالها غريبًا وقحًا و غير متوقع و المثير للدهشة أنه أثار بداخله رغبه قويه في الضحك و لكنه حافظ علي رزانته و تعقله قائلًا ببساطه
” قدرك !”
” الأسود ! قصدك قدري الأسود ”
زادت رغبته في الضحك حين سمع إجابتها و لهجتها التي تعج بغضب مكتوم و لكنه مارس قوه كبيرة كي لا ينفجر أمامها ضاحكًا و أكتفي بأن يقول مؤنبًا
” أستغفري ربنا . عيب واحدة مؤمنه زيك تقول كدا !”
خرجت الكلمات من بين أسنانها مع زفير قوي حملته كل ما بداخلها من غضب من هذا البغيض ! أجل هذا هو الوصف الملائم له
” أستغفر الله العظيم.. ”
خرجت جنة تحمل الورقه بين يدها و سلمتها إليه بينما فرح توجهت كالأعصار إلي الداخل و ما كادت تدلف إلي غرفتها حتي تجمدت في مكانها حين سمعت صوته الخشن و هو يقول بنبرة عاليه قاصدًا أن تصل إليها
” بعد بكرة العربيه هتيجي تاخدكوا و تطلع بيكوا عالمزرعه بتاعتنا في إسماعيليه. جهزوا نفسكوا ”
قطبت جنة حاجبيها قبل أن تقول بإستفهام
” نجهز نفسنا ! هو حضرتك تقصد مين ؟”
أجابها و عينيه مثبته علي تلك التي عادت أدراجها للخارج تحذره من فعلته النكراء التي ينوي عليها فوجدت نظراته المتحديه و نبرته الصارمه حين قال
” أنتي و فرح ! ماهي مش هتقدر تسيبك لوحدك في الظروف دي ”
تبدلت ملامحها علي الفور لفرحه لا تستطيع وصفها و قالت بذهول
” أنت بتتكلم بجد ؟”
لم يقطع تواصلهما البصري بل قال بتسليه و عيناه تتحداها أن تستطيع الرفض
” أهي عندك أسأليها!”
ألتفت جنة للوراء فوجدت فرح تقف خلفها و عيناها يتقاذف منها الجمر و لكن من فرحتها لم تلاحظ شئ فاندفعت تجاهها تحتضنها وهي تقول بتوسل خفي
” صحيح الكلام دا يا فرح ؟ أنتي موافقه تيجي معايا ؟”
أرسلت عيناه إليها جمله صريحه لم تخطئ أبدًا في فهمها
” هل يمكنكِ الرفض ؟”
أشتدت يدها حول شقيقتها بينما أبتلعت غصة غاضبه شكلت ألمًا هائلًا في منتصف حلقها قبل أن تقول من بين أنفاسها
” موافقه !!”
يتبع….
في قبضة الأقدار نورهان العشري
القبضة الخامسة ✊❤️🔥
كان شفائي منك الأنتصار الأعظم في حياتي !
و لكنه كان إنتصار حزين للغايه. فللآن مازالت مرارته عالقه بجوفي ! و لكني ممتنه و كثيرًا للقدر الذي أنقذني في الوقت المناسب . فها أنا عُدت للحياة مرة آخري و لكن بقلب مُصاب بداء الحذر في التعامل مع البشر و الذي يجعلني في مأمن من خذلان آخر لا املك القدرة علي إحتماله !
و هذه هي الثمرة الوحيدة التي جنيتها من بساتين الوجع الذي خلفها غدرك بقلبي …
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أن تمارس الظروف سطوتها علينا و تُجبرنا علي فعل أشياء لم تكن في قائمه إختياراتنا لهو أمرًا مقبول نسبيًا برغم صعوبته . لكن عندما يجبرك أحدهم علي فعل ماهو دونًا عن إرادتك مستخدمًا طرقً ملتويه لدفعك في مسار مختلف عن دربك الذي برغم صعوبته و لكنه كان اختيارك . لأمر عظيم يصعب علي عقلك تحمله !
هكذا كان تفكيرها منصبًا علي كيفيه إجباره لها علي قطع وعد لم تكن لديها النيه أبدًا في تنفيذه أو النطق به !
فجعلها في وضع صعب خاصةً مع شقيقتها التي لم تنفك منذ البارحه في إحتضانها و إخبارها بمدي إمتنانها كونها ستجاذف بكل شئ و ستأتي معها و ما زاد من عنائها أكتر تلك الجمله المؤلمه التي ألقتها علي مسامعها و هي مستلقيه بين أحضانها
” عارفه يا فرح . أنا مكنش هيعدي عليا يوم هناك . كنت يا همـ,ـوت من الخوف يا من الوحده يا من الضغط النفسي . أنا لما سالم بيه قال هتيجي تعيش معانا أتخيلت نفسي للحظه وسط الناس دول و في وضعي دا بحس إني جسمي كله بيرتعش و قلبي هيقف دا حتي حازم الله يرحمه كان بيهرب منهم بأي شكل و أهو أبنهم أومال أنا هعمل معاهم إيه؟
أنا لو قعدت أشكرك عمري كله انك وافقتي تيجي معايا و متسبنيش في الظروف دي عمري مش هيكفيني ”
” اللعنه عليك أيها المغرور ” هكذا تفوهت بداخلها و هي تقطع ذلك الشارع الطويل المؤدي للحديقه التي تقع بالاتجاه الآخر أمام البنايه التي تقطن بها فهي لم تنم منذ البارحه تفكر و تفكر و دائمًا ما كان تفكيرها يأخذها في أن تنهي حياة ذلك البغيض أو تسقط علي رأسه بعصا قويه علها تزيل ذلك الغضب المُتقد بداخلها من هذا الوضع الذي أجبرها علي القبول به و لا تعلم كيف السبيل لها في تغييره لذا فكرت في أن تخرج لإستنشاق بعض الهواء النقي عله يهدئ من نيرانها قليلًا و يساعدها في إتخاذ القرار الصحيح فهمت بإرتداء معطف ثقيل يقيها من برد أيام كانون التي تشبه الصقيع في برودتها و لم تهتم لجمع شعرها أو لإرتداء نظارتها و ألتقطت مفتاح الشقه و خرجت بهدوء حتي لا تستيقظ شقيقتها مندفعه إلي الخارج لتصطدم بالبرد القارس الذي لفح صفحه وجهها فوضعت يدها في جيوب معطفها و سارت تفكر في معضلتها التي سلبت النوم من عيناها !
علي الجهه الآخري كان سالم الذي وصل للتو لشركته لينهي بعضًا من الأعمال المتراكمة حتي يسثني له الذهاب إلي مسقط رأسه مدينه الاسماعيليه ليتحدث مع والدته و من بعدها عائلته في الوضع الجديد الذي فرض نفسه علي حياتهم و لكن لا حيله لهم في إختيارات القدر .
عندما كان منهمكًا في عمله أتاه اتصال من ذلك الرجل الذي كلفه بمراقبه الفتاتين فأجابه علي الفور ليقول الراجل بإحترام
” سالم بيه في حاجه غريبه حصلت و قولت أعرفها لحضرتك ”
سالم بترقب
“حصل إيه ؟”
الرجل بعدم فهم
” في بنت خرجت من الشقه إلي حضرتك مكلفنا نراقبتها يعني مختلفه عن البنتين إلي عايشين فيها . ”
قطب سالم جبينه و قال بإستفهام
” يعني إيه مختلفه ؟”
الرجل بحرج
” يعني حلوة ! شعرها فانح و طويل . و لبسها مختلف . مش البنت الصغيرة و لا البنت الكبيرة معرفش دي مين أو جت أمتا إحنا والله مراقبينهم كويس أوي و محدش جالهم خالص عشان كدا محتار !”
صمت لبرهه قبل أن يقول بفظاظه
” دي فزورة و المفروض أحلها يعني ! مانتوا لو واخدين بالكوا من شغلكوا كنتوا عرفتوا دي مين و راحتلهم امتا؟”
تحرك الرجل حتي وصل إلي مكان قريب نسبيًا منها فشعر بأنه يعرفها و لكن لا يزال حائرًا لذا قال محاولا إمتصاص غضب سيده
” والله لله يا سالم بيه عنينا ما غفلت لحظه . بس ..”
قاطعه سالم بفظاظه
” تعرف تصورهالي ؟”
أجابه بلهفه
” آه طبعا أعرف . ”
سالم آمرًا
” من غير ما تاخد بالها ”
أغلق سالم الهاتف و ظل ينتظر الصورة و هو يفكر في هوية تلك الفتاة الغريبه التي يصفها الحارس و ماهي إلا دقيقه وصلته رساله علي هاتفه فسارع بفتحها و للحظه تسمرت ملامحه علي تلك التي كانت مغمضه عيناها و شعرها يتطاير خلفها بجنون بفعل الرياح فبدت كشمس حارقه متوهجه تتناقض مع برودة الطقس التي تحيط بشخصيتها الآخري ! نعم كانت هي تلك التي تتخذ من الجليد ستارًا تُخفي بها ملامحها صاعقه الجمال و شعرها الغجري الذي كانت تقمعه خلف تلك التسريحه البشعه دافنه جماله و روعته . هل تلك المرأة مجنونه أم ماذا ؟ فجميع النساء لديهم غريزة إظهار جمالهن و الحفاظ عليه بينما هي تقمعه بقسوة خلف تلك النظارات الطبيه البشعه و ذلك المظهر الذي يجعلها كعجوز شمطاء و لا يليق بسنوات عمرها التي لم تتجاوز الثمان و العشرون عامًا !
تسارعت نبضات قلبه من تلك المفاجأة و ذلك المظهر الجديد الذي رآها به و الذي مضت قرابة العشرون دقيقه و هو يتأمله دون أن يشعر بمرور الوقت و كأن هناك سحر خفي سيطر عليه و أختطف انظاره .
أخرجه من تأملاته صوت رساله آخري ففتحها و لكن تلك المرة كانت صدمته أكبر حين كانت الصورة قريبه إلى حد ما و قد كانت تفتح عيناها الزيتونيه الرائعه التي أكملت صورة المرأة الفاتنه الذي يكاد يقسم بأنها أضاعت عقلها بإحدي الطرقات حين أخفت جمالها الخارق هذا خلف مظهر تلك المعلمة العجوز !
كانت عيناها برغم جمالها إلا أنها ضائعه و كأنها طفله صغيرة ضلت طريق بيتها و لا تعلم كيف تعود !
تُري هل كان غير منصف معها في وضعها تحت هذا الضغط و إجبارها بتلك الصورة علي القبول و العيش مع شقيقتها تحت سقف عائلته ؟
لا يعلم لما شعر بالإنتشاء لتلك الفكرة ؟ هناك برعم صغير نبت بداخل قلبه يشعره بالشفقه علي تلك التي تدعي القوة بينما في تلك الصورة يكاد يقسم بأنها جل ما تتمناه أن تريح رأسها علي صدر أحدهم !
هل يمكن أن يكون هو ذلك الصدر الذي يستوعب أحزانها ؟؟
عند تلك الفكرة نهر نفسه وبشدة فهي ليست نوعه المفضل من النساء كما أنه لا يُحب المرأة التي تُناطِح الرجال و يفضل إن فكر بدخول إحداهن إلي حياته أن تكون هادئه مطيعه تكن مصدر راحه له من عناء رحلته الشاقه لا أن تكن عقبه أمامه و يخوض معها الحروب التي لا تنتهي !
و هنا خطر علي بالها سؤال لا يعلم مصدره و لكنه توقف أمامه لثوان يفكر بالإجابة
هل سيثير خضوع إحداهن شغفه مثلما يفعل عنادها ؟
لا يعلم الإجابه أو يفضل تجاهلها فقط تذكر كلمتها التي قالتها بمنتهي الغضب
” أنت طلعتلي منين ؟؟”
توهج ملامحها في تلك اللحظه جعله يقسم بأنها النقيض تمامًا من تلك الصورة الهادئه الجامدة لهيئتها التي تحاول الظهور بها دائمًا و قد أتي مظهرها اليوم ليجعله يتأكد من صدق حدثه !
فجأة رن هاتفه و لدهشته وجدها هي من تتصل فإرتسمت إبتسامه علي شفتيه لا يعلم سببها و لم يفكر كثيرًا في ذلك بل أجاب بلهجه متناقضه تمامًا مع ما يعتريه في تلك اللحظه
” الو ”
جاءه صوتها مشتعلًا يتناسب تمامًا مع هيئتها في هذه الصور
” إحنا لازم نتكلم !”
يبدو أن الحظ في صفه اليوم فقد كان يتوق لرؤيتها بهيئتها الجديدة تلك و يحادثها و هو أمام عيناها مباشرةً بعيدًا عن تلك القضبان الزجاجيه التي تُهدِر نصف جمالها
جاء صوته جافًا كما العادة حين قال آمرًا
” مستنيكي في الشركه بعد ربع ساعه بالظبط ”
جاء صوتها مستنكرًا
” ربع ساعه ! دا إلي هو إزاي أنا علي ما أجهز و آجي فيها نص ساعه علي الاقل ”
لاحت شبح إبتسامه تسليه علي شفتيه تناقضت مع نبرته حين قال بفظاظه
” لو حسبنا الوقت من عندك للشركه هتلاقيه في حدود عشر دقايق بالعربيه ! و خمس دقايق تجهزي فيهم أعتقد كدا كفايه أوي و لا أنتي من البنات إلي بتاخد وقت قدام المرايا !”
قال الأخيرة ساخرًا و نبرته كان بها بعض التحدي فزفرت بحنق و هي تتوجه إلي سيارتها قائله بغضب لم يخطئ في تمييزه بين كلماتها
” كفايه أوي ! عشر دقايق و هكون عندك ”
هكذا حسمت قرارها و قد أيقنت بأن الوقت الذي يمنحها إياه لن يكون كافيًا إذا ذهبت إلي البيت لتستعد لذا قررت بأن تذهب كما هي فلم يكن مظهرها يشغلها كثيرًا في تلك للحظه فإستيائها من وضعها هذا كان هو المهيمن علي تفكيرها ..
كان يقف أمام النافذه العريضه في غرفه مكتبه و يداه معقوده خلف ظهره و علي شفتيه إبتسامه لا يعرف مصدرها و لكنه كان يتأهب داخليًا لمعركه داميه و قتالًا عنيفًا بنكهه لذيذة مع صاحبه الشعر الغجري التي أنطبعت صورته في مخيلته و العينان الزيتونيه التي لأول مرة ستكون أمامه بلا حصون .
أعلنت مديرة مكتبه عن وصول ضيفته المنتظرة فأمرها بإدخالها قبل أن يأخذ مكانه علي مقعده خلف المكتب الخشبي الكبير ينتظر قدومها بترقب و حماس جديد كليًا عليه لتطل عليه أخيرًا بمظهرها الجديد و الذي خطـ,ـف أنفاسه للحظه و قد كانت عيناه ترصد تفاصيلها بنظرات غامضه تحوي إعجابًا كبيرًا بين طياتها نجح في إخفاؤه و قال بلهجة خشنه مستفسرة متعمدًا إحراجها
” آنسه فرح عمران !”
علي الفور تذكرت سؤاله المتعجب في المرة الأولي حين أتت إلي مكتبه فارتبكت قليلًا و خاصةً حين تواجهت مع نظراته و قد شعرت بأنها مجردة أمامه من دفاعاتها و أسلـ,ــ,ـحتها و شعرت بالحاجه لوقا…رها الذي يمدها بقوة تحتاجها كثيرًا في مواجهته فعادت إلي سبه داخلها بكل الألفاظ التي تعرفها فهو لم يمهلها الوقت حتي تستعد لتلك المواجهه وقد بدا حنقها علي ملامحها و لكنها حاولت أن تخرج لهجـ,ـتها هادئه حين قالت
” دا سؤال و لا إجابه ؟”
سالم بتسليه
” اللتنين !”
” بمعني ؟”
سالم بهدوء
” سؤال إجابته جواه ”
فرح بسخريه
” يبقي إيه لازمته ؟”
تعمقت نظراته أكثر و أشتد تحديقه بها وكأنه يخبرها بدون حديث بأن مظهرها الجديد هو السبب و قد جعلها ذلك غير مرتاحه و ودت لو أنها لم تأت لمقابلته و قد كان هذا الإحساس الدائم بداخلها بكل مرة تجتمع معه فتود لو أنها لم تقابله أبدًا .
فاجأها حديثه حين قال بجديه
” خير ؟”
رفعت إحدي حاجبيها بدهشه لتأتيها إجابته بلهجه ساخرة
” إيه السبب القوي إلي مخليكي عايزة تقابليني مع العلم أننا لسه كنا مع بعض من حوالي كام ساعه !”
إغتاظت من وقاحته و جعلتها تستعيد قوتها التي تجلت في نبرتها حين قالت
” أولًا أنا أتحفظ علي كلمه كنا مع بعض من حوالي كام ساعه دي !”
سالم بإختصار
” ليه ؟”
فرح بإيجاز
” معجبتنيش !”
ثم تابعت بنبرة محشوه بالغضب
” ثانياً بقي ممكن أعرف إزاي تحطني في الموقف دا ؟”
سالم ببراءه أغاظتها
” موقف إيه ؟”
أخذت نفسا طويلًا لتهدئ من روعها قليلًا قبل أن تقول بهدوء ظاهري
” أنت عارف كويس بتكلم عن إيه! و مع ذلك حاضر هقولك . إيه خلاك تقول لجنه إني وافقت آجي معاها عندكوا ؟”
سالم متصنعًا الدهشه
” أنا مقولتش كدا . أنتي إلي قولتي ؟”
جن جنونها في تلك اللحظه و لكنها بأعجوبه حاولت البقاء هادئه فأجابته
” أنا إضطريت إني أقولها موافقه بناءًا علي كلامك . أظن أنت فاكر قولت إيه كويس !”
حاول التحكم في ضحكه كادت أن تظهر علي شفتيه فمظهرها و هي تحاول التحكم بغضبها كان مثيرًا للغايه . و لكنه تابع بجديه
” فاكر كلامي كويس . و فاكر كمان إني لما طلبت منك دا مرفضتيش ! ففكرتك معندكيش مانع و مع ذلك طلبت من جنه تسألك و أنتي قولتي موافقه فين المشكله ؟”
ستفقد عقلها مم إستفزاز ذلك الرجل فها هو يتحدث ببراءه كأنه لم يقحمها فعليًا في هذا الأمر مستخدمًا طرقه الملتويه التي جعلت الغضب يتقد في عيناها و لكنها قالت ساخرة
” آه صح فين المشكله . الموضوع بسيط جدًا . أنت محطتنيش في موقف صعب قدامها بعد ما عشمتها إني وافقت . تفتكر أنا كان ممكن أقول إيه و هي عامله زي الغريق إلي كأنه ما صدق لقي قشايه أتعلق بيها ! ”
كان غضبها لذيذًا بحق و خاصةً و قد تجلت إنفعالاتها بوضوح في عيناها التي أضفي عليها الغضب نوعًا آخر من الجاذبيه المتوهجة و قد أصابته لعنه الأشتهاء للمزيد من ذلك التوهج المثير لذا تابع بلهجه جادة
” طب فين المشكله بردو ! أنتي وافقتي لما لقيتي لهفتها و إنك القشايه إلي هتنقذها من الغرق أنا ذنبي إيه ؟! ”
كانت تود الصراخ في وجهه قائله أنت من دفعتها لهذا الاعتقاد الذي ولد بداخلها كل هذا العشم و التعلق و لكنها أكتفت قائله من بين أسنانها
” ذنبك أن حضرتك طلعت بالفكرة المجنونه دي و زرعت جواها الأمل أنها هتتحقق ! ”
زفر سالم بملل مصطنع يتنافي تمامًا مع لذه قويه تعتريه من حربهم الخفيه تلك و قام بإضفاء المزيد من الوقود علي غضبها حين نظر إلي ساعته قبل أن يقول بفظاظه
” سبق و قولتلك أنتي إلي قولتي موافقه و أكدتي علي فكرتي دي يبقي المشكله عندك ! و دلوقتي أنا شايف إنك يدوب تلحقي تجهزي أنتي و هي عشان هنسافر بكرة بدري ”
برقت عيناها من جملته الأخيرة و قالت بإستنكار
” سفر إيه إلي بكرة ! أنا حتي لو وافقت فعلًا و سافرت محتاجه ييجي أسبوع علي الاقل عشان أجهز نفسي و أخد أجازة من شغلي مانا أكيد مش هخسره عشان أفكار حضرتك المجنونه !”
كان يعلم بأن عاصفه هوجاء ستهب ما أن يلقي بكلماته علي مسامعها و لدهشته كان يتوق لهبوبها .
إلتفت إلي الدرج بجانبه و هو يمسك بورقه بين يديه ناولها إياها تزامنًا مع حديثه الهادئ حين قال
” أجازتك أتمضت خلاص تقدري تبدأيها من النهاردة!”
لا تعلم كيف تناولت الورقه من بين يديه و لكنها شعرت بأن العالم يدور من حولها حين تأكدت من صدق حديثه فرفعت رأسها تطالعه بزهول تجلي في نبرتها حين قالت
” أنت عملت كدا إزاي ؟ ”
سالم ببراءه مزيفه
” عملت إيه ؟ قصدك عالاجازة يعني ! عادي صاحب الشركه في بينا بزنس كتير و مامنعش لما طلبت منه دا !”
كان عقلها في مكان آخر حيث قالت علي نفس لهجتها
” إحنا متكلمين في الموضوع دا إمبارح بالليل و النهاردة الجمعه و الشركه أجازة الورقه دي أتمضت إزاي و أتوافق عليها أمتا ؟”
وصل إلي مركز إنفجار البركان فأرجع ظهره إلي الخلف مستندًا علي مقعده الجلدي و هو يقول بهدوء جليدي
” أتمضت إمبارح الصبح !”
برقت عيناها و هبت من مقعدها تناظره بصدمه تحولت لغضب كبير تجلي في نبرتها حين قالت
” يعني قبل حتي ما تفاتحني في الموضوع ! دا أنت مقرر موافقتي من قبل ما أعرف ! إزاي تجيلك الجرأة تعمل كدا ؟”
علت نبرتها قليلًا فتصاعدت الأدخنة إلي رأسه فقال بلهجه جافه محذرة
” زي ما أختك جتلها الجرأة تفكر تتخلص من إبن أخويا من غير حتي ما تعرفنا أنه موجود و أنتي طاوعتيها و روحتي معاها !”
فرح بسخط
” قولتلك مكنتش أعرف ! ”
سالم بفظاظه
” مش موضوعي ! كل إلي يهمني إني أحمي الحاجه الوحيدة إلي باقيه من حازم الله يرحمه ”
دارت حول نفسها وقد بدأت الرؤيه تتوضح لها شيئًا فشيئًا و هنا توقفت لتقول بزهول و إستنكار
” آه قول كدا بقي ! أنت كنت عارف كل حاجه و خططت كويس عشان توقعنا في الغلط بالرغم من إنك عارف بالحمل من أوله لكن سبتنا عشان أكيد كنت متوقع تصرف جنة ”
سالم بهدوء لم يفارقه
” حاجه زي كدا !”
رمقته بنظرات الخسه قبل أن تقول بإحتقار ممزوج بالغضب
” بس دي طرق ملتويه و أساليب حقيرة !”
قست ملامحه قليلًا و قال بفظاظه و جفاء
” هعمل حساب لصدمتك و مش هحاسبك علي كلامك دا ! ”
شعرت بغصه مؤلمه داخل حلقها جعلتها تقول بمرارة
” بعد موقف سليم لما قولتلي لو ليكي حق هتاخديه مني شخصيًا حسيت إني واقفه قدام راجل واضح و صريح لكن دلوقتي ..”
لا يعلم لما شعر بالغضب الممزوج بالألم في تلك اللحظه فقاطعها قائلا بهدوء
” كل شئ مُباح في الحب ! و الحرب !”
أخترقت جملته مسامعها مرورًا بقلبها الذي إنتفض بشدة جاعلًا من أنفاسها تضطرب داخل صدرها و لم تستطع إجابته فما قاله كان خارج نطاق توقعها لتجده يتابع بعينان مركزة علي وجهها و كأنها شعاع ليزر
” زي مانتي بتحاربي طول الوقت عشان أختك أنا من حقي أحارب عشان أخويا أو إلي باقي منه ! ”
لا تعلم لما لامست الخيبه جوانب قلبها فتابعت بقهر
” بس دي أنانيه !”
غمغم بهدوء
” سميها زي ما تسميها ! و بعدين أنتي مش خسرانه حاجه بالعكس أنا كدا بحللك كل مشاكلك !”
كانت تتضور غضبًا من حديثه لذا قالت بجفاء
” أولًا مطلبتش منك تحللي حاجه ! ثانيًا فين الحل لما آخد أختي و نسيب بيتنا وحياتنا و نروح آخر الدنيا عشان حضرتك خايف علي إبن اخوك مننا بالرغم من إنك مراقبنا و عارف كل حاجه بتحصل !”
تجاهل سالم حديثها و قد أقترب من نقطه شائكه جعلته فريسه للأرق البارحه لذا قال بترقب
” إلي أعرفه أنك أنتي و أختك ملكوش غير بعض . و مدام هتبقي معاها يبقي مفيش مشكله. إلا إذا كان في حد معين مش عايزة تمشي و تسبيه ؟”
غزت الحيرة ملامحها و لم تستوعب كلماته فقالت بعدم فهم
” تقصد إيه ؟”
كانت نظراته تقتنصها و تقيم جميع إنفعالاتها و خرجت الكلمات بتمهل من بين شفتيه
” أقصد يمكن في حد في حياتك مش عايزة تبعدي و تسبيه مثلًا !”
هنا برقت عيناها من سؤاله الوقح الذي يغلفه بطريقه منمقه تصعب عليها إجابته بألا يتدخل فيما لا يعنيه فقد كان كمن يتشاور معها في الوصول لحل و لكنها كانت تعلم بأنها إحدي طرقه الملتويه كالعادة لذا حاولت إستعادة هدوئها و محاربته بنفس سلاحه إذ قالت بغموض و قد بدت لمحه من الحزن علي ملامحها
” ايًا كان مينفعش أتخلي عن جنه . حتي لو في أي ؟ ”
إجتاحته موجه من الغضب بسبب إجابتها المراوغه والتي لم تروي عطش فضوله فقد جمع ما يكفي من المعلومات عنها إلا أنه لم يصل الي تلك النقطه أبدًا و كانت غامضه بالنسبه إليه خاصةً حين علم بأن لديها الكثير من الصداقات مع الجنس الآخر في عملها و قد بدأ عقله في العمل بجميع الاتجاهات يفكر هل من الممكن أن تكون إحدي هذه الصداقات لها طابع خاص و لذلك حاول معرفه الأمر بطريقه لا توحي بإهتمامًا خاصًا بها و لكن اجابتها بذلك الشكل لم تزيده إلا حيرة و غضبًا لذا خرجت الكلمات من فمه مُحمله بالإستياء حين قال
” معلش بقي . هتضطري تتنازلي عن خططك بس دا واجبك تجاه أختك و لا إيه ؟”
هدأت ملامحها إلي حد ما و قد بدا الغموض في نبرتها حين أجابته
” مين قال إني هتنازل عن حاجه ! انا بس هأجل مشاريع كتير كانت في دماغي لحد ما اطمن علي جنة ”
بالنهاية نجحت في إغضابه بطريقه لم يتوقعها أبدًا و قد إحتدم صراع بداخله عن كونها لا تعني له شيئًا فلماذا يريد معرفه علاقاتها الخاصه ومن ناحيه آخري كان غضبه متقدًا من إحتمالية وجود علاقه خاصه تجمعها مع أحدهم و هو يقف بالمنتصف لا يملك القدرة علي حسم ذلك الصراع و لكنه نجح بجدارة في إخفاءه عن عيناها الفاتنه التي هدأت عاصفتها فبدا خضارها جذابا صافيًا كصفاء الربيع و كأن لكل شئ بها له فتنه مختلفه عن الآخري .
وجدها تهب من مكانها تناظره بهدوء جاء في صوتها حين قالت
” أعتقد إن كلامنا كدا أنتهي . عن أذنك ”
أجابها بجفاء
” السواق هيعدي عليكوا بكرة الساعه ٩ الصبح . ياريت تكونوا جاهزين ”
هزت رأسها و أجابت بإختصار
” . عن إذنك ”
أومأ برأسه الذي كان يغلي من الغضب و قد كان مجرد التفكير في سبب هذا الغضب يزيده أكثر لذا أنكب علي الأوراق أمامه يبثها مشاعر غريبه لا يعلم كنهها و لا يرحب بوجودها !
**************
في اليوم التالي و تحديدًا في الصباح كانتا قد تجهزن في إنتظار السيارة أن تأتي لتبدأ رحلتهم نحو المجهول ! و أخذت فرح تتطلع إلي شقتهم التي عاشوا بها أجمل ايام حياتهم التي كانت دافئه يملؤها البهجه التي انطفأت فور وفاة والدتها و التي و كأنها ذهبت و أخذت بسمتهم معها .
أخبرها أباها ذات يوم بأنها من اختارت لها اسمها و التي ضاعت معالمه مع مرور الزمن فلم يعد متبقي منه سوي حروف خاويه كخواء قلبها الذي و بالرغم من جمودها الظاهري كان له رأيا آخر فهو يخشي السفر يخشي المجهول و يخشي شيئًا آخر تأبي الإعتراف به .
جاء السائق في موعده فساعدت جنة في حمل حقيبتها ليأخذها منها السائق الذي كان في عمر والدهما و أعطاهم بسمه مطمأنه فور أن وقعت عيناه علي جنة التي كانت كالأرنب المذعور تمسك بيد شقيقتها و كأنها طوق نجاتها و مصدر أمانها في هذه الحياة فشددت «فرح» علي يدها و إستقلوا السيارة منطلقه بهم إلي المجهول ..
**************
في مكان آخر تحديدًا في جامعه قناة السويس كان اليوم الأول لها في هذا المكان الغريب كليًا عليها كما أصبح كل شئ غريب عليها بعد وفا…ة شقيقها الأصغر!
تغير كل شئ و إنمحت البسمه من علي شفتيها و نُزِعت الفرحه من بيتهم الذي لم تستطع والدتها العودة إليه بعد مو..ت صغيرها و أحب أبناءها و أكثر من يُشبهها فحين إنتهوا من مراسم الد….فن و التي كانت في مسـ,ـقط رأسهم بإحدي القري بجانب مدينه الاسماعيليه تم أخذ العز…اء و سقـ,ـطت والدتها مغشيًا عليها فقلبها لم يتحمل فجيـ,ـعتها العظيمه و أخبرهم الطبيب بأن حالة قلبها تسـ,ـوء فأقترح أخاها الأكبر أن يستقروا في مزرعتهم حتي تتحسن حالة والدتهم و كي يبـ,,,ـعدها عن ذكرياتها مع فلذة كبدها الذي أنتز….عه القدر من بين أحضا؟؟؟نها .
و تم نقل أوراقها من جامعتها بالقاهرة إلي جامعه قناة السويس و علي الرغم من إنعـ,ـدام رغبتها في أي شئ سوي أن تظل تبكي بين جدران غرفتها حتي تلحق بصديقها و أخاها و تؤ.م روحها إلا أن ما حدث هذا الصباح جعلها تود لو تهر…ب لأبعد مكان في العالم حتي لا تشهد علي تلك المهز…لة التي سوف تحدث ..
قبل عدة ساعات ….
أجتمعت العائله بأكملها لأول مرة علي طاوله الإفطار و كان هذه مثير للدهشه و الألم معًا فقد كانت الوشوش قاتمه مُغبرة بأوجاع لا يمكن الإفصاح عنها و كان هذا الجمع يتكون من شقيقيها و عمتها و أبنتها «سما» و تفاجئوا جميعًا حين شاهدوا والدتها التي تستند علي يد خادمتها الأمينه «نعمه» فتقدم منها شقيقيها كلًا ممسكًا بيدها حتي أجلسوها بمكانها المعتاد و قد حاول الجميع رسم الإبتسامه علي وجوههم حتي و لو لم تصل لأعينهم و لكن كانت محاوله في جعلها تتناسي حزنها قليلًا ..
أخيرًا بدأ سالم بالحديث حيث قال بلهجه خشنه توازي هيبته التي تلازمه دائمًا و تجعل الجميع يخشونه
” في موضوع مهم عايز أكلمكوا فيه . و مش عايز حد يقاطعني ”
أنتبه الجميع لحديثه و الذي شرع فيه علي الفور
” حازم الله يرحمه كان متجوز واحده زميلته في الجامعه . و بعد ما أتوفي أكتشفنا أنها حامل منه ! و بكرة أن شاء الله هتيجي تعيش معانا هي و أختها !”
و كأن صا…عقه قويه ضر؟؟بتهم من حيث لا يدرون! جحظت الأعين و تسارعت الأنفاس جراء قنبلته التي ظل دويها يتردد علي أذانهم و ألـ,ـجم ألسنتهم لوهلة و كان أول من أستفاق من صدمته هي عمته «همت» التي أنتفـ,ـضت من مكانها و قالت بصياح
” أنت بتقول إيه يا سالم ؟ حازم مين إلي كان متجوز ؟؟ و بنتي ؟ و سما ؟ كان بيضحك عليها ؟؟”
كان يتوقع ثورتها بل وأكثر من ذلك فقد كان هناك أتفاق أحمق بينها و بين ووالدته علي زواج «حازم و سما » منذ أن كانوا أطفال ! و قد نشأت «سما» علي حُب «حازم» الذي لم يبادلها الحب و لو لثانيه و لكن تلك الترهات التي ذرعتها والدته و والدتها و خصوصًا عمته كانت تسيطر علي عقل الفتاة و وافقتها والدته خاصةً بعد ما حدث في الماضي !
” أهدي يا عمتي ! محدش ضحك علي سما ؟ سما و حازم مكنش بينهم حاجه مجرد كلام بينك و بين ماما لكن مكنش في حاجه رسمي !”
همت بانفعال
” رسمي ! رسمي إيه يا أبن أخويا دي الناس كلها كانت عارفه أن حازم لسما و سما لحازم .تيجي دلوقتي تقولي دا كان كلام بينا ! لا و جايب واحده منعرفش أصلها من فصلها و تقول مرات حازم ! و قال إيه حامل في أبنه دي مسرحيه دي و لا إيه ”
قالت جملتها الأخيرة بسخرية فتجاهلها و تابع بنفس هدوءه
” لا مش مسرحيه . دا أمر واقع و ياريت تتقبليه في أسرع وقت عشان هي زمانها علي وصول !”
صاحت همت بغضب
” مين دي إلي علي وصول ؟ أنت أتجننت يا سالم ؟”
بدأ غضبه يتصاعد و لكنه حاول كبحه قدر المستطاع فهو يتفهم حالتها و ذلك الوضع الصعب الذي أقحمهم فيه شقيقه المتوفي لذا قال بصوت خشن
” خلي بالك من كلامك يا عمتي ! انا مراعي حالتك لحد دلوقتي”
تسارعت أنفاسها و أبتلعت شوك الحقيقه التي تجلت في عيناه فالأمر كان واقعًا بنكهه مريره كالكابوس المريع لذا قالت بتهكم
” و ياتري الكلام دا من أمتا ؟ أقصد جواز البيه ”
سالم بجفاء و قد غلت الدماء بعروقه
” قبل ما يمو…ت بأسبوع !”
” و الهانم مراته حامل في الكام ؟”
سالم و قد علم مرمي حديثها و قرر إيقافها عند حدها لذا ألقي إجابته و هو يناظرها بترقب
” تقريبًا في نص التالت ”
صدحت ضحكه قاسيه خاليه من المرح من فمها قبل أن تقول بإستهزاء
” يعني لو حسبنا هنلاقي أن الهانم حامل من قبل الحادثه بكام يوم .. بقي دا كلام يتصدق ! البنت دي أكيد كذابه و جايه ترمي بلاها علينا و علي حازم الله يرحمه . أنا واثقه أنه عمره ما حب حد غير سما ”
” خلي بالك من كلامك يا عمتي !”
خرج صوته أخيرًا متحشرجًا يحشوه الغضب الممزوج بغصه قويه لا يعلم سببها فهو منذ أن علم بتلك الحقيقه المرة و قد شعر بأن الأرض تدور به ! هل يمكن أن تلك الفتاة بالفعل حامل من أخاه الراحل ؟ كيف يستطيع فعل ذلك بأبنه عمته التي لا تري بهذه الحياة سواه ؟ كيف يستطيع الغدر بها بتلك الطريقه ؟ كانت إجابة تساؤلاته تكمن في ثلاث أحرف «جنة» تلك للفتاة التي كانت كالحرباء لابد و أنها تلونت لأخاه حتي يقع في حبال عشقها و الذي تسبب بتدمير حياته و عائلته !
كانت ذنوبها و أخطائها تزداد يوماً بعد يوم و لكنه كان مُكبل بأصفاد إمتنان لرحمها الذي يحمل إبن شقيقه الراحل و الذي من أجله فقط سيتغاضي عن كل شئ حتي يأتي و ينير حياتهم من جديد .
و قد أتخذ قرارًا بأن يتجنبها لحين قدومه و لكن ما أن سمع عمته تقذفها بذلك الإتهام الشنيع لم يستطع منع نفسه من إيقافها فبرغم كل شئ هي عرض أخاه المتوفي و لن يسمح بأن يتطاول عليه أحد و لابد لتلك الفتاة أن تعلم بأن أي خطأ لن يكون مسموح به ..
نظر إليه الجميع بصدمه لم تدم كثيرًا إذ تولي سالم الحديث حيث مدد ساقيه قليلًا و هو يناظر عمته بجمود متحدثًا بصوت خافت لكنه مخيف
” زي ما سليم قالك خلي بالك من كلامك ! جنة مرات حازم و إلي في بطنها أبنه. و أي غلط فيها مش مسموح بيه ! ”
أوشكت علي الحديث فخرج صوت أمينه قويًا حين قالت بصرامه
” مفيش كلام بعد كلام سالم يا همت ! مرات حازم هتيجي هنا و هنتشال عالراس هي و إلي معاها. و أي حد هيتعرضلهم أنا بنفسي هقفله . ”
صُدِمت همت من موقف أمينة التي كانت تؤكد على حديث أبناؤها وهي التي كانت تُمنيها سابقًا بزواج أبنتها من حازم فخرج الكلام منها بزهول
” أنتِ إلي بتقولي كدا يا أمينه ؟ ”
أمينه بحزم وهي تجاهد حتي تمنع العبرات من الهطول من مقلتيها
” أيوا أنا إلي بقول كدا . مستنيه مني إيه أرمي إبن أبني و أمه في الشارع ! بدل ما أخدهم في حضني و أحمد ربنا أنه عوضني بحته منه بعد ما قلبي أتحرق عليه ”
همت بعتب ممزوج بوجع
” تقومي تحرقي قلبي علي بنتي !”
ألقت أمينه نظرة معتذرة علي سما التي كانت ترتجف بين أحضان حلا و قالت بصوت قوي
” سما لسه صغيرة و العمر قدامها و بكرة ربنا يبعتلها إبن الحلال إلي ينسيها حازم . بس أنا قلبي هيفضل محروق العمر كله يا همت !”
حين أنهت حديثها تفاجئوا بسما التي هرولت إلي الأعلي و صوت بكائها يفتك بالقلوب و لكن ما باليد حيلة فقد وضعهم القدر في مأزق لا يمكن الفرار منه حتي و إن كان بداخلهم ممتنين لإرادة الله التي بعثت نورً من جوف العتمه التي خيمت علي حياتهم منذ فراق حازم بذلك الطفل الذي أحيا الامل بقلب والدته و جعلها تستطيع الوقوف علي قدميها من جديد .
هرولت «همت » هي الآخري خلف أبنتها و دموع القهر تتساقط من بين عيناها و عندها هبت حلا قائله بصوت غاضب حد الألم
” أنا مش قادرة أصدق إلي بسمعه معقول يا أبيه الكلام دا ؟ أنا مش مصدقه البنت دي . و حازم عمره ما حب حد غير سما . ”
نظر سالم في ساعته و قال بصرامه متجاهلًا ثورتها
” يالا عشان تروحي جامعتك . السواق بره هيوصلك ! ”
أشتعل غضبها أكثر و أكثر فما أن همت بالكلام حتي حدجتها والدتها بنظرة صارمه جعلتها تبتلع حروفها و قامت بالإمتثال مرغمه لأوامرهم ..
عودة للوقت الحالي
زفرت حلا بحدة و قطراتها تتساقط علي وجنتيها غافله عن تلك العينان التي كانت تراقب أنفعالها و حزنها الفاتن بإعجاب خفي فقد كانت أول مرة يراها بالجامعه و لا يعرف هويتها و لكن ما لفت أنتباهه إليها هي تلك التعابير المتغيرة علي ملامحها و التي كان يتسيدها الحزن العميق فخطر سؤال علي ذهنه
” من يطاوعه قلبه علي إحزان تلك العينان الفاتنه ! ”
أقترب منها شيئًا فشيئًا ليُطالعها عن قرب أكثر لم يكن ينوي التحدث معها و لكن شعر فجأة بأن عليه الإقتراب منها و ما أن أصبح بجوارها حتي وجد عيناها تُغلق و قدماها تتراخي و كادت أن تسقط علي الأرض و لكن يداه كانت أقرب إليها فحملها بلهفه واضعا يدًا تحت ركبتها و الآخري خلف ظهرها و توجه بها إلي مكتبه وسط همهمات من الشباب و الفتيات حوله و قام بإدخالها غرفته و وضعها علي المقعد المقابل لمكتبه و خلفه إحدي العاملات التي جلبت حقيبتها و وضعتها علي المكتب أمامه فأمرها بإحضار كوب مياه لإفاقتها و نظر إلي العامله الآخري و قال مستفهمًا
” أنتي تعرفي البنت دي ؟؟”
أجابته نافيه
” لا معرفهاش ؟”
فنظر للآخري و التي أجابت نفس إجابتها فنظر حوله لتقع عيناه علي حقيبتها و قال لإحداهن
” أفتحي شنطتها و طلعي بطاقتها نكلم أهلها ييجوا يشوفوا بنتهم .”
ظهرت إمارات الخوف علي العامله و تراجعت للخلف فقال بإندهاش
” إيه في إيه مالك ؟”
العامله برجاء
” بالله عليك يا ياسين بيه بلاش أنا أحسن تضيع منها حاجه كدا و لا كدا تتهمها فيا . أنا ماليش دعوة ”
ناظرها بزهول قائلًا
” إيه الجنان دا أنا إلي بقولك أفتحي شنطتها و طلعي بطاقتها”
العامله برجاء
” سايقه عليك النبي بلاش. ”
زفر بحنق و نظر إلي العامله الآخري التي تحاول إفاقتها فتراجعت للخلف بذعر فتقدم مستسلمًا يفتح الحقيبه و لم يُلاحظ تلك التي إستعادت وعيها ببطئ فكان أول ما وقعت عيناها عليه هو ذلك الرجل الضخم يُفتش في حقيبتها فصرخت بذعر قائله
” حراميييييي!!!
***************
أثناء الطريق توقف السائق أمام إحدي محطات الوقود و ترجل منها بعد أن استأذنهم و غاب لبعض الوقت ثم عاد حاملًا أكياس كثيرة بها شتي أنواع الحلوي و العصائر و المياة و ناولها لهم في الخلف فشعرت فرح بالخجل و أوشكت علي إخراج النقود من حقيبتها فأتاه صوته معاتبًا
” بتعملي إيه يا بنتي ! أنتوا زي ولادي. و بعدين حازم الله يرحمه أنا إلي كنت مربيه .”
شعرت الفتاتان بالخجل من كرم ذلك العجوز اللطيف و شكرته فرح بلطف فنظر إلي جنة قائلًا بحنو
” لو حابه تقريله الفاتحه المقابر علي أول البلد هنا ”
شعرت بخفقه قويه داخل قلبها و تدفق الدمع بمقلتيها فهزت رأسها بموافقه و يدها تحتضن بطنها المسطحه فهي للآن لا تصدق بأنه قد توفي .
توقفت السيارة أمام مقابر العائله و ترجلت منها جنة و بجانبها فرح التي توقفت عندما قالت شقيقتها برجاء
” خليكي يا فرح . محتاجه أكون لوحدي … معاه !”
قالت كلمتها الأخيرة بضعف فتفهمت شقيقتها وضعها و تركتها بعد أن ارشدها السائق إلي مكان القبر فإرتعش سائر جسدها حين شاهدت إسمه المدون فوق تلك اللوحة الرخاميه التي إمتدت أصابعها تلامسها برفق و كأنها تلامسه و تساقط الدمع أنهارًا يحفر وديان من الحزن فوق وجنتيها الشاحبه و لدقيقه لم تستطع الحديث بل أخذت تبكي و تبكي و كأنها تحاول ذرف وجعها بدلًا من دموع بائسه لم تستطع التخفيف من حزنها أبدًا ..
” يااااه يا حازم . مكنتش أتخيل تبقي النهايه كدا أبدًا ! ”
خرج الكلام متحشرجًا من بين شفتيها المرتعشه و التي أضافت بإستنكار و عدم تصديق
” معقول أنت هنا ! خلاص دا مكانك بعد كدا ! يعني مش هشوفك تاني ؟ سامحني يا حازم.. سامحني أرجوك ”
أختتمت جملتها و أجهشت في بكاء مرير نابع من قلب مُحطم دهسته الحياة تحت أقدامها بلا رحمه و لا شفقه و لم تكتفي بذلك فقط بل وضعتها أمام بركان ثائر يُغذي الإنتقام نيرانه التي كانت قادرة علي سحقها في ثوان لولا وجود ذلك الجنين بين أحشائها و الذي منع يد الظلم من أن تطالها و لكنها كانت تتوعد بإذاقتها الجحيم ما أن تضع مولودها .
هكذا كان يطالعها سليم الذي هرب من لقاءه بهم وتوجه إلي حيث يرقد أخاه الذي ترك الحياة بأكملها و ذهب إلي موطنه الدائم فقد كان يخاف زيارته طوال الثلاث اشهر المنصرمه و لكنه الآن وجد قدماه تأخذه إليه دون إرادته و أخذ يتلو عليه ما تيسر من أيات الذكر الحكيم و يردد الدعوات بأن تتغمده رحمه الله الواسعه و لكنه توقف إثر سماع أصوات قادمه من الجهه الآخري و حبس أنفاسه عند سماعه صوتها الباكي و قد شعر للحظه بمدي معاناتها و ألمها لفقده و لكن جاءت كلماتها الأخيرة لتجعل عقله يتيقظ و غضبه يستعر رغمًا عنه و خاصةً حين وجدها تقول من بين دموعها بأسف بالغ
” مكنتش أتمني النهايه تبقي كدا أبدًا .. سامحني يا حازم حقك عليا . أرجوك سامحني ”
أنهت كلماتها و تابعت وصلة نحيبها التي يغذيها آلام الذنب و الفقد و الظلم !
أنتشلها من بئر العذاب الخاص بها صوت اقدام بثت الرعب بأوصالها فرفعت رأسها لتصطدم ببركه من الدماء المحتقنه تحدق بها بغضب من يراها يقسم بأنها قد إرتكبت أعظم جرائم السماء و بأنها هالكه لا محاله .
تسارعت أنفاسها و هي تناظره بعينان حاولت رسم القوة بهم و إخفاء ذلك الذُعر الذي أجتاح أوصالها لدي رؤيتها له فقد كانت تحمل هم رؤيته كالثقل في قلبها الذي يؤلمه كل تلك الإتهامات التي توجهت إليه قهرًا
” بأي عين جايه تزوريه !”
أقتحمت لهجته الباردة صراعها الداخلي فاهتزت حدقتيها لبرهه قبل أن تحاول رسم قناع القوة و الجمود علي ملامحها و قالت بصوت مبحوح
” و إيه يمنعني آجي أزوره ؟”
لاحظ محاولتها لرسم قوة واهيه لا تتمتع بها و أيضًا بحه صوتها التي تظهر كم عانت حتي تخرجه و جسدها الذي كان يرتجف و كأنها ورقه شجر عصفت بها رياح خريفيه فزعزعتها من مكانها . و لكن غضبه كان يطمس كل الحقائق أمام عيناه و لم ينتبه سوي لكلماتها التي جعلته يرفع إحدي حاجبيه و يقول بإزدراء واضح
” تصدقي نسيت أن إلي زيك يعمل أي حاجه عادي . ”
كان الإحتقار الذي يتساقط من بين كلماته يقـ,ـتلها فلم تكن تكـ,ـفيها معا…ناتها و حملها الثـ,ـقيل حتي يأتي هو ليزيده أضعا…فًا مضا…عفه ! لا تعلم ما مشكلة هذا الرجل معها و لكنها ستحاول مقاومه طو…فان غضـ,ـبه و لن تجعله يهينها أبدًا
و هنا إستعادت بعضًا من صوتها الها…رب و قالت بجمود
” و مالهم إلي زيي !”
أقترب منها بخطً سُلحفيه و هو يتابع محاولًا تتضمين لهجته أكبر قدر من الإحتـ,ـقار
” ميعرفوش يعني إيه أد…ب و لا أخلاق و لا ضمير ! يقـ,ـتلوا القـ,ـتيل و ييجوا يعـ,ـيطوا عليه عادي !”
كان يقذف الكلمات بوجهها دون أن يهتز له جفـ,ـن من الرحمه و لا الإشفاق علي ضعـ,ـفها أبدًا و قد بدا أمامها كمسـ,ـخ مجرد من الإنسانيه وظيفته إلقاء الإتها…..ما…ت فقط و لكنها لن تسمح له و هنا خرج صوتها قويًا إذ قالت بعنفوان
” لو كان دا رأيك فيا فتقدر تحتفظ بيه لنفسك أو ترميه في أقرب مقلب زبا.له ! أما بالنسبه للي زيك بقي فأنا ماحبش أتعامل معاهم أبدًا . و لا يجمـ,ـعني بيهم طريق . لأنهم ناس معندهمش دين ولا ضمير بيرموا الناس بالباطل من غير أي ذرة ند….م واحدة !”
لم يكن يصدق أذنيه التي التقطت حديثها الوقح و قد صدق حدثه فتـ,ـلك الفتاة ليست بالملاك الحز.ين الذي كانت عليه يوم رآها في المشـ,ـفي فهي أفعي متنكرة في زي أنثي فاتنه!
هنا نهر نفسه بشده علي ذلك الوصف الذي لا يليق بها فهي كما ظن في البدايه أفعي ألتفت حول رقبه أخيه حتي سلبت منه حياته لذا أقترب حتي وصل أمامها مباشرةً و قال بسخريه لاذعه
” مش مستغرب أوي من كلامك ! من البدايه كنت عارف أن وش الملايكه دا بيخفي وراه شيطانه بس للأسف حازم مكانش شايفك علي حقيقتك ”
خرج الكلامات مرتجفه من بين شفتيها بينما قلبها يحترق من قسوة اتهاماته
” أنا عملت إيه لكل دا ؟ إيه الذنب العظيم إلي إرتكبته ؟”
أعطاها نظرة قاتله قبل أن يقول بإذدراء
” ذنبك أنتي أكتر واحده عرفاه كويس ! و متفكريش عشان جيتي تعيشي وسطنا أنك خلاص فلتي من العقاب ! إلي مانعني أخد روحك دلوقتي هو إبن أخويا إلي جواكي ! ”
إزدادت عيناه إحمرارًا فبدت و كأنهما جمرتان مشتعلتان بنيران الجحيم و جاءت نبرته حادة كنصل سكين حاد كان يتعمد غرزه بمنتصف قلبها حين أضاف بقسوة
” أول و آخر مرة هحذرك لو فكرتي تعرضيه للخطر هتشوفي مني إلي عمرك ما شوفتيه في حياتك و خليكي فاكره أنك بسببه لسه عايشه و بتتنفسي ! و صدقيني هييجي يوم و هتتعاقبي العقاب إلي تستحقيه علي جريمتك !”
هاجمها الدوار و شعرت بالأرض تهتز تحت قدميها من فرط صدمتها التي تحولت إلي رعب من هذه المرارة التي تتساقط من بين حروف كلماته المؤلمه و الجارحه . و سقطت دمعتان من جانبي عيناها من فرط القهر الذي شعرت به في تلك اللحظه و خرجت الكلمات من فمها ممزوجه بوجع قاتل لامس زاويه ما في قلبه
” خليك فاكر كل كلمه قولتها دلوقتي عشان هييجي يوم و تندم عليها ..”
لم تستطع إكمال جملتها فقد تراقصت الأرض بها في تلك اللحظه و تراخت قدماها و لم تشعر سوي وهي تسقط و يداه تتلقفها بصدمه من مظهرها المزري فقد شحب لونها فجأة ليجدها تترنح فلم يستطع إلا أن يمسك بها و حين لامست كفوفه الخشنه خصرها الرقيق المنحوت بدقه شعر بنبضاته تتعثر بداخل قلبه الذي دق بعنف و هو يناظر صفحه وجهها الابيض المستدير الذي يتناقض في بياضه مع سواد اهدابها التي تظلل بحرها الأسود اللامع و كانت خصلاتها تتطاير خلفها بتمرد عنفوان و كأنها ترفض اتهاماته البشعه لها .
أخذت عيناه تُبحر فوق ملامحها التي أحتجزتها للحظات وقد بدت ساكنه لا حياة بها فقط شفتاها التي كانت تتمتم بخفوت مما جعله يقترب أكتر ليستمع إلي ما تقوله و هنا هبت نسائم رقيقه تحمل ريحًا عطره حملت خصلة هاربه من خصلات شعرها الاسود لتلفح وجهه بلطف و كأنها تعاتبه فشعر بإحساس غريب في داخله لا يعرف من أين جاء ؟
فقد كان كمن لا يريد تركها أبدًا يرغب بالنظر إليها مطولًا و كأنه عاجز عن إنتزاع عيناه عنها . و لكنه أستفاق فجأة من غمرة ذلك الشعور الغريب الذي أجتاحه كإعصار دام للحظات لينهر نفسه بشدة و ود لو يتخلص منها و يُلقيها من يداه و لكنها لم تكن في وعيها فتكالب عليه غضبه مع شعور عارمًا بالذنب فوجد نفسه يصرخ بصوت غاضب جريح
” حسااااااان ”
هز صوته أرجاء المكان حولهم فوصل إلي مسامع فرح التي إرتعدت من ذلك الصوت و دب الرعب في أوصالها حين سمعت صوت حسان الذي إنتفض يقول بلهفه
” سليم بيه !”
بلمح البرق ترجلت من السيارة لتهرول إلي مكان شقيقتها و قلبها يتضرع إلي الله بألا يكون ذلك المجنون قد آذاها بشئ ! و قد إرتعب قلبها حين وجدته يمسكها بتلك الطريقه فأمتدت يدها لتنتزعها من بين يديه و خلفها حسان السائق و قد تناست وجوده و قالت صارخه
” أنت عملت فيها إيه ؟”
بدا كما لو أن حديثها لم يكن موجه إليه و أخذت عيناه تتابع يدها و هي تحاول أفاقتها إلي أن أستجابت لها أخيرًا و بدأت بفتح عيناها و كانت كمن تجاهد للإستيقاظ من غفوتها وفجأة أطلق تنهيده قويه خشنه لم يكن يعلم بأنها يحبسها داخل صدره . و إستدار علي عقبيه ينوي المغادرة ليأتيه صوت فرح الغاضب حين قالت
” لو شفتك بتقرب منها تاني مش هتعرف هعمل فيك إيه ؟”
لم يلتفت إليها و لكنه أبطأ خطواته قليلًا حين سمع صوتها المتعب و هي تقول برجاء
” سبيه يا فرح هو معمليش حاجه و لا يقدر أصلًا !”
ود لو يرجع و يوجه إليها صفعه مؤلمه علي حماقتها و لكن مهلًا سيأتي ذلك اليوم الذي ستدفع ثمن كل أخطاءها دفعه واحده و حينها لن يستطع أحد إيقافه ..
**************
أخيرًا وصلت السيارة أمام باب بوابه المزرعه الضخمه والتي أنفتحت بمجرد أن أطلق السائق صوت الزامور لتندفع السيارة إلي الداخل و قد كانت كجنه صُنِعت علي الأرض من شدة روعتها و لكن كان الخوف و الترقب يمنع الجميع من الإستمتاع بمظهرها و خاصةً عندما وصلوا إلي الباب الداخلي للقصر فوجدوا سالم و بجانبه سيده تبدو في العقد السادس من عمرها و قد فطنت فرح أنها والدته و هنا إمتدت يد جنة لا إراديًا تقبض علي يد شقيقتها التي ربتت بلطف علي كفها المرتعش في محاوله لبثها الأمان الذي تحتاجه .
توقفت السيارة أمامهم و ترجلت الفتاتان منها فوقعت عيناه علي تلك التي عاد مظهرها القديم إلي حالته و قد أغضبه هذا بشدة و لكنه لم يعلق بل مد يده يصافحها برسميه لم تخلو من ضغطه بسيطه علي كفها و قام بتعريفها علي والدته التي حيتها بتحفظ
” أهلًا بيكي ”
ثم توجهت الأنظار لجنة التي كان مظهرهم يرهبهها كثيرًا و لكنها حاولت البقاء صامدة و هي تتوجه إليهم لتمتد يد تلك السيدة تصافحها بكفوف باردة و ملامح جامدة و التي لم تقل عنها لهجتها حين حيتها قائله
” حمد لله على سلامتك !”
لم تسنح الفرصه لجنة أن تُجيبها فجأة صدح صوت زامور سيارة من خلفهم فالتفتوا جميعًا لتتجمد جنة بصدمه حين شاهدت ذلك الشخص الذي ترجل من السيارة ووو
يتبع …..
القبضة السادسة ✊❤️🔥
” رجل مغرور مثلك و إمرأة عنيدة مثلي هل يجمعهما الحب يومًا؟ و حتي إن تحكم سلطانه بالقلوب و أجبرها علي الخضوع لطُغيانه فهل سيستطيع الصمود أمام طوفان الكبرياء المُدمِر لكلينا !
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
يد الله تعمل في الخفاء فلا تستعجلوها.
إن اعطينا مطلق الثقه لتلك الجمله فلن يُخيفنا شئ في هذه الحياة ابدًا . فكل الإبتلاءات و الصعوبات التي تقف في طريق سعادتنا ليست جميعها تأتي لعرقله الحياة فبعضها يأتي لتنظيف الطريق و جميعها ترتيبات من القدر لتمهيد سبيل الإنسان في الوصول إلي مبتغاه .
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تسمرت جنة في مكانها لدي رؤيتها لكلًا من مؤمن و عدى أصدقاء حازم الذين شهدوا علي ذلك العقد اللعين التي تمنت لو أنها لم توقع عليه أبدًا و لكن قدرها المظلم أجبرها علي هذه الجريمه النكراء و التي تدفع ثمنها الآن .
لم تُحِبُهم أبدًا و خاصةً عدى و لا تعلم لما شعرت بالرُعب لرؤيتهم هنا تحديداً في ذلك المكان الذي لم تختر أبدًا المجئ إليه بإرادتها و إنما كان جزء من عقابها الذي فرضته علي نفسها و للأسف طال شقيقتها التي لاحظت امتقاع وجهها و ذلك الخوف الممزوج بصدمه قويه و تجلي بوضوح في عيناها و لم تقتصر الصدمه عليها فقط فما أن رآها الشابان حتي تسمرا في مكانهما و أخذا يتبادلان النظرات دون حديث و علي الرغم من أن الأمر إستغرق ثوان وجيزة إلا أن تلك العيون الصقريه كانت تتابع كل شيء يحدث بصمت تام و ترقب !
قطع ذلك الصمت المخيم علي الأجواء صوت أمينه الذي تحول للحنان و ربما الضعف يتنافي مع جمود و برود نبرتها في إستقبال الفتاتين حيث قالت بود
” مؤمن . عدى إيه المفاجأة الحلوة دي ؟”
استيقظ الإثنان من غفوتهم و كُلًا يعتريه مشاعر مختلفه منها الندم و تأنيب الضمير و الكره أيضًا ! و توجها إليها لتمتد يدها تعانق كلًا مِنهما بود بادلوها إياه بصدق و إن كان مؤمن الذي زاد من عناقها طويلًا حبًا و ألمًا و إعتذار صامت لا يقدر علي التفوه به !
حاولت جنة إبتلاع الغصه بداخل قلبها حين سمعت صوت أمينه و هي تدعو الجميع للدخول فأمسكت يد شقيقتها التي ضغطت عليها بلطف في محاوله منها لبثها أمان كانت في أمس الحاجه إليه !
بعد مرور أكثر من عشرين دقيقه كان الجميع في غرفه الجلوس يحتسون القهوة بصمت تام قطعه سالم حين قال موجهًا حديثه إلي فرح التي كانت تتجاهله كليًا
” يالا عشان ترتاحوا . أكيد تعبتوا من السفر !”
برقت الأعين و ملأها إستفسار صريح لم يفشل في فهمه و لم يستطع عدى تجاوزه فقال بصدمه
” يرتاحوا ! هما هيقعدوا هنا و لا إيه ؟”
إرتعشت كفوف جنة التي كانت تحارب الإغماء من فرط توترها و رغمًا عنها رفعت رأسها تّطالعه بنظرات بدت محتقرة و أوشكت أن تجيبه لولا تدخل سالم الذي قال ساخرًا
” أنت شايف إيه ؟”
من فرط صدمته لم يلحظ تلك الحقائب التي أنزلها السائق من السيارة و لكن بعد أن أستعاد بعضًا من هدوءه مرت الأحداث علي عقله لينتبه لما يحدث حولهم فسقط قلبه رعبًا بين ضلوعه و لكنه حاول تجاهل خوفه و قال بنبرة بها تهديد مُبطن و هو ينظر إلي «جنه» التي كانت تمثل القوة و هي تُناظره
” غريبه ! معقول دا يا جنة! ”
لم يعطها الوقت للرد إنما جاء صوته باردًا و نظراته غامضه حين قال
” و إيه الغريب في كدا ؟”
كان تركيزه مُنصب كليًا علي جنة التي لم تستطع أن تبقي عيناها المحتقره أمامه أكثر من ذلك فتجاهلته و نظرت أمامها ففسر تصرفها هذا علي أنه خوف اشعره بالراحه قليلًا ليجيب سالم و هو يضغط علي كل كلمه يتفوه بها
” يعني بصفتها إيه هتقعد هنا ؟ ”
لاحت ابتسامه ساخرة علي جانب شفتيه و قد وصل إلي مبتغاه فقال بقوة و بنبرة خشنه
” جنة مرات حازم الله يرحمه و أم إبنه و طبيعي يكون مكانها هنا بعد مو….ته .”
التفت الأعناق تناظره بصدمه و تسارعت الأنفاس تحت نظراته الثاقبه المسلطه عليهم بقوة و خاصةً حين أضاف بتهكم
” معقول يا عدى تكون نسيت ! دانتا الشاهد الأول علي جوازهم !”
و كأن أحدهم سقط بمطرقه قويه فوق رأسه في تلك اللحظه و تنبه أنه الآن يقف أمام خصم صعب لا يُستهان به و لا يمكن الوقوف أمامه و بأن هلاكه قد يكون علي يديه و لم تسعفه الكلمات في الرد عليه فأضاف سالم بترقب موجهًا حديثه لمؤمن الذي كان يجلس صامتّا لا يمتلك القدرة علي الحديث
” و لا إيه يا مؤمن !”
لحُسن الحظ جاء دخول أمينه إلي الغرفه الذي انقذهم من مأزق !فقد أستأذنت منهم للذهاب إلي المطبخ لتأمُر العاملين به بعمل وليمه إحتفالًا بمجئ أصدقاء الحبيب الراحل . و ما أن أطلت عليهم حتي قالت بحبور
” نورتونا يا ولاد . ”
تحدث مؤمن بلطف
” دا نورك يا ماما أمينة . طمنيني عليكي عامله إيه دلوقتي ؟”
أمينه بلهجه حزينه
” الحمد لله.. الحمد لله على كل حاجه ”
فأضاف مؤمن بصدق
” وحشتينا قولنا نيجي نشوفك ”
أمينه بود
” دي أحسن حاجه عملتوها متتخيلوش زيارتكوا دي ردت روحي إزاي ؟”
كان الحديث يدور أمام «فرح» التي كان داخلها يغلي من الغضب من أولئك البشر الذين لا يملكون أدني إحساس بالذوق فقد كانوا يتجاهلون وجودهم تمامًا و كان كل الترحيب مُنصب فوق هذان الشابان و التي لم ترتح لهم و شعرت بخوف شقيقتها منهم و قد أيقنت بأن العيش هنا لن يكون سهلًا أبدًا و أن الأيام القادمة ستكون شاقه علي كلتاهما و لكنها كانت تقمع تلك الأفكار بعقلها خلف ستار من اللامبالاة بينما كان هو يقتنص تعبيراتها بين الفينه و الآخري و هو يشعر بما يعتريها و لكنه لم يتفوه بحرف إلي أن قاطع حديثهم الممل دلوف سليم إلي باب الغرفه فتنبهت جميع حواسها و شعرت بأنها تختنق فقد كان تنفس الهواء ذاته مع ذلك الشخص البغيض يُغضبها و قد أتتها رغبه قويه في الهرب حتي لا تراه أبدًا .
إمتدت يدها للكوب الموضوع علي الطاوله أمامها لترتشف منه بعض قطرات من المياه حتي تُبلل حلقها الذي جف تزامنًا مع ظهور إبتسامه ساخره علي جانب شفتيه إثر ملاحظته لفعلتها و قد تأكد من أنه يُخيفها تمامًا كما أراد .
” سليم كنت عايز أتكلم معاك شويه !”
كانت هذه الجمله التي ألقاها عدى فهبطت فوق قلبها كسوط من نار جلد ما تبقي لها من ثبات فاهتز الكوب بين أصابعها و سقط ليتحول إلي أشلاء جرحت قدمها و لكنها لم تشعر بشئ فقد إعتصرت قلبها قبضة قويه فهي تعلم عدى جيدًا و كم هو وضيع و أيضًا ذلك الرجل الذي يستمتع بإتهامها شتي الإتهامات دون أن يؤرقه ضميره لثانيه واحده . تري أي حديث سيجمع بينهما !
هبت فرح لمساعدة شقيقتها و صرخت أمينه في إحدي الخادمات حتي تأتي للملمه الزجاج المنثور و هي تقول بجمود
” مش تخلي بالك ؟”
حدجتها فرح بنظرة ناريه ثم قامت بإنتزاع إحدي المناديل الورقيه من العلبه أمامها و مسحت قطرات الدماء التي أنبثقت من جرحها الذي لم يكن غائرًا فاقترب منها سالم ليطمئن عليها قائلًا بإختصار
” أنتِ كويسه ؟”
هزت جنه رأسها فيما التفتت فرح تناظره بغضب كبير لم تكبح نظارتها في إخفاؤه و تجلي في نبرتها حين قالت بجفاء
” جنة محتاجه ترتاح شويه . السفر كان مُرهق عليها !”
هز رأسه دون حديث فيما تحدثت أمينه قائله بجفاء
” الغدا الساعه تلاته أعملوا حسابكوا !”
لم تجبها أيًا من الفتاتين بل إن فرح لم تنظر إليها و كأن الحديث غير موجه إليهم فيما قال سالم بفظاظه
” يالا عشان أوريكوا المكان الي هتقعدوا فيه ”
كان الغضب يُغلف لهجته و لكنها لم تلحظ ذلك فقد كان غضبها يمنعها من رؤيه تلك النظرة الحادة التي حدج بها والدته و خرج دون أن يتفوه بحرف بينما تبعته «فرح» و من جانبها «جنه» التي دون إرادتها حانت منها نظرة إلي ذلك الذي يُراقب ما يحدث بإستمتاع و كأنه كان يتوقع أنها ستنظر إليه فعندما التقت نظراتهم حاول جاهدًا أن يحمل نظراته أكبر قدر من الإحتقار مما أدى إلي إتقاد الغضب بداخلها و شعرت بمدي خطأها حين إتخذت ذلك القرار الغبي في المجئ إلي هنا ..
وصلوا إلي باب الفيلا و ألتفت إليها سالم قائلًا بخشونه
” جهزنالكوا الملحق عشان تعيشوا فيه . لحد ما تاخدوا عالناس إلي في البيت و..”
قاطعته فرح بجفاء
” معتقدش أننا هناخد علي حد من إلي في البيت . لأنهم من الأول مش مُتقبلين وجودنا و من الواضح انك أجبرتهم يتعاملوا معانا زي ما أجبرتنا أننا نيجي هنا. ”
سالم بفظاظه
” مين إلي قالك الكلام دا ؟”
فرح بغضب
” مش محتاجه حد يقولي باين أوي عليهم أنهم متضايقين من وجودنا ”
سالم و هو يقوم بفتح باب المُلحق قبل أن يقول بلهجة صلفه
” مدام محدش قال حاجه يبقي وفري علينا إستنتاجاتك ! ”
غضبت من وقاحته و خشونه نبرته و لكن هذا لم يكن جديد عليه و ما أوشكت علي الحديث حيث قاطعتها كلماته الجامدة
” مش محتاج أقولك حافظي علي نفسك. ”
كانت نظراته موجهه إلي جنة ثم تحولت إليها قائلا بفظاظه
” و ياريت متشغليش نفسك بإستنتاجات وهميه ملهاش أي تلاتين لازمه !”
إزدادت شعلة غضبها و تجلي ذلك بنظراتها الحارقه و ملامحها المُستعِرة و قد لون الإحمرار وجنتها فذلك المتعجرف قد تخطي كل حدوده معها و لن تتهاون أبدًا معه و ستُريه مع أي شخص قد عبث !
إستدار إلي الخارج و هو يقول بنبرة آمرة
” بعد ما ترتاحي من مشوارك تعالي عشان نتكلم !”
جاءته نبرتها قويه توازي نبراته
” هدخل جنة ترتاح و آجي . عشان نتكلم ! ”
قالت جملتها الأخيرة من بين أنفاس ساخنه مُلتهبه جراء غضبها القاتم و قد كان ذلك الصراع يدور أمام «جنة» التي لم تكن في أحسن حالاتها لذا فضلت إلتزام الصمت حين رافقتها شقيقتها إلي أقرب غرفه قابلتهم حتي أنها لم تنتبه إلي معالم الغرفه حولها بل إرتمت فوق السرير و هي تُطلِق تنهيدة قويه خرجت من جوفها سمعتها فرح بوضوح فدثرتها بالغطاء جيدًا قبل أن تضع قبله حانيه فوق جبهتها بثتها فيها جرعه من الحنان كانت في أمس الحاجه إليها .
بينما إلتفتت متوجهه إلي باب الغرفه و هي تُهيئ نفسها لحرب داميه لن تخرج منها مهزومه أبدًا ككل حروبها معه.
بالخارج وجدته يجلس بكل هدوء علي أحد المقاعد ينفث دخان سجائره الذي شكل خيوطً رفيعه من الدخان حوله بينما نظراته كانت تُطالِع اللاشئ أمامه كان كمن يبدو غارقًا في تفكيره حين أطلت عليه فأخذت تناظره لثوان كان وسيمًا بدرجه كبيرة توازي تسلطه و غروره الذان و كأنهما خُلقا معه أي في تكوينه .
إستفاقت من شرودها علي نبرته الساخره حين قال
” خلصتي !”
جفلت من سخريته فقد ظنت أنه غير منتبه إلي تحديقها فيه و لكن أتضح لها بأنها التي لم تكن منتبهه. لذلك تنحنت بخفوت قبل أن تقول بثبات
” خلصت إيه ؟”
أرتفع إحدي حاجبيه قبل أن يقول يتهكم
” يعني لما لقيتك مركزة أوي قولت أكيد بتشبهي عليا ! ماهو مش معقول تكوني معجبه بيا مثلًا !”
برقت عيناها من كلماته المستفزة والتي أستنكرتها بشدة إلا من خفقه مجنونه تعثرت بقلبها و لكنها حاولت أن تظل علي ثباتها و أتباع نفس أسلوبه إذ قالت بسخريه
“مغرور أوي !”
أبتسم بهدوء قبل أن يقول بتريث
” عمومًا الغرور أفضل من التصنُع !”
حاولت مراوغته فغمفمت بخفوت
” مفهمتش تقصد إيه ؟”
جاءت لهجته قويه و كانت نظراته مسلطه عليها بصورة أربكتها
“إني أكون مغرور أفضل من إني أكون شخص مُتصنع بعيش دور مش دوري و بتقمص شخصيه غير شخصيتي !”
شعرت بأنه لا مفر من مواجهته حتي لا يظن أنها خجله أو تخشاه لذا قالت بقوة
” لو بتتكلم علي يوم ما جيتلك الشركه فعلي فكرة بقي في اليوم دا أنت فاجأتني و مدتنييش وقت كافي إني أجهز و كان لازم نتكلم في أسرع وقت قبل ما تسافر فاضطريت إني آجي علي أي وضع!”
لم تُفسر نظراته و لكن ملامحه كانت أكثر لينًا حين قال بابتسامه شائكه
“طب كويس فكريني أفاجئِك علي طول بعد كدا !”
دائمًا ما ينجح بإستفزازها . كلماته البسيطه و معانيها الغامضه التي تُثير بداخلها شعور من الإضطراب فضاقت عيناها المستعرة و قالت بجفاء
” ياريت بلاش كلام بالألغاز و نتكلم بصراحه !”
كان يستشعر غضبها و تمني لو أنه يُغضبها أكثر فقد كان يروقه ذلك و لكنه حافظ علي ملامحه الجامدة إذ قال بلامبالاه
” الألغاز انتي إلي محاوطه نفسك بيها أما أنا شخص واضح و صريح !”
هزت رأسها و قد لاحت ابتسامه ساخرة علي ملامحها قبل أن تسترجع ملامحها الجامدة و هي تقول بجفاء
” تمام . يبقي خليني أتكلم انا كمان بوضوح . لما جيت و طلبت مني أن جنة تيجي تعيش معاكوا سألتك بصفتها إيه قولتلي مرات حازم و أم إبنه ”
توقفت عن الحديث منتظره منه أن يعقب عليه و لكنه ظل صامتًا لذا تابعت بغضب مكتوم
” الظاهر إن أنت بس إلي شايف كدا و باقي الناس إلي في البيت ليهم رأي تاني ؟”
أجابها بإقتضاب و بملامح صارمه
” سبق و قولتلك وفري إستنتاجاتك لنفسك !”
فرح بغضب
” دي مش إستنتاجات دي حقيقه إحنا عشناها النهاردة من ترحيبهم بينا إلي كان شبه مش موجود أصلًا ”
لم تتأثر ملامحه إنما قال بفظاظه
” بيتهيألي أنك بالذكاء إلي يخليكي متتوقعيش أفضل من كدا !”
حدجته بلوم قبل أن تقول بجفاء
” بالعكس لو أعرف كدا مكُنتش جيت !”
سالم بتقريع خفي
” عشان تحكمي علي الأمور صح حطي نفسك دايمًا مكان إلي قدامك !”
فرح بإختصار
” بمعني ؟”
سالم بفظاظه
” أفتكري رد فعلك كان إيه لما عرفتي إلي حصل و قيسي عليه ردود أفعال إلي حواليكي ! ”
للحظه أعترفت بأنه يملك الحق فيما يقوله فما حدث لا يسهل أبدًا استيعابه و قد أغضبها ذلك و لكنها أبدًا لن تتحمل طريقتهم في التعامل حتي يتقبلوا تلك الحقيقه المُرة لذا قالت بإستفهام مستنكر
” و المفروض أننا نتحمل الأسلوب دا لحد ما يتأقلموا !”
كان يعلم بأنها تُعطيه الحق في حديثه و لكنها لن تُفصِح أبدًا عن ذلك فملامحها الغاضبه خير دليل . فقام بخنق ضحكه كانت علي وشك الظهور و حافظ علي صرامه ملامحه و هو يقول
” أدي كل واحد فرصته أنه يستوعب إلي بيحصل حواليه و خصوصًا إن محدش هيتعرضلكوا بأي أذي !”
فرح بإستنكار
” ماهو واضح !”
خرجت زفرة خشنه من جوفه قبل أن يقول بنفاذ صبر
” التحفظ مش قله ذوق و لا إهانه . أنتوا لسه متعرفوش ببعض عشان كدا قررت أنكوا تقعدوا هنا في الأول لحد لما تتاقلموا ”
قاطعته إذ قالت ساخرة
” حلو ! في رأيي دا أكتر قرار صح أخدته من يوم ما أتقابلنا !”
إرتفع إحدي حاجبيه قبل أن يقول بسخريه
” دا لو حطينا رأيك بعين الإعتبار اصلًا !”
هل أهانها للتو ؟؟ برقت عيناها و هي تُناظره و قد تجمدت ملامحها بغضب كبير جعل محصول الطماطم الطازج ينبت فوق خديها مما جعله يقول بتخابث
” في رأيي أن الزي التنكري دا مش لايق علي شخصيتك ! ياريت ترجعي لطبيعتك أفضل !”
قال جملته و توجه إلي الباب بهدوء و غرور يلتصق به دائمًا فأوقفه صوتها الغاضب حين قالت
” دا لو حطينا رأيك بعين الإعتبار اصلًا !”
كان يعطيها ظهره لذا أطلق العنان لإبتسامه قويه شقت ثغره من تكرارها جملته التي نجحت في إشعال غضبها الذي يخلق لذه خاصه بداخله و لكنه سرعان ما محاها قبل أن يقول بتخابث
” قريب أوي هيبقي رأيي الأول و الأخير يا فرح ! ”
لم تستمع من كلماته سوي إسمها فما أن همت بسؤاله حتي خرج مُغلقًا الباب خلفه تاركها تتلوي بنيران الغضب من ذلك المغرور القاسي الوسيم !
***************
كانت تُناظره بغضب كبير تجلي في عيناها الجميلة التي ما أن فتحتهم حتي وجدت ذلك الضخم يعبث بأشياءها فلم تستطع الصمت بل صرخت بأعلي صوتها قائله
” حراميييييي!”
أخترقت الكلمه مسامعه مما جعله يتجمد بمكانه لثوان قبل أن يلتفت إليها فوجد نمرة غاضبه علي وشك الفتك به و قد تناقض مظهرها الان بمظهر القطه الضائعه التي كانت تبدو عليه قبل أن تفقد الوعي !
ألتفت يُناظرها بجمود قبل أن يقول بصوت قوي خشن
” دا مين الحرامي معلش !”
أجابته بقوة تجلت في عينيها التي توسعت بشدة بسبب الغضب
” الحرامي إلي واقف يفتش في شنط الناس بكل بجاحه ”
ما هذه الوقاحه ؟ جمالها الخارجي يتنافي تمامًا مع لسانها السليط الذي سيكون أكثر من سعيد حين يقطعه لها تلك الوقحه تنعته بالسارق بعد أن حملها كل تلك المسافه و لم يدعها تسقط بين الناس !
” أحترمي نفسك و أعرفي أنتي بتتكلمي مع مين !”
حلا بإنفعال
” أنا محترمه غصب عنك !”
إحتدم الصراع بينهم و كانت الأعين تُرسل شرارات نارية قادرة علي إشعال النيران في المكان من حولهم لذا تدخلت إحدي العاملات في محاوله لتهدئه تلك النظرة الغاضبه
” يا بنتي إيه إلي بتقوليه دا . مين بس إلي حرامي دا ياسين بيه راجل مُحترم !”
حلا دون تفكير
” ماهو واضح أنه محترم! بدليل أنه كان بيفتش في شنطتي ..”
حاول إبتلاع غضبه الذي إن أطلقه سيحرقها دون أدني شعور بالذنب لذا أطلق تنهيدة خشنه غاضبه قبل أن يقول و هو متوجهًا نحو باب الغرفه
” أنا هخرج قبل ما أرتكب جنايه!”
همت بأن تجيبه و لكنه كان قد أختفي فتدخلت العامله قائله بتوبيخ
” إيه إلي أنتي هببتيه دا . بقي دا جزات الجدع أنه لحقك قبل ما تقعي وسط الخلق !”
تنبهت حلا لحديثها فالتفتت تقول بإستفهام
” إيه ؟ لحقني إزاي يعني ؟”
قصت عليها السيدة ما حدث فشعرت بمدي غبائها و تهورها الذي دائمًا ما يوقعها في المشكلات و سقطت علي الكرسي خلفها بتعب و وجدت عيناها تقع علي حروف ذلك الإسم المدون علي اللوحه أمامها
” ياسين وفيق عمران !”
أخذت تردد الاسم بين شفتيها بخفوت و هي تنظُر أمامها بشرود قطعه صوت نفس السيدة و هي تقول بنُصح
” أسمعي مني روحي أعتذريله أنتي قليتي أدبك عليه جامد و الراجل معملكيش حاجه ”
خرج الكلام منها حادًا و هي تقول بنفي قاطع
” دا مين دا إلي أعتذرله نجوم السما أقربله . قال أعتذر قال !’
كان يقف أمام إحدي ماكينات صنع القهوة ينتظر أن تنضج قهوته و هو يتنفس بحدة من تلك الجميله سليطه اللسان التي تتحول بلحظه من قطه ناعمه إلي نمرة مفترسه !
” أنا أسفه !”
أخرجه من شروده صوت أنطبع في مخيلته منذ أن وقع علي مسامعه أول مرة و علي الرغم أن رقته حاليًا تتنافي مع قوته سابقًا و لكنه تعرف إليه و علي الفور إرتسمت إبتسامه خافته علي شفتيه حاول قمعها قبل أن يلتفت يُناظرها بجمود و كأنه لم يسمع حديثها مُمسكًا بكوب القهوة الخاص به يُناظرها بتفحص من رأسها حتي أخمص قدميها دون حديث و قد أغضبها تفحصه هذا فلعنت نفسها أنها أقدمت علي ذلك الإعتذار السخيف و قررت تصليح خطأها لذا التفتت تنوي المغادرة لتتوقف بمكانها حين أستمعت لنبرته الصارمة
” أستني عندك !”
توقفت بمكانها و أخذت نفسًا قويًا قبل أن تلتفت تناظره بغضب مكبوت بينما كان هو مستمتعًا بمظهرها و لكنه كان يحافظ علي جمود ملامحه حين اقترب منها بخطً سُلحفيه بينما عيناه لم تحيد عنها و ما أن وقف أمامها مباشرة حتي قال بخشونه
” أسمك إيه ؟”
رفعت رأسها بشموخ قبل أن تقول بنبرة قويه ممزوج بغرور لاق بها كثيرًا
” حلا . حلا منصور الوزان .”
لم يبدو و كأنه تأثر حين سمع حديثها بل تابع بنفس لهجته
” فرقه كام ؟”
أجابت بملل
” تالته !”
ياسين بهدوء مستفز
” تخصصك إيه ؟”
حلا بنفاذ صبر
” فلسفه ! آداب قسم فلسفه . ها في أسأله تانيه ؟”
ياسين بلا مبالاه
” لا. تقدري تمشي !”
كان يُطالعها بينما يرتشف من قهوته بهدوء أغضبها فكل ما صدر من ذلك المتعجرف يُغضبها حديثه و إستجوابه و ايضًا تجاهله لأعتذارها الذي جاهدت كثيرًا حتي تُخرِجه لذا تمنت في لحظه أن تحرق القهوة لسانه اللاذع عله يخرج عن طور البرود المستفز هذا.
أخرجها من شرودها تجاوزه لها و خروجه دون أن يتفوه بحرف فوبخت نفسها بشدة كيف أنها كانت تقف بجمود تطالعه كالبلهاء و هكذا كان حالها حين دخلت إلي إحدي القاعات حتي تحضر أولي محاضراتها و تذهب إلي البيت علها تُنهي ذلك اليوم الذي لم تكن بدايته تُبشر بالخير أبدا !
جلست علي إحدي المقاعد بعيدًا عن الجميع و لم تكد تستقر في مقعدها حتي تفاجأت بذلك الضخم المتعجرف يدخل من باب القاعه و يقف خلف الطاوله الكبيرة و هو يناظرهم و تحديدًا هي قائلاً بنبرة بها الكثير من التحدي المُغلف بخبث يطل من عيناه
” أهلا بالطلبه الجداد إلي انضموا لجامعتنا . أحب أعرفكوا بنفسي أنا الدكتور ياسين وفيق عمران!!”
برقت عيناها من هول ما يحدث معها و ودت لو أن الأرض تنشق و تبتلعها في تلك اللحظه فهذا المتعجرف هو دكتور إحدي المواد المقررة عليها لهذا كان يستجوبها و هي كالبلهاء أجابته بمنتهي الصراحه !
*********
أخيرًا انتهت الزيارة و استقل كُلًا من عدى و مؤمن السيارة و إنطلقوا عائدين إلي القاهرة و ما أن غادرت السيارة أبواب المزرعه حتي أنفجر عدى قائلًا بغضب
” شفت بنت ***** لعبتها صح إزاي ؟ و قدرت تضحك عليهم زي ما ضحكت علي حازم الله يرحمه !”
ناظره مؤمن بغضب حارق قائلًا بتقريع
” بطل إستعباط و كلام أهبل كلنا عارفين مين ضحك علي مين ”
عدى بإنفعال
” تقصد إيه يا مؤمن وضح كلامك !”
مؤمن باحتقار
” قصدي أنت عارفه كويس يا عُدى ! كفايه إلي حصل لحازم فوق بقي من غفلتك دي إحنا ممكن نكون مكانه في أي وقت !”
عُدى بنفاذ صبر
” بطل حكم و مواعظ و فكر معايا . إزاي قدرت تضحك عليهم بالشكل دا ؟”
ناظره مؤمن بحنق قبل أن يقول مستنكرا
” تضحك علي مين أنت عبيط ! دا سالم الوزان! محدش يقدر يضحك عليه و أكيد لو عنده شك و لو واحد في الميه أنها كذابه مكنش جابها تعيش وسطهم ”
ثم أعطاه نظره حانقه محتقره و هو يقول بتقريع
” معلقتش علي موضوع الحمل يعني ! أنت إلي شجعت حازم أنه يعمل عملته دي صح !”
تراجع عدى للخلف و نظر أمامه قبل أن يقول بلامبالاه
” مشجعتش حد كل حاجه كانت بمزاجها . و بعدين زيها زي أي واحده حازم مشي معاها و سابها. بس دي طلعت حويطه أوي و عرفت تلعبها صح !”
كانت جملته الأخيرة تحمل حقدًا من نوع خاص فهمه مؤمن علي الفور فقال بتوبيخ
” بطل أفتري و ظلم أنت اكتر واحد عارف أنها مش زي البنات دي و أنت السبب في كل العك إلي حصل دا !
عودة إلي ما قبل سته اشهر
توجه الثلاثي مؤمن و عدى و حازم إلي إحدي القاعات لحضور محاضرة لذلك الدكتور اللزج الذي جعلهم يرسبون في مادته للمرة الثانيه فأصبح لزامًا عليهم أن يحضروا جميع محاضراته حتي يتثني لهم النجاح بها فهذه سنتهم الأخيرة و يريدون للخلاص حتي يشق كلًا منهما طريقه نحو الحياة .
أتخذ كل واحد منهم مقعد ينتظرون مجئ الدكتور الوغد كما أسموه و ما هي إلا ثوان و دلف إلي القاعه و ما أن وقعت عيناه عليهم حتي رماهم بنظرة مُتهكمه و أتخذ مكانه حتي يستعد لبدأ المحاضرة التي مر منها قرابه العشر دقائق و الثلاثي قد بلغ الملل بهم لذروته و لكن ما أن سمعوا طرقًا علي الباب الذي أنفتح بعد سماح الدكتور للطارق بالدلوف و الذي لم يكن سوي فتاه جميله بشعر أسود حريري و عينان تُضاهيه سوادًا تناقض كثيرًا مع بياض بشرتها التي يتوسطهم التفاح الشهي المنثور فوق خديها الحمروان كلون شفتيها تمامًا فقد كانت جميله فاتنه بجسد صغير و لكنه به أنوثه قاتله تظهر علي إستحياء في ملابسها التي لم تكن جريئه فتُفصل قوامها الممشوق و لا فضفاضه فتُخفيه و لكنها كانت علي قياسها و أظهرت مدي جمالها الخارق و عندها حبس الثلاثه أنفاسهم لدي رؤيتها و قد كانت تعتذر من الدكتور بخجل علي تأخرها و قد سمح لها بالدخول و ما هي إلا دقائق حتي إنخرطت معه في المحاضرة وصارت تناقشه بجرأة و لباقه و لم تكن تعلم بأن هناك ثلاث أزواج من العيون تقتنص جميع حركاتها إلي أن أنتهت المحاضرة فخرجت «جنة» مع أصدقائها تضحك هنا و تبتسم هناك و تشاكس هذا و تمازح ذاك غافله تمامًا عن كل ما يُحاك حولها من مؤامرات تسببت في هدم حياتها !
كان أول المتحدثين هو عُدى الذي قال بإعجاب صريح وقح
” واد أنت و هو شايفين الصاروخ إلي أنا شايفه دا !”
أجابه مؤمن بإعجاب لم تخفيه عيناه
” شايف! إلا شايف دا إلي ميشوفش الجمال دا يبقي أعمي!”
تحدث عُدى متأثرا بمظهرها
” أنا لازم أروح أتعرف عليها!”
هنا تحدث حازم الصامت منذ بدأ الحديث و قال بنبرة قاطعة
” البت دي تلزمني ! ”
وجه عدى أنظاره الغاضبه إليه و قال بحنق
” و ليه بقي إن شاء الله . مانا كمان معجب بيها ‘
ناظره حازم بغرور و قال بتكبر
” عُدى يا حبيبي متحطش نفسك في مقارنه معايا عشان أكيد هتطلع خسران ”
أنفعل عُدى و قال بحدة
” علي أساس أنك إلي مفيش منه أتنين يعني و لا حاجه !”
حازم بفظاظه
” بالظبط كدا . و أظن أنت جربت تدخل في منافسه معايا قبل كدا و شوفت النتيجه ”
شعر عدى بنصل حاد يخترق أعماق قلبه و كبرياؤه و لكنه أبي الإنهزام أمامه إذ قال بعنفوان
” بيتهيألك ساندي أنا إلي سبتهالك بمزاجي . عشان مكنتش تفرق معايا”
أوشك حازم علي الرد و لكن تدخل مؤمن الذي كان يشاهد صراعاتهم المستمرة فقال بتسليه
” لا بقولكوا إيه متصدعوناش بنقاركوا دا . دلوقتي البت عجباكوا أنتوا الأتنين . يبقي نشوف مين فيكوا إلي هيقدر يوقعها .”
راقت الفكرة للثنائي الأهوج الذي نُزِعت من قلوبهم كل معالم الرحمه لذا خرجت الموافقه من بين شفتيهم أتبعها عدى قائلًا بتخابث
” و مش بس كدا . دانا لو علقتها هاخد منك العربيه الجديده بتاعتك . زي مانتا خدت عربيتي قبل كدا !”
أبتسم حازم بسخريه قبل أن يقول بحماس
” موافق ! أما أنا بقي لو كسبت الرهان و دا متوقع طبعا . هخليك …. و لا بلاش لما أكسب الرهان و أبقي أقولك وقتها !”
” أتفقنا .. أستنوني هنا و شوفوا هعمل إيه ؟”
كان المُتحدِث عُدى الذي إندفع تجاه «جنة» التي كانت تتحدث مع إحدي صديقتها و ما أن اقترب منها حيث قال ليجذب انتباهها
” لو سمحتي ممكن كلمه ؟”
ألتفتت جنة إليه قائله بتحفظ
” في حاجه ؟”
عُدى بإحترام مزيف
“أنا شفتك و أنتي بتتناقشي مع الدكتور و بصراحه أسلوبك كان سلس و منمق فلو مكنش يضايقك كنت عايزك تشرحيلي كذا حاجه واقفه قدامي !”
كان مظهره العابث يتنافي مع حديثه المُنمق و أيضًا تلك الوقاحه المُنبعثه من عيناه جعلتها تعرف الهدف الأساسي من حديثه المخادع هذا لذا طالعته بتهكم قبل أن تقول بلهجه قاطعه
” أنا هنا طالبه زيي زيك غير مؤهله إني أشرح لحد فلو عايز تستفيد فعلًا أنت ممكن تروح للدكتور و تتكلم معاه . عن إذنك ”
أنهت حديثها و التفتت تُكمِل حديثها مع صديقتها فانتابه غضب حارق تجاهها و لكنه حاول إبتلاعه قبل أن يُرقِق لهجته قليلًا و هو يقول
” طب و لو قولتلك إني حابب أتعرف عليكي ووو..”
قاطعته جنة بنبرة صارمه
” مبتعرفش ! و لو سمحت تمشي من هنا عشان مناديش علي حرس الجامعه و أعملك مشكله ”
إحتدت لهجتها كثيرًا في جملتها الأخيرة و قد وصل حديثها إلي مسامع كُلًا من مؤمن و حازم الذي ناظره بشماته و هو يعود أدراجه خائبًا بينما خرج الكلام ساخرًا من بين شفتي مؤمن حين قال
” يااه عالحلقه ! دي غسلتك و شطفتك و نشرتك ”
حدجه عُدى بنظرة حادة بينما كانت عيناه تناظر حازم الذي قال بتشفي
” قلبي عندك يا ديدو بس أنت كدا كدا خسران يا صاحبي من البدايه . لكن أوعدك حقك عندي . شوف و أتعلم”
أنهي كلماته و توجه إليها بعنجهيه و غرور دائمًا ما يُلازمه و ما أن توقف بقربها حتي سمع صديقتها تناديها بإسمه « جنة » أحتار للحظات أهو إسم أم وصف و لكنه وصل إلي نتيجه واحده أنه ينطبق عليها كثيرًا .
أقترب منها قبل أن يقول بخشونه و هو يناديها
” جنة !”
تسمرت بمكانها من فرط صدمتها فمن أعطي ذلك المغرور الحق في مناداتها بتلك الطريقه التي توحي بأنهم اصدقاء قُدامي !
ألتفتت تُناظره بغضب حاولت إخفاءه حين قالت بجفاء
” أنت تعرفني ؟ ”
جاءها رده حين قال بتأكيد
” مانا جاي هنا عشان أعرفك ! ”
إغتاظت من وقاحته و غروره فوقعت عيناها علي صديقه الذي وبخته للتو فأشارت إليه و قالت مرتفع قليلا
” أنت ! ”
ناظرها عُدى بصدمه تحولت إلي سعادة غامرة حين سمعها تقول
” أبقي قول لصاحبك الكلمتين إلي لسه قيلاهملك عشان واضح أنه مبيسمعش !”
ألقت كلماته مرفقه بنظرات ساخطه مُحتقرة لذلك الذي جحظت ملامحه من فرط الصدمه فهي أول فتاة تقف أمام وسامته و غروره الذان يجذبان أنظار الفتيات إليه دون أي عناء منه و قد كانت أول من كسر تلك القاعده حيث تركته و ذهبت و هي تتهادي بمشيتها بينما هو كان يحترق من الغضب لتأتيه كلمات عُدى المتشفيه
” والله و لاقيت إلي تديك علي دماغك يا وزان ! لا و تقولي حقك عندي يا صاحبي . و شوف و أتعلم . دانتا إلي أتعلم عليك و بالأوي كمان . بالشفا يا كبير !”
أيقظت كلماته وحوش الغضب و الكبرياء بداخله و الذان تحولا إلي رغبه هوجاء في تلقينها درسًا لن تنساه لذا خرجت الكلمات من فمه متوعدة حين قال
” الرهان لسه مخلصش ! هدفعها تمن كلامها دا غالي أوي .( أخذ نفسا حارقا قبل أن يقول بنبرة قاتمه تشبه قلبه ) البت دي هتكون في سريري قبل نهايه الترم دا .و بكرة تشوف ! ”
*****************
حتي أن أصابعهم العشرة لن تكفيهم ليأكلوها ندمًا علي ما فعلوه بنا !!
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
إستيقظت من غفوتها الطويله فوجدت أن الظلام قد حل فأخذت تتلفت حولها في محاوله لتتعرف علي هذا المكان الجديد كليًا عليها و بعد لحظات كانت إستعادت ذاكرتها فأخذت نفسًا طويلًا قبل أن تنهض بتكاسل تنوي الخروج من تلك الغرفه لرؤيه شقيقتها و التي كانت تأخذ حمامًا ساخنًا . فشعرت بالإختناق و أرادت إستنشاق بعضًا من الهواء النقي فتوجهت إلي الحديقه الخلفيه لذلك الملحق و أخذت تتمشي قليلًا إلي أن جذب إنتباهها صوت صهيل الخيل الذي كانت تعشقه كثيرًا فأخذتها قدماها إلي ذلك المبني البعيد نسبيًا عن مكانها و لكنه كان داخل حدود المزرعه و هذا طمأنها قليلًا و بعد دقيقتان من المشي وجدت نفسها أمام ذلك السور الذي به ساحه كبيرة لترويض الخيول و علي الناحيه الآخري كانت هناك الكثير من الحظائر التي يقبع بها الخيول فتوجهت إليها لتقع عيناها علي أجمل شئ رأته بحياتها و هي تلك الفرسه الجميله التي كانت تشبه الثلج في بياضه و كان شعرها كثيفًا رائعًا يعطيها جاذبيه كبيرة إلي جانب عيناها الفاتنه فوقعت جنة بعشقها من أول نظرة و إمتدت يدها تتحسس جبينها برفق و هي تقول بحنو
” أذيك عامله إيه يا جميله ؟؟ أنا جنة ! أنتي أسمك إيه ؟”
أخذت الفرس تُحرِك رقبتها تفاعلًا مع لمسات جنة الناعمه و التي ظلت تُمسِد خُصلاتها بحنان قبل أن تقول برقه
” أنتي جميله أوي .. تعرفي إنك أجمل حاجه حصلتلي النهاردة. أصلك متعرفيش أنا يومي كان سئ أوي . و كنت بتمني يعدي بأي شكل. ”
أمسكت قطعه من الجزر و وضعتها في فم الخيل و يدها الآخري تدغدغ رقبتها بحنو و هي تقول بحزن دفين
” حياتي كلها أصلا بقت سيئه لدرجه بتمني أن الست شهور إلي فاتوا من عمري يكونوا كا…بوس . كا…بوس و هصحي منه ألاقي حياتي لسه جميله و هاديه زي ما هي ! ”
خرج صهيل الفرسه أمامها ليشق السكون المحيط بها فابتسمت جنة برقه قبل أن تقول بخفوت
” أنتي حاسه بيا صح ! أحيانًا غلطه واحده ممكن تدمر حياة بني آدم أو تخليه يتمني المو….ت كل لحظه ! بس الأسوء من كدا أن الظروف تعانده و حتي المو….ت تصـ,ـعبه عليه !”
زفرت ثاني أكسيد الحزن العالق بقلبها قبل أن تقول من بين قطراتها المتسا…قطه
” وحشتني ماما أوي . مع إني مش فاكرة ملامحها بس صوتها لسه في وداني . بالرغم من أن فرح عمرها ما خلتني أفتقد حد و لا أحس إني يتيمه بس حاسه إن لو كان ماما و بابا موجودين كانت حياتنا هتبقي غير كدا ! علي الأقل كانوا هيقفوا جمب فرح . و مكنتش هتبقي مضطرة تشيل الحمل كله لوحدها كدا ! تعرفي إني نفسي أعتذرلها بس مش قادرة . أي إعتذار في الدنيا يكفر عن ذنبي و غلطي! ”
صمتت لثوان تحاول كفكفه دمو…عها التي تنساب بغزارة من بحرها الأسود.الحزين قبل أن تقول بعفويه
” نسيت أقولك مش أنا هجيب بيبي .. تعرفي إني طول عمري بحبهم أوي و نفسي يكون عندي واحد . يمكن الطريقه إلي جه بيها كانت وحشه أوووووي بس أنا واثقه أنه هيعوضني عن….”
أختنقت لهجتها بالحديث و أسندت رأسها علي السياج أمامها تحاول قمع ذكريات كفيله بجعلها تنهار في تلك اللحظه و ظلت علي حالها لدقائق قبل أن تسمع صوت صهيل الخيل بقوة و كأنها تُرحِب بأحدهم فالتفتت لتُصدم عندما وقعت عيناها علي آخر شخص في العالم ترغب برؤيته و الذي كان يطالعها بجمود و عينان يقطر منها الغضب الذي تجلي في نبرته حين قال
” بتعملي إيه هنا ؟”
حاولت سحب أكبر كميه من الأكسجين بداخلها قبل أن تقول بهدوء
” زي مانتا شايف . بتفرج عالخيل !”
” أستأذنتي قبل ما تيجي هنا ؟”
كانت نبرته حادة كنصل سكين أخترق قلبها و لكنها جاهدت حتي تظهر بمظهر الثبات الذي حاولت أن تتحلي به و هي تُجيب بإختصار
” لا !”
تحركت شفتيه بسخرية قبل أن يقول بإحتقار
” كنت هستغرب لو قولتي غير كدا !”
كان الإحتقار في نبرته يُغضبها و يُضفي المزيد من الحُزن علي قلبها لذا تجاهلت حديثه و تحركت تنوي المغادرة فما أن مرت بجانبه حتي إستوقفتها قبضته القويه التي أمسكت برسغها توقفها عن الحركه فالتفتت تناظره و التقت الأعين في صراع غريب من نوعه علي كليهما وصل دويه إلي صدوهم فقد كانت ترتجف و قلبها إثر نظراته الناريه و عيناه التي لا تهدأ أبدًا و قد كان هو الآخر يشاطرها التخبط و هناك نبضه قويه تعثرت بداخل قلبه و هو يُناظر بحرها الأسود اللامع الذي يتخلله حزن ممزوج بخوف كبير حاولت إخفاؤه و لم تنجح !
دام الصمت لثوان بينما العيون كانت تتحدث بلغه يصعب علي كليهما تفسيرها و لكنه كان أول من قطع هذا الحديث الشائك إذ قال بلهحه صارمه
” المكان دا خاص بأصحاب البيت إلي أنتي مش منهم و لا عمرك هتكوني منهم أبدًا ! و قبل ما تفكري تدخليه لازم تستأذني ! ”
حاولت الحديث و لكنه أوقفها حين قال بغضب
” و إياكِ تخرجي في وقت متأخر زي دا لوحدك . عشان عيب! و لو أنتي متعرفيش العيب هعلمهولك . في رجاله بتشتغل هنا في الأسطبل و في كل مكان حواليكي و ميصحش يشوفوا أرمله حازم الوزان بره في الوقت دا . التسيب و الإنحلال إلي أتعودتي عليهم دول تنسيهم أنتي في بيت ناس محترمين ؟”
رغمًا عنها إنهار قناع القوة التي كانت تحتمي خلفه جراء نبرته المحتقره و لهجته المُهينه و تساقط الدمع من مقلتيها بغزارة و قد صدمه مظهرها كثيرًا للحد الذي أشعره بشعور غريب من الألم و الندم معًا و خاصةً عندما سمع صوتها الذي جاهدت حتي تُخرجه من بين شفتيها المُرتعشتين
” خلصت !”
لم يُجيبها انما اماء برأسه و عيناه لا تحيد عنها فقامت بجذب ذراعها من بين قبضته و هرولت إلي حيث يقع المُلحق الذي تقطن به هي و شقيقتها و قد كانت شهقاتها تشق سكون الليل المحيط بهم و قد كان يراقب إنهيارها و رحيلها بقلب مُتألم فهو بحياته لم يكن شخصًا ظالمًا برغم غضبه إلا أنه كان مسالمًا حنونًا ذو قيم و مبادئ و لكن الإنتقام شوه الرؤيه لديه و جعله كالأعمي لا يري أمامه إلا من شعور بعدم الراحه وصل إلي حد الألم احيانًا الذي يؤرقه ليلًا حين يتذكر حديثه معها و طريقته الفظه و المُحتقرة !
زفر بحدة و قرر الذهاب إلي الجراج الخاص بهم ليُمارِس هوايته المفضله و الوحيدة التي تنجح في جعله يفرغ شحنات غضبه و أثناء مروره بالمُلحق الذي تقطن به توقف لثوان و ألقي نظره علي أحد النوافذ قبل أن ينطلق في وجهته و ما أن خطي خطوتان حتي سمع صراخ قادم من هناك جعل كل خلاياه تضطرب و دب الذعر في جميع أوصاله فهرول إلي هناك و قام بالطرق بقوة علي الباب الذي أنفتح و أطلت فرح المرتعبه و فجأة تجمدت الدماء بعروقه حين وقعت عيناه علي تلك المُلقاه أرضًا و أسفلها بقعه من الدماء..
يتبع ….
