و إني لصريم الورد عاشقًا بقلم نورهان العشري

بسم الله الرحمن الرحيم
( و إني لـ صريم الورد عاشقًا بقلم نورهان العشري)
الورود أنواع قد تتشابه ولكن لكُلً مِنهمَ رائحته الخاصة و جماله الفريد ، و هُناك زهورًا رغم جمالها إلا أن أشواكها حادة تتأهب لـ خدش كُل من يقترب منها و يُحاول امتلاكها حتى ولو كان عزيزٌ مُستقراً بين حنايا الروح الذي كان هو من تسبب في عذابها ذات يوم، لـ يأتي الآن و يُحاوِل بكُل شر…اسة استعادتها ولكنه لم يحسّب حِساب لـ توابع الماضي التي ستقف حائلًا بينه وبين وردته البرية التي لم تكُن تعلم أنه حتى لـ صر..يمها صار عاشقًا .
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
دلفت الهام إلى داخل غرفة ابنتها ورد التي قررت إعتزال الواقع و الارتماء بين أحضان الخيال الذي كان يضمها مع زوجها الراحل علها تهرُ…ب من كل تلك الضغو….طات التي تُحيط بها من كل حد..بًا و صوب ولكن ذلك لم يُعجِب والدتها التي قررت أنه حان وقت المواجهة لذا تقدمت إلى النافذة لتفتحها حتى يدخل ضوء الشمس إلى الغرفة و ربنا يتسلل إلى قلب طفلتها التي تُحيط به العتـ,ـمة من جميع الجهات
_ يا ماما اقفلي الشباك دا. النور بيو…..جعلي عنيا .
هكذا تحدثت ورد بحنق فـ اقتربت منها إلهام مغتاظة من تذمُرها و إصرارها على الهرب
_ لا مش هقفله، وانتِ هتصحي دلوقتي و تقعدي تتكلمي معايا زي البني آدمين .
ورد بعناد
_ مش عايزة اتكلم يا ماما سبيني عايزة انام .
عاندتها إلهام بإصرار و لهجة آمره
_ قولت هتصحي و هتقومي تتكلمي معايا .
أنهت جملتها وهي تجذب الغطاء من فوق رأس ورد التي هتفت بحنق
_ نعم يا ست ماما . في ايه خير ؟
الهام بتقريع
_ هتفضلي قافله على نفسك كدا لحد امتى ؟ فكرك كده مشاكلك هتتحل ! مش صعبانه عليكِ بنتك اللي مبتبطلش عياط دي !
هتفت ورد بنبرة مُشجبة
_ و أنا مبصعبش عليكوا ؟
الهام بغضب
_ لو مش صعبانه علينا كنا سبناكي تتفلقي . انما احنا خايفين عليكِ وعايزين مصلحتك .
تهكمت بغضب
_ و إيه مصلحتي في اللي بتعملوه دا ؟
اقتربت الهام تحاوط كتفها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت
_ يا بنتي يا حبيبتي انتِ لسه في عز شبابك، و جوزك ميت بقاله سنة و نص و مسيرك هتتجوزي .
قاطعتها ورد بغضب نال من كل خلية بجسدها
_ و مين قالك اني عاوزة أتجوز !
إلهام بتعقُل
_ لازم هتتجوزي . مفيش حد بيعيش عمره كله لوحده وأنا و أبوكي لو عشنالك النهاردة مش هنعيشلك بكرة .
شعرت بغصة قويه في صدرها من حديث والدتها فهتفت بلهفة
_ بعد الشر عنكوا . يا ماما أفهميني أرجوكِ انا مش هقدر اكون لراجل تاني غير وليد . دا غير اني عايزة أعيش أربي بنتي وبس.
حادثتها الهام بحزن
_ يا بنتي حرام عليكِ نفسك . أنتِ لسه في عز شبابك، و بعدين بنتك دي محتاجة اب أنتِ لوحدك مش كفايه، و مفيش حد هيكون احن عليها من عمها، و انتِ عارفة فاروق بيحبها قد ايه . خصوصّا إن ربنا مرزقهوش بالخلفه من زينة . يمكن ربنا يكرمه معاكِ و تجيبي اخ ولا أخت لـ قمر .
تزايدت دقات قلبها و بدأ شوك الماضي ينغز بصدرها الذي يرفُض كل ما يشعُر به لذا احتدت لهجتها حين قالت
_ يا ماما انا ادرى بمصلحتي، و أنا عارفه أن عمري ما هرتاح مع فاروق أبدًا .
الهام باستنكار
_ متقوليش عشان فرق السن . اتناشر سنة مش كتير يا ورد ، و بعدين لو على مصلحتك فـ أنا ادرى الناس بيها .
جاهدت أن تظل على ثباتها فهتفت بغضب
_ و مصلحتي انكوا تجوزوني غصب عني يا ماما!
لم يكُن هّناك مفر من إظهار بعض الحقائق على السطح لذا قالت بجمود
_ أولًا مش غصب عنك يا ورد عشان لو مفكرة اني هبله و مش فاهمه كل حاجه تبقي عبيطة. أنا عارفه مشاعرك تجاه فاروق من قبل ما زين اخوه ما يتقدملك، و دا السبب اللي مخلاكيش قبلتي تعيشي في بيت البلد و خليتي زين جه خدلك شقة هنا .
تعالت صيحات الألم داخلها حين عرضت والدتها الحقيقة أمام عينيها فتسارعت أنفاسها و جف حلقها حين قالت بتوتر
_ ايه يا ماما اللي بتقوليه دا ؟ لا طبعًا مفيش الكلام دا خالص .
رفعت إلهام يدها لتربت بحنو على خصلات شعرها وهي تقول بهدوء
_ قلب الأم مبيكذبش أبدًا يا ورد، و ربنا يابنتي بيعوض، و مش معني كلامي دا انك كنتِ خاينه لجوزك أبدًا انا عارفه انك من وقت ما بقيتي علي اسمه مفكرتيش في حد تاني غيره . بس افتكري كلامي ربنا له حكمه من كل حاجه بتحصلنا.
أخفضت رأسها حزنًا تساقط من بين مآقيها حين تذكرت الماضي و ما يحمله من أوجاع و خاصةً ذلك اليوم الذي أتى به ليطلب يدها لشقيقه و ما كابدته من العناء حتى تكُن زوجة وفية لزوجها الراحل
_ خايفه يا ماما ابقي كدا بخون زين انا والله عمري ما فكرت في راجل تاني وانا على ذمته . ربنا عالم .
أناملها الحانية امتدت تمحو حزن صغيرتها قبل أن تقول بحنو
_عارفه يا نور عين ماما، و محدش فينا كان يتمني اللي حصل دا يحصل بس دي إرادة ربنا، و أنتِ لسه شابة جميلة و صغيرة، و ربنا أراد يديكِ فرصة تعيشي حياتك اللي ملحقتيش تعيشيها مع زين .
همست بنبرة جريحة
_ بس فاروق بيحب زينه يا ماما !
شعرت بما تحمله لهجتها من ألم فأجابتها بهدوء
_ بس نفسه يشوفله حتت عيل وهو الصراحة مقصرش معاها دول بقالهم اكتر من عشر سبع متجوزين . هيصبر ايه اكتر من كدا !
لم تحتمل فكرة أنه يعتبرها مُجرد وعاء إنجاب فقط بينما قلبه و جميع مشاعره مع أخرى فقالت بألم
_ بس يا ماما ..
قاطعتها إلهام بنبرة حازمة
_ مابسش يا ورد. الحياة مبتديش الفرصة مرتين، و دي دنيا مش جنة يا بنتي زي ما هنشوف اللي يوجعنا هنشوف بردو اللي يفرحنا، و الإنسان الذكي هو اللي يضحك عالدنيا و يسرق منها كل حاجه تفرحه و تبسطه بدل مبيغضبش ربنا.
استكانت قليلًا بحديث والدتها ولكن القلب لايزال جريحًا فأخفصت رأسها بحزن فتابعت إلهام باستفهام
_ في إيه تاني ؟ وشك لسه مكرمش ليه ؟
خرجت نبرتها مُشجبة تحمل وزر الذنب
_ طب انا و زينة يا ماما ! هنتعامل ازاي بعد كده؟ أنا طول عمري بحبها و مش قادرة اكون سبب وجع ليها .
لم تفلح إلهام في ردع الحزن في نبرتها حين قالت
_ والله يا بنتي و مين سمعك كلنا بنحبها بس احنا ملناش نعترض على قضاء ربنا و هي ربنا مأردش ليها أن حملها يكمل و كل مرة تحمل فيها تسقط من غير سبب، و من حبها لـ فاروق هي بنفسها اللي بقت تدور له على عروسه . فاروق كبير العيلة بعد عمك و نفسه يشوفله حتة عيل .
تعاظم الألم بصدرها جراء كلمات والدتها لتتقاذفها الحيرة من جديد فهتفت بنبرة مُتعبة
_ مش عارفه يا ماما محتارة، و خايفه، و متلخبطة .
لم تعُد تملِك من الكلمات ما يُمكِن أن يردع حيرتها و شتاتها لذا قالت بحنو
_ أقولك قومي اتوضي و صلي و ركعتين لله و قولي يارب و أن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير.
كان ولايزال الطريق الى الله هو أكثر الطرق أمنًا للمرء حين يُلقي بذلك الثُقل الذي يحمله فوق صدره و جميع آلامه ومخاوفه ليدفنه بين ركوعٍ وسجود وهذا ما فعلته مُردده دعائها المُفضل
_ اللهم اني وكلتك أمري فـ كُن لي خير وكيل و دبر لي
فـ إني لا أُحسٌن التدبير .
مرت الأيام أكثر هدوءً وهي على هذا النهج إلى أن أتى ذلك اليوم الذي تغير به كل شيء . كانت تُعِد طعام الغداء مع والدتها ليدُق جرس الباب فطلبت منها إلهام أن ترى من الطارق لتتوجه ورد تفتح باب المنزل فإذا بها تتسمر بمكانها و يتخشب جسدها حين رأته أمامها ذلك الرجُل الرمادي العينين الذي كان يتمتع بوسامة خشنة تليق مع جسده الصلب فهو عريض المنكبين طويل إلى درجة متوسطة و أكثر ما يُميزه و يُعزز من هيبته ذلك الشارب الذي كان يُضفي على ملامحه وسامة من نوعًا آخر
مر وقتًا غير معلوم طالت به النظرات فقد حُرِم من تلك العينين لأكثر من عامين و نصف مُنذ ذلك اليوم الذي أخبره شقيقه برغبته في الزواج من ابنة عمهم الجميلة ، والصغيرة أيضًا. تلك الكلمة التي كانت كـ الفير؟؟؟وس القا….تل الذي قضى على براعم عِشقه لها بداخل قلبه فقد كان يراها اصغر من أن تكُن زوجته بيوم من الأيام فهو لن يفعل ذلك بها أبدًا، ولهذا أجبر نفسه دافنًا مشاعره العميقة تجاهها و تزوج من ابنة عمهم الأخرى زينة ليبدأ حياة هادئة معها ولكنها تفتقد إلى الكثير من المشاعر و الشـ,ـغف فقط رتا..بة و هدوء ولكنه يكِن لها محبة و إحترام كبيران فهي لم تُخطيء معه يومًا، ولكن القدر دائمًا يُفاجئنا بتقلباته فقد رحل شقيقه تاركًا خلفه أرمـ,ـلة فاتنة وطفلة رائعة و ما هرب منه سابقًا و أجبر نفسه على التملُص منه ها هو أصبح واجبًا عليه و لكم كان رائعًا ذلك الشعور حين وجد نفسه وجهًا لوجه مع قطعتين من الشوكولاته الذائبة بين جفونها تلك المرأة صاحبة الشعر الغجري الذي كان يعشق بعثرة خصلاتها وهي طفلة صغيرة حتى تثور و تُبعثر كيانه بعفويتها و جمالها الذي تضاعف مع الوقت
_ الجميل هيفضل متنح كدا كتير !
ما أن نطق جملته المرحة حتى تصاعدت الد……ماء إلى وجنتيها فقد فطنت إلى ما ترتديه. ذلك الرداء البيتي المُريح الذي يصل إلى ما بعد ركبتيها بنصف أكمام أظهرت ذراعيها بسخاء ، وفجأة تولدت بداخلها رغبة قوية في الهرب من أمام عينيه العابثة و قد كان هذا ما فعلته تراجعت دون التفوه بأي حرف لتلجأ إلى غرفتها تحت أنظاره التي غزتها الدهشة .
_ الحقي يا ماما فاروق بره .
كانت تلك الجملة التي القتها على مسامع والدتها قبل أن تولي هاربة لتقول الهام باندهاش
_ ايه دا هو لحق يوصل !
توجهت الهام للترحيب به فتفاجئت بأنه مازال واقفًا عند بابا الشقة فهتفت بصد….مة
_ يا خبر يا فاروق انت لسه واقف على الباب ؟ اتفضل جوا يا أبني . هي ورد مش قالتلك اتفضل ؟
_ تقريبّا نسيت . او اتفاجئت.
هكذا تحدث فاروق بهدوء قبل أن يدلف إلى الداخل و هو يبتسم لما حدث لتشعُر الهام بالحرج من تصرُف ورد وتحاول تصحيح الموقف قائلة
_ معلش يا فاروق يا ابني هتلاقيها اتكسفت أو…
قاطعها فاروق بهدوء يزيل من عليها الحرج
_ مش محتاجة تبرري لورد حاجه يا مرات عمي . ورد هتفضل هي ورد طول عمرها مش هتتغير أبدًا .
تفاجئت من كلماته ولكنها لم تُعلِق عليها بل قادته إلى غرفة الاستقبال لتجده يضع الأكياس و الهدايا فوق الطاولة
ـ كل دي حاجات جايبها يا ابني ؟ تعبت نفسك ليه بس ؟
فاروق بخشونة
_ ولا تعب ولا حاجه . دي حاجة بسيطة.
ابتسمت الهام قبل أن تقول بود
_ والله ليك وحشة يا فاروق . و الحاجة خديجة عاملة ايه هي و الحاج راضي ؟
_ بخير الحمد لله و باعتين لك سلامات كتير اوي .
هكذا تحدث فاروق لتُجيبه بلباقة
_ الله يسلم عمرهم يارب. نورتنا والله .
_ دا نورك .
قاطع حديثهم دخول تلك الفتاة الصغيرة التي تبلُغ من العُمر ثلاث سنوات ذو شعر غجري رائع كوالدتها . اندفعت تعانقه بقوة وهي تقول بلهفة
_ عمو فاروق .
شدد فاروق من احتضان الصغيرة التي كانت تتعلق بعنقه بقوة ليقول بحنو
_ أمورة عمو . وحشتيني اوي.
قمر بلهفة
_ انت كمان وحشتني اوي.
أخذ فاروق يُداعِب الصغيرة التي جذبت ضحكاتها ورد لتقف من بعيد تُراقِب طريقة معاملته لصغيرتها و تناغمها معه لتبدأ في اتخاذ قرارها بشأن زواجها منه و إن كانت علاقته بقمر سبب يُضاف إلى آخر وهو أن قلبها لازال يدُق لهذا الرجُل و بقوة
تقابلت أعينهم في نظرة مُطولة غامضة من جهته مدهوشة من جهتها . سابقًا لم تكُن تحظى ولو بلمحة عابرة منه والآن تبدو عينيه و كأنها تأسرها بقيد نظراته التي لا تحيد عنها منذ أن دلف إلى المنزل مما أشعرها بالتوتر الذي تضاعف حين خاطبتها والدتها قائلة بنبرة مازحه ولكنها تحمل الكثير بين طياتها
_ تعالي يا ورد . بنتك من ساعة ما شافت عمها وهي متعلقه في رقبته ازاي !
ظاهريًا تجاهلت كلمات والدتها ولكن لم يستطِع قلبها تخطيها لتتفاجيء من كلمات قمر العفوية
_ قمر حب عمو فاروق اوي .
عانقها فاروق بحُب تجلى في نبرته حين قال
_ و عمو فاروق بيمو…..ت في أمورة .
رمقت الهام ورد بنظرة ذات مغزى قبل أن تقول بابتسامة هادئة
_ ربنا يخليكوا لبعض يارب .
ثم وجهت حديثها إلى قمر قائلة
_ يالا بقي يا أمورة تيجي مع تيتا نعمل الاكل عشان عمو فاروق يتغدى معانا .
شعرت قمر بالحماس و هرولت إلى إلهام لتُساعدها تاركة ورد وحدها معه فشعرت بالوخزات المو…ترة تتفشى في سائر جسدها مما أدى إلى تسارُع أنفاسها فأخذ صدرها يعلو و يهبط ليحاول التخفيف من توترها قائلًا
_ عامله ايه يا ورد ؟
كانت عينيها تجوب جميع الاتجاهات هربًا من عينيه وهي تُجيبه بخفوت
_ الحمد لله بخير . انت عامل ايه ؟
فاروق باستمتاع من مظهرها و توترها
_ تقصديني انا و الكرسي اللي انتي باصه عليه ؟ لو كنتِ تقصديني انا بصيلي و انتِ بتكلميني .
كلامه عزز من خجلها و توترها أكثر ولكنها لم تجد بُد من مواجهته لترفع عينيها إلى خاصته فإذا بها تلمح شبح ابتسامة فوق شفتيه قبل أن يقول بخشونة
_ أيوا كدا نعرف نتكلم، و بالمرة عشان تاخدي عليا بدل ما كل ما تشوفيني تطلعي تجري .
اغتاظت من جملته الأخيرة خاصةً حين رأت المرح في عينيه فظنت بأنه يسخر منها لذا اندفعت تقول بلهفة
_ أنا اتفاجئت بس و مكنتش اعرف ان انت بره .
فاروق باستمتاع
_ و ياتري مفاجأة حلوة و لا وحشة ؟
لم تعرف بماذا تُجيبه خاصةً وهي تغرق هكذا في بحور الخجل لذا تجاهلت كل شيء حتى استفهامه لتقابله باستفهام آخر
_ ينفع اسألك سؤال ؟
فاروق باختصار
_ ينفع .
خرجت الكلمات منها دفعة واحدة خشية أن تنصاع لرغبتها في التراجع و الاختفاء من أمام ناظريه
_ أنت عايز تتجوزني ليه ؟
لـ دهشتها لم يتفاجأ من استفهامها بل ارتسمت ابتسامة هادئة فوق شفتيه قبل أن يقول
_ انتِ شايفه ايه ؟
أرادت الوصول لنقطة معينة لذا قالت بمراوغة
_ عشان بنت عمك، و ام قمر،و كنت مرات…
انمحت البسمة من فوق شفتيه قبل أن يُقاطعها بنبرة أكثر جدية
_ عشانك يا ورد . مش هلاقي احسن منك تنور بيتي و تشيل اسمي.
تفاجئت من حديثه و رغمًا عنها خرجت الكلمات من بين شفتيها
_ طب و زينة؟
فاروق بهدوء و نبرة صادقة
_ زينة عشرة عمري مشوفتش منها غير كل خير و مش هقدر ارد لها الخير بالشر أبدًا، و عشان كدا لازم تبقي عارفه انها هتفضل على ذمتي و عمري ما هفرط فيها إلا إذا هي طلبت دا .
منتهى الغباء حين يُلقي الإنسان نفسه في حقل من الألغام ظنًا منه أنها لن تنفجر به، وأنه لن يتأذى .
جاهدت حتى لا يتجلى ألمها في عينيها و قالت بجفاء و نبرة مُترفعة
_ و أنا عمري ما هطلب منك دا . أنا لو هوافق على جوازنا يبقى عشان قمر يكون لها أب، وأنا عارفه انت بتحبها قد ايه و هي كمان بتحبك و دا المهم بالنسبالي، و حياتك دي تخصك اتصرف فيها زي ما انت عايز .
تصاعدت ابخرة الغضب إلى رأسه من كلماتها ولكنه لم يُظهِر شيء إنما قال بجمود
_ كدا يبقى احنا متفقين. هحدد مع عمي ميعاد كتب الكتاب عالخميس الجاي. جهزي نفسك .
داهمتها كلماته فهتفت باعتراض
_ الخميس الجاي دا قُريب اوي مش هلحق اجهز نفسي .
فاروق بخشونة
_ مش محتاجه وقت عشان تجهزي. أنا عندي استعداد اخدك دلوقتي زي ما انتِ كدا.
أضرمت كلماته نيرانًا هوجاء في صدرها ولم تعُد تعلم بماذا تُجيبه ليُنقذها مجيء والدها في تلك اللحظة فما أن شاهد فاروق حتى عانقه مُرحبّا به لـ تستغل هي الفرصة و تلوذ بالفرار إلى غرفتها و ما هي إلا دقائق حتى تجمدت الد….ماء بعروقها وهي تستمع إلى صوت الزغاريد التي أطلقتها إلهام فعرفت بأنها مضت في طريق لا رجعة منه .
مر اليوم و ما تلاه دون أحداث تُذكر ليأتي اليوم الموعود وهو يوم السفر استعد الجميع لمجيء فاروق الذي وصل في موعده ليستقبله والدها بحبور و كذلك والدتها و بعد تبادل السلامات جاء دورها فشعرت بالخجل يتزايد و معه توترها لتشتد يدها المُمسكة بيد طفلتها التي اقترب منها فاروق قائلًا بصوتٍ أجش
_ وحشتيني أوي .
لا تعلم ماذا دهاها ؟ فقد شعرت بأن تلك الكلمات موجهه إليها لترفع رأسها تناظره بصد…مة تحولت لخجل كبير حين رأته يناظرها و على ثغره شبح ابتسامة فقامت بإدارة وجهها للجهة الأخرى بلهفة جعلت ابتسامته تتسع وهو يناظرها ليأتيه صوت الصغيرة وهي تقول
_ وحشتني اوي يا عمو .
التمعت عينيه التي مازالت تطالعها بشوقٍ تجلى في نبرته حين قال
_ هاانت يا حبيبة عمو كلها كام يوم و تفضلي معايا و في حضني على طول .
ما أن استمعت إلى كلماته حتى برقت عينيها و تفشى الخجل أكثر في أوردتها، و كعادتها لجأت إلى الهرب فتركت يد قمر لتتوجه إلى حيث والدها و والدتها ليقوم فاروق بنقل حقائبهم إلى السيارة لتبدأ رحلتهم التي استغرقت ثلاث ساعات ليصلوا إلى بلدتهم و ما أن توقفت السيارة أمام منزل العائلة حتى شعرت بخوفٍ مجهول سببه و خاصةً حين التقمت عينيها زينة التي تقف إلى جوار عمها و زوجته و بجانبهم شقيقتها مُنى !
ترجلوا من السيارة لـ يستقبلهم الجميع بحفاوة و كذلك زينة التي عانقت ورد بحنو كعادتها ولكن تلك المرة لامست الحزن بـ نبرتها حين قالت
_ حمد لله عالسلامة يا ورد .
شعرت ورد بذلك الحزن القاطن في نبرتها و عينيها لتقترب منها و تعا….نقها بقوة لا تعلم هل تواسيها أو تعتذر منها ولكنها اصطد…..مت بعينين حادتين تبعثان على الخوف و كانَ لـ مُنى شقيقة زينه التي لطالما كانت ورد تخشاها ولا تُحِب التحدُث معها أيضًا .
دلف الجميع إلى الداخل و استقروا بغرفة الجلوس ليتحدث راضي بحبور
_ نورتوا الصعيد كلاته يا خوي .
اجابه ماهر والد ورد
_ منور بأهله يا راضي .
شاركت خديجة زوجها فرحته حين قالت
_ اتوحشناكوا جوي جوي يا إلهام و اتوحشنا أمورتنا الصغيرة و أمها .
ابتسمت ورد من كلمات زوجة عمها الحنون و قالت بلهجة ودودة
_ و انتوا كمان وحشتوني يا مرات عمي .
اخذوا يتبادلون أطراف الحديث ثم توجهوا لتناول وجبة الغداء وسط جو من الأُلفة والمرِح لـ يحين وقت الغروب فتوجهت ورد إلى الأسفل فإذا بها تتقابل وجهًا لوجه مع مُنى التي كانت ترمُقها بنظرات ساخطة يتخللها كُره عظيم لم تحاول إخفائه فتجاهلتها ورد التي شعرت بالنفور و الخوف منها ولكنها لم تُظهِر ذلك و أكملت طريقها لتعترضه مُنى بكُل تبجُح و تقف أمامها فابتلعت ورد ريقها خوفًا و غيرت مسارها الى جهة اليسار لتقف أمامها مُنى مرة أخرى فكان الأمر مقصودً لا يُمكن تجاوزه فرفعت ورد رأسها تناظرها بقوة تُنافي خوفها الداخلي لتقول بنبرة حادة
_ خير . ممكن اعرف في ايه ؟
مُنى بسخرية
_ ايه يا عروسه . مهترميش السلام على أهل الدار و لا ايه ؟
ورد بتهكُم
_ أهل الدار انا سلمت عليهم واحد واحد قبل ما اطلع، لكن انتِ مش أهل الدار يا مُنى !
مُنى بقسوة يتخللها بعض السُخرية
_ أكده يا ورد ! دانتِ كبرتي و بجيتي تيعرفي تتكلمي .
ورد بجفاء
_ انا طول عمري بعرف اتكلم يا مُنى، و لو فاكرة اني مش عارفه انك كنتِ بتحبي فاروق و عايزة تتجوزيه تبقي غلطانه. انا عارفه كل حاجه زين الله يرحمه حكالي، و أنا مش هتردد ثانيه احكي كل اللي حصل دا لو مبعدتيش عني، و متفكريش انك هتخوفيني بنظراتك دي ! عشان انا مابخفش.
أنهت ورد حديثها و تجاوزتها تنوي المُغادرة لتتفاجيء بمُنى التي قبضت على رسغها بقوة آلمتها لتقول بقسوة تناثرت من بين كلماتها
_ تيعرفي أن كلامك دا ريحني جوي يا ورد ! عشان أكده اللعب هيبجي عالمكشوف، و خليكِ فاكره ان اللي يلعب مع مُنى يبجي بيلعب بالنار، و أني ناري بتحرج و مبتسميش .
شعرت ورد بالخوف من كلماتها ولكنها أبقت على ثباتها بأعجوبة لتقوم بنزع يدها بقوة من بين أصابعها القاسية لتتوجه إلى الأسفل مُغيرة وجهتها إلى الخارج قاصدة تلك البقعة من أرضهم التي كان مشهدها الآن خلابًا خاصةً في وقت الغروب التي لطالما كانت تعشقه لتأخذها خيالاتها لسنوات مضت ولكنها تفاجئت حين استمعت لنبرة عميقة آتيه من خلفها
_ لسه بتحبي منظر الغروب يا ورد ؟
شعرت بفوران في معدتها و ضجيج قوي أحدثتها دقاتها الهادرة فلم تلتفت إليه ليتقدم هو ويقف بمُحاذاتها لـ تقول بخفوت
_ أنت عرفت منين اني بحبه ؟
لاحت ابتسامة خا….فته على ملامحه قبل أن يقول بغموض
_ أنا عارف حاجات كتير متتخيليش أن انا عارفها .
كسى الخجل ملامحها و اند…..فعت الد…..ماء إلى وجنتيها لينبُت محصول التُفاح الشهي فوق ساحتهمَ فجاءت نبرتها خافته حين قالت
_ تقصد ايه ؟
آثر تغيير الحديث قائلًا بخشونة
_ مش عايزك تخافي من اي حد و لا من اي حاجه أبدًا يا ورد .
رفعت رأسها إلى ذلك المشهد الخلاب أمامها والذي لم يفلح في ردع خوفها الذي انساب بين كلماتها حين قالت
_ هي مُنى دي قاعدة هنا بتعمل ايه ؟
فاروق بجفاء
_ مُنى بنت عمك ، فطبيعي تيجي و تروح علينا، و عمومًا هي بتيجي كل فترة تقعد مع زينة وخصوصًا أن زينة صحتها بقت تعبانه الفترة الأخيرة من بعد آخر سقوط ليها عشان كدا مُنى قاعدة معاها بتخلي بالها منها.
اومأت ورد برأسها و لم تُريد للتطرُق إلى أبعد من ذلك بحديثها معه لتتفاجيء به حين قال بلهجته الصعيدية المُميزة
_ كل حاجه هنا كانت متوحشاكي يا ورد .
تناحرت دقات قلبها و اهتاجت أنفاسها داخل صدرها حين استمعت إلى كلماته التي تحوي الكثير من المشاعر التي لم تبخل عينيه بالتعبير عنها لتلجأ إلى الهرب الذي كان أكثر الطُرُق الآمنه فقالت بتلعثُم
_ أنا أنا . هروح . عشان . قمر . زمانها مستنياني .
تراجعت ورد إلى المنزل وهي تصعد الدرج استرعى انتباهها ذلك الصوت القادم من الحديقة الخلفية فخربش الفضول داخلها لتتوجه إلى مصدر الصوت فإذا بها تتجمد بمكانها حين استمعت لصوت مُنى التي كانت تُعـ,ـنف زينة قائلة
_ أنتِ إزاي تسمحي لهم يچوزوه مجصوفه الرجبة دي . إيه معندكيش كرامة واصل ؟
تفاجئت زينة من حديثها وقالت باستنكار
_ وه . انتِ كيف بتزعجيلي أكده ؟ و بعدين كنتِ عيزاني اجف جدام عمك و مرته و اجولهم لا عشان يخلوه يطلجني الصبح !
مُنى بغضب
_ يطلجك ليه ؟ هو انتِ عملتي ايه ؟ ناجصك ايد وولا رجل اياك !
زينة بحزن
_ ناجصني يا خيتي . بطني مابتشيلش عيال . كلهم بيمو….توا جبل حتى ما احس بيهم يدوب يدب فيهم النبض بعدها ينزلوا على طول. عرفتي ليه مجدراش اتكَلم !
مُنى بشماتة حاولت اخفائها قدر الإمكان
_ و هي دي حاچه بيدك . محدش بيختار يبجي معيوب يا بت ابوي .
استقرت الكلمة في مُنتصف قلبها لتقول بنبرة محشوة بالألم
_ اديكي جولتيها معيوبة ، و بعدين فاروق بيحبني و عمره ما هيضحي بيا انا متوكدة من أكده .
شعرت مُنى بالحنق من حديثها فهتفت بغضب
_ الكلام ده جبل ما يتچوز السنيورة اللي هتخليه يرميكي كيف الكلاب .
جفلت زينة من حديثها و قالت بلهفة
_ انتِ بتجولي ايه يا مُنى ؟ فاروق عمره ما يعمل أكده واصل .
مُنى بتهكم
_ لا يعمل أكده و اكتر من أكده كمان. فاروق دا واعر چوي و يجدر يعمل كل حاچه، و كمان مجصوفة الرجبة دي مش هتتحمل يكونلها ضرة .
زينة بنبرة هادئة حزينة
_ ورد طيبه و غلبانه و مش هتجبل فاروق يظلمني و كمان كانت بتحب چوزها الله يرحمه و مغصوبة ع اللي بيحصول دا .
هتفت مُنى بغِل
_ بزيداكي عبط و تخلف . البت عامله فيها عروسه و چوزك كيف لهبل عينه معتفارجهاش، و بكرة اول ما تتمكن هتخليه يرميكي في الشارع لو موعتيش لنفسك .
زينة بجزع
_ طب الحل ايه يا خيتي ؟
وصلت إلى مُبتغاها فقالت بخُبث
_ تسمعي كلامي زين و تنفذيه بالحرف الواحد خلونا نخلوص من النايبه اللي حطت علينا دي .
زينة بريبة
_ كلامك ده ممريحنيش يا مُنى . تجصدي ايه ؟
تسلحت الأفعى بسلاح الحنان حين قالت
_ كلامي دا هو اللي هيريحك يا زينة لو سمعتيه . البت دي لازمن تنجرص جرصة كبيرة عشان تمشي و متعاودش تاني
_ يعني نعمل ايه ؟
مُنى بشر
_ ندور على أغلى حاچه عنديها و ناخدها منها أو نضرها فيها .
شهقت زينة بصدمة
_ تجصدي مين ؟ جمر !
مُنى بحقد
_ نخلصو من بتها عشان نضمنو أنها تختفي من حياتنا للأبد .
شهقة قويه خرجت من فم ورد التي ما أن سمعت تلك الكلمات حتى هوى قلبها ذُعرًا فأخذت تتراجع إلى الخلف خوفًا من أن يراها أحد لتهرول إلى غرفتها وهي تبكي بجزع وحين دلفت إلى الداخل وجدت ابنتها التي كانت تلعب فوق مخدعها وبجانها والدتها التي كانت تقرأ ما تيسر من أيات الذكر الحكيم، ولكنها قامت بأغلاق المصحف حين وقعت عينيها على ورد التي هرولت إلى طفلتها تحتضنها بلهفه و عبرات اغرقتهمَ معًا
هرولت إلهام الى ورد قائلة بلهفة
_ ايه يا ورد مالك في إيه ؟
لم تستطِع اجابه والدتها فلم تكُن استطاعت تخطي ما حدث بالأسفل بعد لتُتابِع إلهام بتوسل
_ يا بنتي قوليلي مالك ؟ فيكِ ايه ؟ وقعتي قلبي .
ورد من بين عبراتها
_ احنا لازم نمشي من المكان دا يا ماما . مش هنستني فيه دقيقة واحدة .
إلهام بصدمه
_ إيه اللي حصل خلاكي تقولي كدا ؟ يا بنتي فهميني.
إحتارت ورد هل تحكي لوالدتها ما حدث ام لا ولكن في النهاية لم تستطِع الصمت واخبرتها ما حدث بالأسفل و ما سمعته فانتقل خوفها إلى الهام التي تجاهلت ما تشعُر به وقالت بتحذير
_ اياكي تقولي الكلام دا لحد . انتِ معندكيش دليل عاللي سمعتيه، و لو حكينا اللي حصل هيفكروكي بتعملي كدا عشان فاروق يطلق زينة!
ورد بذُعر
_ يعني إيه يا ماما ؟ استناهم لما يأذوني في بنتي !
إلهام في محاولة للتخفيف من خوف ابنتها
_ متخافيش قمر هتفضل طول الوقت يا معايا يا معاكِ، و محدش منهم هيقدر يقربلها، و سبيني انا الموضوع وانا هتصرف .
لم تكّن مقتنعه ولكن بالنهاية رضخت لحديث والدتها ولكنها لم تُريد الاجتماع بهم لهذا رفضت النزول إلى العشاء ولكن إلهام أصرت عليها كثيرًا فانصاعت لها وهي في طريقها إلى الأسفل تقابلت مع زينة التي ابتسمت بحبور و اخفضت رأسها لتُقبل قمر وهي تقول بمرح .
_ أمورتنا الچميلة عامله ايه دلوق؟
لم تكد تقترب من الصغيرة حتى تفاجئت بورد التي جذبت قمر من يدها تُخفيها خلف ظهرها وهي تقول بحدة
_ ابعدي عن بنتي و اوعي تقربي منها .
صُدِمت زينة من حديث ورد فقالت بنبرة مُشجبة
_ ليه يا ورد بتعملي أكده دي چمر زي بتي!
ورد بانفعال
_ لا قمر مش بنتك انتِ عمرك ما كنتي أم . ابعدي عن بنتي، و اياكي تقربي منها انتِ فاهمه ولا لا ؟
تناثر الدمع فوق وجنتيها وهي تقول بأسى
_ صوح ربنا مأردش يكملي حمل بس كان جلبي بيحس بيهم اول ما يبجوا چوايا . الأمومة دي غريزة چوا أي ست بس الخلف دا بتاع ربنا يا ورد حجك عليا مهجربش من بنتك واصل بعد أكده .
غادرت زينة لينفطر قلب ورد على مظهرها و تنقلت نظراتها المُتألمة بين ابنتها و بين زينة لتشعُر بالتشتُت فهي خائفة بل مرعوبة مما سمعته و غاضبة من قسوتها مع زينة ولا تعرف ماذا تفعل لتجد نفسها تستدير إلى الخلف عائدة إلى غرفتها لتُقرر عدم النزول إلى الأسفل
مرت الأيام و ورد لازالت خائفة بل خوفها يزداد من تلك الكلمات التي لم تُفارِق عقلها إلى أن أتى اليوم المنشود فخرجت من دورة المياة لترتدي ثيابها فقد أصر فاروق ان ترتدي الأبيض فاختارت ثوب بسيط من اللون الكريمي و زينت وجهها بزينة بسيطة فكانت جميلة للغاية ولكن بأعيُن زائغة حزينة قلقة من أي غدر قد يأتيها بشكل مُباغِت، فأخذت تستغفر ربها حتى يهدئ روعها قليلاً إلى أن أتت إلهام التي ما أن دلفت الى داخل الغرفة حتى هتفت بحبور
_ بسم الله ما شاء الله ايه الجمال دا يا ورد ؟
ورد بخجل
_ بجد يا ماما حلوة ؟
إلهام بحنو
_ حلوة بس ! دانتي زي القمر يا قلب ماما . ربنا يحميكي و يحفظك .
ورد بابتسامة هادئة
ـ ربنا يخليكِ يا ماما. امال فين قمر ؟
_ قمر تحت مع باباكي .
شعرت ورد بالفزع الذي جعلها تهِب من مكانها قائلة بفزع
_ و ازاي يا ماما تسبيها لوحدها و تطلعي ؟ دول ممكن يأذوها .
إلهام في محاولة لتهدئتها
_ يا بنتي ما باباكي معاها .
ورد بغضب
_ بابا مبعرفش حاجه و ممكن يسبها لوحدها أو عينه تغفل عنها .
_ قولتلك متقلقيش يا ورد انا مأكدة عليه ميسبهاش لوحدها أبدًا . يالا تكملي لبسك عشان ميعاد كتب كتابك مفضلش عليه غير يدوب ساعه و المفروض انك هتتصوري الأول فاروق جابلك البنت بتاعت الصور دي عشان تعملكوا ألبوم و كل دا عشان يفرحك .
ما أن أنهت إلهام حديثها حتى تفاجئوا بأصوات عويل و جلبة آتية من الأسفل فهوى قلب ورد ذُعرًا و كذلك إلهام فهرولت الاثنتين إلى الأسفل لمعرفة ماذا حدث ؟ و في طريقهم إلى الأسفل سمعوا صيحات الخدم بأن الصغيرة سوف تقع من فوق الفرس
شعرت ورد بتجمد الدماء في أوردتها و تناحرت دقات قلبها فزعًا تجلى في صرختها المُدوية
_ بنتي.
هرول الجميع و من بينهم هي إلى حظيرة الخيول ليجدوا قمر تمتطي أحد الفرس الذي انطلق بها بسرعة كبير إلى الأراضي المُحيطة بهم و كان سرجه مجذوذ و مُلتف حول قدم الصغيرة التي كانت تصرُخ بفزع و خلفها زينة التي كانت تمتطي فرسها هي الأخرى و تهرول بأقصى سُرعتها خلف الصغيرة و خلفها فاروق الذي لحق بهم يحاول إنقاذهم و بلحظة انفلت السرج الذي يُحيط بـ قدم الصغيرة التي كادت أن تُدهس بين أقدام الخيل لتلتقطها يد زينة التي رفعتها لتضعها فوق الفرس أمامها إلى أن وصل فاروق إليهم و أخذ منها قمر ليعودَ سويًا إلى المُتجمهرين و من بينهم ورد التي هرولت تلتقط طفلتها من بين يدي فاروق بلهفة و قلب مُلتاع و عبرات حارقة فتعالت عبارات الحمد من أفواه الجميع الذين تنبهوا إلى يد زينة المجروحة بفعل حديدة كانت في السرج فأخذت الدماء تندفع من كفها بقوة فشعرت ورد بالذهول يعقبه الندم حين شاهدت ألم زينة التي أنقذت طفلتها و هي من ظلمتها في السابق.
أخذ فاروق قمر إلى أحضانه بينما انصبت نظرات ورد المُعتذِرة على زينة التي تقاذفت دقات قلبها بعُنف و تراجعت إلى الخلف قاصدة غرفتها فبالرغم من كل شيء لم تستطِع رؤية الصغير في خطر و ألا تُساعدها.
تربعت على مخدعها تحاول تنظيم دقات قلبها و تهدئة روحها المُلتاعة ويدها لازالت تنزف ولكن ليس مثل نزيف قلبها الذي يؤلمها بقوة لتتفاجئ بمنى التي اقتحمت غرفتها بقوة مُغلقة الباب خلفها بعُنف و عينيها شابهت عيني الشيطان من فرط هذا الحقد الذي يتساقط منهمَ و الذي تبلور في لهجتها حين قالت
_ انتِ اتچننتي! ايه اللي هببتيه دا ؟
هبت زينة من جلستها و صاحت بانفعال
_ مجدرتش اعمل اللي أنتِ عايزاه. مجدرتش بعد ما جلبي اتحرج على ولادي أحرج جلب شهد على ضناها. مش راح اجدر اعمل أكده واصل.
تبلور الجنون بنظرات مُنى و كلماتها حين هتفت بغل
_ بجى اني اخطط و انفذ و ادفع كد اكده وواحده غبية زيك تاجي تبوظلي كل خططي ؟ مش كفايه بجالي سنين عايزة اخلوص منك و معرفاش!
اصطدمت كلمات مُنى المغلولة بعقل زينة المذهولة التي قالت
_ بتجولي ايه يا منى ؟ تخلوصي مني !
منى بغل
_ أيوا اخلوص منك . لتكوني مفكره انك كنتِ بتسجطي اكدا من الباب للطاج ! لاه . انا اللي كنت بدسلك الحبوب في الوكل عشان العيل يسجط على طول، وأني اللي كنت برشي الدكتورة بتاعت الوحدة عشان تجول ان كل حاچة طبيعية، و حاولت اجتلك آخر مرة لما سيبت عليكِ الحياي في الإسطبل بس حظك الواعر چه فاروق و لحجك على آخر لحظة.
شعرت زينة بتوقف النبض داخل صدرها للحظات فهل ما تسمعه حقيقي ؟ هل كان الشيطان يُرافقها طوال عمرها ولم تلحظ ذلك ؟ أيُعقل أن شقيقتها هي من تسببت في دمار حياتها و كل أحزانها ؟! كانت تذوب أمام عينيها تتوسد صدرها بعد كل خسارة تلُم بها و تبكي بحرقة شاكية حظها العاثر و أمومتها التي لم تسنح لها الحياة بممارستها و تلك الشيطانة كانت تهون جراحها و تُخبرها بأن عليها الصبر و الاستمرار بالمحاولة والدعاء حتى يأذن الله بالإجابه ؟
_ انتِ يا مُنى تعملي فيا اكده ؟ انتِ اللي حرجتي جلبي على ولادي و كنت اترمي في حضنك و ابكي، و كتي تطبطبي علي! انتِ اللي سيبتي عليا الحياي و انتِ عارفه اني برتعب منيهم . طب ليه ؟ دانا مكنش ليا في الدنيا غيرك بعد ابوي و امي ما ماتوا . ليه تعملي فيا أكده ؟ عملت فيكِ ايه ؟ دانا عمري ما اتأخرت عنك في حاجة واصل.
لم تتأثر بعبراتها و لا انهيارها ولا كلماتها انما إجابتها بحقد
_ عشان آخد حجي و حج أمي منك انتِ وأمك اللي چيتوا خطـ,ـفتوا بوي منينا و جهرتوا امي وماتت بحسرتها، و جيتي انتِ و خطـ,ـفتي مني فاروق اللي عمري ما حبيت و لا عيني رأت راچل غيره . كنت عايزة أخذ حجي و هاخده يا زينة، و المرادي هاخده و أنا عيني في عينك عشان أتأكد انك مو….تي و خلصت منِكِ .
أنهت حديثها و أخرجت سكـ,ـينًا صغير من جيب ثوبها و قامت بطعن زينة في صدرها تزامنًا مع اقتحام فاروق الغرفة التي كانت مُراقبة بالكاميرات بعد ما قصت عليه إلهام ما حدث و ما سمعته ورد فقد أراد معرفة ان كانت زينة ستُساعِد مُنى في مخططها القذر أم لا ؟ و صُـ,ـعِق حين وجد الأخيرة تُخرِج ذلك الخنجر ليهرول إلى الغرفة لإنقاذ زينة التي كانت تلتقط أنفاسها الأخيرة فافترش الأرض بجوارها ليسمعها تقول بصوت مُتقطِع
_ سا … سامحني يا … فاروق …. مسمعتش كلامك حبل سابق لما جولتلي أنها عفشة … بس غصب عني .. مكنتش …. اعرف …. اني .. حاوية .. الحية .. في ….. داري.
تناثرت عبراته على فقيدته فقال بلوعة
_ سامحيني انتِ يا زينة . حجك عليا عشان مجدرتش الحجك . سامحيني .
زينة بأنفاس مقطوعة
_ مسامحاك … يا فاروج اتهني… بمرتك…. و حب …. عمرك ….. چيب عيال …كتيير منيها … أني …. خابره ….. زين ….. ان ….ورد …. هي …..حبيبتك ….. الأولي ….. و الأخيرة….
صدمة قوية نالت منه حين استمع لحديث زينة التي في تلك اللحظة خرجت منها شهقة خافته و بعدها خرجت روحها إلى بارئها ليصرُخ فاروق بقهر
_ زينننة ..
بعد مرور ستة شهور كان فاروق يقف في تلك البقعة النائية بأرضه يشاهد الغروب و هو يتذكر كلمات مُنى هذا اليوم فقد اخذت تصرُخ و تصيح بملء صوتها
_ أني عشجاك يا فاروق . انت حجي اني و هي خدتك مني، و كان لازمن اجتلها زي ما جتلتني يوم چوازها منك. خدتك مني و امها خدت ابوي من امي.
كانت تلك آخر كلمات سمعها منها قبل أن تأخذها الشرطة و هناك أصبحت حالتها غريبة فقاموا بعرضها على الأطباء النفسيين ليؤكدوا أنها اصابها الجنون الذي كانت تستحقه بعد أن تركت نفسها للشـ,ـيطان ليتآمر على روحها و يُدنسها بقيح الكرا….هية و الغل الذي من شأنه أن يجعل الإنسان يتحول الى مسـ,ـخ مُجرد من كل صفات الإنسانية.
_ فاروق .
انتبه لذلك الصوت الخا….فت خلفه ليلتفت ناظرًا الى ورد التي كانت تُطالعه على استحياء فقد تم عقد قرانهم منذ شهر و لكنه منذ حاد….ثة زينة وهو منطو….ي على حاله صامت ، حزين ، مُتـ,ـعب.
_ نعم.
هكذا تحدث فاروق باختصار فأخذتها خطواتها لتقف بمحاذاته وهي تقول بخفوت
_ قمر بتسأل عنك بتقول عمو فاروق مبقاش يحبني و لا يلعب معايا زي الاول. حاولت افهمها بس هي طفلة مش قادرة تستوعب اللي حصل.
أومأ فاروق برأسه قبل أن يقول بخشو…..نة
_ اديكِ جولتي طفلة. لا سنها ولا عجلها هيخلوها تفهم، و بعدين هي ملهاش ذ….نب في حاچة.
تلكأت الكلمات فوق شفتيها و زاغت عينيها بينما قلبها يتوسل إليها بالتحلي بالجرأة و الوصول معه إلى برًا آمن
تحمحمت بخفوت قبل أن تقول بتلعثُم
_ يو. يومها. اقصد . يعني . يوم . اللي. حصل . زينة . قالت…
تخلت عنها شجا؟؟؟عتها حين رأته يلتف إليها و عينيه تشتبك مع عينيها في حديث طويل قطعته كلماته الجافة حين قال
_ كملي حديتك . سكتي ليه ؟
طالما يتحدث معها بلهـ,ـجته الصعيدية فهو لا يزال غاضبًا حزينًا لذا احتارت كيف تُصيغ كلماتها دون المساس بذلك الجُر…ح الذي لايزال مُتقد داخل صدره ؟ ولكنها في نهاية الأمر لجأت إلى الهرب كعادتها معه فقالت بجمود
_ مفيش كنت عايزة اقول ان انت عملت كل حاجه عشان تحميها من شـ,ـر مُنى وهي بنفسها قالتلك كدا، و بعدين كل حاجه في الدنيا دي قدر و مكتوب . انت مقصرتش في حمايتها أبدًا، و حتى لو كنت بعدت مُنى عنها مكنتش هتقدر تزود دقيقة واحدة في عمرها.
تبدلت نظراته إلى أخرى غامضة مما جعلها تُردِف بلهفة
_ انا بقولك كدا عشان متشيلش نفسك ذنب . زي مانا عملت في نفسي بعد مو….ت زين . كنت بلوم على نفسي كتير ليه مسافرتش معاه ؟ أو حتى منعته بس بعد ما هديت عرفت اني لو كنت عملت دا أو دا مكنتش هزود في عمره ثانية .
شعرت بموجة قوية من الوخزات المو……ترة التي اجتاحت جسدها حين اقترب منها و عينيه الحا….دتان لا تحيد عن خاصتها بينما هي عاجزة عن التحرُك ولو خطوة واحدة ليُباغتها حين قال
_ هو دا بس اللي فكراه من كلام زينة ؟
استفهامه يُخفي الكثير خلفه فقد كان يتشارك معها في أفكارها مما جعل دقاتها تتناحر بداخلها، فعينيه تُطالبها الآن بإجابة لا تملك الشجاعة للإفصاح عنها فعلى تنفسها حتى وصل صداه إلى مسامعه ليتقدم منها حتى كان الفاصل بينهم خطوتين وهو يقول بنبرة عميقة دائمًا ما تُميزه وتُضفي على حديثه نوعًا من الجاذبية
_ ساكتة ليه يا ورد ؟ دا اللي فكراه من كلام زينة ؟
كانت لحظة خاطفة استجمعت بها شجاعتها الواهية وقالت باندفاع
_ لا. في. في كلام تاني أنا عايزة اعرف ايه مدى صدقه؟
لا تعلم لما شعُرت بأن ملامحه استكانت ولو قليلًا ولكن عينيه لازالت تحاوطها و تأسران عينيها بطريقة لم تعهدها من قبل ليُباغتها بكلماته التي كانت المفتاح لأبواب ظنت أنها لن تُفتح أبدًا
_ كل الكلام اللي زينة جالته صح يا ورد .
كان اسمها من بين شفاهه هذه المرة مُميزًا كثيرًا بطريقة لم تعهدها من قبل ولكن كلماته كانت أشد وقعًا عليها فاحتارت بماذا تُجيبه و كيف تطـ,ـرح ذلك الاستفهام الذي ينخر بعقـ,ـلها أضافة الى أن جنون قلبها في تلك اللحظة لم يكُن يُساعدها أبدًا لتهتف اسمه بحيرة يتخللها اللوعة
_ فاروق.
لأول مرة تُناديه بتلك الطريقة التي تنحى أمامها ثباته ليقول بصوته الرخيم
_ ايوا يا ورد انا عاشقك. من لما كنتِ طفلة بضفاير وأنا كنت الاجي جلبي ساحبني عالمكان اللي أنتِ فيه. أن غبتي شويه عنه زي المچنون يدور عليكِ. يتحمل يشيل الكون كله فوق كتافه بس كانت دمعة واحدة منك تهده. الكل كان حا…سس وعارف الا اني .
ابتسامة هادئة لامست زوايا فمه قبل أن يُتابِع بنبرة عميقة
_ كنت بكذب نفسي واقول عشان اتولدتي على يدي، و لما لجيت جلبي بجى يتمرد عليا خـ,ـرسته بـ فرج السن اللي بيني وبينك. جولتله اوعى تبجى ظا…لم معاها. دي لساتها عيلة صغيرة.
كان يتحدث و عينيها تؤازره بالعبرات الحار….قة التي أغر…قت وجنتيها كما غرق قلبها في بئر الأ…لم من تلك الحجج الواهية التي حرمتها لذة عشقه لذا قالت بنبرة جر…..يحة
_ اتناشر سنة مش فرق كبير . بس انت اللي استسهلت تفكر كدا، و روحت اتجوزت زينة.
شوهت ملامحه الرجولية الوسيمة ابتسامة ساخرة و أجابها بنبرة مريرة
_ سهل تجولي أكده بدل مجربتيش جهرتي واني مجدرش حتى ارفع عيني فيكِ بعد ما كانت شوفتك هي اللي بتحليلي حياتي.
شعرت بمدى صدقه و نبرته الجر…يحة آلـ,ـمتها لتهتف بلوعة
_ ياريت لو سألتني . ياريت لو كنت حتى خيرتني . مكناش هـ نتعذب بالشكل دا .
تبدل الأسى و الحزن إلى شيئًا آخر بعد ما بدأ سحُب عينيه بالتلاشي و جاءت نبرته خشنة وهو يقول بترقُب
_ تجصدي اي؟
عاتبته نظراتها و لهجتها حين قالت
_ مقصدش . عادي اللي حصل حصل.
أوشكت على الالتفات فـ اوقفتها يديه التي أحكمت الطوق فوق رسغها فكيف بعدما زرعت براعم الأمل بصدره تُريد أن تُغادره ؟
_ اوجفي اهنه و فهميني تجصدي ايه؟
نثر الخجل وروده فوق وجنتيها و صبغ لهجتها حين قالت
_ يمكن لو كنت صارحتني بمشاعرك وقتها كنت هترتاح.
فاروق بلهفة
_ خوفت انجرح و الوردة يبجالها شوك ينغرز في جلبي .
رفعت رأسها تُطالعه بعتب و دلال
_ اللي بيحب الورد يتحمل شوكه.
فاروق بنبرة محرورة
_ والله انا عاشج للورد و شوكه بس هو يجول موافج.
لونت ثغرها ابتسامة رائعة قبل أن تقول بخفو…ت
_ موافقة.
بعد مرور سنه انطـ,,,,,ـلقت صر….خة أ…لم عظيمة تبعها بُكـ,ـاء صغير أبصر النور لتوه لتمر عدة الدقائق حتى يصل إلى مسامعهم صوت بكاء آخر ثم خرج الطبيب ليُخبرهم بأن ورد وضعت تؤ..م صبي و فتاة
فتعالت صيحات الحمد من فم الجميع و مر بعض الوقت حتى استطاع فاروق التوجه إلى غرفة ورد التي كانت نائمة على ظهرها و ما أن رأته حتى تهللت أساريرها ليقترب منها نا….ثرًا عشقه فوق جبهتها و خديها وهو يقول بنبرة عاشقة
ـ حمد لله على سلامتك يا أم الزين و الزينة.
ابتهجت من كلماته وقالت بحبور
_ ولد و بنت ؟
فاروق بحنو
_ ولد و بنت زي الجمر يشبهوا وردتي الحلوة.
ورد بنبرة عاشقة
_ وردتك بتحبك اوي يا فاروق .
استنشق رائحتها التي كان الفؤاد ينتشي بأريجها قبل أن يقول بنبرة عاشقة
_ فاروق عاشقك يا وردة الجلب و مهچة الروح .
تمت ♥️