رواية خيوط العنكبوت ج2 (الفصل التاسع إلى الأخير) بقلم فاطمة الألفي

الفصل التاسع

صفا سليم سيارته أمام الفيلا المهجورة، ثم ترجل منها وترجل سراج هو الآخر، ثم تتطلع حواله في دهشة ونظر لصديقه بتسأل؛
-أحنا هنا ليه؟
سار سليم أمامه وهو يقول:
-ادخل وانت هتعرف كل حاجه
لحق به سراج ليدلفوا سويا داخل حديقة الفيلا ومن ثم متوجهين لداخل ثم قاده سليم لغرفة المكتب الخاص بوالده، وجلس سليم خلف المكتب ثم فتح درجه الخاص ليخرج منه المذكرات التي تركها والده، طالع سراج بنظرة طويلة شاردة ثم حسم أمره وهو يتنفس بهدوء وبدء يسرد على مسامعه ما حدث معه منذ اليوم الذي عرف بها حقيقة عمل والده المشبوه…
بعدما انتهى من حديثه عن ما جَرت إليه الأمور في الخمس أعوام الماضية، كل ذلك تحت نظرات سراج الصادمة الذي لم يكن على درايه بأن سليم يحمل كل هذا العبئ وحده، فهو مثل الجبل الشامخ الصلب الذي لن يتزلزل ولن يهتز يومًا، كان واقفًا دائما كالصخر والأن لأول مرة يراه مُشتت ضائع، شارد، يخاف المستقبل، مُكبل بقيود الماضي لا يخشى الموت ولكن كل ما يخشاه ويخاف خسارته هو عائلته وهذا الكيان يُهدد حياة عائلته وذلك ما جعله شاعرًا بالتيه، لم يقدر على مواجهة شقيقه بحقيقة والده والأن باح بكل ما في صدره لسراج صديقهم..
عجز سراج عن المواساة لم يجد كلمة تناسب ما يقوله لصديقه، فقط ظل صامتًا ليخرج سليم كل ما في قلبه، دون أن يُقاطعه ولكن وعده بأن يظل جانبه ولن يتركه يواجه المافيا وحده، لكن سليم لم يُريد له الإذاء يكفي الاغلال المقيد بها.

وبعدما افصح عن ما كان يكنه، قلب صفحات المذكرات وقرأ داخلهما.
❈-❈-❈
في ألمانيا..
أثناء عودة ألبرت إلى “برلين” علم من عائلته بأن ابنة عمه أنجبت طفلا وبعد ولادته تركت العاصمة ولم يتوصل إليها أحدًا حتى وقتنا هذا.
كان يستمع لعمته بهدوء تام، لم يكترث بما فعلته “جيتا” ولا حتى بالطفل الذي وضعته، ترك القصر ببرود ليذهب إلى الوكر الخاص بالسلاح ومقابلة رفاقه من مُاسسي المافيا..

عندما اسدل الليل ستائره وصلا ألبرت وجهته، فقد اتخذ من بيتًا قديمًا للعائلة لم يسكنه أحد منذ عدة أعوام، منزلا مُتهالك الاثاث ولكن بنيانه شامخ ومُتماسك، اتخذ منه مخزنًا لموارية الأسلحة والذخائر بعيدًا عن اعين الشرطة الفيدراليه.

وجد التنظيم بأكمله ينتظره، ولج ألبرت لقاعة الاجتماعات الخاصة وعندما شعروا بقدومه استقام الشباب واقفًا في ترحاب بزعيمهم، سعيدون بعودته.
ولج ألبرت بطلته الجادة، تقدم منه إحدى مساعديه ينزع عنه السترة الشتوية وهو يرحب به :
-مرحبًا سيدي الزعيم
هز ألبرت راسه بأيماءة بسيطة ثم جلس في هيبة ووقار أعلى مقعده الذي يرتئس طاولة الاجتماعات، وأشار بيده لكي يجلسون وهم يرحبون بقدومة:
-عودة حميدة يا زعيمنًا
زفر أنفاسه بعمق وجال بانظاره على كل شخص منهم فقد كانت الطاولة تضم أثنا عشر شخصًا يُطالعينه بجدية، ينتظرون أوامره الجديدة.
أشعل الشاب مساعده السيجار البني ثم قدمها إليه، التقطها ألبرت بخفة ثم دسها بفمه يسحب دُخانها يُعبئ صدره ثم أخرجه ببط شديد لتفعل سحابة طفيفة من الدخان، رمقهم بنظرة فاحصة شاملة لكل ذرة بخلايا أجسادهم ليعلم ما واقع كلماته على كل فرد منهما.
قال بصوت جلي:
-سنوقف نشاط المافيا
تفاجئ الجميع بهذا القرار الاهوج الذي صدمهم، وهتف بعضهم مُعترضين والآخر صامتين لم يقدرون على التفوه بكلمة، وهتف مساعده ودراعه الأيمن بالعمل قائلا:
-ولكن ألمانيا تواجه مصيرًا مجهولا، نحن على مشارف الحرب العالمية الثانية كيف نتوقف وكل الذي يحدث في صالحنا تمامًا، نصدر الأسلحة إلى روسيا وأمريكا ولقد وقعنًا اتفاقًا على ذلك، يصعُب التوقف يا زعيم، هذا قرار غير صائب
قال آخر بضجر:
-لن نستطيع إيقاف ما نفعله وإلا دفعنًا أرواحنا الثمن ولن نُجاذف بارواحنا وأرواح عائلتنا
شعر ألبرت وخزة بصدره عند تذكر نقطة ضعفه وهو عائلته الصغيرة التي أسسها وبني بنيانه على الحب النقي الطاهر الذي يغسله ويُطهره من براثن الخطيئة والدم.
أنهى الاجتماع بغضب وطلب منهم المغادرة ولكن ظل مساعده بجواره، ربت على ظهره برفق، فهو صديقه الذي يعلم ما يعاني به صديقه بسبب مقتل عائلته، جلس جانبه يواسيه بصوت حاني دافئ بعث لروحه الضائعة الهدوء والسكينة ولم يخفي ألبرت على صديقه “ماينو” شيئًا
استمع له “ماينو” باهتمام وعندما انهى كلماته قال بجدية:
-عائلتك الجديدة بـ مصر ليست هُنا في ألمانيا لكي تخشى على معرفتهم او تخاف خسارتهم، هم حقًا بأامن مكان لن يستطيع أحد أذائهم لا تقلق زعيم
علم ألبرت بأن دخوله عالم المافيا ليس بهين على الإطلاق، صعب الخروج منه، طريق اللا عودة، لن يسمح له بالخروج عن دائرتهم، أوقع نفسه في دائرة الانتقام التي أخذت من روحه وأصبح جسدًا يتحرك مثل الروبوت، الانتقام جعل منها شخصًا أخر لا يعرف الرحمة ولا طريق للفرار فقد انتهى وقت التردد والاستسلام، عليه الاكمال وخوض التجربة بكل ما فيها من مساوء، يشعر كأنه واقفًا في دائرة مُحاطة بالنيران المُشتعلة وصعب الخروج عن إطارها، انقضي وقت التراجع…

القى سليم المذكرات من يده بغضب ثائر وهو يصرخ بغيظ :
-إنتهينا يا سراج إنتهينا، جدي السبب في دمار حياة ابويا وحياتنا دلوقتي، كمان الصورة دي اللي موجود فيها اكيد يبقى عمي، بس ليه مش موجود ولا نعرف عنه حاجة، بابا اصلا عمره ما جاب لينا سيرة بوجوده، يا ترا فين دلوقتي، عايش ولا المافيا خلصت عليه هو كمان.
❈-❈-❈

بمكان اخر داخل أحدى أحياء القاهرة الراقية، كان يقف شابًا مختفي الهيئة يرتدي النظارة الشمسية السوداء التي تُغطي نصف ملامح وجهه يرتدي كاب رياضي يخفي به راسه، جالسًا بمكان خاوي من وجود البشر، يتطلع حوله في ريبة، لياتي من خلفه شخصًا أخر، وضع في كف يده هاتفًا محمولا حديث الطراز ولكن ليستقبل به مكالمة واحدة فقط، تقتصر على فعل أمر ما، ثم يتم غلق الهاتف ويضعه الشاب مكانه ويرحل دون أن ينظر خلفه..

كانت المكالمة تقتصر على بعض الكلمات المبهمة وهي “يجب تتبع خطواته، ولكن أحذر ان يرأك”
هكذه كانت مضمونها وعلى الشاب تنفيذ الأمر..

❈-❈-❈
الحياة رحلة قصيرة يجب أن نغتنمها فيما يُحبه الله ورسوله؛ ليجعلنا نقف أمام الله عز وجل دون خوف من اي ذنب اقترفناه، الذنب الذي يجعلك تواجه به مصيرك مهما طال عمرك او قصر، فلابد وان تأتي لحظة النهاية..
تخاف الموت وشعورها بالذنب يقتلها، تتمنى ان يعود بها الزمن لكي لا تفعل تلك الأفعال المُشينة، الأقدام على فعل مُحرم، يجعلها تتمنى الموت كل لحظة وكل ثانية تمر عليها، أصابها مرض لن يتحمله بشر ينهش جسدًا نهشًا كالذئب الذي يلتهم فريسته دون شفقة.
تبكي بندم ولكن لم يعد ينفع الندم، فقد كفرت بالله سبحانة وتعالى عندما لجأت لشيطان من الإنس يعمل بالأسحار والاعمال التي تؤذي منما لا ذنب له، يلجئون للحصول على مرادهم ويطلبون العون منه، لا يعلمون ان الله مالك السموات والأرض وما بينهما، قادرًا على ان يُحيي العظام وهي رميم، قادرًا بعزته وعظمته وجلال أسمه أن يُعطي كل سأل مسئلته وكل مظلوم مظلمته فالديان لا يموت، كُلنا راحلون ويبقى الأثر الطيب، لن تتذكر عندما تقف بين يدي الله كيف ستخبره بأنها أذت نفسًا بغير حق، كيف سنتظر لله عز وجل وتطلب منه الغفران والعفو والمسامحه، كيف ترفع كفيها الان وهي على فراش الموت تدعوه بأن يرحمها من العذاب الذي تذقه كل دقيقة تمر بعمرها..
تصارع بين نفسها اللحظات القاسية التي تعيشها، تخجل ان تطلب من بارئها ان يرفع عنها البلاء وأن يرحمها منما هي فيه فلم تعد لديها قدرة على التحمل، تنهمر دموع الحسرة والندم..
يا ليتها فاقت من هوسها المرضي بالدجل والشعوذة قبل إزاء روح بريئة طاهرة لا ذنب لها بأن قلبها رفض الزواج من أبن عمها لأنها تراه شقيقها الأكبر، هل هذا يكون مصيرها؟

الضياع والشتات وهدم حياة بأكملها، اسمها حياة ولكنها شبحًا راقدًاعلى قيد الحياة، مُجرد فتات روح، جسد شاحب متجمد تاره يتحول شحوبها وصفار بشرتها لوهج مستعر يلتهم جسدها بحمم بركانية مهُددة بالاندلاع، بائسة شريدة بعالم اخر، عالم ترفض الدلوف إليه، عوالم خفية، لم تدرك مصيرها القادم، أين هي الآن لم تستوعب بعد، هي واقفة على حافة الهوية وجسدها مُهدد بالسقوط من أعلى قمة الجبل لتسقط في مهب الريح وتستقر في بئر غائر مُظلم، مُوحش، تندلع به النيران ليتكوم جسدها الضئيل في زاويته وتتصاعد ألسنة اللهب تحاول التهامها والوصول إليها لتصبح كومة رماد مُحترق..

بين دروب الظلمات يأتي شُعاع من نور ينير لك الدرب الصحيح الذي تمشي عليه، تمسك بنور الأمل الذي سيُحيك من جديد، لتكون ولادتك اليوم في غد مُشرق يومض ببريق من الطمئنينة وراحة النفس وبعث جديد في نفوس البشر..

هكذا هو حالها تتقلب بين الحياة والموت تصارع من لم يقدر عليه بشر في الخلاص من مارد النار الذي يُريد سلبها لحياته وعالمه الآخر، حيث راكم هو وقبيلته من حيث لم تروه..
السحر الأسود الذي جعل الجن يدخل عالم البشر ويجول بها بسبب عناد الابليس اللعين في قدرة الله عز وجل، ولكن لا يعلم بأن كل شيء يُصاب به الإنسان هو من عند الله..

لم يتأخر الشيخ “عبدالله” في الذهاب مع والد حياة إلى القاهرة لإكمال علاج أبنته فهو منذ عدة أيام وهو يرا حياة بالحلم وهي تمد يديها وتستغيث به وهذه أشارة بأن حياة في خطر تواجهه وحدها ولن تقدر عليه..
عندما وصلوا لوجهتهم تسمر الشيخ عبدالله مكانه عندما شعر برجفة قوية تحتاج جسده وسمرت قدميه مكانها لم يعد قادرًا على خطو خطوة واحدة داخل الفيلا ولكن حاول جاهدًا بكل قوته ان يهتف بصوت مرتفع عالٍ
– أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
بسم الله حصنت نفسي بسم الله حصنت روحي بسم الله حصنتت جسدي.
اللهم احفظني بحفظك ونجني مما أخاف ربنا عليك توكلت وإليك أنبت وإليك المصير. .
اللهم أعوذ بك أن أضِل أو أضَل أو أذل أو أذل اللهم احفظني من فوقي وعن يميني وعن شمالي واعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي.
ثم هدا صوته وحرك قدماه التي كانت مُقيدة بأمر من الجان، ثم دلف لداخل برفقة فاروق الذي حاول الاتصال كثيرًا ب سليم ولكن الأخير لم يجيبه.
استقبلهم خديجة بترحاب وقصى عليها فاروق سبب تلك الزيارة المُفجاة ويريد ان يرا ابنته الان وان الشيخ عبدالله صديقه وأتى لزيارتها لكي يُحصنها ويكمل معالجتها بالقرأن، شعرت خديجة بالحزن والأسى فلم يكن والدها موجودًا بجانب زوجته الأن،
حاولت الاتصال به مرارًا وتكرارًا ولكنه لم ياتي برد، صعدت معهم لغرفة حياة التي لا حول لها ولا قوة، طريحة الفراش لم تقدر على الحراك.
كلما تقدم الشيخ خطوة اتجاهها يردد داخله أيات من الذكر الحكيم، بينما اقترب منها فاروق وجلس بجاورها على الفراش لتنساب دموعه كالمطر، لم يقدر على رؤيتها بهذا الشكل، وجلست خديجة على الجهة الأخرى.
ظل الشيخ يطالعها بهدوء ليلتقي بنظرات حارقة، جامدة، لا حياة فيها، ينبعث من داخلهما وهج نار، ورا الجان أمام عينه يطل من داخلهما وفجأة نهضت حياة من الفراش جالسة وهتفت بصوت فحيح هاسس:
– لن تقدر عليّ، سكنت جسدها وسأنال منها، ومنك أيضًا فأنت سبب هلاك زوجتي، لن أرحمك..
نظر له بتحدي وقال بصوت مرتفع مجلجل:
-اخرج عدو الله، اخرج عدو الله، اخرج عدو الله
نفخ نار بوجه الشيخ ابتعد للخلف وهو يعلو على نبرة صوته، ويصرخ الشيخ مردد:
-لن تؤذيها وابتعد عن جسدها، بعرة الله وقدرته بعزة الله وعظمته ان تبتعد عنها، بإذن الله لن تتغلب عليها
تلوي جسدها وارتفعت حرارتها وصوت صراخها يمزق نياط القلب، كلما حاول فاروق ضمها لاحضانه تنفره وتبتعد عنه ولكن حاول التمسك بها وعيناه تذرف الدموع على حال قُرة عينه.
عاد الشيخ يردد:
أخرج عدو الله
ثم نفث عن شماله ثلاث وازداد نبرة صوته يقينًا بالله، رغم ارتجافت جسده الذي يهتز بقوة لم يتخاذل الشيخ وردد قائلا:
(اللهم رب هارون وموسى احفظها من شر الجن والشياطين وأن يحضرون.
اللهم أسالك باسمك الأعظم ان تحيطها بحفظ من حفظك وامن من امنك و من كل هامة وكل من يراها ولا نراه.
اللهم ابعد عن جسدها كل ما يؤذيه، اللهم احفظها من عيون خلقك اجمعين ومن مس الشياطين.
اللهم اني اسالك حفظا من عندك تحيط به جسدها وتنير به حياتها وتحفظهامن وساوس الشياطين.
ربنا يا مالك الملك يا خالق الخلق اللهم انك قد قدرت بعد خلقك على التخفي والضرر إلا بإذنك فاللهم احفظها ممن يراها ولا نراه.
اللهم اسالك بحق عرشك العظيم ان تعافي جسدها من كل اذى وان تعافي نفسها من كل ضيق.
يا رب يا رب السماوات والأرض وما بينهما طهر جسمي من كل مس وحسد وسحر أراد شر خلقك ان يؤذيها به.
اللهم ارسل ملائكتك الحفظة عليها تحفظها من كل شر لا تراه ولن نراه.
اللهم فوضت اليك امرها انت حسبنا ونعم الوكيل فاحفظها مما اجد واحاذر.
اللهم احفظها من شر خلقك اجمعين ومن شر الشياطين ومن شر كل من يريد بها اذى يا رب العالمين.
اللهم احفظني بحفظك واكلأني بكلائك واجعلني من عبادك الصالحين.
اللهم رب السماوات والأرض رب كل شيء ومليكه اشهد ان لا اله الا انت اعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وان اقترف على نفسي سوءا او اجره الى مسلم.
فوضت اليك أمرها يارب فاحفظ بدنها وروحها وقلبها وجسدها ونفسها من شر الشيطان وشركه.
أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة.
توقف عندما صرخت حياة بقوة وقالت بصوت غاضب؛
-انت فاكرني هخاف، لا أنت اللي لازم تخاف؛ هقبض روحك، ابعد عني
حاول الشيخ التماسك وجبينه يتصبب عرقًا وبدء في علو صوته بالقرأن الكريم.
ظل يردد الآيات القرآنية الخاصة بابطال السحر..
(لا فرار لا فرار غاون أتخذ القرار)
هذا هتاف الصغار والشيخ يرا ما تراه حياة
لم يكترث بهاتفهم بلا ازداد قوة واكمل ما يفعله من أجل تلك المسكينة.

قل أعوذ بوجه الله الكريم، بكلمات الله التامات، اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما نزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، إلا طارق يطرق بخير”.
أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن ولا فاجر من كل ما خلق وبرأ وذرأ ومن شر كل ما ينزل من السماء ومن شر كل ما يعرج فيها ومن كل ما يخرج من الأرض ومن كل ما ينزل فيها.
اللهم اني اعوذ بك من شر ما أجد وأحاذر.
اللهم كن عينها التي ترى بها ولسانها الذي تنطق به واحفظها بحفظك.
اللهم إني أمسيت أشهدك وأشهد حمله عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا انت وحدك لا شريك لك وأن محمدًا عبدك ورسولك.
اللهم وبحق القرآن العظيم وبحق حبك لنبيك صلى الله عليه وسلم حصنها من كل ما يؤذيها.

تصبب الشيخ عرقًا من كل جسده وهدات الرجفة التي احتاجه ثم اقترب من جسد حياة الساكن مكانها ووضع يده على جبينها يقرأ ايات قرانية.

ثم طلب من والدها إحضار مصحف، ووضعه بين كف حياة :
-افتحي يا بنتي المصحف واقري سورة البقرة
انصاغت حياة كالمغيبة تلبي رغبته وتبسم لها الشيخ عندما وجدها تقرأ بهدوء ولم يحدث لها شيء، أشار لوحدها بالخروج وظلت خديجة بجوار حياة.

حدثه الشيخ قائلا بحزن:
-اللي على حياة يا حاج فاروق صعب أوي، ده متمسك بجسدها، بس ربنا كريم وهيقدرنا عليه بإذن الله، حياة بعدت عن ربنا والتهت بدنيتها الجديدة، مش هقولك تفاصيل عن حالتها، بس كل بمشيئة الله وحياة محتاجة جلسات كتير، بس بأمر الله هنقضي عليه وننتصر.

الفصل العاشر..
ألم الرحيل أصعب شيء في الوجود رحيل من نحب بسفر أو موت أو غيره وكذلك نحن أحياناً تضطرنا الحياة لنرحل من المكان الذي نحبه،..
إذا قررت الركض يوماً.. فاصطدمت بالجدار.. أو فكرت في الطيران إليهم.. فاصطدمت بالسقف.. أو حاولت السباحة نحوهم.. فتحول البحر إلى كتلة من الجليد.. فعندها فقط.. أنتعل إحساسك بالإحباط.. وأرحل بلا صوت. حين تكتشف: أن الزمان ليس زمانك.. وأن المكان ليس مكانك.. والإحساس ليس إحساسك.. وأن الاشياء حولك لم تعد تشبهك.. وأن مدن أحلامك ما عادت تتسع لك.. عندها.. لا تتردد.. وأرحل بلا صوت.
عاد ألبرت إلى قاهرة المُعز وكان مُستمرًا في الكيان الذي كونه بنفسه فدخول عالم المافيا صعب الخروج منه إلا بأزهاق الروح ونزع الروح عن الجسد، وهو عالق بروحه مع زمردة الفتاة المصرية التي دخلت على حياته صدفة لتغير قدره..
زفت بشائر ولادة زوجته عن طفلين من الصبيان كانت الفرحة عارمة بالحي بأكمله، الجميع من جيران الحي يبارك ويُهنئ وعلت الزغاريد وتوافدت على المنزل صديقات زمرد ووالدتها مباركة ذلك الحدث السعيد.
وعندما خلى المنزل من ضجيج النساء، دلف ألبرت غرفة زوجته النائمة بهدوء وجلس على طرف الفراش ينظر للطفلين بكل محبة وذرفت عينيه دموع الفرح بسبب قدومهم على حياته لتزداد سعادة فوق سعادته
رفع انامله يداعب كف صغيره الغض الناعم الرقيق، قبض طفله على أصبعه بكفه، علت أبتسامته وهو يرا ابنه يفعل تلك الحركة متشبثًا باصبع والده اما الطفل الآخر فقد كان في ثباته العميق، لم يقدر على ترك صغيره لذك حمله برفق بين يديه وترك زوجته وصغيره الآخر نائمين وغادر الغرفة وهو يقرب صغيره من أنفه يستنشق عبق رائحته الطفولية التي تُدغدغ أوصاله.
جلس بركن مُظلم في الغرفة المجاورة ووضع صغيره بحجره وظلت حدقتيه الصغيرتين تتلفت هنا وهناك وارجل ألبرت لم تكف عن الاهتزاز لكي يجعل صغيره يذهب في نومه، ولكن يبدو أن الصغير مثل ابيه سعيد بهذا الانس بينهم.
همس ألبرت بصوت خافت جانب اذنه؛
-شبلي الصغير لماذا لم تنم مثل أخيك؟ ثم اردف قائلا:
-حسنًا يا صغيري سوف اقص عليك قصة جميلة ستجعلك تنم بهدوء
ظل يداعبه برفق وحنان ويهمس له بكلمات الأغنية التي يعشقها ليهدأ تمام ويرتخي جسد الصغير في نوم هانىء، حمله برفق وأعاده إلى جوار والدته وشقيقه..

مر عام يليه الآخر وكبر الطفلين وهم الان في عمر الرابعة وكلما كبروا يزداد تعلق ألبرت بصغاره ويصطحبهم معه إلى البزار يوميًا، يركضون ويلعبون ويلهون بالخان وعند شعورهم بالتعب يجلسون بجوار والدهم الحاني الذي يجلب لهم مشروب العناب وبعض الحلوى المفضلة لديهم واللذين يطلقون عليها مسمى “أرواح”
ويظلوا بجواره إلى موعد الغداء لتاتي والدتهما بالطعام ويجلسون جميعهم يتناولونه في جو من الألفة والمحبة والمرح مع الصغار اللذين يتقاذفن حبات البندورة وصوت ضحكاتهم تجلجل في متجر التحف الخاص بوالدهم وهو يطالعهم بكل بسعادة، لم يكن يعلم بأن سعادته ستنطفي فجأة عندما صرخ إحدى تؤامه يتلوى ويمسك ببطنه متألما صارخًا بألم يفتك بأحشاءه ولم يستطع تحمله وجسده الهزيل يتصبب عرقًا
تحولت لحظة سعادتهم للحظة ألم على الصغير، حمله ألبرت على كتفه وهرول به إلى المشفى الصغير الذي على بعد كيلو مترات من الخان يطلقون عليه مسمى”وحدة صحية او مُصطوصف صغير”
في ذلك الوقت كان مُنتشر وباء “الكوليرا” التي تصيب كبارًا وصغارًا ولم ينجو أحد منها، عاد بها إلى منزلهم وظلت زوجته ماكثة بجوار صغيره تعمل على خفض حرارته وتبكي بحرقة على آلام صغيرها ووقف ألبرت عاجزًا عن فعل شيء يشفي فلذة كبده، رغم أمواله وثروته إلا أنه يقف مُكبل الايدي أمام صرخات وألام طفله الحبيب، قرر السفر إلى ألمانيا لجلب علاج الصغير وتركهم بقلب ملتاع منفطر على حياتهم التي تبدلت في يوم وليلة..
ظلت زمردة بجوار صغيرها لم تكترث بأنه سينقل لها المرض وطلبت من والدتها الاهتمام بابنها الآخر ولن يأتي إليها الا عندما يتماثل شقيقه الشفاء فهي تخشي على إصابته هو الآخر، وظلت تنتظر قدوم زوجها الذي سيأتي بالدواء من أجل صغيرهم ولكن طال الانتظار والطفل كل لحظة تزداد حالته سوءً وشحب جسدها تمامًا وتحول للون الأصفر الهازل واصبحت أنفاسه تخرج بصعوبة والام المكلومة تبكي وجعًا وألمًا لما يشعر به طفلها قطعة من روحها، صوت أنينه يمزق نياط القلب وخرج صرخة ملتاعة بقلب منفطر مكلوم عندما لفظ الملاك الصغير أنفاسه الأخيرة وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها، والام تبكي بنحيب وعويل وهي تهز جسده الهزيل بين ذراعيها غير مصدقه بأن صغيرها تخلى عنها وتركها، رحل عن الدنيا وترك خلفه قلبها المُنشطر إلى نصفين، نصف دُفن معه تحت الثراء والنصف الآخر عالق مع طفلها الآخر التي ترفض رؤيته خوفًا من أن تنقل له العدوى، فهي تشعر بأن جسدها ينخرها وتتعرق تارة وتشعر بالبرودة تارة أخرى، تتقلب بين جنايا روحها تنظر للفراغ بشرود إلى أن شقت الابتسامة وجهها الرقيق ثانيًا عندما رأت صغيرها يقف أمامها ويعلو وجهه أبتسامته الهادئة ويمد لها يده بأن تأتي إليه.
خرجت روحها في سكون والابتسامة تعلو ثغرها فقد لحقت بطفلها الذي لم تتحمل فراقه..
خيم الحزن على منزلهم الذي كان قبل أيام يعج بالضحك واللهو خلف الصغار، تبدل كل شيء وتقلبت المقادير واجتمعت على إنهاء سعادة هذه الأسرة..

عاد ألبرت مُتأخرًا ليجد المنزل خاوي من سكانه، مُظلم ومُحش، يعم به الغسق الكاحل لم يعد به شعاعًا واحدًا، عكمة سادت بالمكان وحلت بالقلوب، رحلت رفيقة دربه وحب حياته، رحلت شمس نهاره وقمر ليله، رحلت بسمته ونقاء روحه، ليشعر الانكسار وتنهد حصونه فهذا الفراق الذي كان يخشاه تحقق ونفذ الأمر ولكن برحيلها تركت خلفها شبح رجُل، تجمدت مشاعره وعاد الشخص القاسي الطباع الذي نُزعت الرحمة والإنسانية من قلبه للأبد، دفنها ثانيًا مع زوجته وصغيره، وقرر الهرب والفرار بطفله الآخر من هذه البلدة واقسم على عدم العودة إليها ثانيًا، سوف يعود لموطنه ومعه طفله الآخر توفيق.
مات قلبه للمرة الثانية وعاش روح بلا جسد يعاني كل لحظة ألم فراق يعتصر قلبه ويمزقه، وبدء في زرع القسوة بقلب توفيق بأن لا يرحم أحد وانتهى عالم الضعفاء قسى عليه بشدة لكي يشد عوده ويصبح شابا لن يهزمه الضعف ولن يقبل الخسائر..
عندما اشتد عوده وأصبح شابًا يافعًا؛ جعل ألبرت منه مساعدًا له، ويحل محله في غيابه وعاد ابنه الآخر جاك وب وقبل ألبرت بوجوده في حياته ويعمل تحت قيادته داخل عالم المافيا، وعاش جاكوب يكن داخله مشاعر الكره والانتقام من والده وكما انه يغار وجود شقيقه توفيق الذي يظل هو وجه والده دائما وهو مجرد ابن في الخفاء بعيدا عن الجميع..
وكل تلك المشاعر ترسبت داخل عقله منذ أن كان طفلا صغيرًا رفض والده تقبله، و زرعت والدته داخله الكره والحقد لوالده كما انه ذات يوم قرر التخلص من شقيقه لكي يراه والده ويشعر بوجوده لعله يندم على ما فعله بالماضي ولكن كان الموت حليفًا لوالده وهو في عمر الخمسون وهم في عمر الخامسة والعشرون ورغم صغر سن توفيق الا انه اكمل مسيرة والده منذ رحيله وأصبح هو الزعيم والكل طوع أمره..

❈-❈-❈
بالقاهرة..
مر أسبوعًا أخر وأستقرت حالة أسر الصحية وقرر العودة إلى المنزل وعلم الجميع بخبر حمل زوجته وهذا الخبر جعل قلب خديجة يقرع كالطبول، وتهللت أساورها لسعادة ابنها ولكن على الجانب الاخر تنظر لحياة الشاردة دائما وكأنها بعالم اخر غير عالمهم نظرة شفقة وحزن على ما أصابها، وأنشغال زوجها عنها، فقد كان سليم يقضي طوال الوقت خارج المنزل، كما أن عائلتها طلبوا ان تذهب معهم ابنتهم تدخلت خديجة بالأمر ورفضت ان تذهب معهم حياة فهي قادرة على الاهتمام بها.
حسمت أمرها وقررت ان تهاتف سليم وتطلب العودة إلى الفيلا بأسرع وقت لكنه اجابها بالانشغال التام ولم يعود إلا فجرًا.
لذلك زفرت أنفاسها بهدوء وجلست بجوار حياة تربت على ظهرها بحنو وهمس بجانب أذنها :
-ايه رأيك يا حياة تخرجي معايا
هزت رأسها نافية ولكن أصرت خديجة على الخروج وهاتفت السائق ليقلهم إلى منزل فاروق والد حياة وعزمت على ان تتركها لكي يشعر بها سليم، فهي لا تقبل بأن تُعامل حياة بهذا الشكل، وكما انها أخبرت عائلتها بأن تتم حياة معالجتها هُنا بجانب اسرتها وهي ستتردد عليها للاطمئنان على صحتها وتحججت انشغال سليم دائم بسبب عمله وكل شيء على عاتقه بسبب مرض شقيقه.
تقبل فاروق الأمر بصدر رحب رغم الغصة الذي شعر بها عندما نظرت لخضرويتها النضرة ليجد الدموع تترقرق داخل حدقتيها والبريق الأخضر اللامع حزينًا شاردًا تائهًا.
زفر أنفاسه بحنك وتذكر عندما طلبها سليم للزواج والوعد الذي قطعه على نفسه بالا يتركها وان لا يسمح بالحزن ان يسكن عينيها الجميلتين ولكن أين ذهبت هذه الوعود، ضرب بها بعرض الحائط.
احتواها منزل والدها، أنفاسه الدافئة شعرتها تشعر بعودة الحياة إليها ثانيًا، وعلمت أن لا وجود لها إلا في وسط عائلتها، ذهبت لغرفتها تقرأ سورة البقرة كما اعتادت وبعد أن انتهت من قراءتها خلدت للنوم..
لتجد نفسها وسط بستانًا من الأزهار البيضاء محاطه بها وكان الأزهار تضمها باوراقها البتول وهي تدور حول نفسها وتبتسم في سعادة، رأت فراشة جميلة زاهية الألوان تقزف من زهرة لزهرة، سارت خلفها كالمغيبة إلى أن وجدت نفسها خارج بستان الزهور بمكان أخر فسيح ولكن قدميها منغرزة داخل الرمال تطلعت حولها بريبة وتيه لم تجد بستان الأزهار ولم تعد ترأ الفراشة، بلا وجدت نفسها وحدها تجوب بعينيها الخائفتين المكان الخاوي وخرج صوتها صارخًا تهتف بأسم زوجها.
لتفيق من نومها بفزع وهي تصرخ بأسم “سليم” لتجد نفسها داخل فراشها وغرفة نومها، وظلت تطالع الفراغ بشرود ولسان حالها يحدثها من الداخل
“يبدو أنها رغبته التخلص منها وندم على زواجه منها، لذلك تركها كل تلك الليالي الماضية تعاني وحدها، لقد خزلها وجرح قلبها عندما تخلى عنها في أشد محنة تواجهها بينها وبين عدوها، فلم يكن عدوها ببشر عادي مثلها وأنما عدوها الحقيقي هو الجان الذي يُحاربها من أجل البقاء والخضوع له ”
انسابت دموعها بعجز وعلمت حينها بأن سليم حقًا أخطأ في قرار الزواج منها فهو لم يكن عاشق لها منذ البدايه، انها كانت مجرد تهديد تمثل بزعزت كيانه الشامخ داخل عائلته ولذلك تزوج منها وهو لم يُحبها قط، فقط أشفق على حالتها بعدما علم بما فعلته بها زوجة عمها التي هي طريحة الفراش الآن ”

رحلت حياة عن المنزل الذي لم تجد داخله الدفء الذي يحتويها لن تجد الأمان بلا وجدت نفسها داخل زنزانة صغيرة والاغلال الحديدية محاطة بقدميها وايديها، ملتف حول جسدها تكاد تخنقها وتزهق روحها، عادت الان لامانها الوحيد وسندها في الحياة والدها الذي يتحملها مهما كانت تقلباتها وتغيرات حياتها..

لقد منحت غيري كل ما تمنيت أن أحظي به ..
أعطيت الحب بلا مقابل و أنا القلب المليئ بالندوب ، منحت الدفء بلا حدود وأنا ارتعش من البرد، زرعت الطمأنينه في نفوسهم و أنا في قمة إحساسي بالخوف.
كنت أرصِف لهم دروب المحبة و الود وأنا التائه أبحث عن الطريق ..
في كل مرة كنت ابذل شيئاً جميلا من نفسي لأحد، كأني اقول لها ستعود لك كل الأشياء الجميلة التي منحتها للآخرين .. كنت و كأني أعتذر لها عن بشاعة هذا العالم .. كنت و كأني أقدم لها اعتذارًا عن كل السوء الذي صادفته ..

فاقد الشئ يفرغ قلبه بالكامل على طاولة الحياة،
و يمنح فوق طاقته لأنه أدري الناس بمرارة فقد هذا الشعـور !

❈-❈-❈

ظلت خديجة مُستيقظة تنتظر عودة سليم لياتي الآخر مُرهقًا، أشفقت على حالته تلك ولكنها تماسكت لتخرج له ما حدث منه في حق زوجته وكما أنه أهملها أثناء وعكتها الصحية ولم يكن جانبها ليساندها ويشد من أذرها.
قابلته والدته بوجه محتقن وقالت بسخرية مبطنة:
-حمدلله على السلامه يا سليم باشا
شعر سليم بتغير والدته وحديثها المبطن معه، اقترب منها بخطوات قلقه يستشفي ما تقصده؛
-في ايه يا ام سليم
قالت بغضب بعدما نفذ صبرها:
-في ان كنت فاكره مخلفه راجل كبير وعاقل وعارف يوزن الأمور كويس، واثقه ان لا يمكن يظلم واحدة ست ولا يجي عليها
قاطعها بتَوجس:
-ست مين دي اللي ظلمتها يا أمي؟
-مراتك ولا مراتك مش ست زيها زي اي ست محتاجة زوجها يكون جنبها ويساندها لم تكون في محنة، ممكن تقولي عملت لك ايه حياة عشان تهملها ولا تفكر فيها
مالها حياة فيها ايه
قالها بقلق حقيقي ولكن نظرت له والدته بغضب وقالت بغلظة:
-حياة سبتلك البيت، راحت عند أمانها الحقيقي في الدنيا، عند والدها اللي عمره ما هيرفض بنته هيفضل حضنه هو ملاذها وانت مش قصرت مش سبت لها خيار تاني
تنهد بهدوء وقال بجمود:
-طيب تمام، كويس انها عند والدها
رمقته بدهشة وهزت رأسها نافية هذا الحديث الذي خرج من فاه بجمود وبرود، لقد تبدل ابنها تمامًا وكأنه شخصًا أخر لا تعرفه
لم يعد قادرًا على الانصات لحديث اخر، سار بخطوات واسعة هاربًا من مواجهة والدته ومن فضح أمره، صعد الدرج ركضا وتوجها إلى غرفته أغلق الباب خلفه بقوه ونزع رابطة عنقه التي تخنقه والقاها أرضا ثم نزع سترته ودعسها تحت أقدامه وفك أول ازرر قميصه ثم القى بجسده الضخم أعلى الفراش ويظل يحدق بسقف الغرفة ويحدث نفسه قائلا:
-حياة صح لازم تبعد عن هنا، وجودها هنا في خطر عليها وأنا مش هتحمل تتعرض لخطر تاني بسببي
فتح شاشة هاتفه التي تتزين بصورة محبوبته التي تطالعه ببسمتها الرقيقة الساحرة، رفع انامله يلامس ملامح وجهها بأشتياق ود لو كانت حقًا أمامه ليجذبها بقوة يخفيها داخل صدره بين أضلعه ولن يدع لمخلوق بأن يقترب منها، دمعة خانته لتسقط ببطء على وجنته ثم قرب الهاتف ووضعه أعلى صدره كانه يضمها بين ذراعيه وقال بصوت ملتاع :
– وحشتيني وعزائي الوحيد أنك بخير بعيد عني…

 

الفصل الحادي عشر

“أحيانًا تتملكنا الرهبة والخوف الشديد من المجهول وما تخفيه الأيام لنا، ولذلك وجب علينا أن نقوي إيماننا بالله وبكل ما يأتي منه، حيث أنه لا يأتي من رب الخير إلا الخير”

تتخبط هُنا وهُناك مثل الريشة تقذفها الرياح يُمنًا ويُسرًا، يتمايل جـ سدها كالطير المذبوح، ترتجف، تنتفض،و تتسارع أنفاسها لاهثة، تقرع نبضات قلبها بصخب جنوني وهي تتلفت حول نفسها بتيه لعلها تجد مخرجًا من محبسها هذا؛ نظراتها شريدة، حزينة، مُعذبة وهي ترأ نفسها مكبلة بأغلال من حديد ملتفة حول جسدها بأكمله تعجز عن الحركة، لكنها لم تجد إلا الظلام الكاحل المحيط بها من كل جانب ولن يوجد شعاعًا واحدًا ينير
ظلمتها العتمة.
شعرت بثقل اهدابها لم تقدر على فتحهما رغم ارتجافت الجفنين ولكن تسأل نفسها لماذا تريد الاستيقاظ من هذا الكابوس الملاحق لها؟ لقد سأمت الحياة حياتها، هي الغضن المفعم بالحيوية والنشاط وصوت ضحكاتها كان ترن داخل منزلهم الصغير الدفء باحتواء والديها، الان يغمرها برودة الطقس القارص، يحتاجها صقيع لم تذقه من قبل تتجمد على حالها داخل غرفتها الحبيسة التي لم تغادرها منذ أن اتت لمنزل والدها، لن تترك محبسها إلا للوضوء والعوده إليها تظل ساجدة على سجادة صلاتها، جسد يتحرك بلا روح، حياة فارقتها الحياة، شعور الانكسار يجعلها تتوقع على نفسها وتتقاذف التساؤلات بعقلها الشارد ماذا فعلت ليكون قدرها تصارع وحدها داخل غرفتها العزلة..
فتحت خضرويتها بعد صراع قوي بين العودة واللاعودة، ترغم عقلها على الدخول في غيبوبة طويلة لتتناسى كل ما تمر به من لحظات قسى عليها الزمن بالوقوع في شباكه.
شهقت بقوة وكأنها خرجت للتو من أعماق البحار، جلست بمنتصف الفراش ومقلتيها تدور بفزع بارجاء الغرفة ثم وضعت كفها أعلى ذاك الخافق الذي تتسارع نبضاته يكاد يخرج من بين ضلوعها وصوت أنفاسها اللاهثة كأنها كانت داخل سباقًا للركض وحصلت به على المركز الأول.
هدأت نبضاتها رويدًا رويدًا وانتظمت أنفاسها ثم رفعت الغطاء عن جسدها وظل لسانها يردد مستغفرًا، غادرت غرفتها بخطواتها المتهادئة لتجد المنزل يعم به السكون، أين والديها؟ واين شقيقتيها”فريدة” و “أمل”؟
ارتجفت ساقيها وهي ترأ نفسها وحيدة داخل المنزل الخاوي من عائلتها، شعور بالخوف، فزع، رهبة، قلق، اصابها وصوت دقات عقارب الساعة يصدح خلفها في دقات متتالية جعلها تنظر لها بضيق بسبب دقاتها المزعجة لتدقق حدقتيها داخل قرص الساعة المثبتة أعلى الحائط لتجدها الثالثة ولكنها لا تعلم صباحًا أم مساءً
سارت بخطوات حذرة عند الشرفة وسحبت الستارة لتنظر من زجاج الشرفة لترا عكمة الليل والقمر يزين السماء بنوره الساطع والنجوم تدور في فلكه، عادت تغلق الشرفة بهدوء وسارت بخطوات مضطربة تتفقد غرفة شقيقتيها، فتحت مقبض الباب وطالعتهم بـ بؤبؤة عينيها من فتحت الباب الصغيرة لتجد بالداخل الفتيات كل منهما بفراشها في نوم ثابت، هدأ قلقها ثم اغلقت الباب برفق، وعادت إلى قفصها الذي تحبس نفسها داخله وكأنها حقا عصفور فقد قدرته على الطيران، مكسور الجناحين وقابعة بالزاوية تنتظر الموت الرحيم..
❈-❈-❈
أما عن سليم فمنذ مغادرة حياة لمنزله وهو لم يعد بالحياة، ولكن كلما تذكر الخطر المحيط بها يطمئن قلبه بأن هذا الوضع أفضل لكلاهما.
أمسك مذكرات والده وقلب صفحاتها عندما وصلا لوفاة جده “ألبرت” وترك والده في مقتبل العمر رئيسًا من خلفه يهتم بعمل المافيا وشقيقه مساعدًا له..
كان توفيق يكن مشاعر حانية إتجاه شقيقه من والده وعوضه فقد شقيقه الراحل “عبدالله” توامه الذي توفاه الله وهم صغار ولكن “جاكوب” تربى على الحقد والكره ولم يسلم توفيق من أذاه، تركه توفيق وقرر العودة إلى موطنه مصر يريد أن يلتقي بعائلة والدته التي انقطعت أخبارهم منذ سفره مع والده، وعلم بأن لم يتبقى منهم أحد، ولكن أحب أن يعيش بالقاهرة وأنشأ مشفى وتزوج من والدة سليم واصطحبها للعيش في ألمانيا بسبب اعماله الأخرى ولكنها لم تفضل المكوث طويلا وعادت القاهرة لتنجب طفلها سليم فرفضت ان يحمل جنسية أخرى واكمل والده في عمل وبعد خمسة أعوام انجبًا طفلا اخر أسر ولكن بعد مرور عام من والدته اكتشفوا انه مريض صرع وبدأت من هُنا رحلة علاج أسر ولكن لم يجدوا الأطباء علاجًا لحالته..
“كان الله سبحانه وتعالى يعاقبني على ما فعلته واقترفته من خطأ، كلما كُنت أنظر لطفلي أسر أشعر بالخزي والعار من نفسي فأنا المُذنب الحقيقي لما هو يُعاقبه على ذنب والده، ولكن لم يفعل الندم شيئًا فقد غرزت قدماي في الوحل وقُدر لي أواجه نفس مصير والدي، خشيت أن أصارح زوجتي خديجة بماضي لم يكن لي ذنبًا به، خوفًا على تركها لي هي واولادي وأنا لم أملك من الدنيا سواهم، أخشى ان تعرف حقيقتي المخادعة وتختفي من حياتي للأبد هي وصغاري وأنا لم أتحمل ذلك”
” أنا لم أمتلك حق أختيار أبوينا، لكني أخترت زوجتي بكامل إرادتي وأنجبت لي أطفالي اللذين سأحارب من أجلهم فقط، سأحارب على البقاء، البقاء دائما يظل للاقوى كما علمني والدي، لن أتراجع عن طريقي فكل ما أفعله الان من أجل ابنائي فقط والحافظ على حياتهم ومستقبل أفضل لهم”
” لم أخطئ عندما سلكت طريق والدي فهذا العالم قاسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، عالم لن يسمح للضعاف العيش بسلام داخله، عالم الكلمة العلية الصاحب السلطة والنفوذ، وانا اتحكم في عالمي وأحركه باصابع يدي والجميع رهن أشارتي، هذه هي قوتي ولن أنحني وأخضع لاي سلطة كان ”
” انا الأمر الناهي، انا القوة التي لا تُهزم ابدًا مهما حاول شقيقي أن يهزمني فلن يستطيع ولن أسمح له بذلك، أنا زعيم المافيا واتحكم في قارة أوربا بأكملها”
نفخ بضجر وأغلق المذكرات فلم يستطع إكمال ما خطته والده بيده، وضع المذكرات داخل درج المكتب وأغلقه ثم نهض عن مقعده وسار إلى حيث الاريكة المقابلة للمكتب، مدد جسده عليها وحاول اغماض عينيه فهو من مغادرة حياة لمنزله وغرفته وهو لم ينم بغرفته، فقط يولج إليها لكي ينعش جسده ويبدل ثيابه فقط ثم يغادر ها سريعًا.
ويا ليت النوم يزور جفونه ويجعله يغمض عينيه الحزينتين، فقد غادرت لمعة حدقتيه التي كانت توهج بالسعادة عندما صارح كل منهما مشاعره للآخر، يتذكر كل ما مر عليهم وهم في نيويورك، كم عانوا سويا عند مواجهتهم النيران التي كانت تحطيهم وخطف وترهيب لحياة، مروا سويا بلحظات قاسية، لحظات نهاية والموت المحتم ولكن نجاهم الله سبحانه وتعالى من محنتهم تلك لكن الآن يتركها ويتخلى عنها من أجل أفعال والده، هو داخل دوامة من الشر كلما حاول الفرار منها تسحبه معها لقعرها، يريد حماية عائلته
عند تلك النقطة من التفكير نهض عن الاريكة وأخرج هاتفه يهاتف الرائد حمزة يريد منه حارسة مشددة على الفيلا وعلى شقيقه أسر وايضا عند منزل والد حياة وظلت المكالمة قرابة نصف ساعة يقص عليه قلقه بعد محاولة قتله وهذا هو الحل المناسب لكي يطمئن على عائلته ثم أغلق الهاتف و وعده الاخير بتنفيذ مطلبه وانه سوف يلتقي به في الصباح ومعه ضباط من الحراسة الخاصة..
“دائما تتعبنا وترهقنا المخاوف من الحياة”
“لا بد من وجود الخوف لتجنب الكثير من المخاطر، ولكن يجب الحرص على الاعتدال حتى لا يُصبح هذا الخوف ملازمًا لنا طوال الحياة”

❈-❈-❈
بمكان اخر، دلف الشاب منزله وهو يسير على أطراف اصابعه لكي لا يشعر به والده، فهو يعلم انه مستيقظًا الان لصلاة الفجر.
ولج غرفته على الفور وأغلق الباب خلفه برفق ثم اقترب من خزانة ملابسه، اخرج منامة ومنشفة وتوجها إلى المرحاض الملحق بغرفته، ينعش جسده أسفل رشاش المياه وبدل ثيابه ثم غادر الغرفة ليتفاجئ بوجود والده داخل الغرفة، جالسًا على طرف الفراش في انتظاره.
ابتلع ريقه بتوتر وتقدم بخطوات مضطربة من والده قائلا:
-خير يا بابا، هو حضرتك لسه صاحي
تجاهل سؤاله وقال بنظرات حادة غاضبة من تصرفات ابنه:
-ارجع عن الطريق اللي انت ماشي فيه، صدقني هتندم عليه بعدين، هيجي وقت والكل يتخلى عنك وانت اللي هتدفع التمن لوحدك من عمرك وصحتك وشبابك
ابعد أنظاره عن والده وقال بصوت متوتر:
– طريق ايه ده؟ انا مش فاهم حضرتك تقصد ايه؟
ثم مدد جسده أعلى الفراش وقال وهو يعطي ظهره لوالده :
-أنا راجع تعبان من الشغل، تصبح على خير حضرتك
تنهد المُسن بحزن ونهض عن الفراش يسير بخطوات بطيئة أثر الكبر الذي غزا جسده بسبب المرض وظل يهز رأسه في أسى على حال ابنه الوحيد الذي لم يعد يملك من الدنيا سواه ويخاف ان يواجه نفس مصيره ويلاقي قادرًا أصعب منما عاشه هو، ليس لديه مقدره على ردعه ويخشى ان يتصرف اي يتصرف يأذي به وحيده..
“لحظات الخوف توضع في طريقنا حتى يملأ الله قلبنا بالجرأة، ونستعين باللّه”

❈-❈-❈

خارج حدود القاهرة باقارة أخرى.
جلس الكابو يترئس طاولة الاجتماعات وهو يلفح أنفاس سيجارته ويصدر أوامره عن أتمام الصفقة الجديدة داخل الحدود المصرية متوعدًا بالقضاء على سليم وعائلته.
صرخ بوجههم جميعًا وقال بانفعال:
-الذي فعله الشاب المصري ليس هينًا على كيان المافيا، الكيان هُدد بالتفكك والخلاص منه ولن اقبل لذلك ان يحدث، لابد وان يدفع “سليم” ثمن أخطاءه ومن منكم ظن بأنه يستطيع ابادتي وجعل فتى مثله غير صالح أن يدير هذا الكيان فهو لن يخرج عن قبضة يدي، أنا الأحق بالزعامة، أنا تحملت “توفيق” لاعوام كثيرًا، طفح الكيل، أنا الأمر الناهي ولن أسمح بخطأ أحمقًا ان يهز زعامتي أمام العالم، لم أسمح لاي كان ان يخرج عن سيطرة الكابو، خطئ سليم نهايته مثلما فعل والده سابقًا.
أنهى اجتماعه بكلمات مقتضبة عن عملية أغتيال شامل للعائلة وهذا الرد الرادع الذي يوجهه إلى الشرطة المصرية والفيدرالية معًا، بسبب تعاون سليم معهم.
وبدء رجال المافيا في مُغادرة الاجتماع واحدًا تلو الآخر، شخص ما عندما غادر قصر الكابو، اخرج هاتفه يجري اتصالا غامضًا يخبر الطرف الآخر ويُنقل له ما دار داخل أجتماع المافيا وزعيمها، ثم انهى المكالمة ودس هاتفه داخل سترته واستقل سيارته لمغادرة المكان على وجه السرعة..

أما على الجانب الاخر عندما اتاها هذا الخبر، قررت أن تتوجه سريعًا إلى القاهرة لمقابلة سليم ومُساعدته وان تظل جانبه لحمايته وحماية عائلته..
“الخوف هو ذلك الشعور القاتل الذي إذا تملك من الإنسان سيحول حياته إلى جحيم مُتقد، والخوف الزائد عن الحد يجعل الشخص يتمتع بالسلبية والعبودية”

.

❈-❈-❈
عودة إلى القاهرة، داخل الفيلا التي تقطن بها” نور” طليقة أسر، قررت أن تذهب اليه وتتحدث معه وتعتذر له عن ما صدر منها من حماقات لأنها قررت أن تسافر، تغادر البلدة بأكملها لتحاول أن تبدء من جديد في مكانًا أخر ٠جما مرت به وما حدث لها هُنا..
جراتخذت ذلك القرار الصائب بعد تفكير دام طويلا، عندما هاتفتها والدتها وطلبت منها ان تسافر إليها وتنسى الماضي بكل الألأم الذي سببه لها وهي حقًا وجدت في سفرها هذا الهروب من كل شيء ومن نفسها، لعلها تجد نفسها بمكان اخر عندما قررت بالقدوم على تلك الخطوة الهامة بمصير حياتها.
وسوف تذهب صباحًا إلى فيلا “توفيق السعدني” لتلتقي بزوجها السابق وتنهي عذاب الماضي وتطلب منه الصفح والغفران عن كل ما حدث له بسببها وهي تعلم بأنه يحمل قلبًا أبيضًا رقيقًا ولن يخذلها، يجب طي صفحة الماضي لكي تتطلع لمستقبلها دون خوف أو ضياع..
“الخوف هو تلك الإبرة التي تخترق أجسامنا وأحلامنا، لأنها تحمل خيوطًا كي تربطنا الضياع”

حزمت امتعتها استعدادًا للسفر ظهر اليوم ولذلك عندئذ أشرقت شمس الصباح، غادرت الفيلا مُستقلة سيارتها ذاهبة إلى أسر.
وفي غضون ثلاثون دقيقة عبرت حديقة الفيلا بسيارتها الخاصة ثم صفتها وترجلت منها تسير بخطوات واثقة
تدلف لداخل ثم ضغط زر الجرس ووقفت تنتظر ان يُفتح لها الباب.
بعد دقائق معدودة كان سليم هو من يغادر الفيلا في انتظار قدوم الرائد حمزة، ليتفاجئ بوجود “نور” أمامه
عقد جبينه في غرابة وهتف مندهشًا :
-“نور” خير
قالت بنبرة صادقة وملامح يكسوها الألم والندم معًا:
-سليم من فضلك محتاجة اقابل أسر لآخر مرة وأوعدك ماحدش فيكم هيشوف وشي تاني، انا مسافرة عند ماما أو بمعنى أوضح مهاجرة ومش هرجع هنا تاني، خلاص مابقاش ليه حد في البلد دي
تنهد بارتياح ولكن داخله شعور بالحزن والأسى من أجلها فهو يعلم بأنها فتاة طائشة تصرفت كل هذا رغما عنها كان تريد أن تتمرد على نفسها وهي لا تعلم بأنها ستحرق نفسها أولا بنيران الحقد الإنتقام، يشفق على حالها فهي صغيرة في ريعان الشباب وما حدث لها من فقد جنينها وفقد أمومتها ليس بهين على فتاة بعمرها، يكن لها مشاعر أخوه داخله كأنها شخص من عائلته ولذلك يشفق على وضعها ويكفي ما تمر به، افسح لها الطريق وقال بصوت دافئ؛
-البيت ده هيفضل مفتوحلك يا نور العمر كله، ولو محتاجة حاجة من فضلك ما تتردديش تكلميني، انتي هتفضلي أختي الصغيرة
تبسمت بمرارة فهي حقا خسرت هذه العائلة وخسرت زوج كان يُحبها ويعيش فقط من أجل اسعادها، شكرته بامتنان ودلفت لداخل الفيلا لتلتقي بخديجة التي قابلتها بود وحنو، فتلك السيدة أشعرتها بمشاعر افتقدتها مع والدتها، عانقتها نور بحب وربتت خديجة على ظهرها بحنو وامسكت بيدها تدلف معها غرفة الصالون
تنهد سليم ولاحت شبه ابتسامة أعلى ثغره ثم اوصد الباب خلفها وسار في الحديقة ينتظر قدوم الحراسة الخاصة..
أما بالداخل فجلست السيدة خديجة مع نور واخبرتها الأخيرة بقرار سفرها وتريد اللقاء باسر لعله اخر لقاء بينهما ولم يتقابلا ثانيًا.
أخبرته بأن أسر لا زال ملزم فراشه وسوف تذهب لتعطيه خبر وجودها، وسارت خديجة تصعد الدرج بخطوات متبطئة إلى أن وصلت للجناح الخاص بأسر، طرقت بابه بهدوء اتت ميلانا تفتح لها الباب وتدعوها لدلوف.
ولجت خديجة بملامح بشوشة صافية واقتربت من فراش ابنها، دنت منه تقبل جبينه بمحبة:
-صباح الخير يا حبيبي
تبسم لها أسر وقال وهو يمسك بكفها يقربه من فاه يطبع قبلة رقيقة عليه:
-صباح الخير يا ست الكل
طالعتهم خديجة بترقب ثم قالت بتردد:
-نور تحت وجاية عاوزة تشوفك اخر مرة قبل ما تسافر
لوت ميلانا ثغرها بضجر وشعرت بالغيرة تنهش قلبها كلما ذُكر أسمها فماذا عن وجودها
رفع أسر حاجبيه بمشاكسة لزوجته وقال لوالدته :
– خليها تيجي
قالت ميلانا بنظرات لوم:
-عن جد بدك إياها هُن بغرفتي وقدام عيوني
-امال اشوفها من ورا عيونك ازاي
ثم ضحك بخفة وأشار إليها ان تقترب اما عن والدته نهضت في جدية وقالت بحسم وهي تغادر الغرفة:
– هنزل اقولها تطلع، هي دقيقتين البنت هتسلم وتعتذر عن اللي حصل وبس
ضمها لصدره وطبع قبلة طويلة أعلى خصلاتها وهو يقول بحب:
-ميلو هلا ما في قلبي حدا إلا اياكِ، نور قلبها ابيض وجاية تطلب مني اسامحها على اللي فات، وانا مسامح ومش شايل منها ولا من أي حد على وجه الدنيا، كفاية وجودك جنبي يا نبض القلب ونور العين
قالت بغيظ :
-لا تقول نور العين
ضحك مرة أخرى على غيرتها وقال معتذرًا:
-أسف حبيبتي لا يوجد بالقلب غير ميلانا روح القلب ونبض الحياة..
ثم طوقها بذراعيه وقال بصوت حاني وهو يطالع عينيها بحب؛
حبيبتي؛ كيف لا أعشقك وأنت ماتبقى لي من الأيام وكيف لا أعشقك وأنت لي كل الأماني والأحلام وكيف لي أن لا أهوى قلبك وأنت نبض قلبي وعشق الروح في اليقظة وفي المنام..
❈-❈-❈
الفصل الثاني عشر
غادرت “نور” في هدوء بعدما ألتقت بـ “أسر” الذي حدثها بود واحترام وتقبل اعتذراها فهو لن ينسى عشرتها رغم كل ما حدث؛ فهي فتاة غلب على أمرها مشاعر القسوة والانتقام منما تسبب لها أذى القلب كما كانت تظن، لم يكن لها “أسر” سوا مشاعر أمتنان فرغم كل هذا كانت تسانده في نوبات مرضه وهو لم يكرهها يومًا ما، تفهم أمرها وهو يدعم قرارها وحزين من أجل خسارتها للامومة التي افتقدتها طوال حياتها ستعاني ألم الفقد والاحتياج بأن تصبح يوما أما لطفل صغير ولكنها حُرمت من تلك المشاعر.
ودعها وهو يتمنى لها حياة جديدة سعيدة وتحصل على كل ما تتمناه وتحلم به في هذه الحياة..

كان “سليم” يتحدث مع الرائد حمزة عن ترتيبات الخاصة بضباط الحراسة وكيف سيتم تأمين الفيلا وزرع كاميرات بكل ركن داخل الحديقة، فقد شدد سليم علي زيادة عدد كاميرات المراقبة الليلة وعلى تناوب طاقم الحراسة كل يظلون متيقظين للقادم، فهو يخشى حدوث مكروه أخر يقع على عائلته فلن يسمح لهم بالتقصير في عملهم، فكل ما يشغل باله هو سلامة عائلته.
كما أخبر “حمزة” أيضًا بضرورة تأمين البناية التي تقطن بها زوجته مع عائلتها وحراسة تتبعهم في كل خطواتهم خارج المنزل وبالاخص زوجته التي أعطاه صورتها وهي برفقته، أن تحاصرها سيارة خاصة وضابط يتولى امر حراستها طوال الوقت دون علمها لكي لا تشعر بالخطر المحاط بهم..
إماءة بسيطة صدرت عن الرائد حمزة وهو يطمئنه بأن كل شيء سيتم على مرام ولن يشعر بهما أحد، ثم غادر فيلا السعدني وترك طاقم الحراسة يحدثهم سليم بشدة وصرامة وانه لن يقبل بالتسيب ولن يسامح أحدا على تقصيره بعمله فهو الآن يسلمهم أرواح عائلته على أعتاقهم للحافظ على سلامتهم..
“يعلم جيدًا بأن الحافظ هو الله سبحانه وتعالى ولكنه يفعل كل ما بوسعة من أجل سلامة حياتهم، لكي لا يشعر بالندم والذنب القاتل في حقهم بأنه قصر في شيء ويترك الأمر بيد الله وعلى يقين بأن الله لن يضيعه هو وعائلته وكل من يخصه لان لا ذنب لهم بما فعله والده، لا ذنب في كونهم أبناء توفيق السعدني”

اصطحب ضابط الحراسة” ريان”معه داخل الفيلا ليعرفه على أفراد العائلة، جلست خديجة بدون فهم ما يدور حولها ليطمئنها سليم قائلا:
-أمي متقلقش ده مجرد دواعي أمنية بعد اللي حصل في الحفلة
تنهدت بحزن وقالت :
-ومن أمته بقى الخوف جواك ومالي قلبك؟ ايه جد على ولاد توفيق السعدني عشان فرحتنا تنتهي في يوم وليلة وتتعرض حياتكم للخطر عاوزة افهم في ايه؟ من حقي اطمن على ولادي اللي ماليش غيرهم في الدنيا.
نظر “ريان” ارضًا بخجل فقد تناست خديجة وجود فردًا غريبًا وهي تعاتب ابنها
تنحنح سليم وقال ببسمة طفيفة :
-الرائد “ريان” يا أمي مسئول عن أمن الفيلا
طالعته بحنو وقالت مرحبه به:
-أهلا يا بني
انتظر قليلا بجو متوترًا ريثما يحضر سليم أسر الذي كان مستندًا على ذراعه ويسير جانبه بخطوات حذرة من أجل سلامة شقيقه فهو لم يتماثل الشفاء بعد وكانت ميلانا بجوار زوجها أيضا
استقام الرائد ريان لمصافحته وبادله أسر المصافحة ثم اراحه سليم برفق أعلى الاريكة وجلس ريان خمسة دقائق ثم استاذنهم لتفحص الفيلا من الداخل لكي يبدء عمله وبخبرته سوف يجلب مهندس برمجة لكي يضع كاميرات المراقبة داخل وخارج الفيلا..
وبعد ذلك وقف مكانه بحديقة الفيلا يخرج هاتفه اللاسلكية ويحدث شخصًا أخر ينقل له خطة سير الحراسة بالفيلا وان يظل الضابط الآخر مكانه أمام البناية التي تقطن بها حياة فهو المسئول عنها من تلك اللحظة..

❈-❈-❈
أثناء تناولهم طعام الإفطار، كانت حياة جالسة ولكنها يبدو عليها الشرود، تنهدت دلال وهي تنظر لابنتها بحزن ثم قالت لكي تخرجها من حزنها فهي تعلم بمدا حبها لعمتها “سناء”
-حياة.. أية رأيك تغيري هدومك وتيجي معايا عند عمتي سناء، هي نفسها تشوفك أوي وتطمن عليكي
طالعتها حياة بهدوء ثم ردت قائلة:
-حاضر يا ماما جاية معاكي عند عمتو
لم تصدق دلال ما سمعته للتو من ابنتها تهللت اساريرها ونظرت لزوجها بفرحة فتلك المرة الأولى التي تستجاب لها حياة بمغادرة المنزل..
بدالها فاروق البسمة بخفة ولكن داخله يثور كالبركان الذي يتهيئ للانفجار، فحال ابنته تبدل كثيرًا رغم ما قاله الشيخ “عبدالله” انها تعافت من السحر ونجح في الانتصار عليه بقوة وعزيمة حياة على الخلاص والتمسك بأمر الله الذي نجاها من هذا الكرب، الا انه أبًا يرثًا حال صغيرته التي أصبحت في ريعان الشباب تتحرك أمامه مثل التمثال دون روح او حياة، جسد هش تعرض لصفعة قوية من الحياة الدنيا، صفعة أدمت بقلبها قبل روحها، أين تخلى عنها زوجها وخذلها وكسر قلبها في أول زواجهم، لماذا جعلها تأتي إلى بيته محطمة الروح بهذا الشكل؟ هل سولت له نفسه بتحطيم ما تبقى من روحها؟ قرر ان يذهب إليه ويواجهه ماذا فعلت ابنته لتلاقي الحب بالخذلان؟ ماذا فعل هو كزوج ليساند زوجته في محنتها؟ فهل جزاء الإحسان النكران؟
حسم أمره في مقابلة سليم وأنهاء كل ما يتعلق بابنته، هل هو سيكمل زواجه منها ام يتركها لتباشر حياتها وهذا ما توصل له فاروق بالنهاية..
❈-❈-❈
ارتدت حياة ثوب أخضر يبرز جمال عينيها الساحرتين، وحجابها الأبيض الذي يزين وجهها الأبيض المضئ كضوء القمر في أبها طلة، رغم ضعفها الجسدي أثر ما تعرضت له في الأيام الماضية إلا أن جمالها لن يقل ولازالت محتفظة برونقها، حتى إذا تلاشت إبتسامتها جذبيتها طاغية بجمال ملامحها البريئة النقية.
وانتعلت كوتشي ابيض وحقيبتها البيضاء التي دست بها مصحفها الصغير التي دائما تقرأ به وسبحتها الإلكترونية التي تشغل بها وقتها على مدار يومها، ووضعت أيضا داخلها الهاتف المحمول خاصتها ثم اغلقت سحابها وعلقتها على كتفها لتغادر غرفتها في خطوات متهادئة.
وجدت والدتها تبتسم لها في حبور وحاوطتها واضعة ذراعها يحاوط ظهرها ليسيروا سويا مغادرين الشقة وكانت دلال ترتدي ثوبها الأسود الطويل يعلوه كارد رصاصي وحجاب رصاصي، يبدو على ملامحها الحزن الذي تخفيه عن عيون الجميع، تنعي حال ابنتها ولكنها تسر ذلك في نفسها تخشى الإفصاح عنها فداخلها نيران لن تخمد ابدا كلما تذكرت ما فعلته زوجة عمها المصون الذين لم ياخذون من تلك العائلة الا الشقاء والتعاسة، فمنذ ان خطت بقدميها داخل عائلة الألفي وترا الحقد والغل يطل من عينين زوجة الابن الأكبر للعائلة، كانت دائما تسخر منها كونها أنجبت الفتيات وهي التي أنجبت الصبيا للعائلة ولكن أين توجد هذه الصبيا الآن، نجحت بسحرها على تفرقة ابناءها وأصبحت اليوم وحيدة طريحة الفراش تواجهه مصيرها وما فعلته من ذنوب أخطاء بحق الآخرين، ابتعدت لمتها وفرحتها بالصبيان وتشتت كل منهما ببلد لكي يبتعدا باقصى ما يمكن عن أذاء والدتهم..
لن تخمد نيران دلال كلما نظرت لشرود صغيرتها فرحة عمرها وشبابها ماذا أصابها أثر السحر الملعون تدعي من كل قلبها أن لن يسامحها الله ولن يغفر لها بسبب ما مر على ابنتها من صراع وحزن، داخلها غل بأن تنال عقابها التي تستحقه فهي أم مكلومة قلبها ملتاع على رؤية طفلتها تتحطم أمامها، وتطن بأن السحر اصاب زوجها وفسد حياتهم الزوجية السعيدة، لذلك قررت أن تحادث عمتها في ذلك الأمر، فهي تريد عودة البسمة على وجهه حياتها وقرة عينيها “حياة”..

غادروا البناية متوجهين إلى وجهتهم ليراهم ضابط الحراسة “زين” المُكلف بحمايتهم، اخرج الهاتف اللاسلكي وحدث الرائد “ريان” عن تحرك زوجة سليم بصحبة سيدة ما تبدو بأنها والدتها، أخبره الأخيرة بملاحقتهم وتأمين كافة السبل لهم دون لفت انتباه او شكوك.
استقل زين سيارته وقادها مسرعًا ليصفها أمامهم وهو يهبط من زجاج النافذة ويطلع لهم قائلا بجدية:
-أوبر يا مدام
اوقفته دلال متلهفة بأن ينتظرهم وبالفعل استقلت حياة دلال المقعد الخلفي، حدثها زين بهدوء عن المعيشة الصعبة وأنه رغم دراسته الهندسة الا انه لم يجد فرصة عمل لذلك أراد العمل كسائق أوبر، ولديه والديه المُسنين وخمسة من الأشقاء الفتيات مسئولا عن رعايتهم، نجحت خطته في كسب تعاطف السيدة دلال وبادلته أطراف الحديث والدعاء له بصلاح الحال وطلبت منه رقم هاتفه لكي تتواصل معه لكي يصلها او يصل احد من أفراد عائلتها، تبسم لها بود واملئ عليها برقم هاتفه.
اقلهم لوجهتهم عند منزل الجدة سناء وطلب منها ان تهاتفة في اي وقت، ودعته دلال وهي تترجل من داخل سيارته وتلحق بها حياة التي كانت تنظر من خلف زجاج السيارة ولا تعي بكل ما يدور حولها ولا تصغى لسماع حديثهم.
أعطته المال ودلفت داخل البناية ام عنه فصف السيارة جانبًا وابتعد عن الانظار يدور بمقلتيه الحادتين كنظرات الصقر الثاقبة يتطلع هنا وهناك يُأمن المكان بكل جدية ومهارة عمل..

استقبلتهم سناء بشوق جارف فلم ترا حياة منذ اليوم المشئوم، يوم الحادث الذي اصاب الجميع بالذعر والخوف والارتجاف الذي اصاب اوصالهم جميعًا.
ظلت تربت على ظهرها بحنو واجلستها بجوارها ترمقها بتفحص ثم دارت عينيها تطالع دلال هاتفة بقلق :
-حصل ايه تاني للبنت يا دلال، حياة مش هي حياة اللي اعرفها، مش الشيخ عبدالله طمنكم
لاحت شبح ابتسامة أعلى ثغر حياة وردت هي قائلة بكلمات مقتضبة لم يفهمها أحد منهما:
-ليتا الحزن الذي سكن القلب كان أصله تعويذة؛ قادرين على صرفه، يا ليتنا ظللنا أطفال نلهو ونمرح ولن نصل لكل ما وصلنا إليه الآن.
كلمات تقتلها هي من الداخل وجعلتهما تنسل من مقلتيهما الدموع حسرةً على ما تشعر به الفتاة التي انطفى بريق عينيها وحل محله وميض مخيف، جسد هزل وضعف ووهن روحها المعذبة، وهل يُعقل بأن السعادة تُبدل حياتهم بين عشية وضُحاها.
“حقًا مهما بلغت بك السعادة، فاعلم بأن السعادة لا تدوم، كم الحزن أيضا لم يدوم ”
❈-❈-❈
هاتفه وعلم بوجوده داخل الشركة وابلغ سليم سكرتيرته الخاصة بأن عندما يصل السيد فاروق تدعه يدلف مكتبه على الفور، وظل سليم قابعًا خلف مكتبه يعلم سبب الزيارة المتوقعة فهو لم يتفاجئ بخبر قدومه، كان يظن قدومه بين لحظة وأخرى منذ أن تركت حياة منزله بصحبة والدته وهو لم يعنيه الأمر شيئًا، يتمثل الجمود والبرود ولكن هذا أفضل بكثير من ان يضعهم في خطر جلي يلحق بهم أثر ما فعله والده بالماضي، فكم من روح فارقت جسد صاحبها برصاصة غدر من سلاح جلبه والده، جلب الموت والدمار والخراب لأهل بلدته، كم من روح لاقت حتفها غدرًا، كم من أسرة هُدمت وترملت نساءها وفقدت زهرة شبابها، كم من أم مكلومة بكت نحيبًا على فراق فلذة كبدها وزهرة عملها، كم من طفلا تيتم وخسر سنده وأمانه في الحياة، هذا حقًا هو عدل الله فيما اقترفه والده من سكف دماء وارواح الأبرياء، كما أيضا فعل بسرقة الأعضاء البشرية من فقير مكلوب غير قادر على الصراخ والمطالبة بحقه، كلما تذكر ما فعله والده تزرف عينيه دماء لا دمع، ينزف قلبه وجرحه غائرًا لم يشفى منه ولا يدمي ابدا مهما حيي وفعل لن يُكفر عن ما فعله والده، هذا القلب الذي ينبض بصدره ليس من حقه ان ينبض بسعادة وان يفرح ويُحب مثل باقي البشر وهو يُعاقب نفسه بذلك، ليس من حقه ان يعيش حياة سعيدة واخرين سُلب والده حقهم في العيش بسلام وأمان وحرمهم كل متع الحياة، يتقبل بعدها من أجل الثأر والانتقام من نفسه، لن يتحمل خسارتها يتحمل فراقها وبعدها خوفا منما لم يتحمل عليه قلبه بعد..
قلبه مُحطم مهشم ينتفض كالذبيح الذي ذُبح غدرًا على يد من ظنهم يومًا أقرب الناس إليه..
أخرجه من شرودة المعذب صوت طرقات أعلى باب مكتبه، تنهد بعمق ثم صوب أنظاره ناحية الباب وأذن بالدخول، لتدلف الفتاة وهي تتقدم بخطواتها ووالد زوجته يقف بجوارها قائلة بترحاب :
-أتفضل حضرتك، سليم بيه في انتظارك
نهض سليم عن مقعده وسار بخطوات واسعة وهو يمد يده لمصافحة :
-أهلا يا عمي، الشركة نورت
طالعه فاروق بنظرة عتاب فهمها سليم ثم رد على ترحيبه بفتور:
-منوره بصاحبها
ازدر ريقه بصعوبه وقال مشيرًا إليه بالجلوس:
-أتفضل ياعمي استريح، تحب تشرب ايه؟
خرجت منه تنهيدة حارقة وقال:
-اقعد يا بني، هم كلمتين اللي جاي فيهم مش محتاج أضايف
جلس سليم أعلى مقعده وطالعه باهتمام فهو يعلم بسبب الزيارة.
استطرد الاخير حديثه قائلا:
-من غير لف ولا دوران، انت عارف إن صريح معاك، وقت لم جيت تطلب مني ايد بنتي حياة؛ فاكر أنت أنا طلبت مهرها يكون أيه؟
ساد الصمت لدقيقة ثم عاد فاروق حديثه:
-لو ناسي هفكرك، قولت محتاج مهر بنتي السعادة والفرحة مش تفارقها، مطلوب منك ماتنزلش دمعة تكون أنت سببها
انسلت من عينيه دمعة خائنة واكمل كلماته بقلب منفطر:
-ليه يا بني مصونتش الأمانة اللي سلمتهالك وأنا على ثقة تامة انك هتحفظها وتحافظ عليها؟ هل بنتي قصرت في حقك؟ هل ذنب بنتي أن السحر صابها؟
دي كانت محنة وبلاء وكنت أولى الناس بالصبر على مراتك، تقف جنبها تدعمها في مصابها، خذلتها يا بني وجرحت كرامتها وكسرت قلبها ودوست عليه ولسه مكمل تدوس، أسمع يا سليم انا مش جاي ارخص من بنتي، أنا بنتي عندي ملكة واللي ما يقدرش يكون ليها ملك يبقى يسيبها ملكة متوجة في بيت ابوها وقلب ابوها اللي هيصونها ويساعها العمر كله

قاطعه سليم بخجل :
-يا عمي أنا مااقدرش أخذل حياة، كل ما في الأمر أن عاوز ابعدها عن البيت الفترة دي عشان سلامتها، اقسم لحضرتك إن في وضع صعب من يوم الحادث اللي حصل يوم عودتنا، عمي انا بعتذر لحضرتك بس مش هقدر أوضح اسباب أكتر من كده وده عشان سلامة حياة
قال بوجه محتقن مثل الدماء:
– تبعد مراتك عنك عشان سلامتها، باي حق تقول كده، بص يا بني زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف

-يعني اية؟

نهض فاروق عن مقعده استقام واقفًا ينظر له بجمود :
– تطلقها يا بني والجواب باين من عنوانه، أنت مش شريها، أنت من الاول كنت محتاج ممرضة معاك في مرضك وتتحمل تعبك، واخترت حياة عشان هي بنت أصول، بس وخلاص بقيت بسم الله ماشاء واقف على رجلك ورجعت زي الاول، مابقتش محتاج لممرضة، تسلم يا ابن الأصول، بنتي في بيتي ورقتها توصلها وانتهى الكلام ما بينا
غادر المكتب بلا غادر الشركة بأكملها بدماء تغلى في عروقه لم يتوقع منه الخذلان هو الآخر، لذلك بتر كلماته بقلب غاضب ملتاع على أبنته صغيرته الرقيقة كعصفور الكناري الذي كان يكسو منزلهم بذقذقته ونغماته التي تنشد بأرق الألحان، هكذا يكون مصيرها الا تستحق لـ حياة أن تعيش الحياة..؟

 

 

الفصل الثالث عشر
هبطت الطائرة القادمة من مدينة “نيويورك” التي كانت على متن رحلتها للقدوم إلى القاهرة من أجل الحفاظ على “سليم” و”عائلته بعدما اتتها أخبار باغتيالهم جميعًا دون شفقة أو رحمة.
كان في انتظارها إحدى الضباط لتلك المهام الخاصة في أستقبالها بعدما تواصلت بما عرفته مع الشرطة المصرية..
أنهت أجراءات خروجها من المطار بسلاسة ثم سحبت متعلقاتها وجرت العربة أمامها وهي تتلفت حولها تترقب المتواجدون داخل صالة المطار من خلف نظارتها السوداء التي تُغطي نصف وجهها.
تقدم الضابط من احد ضباط أمن المطار لكي يستعلم منه عن وصول الفتاة التي أتَ من أجلها، أشار إليه الاخير بوجود الفتاة.
تقدم بخطواته الواثقة وبنيان جسده العريض، فارع الطول، مفتول العضلات، بشرة قمحاوية وجبين عريض، يمتلك شعر أسود قصير ناعم أملس، يعقد حاجبيه الكثيفين ومقلتيه سوداويتين ذات اهداب طويله وانف مستقيم وشفتي واسعة يحاوطها شارب وذقن خفيفة تزيد من وقار طلته.
وقف في مقابلتها يطالع هيئة الفتاة من رأسها إلى اخمص قدميها، فقد كانت ترتدي حُلة سوداء أسفلها قميصًا أبيض بارز منحنيات صـ درها وملامح وجهها تتوارى خلف تلك النظارة التي وضعتها تحجب رؤيتها عن الجميع، وقف في حبور يهتف بأسمها باللغة الإنجليزية:
-كرستين..؟
نزعت عن وجهها النظارة السوداء لتظهر جمال عيونها الرمادي الممزوج بزرقة طفيفة كأنك بين السماء وسُحبها وبين البحر و ميائه الثائرة، وشعرها الأشقر يتطاير خلفها في تمرد كسلاسل ذهبية متشابكة وتحررت في عاصفة هوجاء، هبط بمقلتيه عند شفتيها المنتكزة كحبات التوت البري ووجنتيها يكسوها حمرة طفيفة برزت من بياض وجهها الناصع، ذات طول فاره بقوام ممشوق وساحر.
قطعت تطالعه وتحديقه وهي تهتف بلهجتها الجادة المقتضبة:
-رائد كرستين جابي
رفع كفه يصافحه في رزانة وهو يخبرها عن أسمه هو الآخر :
-رائد باسل سلامة، مرحبا بكِ في بلدك الثاني
تبسمت له في ود وأشار هو إليها بأن ترافقه ليغادرون المطار سويا متجهين إلى الفندق التي ستُقام به خلال فترة تواجدها بـ مصر ريثما تنهي المهمة السرية التي جاءت من أجلها..
❈-❈-❈
داخل شركة السعدني..
ظل سليم في حالة من الصدمة والذهول بعدما غادر والد حياة مكتبه، داخله يشتعل غضبًا بكل ما يمر به من أحداث تتصاعد وتتفاقم فوق رأسه، لم يعد قادرًا على تحمل كل هذا، هو أنسان من لحم ودم ومشاعر كيف يتعامل كونه من صخر وحجر؟ كيف يتحمل كل تراكمات الماضي التي أصبحت على كتفه؟ لو كان جبلا لانهار تمامًا، يتماسك رغم كل الصعوبات التي يواجهها، يبتعد من أجل الحفاظ على أرواح كل من يخصه، لم يعُد قادرًا على الصمود ولكن يحارب من اجلهم ليس من أجله ولو كلفه الأمر حياته سيدفعه ثمنًا للحفاظ على عائلته وحمايتهم من قيود الماضي التي تُقيده وتشل حركته.
اخرج المذكرات وبدأ في أكمال ما كان يقرءه
بعد مرض شقيقه وهو في عمر عام واحد ولم يجدو له علاجًا لهذا المرض، بدء معاناة توفيق، شعر بأنه سيخسر ابنه قطعة من روحه، تذكر تؤامه الراحل ورفض أن يكون مصير “أسر” مثل مصير شقيقه الراحل ووالدته التي لم تتحمل فراق طفلها ولحقت به، رأ الموت يحاوط بعائلته، قرر الهرب والفرار من هذه البلدة، شعر بأن رائحة الموت تلاحقه بهذا المكان والماضي يعود ولكن باختلاف الأشخاص، كان سليم في عمر السادسة وأخبر زوجته خديجة بضرورة السفر بالخارج من أجل البحث عن علاج لابنهم أسر، وافقته الرأي وعاد بهم إلى ألمانيا حيث بلدة والده وبلدته وموطنه الأصلي وعاد لعمله زعيم المافيا بعدما يأس من محاولات علاج ابنه التي كانت تفشل بالنهاية وعلم بأن الصرع لا علاج له وسيظل ملازم طفله إلى أن يتوارى جسده الثرى، سأم توفيق كل شيء وعاد البرود والجمود يسيطر عليه فرغم كل ما يملكه من أموال طائلة وأصبح من أغنى اغنياء العالم ولم يقدر على شفاء طفله، لا ثروة ولا مال يجدي نفعًا، لذلك انخرط بعالمه الخاص داخل المافيا وبدء في العمل على غسيل الأموال ولم يقتصر عمله في السلاح فقط، لا استغل كونه درس الطب وأسس مشفى بالقاهرة وبدءت تجارته في الأعضاء البشرية تحت مسمى آخر وهو سلب أعضاء أشخاص فقرًا لم يقدرون على المطالبة حقوقهم وهو أستغل فقرهم والعوز والاحتياج للمادة وبعد ذلك أستغل أيضا الجثث مجهولة الهوية من داخل المرشحة يتاجر بالموت أيضًا ويستخدم الأطفال الصغار في سحق جمجتهم في المواد المخدرة “الهيروين، الكوكاين” وغيرهم من المواد المُصنعة لاذهاب عقول الناس والسير معمين وراء هوس الإدمان وكلما كبر زادت تجارته في الأعمال المشبوهة وتوغلت أعمال المافيا داخل أوربا وخارجها وبدء شقيقه الغير شرعي يزداد في غيرته وحقده ويُريد الخلاص منه لكي يسيطر هو على كيان المافيا وياخذ الزعامة التي يستحقها فهو يرا انه الابن الأكبر وهو من يستحق كل هذا الذي بيد توفيق، لذلك قرر الخلاص منه وقتله في محاولات عدة وفي كل محاولة ينجي توفيق من براثن غدر شقيقه.
إلى أن جاء اليوم الذي علم به سليم بما يفعله والده من خلال شركة الاستراد والتصدير، وجهة يستغلها لاخفاء بعض الحقائق كما المشفى أيضًا ستار يواري خلفه الكثير من الأعمال التي لم يصدقها بشر، فهذه المشفى بها العديد من المخالفات الغير قانونية وغير مسموح بممارستها، ورغم كونه مشفى الشفاء الاناس الا انه هذا المشفى تحديدًا يذهب بهم للاخرة، يسلب روحهم بدلا من معالجته.
وبعد صدمة سليم في والده تبدل كل شيء داخله منذ تلك اللحظة كما حدث الحادث المروع لسليم وانقلب سيارته للخلاص منه وعلم توفيق من الفاعل الحقيقي وراء حادثة ابنه ومن هنا ثار غضبه وقرر السفر ومواجهة شقيقه جاكوب..
كان توفيق ينتظر قدومه داخل القصر المهجور الخاص بوالدهم ألبرت، وابلغه بضرورة الحضور، وعندما اتَ جاكوب، أستقبله توفيق بنظرات حانكة غاضبة ووجه له اتهامًا صريحًا بأنه وراء ما حدث لابنه سليم
-جاكوب.. أنت من فعلها؟
نظر له الاخير بجمود وقال:
-ماذا فعلت؟ لم أفهم ما تقصده يا اخي الحبيب
صرخ منفعلا وهو يمسك بتلابيب قميصه وهتف بغضب جامح:
-كيف سولت لك نفسك بالخلاص من ابني؟ كنت أعلم بمدا حقدك وغيرتك عليَّ منذ أن أصبحت مكان أبي
طفح الكيل وثار غضبه الذي كبته داخله لاعوام وأعوام مضت منذ أن كان جنينًا برحم امه وهو منبوذًا من والده الذي رفض الاعتراف بوجوده ومن نظرات الجميع عندما كبر وعلم بأنه طفل غير شرعي وزرعت والدته داخله حب الانتقام والفوز بكل ما يستحقه من ثروة ألبرت فهو ابنه ويستحق أن ينعم في معيشة الأثرياء، تربى على الحرمان والسخظ وذلك ولد داخله الشعور بالسخط والنقم على كل من حوله وبالاخص شقيقه توفيق الذي اخذ مكانه في كل شيء حتى في قلب ابيه وعندما قرر الخلاص منه والده هو الذي لاق حتفه وتوفي بسبب السُم الذي دسه جاكوب في طعام شقيقه وكأن والده كان يعلم بما فعله لذلك فضل الموت على أن يفقد ابنه المُطيع وزعيم المُستقبل ليكمل مسيرته..
-فعلتها توفيق ولو عاد بي الزمن لن أتردد لحظة واحدة في ابعادك عن طريقي وابعاد ولدك الذي تنوي أن يكون بديلا لك، لقد سأمت هذا الوضع الظالم، يكفي ما حدث لي بالماضي وكل ذلك بسببك أنت، ألبرت قاسي القلب متحجر المشاعر رفض الإعتراف بأبوته وعشت مثل السكعين دون عائلة، العالم أجمع ينفر من وجودي، عشت مثل اللقيط والمتسولين الذين لا مأوى لهم وأن ابن عائلة مارتن، هل ذقت ما ذقته أنا على مدار خمسون عامًا، لا بل عشت في بزخًا ورخاءً ومن أثرياء العالم وأنا ظللت حُسالة المجتمع.
“الرضا بالقدر أمر عظيم للغاية، يجنب الإنسان الألم والقنوت، فالله يحب عباده الذين يرضوا بقضائه وقدره، فكل أقدار الله جميلة”
لكمة قوية فعلها توفيق غاضبًا بسبب ثورة شقيقه الذي اندلع كالبركان وانفجر بوجهه وارتد جاكوب للخلف وهو يطالعه بعينين يكسوها الألم ولكن مُحتفظًا بوجهه القاسي الغاضب مثل الجليد الذي لا يذوب مهما فعل به.
ليقول الاخير بوعيد :
-إياك والاقتراب من أحد ابنائي، لن أرحمك جاكوب وهذا تحذيرًا لك من أجل روح أبي فقط وأقسم لك إذا لم يمر الأمر بسلام ويتعافى سليم من الحادث سريعًا، سوف تدفع الثمن غاليًا وساقضي عليك ولن تدخل بعد اليوم في كل ما يخص المافيا، هذا الكيان الذي اسسه ابي لن ادعك تنعم بنفوذه وستتجرد من كامل سلطتك.
بتر كلماته الأخيرة بغضب وترك له القصر وغادر بخطوات واثقة ولكن داخله نيران مُقدة تهدد بالاندلاع في أي لحظة ليحرق الأخضر واليابس وتصبح الأرض التي يسير عليها كومة رماد، فهو لن يتهاون في حياة أبنائه واقسم على الحرب بينه هو شقيقه.
أغلق سليم دفتر المذكرات وتنهد بغضب وهو يحدث نفسه قائلا:
-عمي هو سبب حادثتي، بس هو فين دلوقتي؟ أنت قربت أوي يا سليم، قربت اوصل لمين هو الزعيم دلوقتي…
اتاه اتصالا أخرجه من شروده، التقط هاتفه من أعلى المكتب ثم نظر لشاشته التي تضيء برنين ولا يوجد رقم، ضيق عينيه بتمعن ثم ضغط الشاشة بطرف أنامله للإجابة، عندما فتح المكالمة استمع للكنتها التي يعلمها وهي تهتف قائلة:
-كيف حالك عزيزي؟
رفع حاجبيه بدهشة ورد قائلا :
-كرستين.. أين أنتِ الآن؟
-هل هذا ردًا عزيزي سليم؟، أشتقت لك يا رجُل
زفر انفاسًا حارقة وخرج صوته مخنوقًا :
-لستُ بخير كرست
-على علم بما يدور حولك وسوف التقي بك بعد ساعة من الأن
قاطعها فلهفة:
-هل أنتِ هُنا بـ مصر؟
-نعم يا عزيزي اتيت من أجلك، عندما نلتقي ساعلمك بكل شيء، سوف أرسل لك عنوان الفندق
إلى اللقاء
اغلقت الهاتف ثم اراحت جسدها أعلى الفراش داخل غرفتها بالفندق وظلت تحدق في سقف الغرفة تُفكر فيما وضعته من خطة بمساعده سليم للايقاع بالزعيم والقضاء على مافيا السلاح وتجارة الأعضاء من جذورهم..
❈-❈-❈
داخل منزل الجدة “سناء”
كانت حياة صامتة تمامًا لا تتحدث ولم تستمع للحديث الذي يدور بين والدتها والجدة سناء، فجأة اغمضت عينيها لثواني معدودة ثم فتحتهما على اتساع وهي تهتف قائلة بصوت خافت تردد أسم زوجها، ثم نهضت فجأة ونظرت لوالدتها قائلة :
-هنزل اتمشى شويا
وسارت مغادرة المنزل كالمغيبة لن تستمع لمناداة والدتها، غادرت البناية وهي تتذكر لمحات من الماضٍ، قادتها قدميها سيرًا إلى ذلك الشارع الجانبي الذي تم خطفها مسبقًا في هذا الشارع، كأنها تحاول أسترجاع تلك الذكرى لفهم ما يدور بخلد زوجها الان وما فعله بها من قبل.
أما عن الضابط “زين” عندما لمحها تغادر البناية وحدها، اسرع في خطواته ولحق بها، سار على بعد أمتار منها، وولج خلفها داخل الشارع الجانبي الذي ولجت منه قبله وهي تتلفت حولها كأنها تبحث عن شيء مفقود منها، ثم تسمرت مكانها بمنتصف الشارع.
انتابه القلق بسبب تلك الأفعال الغير متزنة فقرر أن يهاتف الضابط “ريان” ليعلمه الخبر وبماذا عليه التصرف الان يبدو أنها بحالة غير واعية.
أخرج الجهاز اللاسلكي وارسل إشارة للأخير واخبره بما يراءه أمام عينه، طلب منه ريان ان ينتظر ويراقب من بعيد وهو سيعلم زوجها بالأمر قبل أن يظهر أحدا منهما في الصورة.

بينما كان سليم يغادر الشركة متوجهًا إلى سيارته لكي يذهب إلى الفندق لكي يلتقي بـ “كرستين”
صدح رنين هاتفه ليجبه على الفور بعدما نظر لشاشته وتبين أن المتصل ضابط الحراسة الخاصة، أجابه بصوت قلق :
-في حاجة حصلت يا حضرة الظابط
طمئنه بأن الأمن داخل الفيلا على أكمل الوجه ولم يجد شيئًا يدعي للخوف ولكن على الصعيد الآخر عند منزل زوجته حياة، غادرة المنزل مع والدتها لعنوان منزلا اخر أعلمه اياه ثم غادرت زوجته وحدها وذهبت سيرا على الأقدام إلى شارع جانبي يقبع على بعد امتارًا من البناية وهي واقفة الان مكانها وكأنها تبحث عن شيء فقدته.
أغلق سليم الهاتف واستقل سيارته يقودها بسرعة جنونية، يشق طريقه في الذهاب إلى حبيبته التي خذلها وهي لا تستحق منه ذلك، ظل يضرب على مكبح السيارة بغضب وانفعال وهو يسب ويلعن نفسه فيما هو سببه لحوريته الجميلة الرقيقة التي لا تتحمل كل ما يحدث لها، ولن يجعل والدها ينفذ رغبته فهو لا يُريد من الدنيا سواها، سوف يضرب كل شيء بعرض الحائط لقد سأم كل ما يكبله ويقيده بهذا الشكل، سوف ينزع القيود والسلاسل الحديدية الملتفة حول عُنقه ام أن يتحرر منها او يتركها تخنقه وتزهق بروحه ولكن لن يتخلى عن محبوبته زوجته ومعشوقته، وعليه الا ان يواجه حربه الشرسة وكل أحبابه جانبه ليستمد منهما قوته أو يخسر الحرب وحيدًا ويخسر كل من حوله، لن يجعل الماضٍ يتغلب على حاضره ويخسره مستقبله وسعادته، قرر ان يصارح الجميع بما أخفاه عنهما فهو لم يعد قادرًا على التحمل أكثر من ذلك وعندما أراد أن يوقف السيارة ويترجل منها ليلحق بـ حياة وجد الفرامل مُعطلة، حاول مرارا وتكرارا ان يسيطر على سيارته ويصفها جانبًا ولكن كل محاولته أبت بالفشل، هل يعقل بأن تكون تلك هي النهاية؟
نهاية لكل شيء؟ هل سـ يستسلم لمصيره المحتم الان وتلك هي نهايته بكل هذه البساطة، نفس الحادث سيتكرر معه مُصرين على قتله وأخفاء جرائمهم؟ تسأل لثواني داخله ماذا عليه أن يفعل وبمن يريد أن يودعه في هذا الوقت العصيب الذي يمر به؟ هل هذا اختبار أخر للقدر على قوة تحمله أم عقابًا على أخطاء الماضي الذي لا ذنب له فيها؟..
“اليأس من الأمور الصعبة التي تواجهنا في حياتنا ويجب علينا تخطيها و عدم الاستسلام لها بكل ما نستطيع لكي تتدمر حياتنا”

القدر والنصيب هي أمور تحرك الأشخاص إلى فعل أشياء ربما لا يرغبوها، ولكنها دائماً محملة بالخير وبداخلها خير كثير للناس، بينما هناك من يلصق أفعاله بالقدر والأقدار بريئة من ذلك تماما.

الفصل الرابع عشر

كانت تسير مسلوبة الإرادة لا ترى إلا تفاصيل كل ما عاشته سابقًا،ارتجف جـ سدها عندما صدح بواق سيارة تأتي مسرعًا لكي تجعلها تخرج عن شرودها وتبتعد من منتصف الطريق، جلست على الرصيف الجانبي للشارع ووضعت كفها الأيمن أعلى وجنتها اليمنى في يأس وعيون تلمع بالدموع التي أسدلتها بسبب لمحات تلاحقها في صحوها ومنامها، تكاد تأخذها لنوبة جنون وتسلب عقلها.
وزين واقفًا يتابعها خلسة في صمت، ينتظر قدوم زوجها..

“يفنى الزمان، وأنا على عهدك باقٍ، ولو قاسيت كلّ الهوان، أصبوا إليكِ كلّما بَرق سري أو ناح طير الأيك في الأغصان، أعلّل قلبي في الغرام وأكتم، وكنت قبلك خالياً لا أعرف الهوى، رأيتك فأصبحت حيًا، والفؤاد متيّمُ”

أما عن سليم فقد كان في وضع لا يُحسد عليه؛ يشعر بالعجز وهو داخل سيارته لم يستطع التحكم بها لكي تقف تمامًا، شرد عدة ثواني يستجمع بها شتات نفسه ليقوده تفكيره في الاتصال بـ ريان الذي اجابه على الفور، لتجحظ عين الاخير في صدمة بعدما سرد له “سليم” المأذر الذي هو فيه الآن، ويبدو بأن فرامل السيارة لا يعمل وهذه ليست بصدفة أنما هي بفعل فاعل والفاعل ليس إلا المافيا التي تحاول الخلاص منه.
أنطلق ريان يستقل سيارته ويلحق به في سرعة جنونية وهو يهتف قائلا عليها أن يتحكم في توتره ولا يخشى القادم ويجب أن يتبع تعليماته وأنه يقود سيارته في طريق خاوي من المارة، استطاع سليم التماسك وانطلق يكمل قيادة سيارته متوجهًا بها إلى الطريق الصحراوي ينفذ ما قاله ريان، لعله ينقذ نفسه من الهلاك المحاط به فحياته الان في خطر وليست حياته فقط، فأذا حدث شيء له ستنتهي العائلة وتنهار واحدًا تلو الآخر، لذلك عليه الصمود.
ازدر ريقه وحبات العرق تتساقط من جبينه بتوتر حاول كبح ما يشعر به ورأ لمحات تميض بعقله منذ أن التقى بـ حياة وكيف كانت فتاة قوية جادة وعندما صرح له بحبه وبكل ما دفنه في حياته من أسرار اباح لها هي وحدها، لاحت ابتسامة طفيفة أعلى ثغره وهو يتذكر اليوم ذاك وكيف نمى بينهما الحب الخفي الذي كان يغفلان عنه، تشبث بعجلة القيادة وسلك الطريق الخاوي ليجد سيارة تأتي بسرعة فائقة تلحق به علم بأنها خاصة بـ الضابط ريان، تخطاه بسبب سرعته ويريد ان يصطدم به لكي تقف سيارة سليم وظل يحاول من الجهة الأخرى وهو يصرخ على سليم بأن يترك قدمة من أعلى الفرامل لكي تهدأ سرعة السيارة ويحاول الاصطدام ان يوقفها دون أن تنقلب وينتهي كل شيء
كان سليم بعالم أخر لا يرا الا وجه حياة ووجه والدته وشقيقه وهم ينظرون له والدموع تنسال من عيونهم ويسمع صوت صراخاتهم تنادي بأسمه.
همس بصوت عالٍ والدموع تنهمر على وجنتيه دون توقف يناجي ربه ويصرخ بأعلى طبقات صوته المبحوح :
-يـاااا رب، ياااارب لسانه لم يكف عن المُناجاه التضرع، يطلب العون والمدد من الله سبحانه وتعالى، الذي لا يغفل ولا ينام عن عباده، الرحيم بنا العطوف الجليل بعظمته تتفتح كل الدروب المغلقة، بقوته وجلال وجهه الكريم، العالم بعباده، القريب فهو أقرب إلينا من حبل الوريد.
ظل يحارب ريان في الاصطدام ويعافر بجنون إلى أن توقفت سيارة سليم فجأة، ترجل ريان من سيارته بخطوات راكضة، فتح الباب ليخرج سليم من سيارته التي على وشك الانفجار
وركض به ليعود إلى سيارته، اجلس سليم الذي كان لا يشعر بكل من حوله وكأنه مغيب تمامًا عن الواقع واستقل ريان خلف الوقود ليعود بسيارته للخلف ويبتعد عن سيارة سليم الذي أحدثث انفجارًا مروعًا واحترق كل شيء في ثواني معدودة..
تنفس ريان الصعداء ونظر لسليم بلهفة متسألا :
-أنت كويس؟
طالعه سليم بنظرات غامضة وهز رأسه في إيماءة خفيفة
عاد ريان يردف قائلا:
-تحب نطلع على المستشفى نطمن عليك
أجابه سليم بهدوء :
-لا أنا كويس، أطلع على مكان حياة
هاتف زين وهو في طريقه اليهم ليخبره الأخير انها ما زالت جالسة على رصيف الطريق وهو يتابعها في خلسة.
صدح رنين هاتفه من داخل سترته ولكنه رفض ان يكترث له ويجيب على الاتصالات، لا يفكر إلا بمحبوبته فقط، الحياة الغائبة عن حياته منذ أن تركت منزله وأحاط به البرودة والطقيع، يود أن يرتوي من دفء مشاعرها وأن تضمه بين ذراعيها الصغيرتين لتبعث الراحة والهدوء داخله، تحتويه بمقلتيها النضرة وتغدقه من عبير روحها، فهو مشتاق للمستها الساحرة التي تبث له الأمان، فرغم كونه الشاب الثلاثيني الجبل الذي لا يهتز مهما أهتزت الأرض من حوله، القوة الصامدة على مواجهة الصعاب والمشقات وحده، إلا أنه بحاجة لروحها التي تسكنه، قطعة من قلبه وروحه مُعلقة بروحها، نصفه الآخر، عالمه الأمن الذي لا يريد أن يبتعد عنه، حصونه المنيعة، لن يسمح لتلك الشروخ أن تحدث فجوة بينهم وتقضي عليهم، سيلملم جروحها بروحه ويخفي الندوب الذي سببها إياها، لن يترك الماضي بأن يتحكم في حاضره ومستقبله لن يدع الماضي أن ينتصر عليه.
❈-❈-❈
و إن سألوكَ عَن عِشق الروُح قُل :
أن تَشعر … أنكَ تتنفسهُ و أنتَ لا تراهُ
و أن تراهُ … و أنت بعيدًا جدًا عنهُ
أن تَغمركَ رائحةُ عطرهُ … و هو ليسَ بقربِكَ
أن تَشعر … بدفئ ذراعيه كُلما زاد شوقكَ لهُ
أن تَختلط … روحكَ بروحهِ كُلما هبَ نسيمُ عشقهُ
أن تَشعر … بخفقانِ قلبهُ دونَ أن تلمسُ يَديهِ
فَـمن يتقنُ … إحتواءَ الروُح
يَبقى … بالروحِ حاضرًا في عز الغياب..

غمرها الحنين لضمته الحانية، أشتمت رائحة عطره وازدادت نبضات قلبها، أشتاقت الروح لمن يهواها.
تقدم هو بخطوات متلهفة وخفقان قلبه تزداد تضرب صدره بصخب، يكاد قلبه يخرج من بين أضلعه ليتحرر ويلتقي بمن عشقه.
دنا منها وجلس على ركبتيه أمامها، أصبح قريبًا منها وركبتيه ملتصقه بركبتيها وعينيه تطالع عينيها بشغف واحتواء، كان العيون تتعانق مثل الأرواح في نظرات صامتة أغلب من أي حديث يقال وذراعيه تطوقها كأنما يطوق الأزهار رائحته الملاصقه لارواقها في عبيرها الفواح، لم تصدق حياة أنها داخل احضانه تشتم رائحته يغدقها من بلسم روحه، يروي ظمأ غيابه وبعده عنها تلك الليالي التي قضتهم بائسة بين جدران غرفتها، حبيسة شريدة تنتظر فارسها الذي يُحررها من القيود والاغلال المكبلة بايديها وارجلها، تعانقت أرواحهم في عناق حار، الصمت هو السائد بينهما ونبضات قلبهم في تسارع، تكاد القلوب تخرج من محاجرها للتتعانق هي الأخرى، حملها بين ذراعيه وأستقامت معه، لا يريد افلاتها بعدما غمره الشوق والحنين إليها، يُريد أن ينتهي العالم الان فيكفي انه جانبها الان وحصل عليها ولن يبعدها عنه مهما حدث فيكفي ما صار لكلاهما في بعدهما عن نصفه الآخر..

ترك لهم ريان سيارته وظل يتحدث مع زين قليلا ثم عاد أدراجه إلى موقعه حيث كان داخل فيلا سليم السعدني لتولي أمر التأمين المُشدد على مداخل ومخارج الفيلا وأصدر تعليماته الحاسمة لرجال الأمن لكي لا يتغافل أحد منهم عن عمله، فبعد محاولة قتل سليم تلك المرة الثانية على التوالي في غضون شهرًا ليس بهين، كما أنه زف الخبر للضابط حمزة وتوجهًا حمزة على الفور إلى مصرح حريق السيارة وابلغ الشرطة والبحث الجنائي لاخراح تقرير فحص السيارة وبد العمل على قدم وساق من أجل مهمة سلامة عائلة السعدني الخطر أصبح محيط بهم من كل جانب ..

❈-❈-❈
كان يقود سيارة ريان وهي متشبثه بذراعه وهو يلف بذراعه الأيمن حولها يقربها منه يضمها وباليد الآخر يتحكم في عجلة القيادة، كان يقود بهدوء وتريس وقرر الاختلاء بها داخل الفيلا المهجورة التي شهدت على لحظات هامة وقاسية بحياة كل منهما، فقد كانت بداية الشرارة أندلعت من هذه الفيلا المهجورة.
وصلا لوجهته وصفا السيارة أمام الباب الحديدي وساعد حياة على الترجل هي الأخرى وظل محاوطها بدفء ذراعه وهي تسير جانبه لم تصدق نفسها بأنها أصبحت قريبة منه وعادت لمكانها حيث قلبه من جديد، تشعر بأنها داخل حلمًا من أحلامها الأخيرة التي تراودها منذ أن ابتعدت عنه او شعرت بتخاذله والتخلي عنها وهي لم تتحمل ذاك البعد القاسي المُحطم لقلوبهم فهي على علم بأنه لا زال يُحبها بلا يعشقها كما تعشقه هي ولامست ذلك وشعرت به في وجوده جانبها وفيما تعرضًا لهما في نيويورك عندما احترق المنزل وكان يود التضحية بحياته من أجل أنقاذ روحها فقط.
ارتجفت داخل صدره لتلك الذكرى الاليمة التي لن تنسى، شدد سليم في عناقها وضمها إليه لكي تسري القشعريرة في جـ سدها أثر أحتواءه لها وتملكه لمحاوطتها وهمس بجانب أذنها معتذرًا عن ما صدر منه وانه كان سببًا لحزنها ولهطول دموعها في بعده عنها.
وهي تتشبث به أكثر تخشى فراقه فهي تتحمل أي ألم يحتاج جـ سدها إلا ألم الفراق لم تقدر على تحمله.
ابعدها عن أحضانه وطالع عيناها بحب وقال :
-أنا أسف يا حياتي، أسف في أي ألم سببته ليكي، صدقيني يا حياة غصب عني، كنت في ضغط أقوى مني ومنك، بين نارين يا حبيبتي، نار فراقك وبعدك عني ونار حمايتك حتى مني
طالعته بدهشه وضيقت جبينها وهي تقاطعه قائلة:
-حمايتي منك أنت يا سليم؟ أنت أماني لا يمكن أصدق إنك تأذيني او توجعني ببعدك عني
وضع كفه على شفتيها المنتكزة الناطقه بلهفة حبه وقال:
-غصب عني كنت فاكر في بعدك عني امان اكتر ليكي، لكن اكتشفت ان ده أكبر عذاب ليا وليكي، تعالي معايا
سحبها من يدها توجهًا بها إلى حيث السرداب ورفع الغطاء الحديدي وهبط هو دراجات السلم الداخلي لتجويف السرداب من الداخل والتقط كفها لكي تتبع خطواته، قرر الإفصاح عن كل شيء، سوف يتحرر الان من خوفه وقيود الماضي لا محال من اخفائه فهو بشر ليس بجبل من حجر، هو أنسان من لحم ودم ومشاعر ويكفي كل ما عاناه فهو لا يمتلك الا حياة واحدة لكي يعيشها كما ينبغي له هو، يُريد العيش في هناء وسعادة وراحة بال مع من يُحب، يُريد العيش باستقرار وأن ينجب من الأطفال الكثير لكي يشعر بالسعادة الحقيقيه وهو يبني داخلهم الحب والرحمة ويزرع فيهم التربية السليمة والأخلاق الحميدة، لديه أحلام كثيرة يتمنى تحقيقها مع من اختارها قلبه لتصبح زوجته وأما لاطفاله ولن يدع الماضي يهزم كل هذا في مهب الريح..
❈-❈-❈
بمكان اخر داخل قصر الكابو..

شاعت الاخبار وانتقل خبر حريق سيارة سليم السعدني وهو داخلها، انتشله ذاك الخبر المفرح بالنسبة إليه عندما وقف أحدى رجاله ينحني برأسه أمامه يقدم له التحية ويطلعه على الخبر الذي وهج قلبه فرحًا وقرع قلبه كالطبول، الان تخلص من عقبة وجود سليم في طريقه، نِقلت له خبر تم اغتياله ومات حرقًا داخل سيارته.
كركر الزعيم ضاحكًا يشعر بفرحة عارمة لم يذقها من قبل وتجرع كأس الخمر جرعة واحدة بتلذذ وأنتشاء وقال بلكنته الألمانية :
-لقد حققت الانتصار الحقيقي جاكوب، أخذت بثأري وسوف أقضي على عائلة توفيق واحدًا تلو الآخر..

❈-❈-❈

أما عن كرستين داخل الفندق بالقاهرة.
انتفضت من نومها على صوت رنين هاتفها المتواصل، ظنت بأن سليم قد وصلا إليها وينتظرها داخل مطعم الفندق ولكن عندما نظرت لشاشة هاتفها، فتحت عيناها باتساع وأجابت على الفور بلهفة، يبدو بأن الطرف الآخر يُريد أخبارها معلومة هامة
فتحت المكالمة بينهما لتصعق حواسها منما سمعت لتو، نقل لها الشاب بأسى خبر مقتل سليم داخل سيارته حرقًا بفعل أحدى رجال المافيا المتواجدين بالقاهرة.
صرخت بعدم تصديق :
-هذا خطأ.. لابد وأنك مُخطىء
عاد يردد على مسامعه ما علمه وأغلق الخط لكي لا ينفضح أمره، اما عنها فقد شلت الصدمة حواسها والقت الهاتف بغضب وهي تصرخ بانفعال :
-تبًا لذلك… اللعنة عليكم جميعًا، لن ارحمكم لن أتهاون مهما كلفني الأمر حياتي..

بعد لحظات حاولت السيطرة على نوبة الغضب والحزن العميق الذي ولج لقلبها بسبب خسارتها شابًا گـ سليم

تذكرت منذ أن ألتقت به عن طريق الشرطة الفيدرالية بسبب تلك القضية الخاصة بايقاع المافيا العالمية وقد كان ذلك قبل خمسة أعوام ونشبت بينهما علاقة صداقة قوية بينها وبين الشاب المصري الوسيم الذي عاملها وكأنها شقيقته كلما حدث شيئًا بحياتها الخاصة كانت تلجأ له، دعمها في أصعب الأوقات التي مرت بها، كانت تراه والدها ليس صديقها وحسب، انهمرت دموعها بحرقة على خسارتها لوالدها الثاني، رجلا تتمناه أي فتاة، من الصعب أن تتقبل خسارته بهذا الشكل.

اتاها اتصالا من باسل، ظل يصدح رنين الهاتف داخل الغرفة دون توقف ودون ردًا منها.
انتاب الاخير القلق فقد كان ينتظرها حسب الموعد المحدد بينهما وحاول الاتصال مرارًا وتكرارًا ولم تجيبه، نفذ صبره وتوجها إلى استقبال الفندق تحدث مع الموظف وعلم بأنها داخل غرفتها لم تفارقها منذ لحظة وصولها، قرر باسل التوجه إلى غرفتها وهو يتأفاف بضجر بسبب عدم الالتزام بموعدها وهذا ما يضيق زرعه لا يفضل الأشخاص المهملين وعدم الاكتراث بمواعيدهم.
وقف عند باب غرفتها يزفر أنفاسه بضيق ثم رفع كف يده وطرق بابها بغيظ عدة مرات متتالية.
ظل واقفًا بعد أن أستشاظ غضبًا محتدًا بسبب فعلتها تلك وعندما هم بالسير في خطواته لكي يبتعد عن الغرفة وعن الفندق بأكمله وهو يحدث نفسه بضيق :
-من أول ما شوفتها وأنا نظرتي ما تغيرتش، بقى هي دي اللي جاية تساعدنا في مهمة سرية دي لا تصلح لاي شيء غير انها تكون
ابتلع كلمته الأخيرة وخجل الإفصاح عنها لينفتح فجأة باب الغرفة وطلت منه الحسناء الشقراء ولكن بعيون محتقنة بالدماء ووجهه شاحب تنسال على صفيحته الدموع التي تُغرقه، تفحص هيئتها بقلق واقترب منها متسألا بلهفة:
-ماذا حدث؟ هل أنتِ بخير؟
طالعته بنظرة حزينة غير النظرة القوية التي رأها عندما أستقبلها في المطار، تلك النظرة حزينة، ضعيفة، واهنة، يهتز لها القلب قلقًا على حالها
عاد يتسأل بقلق أكبر وهو يمسك بكتفيها :
-أخبريني كرستين ماذا حدث لكِ؟
قالت بصوت خافت وهي ترتمي داخل أحضانه تحت نظراته المندهشة الصادمة:
-سليم السعدني لاق مصرعه داخل سيارته حرفًا…

 

 

الفصل الخامس عشر

عندما أسدل الليل ستائره عاد خلسة لمنزله قبل أن يشعر به أحد، دخل المرحاض مسرعًا لينعش جسده الذي يرتجف خوفًا مما فعل وتسبب في كارثة، فلا يعلم كيف طاوعته نفسه واقدم على تلك الفعلة، حاول السيطرة على انفعالاته لكي لا ينفضح أمره.

شعر والده بعودته فهو يعلم بأنه يخفي عليه شيء ما ويخاف أن يعرض نفسه للخطر، لذلك قرر الحديث معه ومعرفة سبب توتره هذه الأيام.
عندئذ غادر المرحاض وهو يلف جسده بالمنشفة ليجد والده في انتظاره، ارتدا خطوة للخلف أثر دهشته بوجود والده.
بتر والده كلمات مقتضبه بها نبرة لوم وعتاب :
-مخبي عليه أيه يا ماهر؟ في أيه بتعمله من ورايا عرفني يا بني؟
أعطاه ظهره وهتف غاضبًا :
-ايه يا بابا شغل المخبرين، محسسني ان مجرم وبيتحقق معايا
عاد رفعت يهتف بحنق وفطنة:
-وأنا مش عيل صغير هصدق الكلمتين دول، انت عارفني لا بحب اللف ولا الدوران يا ماهر ولم أقول مخبي عني حاجة يبقى فعلا مخبي وأنا اعرفك من عنيك وانت وضعك اليومين دول مش مريحني، قولي في ايه يمكن اقدر أساعدك
توجهًا إلى خزانة ملابسه وقال بتأفف :
-وأنا معنديش أسرار يا حج ومش عامل عمله عشان اتحاسب بالشكل ده
ثم استطرد قائلا بانفعال لكي يداري جريمته:
-ولو وجودي في البيت ده مضايقك أنا ممكن أسبهولك عادي
قاطعه بحزن وهو يغادر الغرفة وعيناه قد كساهما الحزن:
-أنا يا بني ده جزاتي، ربنا يسامحك، ربنا وحده اللي يعلم قد ايه قلبي موجوع عليك وخايف تمشي في طريق مافيش منه رجوع.
-لا اطمن ابنك مش صغير وعارف مصلحته كويس أوي
ترك الغرفة بحزن دفين على ضياع حاله وتبديله بهذا الشكل، بعدما ساوره الشك من قبل أصبح الان على يقين بأنه يخفي عليه شيئًا ولكن لازال غافلا عن ما يفعله ابنه من خلف ظهره…
❈-❈-❈
انتاب القلق والخوف اوصالها عندما عادت للمنزلها ولم تجد ابنتها، ظل فاروق يهتف صائحًا بغضب على زوجته، كيف تسمح لها بالسير وحدها وهي بتلك الحالة التي عليها ابنته.
ودلال تزرف الدمع بسبب غياب حياة وتلوم نفسها فهي من سمحت لها بالذهاب دون أن تلحق بها او تمنعها المغادرة، ولكن كل ذلك حدث في ثواني معدودة دون أن تعترض طريقها..

بينما حياة في ذلك الوقت جالسة بجانب سليم في حالة من الصدمة والذهول اجتاحتها بعدما رأت السرداب وقص عليها زوجها ما قراءهُ داخل المذكرات الخاصة بوالده، ولذلك كان صامتًا ويتحمل كل هذه الصعاب وحده، يخشى على حياة الجميع ولذلك استعان بحراسة مُشددة لكي يتواخى الحذر من غدر المافيا، كما أنه أخبرها بما حدث له قبل سويعات وهذه الحادث بالفعل مُدبرة، أحتضنته بقوة ورفضت الابتعاد عنه كلما خال لها بأن يبتعد عنها او يتفرقا ترفض ذلك وتتقلص داخل صدره رافضة تمامًا التحرر من أحضانه الدافئة وهو أيضا متشبثًا بها، لا يعلم من الذي بحاجة لعناق الآخر، كل ما يعرفه حقًا هو أن يظل جوارها ولن يتخلى عنها مهما كلفه الأمر حياته فلا حياة له بدونها..
نامت تلك الليلة نومة هادئة بأحضان زوجها الحبيب، دون كوابيس أو أضغاث أحلام تراودها بسبب خوفها من المجهول، هذا هو أمانها الحقيقي التي كانت بحاجة قصوى إليه.
عندئذ شعر سليم بارتخاء جسدها فعلم أنها ذهبت في نوم عميق فهو يعلم زوجته حق المعرفة أنها في الليالي الماضية لم تذق عينيها طعم الراحة ولا النوم، مدد جـ سدها برفق أعلى الاريكة واراح جـ سده بجوارها وهو ممسك بها ولازال محتضنًا أياها ووضع رأسها أعلى صدره بجوار قلبه النابض بحُبها الذي لا يهدأ إلا بقرب محبوبته معشوقته.
همس بصوت حاني بجانب أذنها “حبيبتي لكي مني رسالة حب وعشق؛ تعلمت بقربك كيف يكون العشق وكيف أُسطر الهمسات تعلمت كيف أُغازل المعنى وكيف أصنع من الحروف كلمات تعلمت كيف اعيش في سماءكِ وكيف اقطف منها النجمات تعلمت كيف اعشق قلبك يا أرق وأحلى الملكات أحبك أعشقك يا من سكنت الرواح وداوت جراح القلب من ندوب الماضي ”
ثم وضع قبلة رقيقة أعلى وجنتها واغمض عينيه هو الآخر ليذهب في نوم عميق خالي من شوائب الماضي وقيوده التي تلاحقه، خضع عقله الآن لسكونه التام.
لحظات سُرقت من الزمن لن تتكرر أبدا، فكل منهما حصل على مرساه وملاذه، توحدت الاجـ ساد كما توحدت القلوب من قبل.
تألفت القلوب وتعانقت في لوحة فنية بديعة، لوحة نُقشت ورُسمت ملامحها مع وجود الحب الخالد، الحب الذي ظهر في ظروف غامضة ولم يتبخر مهما عصفت به الرياح هُنا وهُناك، بلا ظل صامدًا كـ الجبل العتيق الذي لا يتزحزح عن موضعه مهما حدثت من انفجارات براكين ثابت لا يتغير مهما تغير المناخ حوله وحدثت ظواهر خفية يظل شامخًا صلبًا كما هو..

❈-❈-❈
داخل منزل فارق.
هاتف فاروق سراج واخبره باختفاء حياة، وبعدما أغلق سراج الهاتف معه، حاول الاتصال بـ سليم الذي استيقظ من نومه على رنة هاتفه وأجاب عليه، قص عليه الاخير ما حدث لزوجته، تبسم سليم واخبره بأن حياة معه الان وعليه أن يطمئن والديها، ثم أغلق الهاتف نهائيًا دون الإفصاح عن تفاصيل أكثر، نقل سراج الخبر لوالد حياة الذي ثار غضبه وهتف منفعلا بأن هذا التصرف لا يصلح، هدئته زوجته ولكنه تركهم وذهب لغرفته حزينًا شاردًا بحياة ابنة، كيف لزوجها ان يجعلها مثل عروس الماريونيت الذي يحركها بأنامله كيفما شاء، أين ذهبت شخصية ابنة الجادة القوية الذي كان دائما يفتخر بها كونها ابنته التي تحمل إسمه، كيف انساقت خلفه دون تفكير منها؟ لماذا لم تحفظ كرامتها الذي ظل جاهدًا يحارب عائلته وشقيقه من أجل كرامتة بناته وهي بالأخص كان على أتم أستعداد بالتخلي عن شقيقه عندما تعارض رائيه معه بالزواج من ابنه، لم يهتم لخسارته كل ما فكر به هو حياة ابنته فقط وأن تظل سعيدة مع من يختاره قلبها وتتزوج برغبتها وعن اقتناع.
ظل ساهرًا طوال الليل لم يغمض له جفن ولن يحاول الحديث مع زوجته، قرر الاختلاء بنفسه، شاردًا في مصير ابنته المجهول، ينتابه الشعور بالخوف والقلق، يرتعد قلبه رُعبًا، ترتجف أوصاله فزعًا كلما شعر بعجزه عن حمايتها، يهلع كلما راود عقله فكرة مشئومة، يحتاج جـ سده الرهبة وهو يعلم علم اليقين أن الاذي لا زال يحاوط بابنته وهو يقف متسمرًا مكانه دون حراك لم يقدر على فعل شيء لكي ينقذها من براثن الخوف من المجهول.
يعلم تمامًا بأن الغد بيد الله الواحد الأحد ولكنه يأمل دائما بالخير والتفائل ولكن عندما أصاب السحر فلذة كبده وتبدل الرعب داخل قلبه ولم تعد الراحة تسكن جسده كما السابق، وهذا ما يجعله يجن جنونه الآن وهو عاجزًا عن حماية أحدى بناته، تركها تتخبط هُنا وهُناك مثل الريشة تقذفها الرياح يُمنًا ويُسرًا وهي غير واعية او مدركه بما هي مقبلة عليه، فمن ظنه رُجلا سيحافظ على ابنته هو أول الغادرين بها ويقذفها كما يشاء وهي تنساق خلفه في مهب الريح، لا يعلم أين سيأخذها مصيرها مع هذا الرجُل الذي رسم عليها الحُب وفي أول عاصفة هوجاء اهتز البيت وانهارت الجدران وبقت هي وحدها، لا زال قلب الاب لن ولم يهدا بعد..
“علاقة الأب وابنته من اجمل ما يكون حيث أنه يكون لها الحامي والدرع الآمن من كل صراعات الحياة حيث أن البنت بالنسبة إلى أبيها الطفلة المدللة الصغيرة وإذا بلغت من العمر الخمسين فهي ستظل محط اهتمامه فيضعها موضع البنت والأخت والرفيقة والصديقة وكذلك الأم فهي ستظل دائمًا وأبداً مخبأ أسراره وملجأه من الحياة القاسية التي يناظرها يومًا بعد يوم في سبيل الحصول على ضحكة جميلة منها فهي علاقة لا يستطيع أن يحللها أي شخص فهي علاقة أحاطها الله سبحانه وتعالى بالمحبة والوئان والسكينة حتى نهاية الكون. ”

❈-❈-❈
داخل الفندق..
لم يصدق باسل ما سمعه لتو من فاه “كرستين”
ابعدها عنه برفق وهو يطالعها بصدمة وهتف قائلا بتسأل:
– ماذا قُلتِ؟ هل هذا الخبر صحيح؟
فعلت إيماءة خفيفة من رأسها في حزن وإنكسار، ثم ابتعدت عن باب الغرفة وولجت لداخلها وهي تشير له بالدخول.
لحق بها باسل وهو لا زال لم يفهم شيئًا، جلس أعلى الاريكة الموضوعة داخل الغرفة في الناحية المقابلة للفراش، ثم دس يده داخل جيب سترته ليخرج هاتفه ويتحدث مع شخص ما لكي يتأكد من هذا الخبر، فهو يظن أنها شائعة فأذا كان الخبر حقًا لابد وأنه كان علم من مديرية الأمن لا عن طريق كرستين، ثم أنهى مكالمته وعاد يتطلع لها، فقد أشفق على حالتها تلك ولكن داخله عدة تسأولات، لماذا تحزن كل هذا الحزن وماهي طبيعة العلاقة التي جمعتها بـ سليم السعدني لكي تنهار حصونها بهذا الشكل؟
نهض عن الاريكة وهو يرفع سماعة هاتف الغرفة ليجري مكالمة خاصة بخدمة الغرف يطلب منهما أحضار مشروب مُهدا من الليمون بالنعناع من أجل كرستين وفنجال من القهوة لانه سيفقد عقله بسبب هذه الفتاة التي اقتحمت عالمه على حين غفلةً.
ثم عاد لمجلسه وهي تبادله النظرات في حزن عميق
رمقها باسل بنظرات صادمة، ثاقبة وكأنه يطالبها بتفسير منطقي لحالتها تلك.
طال التحديق بينهما والصمت الذي قطعه صوت طرقات أعلى باب الغرفة، تقدم باسل بخطواته الرزينة وفتح الباب ليسمح لعامل الفندق بالدلوف ووضع الطاولة المتحركة التي مثبت اعلاها صينية بها المشروبات التي طلبها باسل قبل قليل، شكره باسل وأخرج نقودًا من داخل جيب بنطاله أعطاه إياه ليشكره الشباب هو الآخر ورحل في هدوء.

انحنى باسل بجزعه يلتقط مشروب الليمون ثم اقترب منها بخطوات واسعة فلم يعد بينهما مسافة واعطاها الكوب قائلا:
-تفضلي هذا مشروب رائع مفعوله كالمهدا سيريح أعصابك
التقطه بيد مرتجفة وطفت بسمة رقيقة على ملامح وجهها الشاحب وهمست بصوت خافت:
-شكرًا لك
عاد يجلس مكانه وهو يحمل فنجال القهوة ليرتشف منها رشفة تليها الأخرى في صمت تام، اخرجه صوت رنين هاتفه الذي أجابه بجدية، يستمع لطرف الآخر وعيناه تطالعها بترقب ثم أنهى المكالمة بحذر شديد ولم يتحدث الا بكلمة واحدة طوال مدة المكالمه وهي “تمام”
ظلت هي مُندهشة من هذا الشاب الجليدي الذي يجلس معها داخل غرفتها وبعدما كانت ستشاركة المهمة السرية التي أتت من أجلها لا تعرف بعد خبر مقتل سليم ماذا عليها أن تفعل، هل ستعود حيثما جاءت؟ أم ستكمل ما بدءته ووفاة سليم لن تغير من الأمر شيئًا فما زالت عائلته تواجه الخطر؟

نظر لها باسل وأمعن التطلع لها ثم قال بصوت أشج :
-سليم السعدني لا زال حيًا يُرزق لم يمت حرقًا كما ظنتي
اتسعت زرقاويتها بصدمة ليردف هو قائلا :
-السيارة خاصته تم احتراقها ولكنه غادرها قبل أن تحترق، من المؤكد انها مُدبرة والأمر الان بيد المعمل الجنائي
قزفت بفرحة كانت تود أحتضانه ولكنها تراجعت وخجلت من فعلتها السابقة ولكن تورد وجنتيها بسعادة غزت صفيحة وجهها، مما جعله يتسأل بصوت عالٍ :
-يبدو بوجود علاقة قوية تربطكِ بـ سليم السعدني، هل أنا مُخطئ في ذلك؟
-لا لست بمخطئ، تجمعنا صداقة قوية منذ أكثر من خمسة أعوام عندما تعرض لحادث سير وتوفي والده زعيم المافيا “توفيق ألبرت” وشهرته توفيق السعدني، التقيت بـ سليم في أمريكا منذ اللحظة الذي تم فيها التعامل مع الشرطة المصرية، كنت أنا انتظره هُناك ومن يومها ونحن أصدقاء، وقف جانبي في مواقف عده وشهد على زواجي الأسبق، وعندما انفصلت عن زوجي كان جواري أيضا، مررت بمراحل كثيرة من الفقد والخذلان ولم أجده إلا الأخ الذي على استعداد تام بالتضحية بحياته من أجل من احبته، فهمت علاقتنا؟
هز رأسه بالايجاب ثم نهض عن مقعده وهو يودعها بأنه سيلتقي بها غدا وسوف يصل إلى سليم للاتفاق معه على الخطة التي وضعها مسبقًا مع اللواء، وانهم يبحثون الآن في الأمر ومن المؤكد بأنه سيتم وضع خطة بديلة أخرى بعد أنتشار خبر وفاته.
❈-❈-❈
داخل قصر الكابو.

ذاع خبر مقتل سليم وجعله في حالة من السعادة التي لم تتكرر، فمنذ مقتل شقيقه واستلاءه على منصب الزعامة وهو لم يشعر بهذه السعادة التي أنتشلته في نوبة فرح جنونيه وأعلن عن وجود حفل صاخب، راقص، داخل قصره.
لأول مره يقف وسط المدعوين ويرقص بعنفوان يخرج غضبه الكابح وهو يحتضن بخـ صر فتاة في العشرين من عمرها يتطوق لها ويُريد قضاء الليلة المُميزة معها وعلى فراشه، لم يستطع أحد رفض مطلبه وهم يعلمون من هو الكابو الذي يمتلك قارة أوروبا بأكملها من سلطة ونفوذ وأتجار وكل ما يخطر على بال بشر، هو الأمر الناهي على أرواحهم أيضًا، لن يستطيع أحد الفرار من قبضة الفلاذية المُحكمة، الان أصبح الطريق أمامه خاليًا تمامًا من أي عقابات وقد أزاح عقبة ابن شقيقه من أمامه فقد كان يشعر بالتهديد من ذلك الشاب، بعد خبر وفاته انكشعت الغمامة عن عينه وقرر بتجهيز أحتفالا لا مثيل له..
غدر بالاب والابن دون شعور منه بأنه مخطئ، بلا فعلها بقلب مُتحجر لم يسكنه إلا بارود الانتقام، يُريد أحراق الكون ومن عليه ولن يكترث بأن النيران حتما ستصيب جـ سده يومًا ما..
تأخذنا الحياة في دروب مظلمة أحيانا وكل ما علينا فعله هو سلك الدرب المضىء الذي سيُنير لنا العتمة التي اجتاحت قلوبنا وأضمرته ليتحول إلى أشلاء، هكذا هو حال القلب الذي غمره الحقد والكره وتسلل الغدر بين ثناياه ليقضي على ما تبقى داخله من روح طيبة والقسوة هي المُحتل والعدو الوحيد داخل جدران القلب الذي تحطم بما فعله الآخرون به، هكذا سيظل حال القلب مغموس في دياجير الدنيا..

❈-❈-❈

الفصل السادس عشر
لفحتها نسمات الهواء العليل تداعب خصلاتها فتتطاير بتمرد مداعبة جفونها برقة ونعومة مع تسلط أشعة الشمس الذهبية على صفيحة وجهها الغض، جعلها تفتح بحورها الزرقاء ببطء شديد بعد نوم هانئ، لتتسع مقلتيها رويدًا رويدًا لتجد نفسها نائمة بأحضان زوجها الدافئة، محاطة بذراعيه الحانية، الأمنة، حصنها المنيع، رفيق الدرب الذي أختاره القلب بلا قيود، ملاذ الروح وهل للروح سَكنُ سواه؟
تبسمت في حياء عندما وجدته مستيقظًا ويطالعها بنظرات عاشق متلهف
ضمها ثانيًا لاحضانه يرفض تحررها، ثم دنا منها يلثم شفتيها في قُـ بلة رقيقة سرعان ما تحولت لـقُـ بلات متفرقة عاصفة تدغدغ أوصالها وتداعبها في نسمة هواء هوداء، تلفحها انفاسه الدافئة تنهال عليها بحنان، يغمرها في لحظة عشق جنونية ينتزعها من الزمن، لا يفكر إلا كونها بقربه، داخل أحضانه، لا يُريد لشيء أن يُعكر صفو تلك اللحظات الجميلة، يتناغمان معًا في سنفونية عشق سمردي حيث لا بداية ولا نهاية له..
“أحُب الأمان الذي بيننا ، أحب الفكرة التي تطرأ علي دائمًا بأن كل الذي عشته معك لن يتكرر، و أن كُل هذا الحب الذي أشعر به إتجاهك لن يحبك أحد بقدره ، أحب أنني الشخص الوحيد الذي وصل إلى أعماقك”

❈-❈-❈

بينما فاروق الذي جافه النوم قلقًا وحُزنًا على فراق ابنته، أتاه إتصالا من طارق ابن شقيقه باكيًا؛ يخبره بأن والدته فارقت الحياة وصعدت روحها إلى بارئها وستتم مراسم الدفن عصر اليوم، واساه ببعض الكلمات التي تُقال في تلك اللحظة الحزينة ثم أخبره بأنه سوف ياتي ليشاطر شقيقه أحزانه على فقدانه زوجته.
أبلغ زوجته دلال وأصر تلك المرة على ان ترافقه وتُقدم واجب العزاء وأن لم تكن قادرة على المُسامحة والصفح فلابد وأن تُقدم المواساة وأن تدعو لها بالرحمة والمغفرة وأن يُسامحها الله سبحانه وتعالى ويتقبلها، يعلم بأن الأمر ليس بهين ولكنه لن يترك زوجته تتمتع بصفة غلظة القلب وقسوته.

( فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ )
انسابت دموعها حزنًا ورفعت يديها تُناجي ربها بأن يغفر لها ويرحمها وهي مُتسامحة على كل ما اقترفته”قدرية” في حقها وحق ابنتها.
يقول رب العزة جل وعلا: (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين)
لذلك اصفحت دلال عن قدرية وابدل ثيابها بأخرى سوداء وتركت ابنتيها “فريدة” و”أمل” من أجل دراستهم وذهبت مع زوجها إلى المنصورة لتقديم واجب العزاء والمواساة في الأحزان فمهما حدث فهم عائلة واحدة والاشقاء لا ذنب لهم بما فعلته، وهي الآن بين أيادي الله لا يحق الا ذكرها بالخير والدعاء لها بالرحمة والمغفرة والعتق من النار..

“يرحل الانسان عن الحياة الدنيا ولم يترك خلفه إلا الأثر، فاجعل أثرك طيب في نفوس الآخرين”
❈-❈-❈
ذهب سراج لمنزل فاروق لكي يصطحب خطيبته إلى جامعتها ويلتقي بها فمنذ الوعكة التي تعرضت لها حياة وهو لم يلتقي بها.
ارتدا ثيابه المكونة من بنطال جنيز وقميص أبيض يترك أول ازراره مفتوحه لتظهر من خلفه تقاسيم صـ دره العريضة ونثر عطره المُفضل ثم التقط متعلقاته وترك منزل جدته بعد أن ودعها بقُـ بلة حانية على ظاهر كفها وأخرى عند جبينها، وغادر المنزل متلهفًا لرؤية محبوبته.
استقل “سراج” سيارته متوجهًا لمنزل حبيبته التي يشتاق لرؤيتها وأشباع رغبته في التأمل بها.
في غضون دقائق كان يصف سيارته أمام البناية ثم أخرج هاتفه ليهاتفها ويخبرها بأنه ينتظرها أمام العقار، استعدت فريدة لمغادرة المنزل وهي في أبهة صورة، فقد كانت ترتدي ثوب فيروزي به سلاسل رفيعة باللون الأسود، وحزام أسود يحتضن خصرها الممشوق وتزين وجهها بحجاب فيروزي وترتدي حقيبتها الخاصة السوداء وتنتعل صندلا أبيض به سيور عريضة ذا كعب عالٍ، وضعت القليل من مساحيق التجميل ووقفت أمام المرآة تهندم ملابسها وتلقى نظرة أخيرة على مظهرها قبل أن تغادر الشقة وتذهب إلى حيث ينتظرها سراج بالأسفل..

ظل يتطلع لمدخل البناية ينتظر قدومها على أحر من الجمر فقد بلغه الشوق ويتمنى لو كانت زوجته الان وفي منزله لظل جانبها ولن يتركها أبدا.
عندئذ أقبلت عليه وهي تتهادى في مشيتها، نزع نظارته الشمسيه وترجل من سيارته يسير بخطوات واسعة يقلص المسافة بينهما إلى أن وقف أمامها مباشرةً يطالعها بعيون تود عناقها ملتهبة بجمر الحُب، التقط كفيها يطبع على ظاهرهم قُـ بلة شغوفة وعينيه تجوب على جـ سدها من رأسها إلى اخمص قدميها في أعجاب بمظهرها الذي يسرق لُب قلبه كلما تطلع إليها، هذه الفتاة بدلته تبديلا، بعدما كان يتسكع في شوارع القاهرة ليلا ويتنقل من ملهى لآخر بصحبة الفتيات أصبح الآن شابًا ملتزمًا، عاشق مهوس بمحبوبتة الفريدة فقط، لا يُريد غيرها ولا يتمنى من الدنيا سواها.
هتف ببسمة هادئة وهو يرسل لها غمزة مُشاكسة:
-إيه الجمال والحلاوة دي يا ديدا
تأفأفت بضجر وقالت بحنق:
-حلاوة طحنية
كركر ضاحكًا وقال بمراوغة فهو عاشق لاستفذاذها :
-يخربيت خفة دمك
لوت ثغرها بضجر وشبكت ذراعيها أمام صـ درها قائلة باقتضاب:
-شكرًا
كتم ضحكته وقال:
-عفوا
ثم جذبها من يدها ورفعها إلى فاه يطبع قُـ بلة رقيقة وعيناه تعانق عينيها بحب وهو يهمس بحنو قائلا:
-بحبك يا فريدة القلب ونبضه يا مُهجة الروح
تبسمت برقة وقالت بمرح:
-ما كان من الأول، لازم ترسم عليا الدور
سحبها معه إلى حيث سيارته وقال وهو يفتح لها باب السيارة لكي تستقل بالمقعد الأمامي :
-يلا بينا مش هنقضي يومًا واقفين كده في الشارع، ثواني كمان ومش هكون مسئول عن اللي هعمله
ثم دار حول السيارة وأستقل بمكانه خلف عجلة القيادة وأنطلق في طريقه إلى حيث وجهته المنشودة، فقد قرر أنتشالها من ازدحام القاهرة والاختلاء بها على متن اتوبيس نهري يبحر بهما داخل نهر النيل وجمال الطبيعة الخلابة ومنظرها البديع في هذا الجو النهاري ونسمات الهواء التي تداعب الوجوه مثل الفراشات الصغيرة، وأصوات العصافير تُحلق فوق رؤسهم في سرب جميل يغردون بألحانهم وعزفهم المنفرد في بهو ونقاء وصفاء السماء التي يسبحون فيها..
صفا سيارته حيث وجهته فهو يعلم بأنها بحاجة لهذا الجو الساحر حتى وأن كان في النهار، فدفء أشعة الشمس الذهبية تغمر المكان بلفحة جذابة وتُسلط أشعتها النارية على مياه النيل لتختلط سحر الوهج الناري مع زورقت مياءه العذبة.
ترجلا سراج من سيارته و دار حولها ثم فتح الباب الآخر وهو يمد كفه لكي تتشابك الأيدي وتترجل فريدة هي الأخرى وتنظر حولها في دهشة
أبتسم لها سراج وجذبها لتسير بجواره ولا زال متحضن بكفه كفها الصغير الناعم متوجهين حيث الاتوبيس النهري ساعدها على الصعود على متنه وصعد هو الآخر.
ضحكت برقة وقالت بأعجاب:
-واو المكان هنا تُحفة يا سراج
طالعه بنظرة مُتيم وقال بصوت هامس:
-نفسي أقدر أسعدك يا فريدة ونحقق مع بعض كل أحلامنا
-وجودك في حياتي اكتر سعادة بالنسبالي
قال بحماس:
-ليه مش نتجوز ونلاقي جنة صغيرة وعش الحب يضمنا، فريدة أنا حاسس إنِ وحيد، محتجالك جنبي، عاوزك معايا طول الوقت، عاوز اكون بيت أسرة، وأحنا الحمدلله متفاهمين وكل حاجة تجهز في الشقة مش هتاخد وقت وافقي بقى عشان تملي عليا وحدتي
تنهدت بضيق ثم هتفت بجدية قائلة:
-أنا موافقة طبعا يا حبيبي أكون معاك
تهللت أسارير وجهه ولكن سرعان ما أختفت عندما أستطردت فريدة حديثها:
-لكن مرات عمي لسه متوفية، دي لسه كمان مندفنتش، صعب بابا يوافق يتم جوازنا دلوقتي وأنا بحلم بفرح أسطوري يا سراج مش عاوزة اتجوز في صمت
حك مؤخرة راسه وقال بضيق :
-أه طبعا طبعا يا عمري لازم فرح اسطوري وعادي انا اتجلط من الوحدة
ضحكت على هيئة وقالت :
-بعد الشر عليك يا روحي
ثم نظرت حولها وعادت تنظر له هاتفة:
-هو المكان هنا مفهوش أكل ولا ايه؟
هتف بضجر وهو يضع قبضة يده أسفل وجنته:
-أكل… يا أخرة صبري، مافيش يا ربي كلمتين رومانسية حلوين للعبد الغلبان اللي معيشك في جو ولا الاميرات
رفعت حاجبها بمشاكسة وقالت بمرح:
-ده أنت حبيبي يا سرج
لوى ثغره بغضب :
-سرج.. هو ده أخرك؟
ازدادت ضحكتها وقالت وهي تغمز له بمداعبة:
-بعد الجواز يا سروجتي
-بس أسكتي خالص، أنا عارف الجوازة دي واقفة عليا بخسارة، بت انتي اتحولتي أمته ولا انتي كدة من زمان لكن مراية الحب عمية
قالت بمرحها المُعتاد؛
-وحياتك أنا كدة من زمان بس انت مش واخد بالك، عاوز تسبل وخلاص
تأفأف بضجر وأشار للنادل لكي يخلصه من مشاكسة فريدة الذي لا يسلم منها، فمهما حاول هو مراوغتها ينقلب السحر على الساحر وتتفوق عليه بجداره، فهو عاشق لمرحها وجنونها حد النخاع..
هكذا هو الحب الحقيقي ان تتقبل حبيبك رغم كل ما به من عيوب، ولم ترا به عيبًا واحدًا، يكون في أنظارك كامل مُتكامل لم ينقصه شيء..

❈-❈-❈
أقام سرداق العزاء أمام المنزل بعد أن تم دفنها وودعها الوداع الأخير، الوداع الذي يقسم الظهر إلى نصفين، فرحلت شريكة حياته ورفيقة دربه وصعدت روحها إلى الرفيق الأعلى، فاضت عينه العبرات حُزنًا وأسى على فقدان من كانت تسانده مشوار عمره، لحظات قاسية مرت عليهم وهي تحملت الكثير رغم كونها ذا شخصية قوية إلا أنها كانت تكن له المحبة والاحترام، ترك لها ثلاثة صبيان هي التي سهرت وجاهدت وتحملت المعاناة، هي من تكلفت برعايتهم وتربيتهم وتركها تفعل ما تشاء بهم لتزرع داخلهم القوة والصلابة فهم رجال وليس فتيات، حاولت جاهدة في تربية الأبناء بقوة وحزم لتصبح يوما هي المُتحكم الأساسي على حياتهم وينتهي بهم المطاف بهجرهم فالشباب قد سأموا تصرفات الوالدة وتحكمها الزائد عن الحد والغير مقبول وكل منهما سلك طريقه ولكن طارق الابن البكري رغم ما معاناة بتسلط والدته على حياته الا انه عندما علم بمرضها أتَ على الفور ليظل جانبها..

كان بحالة يُرثى لها داخل غرفة والدته لا زال مُلازمًا لفراشها، بعد أن عاد من مراسم الدفن انفرد على نفسه داخل غرفتها يبكي بأنين يمزق نياط القلب، حاولت دلال الحديث معه ومواساته ولكنه رفض فتح الباب.
حزن عميق يمزقه من الداخل، يشعر بأن قلبه أنشطر إلى نصفين، نصف رحل معها تحت التراب ونصف داخله يكاد أن تصارع نبضاته من أجل البقاء على قيد الحياة، شعور بالخسارة يجتاحه لثاني مرة، خسر محبوبته سابقًا واليوم خسارته أقوى، فقد خسر والدته ولم يعد يراها ثانيًا، شعور بالفقد واليُتم وانه مهما كبر فهو لا زال بحاجة إليها، يبكي رافضًا لذلك الواقع المرير الذي يعيشه، صدمة تلو الأخرى..
الأم هي قسيمة الحياة وموطن الشكوى وعماد الأمر وعتاد البيت ومهبط النجاة وهي آية الله ومنته ورحمته لقوم يتفكرون.
الأم هي الفراق الحقيقي والألم الداخلي الذي يعصر قلبك بشدة، هي منبع الحنان وبئر الأسرار، هي المظلة التي تستظل تحت ظلها طوال حياتك، هي القلب النابض بالدعاء من أجلك.

“رحيل الأم هو من أقسى الأشياء التي يمر بها الإنسان في حياته، إن لم يكن هو الحدث الأقسى على الإطلاق، تصبح بعدها مُهشم الروح، مُعذب القلب، مُنكسر، مُتخبط وحدك في الحياة، بلا سند او أمان، بلا حائط تستند عليه، بلا يد تنشلك من الضياع وقسوة الايام، انهيار تام لروحك الضائعة التائهة المُشتتة بفراق الأحبة، جـ سد مُمزق لم يلتئم جروحه ولن تجد اليد الحانية التي تُرمرم داخلك من غصة ومرارة الفقد”
❈-❈-❈

داخل فيلا توفيق السعدني.

حالة من الهرج والمرج عصفت بهم على حين غفلة في الصباح بعدما زاع خبر انفجار سيارته في طريق صحراوي ولن تسفر التحريات عن وجود جثمانه والبحث الجنائي يعمل على قدم وساق، وانتشر الخبر مثل النار في الهشيم.

قوات من الشرطة مُحاصرة الفيلا، يتحدث الرائد حمزة لإحدى القيادات انه لم يعثر على سليم داخل فيلته، بينما كان “ريان” و”زين” يجتمعان سرًا لوضع خطط مُحكمة لتأمين شامل للفيلا وافراد العائلة..
والعائلة مُنهارة بالداخل في حالة يرثى لها، والدته تتمزق حرقة تبكي وتصرخ تنادي باسمه، فؤادها مُحطم ودموعها تنهمر دون توقف، صراخات أم مكلومة على فلذة كبدها.
وشقيقه الذي جحظت عيناه بصدمة وحل الصمت التام عليه، رفضت عيونه أن تُحرر دموعها، واقفًا مثل التمثال ساكن تمامًا لم يتحرك كأنه شُل عن حركته، صوت أنفاسه اللاهثة هي التي توحي بأنه لا زال على قيد الحياة، ولكن أي حياة هذه وهو وحده دون والده الثاني، صديق عمره وشقيقه الأكبر، قدوته في الحياة، لطالما حلم بأن يكون مثله ولكن مرضه منعه من تحقيق حلمه، والان يقف عاجزًا مكانه بعدم تصديق الخبر الذي هز كيان المنزل بأكمله، اهتزت الجدران بصراخ وعويل وقلوب منفطرة، اهتزت ارجاءه حزنًا على فراق صاحبها ما بالك بما أصاب الأشخاص، عائلته… والدته التي لن تتحمل العيش لحظة واحدة دونه وشقيقة المكلوم الساقم على نفسه بسبب عجزه الان ومرضة يحاول كبت مشاعر حزنه الدفين، يحاول الا ينهار ولكن هيهات فـ جـ سده لم يتحمل الصمود، أنهارت حصونه وارتمى أرضا في نوبة صرعية قوية لم تاتيه من قبل، تشنجات هسترية مُرعبة دموع تنسل من محجرتيها الدامية بلون الدماء، لم يستمع لمناداة زوجته التي جواره تحاول أسعافه وركض والدته التي منفطرة منقسمة لاثنين، قلب مُمزق على من رحل وعقل شارد بالآخر، لن تتحمل كل هذا الألم، أسبلت عينيها فجأة وخار جـ سدها لتسقط بجوار ابنها الآخر.
فاق أسر من نوبته الصرعية ومد زراعه صارخًا بأعلى طبقات صوته ينادي أمه أن تفيق و تستجيب نداءه المبحوح.
كان مثل الطائر الجريح الذي كُسر جناحيه ولم يعد لديه قدرة على الطيران او التحليق ثانيًا، ممزق، مسلوب، يصارع من أجل بقاء والدته فهو لم يُقدر على فقدانهما معًا.

ظلام يلتهم روحه خوفًا مما هو مقبل عليَّ، متخبط في الطرقات مِن يومٍ يجهله؛ خطواته غير مُتزنة، ينتابه الفزع والقلق معًا، متضرب يأس، يرتعد جسده، ينتظر هالة كبيرة من النور تقضي على الظلام الكاحل المحيط به.
حياته الان دون جدوى، يخشى النهاية التي لا مفر منها فمهما طالت فهي قادمة لا محالة، الغد قادم مهما طالت دياجير الزمن..

 

 

الفصل السابع عشر
نجح الرائد حمزة في معرفة مكان وجود”سليم” وذهب إليه مُسرعًا؛ لكي يجعله في مخبئه فهم بحاجة لتصديق خبر وفاته من أجل سلامته.

انعقد أجتماعًا طارئ داخل مبنى الأمن الوطني، به قيادات عُليا وحضرت كرستين وباسل ذلك الاجتماع الذي قص على حماية سليم وعائلته وانتشار شائعة وفاته لكي تسترد المافيا قوتها وتتحرك كيفما تشاء من أجل الإيقاع والامساك بها، فـ سليم هو العقبة الوحيدة وبعدما هيئ لهم نجاح خطتهم في الخلاص منه، وجب عليهم التدخل.

أثناء الاجتماع المُنعقد طلب حمزة من أمن الحراسات الخاصة بعدم معرفة عائلة سليم خبر نجاته من الحادث وانصاغ الرائد “ريان” لتنفيذ أوامر القيادات العليا.
وتولى أمر أحضار عربة أسعاف لكي تنقل والدة سليم وشقيقه إلى المشفى الخاص بوالدهم “توفيق السعدني”
عندئذ وصلا حمزة لوجهته أمام الفيلا المهجورة الخاصة بعائلة سليم، ثم ترجل من سيارته وسار بخطوات حذرة لكي يتأكد بأنه وحده ولم يتتبعه أحد، دلف الحديقة بخطوات مترقبة محسوبة ووقف عند الباب، لم يضغط زر الجرس ولكنه طرق ثلاث طرقات متتالية.
استرق سليم السمع ليعلم من صاحب تلك الطرقات، انتفض من مكانه وترك زوجته نائمة، ارتدا قميصه الأبيض وغادر الغرفة ببطء شديد لكي لا يُقظ “حياة”
وأسرع في خطواته يفتح الباب وهو يتطلع للطارق بقلق:
-خير يا سيادة الرائد
دلف حمزة للداخل وأغلق الباب خلفه وهو يحدثه بعتاب:
-قولنا مافيش حركة تعملها مش مدروسه ومن ورانا يا سليم، الخطر بقى محاوطك من كل الجهات، تعرف كام جهة عاوزة تخلص منك
تأفف في سأم وقال ببرود:
-ما يهمنيش
انفعل حمزة وهتف بصوت غاضب:
-لا يهمك ويخصك ويهم كل الأرواح اللي حضرتك مسئول ترجع ليهم حقهم، مسئول تحمي بلدك وأهلك من الخطر
قاطعة بنظرات حادة تلمع كالصقر؛
-وطي صوتك يا سيادة الرائد، المدام هنا.
ابتلع حمزة باقي الحديث وصمت لحظات ثم عاد يفتح فاه قائلا بتحذير:
-ما ينفعش تظهر دلوقتي ولازم تسيب المكان هنا
عقد جبينه في دهشة وقال:
-مش فاهم يعني أيه؟
قال بهدوء :
-يعني البلد والدنيا كلها صدقت خبر وفاتك ووصل الخبر للمافيا نفسها وعملوا أحتفال بسبب انتصارهم ده، ما ينفعش سيادتك تظهر ونكدب الخبر
هتف منفعلا:
-يعني ايه الكلام ده يا حضرة الظابط؟ وعيلتي وأهلي و
قاطعة بحسم وهو يشدد على كلماته:
-سليم ماعنديش أوامر غير أنك تنفذ المطلوب منك وده لسلامتك وسلامة عيلتك
لم يتمالك نفسة وقال غاضبًا:
-بلا سلامتي بلا زفت، أنا عارف أن حياتي وحياة عيلتي ماتهمش حد فيكم وبلاش شعرات كدابة، أنا ما يضحكش عليا يا سيادة الرائد، أنا عارف حياتي تخصكم لحد بس لم أوقع المافيا، بعد كده اولع اموت شي ما يخصش حد من قياداتك، القيادة تهمها الحفاظ على شكل الدولة وان يتقال عنكم قضيتوا على الفساد، مش مهم كام روح تضيع في النص
زفر أنفاسه بضيق وقال بجمود:
-إللي عنده قولتله يا سليم وأي تصرف مجنون هتعمله هيضيعنا كلنا، أحنا بنعمل كل اللي في وسعنا ونقدر عليه بس ده هيتم بمساعدتك وأحنا يهمنه سلامتك صدقني
تنهد بعمق ثم طالعه بجدية وقال:
-تمام هنفذ الاتفاق اللي بينا، بس عيلتي لا برة الخطة
حك حمزة ذقنه ورفض الإفصاح عن الوعكة الصحية التي تعرضت لها والدته وشقيقه عند علمهم بخبر فقدانه؛ وقال وهو يربت على كتفه:
-ماتخفش عليهم، لازم دلوقتي تتحرك في سفر مستنيك وهيكون معاك باسل وكرستين هيأمنوا كل تحركاتك في ألمانيا
هتف بدهشة:
-هسافر ألمانيا؟
-أيوة… الجد بدأ خلاص وساعة الصفر قربت
-مراتي هتكون معايا
-ده جنون، أنت متعرفش ممكن تواجه ايه هناك
قال باصرار :
-حياة هتفضل جنبي وهنواجه أي مصير سوا
يعلم كم هو فتى عنيد ولم يستطع التغلب عليه فوافقه الأمر وقال:
-تمام هبلغ الإدارة وتفضل هنا لحد بالليل، لم يجي معاد التحرك، والسفر هيتم على طيارة خاصة والرائد باسل هيكون في انتظارك وهيبلغك الخطوات اللي هتتعمل
هز رأسه بايماءة خفيفة :
-تمام
ودعه حمزة واستقل سيارته لكي يتم إتمام الخطة التي تم وضعها داخل الاجتماع، أما عن سليم فعندما دار وجهه وجد حياة تطالعه بحزن
فرد لها زراعيه لتركض إليه وتحتمي داخلهم، طوقها بحنانه وطبع قُـ بلة رقيقه على خصلاتها وهو يهمس قائلا بحب:
-ماتخفيش وعدتك مش هبعد عنك تاني وهتكوني معايا خطوة بخطوة
اكتفت بهزة طفيفة من رأسها فهي خائفة ورافضة البوح عن شعورها لكي لا تنقل له قلقها الزائد وتشتته.
عاد يستطرد حديثه وهو يبعدها عنه برفق:
-محتاج أودع أمي وأسر قبل ما أسافر، طال النظر داخل مقلتيها ثم قال؛
-بلغت سراج أمبارح انك معايا، يطمن والدك ووالدتك ولو ينفع كنت قابلتهم وشرحت لهم كل حاجة، بس مش عاوز حد يدخل في صراعات وخوف وقلق بسبب الوضع اللي أحنا فيه
تبسمت له بحب وقالت:
-بعدين كل الحقايق هتظهر
❈-❈-❈
داخل المشفى..
تم أسعاف أسر وفاق من نوبة الصرع ظل واقفًا أمام غرفة العناية التي بها والدته فقد تعرضت لذبحة صدرية نتيجة الخبر الصادم الذي وقع عليها، فقدان الابن ألم لم يقدر قلبًا على تحمله، عيناه تنساب الدموع بصمت قاتل، وقفت زوجته بجانبه تحاول مواساته في مصابه، انهار أسر تمامًا ولم تعد قدماه تحمله على الوقوف الصمود، جلس كالجثة الهامدة دون حراك، احتضنته ميلانا وظلت تربت على ظهره كالطفل الصغير الذي تهدهد عليه والدته لكي يغفل ويذهب في نومه ولكن ههيات فهذا الشاب مُنفطر قلبه، يأنِ بصمت، ود لو اطلق لصرخاته العنان لأنهالت جدران المشفى من شدة ما يشعر به وما يجتاح جسده من ألم وكسرة وفقد، فمن رحل لم يكن شقيقه وحسب انما هو والده وصديقه ورفيق عمره وشقيقه الذي لن يتحمل عنها أن يشتكي مرض او يتألم حزنًا، كيف له أن يفارقه دون وداع؟ كيف رحل عن عالمه دون أن يخبره بموعد رحيله؟ كيف هان عليه ان يتركه وحيدًا دونه؟ كيف…؟
ووالدته التي تصارع الموت هي الأخرى ولم يفصل بينهما سوا حائط فقط ولكن لن يستطيع أن يرتمي بأحضانها وأن يهمس لها بأنه لا زال بحاجتها ولن يتحمل فراقها فيكفي كسرة الظهر والكِهل الذي طفى ملامحه فجأة عندما فقد شقيقه الأكبر روح فؤاده، سنده وعضده، كلما وقع كانت يده الأقرب إليه تمسك به بقوة ترفض وقعه وهزيمته، ينشله دائما من الضياع ومن عثرات الدروب، الآن يشعر بالتعري بدون شقيقه الذي كان له السد المنيع والحائط الصلب الذي يستند عليه، انحنى ظهره في ريعان شبابه ويشعر داخله بالعجز واليأس التحطيم، شعور بالضيق والاختناق وكأن الدنيا تضيق عليه مثل سُقب الإبرة، لم يستطيع التنفس بدونه، كيف سيكمل حياته دون “سليم” الأب والأخ والصديق والرفيق، كيف يتحمل العيش من دونه؟

الأخ نعمة من الله عز وجل، فهو قطعة من القلب والروح، هو الكتف الذي نتكئ عليه إذا ما اشتدت الدنيا، وهو الذي يحمي ظهورنا ويحمل عنا عبء الحياة وقسوتها، الأخ هو السند والذخر والصديق الأول، فلولاه لكان طعم الحياة مُرًا..
أُحِبُّ مِنَ الإخْوانِ كُلَّ مُوَاتي وَكلَّ غَضِيض الطَّرْفِ عَن عَثَرَاتي يُوَافِقُنِي في كُلِّ أَمْرٍ أُرِيدُهُ ويحفظني حياً وبعدَ مماتي فَمِنْ لِي بِهذَا؟ لَيْتَ أَنِّي أَصَبْتُهُ لَقَاسَمْتُهُ مَالِي مِنَ الْحَسَنَاتِ تَصَفَّحْتُ إخْوَاني فَكانَ أقلَّهُمْ على كثرة ِ الإخوان أهلُ ثقاتي “الإمام الشافعي”

❈-❈-❈
ودع سراج محبوبته أمام منزلها عصرًا وعندما هم بأن يستقل سيارته أستمع لصرختها العالية التي جعلت قلبه ينتفض من مكانه وركض إليها، وجدها تبكي بإنهيار بسبب رؤيتها لخبر وفاة سليم الذي صعق جـ سدها وظلت ترتجف وتنادي بأسم شقيقتها، يعلم سراج بأن الخبر غير صحيح وأنه تحدث معه ولكن رفض الإفصاح عن الأمر لان ليس لديه علم بماذا يفعل وهل سيكمل سليم طريقه أم يتراجع عن كل ما يفعله، حاول تهدئتها وأسندها ليصعد بها إلى المنزل وظل جانبها لا يعلم بماذا عليه أن يفعل.
كما جاءه أتصالا من أسر الذي يبكي بصراخ ويهتف بعدم تصديق بأن شقيقه لم يعد على قيد الحياة، انتفض مذعورًا بسبب حالة أسر وترك فريدة ليذهب إلى شقيقه الذي مزق نياط قلبه وفهو يعلم بحالة الصحية التي لا تتحمل هكذا خبر صاعق، خبر مُفجع وخشى أن تاتيه نوبة صراعية، اعتذر من فريدة من أجل تركها الآن وهاتف جدته ينقل لها الخبر ويطلب منها أن تهاتف دلال لتاتي على الفور وتظل بجانب الفتيات، التي أنهارت حصونها هي الآخر بسبب بكاءها وحسرتها على وفاة سليم الذي كان مثابة الحفيد بالنسبة إليها، أغلق الهاتف وهو يلعن نفسه بأنه أختار الشخص الخطأ الذي سينقل له ذاك الخبر، كما أنه طوال الطريق للمشفى يحاول الاتصال بهاتف سليم الذي ياتيه الرد بأنه مُغلق، زفر بضيق وأكمل في طريقه..

أما عن سليم قرر عدم أنتظار المساء، أراد أن يودع عائلته الآن وهم بمغادرة الفيلا هو وزوجته ليجد شخصًا من ضباط الشرطة يمنعه الخروج، فهو لديه أمر بعدم مغادرة سليم الفيلا.
أشطاظ غضبه وهاتف حمزة بعصبية والشرر يتطاير من عينيه :
-هو أنا مقبوض عليا ولا أيه يا حضرة الظابط، يعني أيه أخرج من بيتي ألاقي واحد من رجلتك يمنعني، لا أنا سليم السعدني وفي لحظة أنهى كل الاتفاقات والوعود اللي بينا وتتصرفوا انتوا بقى، لكن أنا لسه محافظ على كلمتي والوعد اللي بينا وحضرتك شايف عرضت حياتي وحياة عيلتي للخطر كام مرة، ما تجي دلوقتي وتقولي بحميك ومصلحتك وزفت، أنا عارف مصلحتي كويس أوي ومستعد أضحى بحياتي كلها في سبيل عيلتي تعيش في أمان ماتكنش مُهددة من أي جهة، لكن حضرتك ظابط وبتعمل شغلك ومستني الترقية اللي هتم في أخر العملية، قول للي تبعك ده لازم اخرج دلوقتي محتاج أودع أهلي لآخر مرة قبل ما أسافر مش عارف مقدر لنا نلتقي تاني ولا لأ
شعر حمزة بالخجل من حديثه فهو مُحق بكل كلمة قالها واخبره بحالة والدته عندما تسرب لها خبر وفاته، شلت الصدمة حواسه وبعد لحظات قال سليم بغضب جامح:
-أمي لا… ماتفقناش كمان أن عيلتي تدخل دايرة اللعبة، حياة أمي في خطر وكل ده بسبب انانيتكم يا سيادة الرائد، أهلي خط أحمر لازم يعرفوا دلوقتي أنِ بخير وأنا رايح بنفسي، ومافيش داعي تكلف حضرتك بحراسة أنا مش ههرب من وعدي، نتقابل في المطار في الميعاد سلام يا حمزة بيه
أغلق الهاتف وجذب حياة من رسغها وابعد الضابط من أمامه ليستقل سيارة ريان التي لا زالت بحوذته يستقلها وجلست حياة جانبه لينطلق إلى حيث المشفى..

في ذلك الوقت وصلا سراج المشفى وظل بجوار أسر الذي كان في حالة إعياء شديدة وجـ سده ينتفض يرتجف، عندما وجد صديقه أمامه عانقه بقوة وهو يهتف بلوعة:
-سليم يا سراج، سليم مات، اخويا مات ومعتش هشوفه تاني
انسابت دمعة سراج هو الآخر رغم معرفته بكذب ذاك الخبر ولكنه مُحتفظًا بالوعد الذي قطعه على نفسه أمام سليم بعدم معرفة أي شخص مهما كان الأمر جلل..

دلف عليهم سليم بثباته، جذب شقيقه إليه وهو يشدد في عناقه قائلا:
-أجمد يا أسر اخوك لسه على وش الدنيا؛ أياك تتهز
صدمة شلته وجعلته يفقد القدرة على النطق ليخرا جـ سده ويسبل عينيه في سقوط أرعبهم ولكن قبل أن يسقط أرضًا منعه سليم من الارتطام
وصرخ سراج مناديا لطبيب يتفحصه فهو منذ علمه بالخبر المشئوم وهو في حالة من التشتت والتحيه
أما عن زوجته ميلانا هرولت لحياة تضمها بفرحة بعدما رأت سليم أمامها حي يُرزق
ولكن لم تستمر فرحتها بعدما شاهدت أسر فاقدًا الوعي، وتم نقله لغرفة بالمشفى.

بعد أن أطمئن سليم على وضع شقيقه ترك الغرفة ليذهب إلى والدته داخل غرفة العناية، ارتدا ثياب التعقيم ودلف لداخل وقف عند فراشها يطالعها بحزن بسبب ما مرت به من لحظات قاسية عليها عندما وقع الخبر كسهم مسموم أصاب فؤداها وجعلها طريحة الفراش الان لا حول ولا قوة لها، جـ سد ساكن تكاد تنبض نبضاتها مُعلنة عن أنها لا زالت في تعداد الأحياء.
جلس على ركبتيه بجانب رأسها ودنا منها يهمس بصوته الدافئ:
-أمي.. أنا بخير، أنا قدامك يا روح قلبي وبين أيدك دلوقتي، أنا أسف يا حبيبتي على الخبر اللي سمعتيه، أوعدك هحافظ على نفسي، وأن شاء الله أرجعلك تاني، سامحيني يا قلبي لازم أبعد، لازم أسافر في حياة ناس كتير متعلقة في رقبة أبنك وماحدش هيخلصهم غيري
لم تشعر به مغمضة العينين ساكنة بعالم أخر، انهمرت دموعه ودنا منها يُقـ بل جبينها ثم نهض واقفًا مستعدًا لمغادرة المشفى بعدما ودعهم وأخبر أسر أن يهتم بوالدته وطلب من سراج أن يقص على أسر ما هو يصارعه الان من أجل كيان عائلتهم وان يظل بجوار أسر ويهتم بالعمل داخل مجموعة السعدني، ثم عانقهم ورحل وهو ممسك بيد زوجته، ظل أسر واقفًا مكانه يطالع ظهر شقيقه الذي يبتعد عنه رويدا رويدًا إلى أن أختفى طيفهم عن الانظار، أجلسه سراج بركن بعيدًا يحدثه عن الخطر الذي زرعه والده وعلى سليم أن يذهب ويزيل هذا الخطر..

حل المساء وتقابل سليم مع كرستين وباسل داخل المطار، كرستين التي لم تتمالك نفسها في الركض إليه وعناقه وسط ذهول من باسل وحمزة وطأطت حياة رأسها خجلا من تصرف هذه الفتاة، فتلك لم تكن المرة الأولى التي تقابله بحميمة كذلك.
تسمر سليم مكانه ولم يبادلها العناق بلا أكتفى بأنه ربت على كتفها وقال بهدوء:
– أنا بخير لا تقلقي كريست
ابتعدت عنه وهي تبتسم له ثم اقتربت من حياة تقبلها برقة وتعتذر عن ما بدر منها وأوضحت لها بأنها كانت مفتقداه وذاك الخبر جعلها حزينة من أجله ولم تستطع السيطرة على نفسها، بادلتها حياة الابتسامة لكي يمر الأمر رغم أنها تكبح غضبها وغيرتها بسبب تصرف الفتاة الأحمق، ودت لو لقنتها درسًا تخبرها بأنه زوجها وحدها ولا يحق لها التطلع إليه، ودت لو وضعت يافتة وخطت عليها بأنه ملك لها ممنوع الاقتراب منه.
حاوطها سليم من خصرها قربها إليه وهمس بجانب أذنها قائلا بعشق :
-أنتِ وحدك إللي خاطفة قلبي وسكناه وممنوع دخول لاجئين، قلبي وحياتي وعمري كله ملكك أنتِ وحدك يا حياتي.
اقلعت الطائرة الخاصة من مطار القاهرة الدولي إلى مطار برلين لتبدا المهمة…

الفصل الثامن عشر

داخل المشفى.
جلس سراج بجانب أسر يقص عليه حقيقة سفر”سليم” وما دفعه لفعل ذلك، ولما تعرضت حياته للخطر قبل تلك الحادث عدة محاولات اودت بالفشل ولكن تم إصابة هو بدلا عن شقيقه.
سرد له كل شيء عرفه من سليم وعن المذكرات التي تركها والده، كل ذلك تحت نظرات “أسر” الصادمة، عينان متسعة، مُندهشة، جاحظة تكاد تخرج من بؤبؤتها أثر الفجعة الغير متوقعة.
بعد لحظات أستغرق فيها أسر أستعابه همس بصوت مبحوح:
-بابا أنا يطلع منه كل ده؟ أبويا اللي عشت عمري كله شايفه بطل وقدوة ومافيش حد في الكون زيه يطلع بال..
صمت ثواني وعاد يسترسل حديثه بحزن وإنكسار:
-مش قادر حتى انطقها.. توفيق السعدني اللي كان رمز المبادئ والقيم والأخلاق ومُساعدة أي حد يحتاجة يطلع زعيم عصابة، زعيم مافيا وماحدش داري باللي يحصل ورا ضهرنا، رمز التواضع وناصر الغلابة والمظلوم هو اللي بيسلب منهم حقهم في الحياة، بيسرق أعضاء الناس الغلابة عشان مش هتقدر تتكلم، بيتاجر في السلاح والقتل والموت والدمار، انا مش قادر أصدق ابويا أنا يطلع في الاخر قتال قتله وزعيم مافيا عالمية، اتخدعنا فيه عمرنا كله، بس سليم كدة راح للنار برجليه وهو ذنبه ايه يتحمل جرايم
لوى ثغره بضجر وقال:
-حتى الكلمة اللي كنت بفتخر اقولها بقت مش قادرة تطلع من بوقي يا سراج، أنا حاسس أني في حلم، لا حلم أيه انا حاسس اني في كابوس ونفسي اصحه منه بقى.
اشفق سراج على حالة صديقه وكم الوجع الذي يشعر به ويتسلسل داخله، ربت على كتفه وقال في حنو:
-أسر انت راجل ولازم تكون قد المسئولية، سليم سافر وربنا معاه واحنا لازم ننزل نباشر الشغل ومانوقفش عمل الناس في المجموعة محتجالنا، الشركة دي بتاكلنا كلنا عيش ولازم نحافظ عليها زي ما سليم كان دايرها صح نكمل مشواره وربنا يرجعه بالسلامة، دلوقتي انت هتفضل جنبك والدتك يوم ولا اتنين وترجع الشغل مافيش كسل من انهاردة، وعشان حياة سليم الخبر ده هيفضل بنا
طالعة بنظرات حزينة ضائعة وهمس قائلا بحزن عميق :
-سليم هيرجع مش كده
ربت على كتفه برفق وقال بصدق:
-ان شاء الله هيرجع وربنا هينصره ونخلص من الكابوس ده..

❈-❈-❈
في ألمانيا..
هبطت الطائرة بـ مطار “برلين” الدولي وبدء “باسل” و”كرستين” في الترجل أولا لتأمين المغادرة من المطار وفي غضون دقائق ترجلا”سليم” و”حياة” خلفهم
غادروا المطار سريعًا مُستقلين جميعهم سيارة كانت تنتظرهم متوجهة بهم إلى شقة سكنية تحت تأمين الشرطة الفيدرالية.
عندما صعدوا الشقة اتَ إلى “كرستين” اتصالا هاتفيًا يدعوها لمركز الشرطة الان ومعها الرائد “باسل”
على الفور لبُ نداء العمل وتركوا” سليم وحياة”داخل الشقة.
زفر أنفاسه بضيق وجلس أعلى الاريكة وضع رأسه بين كفيه ونظر أرضا في حزن.
جلست حياة بجواره وسحبت كفيه إليها لتجعله ينظر لها، وجدت مقلتيه العسليتين انطفى بريق عسلها وجف ينوعها وكساهم جمر متوهج مُشتعل بحمرة غاضبة ممزوجة بحزن دفين
تعلم بما يدور داخله من حزن وقلق وتوتر على حالة والدته وحالتهم هُنا، تعلم أيضًا أنه يُسارع من أجل السلام وبقاء عائلته حوله ويا ليتها لا تعلم بأنه على أستعداد دفع حياته الثمن لكي تتحرر قيود الماضي وتنفك الاغلال المُتسلسلة حول عُنقه.
الجبل الصامد عصفت به الرياح من كل جانب حتى شعر بأهتزاز الأرض حوله ولم يعد ثابتًا مكانه على أرض صلبة
تشعر به قبل أن ينبس بشفه كلمة، عيناه تصرخ بالكثير وعينها بحر يغدقه بالأمان، سماء صافية يسبح في فضاءها الشاسع، بستان أخضر يزدهر حوله، هي وحدها القادرة على رسم أبتسامة في عز لحظات الضعف والانكسار، عيناها تشع بالأمل والصمود والمثابرة، يديها الرقيقتين تحاوط كفيه بنعومة ورفق، تجعله يذوب بها عشقًا ويتوغل داخل أوردتها فهذه الفتاة ليست كغيرها، ملاك على هيئة بشر تقترب منه تضمه في وقت المحن، يستمد قوته من قوة إيمانها ويقينها بأن الله معه ولن يُضيعه، فما مرت به من عثرات وصعاب لم يتحمله بشر، فتاة غيرها كانت قد جُنت بما عانته من سحر، لكن الشيء الوحيد الذي كسر روحها هو بعده عنها وتركها تأن بوجع دون أن يكون جانبها يشفي لها وجعها ويلملم جروحها، ها هو جانبها بقربها الآن ولكن الدنيا لم تكن كما يظن تتقازف عليه بالسعادة والفرح فقط وأنما ما تقزفه الآن هو صواريخ وبراكين تنفجر اما النجاة او الموت لا طريق الآخر للفرار..
تبسمت له في عذوبة لينهار جبل الجليد ويضمها لصدره بقوة يطبق عليها بذراعيه في قسوة يريد أن يمزج جـ سدها بجـ سده، لا يفصلهما شيئًا عن الآخر، يلتحموا كأنهم شخص واحد، يتمنى ألا يفترقًا وهذه أقصى أحلامه وأمنياته في تلك اللحظات الأخيرة من حياته أذا كان مقدر له الموت عن أحياءه بين أحبته، يريد الموت بين أحضان الحياة خاصته وحده، رفض الإفصاح عن خوفه وقلقه مما هو أتِ ولكنها عرفت من نظرات عينيه مدا بأسه وحزنه ويا ليتها قادرة على تخفيف ما يشعر به الآن من مُعاناة،، صمت أبلغ من الكلام..
❈-❈-❈
داخل قصر “الكابو”
بعد ليلة حافلة قضاها في الإحتفال بانتصاره وتنعم بين أحضان العاهرات، فهو لم يتزوج إلى الآن رغم تجاوز عمره الخمسون عام، لكنه رفض الزواج لكي لا يظل شبح الماضي يلاحقه، لديه عقدة طفولة لم يتخلص منها بعد؛ بسبب ما فعله والده ووالدته معًا، بعد ليلة عشق صاخبة تمت في رومانسية حالمة تعج بعزفها المنفرد على أصابع البيانو ورقصة خاصة تتوهج بمشاعر فياضة من التلاحم الجـ سدي وتتوق والدته وتمرمغها في أحضان ابيه أسفرت تلك الليلة السوداء عن حمله وأصبح منبوذًا عند ولادته يُلقبه الجميع بابن العاهرة كما قال عنها والدها عندئذ أتت إليه تزف له ذاك الخبر التي كانت تظن بأنه سيتزوجها بعد معرفة بحملها في رحمها طفلا منه ولكن حطم والده آمالها منذ تلك الليلة السوداء كما أسماها هو، نتيجة شـ هوة، خطًأ لم يقترفه ولا ذنب له بذلك ولكن عاش طوال عمره بسبب أنتقام أهوج تخلى الاب عن ولده البكري، وظل كما هو في الخفاء، عاش عمره في الظلام الدامس لم يشعر بوجوده أحد، تعذب كثيرًا وعان مرارات فاجحة ولا زالت جروح الماضي تنزف دمًا ولم تلتئم بعد، حتى بعدما فاز بمنصب الزعامة لم تدخل قلبه الفرحة العارمة التي كان يتتوق لها لهفة وشوقًا في تحقيق أنتصارًا ذاتيًا، وعند مقتل ابن شقيقه غاص في بحر المحرمات لعله يجد نفسه بين الساقطات العاهرات اللاتي أخذ لقبهن وهو طفل صغير عندما كان يُشار إليه يهتفون بأنه ابن العـاهرة طفلا غير شرعي، رفض والده الاعتراف به وهذا ما جعله يجن جنونه، عنيف، قاسي القلب، مُتحجر يوهج مثل النيران التي تلتهم بالسنتها المُسترعة تقضي على كل من يقترب منها.
أنسدلت دمعة فاترة من داخل مقلتية الزرقاء التي ورثهما عن والده، كلما نظر لنفسه داخل المرآة يجد شبح والده أمامه يحاول أخفاء ملامحه بشتى الطرق؛ لكي لا يتذكر والده، يُريد مح صورته كما محى أسمه من الوجود، يظل دائما مُرتديًا النظارة السوداء لكي تحجب الرؤية عن زرقاويتيه، يرتدي قبعات أعلى رأسه وظل مُحتفظًا بها رغما أنه يصبح شبيه والده أكثر ولكنه أراد أن يثبت للعالم أجمع أنه كبير عائلة”مارتن” الطفل الذي نقمه والده عند ولادته أصبح اليوم يمتلك أسطورة ألبرت مارتن وحده وهو الاحق بكل ذلك.
محى دمعته التي خانته بغضب فهو لم يذق ذلك الشعور من قبل، شعور بالضعف والاستسلام، لقد قضى سن المراهقة خلف القضبان الحديدية عندما أوقع نفسه في جريمة سرقة والشرطة امسكت به ووضعته بالأحداث وذهبت والدته تستنجد ب ألبرت الذي تركه يعاني داخل سجن الأحداث عدة سنوات وأخرجه وهو في عمر الخامسة والعشرون، تركه يقضي عشرة أعوام خلف القضبان وتوفت والدته بسبب حزنها على فراقه، قسى عليه والده كثيرًا، ذاق مرار الحياة وحده لم يحنو عليه يومًا، لذلك لم يحزن على وفاته ولم ترف عينيه ونجح في الخلاص من والده وشقيقه للأبد لينعم هو بالحياة الرغدة الذي كان ينتظرها، وها هو اليوم زعيم المافيا، أسطورة من أساطير عالم المافيا، يخافه الجميع، أسمه فقط يدق الرُعب في قلوب من عرفه او لم يعرفه وسمع عنه، ترتجف له الأرض وتهتز من تحت قدميه عندما يخطو خطواته عليها، ينتابه الشعور الغرور والكبرياء فقد حصل أخيراً على ما يستحقه..
سكب المشروب خاصته وأشعل السيجار يزفر دخانها في زهو وتفاخر بما حققه من نصر، ولا زالت الانتصارات قادمة عندما علم بخبر زوجة شقيقة داخل المشفى يبدو بأنها تحتضر وتلحق بابنها الذي تخلص منه، يبقى الأبن الاصغر لتوفيق يتوعد بمحوه هو الآخر، سوف يتفنن في موته تليق به.
ضحك بملىء صوته عندما شعر بلذة الإنتصار واقتراب نهاية أبناء توفيق شقيقه الذي أنهى حياته بجمود ودم باردًا ليتربع هو على عرش الكابو..
❈-❈-❈
المنصورة..

في مساء اليوم عندما هاتفها الجدة “سناء” صرخت بفزع وركض فاروق على صراخها يتفقد ماذا حدث، ليجدها تضرب على فـخديها بقوة وتبكي بشهقات مرتفعة وتندب وفاة زوج ابنتها:
-يا حبيبي يا بني، لسه في عز شبابك تروح كده فجأة، يا عيني على حظك يا بنتي، مش مكتوب ليكي الفرح خالص يا ضنايا
هتف فاروق قائلا بعدم فهم:
-في ايه يا دلال حصل ايه؟ بتولولي ليه اتكلمي؟
رفعت أنظارها تطالعه بقهرة:
-سليم جوز بنتك مات، ااااه يا حرقة قلبك يا بنتي
شلت الصدمة حواسه وجلس فاروق أعلى المقعد دون حراك، لم يصدق بما سمعه لتو، كيف حدث ذلك وهو التقى به منذ يومان وكان الشاب في كامل صحته؟ فاجعة الموت الفجاة تجعلنا نفقد صوابنا غير مدركين بأن الموت والحياة بيد الله سبحانه وتعالى، وأن الأقدار كلها بين يد الله، واذا جاء أجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون..

استرق طارق السمع عندما على صوت زوجة عمه هاتفة بأسم حياة، دق الرعب قلبه واتسعت عيناه وهو يطالعهم من فتحة باب غرفته، لترتسم الابتسامة على محياه عندما علم بخبر وفاة زوج حياة، اذا أصبح الطريق لقلب حياة فارغًا عليه الاقتراب هو وبث حبه لها من جديد، لعله ينسيها حزنها ويتعافى هو الآخر بوجودها، فها هي محبوبته سوف تعود إليه ولن يتركها ثانيًا..

انتفض فاروق بعد صدمته التي زلزلت كيانه من الداخل وشاطر شقيقه حزنه واخبره بمصابهم وانهم لابد وان يعودوا إلى القاهرة الان من أجل ابنته فهي بحاجتهم.
لن ينتظرون الصباح غادروا المنصورة في غسق الليل ودموع الحسرة على فقد مُصابهم جعلهم صامتين تمامًا غير مدركين بما سيحدث لابنتهم بعد وفاة زوجها..
وصلا لمنزلهم فجرًا لتكون الكارثة الكبرى تغيب حياة بعد وفاة زوجها ولم تعود إلى منزل والديها والفيلا لا يوجد بها أحد بعدما أخبرتهم فريدة بالوعكة الصحية التي أصابة والدة سليم وشقيقه أيضًا.
كيف له أن يتصرف ويبحث عن ابنته الان، جلس مكبل الايدي ينتظر حلول النهار لكي يبحث عنها ويذهب إلى الشرطة يقدم بلاغًا بتغيبها..

عندئذ دلفت فريدة غرفتها وقررت الاتصال ب”سراج” نقلت له خبر عودة والديها وبما ينوي عليه والدها في الصباح، أغلق سراج الهاتف وقرر أن يستقل سيارته ويصل إليهما لكي يقص على فاروق خبر نجاة سليم وسفره هو وحياة خارج البلاد ولا داعي لقلقه ولا لأخبار الشرطة، سوف يكتفي بذلك فقط ولن يقحم فاروق في تفاصيل أكثر مما يعرفه فليس من حقه إفشاء سر سليم الان..

وصلا سراج في غضون دقائق وصعد إلى حيث الشقة، دق جرس الباب، فتح فاروق الباب بلهفة فقد ظن عودة ابنته ليتفاجئ بوقوف سراج أمام باب الشقة وهو يقول:
-بعتذر يا عمي ان جيت في الوقت ده، بس موضوع مهم لازم نتكلم فيه
افسح له المجال لدخول دون أن يهتف بكلمة، وتوجها لغرفة الصالون ولحق به سراج وقال وهو لا زال يقف أمامه :
-عمي سليم بخير وعايش، ربنا نجاه من حادثة العربيه وحرقها
تطلع له بذهول ليكمل سراج حديثه وهو يسرد عليه بأن تعرض سليم لحادث قتل كما تعرض من قبل بإطلاق الاعيرة النارية داخل الفيلا عند عودته من السفر وهو الآن سافرًا خارج البلاد هو وحياة ولكن رفض البوح بأكثر من ذلك.
رفع فاروق يده وهبط بها بقوة على وجنته سراج في صفعة مدوية أثر ما تسبب لهم من خبر كاذب كاد أن يزهق بروحه ذاك الخبر..

❈-❈-❈

عاد ماهر يتلفت حوله بخوف وفزع، جـ سده يرتجف أثر الحمى التي أصابته وهو ساهرًا داخل الملهى الليلي يحتسي المشروب المُسكر، إلى أن ارتخ جـ سده وأصبح ترنح في خطواته، عاد منزله بصعوبة، وعندما ولج لداخل تعثرت خطوات المترنحة وسقط أرضًا

علم والده بقدومة في تلك الساعة المُتاخرة وسار بخطواته البطيئة لكي يتفقده وجده مُلقى أرضًا خلف باب الشقة، اقترب منه ثم جلس بجانبه يلامس كتفه لكي يفيق، ارتجفت أوصاله وكأنه صُعق بماس كهربائي وفتح عينيه المحمرتين بوهن وبدء يفصح عما فعله وهو مُغيب أثر الخمر الذي أجتاح جـ سده ونوبة الاعياء الذي أصاب بدنه
همس بصوت مبحوح وهو يطالع نظرات والده القلقه:
-عارف ابنك عمل ايه…؟ عملت اللي ماقدرتش تعمله من سنين
صمت قليلا ثم ضحك وهو يكمل كلامة بطريقه مُذبذبة:
-طلبوا منك تقتل توفيق السعدني وانت رفضت وكان مصيرنا أن أمي وأخواتي دفعوا التمن، أنا بقى نفذت اللي كنت خايف تنفذة انت عشان جبان
ضحك بهسترية واستطرد قائلا بصوت خافت :
-ابنك مش جبان زيك، أنا كملت مسيرتك أه كملتها ودخلت المافيا برجليه وأنا بكامل قوتي العقليه ونفذت عملية أتحول في حسابي ملاين عارف يعني أيه ملاين
قال بفزع وهو يمسكه من تلابيب قميصه:
-عملت ايه يا ماهر انطق عملت ايه في نفسك وليه تدخل النار برجليك يا بني ده انا ماصدقت خرجت منها
قاطعه ببرود قائلا:
-خلصت من سليم السعدني
شهق بصدمة وهتف بغضب :
-انت بتقول ايه؟ فوق كده من الزفت اللي بتشربه وكلمني
خرج صوته بوهن:
-زي ما سمعت يا ابو ماهر، أبنك قتل سليم السعدني، عاوز تعرف أزاي؟ أنا هقولك ازاي..

 

 

الفصل التاسع عشر

دخل عالم المافيا وهو لديه حلمًا واحدًا أن يمتلك قوة ونفوذ لم يمتلكه أحد، يأس من ذاك الضعف الذي اجتاح والده والوهن الذي أصابه منما جعله رافضًا الخضوع والعيش كوالده، رفض أن يكون صورة مُصغرة منه وأن يواجه ذلك المصير الذي يراه عدم، فلا حياة لهم بعد ما حدث لأفراد عائلته، سعى بكل ما لديه من حلم شباب وطموح في الحصول على مبتغاه، وبالفعل نجح في زرع نفسه داخل المافيا، أراد أن يكمل مسيرة والده وهذا ما ساعده في الاقتراب من حصونهم المنيعة والتوغل بينهما، فعل كل ما يأمرونه لاثبات ولاءه، مر بالعديد من الأختبارات قبل أن يكون عضوا بتلك المنظمة العالمية، جاهدًا بكل ما في وسعه وحظى بالقرب من رجال كبار الدولة الذين يعملون مع المافيا في الخفاء وعندما تم الوثق به كلما طلبوا منه فعل شيء وينهيه بجدارة يزداد ماله في البنوك وهذا ما جعله يتاخذ معرض السيارات خاصته في أخفاء حقيقته فهي الستار الذي يتستر خلفه جميع الأعمال المشبوهة التي تفعلها المافيا.
وكان أخر مهمة لديه هو قتل “سليم السعدني” دون إثارة الشُبهات حول مقتله، فظل يُخطط ويتفنن في كيفية الخلاص منه دون ألفات الشكوك حوله، ظل يقرابه شهرًا كاملا إلى أن توصل لحل في طريقة القتل دون أن تظهر جريمة قتل، علم كل تحركاته واين يترك سيارته، عندئذ أتته الفكرة في قطع فرامل السيارة لتنقلب به وتتفحم وتظهر بأنها حادث قضاء وقدر لا بفعل فاعل، وقد نجح في ذلك عندما وجد سليم يصف سيارته أمام فيلة مهجورة وجدها فرصة لا تعوض، مكان خاليًا لا يراه أحد ونجح في قص فرامل السيارة وعاد إلى منزله وكأنه لم يفعل شيء..

سرد على والده الحديث بصوت مُتقطع واهن أثر احتساءه الخمر، ثم اغمض عيناه في ثبات.
نظر له والده بحسرة وندم، هذا الشاب الارعن يفعل كل ما كان يفعله هو بالماضٍ دون أحتساب العواقب التي ستلحق به من أذى، تمنى في تلك اللحظة الموت
ياليته مات مع عائلته في منزله المُحترق قبل أن يرا ابنه في هذه الحالة، ويفعل كل تلك الجرائم ويظن نفسه قد فاز، لا والله فهو خسر نفسه وخسر دنياه وخسر كل ما يملك ويظن انه فر من العقاب، سينال عقابه لا محالة وستكون نهاية خلف القضبان بالبذلة الحمراء ينتظر تنفيذ حُكم الإعدام وأنهاء حياته.
شعر بأنه عجزًا عن فعل شيء، يقف مُقيد الايدي ويشاهد ابنه الذي يضيع أمام عينيه ولم يكن لديه قدرة على حمايته من شيطان نفسه، بتسأل بقلة حيلة ونفاذ صبر، ماذا عليه أن يفعل؟ لم يجد جوابًا لسؤاله سوا الصمت القاتل، كل ما جال بخاطره الآن هو الموت فقد سأَم وجوده بهذه الدنيا ويكفي ما عاشه من عمر مديد، يُريد الارتياح من عذاب الضمير الذي سيظل يلاحقه إلى قبره، يا ليته قادرًا على تغير حياته السابقة وأنقاذ حياة ابنه، يُنقذ ما يمكن أنقاذه، لكي يلاقي ربه دون خوف من عذاب يلتهم روحه التائبة، تحرر من كل ما كان يملكه من مال ومنزل وتأب عن كل أفعاله المشبوهة والمُحرمة، فهو منذ أن ترك المافيا وفقد عائلته وهو زهد الدنيا ووجد راحته في البعد عن كل ملاذ الحياة ورغم كل ذلك لحق به العار وأكمل ابنه ما كان يخشاه، خدعه ابنه عندما اوهمه بأنه اقترض مبلغًا من أحدى البنوك لفعل مشروع هو وصديق له واستجر ذلك المنزل الذي يأويهم، وفاق على أكبر كذبة في حياته وابنه يزج به بدخوله بقدمه تلك المُنظمات العالمية التي تحس على خراب العالم من حروب ودمار، تدمير شامل في عقول الشباب المُغيب بسبب السموم البيضاء من المواد المخدرة التي تتسلل داخل كل منزل خفية وتضيع شباب الأمة، وتسفك وتُخرب وتقتل وتغتصب وتسرق وتفعل كل الجرائم بدون وعي كامل منهم، والسلاح الذي أصبح مُنتشرًا في كل رقعة من بقاع الأرض، داخل كل منزل، بيد كل مُراهق، شابًا ومُسنًا، جرائم يقشعر لها الأبدان،” كثر الفساد في البر والبحر”
نجحت المُخططات المُنظمة في زرع افكار خاطئة بعقول شبابنًا الغير واعي والغير مُدرك بما يقترفونه من جُرم في حق أنفسهم أولا وضياع مُستقبل شباب طموح هم أمل الغد …
❈-❈-❈
داخل منزل فاروق.
طالعه سراج بخزي بعدما صفعة فاروق، ولكن سرعان ما ضمه فاروق إليه وظل يشدد على ظهره وهو يقول :
-حقك عليا بس أنا كنت في موقف صعب، سامحني يا بني
تبسم له بلطف وقال:
-عمي مافيش داعي للاعتذار وانا ابنك ومن حقك تغضب وتثور، بس اقسم لحضرتك أن الموضوع خارج عن إرادتي ومش من حقي أصرح بأي شيء
تفهم أمر وفاءه بالوعد الذي قطعة على نفسه وشعر بالارتياح بخبر نجاة “سليم” ولم يُصابه الأذى ونقل الخبر المُفرح إلى زوجته وأبنائه وافصح سراج أيضًا عن الحراسة التي ستكون معهم في كل خطوة يخطوها خارج المنزل وهذه دواعي أمنية أوصى بها سليم قبل سفره.
وهدئت العاصفة ورحل سراج إلى منزله وجلس فاروق بشرفة المنزل شاردًا بما يحدث لذلك الشاب زوج ابنته، شعر بأنه لم يعرفه بعد ولديه خفايا لم يصارحه به، حياة غامضة مليئة بالالغاز، ليس بيده فعل شيء إلا الدعاء لهم بالعودة وأنتظارهم لكي تضح كل الحقائق الخفية..
❈-❈-❈
عودة إلى ألمانيا..
جهاز المُخابرات تعاون مع الشرطة الفيدراليه وتم تحديد موقع القصر الذي يقطن به زعيم المافيا، وتم وضع الخطة المُحكمة وتجهيز سليم في مواجهة الكابو، تحت الحراسة المُشددة المُحاطة به، ولم يخطو خطوة دون “باسل” و”كرستين” ملازمين له في كل تحركاته وزرعوا بجسده ميكروفون صغير الحجم كعقلة أصبع وكاميرا تصوير لكي يتم تسجيل المشهد بالصوت والصورة معًا، تم وضعهما أسفل قميصه وارتدا السترة أعلاه لكي تتوارى عن الأعين ولم يشعر بوجوده أحد، كم أنه تم تجهيزة من قبل بالتصويب وإطلاق الاعيرة النارية أذا تطلب منه الأمر باستخدام السلاح الناري، أعطاه باسل سلاحه الذي دسه داخل جيب بنطاله الخلفي وسلاح أخر تم دسه داخل جرابه لانه يعلم بالتفتيش الذي سيتعرض له وهو في طريقه لاقتحام القصر ورؤية عمه، كما تولت كرستين تأمين “حياة” التي أصرت على إلا تترك زوجها واذا قدر لهم الموت تكون معه هكذا تواعدًا.
حانت ساعة الصفر، فلم تعد الشرطة الفيدرليه صبرًا، يكفي حروبًا فالسلاح أصبح مُنتشرًا في كل أنحاء العالم، شرقًا وغربًا، شمالا وجنوبًا، ولن يستطيعون ردع الكابو ولا الإمساك به، اليوم سخط بيده نهاية لكل جرائمه التي أقترفها في حق ضحاياه، سيسطر التاريخ اليوم نهايته التي يستحقها أم التعفن داخل السجن أو القتل، فقد وضعت الشرطة أمامها كل الاحتمالات الواردة في شخص كهذا، يعشق الحرب والدمار والخراب، شخص غير سوي مُتعطش للدماء، يسكف دماءهم بتلذذ وأنتصار، يُحقق غايته في ضحاياه، سُلبت منه المعيشة الرغد منذ الصغر ولذلك يسلب حياة الأطفال والمراهقين والشباب بجمود بارد، بردوة القطبين الشمالي والجنوبي.
تم التحرك في سرية تامة، قوات الشرطة تعدو في صفوف يسيرون خطواتهم في حذر، لديهم قوة من الفطنة والثبات لكي يسير الأمر كما خُطط له دون خسارة في الأرواح.
التفت القوات تحاوط القصر من كل جانب، متواريون عن الانظار، عندئذ هم سليم بوداعهم وسار في خطوات واثقة لم يعد يخشى شيئًا، فاتح صدره لمواجهة عدوه الذي هو في الأصل شقيقًا لوالده.
يعلم بأنها مواجهة عصيبة للغاية وأذا لم تسفر عن نجاح فيكَون أحد منهما مصيره الفناء.
همس داخله يردد العون والمدد من الله وهذا ما جعله يتماسك قوة وصلابة واصرار حاسم على خوض المواجهة وحده، يُريد تفسيرًا منه على ما اقترفه في حق والده وحقه ولما أراد التخلص منهما، كل ذلك فعله من أجل الحصول على الزعامة، لو كان طلبها من والده لم يتردد في التنازل عنها بعدما عرف بحقيقة عمله داخل المافيا، الان وبعد وفاته بعدة أعوام أكتشف لغزًا أخر خاص بـ والده وحقيقة نسب عائلته، وصدمة كبرى عندما علم بمن الذي أسس عالم المافيا واورثها لوالده، صدمة تليها صدمة، صفعات لا تُحتمل.
تسلل سليم داخل حديقة القصر الشاسعة، بينما نجحت قوات الشرطة باحكام السيطرة على الحراسة الخارجية للقصر.
ضغط زر الجرس، لتتقدم خادمة القصر وفتح الباب وهي تتسأل بلكنتها الألمانية عن هويته، ولكنه تركها سليم تصرخ عليه وجال بعينيه حيث وجد المكتب ينفتح ويخرج منه “الكابو”
حدجة بنظرة متفحصة
هتف سليم وهو يقترب منه ثم وقف أمامه قائلا:
-إلا تتعرف عليَّ عمي الحبيب؟
هبطت الكلمات على مسامعه كالصاعقة التي زلزلته، وجوده يُهدد عرشه بالسقوط، لماذا القدر يُعانده كلما حاول التخلص منه؟
لأول مرة يرتجف جـ سده خوفًا من رؤيته فقد كان كثير الشبه بشقيقه.
قطع شرودة استرسال سليم حديثه :
-إلا تعرفني حقًا؟… حسنًا أنا سليم توفيق السعدني
ثم ضحك بخفة واستطرد :
-عفوا سليم توفيق ألبرت مارتن، الزعيم الذي سيقضي على مسيرتك عمي العزيز
هتف بخبث وهي يقترب منه يُعانقه
-مرحبًا سليم، تمنيت لقاءك كثيرًا
لم يبادله العناق الخبيث ولن يتأثر بخديعته، فهو في موقف يُحسد عليه.
جذبه “جاكوب” من ساعده ودلف به غرفة مكتبه بعيدًا عن خدم القصر.
رسم قناع المحبة ونجح في إظهار أبتسامته ولم يجلس سليم ظل واقفًا ثابتًا مكانه كل ما يفعله التحديق بعمه وبكل حركة يفعلها او خطوة يخطوها
للعجيب انه ذكره بوالده، تنهد بعمق وبتر كلماته الأخيرة تهديدًا صريحًا:
-جئت لمحاسبتك على كل ما فعلته في حقي وحق عائلتي، كم تمنيت لقاءك عندما علمت بوجودك ولكن لم أكن اتوقع بأن العم مثابة الاب يُريد قتل أبناء شقيقه، يا لعظمتك عمي كيف حدث ذلك أخبرني فأنا لم أستغرب فعلتك تلك عندما قرأت في مذكرات والدي بانك فعلت الأسوء وهو قتل والدك؟ كيف طاوعتك يدك بدس السُم داخل الطعام؟ هل كُنت واعيًا بما تفعله أم كُنت مُغيبًا؟ هيا عمي أخبرني.
ازدر ريقه حينما افصح سليم عن كل ما عرفه وسقط قناع الخبث عن وجهه
خرج زفيرًا عميقًا وجلس خلف مكتبه ثم نزع النظارة السوداء عن مقلتيه ونظر لسليم بجدية وهو يشبك كفيه أعلى مكتبه :
-حسنًا سليم، لم يعد الأمر خفيًا عليك، أنت مُحق، دعنا نتحدث على كشف المستور ونعيد الحقائق إلى نصابها، أخبرني أولا عن أي شيء تريد معرفته وأنا لم أبخل عليك ساقص عليك كل شيء حقًا؟
ولكن أجلس فالحديث يبدو طويلا وشيقًا، ثم عاد ظهره للخلف ونزع القبعة البيضاء والتقط قنينة المشروب والكأس وسكب به وهو ينظر لسليم قائلا:
-ما رأيك في تناول المشروب أولا؟
هز رأسه نافيًا وقال بجمود:
-لم أاتي من أجل أحتساء الخمر معك؛ اريد منك تفسيرًا وتوضيحًا للحقائق واعدك لم ترأ وجهي بعد اليوم.
ارتشف الكأس جرعة واحدة وفي لحظة مبتاغة التقط سلاحه ورفعه أتجاة سليم، يصوبه أعلى صدره، لم يخف سليم ولم يتحرك من مكانه، ظل صامدًا يطالعه فقط بقوة ولوى ثغره في بسمة طفيفة وقال بلامبالاة من سلاحه:
-أخبرني حقائق الماضي وكل الجرم الذي أقترفته في عائلتك وفي العالم، وبعد ذلك أنا أمام مُجردًا تمامًا من السلاح، اتيتك بنفسي دون خوف، كل ما في الأمر أريد معرفة الحقائق وبعد ذلك افعل ما يحلو لك فأنا أمامك ولن استطع الهرب من سطوتك.
ظل مصوب السلاح على جسد سليم وقال بغضب جامح، جعل يده تهتز وترتجف والسلاح لم يعد قادرًا على التحكم به، وضعه أعلى مكتبه وقال بصوت واهن، عاد لذاكرته كل الآلام الماضٍ تلاشت قوته تمامًا وتخلى عن جموده وتحدث بصدق وكأنه عاد طفلا، يشكي مرارة التعامل، يشكي حزنه بسبب التنمر والإهانة التي تعرض لها منذ أن كان طفلا صغيرًا، تدمع عيناه وتنهمر منها الدموع كسيول دون توقف وهو يقص عليه الماضٍ الأليم وقسوة الحياة وقبل أن تقسو عليه الحياة، قسى والده عليه واقصاه من حياته تمامًا، كأنه لم يولد ولم يكن له وجود في هذه الدنيا، قال بدموع تقطر دَمًا وقلب يتمزق من الداخل دون أن يزرف الدماء جراح متراكمة لم تُشفي بعد، غضب عارم داخله، خذلان من والده، شعور بالنفور من أقرب الاناس له، مُعاناة لم يتحملها أحد على وجه الأرض، افصح عن كل ما في داخله، تعرت روحه أمام سليم الذي اشفق على طفولته وعلى كل ما مر به، وكما انه تعرض لقسوة والده وهذا ما جعله ناقم على الجميع، وزرع داخله كره وانتقام من والده وشقيقه الذي فضله والده عليه، شعور بالبغضاء، يريد حرق العالم بأكمله ونجح في التخلص من واحد تلو الآخر وكان مُصرا على الخلاص منه أيضا لانه يُهدد عرش سلطته في عالم المافيا، ولا يخفي عليه شعورة بلذة الفرحة والانتصار عندما اتاه خبر موته، وعن سعادته وهو يسيطر على عالم بأكمله بسبب سلاحه، اعترف بارتكاب ابشع الجرائم لن تختصر على نشر السلاح في العالم بلا فعل الأكثر من ذلك، تاجر في أرواح الأطفال الصغار، تاجر بالفتيات القُصر في دعارة مُقننة وعند انجابهن الأطفال يقتلون الاجنة وعمل من اعضائهم البشرية مسحوق من بودرة مخدرة يتم خلطها بمواد كيميائية معينة، مافيا كاملة مُتكاملة من الأعمال المشبوهة والمُحرمة دوليًا وأنسانيًا، وبعد اعترافه الذي تم تسجيله بالصوت والصورة وهو على تلك الحالة المبكية، لا يعلم سليم ايتعاطف معه أم يبغضه ويكره بسبب كل ما فعله من جرم في حق البشرية بأكملها.
بعد نوبة بكاءه اتته هسترية من الضحك ورفع السلاح وهو يكركر ضاحكًا
-لم يبقى لدي إلا الخلاص منك ليرتاح قلبي
لم يحاول سليم منعة ولم يشهر عن سلاحه الذي اخفاءه داخل جرابه بلا طالعه بنظرات جامدة وقال بكل ثقة وثبات؛
-أذا كُنت تود ذلك فلك ما شئت
لم تنتظر الشرطة الفيدرالية أكثر من ذلك، اقتحمت القصر على الفور، ودلفت غرفة المكتب سريعًا وهي تشهر الأسلحة بوجه جاكوب، يهتفون عليه بأن يلقى سلاحه أرضًا وأن يخضع لهم
وهو لا زال قابضًا بقوة على زناد سلاحه لتخرج منه عدة طلقات نارية جعلت الجميع في حالة صدمة..

“خذلان”
يخلف في القلب جرحًا لن يلتئم عندما تشعر بالخذلان من الأقرب إليك، مما ظننت يومًا انه السند، غصة مريرة تعصر القلب، كسرة لم ياتي بعدها جبرًا، هزيمة لا انتصار بعدها، جرح مدمي في القلب لا يُطاق ولا يتحمل.
ضجيج أصواتهم أصبح يؤلمني يذكرني بالاذي القاسي الذي وقع عليَّ، جميعهم يتألقون في خداعي وأنا أقف متسمرًا بلا حراك أشاهدهم يتراقصون فرحًا على آلامي، يرتدون أقنعة مخادعة يبتسمون في وجهي ومن خلفي يلتهموني بألسنتهم الماكرة، سأضمد جراحي بنفسي وأكفكف دموعي، هؤلاء لن يستحقون زفر دمعة واحدة من عيني، ساترك قساوة قلوبهم التي تبدلت وأصبح مكانهم حجرًا لا أحساس ولا شعور لهم وهذا طبع البشر..

الفصل العشرون
“الأخير”

 

أقتحمت قوة الشرطة الفيدرالية القصر وتناثرت داخله محاطين به من جميع الجهات وبعضهم من اقتحم غرفة المكتب ليتفاجئ بـ جاكوب زعيم المافيا يشهر سلاحه مصوب أياه إتجاه جـ سد “سليم”

وقبل أن يضغط الزناد داهمه “باسل” من الخلف وقبض على يديه يكبلهم بعدما نجح في نزع السلاح من يده، وقبل أن يضع الافصاد الحديدية في يده دفعه بقوة والتقط السلاح منه ثانيًا وهو يهددهم بأن يتركوه يغادر وإلا قتل “سليم” وأفراد من الشرطة
-دع سلاحك يسقط من يدك
تبادل “باسل” نظراته مع “كرستين” وبعض رجال الشرطة، وارسل لـ كرستين غمزة مبهمة، فهمت ما يريد قوله، يردون تشتيته
وكانت هي أول من ألقت بسلاحها أرضا، سقط بجوار قدمها، وفعل واحد تلو الأخر من أفراد الشرطة وجاكوب يطالعهم بنظرات خائفة، قلقه، حينها علم باسل بأنه لم يقدر على تنفيذ تهديده، فهو مذبذب الآن، اقترب باسل على حين غرة ودفعه بقوة ليسقط أرضًا ويبعده عن سليم، الذي وقف مصدومًا يشاهد المشهد أمامه دون حراك
حاولت كرستين جذبه والخروج به من القصر ولكن تخشب جـ سده وتسمر مكانه.
انبطح باسل بكامل جـ سده فوق جاكوب وسدد له لكمات قوية لكي يجعل السلاح يفلت من يده القابضة عليها بقوة، وخرج صوته قائلا؛
-لا أريد أن أُسجن، دعني انهي حياتي بيدي
ولكن باسل كان الاقوى وسدد له ضربة قوية بمنتصف جبينه جعلت رأس جاكوب تترنح للخلف وسقطت أرضًا دون مقاومة وجذب السلاح عنوة، ثم استقام ناهضًا وأشار إلى الشرطة لكي تتولى أمر تكبيل يده بالافصاد ونظر له بتوعد:
– لن ندعك تموت بسلام يا قاتل الأبرياء، سوف تتعفن في الجحيم، ستنال العقاب الذي تستحقه انت وأمثالك يا عديم الرحمة.
غادروا القصر بعدما تم تقيده وأثناء مغادرات السيارات القصر، تعرضت الشرطة لهجوم بعض العناصر الإرهابية اللاتي يرتدون الإقنعة، وبدء في تبادل أطلاق الرصاص الحي بينهم، يريدون تحرير زعيمهم، وانحرفت السيارات عن الطريق، وحالة من الذعر أجتاحت حياة التي تصرخ كلما دو صوت أطلاق الاعيرة النارية، ينتفض جسدها بخوف وهي متشبثة بذراع سليم الذي يشدد في ضمها إليه يدفن وجهها في صدره لكي لا ترى ما يدور حولها يكفي ما تسمعه.

بعد مرور ساعة من مداهمة قوات الشرطة، تغلبت الشرطة على أسقاط العناصر الإرهابية المُقنعة ودوى انفجار مروع باشتعال أحدى السيارات ونجحت في الامساك بالآخرين وافشال محاولتهم.
ولكن أُصيب الرائد “باسل” وبعض من رجال الشرطة وتم نقلهم إلى المشفى، بينما الزعيم جاكوب ورجاله تم وضعهم بزنازينهم داخل مخبر الشرطة الفيدرالية وانهطلت عليهم التحقيقات في كل الجرائم التي فعلتها المافيا ونُسبت إليها، كم مهؤل من الجرائم التي أقترفتها المافيا الألمانية على مدار أعوام عدة مضت منذ تأسيسها إلى أن تولى جاكوب الزعامة،، وتم حصر الجرائم البشعة التي تمت في زعامة “توفيق” والد سليم، الذي طأطأ رأسه خزيًا وحزنًا على ما فعله والده، اغمض عيناه في حزن وأسى على ضحايا والده من الأطفال والنساء والرجال والشيوخ، كل جرم فعله يجعل قلبه يرتجف وتزداد نبضاته من قظ بأسه وحزنه على ما جرت إليه المقادير، كيف لوالده أن الذي تربى تحت ظله على حُبه وحنانه وأحتواءه لكل فرد من أفراد العائلة، وعلاقة عشقه القوية بوالدته، الطبيب الحنون ذو القلب الرحيم كيف سولت له نفسه بالقضاء بيده على أرواح الأبرياء؟ لما أكمل مسيرة والده ولم يعزف عن أبعاد نفسه وارغام والده على التخلي بكل تاريخه الاجرامي في تلك الأعمال المشبوهة والغير مُعترف بها شرعًا وقانونًا، كانت تختصر فقط على قانون وضعه ألبرت بالماضٍ لكي يقتص لعائلة التي قُتلت غدرًا على يد أقرب الأقربون، لذلك جعل منه وحش مُفترس يلتهم كل من يقف أمامه ويعوق طريقه، لا يعلم إلى الآن من الجاني؟ ومن الضحية؟
الجاني الحقيقي جده ألبرت أم والده وعمه اللذين أكمل ا مسيرته دون توقف… ومن الضحية؟
والده الطبيب الذي أستغل منصبه ومشفاه في أعمال الغير أدمية في جميع ضحايا من الأطفال الصغار والشباب والسيدات.. أو عمه الذي لا يعلم كيف لقلبه أن يشفق عليه ويشعر بالشفقة عليه، فكل ما حكاه ومر به منذ أن كان جنينًا ببطن امه وهو مرفوض ومنبوذ من أهله وبلده وكل المحاطين به، ذهنه مُشتت بسبب عمه ولكن عقله اقنع قلبه بأن عمه جاني ويستحق كل ما سيناله من عقاب رادع، لكي تنقضي نهائيًا المافيا وأعمالها من العالم أجمع
صراعات داخلية كثيرة بين أحكام القلب وخضوع العقل فمن الفائز بينهما في النهاية؟..

بالمشفى تم أسعاف الجرحة والمُصابين، وظلت كرستين بجانب “باسل بعدما تبين بأن أصابته بالكتف، بينما التحقيقات لم تنتهي بعد..

” لحظة الحيرة من اللحظات الصعبة والشاقة على قلب كل انسان وعلى عقله فهي عبارة عن تخبط بين البدائل المتاحة في الاختيارات التي أمامه .

يخاف أن يأخذ قرار لم يكن في مصلحته ،وأوقات تكون الحيرة أمام إختيار واحد ولكنه إختيار مخيف غير مأمون العواقب أو يحتاج إلى تضحية أو تغيير كبير في الحياة فيصاب الإنسان بنوع من التخبط وهو مؤلم جدا لذلك تعتبر الحيرة أسلحة ثقيلة على صدر الإنسان ولكنها لحظة تغيير لأن غالبا يعقبها قرار وهذا القرار يعقبه خطوات في حياة الإنسان .

فهي لحظة يحتاج فيها أن يفهم مشاعره جيدًا ويعلو صوت المشاعر لأنهُ كثيرًا ما يفكر في مصلحته ولكنه بالتأكيد عنده شهوات وأهواء وأوقات يفكر في نفسه و في مصلحة من حوله ”
هكذا يتقلب سليم على جمرات من الحيرة و التخبط
❈-❈-❈
عودة إلى القاهرة..
وعلم حمزة بمن المُتسبب بمحاولة قتل” سليم”بعد الاطلاع على تقرير المعمل الجنائي، وبدء في تفريغ الكاميرات الخاصة بالشركة الذي أعطاه إياها سراج.
وعن التحركات الذي أخبره بها سليم قبل انفجار سيارته، لم يذهب إلى أي مكان غير الشركة والفيلا المهجورة القديمة لعائلته..
لم يجد شيئًا غريبًا حدث داخل وخارج الشركة في ذلك اليوم، فقرر التوجه إلى الفيلا ونزع كاميرات المراقبة التي فعلها سليم حديثًا بعد محاولة قتله أثناء الحفل الذي أصاب به أسر بدلا عنه ومن يومها وهو يحاول تأمين كل شيء حوله وخاص به يذهب إليه ويختلي بنفسه وهُناك.
وبالفعل وجد حمزة بداية الخيط من فك شفرة اللغز من عند الفيلا المهجورة، فرغ الكاميرات ورأ شابًا في العشرينات من عمره يسير بسيارته خلف سليم يبدو بأنه كان مُراقب من قبل هذا الشاب، دون أرقام لوحة السيارة، وفي فيديو أخر، رأ سليم يصف السيارة يوم الحادث أمام الفيلا ودلف هو لداخل ام الشاب فترجل من سيارته ودار حول نفسه في خوف وترقب، ثم اقترب من السيارة وتسطح بجـ سده أرضا ودلف تحت السيارة غاب عدة دقائق ثم خرج وهو يجفف يده بمحرمة ورقية وألقاها أرضا ثم دس شيئًا أخر صغير وحاد يبدو بأنها السكين الذي أستخدمه في قطع فرامل السيارة، أذا هذا الشاب هو من فعلها، غادر الرائد حمزة مُسرعًا يقود سيارته متوجهًا إلى إدارة المرور للكشف عن صاحب السيارة ومعرفته ليتم أخبار النيابة بالأدلة التي تم اكتشافها ويخرج أمر بضبط وأحضار هذا الشاب للتحقيق معه في محاولة قتل سليم ومعرفة من وراءه وهل يعمل تابعًا للمافيا أم لشخص أخر؟
كل ذلك سيتم التحقيق فيه لاثبات الحقائق المخفية..

❈-❈-❈
أما عن وضع خديجة بالمشفى، أستجاب جـ سدها للعلاج وبدءت حالتها في تحسن بعدما علمت بتكذيب خبر وفاة فلذة كبدها، وهاتفها سليم ليطمئنها عليه وأنه بخير وسيعود إليها بأقرب وقت..
عادت البسمة لمحياها ثانية وأنار وجهها الصبوح وقررت العودة لمنزلها، لا تريد أن تظل بالمشفى، ورغم قلق أسر ألا أنه أستجاب لرغبتها وفضل أن يباشر عمله بالشركة، فيكفي كل ما حدث سابقًا، يجب عليه الآن الاهتمام بزوجته وطفلة القادم ثم عمله الذي هو جزءًا من حياته، وأتفق هو وشقيقه أخبار والدتهم بحقيقة والدهم المخادع، فضلوا أن تظل صورته في نظرها كما تعودت، لم يقدرون على ايزاء مشاعرها وكسر خاطرها، يكفي أنها لا زالت تتذكر ذكرياتها الجميلة معه ولا زالت ترأه أمام اعينها أنقى رجلا عرفته وأحبته وأخلصت له حتى بعد مماته فهو بعينيها رجلا لا مثل له، سوف يظل هكذا، سيخفون الماضي ويُدفن للأبد ولن يعود الحديث عنه ثانيًا، ستبقى الحقيقة في داخلهم فقط، وسوف يسعى سليم لتعويض الاناس اللذين تعرضوا لاذي على يد والده؛ أذا كان في أستطاعته فعل أي شيء فلن يتأخر في تنفيذه وسيطوي صفحة الماضي بلا عودة، ولن يرغم عقله على التفكير فيه سوء أن يطلب من الله أن يغفر له ويُسامحه ويدعو له بالرحمة..

❈-❈-❈
بعد التحريات التي أجراها الرائد “حمزة” ومعرفة من هو الشاب صاحب السيارة من أدارة المرور، وعاد إلى وكيل النائب العام وطلب منه أمر ضبط وأحضار هذا الشاب وتفتيش منزله، وبعد ذلك تحرك إلى وجهته ومعه قوة من الشرطة.

في ذلك الوقت داخل منزل رفعت والد “ماهر”
جالسًا على مقعد بالصالون دون حراك فاقدًا الوعي واثر بكاء على وجنته.
بينما ماهر نائم بغرفته مُتعب من أثر أحتساء المشروب الذي جعله يسكر ويبوح لوالده بكل شيء.
نهض عن الفراش بارهاق وهو يضع أنامله أعلى جبينه يشعر بصداع يكاد أن يفتك برأسه وتذكر ومضات من ليلة أمس، غادر غرفته ذاهبًا لغرفة والده ولكن عندما فتح باب الغرفة لم يجد والده بالداخل، هبط الدرج وهو قلق بسبب ردة فعله على ما دار بينهما أمس.
ظل ينادي والده إلى أن وقعت عيناه على مكان وجوده داخل غرفة الصالون.
اقترب منه ببطء ثم دنا منه ظن بأنه قد غفلا مكانه، جلس على ركبتيه أمام مقعده ووضع كفه على أرجل والده يهزه بلين وهو يردد أسمه بصوت هادئ:
-بابا…. يا حج قوم معايا أطلع أرتاح في أوضتك
لم يستجب له والده، فعاود هزه ثانيا بقوة أكبر، ونهض من مكانه بفزع يربت على وجنته عده مرات برفق ويحرك رأسه يمنة ويسرة ويصرخ مناديا اياه
-بابا.. بابا
هز جسده بأكمله بين يديه وهو يصرخ عاليا
-لا يا بابا فوق وكلمني متسبنيش كده، قوم زعق، اتعصب، أضرب حتى أنا موافق، مش هعترض، قوم يا بابا عشان خاطري متسبنيش أنت كمان وتمشي، أنا عملت كل ده عشانك وعشان نعيش حياة أفضل، مش ده كان طريقك في الأول، زعلان مني ليه بقى، قوم يا بابا ارجوك
ظل يهزه ولكن دون أستجابة فقد صعدت روحه إلى بارئها بعدما أتته نوبة قلبية أثر حزنه الشديد أدت إلى وفاته في الوقت والحال..
وعلي صوت صراخ ماهر ولا زال يمسك بكتفي والده يهزهًا دون فائدة
ثم عاد يجلس بيأس أسفل قدمي والده ودموعه تنهمر على صفيحة وجهه، يبكي وينتحب تارة وتارة أخرى يصرخ مناديا والده لعله يُجيبه وهو في حالة صدمة وعدم إستعاب لما يحدث الان، كيف له أن يخسر والده أيضًا مثلما خسر والدته واشقاءه داخل منزلهم المُحترق؟ لن يتحمل تلك الفجعة ثانيًا
أستقام واقفًا وهرول مُسرعًا إلى غرفة مكتب بالطابق الأرضي وفتحه كالمزعور عيناه تدور حوله بكل مكان، ثم فتح درج المكتب ليخرج من داخله سلاح صغير، فتح خزينته ووضع داخلها رصاصة الرحمة ثم سار بخطوات تائهة، عاد إلى حيث والده ثم جلس أسفل قدمه ونظر له قائلا دون تردد:
-أحنا كان قدرنا ننجى من حريق البيت ونكمل حياتنا مع بعض، وأنا مااقدرش أعيش في الدنيا الغدارة دي لحظة واحدة من بعدك
استمع لصوت سيارة الشرطة، نهض ينظر من خلف النافذة ليجد قوة تقتحم المنزل عاد إلى والده مهرولا وأخرج ورقة وقلم من داخل المكتبة الصغيرة بجانب والده، وخطت اعترافًا صريحًا بخط يده عن كل ما فعله لصالح المافيا وأخر ما فعله هو مقتل سليم، ثم جلس يحتضن جـ سد والده وضغط الزناد لتخرج طلقة مدوية هزت أرجاء المنزل وجعل رأسه تميل على قدم والده والدماء تسيل من رأسه وينتهي كل شيء كم بدء..
بالخارج كان حمزة يشهر سلاحه ويركض مسرعًا يدق جرس المنزل بعدما أستمع لصوت أطلاق النار وعندما لم يتم فتح الباب، ركل الباب بقدمة عدة ركلات واتا بعض أفراد الشرطة ساعده في فتح الباب، لينفتح على مصرعيه ودلف هو أولا لداخل يبحث بعينه ويجول داخل المنزل ولحقت به قوة الشرطة.
وقف متسمرًا مكانه وهو يرا المشهد الذي تقشعر له الأبدان، ثم بعد لحظات تقدم بخطواته من مسرح الجريمة يتفقد ماذا حدث للأب وابنه.
ووجد الورقة التي كتبها ماهر قبل أنتحاره باعتراف كامل بكل جرائمه.
نظر حمزة لإحدى الضباط وقال:
– أتصلي بالمعمل الجنائي والنيابة تيجي تعاين مسرح الجريمة..

❈-❈-❈
مَرًا أسبوعًا وعاد سليم وزوجته إلى القاهرة بعدما تمت التحقيقات مع عمه وايداعه داخل الزنزانة إلى حين أن يتم محكمته وصدور الحكم النهائي على جرائمه..

انكشعت الغمة وعادت الحياة تبتسم لهم من جديد.
واجتمعت العائلة من أجل تحديد موعد الزفاف الخاص بـ سراج وفريدة..
وتمت أقامة حفل الزفاف في جو من الألفة والمحبة، زفاف هادئ غير صاخب بسبب حالة الحداد التي بها شريف حزنًا على زوجته الراحلة، وبعد اقتناع فريدة بأن السعادة في الأشخاص لا في الأماكن التي يقام بها الحفل، سعادتها الحقيقة بجانب عائلتها وزواجها من حبيبها الذي أختاره قلبها، هذه هي السعادة التي تتمناها ولا تريد غيرها..

اقيم حفل زفاف بسيط خاص بافراد العائلة وحضر طارق الذي تقدم من سليم يصافحه بود بعدما تأكد من سعادة حياة مع هذا الرجل لا مع غيره، وعلم بحجم المعاناة اللاتي مروا بها سويا، تمنى لها دوام الفرح والسعادة وقرر أن يحاول محوها من قلبه وان يتطلع لمستقبله، ولم يعد يربط وجوده في شخص عشقه وأنما هو من سيثبت وجوده بنفسه وبثقته وأكمال طريقه، ما حدث له ليست نهاية العالم وأنما هي بدايات جديدة عليه أن يكتُبها ويخُطها بخط يده ويلونها كما يشاء، وسينال ما يرضي قلبه وما يستحقه هذا القلب الأبيض الخالي من الضغناء..

وعلى جانب أخر تمت التقاط صورة تذكارية للعروسين برفقة الأصدقاء أسر وزوجته على جانب سراج بجانب فريدة تقف شقيقتها حياة وزوجها والابتسامة تعلو محياهم لتُخلد تلك الذكرى السعيدة والفرحة العارمة التي تجمعهما.
هكذا هي الحياة، تأتي الصعاب وتنحل القيود وتختفي الأحزان ويحل مكانه الفرح، الحياة يوم لك ويوم عليك ولكن عليك أن تغتم الفرص ولا تدع اليأس وخيبة الأمل يتملكون منكم.

عندئذ تلاشت قيود الماضي والاغلال التي كانت تكبل يدي سليم ويبقى في القلب سر خفي لن يتم البوح عنه.
تمت..

بقلم فاطمة الألفي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *