رواية نعيمي وجح,يمها(الفصل السبعون إلى الأخير)بقلم أمل نصر

الفصل السبعين
– برضوا ما لقيتوهاش؟ دوروا تاني، تاني وتالت ورابع ما تسبيوش ركن من غير ما تفتشوا فيه، انا عايزها، ولو من تحت الأرض هاتوها.
هتف بالكلمات بحالة من الجنون وهو يضر,ب بكفه على الجدار الأبيض من خلفه بعن,ف، نحو محدثه بالهاتف، انتظر للحظات يسمع به الرد من الجهة الأخرى، ثم صاح بصوته المخيف بتوعده:
-هي كلمة ومش هكررها، الست دي تكون عندي النهاردة، والولد يبات في حض.ني، يا أما هطربقها على دماغكم كلكم وواديكم في داهية، اقفل يا لا .
انهى المكالمة ليهدر أنفاسه الحارقة مع فرط انفعاله، والد.ماء تغلي بداخله كالمَرجل، التف نحوها وهي جالسة أمامه على كراسي الإنتظار بهذا المشفى الخاص، فوجدها تطالعه برجاء، ليخيب أملها بعد ذلك وقد علمت أن الوضع على ما هو عليه، لتعود لنوبة بكاءها مرة أخرى، وتشدد كاميليا عليها بذراعيها بمؤازرة، أما هو فالتف نحو طارق الذي عاد إليه فور انتهاءه من مكالمته هو الاَخر:
-عملت إيه؟
بادره بالسؤال فور أن وصل إليه، ورد طارق في محاولة لطمأنته:
-كل إشارات المرور عندهم مواصفات الست دي وبياناتها، يعني ان شاءالله على أي تحرك هيبجبوها من قفاها.
– امتى يا طارق؟ إمتى بس؟
صاح بها يجفل المذكور والجالسات على مقاعد الإنتظار في الناحية الأخرى، ليتابع بغضبه:
-ليلة كاملة عدت علينا دلوقتي، واحنا قالبين الدنيا على الزفتة دي وهي وكأنها فص ملح وداب، هي والولد.
رد طارق وهو يشدد بكفه على ساعد صديقه بتحفيز:
-خليك على يقين يا جاسر اننا هنلاقيها هي والولد، انا متأكد من كدة، الست دي ملحقتش تبعد كتير، والبلد كلها مقلوبة عليها، انت ربنا بيحبك يا جاسر، بعد شجاعة زهرة واللي عملتوا، انا واثق انها لخبطت كل الترتيب للناس دي اللي كانت عايزة تقضي عليك في اعز ما ليك، مراتك وابنك.
سمع منه جاسر والتف نحوها يطالعها وهي ترتجف بين يدي صديقتها كاميليا، بعد كل ما حدث وواجهته في اللحظات الماضية من أوقات عصيبة، بخطف ابنها أمام عينيها، لا يصدق انها بخير، وما قامت به من عمل بطولي، نجت به نفسها بالقضاء على هذا المجرم الخطير بإطلاق النا,ر عليه، ولكنها لم تلحق بوليدها، اغمض عينيه متنهدًا، ثم تحرك ليجلس بجوارها على من الناحية الأخرى فجذبها من أحضان صديقتها، ليضمها بحض,نه هو، علّه يعطيها بعض الأمان، رددت من بين بكاءها:
– برضوا ملقيتوش الولد يا جاسر؟ أمال انا كنت بعمل دا كله ليه؟…. دا انا ضر,بت بالنا,ر يا جاسر عشان انقذ ابني، انا ليه ملحقتوش يا جاسر؟ ليه يا جاسر ليه…..
شدد بذراعيه يقول بحزم:
– هنلاقيه يا زهرة، والولد هيرجع، مش جاسر الريان اللي يضيع منه ابنه فاهمة ولا لأ؟
تدخلت كاميليا بقولها هي الأخرى:
-صدقي جوزك يا زهرة، ان شاءالله هيرجع .
تمتمت هي مع نشيج بكاءها:
– انا خايفة يجراله حاجة……
اخفى جاسر بصعوبة تشنج جسده من مجرد الفكرة وحدها، وحتى لا تشعر هي به، ويزداد هلعها وهي لا ينقصها، يحمد الله انها مازالك حتى الآن صامدة برغم البكاء المتواصل والانهيار من وقت أن دلف إليها على إطلاق الرصاص، ليجدها تخرج من الغرفة مهرولة بعد التخلص من فهمي، حتى تبحث عن الطفل ويبحث هو معها.
قال طارق والذي وقف بالقرب منهم:
-بس انا اللي مستغربله، هي الست دي جتلها الجرأه ازاي تعمل كدة؟ انت مش هين في البلد يا جاسر، هي متعرفكش ولا إيه؟
زفر جاسر بقول بغيظ:
-انت مستغرب، لكن انا هتجنن، الست دي انا جيبتها بعد تحقيق وتدقيق بشدة عليها وعلى تاريخها، دي خبرة أساسًا وبقالها سنين في الشغل ده، يعني مش واحدة وخلاص.
ردت كاميليا بتخمين:
-أكيد المغريات كانت كبيرة، اللي يخلي واحدة تقدم على مصيبة زي دي، يا إما الانتقام، ودي مستبعدة عشان طبعا مفيش حاجة بينكم وبينها، يا إما الفلوس، ودي أكيد كانت كتيرة اوي، بحيث انها عمت الست مش زغللت عنيها وبس.
وصل إمام بخطواته السريعة بصحبة أحد الرجال، ليقدمه إلى جاسر الريان:
– جاسر بيه، سيادة الظابط اللي وصل مع القوة اللي فتشت البيت
أومأ جاسر للرجل بتحية مقتضبة، ليسأله على الفور:
-عملتوا إيه يا سيادة الظابط، لقيتوا أي حاجة تدل على الست المجرمة دي؟
أجاب الرجل بلهجة عملية:
– حضرتك احنا فتشنا البيت من كل جهة، وعرفنا ان الست دي خرجت في الدقايق البسيطة ساعة قطع الكهربا، من الباب الخلفي للفيلا، والظاهر كدة كان في اللي مستنيها عشان ياخدها قبل ما توصلوا انتوا بلحظات قليلة، يعني كل اللي فرق هي مجرد دقايق.
رفعت زهرة رأسها لتقول بقهر:
-يعني كان ممكن احصلها يا جاسر، كان ممكن بس مقدرتش…..
قطعت لتشهق عائدة في البكاء المرير، فقال جاسر مخاطبًا الرجل:
-يا سيادة الظابط، اللي ساعد الست دي يعرفنا كويس، ويعرف مشاكل زهرة القديمة بعقدتها من التعابين والضلمة، وفهمي دا اللي كان عايز يخطفها او يم’وتها من الخوف، المعلومات الخطيرة ميعرفهاش غير عدد قليل جدًا من اللي نعرفهم.
رد الظابط:
– حضرتك احنا حرزنا التليفون بتاع فهمي والحاجات والارقام اللي عليه اختا بنفرغها دلوقتي، وان شاء الله نلاقي لحاجة توصلنا للست دي، او اللي ساعد الاتنين،
أكمل الظابط ببعض المقترحات والتخمينات حول مراقبة الخدم ومراجعة الكاميرات، وسؤاله لزهرة وعدة أشياء لم يركز فيها إمام، والذي كان واقفًا بجوارهم بشرود شديد حول الثلاثة أشياء التي ذكرها جاسر الريان، تعابين، ضلمة، فهمي برشام؛ نعم هي نفس الكلمات التي اخطأت بها غادة قبل ذلك أمام الملعونة الشقرا وشقيقها، يذكر جيدًا أنه رأى التسجيل الذي هددت به هذه المرأة غادة لكي تتبعها في أذية جاسر الريان وزهرة…….
على خاطره الاَخير توسعت عيناه بإدراك فوري، فتحمحم يقطع حديث جاسر الريان مع رجل الأمن:
-سعادة الباشا، استأذن حضرتك في دقيقة اروح اعمل اتصال.
اومأ له جاسر بعينيه، ليعدو سريعًا بخطواته داخل رواق المشفى الذي ينتظر فيه جاسر الريان وزوجته خروج فهمي صنارة من غرفة العمليات، لعل بإنعاشه وعودته للحياة يدلهم على مكان ابنه مع هذه المرأة، وحينما اطمأن لبعد المسافة، تناول الهاتف يتصل برقم شخص لم يراه منذ فترة تقارب الشهور:
– الوو…… ايوة يا رعد معلش والنبي أجل السلام والعتاب دلوقتي واسمعني كويس……… تسلم يارب، كنت عايز أسألك لو شغال عند الست دي اللي اسمها مرفت……… سيبتها من ساعة ما اخوها ما سافر؟
سمع الأَخيرة وانتابته الصدمة، ليحاول بعد ذلك بأمل:
-طب متعرفش مين اللي شغال معاها دلوقتي؟……. ايه؟؟ سابت البيت وعزلت كمان؟……… وجابت الواد مصيحلي البلطجي كمان هو اللي شغال معاها؟؟…….. طب ابوس ايدك اسمع مني اللي هقوله دلوقتي، وافهمني
❈-❈-❈
-الحيوان لسة برضوا متصلش، امال هيكون راح فين بس؟
هتفت ميرفت بالكلمات بغضب شديد، مع اختفاء فهمي وعدم عودته حتى الاَن، مع هذا التعتيم الشديد من قبل جاسر الريان على ما حدث بمنزله، تتأكل من الغيظ، تريد معرفة ما حدث، وان كان تمكن هذا الملعون من التخلص من زهرة أم لا ، حتى معلومة خطف ابنه، لم يذكرها صفحة بالإعلام او حتى السوسيال ميديا، لا شئ انتشر سوى معلومة بسيطة عن إصابة رجلي أمن لدى جاسر الريان على اثر طلق نا,ري لأحد الأشخاص المجهولين، وفقط.
– انا هتجنن، طب يبعتلي رسالة من رقم غريب يبلغني عن اللي حصل، عايز اعرف ق,تلها ولا لأ؟ وهو اختفى فين الغبي ده، واللي مأخره لحد دلوقتي؟…… معقول يكون اتقبض عليه؟
قالتها بسؤال نحو المرأة الواقفة أمامها بذعر وبيدها مجد الصغير، لتجيبها الاَخيرة باضطراب:
-بصراحة يا هانم، انا شكيت في الراجل ده من امبارح، اصل شكله كدة ميدلش ابدًا انه كان عايز يق,تلها، بس باينه كدة كان طمعان فيها.
التفت نحوها ميرفت تبرق بعينيها تمتم سائلة بتوجس:
-قصدك انه يكون خطفها بدل ما يمو,تها؟
أومات المرأة رأسها لتقول بشك:
-وليه لأ يا هانم، زي ما خرجت انا في الضلمة بالولد، جايز يكون هو كمان خرج بالست، محدش عارف .
صاحت فاقدة السيطرة على غضبها والذي اختلط بجزعها:
-أيوة بس انتي كان في عربية مستنياكي، وخدتك على طول، انما هو بقى يخرج بيها ازاي ودي واحدة كبيرة، يعني ممكن أي حد يشوفه وهو شايلها….. الغبي، دا لو كان عملها هقت,له بإيدي، مش انا اخطط شهور وادفع دم قلبي عشان اخرجه ويجي هو يبوظ لي الخطة، انا قولت عايزة مو,تها وبس.
لم ترد عزيزة ولكنها كانت تهدهد في الطفل في سكون تام لم يعجب الأخرى، لتصيح بها:.
– حتى دا كمان انا مكنتش عايزاه، كنت عايزة اخلص منهم كلهم واسافر بقى وانا خالية البال، مش ابقى كدة معلقة من الناحيتين.
ضمت عزيزة الطفل إليها لتقول بحمائية:
-الله يا هانم، ما انا نفذتلك كل اللي قولتي عليه قطعت الكهربا عن البيت وفتحت للراجل بتاعك الباب الخلفي عشان ينفذ اللي انتي عايزاه، اما بقى عن الطفل، ف انا بصراحة مقدرتش، دا روح بريئة، ملهوش دعوة باللي حاصل بين أهله وبينك، انا هتكفل بيه.
سمعت منها ميرفت لتهدر بها:
– هتتكفلي بيه ازاي وانتي مسافرة معايا زي ما اتفقنا؟ ولا انتي رجعتي عن قراراك، قولي خليني اخلص من هم حد فيكم بلا قرف.
تجاهلت عزيزة ازدراء ميرفت لها، لتنظر نحو الوجه الملائكي وتقبله وتقول:
-لا طبعًا مرجعتش أبدًا عن قراري، بس انا هخده معايا، اربيه في بلاد الغربة، ويبقالي ابن بدل ما انا شجرة ناشفة كدة، لا ليها جذوز في الأرض ولا أغصان تطرح عليها.
ض.ربت كفيها ببعضهم ميرفت لتهدر صارخة بغيظ:
-يعني انتي لقتيها فرصة عشان يبقالك ابن بدال ما انتي عقيم طول عمرك، والزفت دوكها لاقاها فرصة مع حبيبة القلب، وانا الغبية كعيت دم قلبي، عشان تتبسطوا انتوا الاتنين واتحر,ق انا، ياخي ان شالله تولعوا انتو الاتنين بجاز وسخ.
قالتها واستدارت تهتف بصوتها العالي على كبير حراسها الشخصيين:
– مصيلحي، انت يا مصيلحي.
وصل إليها المذكور، ليجيبها بطاعة:
-نعم يا هانم اؤمريني.
تقدمت منه لتسأله بتسلط:
– عايزة اعرف باَخر الأخبار عن اللي حاصل في فيلا جاسر الريان، وحاول تتصرف وتتصلي بالزفت ده اللي اسمه صنارة، انا مش عايزة اتصل عليه ليكون اتقفش ولا اتقبض عليه.
رد الرجل بوجه الجامد:
-حضرتك انا بعت واحد من صبياني هناك، وقال ان الحكومة مرشقة عند بيت جاسر الريان، ومفيش نملة تقدر تهوب ولا تعدي، ع العموم هو قاعد مستني وعلى اول فرصة تخف الحكومة فيها الحــ صار، هيجيلي المعلومات الأكيدة، انا بقى عن اللي اسمه فهمي، ف انا كل ما اتصل يديني مغلق مش عارف ليه.
اظلم وجهه تتطلع إليه بتفكير تعدى عدة لحظات، ثم ما لبثت أن تقول:
– طب اسمع بقى يا مصيلحي، الواد ده رد او مردش معدتش فارقة، لأني شوية كدة وهسافر، المهم لو وصل ما بعد ما امشي، اتصل بيا وبلغني وانا اقولك تعمل معاه إيه؟
❈-❈-❈
وصل خالد ومعه زوجته بداخل المشفى إلى القسم الموجودة به زهرة وجاسر امام غرفة العمليات، تقدمت نوال إلى زهرة تحتضنها بمؤازرة، ودني خالد ليقبلها فوق رأسها قبل ويدعمها ببعض الكلمات المحفزة، قبل أن يستقيم بجسده ليشارك الحديث مع طارق وجاسر في التباحث في الأمر، وبادر بسؤاله عن فهمي:
-إيه اخباره؟ هيعيش ولا هيمو,ت؟
اجابه طارق:
-الدكاترة بقالهم ساعات معاه ومحدش فيهم خرج عشان نعرف منه حاجة، بس ع اللي انا شوفته مضمنش انه يعيش.
-يعيش ولا يغور حتى، احنا اهم حاجة عندنا انه ينطق على مكان الولد.
قالها خالد بالدفاع ثم قال موجهًا سؤاله نحو جاسر:
-لكن هي زهرة عرفت ازاي تمسك سلا.ح ولا تستعمله؟
رد جاسر يجيبه بشرود:
-مكنش تعليم بالمعنى المفهوم، بس دي كانت مرة واحدة في مزرعة الخيل، هناك الدنيا براح وانا كنت بتدرب وبراجع اللي اتعلمتوا زمان مع نفسي، غلست عليها عشان تمسك السلا,ح وعرفتها على الأساسيات في استخدامه والاَمان، مكنتش اعرف ان هيجي اليوم اللي تضطر تضر.ب بيه كمان.
تمتم خالد ممتنًا:
-اللهم لك الحمد ، انا مش عارف اشكرك ازاي يا جاسر، لولا التغير اللي حصل بشخصية زهرة بمجهودك معاها، انا مش عارف كان هيصل إيه اكتر من كدة.
اومأ له جاسر بعيناه، ثم سأله:
-طب انت انصرفت ازاي في الشركة؟
-لا اطمن خالص، انا كتمت ع الموضوع ولميت الحاجات المهمة بسرعة قبل ما اجي عشان محدش بحس بحاجة زي ما نبهت.
اردف بالكلمات خالد قبل ان يصدح هاتفه باتصال دولي، تطلع للأسم ليهتف نحو جاسر متفاجئًا:
-يا نهار ابيض، دا عامر الريان اللي بيتصل عليا.
أغمض جاسر عينيه بتعب وقال مغمغمًا بالكلمات:
-أكيد بيتصل عشان انا وزهرة قافلين التليفونات من امبارح ومبنردش عليه….
قطع ليقول بقلة حيلة:
-طب اعمل ايه بس؟ وارد اقوله إيه لو سألني عن مجد، وطلب يشوفه، دي اول حاجة بيسأل عليها من ساعة ما سافر، دا ممكن يمو,ت فيها لو عرف، قلبه لا يمكن يتحمل
تنهد طارق وقال موجهًا لخالد:
-رد انت واتحجج بأي حاجة، رد يا بني متسيبهوش كدة.
مع حرجه اضطر خالد للرد بصوت جعله يبدو طبيعيًا:
– اهلا يا عامر باشا ازيك……. زهرة مبترودش ع التليفون وجاسر كمان؟……. مش عارف، بس يمكن ابنك خدها بيفسحها في حتة مفيهاش شبكة ما انت عارفه……
اثنى جاسر يومئ إليه بأبهامه ليكمل وقد اعجبته الكذبة، فتابع خالد بالتبرير والكلمات المطمئنة لعامر رغم إلحاحه، وجاسر وطارق يتابعاه حتى أتي إمام إليهما فجأة كالعاصفة يباغتهم:
– جاسر باشا انا عرفت مكان مجد الصغير.
❈-❈-❈
إنت متأكد من كلامك دا إمام؟
هتف بها جاسر بداخل السيارة التي كان يقودها بنفسه بصحبة الاَخر وزهرة التي اصرت على أن تأتي معهما رغم كل تحذيرات زوجها، ف اضطر صاغرًا للموافقة وقد طمأنه وجود كاميليا هي الأخرى معهم، فرد الاَخر يجيبه بثقة:
-والله زي ما بقولك يا باشا، الراجل اللي اسمه مصيحلي دا كان شغال مع رعد قبل كدة، وعشان كدة لما جرجره صاحبي في الكلام، مخدتش خوانة، وقالوا عن المكان اللي شغال فيه مع اللي اسمها ميرفت في الفيلا الجديدة بتاعتها.
سألته زهرة بتخوف رغم بادرة الأمل بداخلها:
– طب وانت إيه اللي مخليك متأكد ان مجد هناك؟ مش يمكن الست دي راحت حتة تانية بيه؟ اصلها يعني هتعرف اللي اسمها ميرفت دي منين؟
إلتف إليها إمام نحو الكنبة الخلفية الجالس به المرأتان يجيب:
– مش عايزة ذكاء يا هانم، دي أكتر واحدة عايزة أذية جاسر باشا وأذيتك إنتي معاه، وعندها معلومات باللي الحاجات اللي كانت بتخوفك .
-وانت عرفت منين عن الحاجات اللي بتخوفها؟
سأله جاسر بانتباه أجفله فاستدرك ذلته، وحاول التفكير في رد مناسب، ولكن أنقذه رؤية رعد صديقه، والذي كان ينتظرهم على اول الطريق:
– اهو، صاحبي اللي بقولكم عليه، قاعد مستنينا اهو.
هتف بها بلهفة مبالغة حتى توقف جاسر بالسيارة بالقرب من المذكور، ف ترجل منها إمام سريعًا، يدعوه للدخول، وليأخذ مكانه الرجل الذي سيدلهم على مكان منزل ميرفت، وانضم إمام إلى خالد وطارق الذي كان سيقود سيارته في الخلف.
بعد قليل
خرج المدعو مصيلحي حتى يلتقي برعد الذي كان ينتظره، خلف سور المنزل الخارجي، حتى أذا وصل إليه هتف بمزاح خشن:
– انا جيت اهو يا خويا، بتتصل عشان اخرجلك، عايز إيه يالا؟….
لم يكمل جملته حتى تفاجأ بذراع ضخمة التفت حول عنقه، وقبل أن يحاول المقاومة، وجد مجموعة من الرجال التفت حوله، وجاسر الريان يصوب السلا,ح بوجهه يقول بتهديد:
-هسألك وتجاوب على طول، يا إما هدفنك وانت حي مكانك دلوقتي، وملكش عندي دية.
تطلع الرجل نحوه بجزع وقد فقد حتى حق المقاومة، او ادعائها أمام هذه القوة الغاشمة التي التفت حوله.
❈-❈-❈
تتأمله بوله لتُشبع عيناها من براءته، كل همسة منه تلتقطها بشغف، لا تصدق انها سوف تحظى اَخيرًا بحياة كريمة في بلاد غريبة تعيش بها بحرية ورفاهية ومعها طفل سيكون بإسمها، وسيكون طفلها، تتعامل معه بأمومة حرمت منها، يناديها يا أمي، وليس بعزيزة المربية التي تتساوى مع الخدم، لقد وافقت على هذه المهمة رغم خطورتها من أجل هذا الهدف أولا، ثم يأتي بعد ذلك المال الذي سوف يضمن لها حياة كريمة كالسيدات التي عملت عندهن، بعد أن ملت من الخدمة في بيوت الأغراب، حتى تصبح نهايتها عجوزًا في دار مسنين، او تمو,ت وحدها بمنزلها ولا يشعر بها احد. تنهدت بقوة لتقبل غمازة الدقن لهذا الوسيم وهي تذكرها بغمازة جون ترافولتا الممثل الهوليودي الشهير، هللت بسعادة بأن طفلها سوف يكون له مستقبل ممتاز مع الفتيات.
رفعت رأسها فجأه عن مراقبته على صوت خطوات كعب حذاء أنثوي، وشئ ثقيل يجر على الأرض، لتفاجأ بهذه المرأة وهي ترتدي طقم ملابس الخروج وتسحب بيدها حقيبة السفر العملاقة بأناقة ليست غريبة عن أمثالها.
احتدت عيناها من المفاجأة الغير متوقعة، فهتفت لتوقفها وهي تضع مجد على اَريكة القريبة منها، قبل أن تنهي ميرفت طريقها للخروج:
-رايحة فين يا ست هانم؟
استدارت إليها لتناظرها من فوق نظارتها قبل ان تجيبها بتعالي:
-أفندم، وانتي بقى هتسأليني، إن كنت رايحة فين؟ ولا جاية منين؟
تقدمت منها المرأة تصيح بغضب:
-طبعًا ليا حق اسألك لما الاقيكي مغيرة اتفاقنا، وواخدة شنطة السفر عشان تمشي لوحدك وتسبيني، هو انتي مش قولتي ان ميعادنا على ٧ بالليل؟
-تأففت ميرفت تجيبها بامتعاض:
– اه قولت على ٧ بالليل، بس دا على ميعادك انتي، انا بقى هسافر واسبقك، فيها ايه دي؟ ولا انتي عيلة صغيرة مثلا وعايزيني اجرك في إيدي؟
– لا مش عيلة صغيرة.
هتفت بها لتتابع وهي تشير بيدها نحو مجد:
– بس انا معايا العيل الصغير اللي عايزه اخرج بيه، وانتي قولتي انك هتساعديني في دي، عشان طبعًا مش هقدر اخرج بيه لوحدي.
خطفت نظرة نحو الطفل قبل ان تعود ميرفت للمرأة قائلة بنزق:
-وانتي بقى صدقتي؟ هو انتي عبيطة ولا متخلفة؟ فاكرة الخروج بطفل من البلد ومش ابنك كمان، كدة حاجة سهلة، ولا صدقتي اني ممكن اساعدك صح في مصيبة زي؟ لا وكمان عايزاني اخدك في إيدي عشان اروح في داهية معاكي؟
صرخت عزيزة مع شعورها بتحطم الحلم، واستهزاء هذه الملعونة بها:
– ولما هو مش حاجة سهلة وعدتيني ليه وخلتيني اخون الناس اللي شغالة معاهم؟ بعد ما فرشتي الأرض حرير قدامي.
ابتسامة ساخرة اعتلت وجه ميرفت، لتردف للمرأة بعدم اكتراث:
-انا اديتك فلوس على انك تأدي مهمة، انتي شطحتي في الأحلام دا مع نفسك، انما بقى ف القانون لا يحمي المغفلين يا قلبي.
على الاَخيرة لم تحتمل المرأة وهجمت نحوها مرددة بغل، تريد الانتقام منها:
– مغفلة، انا مغفلة يا ولية يا غلاوية، دا انا هشرب من دمك .
صرخت ميرفت على حارسها وهي تدافع بحقيبتها الغالية تضر,ب بها على كفي المرأة وهي تبتعد برأسها وجسدها عنها بقرف:
-أبعدي عني يا مجنونة إنتي، يا مصيلحي، إنت يا مصيلحي، أتى رجل اخر غير المذكور على أثر صيحتها لينزع كفي عزيزة عنها التي كانت تقاوم بشراسة، بل ويرفعها ليُكبل حركتها بعد أن فصل بمسافة كافية عن المرأتين، لتهدر ميرفت على الرجل:
-أمال الزفت مصيلحي غار فين؟
أجابها الرجل:
-مصيلحي خرج من شوية يا هانم على اتصال تليفوني، بس معرفش راح فين.
-غار في داهية.
غمغمت بها قبل أن تتابع اَمرة للرجل:
– خد المجنونة واتخلص منها على اقرب مقلب زبالة .
– مقلب زباله يا ولية يا ظالمة ربنا ينتقم منك.
صرخت بها عزيزة بصوتها العالي، لتناظرها الأخرى بنظرة مشمئزة قبل أن تعود للرجل الذي يسيطر بصعوبة على حركة المرأة لتقول:
-اتخلص منها هي والولد ده…….
قطعت مع سماعها لهذه الأصوات الغريبة والجلبة في الخارج، همت لتخرج وترا بنفسها قبل ان تصعق بعد ذلك بدلوف جاسر الريان بصحبة خالد وطارق أيضًا، وحارسها المدعو مصيلحي مكبل الذراعين ارتمى على الأرض من قبل إمام، وامتلأ المنزل برجال جاسر بعد ان سيطروا على من في الخارج من رجالها.
برقت عيني ميرفت بهلع في البداية قبل أن تتمالك لتهتف هادرة تدعي الحزم:
-إيه البجاحة وقلة الزوق دي؟ انتو ازاي تدخلوا بيوت الناس كدة هجم ومن غير استئذان، هي حصلت البلطجة كمان يا جاسر يا ريان؟
طالعها المذكور بأعين ن,ارية، يقف أمامها متخصرًا، قبل ان يلتفت نحو المدعوة عزيزة على أثر صيحة زوجته:
-الزفتة اللي أخدت ابني أهي….
قالتها وهي تركض نحوها تريد الفتك بها وفور أن وصلت إليها أمسكتها من تلابيب بلوزتها لتسحبها من الرجل:
-وديتي ابني فين يا حيوانة؟ انا هق,تلك النهاردة لو ما نطقتي.
طأطأت عزيزة رأسها بخزي فور أن تقابلت عينها بعيني زهرة، والتي انتبهت على صيحة خلفها:
– الولد اهو يا زهرة؟
هتفت بها كاميليا والتي انتبهت على رؤية الصغير في الجانب الاخر لتركض اليه وتبعتها زهرة صارخة لتسبقها وتناولت تضمه بقوة، لتسقط على الأرض تبكي بحر,قة.
جاسر والذي اتى سريعًا هو الاَخر احتضن الأم وطفله، ليحاول تهدئتها هي وتقبيل مجد برزانة يتصنعها بصعوبة، للسيطرة على مشاعره العنيفة في هذه اللحظة تدعوه لسحق الاثنان على صدره.
ربت على كتفه خالد وطارق بفرحة، قبل ان يستقيما لهذه الأفعى التي تتصنع القوة رغم وقوعها في شرك ما فعلته، ف اقترب طارق يقول بكره:
– دا انتي السواد والغل، حر,قك من جوا، مش ملا قلبك وبس.
.ارتفع حاجبها لتحدجه بنظرة مستنكرة ببجاحة، ولكنها انتفضت فجأة على رؤية شبح جاسر الذي كان يقترب بخطوات بطيئة زادت من الرعب الذي تخفيه بداخلها، حتى إذا اقترب منها، وبدون سابق إنذار رفع كفه ليلطمها على وجنتها بقوة جعلت رأسها تهتز حتى كادت أن تقع أرضًا، لولا أنها تماسكت بإصرار لتصرخ به:
– إنت اتجننت يا جاسر الريان، وديني لاوديك في داهية.
– وانتي لسة شوفتي حاجة؟
قالها بنبرة مخيفة وأعين حمراء تشتعل من الجحيم، هم لتكرار ما فعله ف ارتدت هي للخلف بفزع من تكرار الألم، لف خالد ذراعه حوله ليمنعه عنها بقوله:
– امسك نفسك يا جاسر، ما تقلش قيمتك مع واحدة متستهلش زي دي؟
صاحت ميرفت بغل من ألم المهانة مع الألم الموجع بفكها من لطمة جاسر القوية عليه:
– هدفعك تمن القلم دا غالي اوي يا جاسر يا ريان، مش انا اللي اسكت عن الإهانة دي.
احتدت عيناه وحاول فك ذراع خالد ينتوي تأديبها، فهذه المرأة تستحق منه ابشع الإنتقام ولكن اوقفه مجي رجال الشرطة التي اقتحمت في دقيقة ليمتلأ المنزل زيادة على أعداده، التفت ميرفت نحو الضابط تصرخ بدفاعية وقحة:
– سيادة الظابط، تعالى شوف جاسر الريان بالبلطجية اللي معاه عملوا ايه معايا ومع حراسي، انا عايزة اقدم فيهم محضر حالا دلوقتي.
رد الظابط بابتسامة ساخرًا:
– تعملي في مين حضرتك؟ دا الباشا هو اللي قدم البلاغ فيكي انك خطفتي ابنه مع المربية اللي اسمها عزيزة، ولا انتي مش واخدة بالك ان احنا جاين نظبطك متلبسة بالجريمة؟
سمعت منه لتصيح على الفور بسرعة بديهة ليست غريبة عنها:
-وانا مالي بقى، دي واحدة جات تشتغل عندي بطفل، قالت انه ابنها، انا هعرف منين انها حرامية أطفال..
صاحت بدورها المدعوة عزيزة بعدم استيعاب،
– انا اللي حرامية؟!
توقفت تخطف نظرة متحسرة على الطفل الذي تضمه زهرة بقوة، لتعود لميرفت متابعة بانهيار:
-يعني انتي مش مكفيكي انك ضيعتيني من كله؟ كمان عايزة تلبسيهاني لوحدي؟!
هتف بها ميرفت ترد بع,نف:
– اخرسي يا حيوانة، انا اعرفك منين اساسًا، انتي اكيد حد زاقك عليا، انا لازم اتصل بالمحامي بتاعي يشوف المهزلة دي.
رد ظابط الشرطة بنزق:
– حضرتك اتفضلي معانا دلوقتي، وبعدين اتصلي واعملي اللي انتي عوزاه.خلصونا يالا.
صاح بالاَخيرة نحو رجاله، لتضطر ميرفت للأنصياع للأمر جبرًا، وخلفها عزيزة التي علمت من تلاعب هذه المرأة وانكارها الفاضح لما حدث، انها سوف تستطيع بنفوذها الخروج من القضية لتلبسها هي وحدها، لتتعفن في السجن حتى تمو,ت، فمن هي لتجاري افعى كهذه في عقلها، على خاطرها لم تدري عزيز بنفسها وهي تتناول الس,كين الصغير من طبق الفواكة الذي كان موضوعًا على الطاولة التي تمر بجانبها، وبحركة سريعة غافلت رجال الشرطة لتغرزه في رقبتها من الخلف، بدون ذرة من الندم، سقطت ميرفت على الأرض مغرقة في دمائها، والتف رجال الشرطة يكبلون المرأة ليُسيطروا على حركتها، وهي مستسلمة أمام النظرات المذهولة من الجميع، تطالع احتضار الأخرى وهي تتلوى من الألم، متشفية بها وهي لا تستطيع حتى إخراج صوتها، والظابط يطلب لها سيارة الأسعاف، علّه يستطيع إنقاذها.
❈-❈-❈
على نهاية اليوم
كان الجميع بقصر الريان ملتفين حول زهرة التي كانت تطعم صغيرها، بعد أن حممته بنفسها، وقد استوعبت اَخيرًا أنه بحض,نها، يسألون عن تفاصيل ماحدث ويتسامرون بحديثهم حوله، فقالت كاميليا:
-بس اقولكم يا جماعة، انا لحد دلوقتي مش مصدقة اللي حصل، انا ولا كأني كنت في فيلم سينما يا جدعان.
ردت رقية:
-يختي نحمد ربنا انها جات على قد كدة، دا انا اعصابي لحد دلوقتي مش قادرة امسكها من ساعة ما عرفت باللي حصل، واللي غايظني وفرسني هي المسهوكة دي، كانت معايا في نفس البيت وخبت عليا.
قالتها مشيرة بيدها نحو نوال التي ضحكت قبل ان تبرر موقفها:
– طب انا إيه ذنبي طيب؟ ما ابنك هو اللي حرج عليا اقول قدامك واقلقك، ما تقول حاجة يا عم انت.
صاحت بالاخيرة نحو زوجها الذي ابتسم لها بحب، قبل ان يرد على والدته:
-يا ست الكل، إذا كان عامر الريان نفسه خبينا عليه، احنا كان عندنا امل اننا نلاقي الطفل قبل ما الخبر ينتشر، وحمد لله ربنا جبر بخاطرنا .
تمتم الجميع بالحمد، ثم قالت صفية بفخر:
– بس انا فرحانة بيكي اوي يا أبلة زهرة، اصلك طلعتي شجاعة كدة وعرفتي تخلصي من المجرم دا اللي اسمه فهمي، ربنا ياخده هو كمان، زي اللي اسمها ميرفت دي.
تبسمت لها زهرة صامتة، لتضيف سمية هي الأخرى:
-فعلا يا زهرة، انتي يا حبيبتي ربنا قواكي في الساعة الصعبة دي عشان ابنك، ربنا يا حبيبتي يخليهولك، وميحرمك منه ابدًا.
تممت على قولها زهرة، قبل ان تجذبها رقية لتقبلها على رأسها، تقول بزهو:.
– زهرة عمرها ما كانت جبانة، وانا طول عمري عارفة انها قوية، بس قوتها داخلي متطلعش غير وقت الشدة.
عقب على قولها طارق:
-عندك حق يا حجة، بس انا اعتقد ان الحكاية دي في كل البشر، بس طبعًا في اللي بيقدر يخرجها، وفي اللي بيسلم ويرضى بالجبن، ربنا ما يجعلنا منهم.
ردت زهرة تقول بامتنان:
-بس لو هنيجي للحق، انا من غير الجلسات وتعليمات الدكتورة، مظنش اني كنت هقدر اخرج القوة دي، او يمكن تكون هي اللي ساعدتني، والبركة في جاسر طبعًا، – ربنا ميحرمك منه.
صدرت من محروس الذي كان صامتًا منذ بدء الجلسة، وتابع يُذهل الجميع بقوله:
– انتي ربنا عوضك بجوزك عن يتم الام والأب كمان، ربنا يخليلك عيلتك الجديدة يا بنتي.
قوله الصادق جعل حالة من التأثر تنتاب زهرة وباقي افراد اسرته؛ فيبدوا ان الرجل بدأ يتخلى عن أنانيه قليلًا، ليستجيب ويشارك لما يحدث معهم، وهذه بارقة أمل.
أجفلهم طارق بقوله المرح:
– طب يا جماعة، متخلوش الفرحة بمجد باشا، تاخدكم وتنسوا حدث الموسم .
التفت الرؤس نحوه بتساؤل، دارت كاميليا بكفها على عينيها بحرج جعله يضحك بمشاكسة ليقول بابتهاج قلبه:
– معقول تكونو نسيتوا يا بشر، الخميس الجاي ميعاد فرحنا فيه إيه؟.
قالها وانطلقت كلمات التهاني والمباركات، نحوه ونحو كاميليا التي كانت تجيب باشراق وجهها بالسعادة رغم خجلها، ليسود جوًا من المرح محملا بالألفة والمودة، حتى همست رقية لزهرة سائلة باستغراب؟
-هو جوزك بيعمل دا كله إيه في المكتب مع غادة وخطيبها؟ دول اتأخروا قوي.
مطت بشفتيها زهرة تجيبها:
-والله ما عارفة يا ستي، اصل انا لما سألته قالي انه هيقولي ع اللي في دماغه بعدين، واديني صابرة اما اشوف.
❈-❈-❈
-هو دا كل اللي حصل؟
سألها بأعين متفحصة بعد أن قصت عليها كل ما حدث مع ميرفت من بداية معرفتها بها، حتى إنقاذ إمام لها وتدخله لمنع استغلالها من قبل المذكورة وشقيقها
ردت غادة والتي كانت لا تقوى على النظر في وجه جاسر:
– اقسم بالله العظيم دا كل اللي حصل، وانا عارفة اني استاهل الحر,ق بعد اللي حصل بسببي، بس انا متقبلة لأي عقاب منك يا جاسر باشا، دا حقك .
سمع منها وانتقل بأنظاره نحو إمام الجالس على الكرسي المقابل، فقال مخاطبًا له بلوم:
-طب أعاقبها هي، وانت اعمل معاك إيه بعد ما خبيت وانت راجلي؟
رد إمام بشجاعة اعتاد عليها:
– حضرتك وانا كمان مستعد لأي حاجة منك، بصراحة انا اتصرفت من دماغي وطفشت الزفت اللي اسمه ماهر برا البلد، عشان احمي غادة من ابتزازهم، وكنت فاكر انهم هيتهدوا عن الاذية، لكن اظاهر كنت غلطان.
ظل جاسر يحدق به صامتًا، فتابع إمام:
-انا عارف اني اتصرفت بأنانية لما خبيت عنك عشان مشوهش صورة الست اللي بحبها في نظرك، بس حضرتك غادة اتغيرت، واقل حاجة كانت واجبة عليا هو اني ادفن كل غلطها اللي فات، عشان نقدر نعيش مع بعض صفحة بيضا، دي كانت وجهة نظري، وانت حر يا باشا في قرارك.
على كلماته الاَخيرة لم يقوي جاسر على كبح ابتسامته، فهذه كانت اول مرة يرى الوجه الاَخر لرجله حارس الأمن الضخم، وهو وجه المحب الحقيقي، والذي يغفل عن الأخطاء ويغفر ويسامح ليحمي محبوبه، ويراعى ويحمي، فقال يجفلهم بقوله:
– هو انتو فرحكم إمتى؟
الفصل الاَخيرة الجزء الأول
– شايفة الحلاوة ياما، شايفة الهنا اللي بنتك هتسكن فيه يا إحسان.
هتفت بالكلمات غادة وهي تنظر من شرفة المنزل الجديد نحو المباني الرائعة والمساحات الخضراء الكثيرة بهذه المنطقة الراقية، لتجعل إحسان تجيب بامتعاض تخفي به انبهارها:
– حلوة يا ختى حلوة، مبروك.
التفت إليها غادة تردد خلفها با ستهجان:
– حلوة ومبروك كدة بس، انتي واخدة بالك ياما؟ بنتك ربنا كرمها وبقى عندها بدل الشقة اتنين، شقتنا الملك اللي كنا هنتجوز فيها، ودي بقى اللي جات لنا فجأة كدة من عند ربنا، انا فرحانة اوي ياما فرحانة قوي
هتفت إحسان تقارعها وهي تجلس على احد المقاعد الخشبية خلفها:
– احنا احنا، في إيه؟ هو انتي خلاص بقيتي متجوزاه رسمي عشان تتكلمي بصيغة الجمع .
ردت غادة على الفور متلهفة:
– خلاص هانت ياما، بعد ما جاسر باشا ادانا الشقة دي عشان إمام يبقى قريب منه، وخلى تكاليف الجواز عليه، خلاص بقى، كلها اسبوعين تلاتة ويتم المراد.
مصمصمت إحسان تصدر صوتًا مستهجن بزواية فمها ثم قالت من تحت درسها:
-الله يهني سعيد بسعيدة ياختي، انا معارفة عاجبك في إيه؟
غمغمت بالاَخيرة بصوت خفيض تجاهلته غادة، لتنهض قائلة:
-طب انا رايحة اعمل لنا كوبايتين شاي على ما يجي إمام من مشواره مع جاسر باشا.
ردت إحسان بسأم:
– وتعملي شاي ونستني ليه؟ مش خلاص وشوفنا الشقة، خلينا نمشي بقى ونشوف اللي ورانا، ابوكي زمانه راجع من الشغل.
همت لتجادلها لعدم الذهاب وترك منزلها الجميل، ولكنها تذكرت لتهتف بعجالة وهي تتناول مفتاح الشقة وحقيبتها لتعلقها على كتفها:
-عندك حق ياما دا، انا يدوبك احصل فرح كاميليا، ياللا بينا.
بوزنها الخفيف وصلت بسرعة للباب الخارجي للمنزل منتظرة والدتها التي كانت تتلكأ بخطواتها تغمغم بغيظ:
– ايوة يا ختي روحي فرح كاميليا، عشان تشوفي خيبتك بالمرة.
❈-❈-❈
ألتفت بفستانها الأبيض الطويل أمام المراَة تطالع هيئتها المختلفة بعد ان أكملت زينتها وتجهزت لليلتها، ليلة ارتباطها به
فرحة من القلب تغمرها، فهذا هو فستانها الذي تمنت إرتدائه، وهذا هو رجلها الذي لم تعشق من الرجال غيره، تحاول السيطرة على خفقان قلبها الذي يتسارع مع مرور الوقت لقرب لقاءه، كل شئ حولها يقارب الكمال ولا ينقصها سوى هي، هي من تجلس على احد المقاعد خلفها الان وانعكاس صورتها أمامها بهذه الطلة الساحرة، وقد تخلت عن طفوليتها ونضجت في اختيار الالوان وقصة الشعر الحديثة وهذا الفستان القصير بزوق اختلف كليًا عن نظامها في الملبس سابقًا، والتزين المحترف، تنهدت بشعور لا تدري كيف لها ان تصفه، وهي تراها كثمرة طازجة في بدء موسمها، لقد كبرت شقيقتها واصبحت انثى تملأ العين وتسر القلب، ولكن تبدوا وكانها واحدة أخرى لا تعرفها وليست من تربت على يديها، وتعلمت تناظرها بفخر وكانت لا ترى في العالم قدوة غيرها.
– حلوة يا رباب؟
هتفت بالسؤال نحو شقيقتها التي كانت مندمجة في الإطلاع على هاتفها، والسماعات في أذنها تستمع لأحدى الأغاني الأجنبية، فرفعت رأسها تطالعها بتساؤل، لتلتف إليها الأخرى تخاطبها بغبطة، تقصد من خلفها فك الجمود الذي تستشعره منها:
-بسألك يعني عشان اخد رأيك، هو الفستان حلو عليا كدة؟ ولا في حاجة ناقصة؟
قيمتها بنظرة سريعة لتردف بلهجة تبدوا عادية:
– حلو الفستان، هو مش انتي اللي نقتيه واخترتيه عشان عاجبك، يبقى بتسالي ليه بقى؟
لا تدري لما شعرت بأن ردها له مغزى ما، ولكنها تبسمت
تجاريها بالقول:
– طبعًا انا اللي منقياه بعد عذاب كمان في الإختيار.
توقفت تتابع في المحاولات معها:
-طب إيه رأيك في تسريحة الشعر ولا المكياج، لايق كدة؟ ولا البنت الميكب أرتست زودت في حاجة؟
قلبت رباب عينيها بسأم لتقف فجأة عن طرف الكرسي الذي كانت جالسة عليه لتقول وهي تلتف عنها:
– ودي محتاجة سؤال يا كاميليا، ما انتي زي القمر اهو، انا هسيبك بقى عشان داخلة الحمام .
– رباب.
هتفت توقفها فور ان خطت قليلًا، لتلتف إليها الأخرى سائلة باستفسار:
– عايزة حاجة؟
نفت برأسها كاميليا لتقول بابتسامة متسعة:
– لا ولا حاجة يا ستي، بس كنت عايز اقولك ان الفستان اللي انتي لابساه يجنن، دي اول مرة تختاري حاجة من غير ما تاخدي رأيي، بس بصراحة مكنتش اعرف ان زوقك حلو في اللبس كدة؟
تبسمت لها الأخرى تقول بثقة وعينيها دنت على ما ترتديه بزهو:
– ما انا كبرت بقى يا قلبي وبقيت اختار لوحدي، بس اديكي شوفتي اهو، بعرف اختار وبختار كويس أوي كمان.
أومات لها كاميليا برأسها تقول بتردد:
– بس انتي مش شايفة انه جرئ شوية؟
أجابتها بهزة خفيفة بكتفها قبل ان تستدير وتتركها
-ومالوا يا ستي، الجرأة مطلوبة برضوا.
راقبتها حتى اغلقت باب الحمام بالغرفة، تتنهد بقلق مازال يقبض على قلبها، فهذا البرود والهدوء الشديد لا يجعلها تشعر بالراحة، لقد قضت الفترة الماضية ملتصقة بها معظم الوقت، تحاول التقرب لفكرها وشرح متواصل عن طبيعة الكائن المؤذي الذي كان سيصبح زوجها في يوم من الأيام، حتى تتعظ هي ولا تكرر خطأها، ثم عقدث مبادرات الصلح معها ومع والدها الذي لم يوافق على إعادة الهاتف سوى اليوم بعد إلحاح كاميليا، مؤجلًا ذهابها إلى جامعتها إلى وقت غير معلوم، علٌها تنسى وتريح قلبها بالإطمئنان عليها، لكن ودت لو توافق بهذا المدعو امين، رغم استنكارها في البداية، لعودة الارتباط لأي فرد من هذه العائلة، ولكن وبعد ما حدث وعلمته عما فعله كارم بعقل شقيقتها، فقد فكرت بالرجل بشكل جدي وسألت جيدًا فعلمت بحسن سلوكه، وهو شديد الإعجاب بها، كما انه عرض بشكل مباشر استعداده للتقدم لخطبتها، ولكن رباب فاجئتها بالرفض القاطع له، حتى انها اخذتها في زيارة لوالدتها التي كانت دائمًا ترفض الذهاب إليها، ولكن كاميليا ألحت بشدة عليها هذه المرة فربما التقرب منها في المرض، يجعل قلبها يرق ويضعف لما حدث معها،
خرجت من شرودها على جلبة صاخبة مع طرق على الباب الذي اندفع فجأة لتلج منه زهرة بطفلها مهللة:
-عروستنا عاملة ايه النهاردة؟
تبعتها غادة التي دلفت خلفها ونوال معها، لتصدح بصوت زغروطة قوية جلجلت في قلب الغرفة لتثير الضحك لكاميليا وهي تقول بحرج:
-الله يخرب عقلك يا مجنونة، دا فندق سياحي يا بت، هتلمي علينا السياح .
ردت غير مبالية بتفكه:
– يا ختي احنا عايزينهم يتلموا عشان نعملها هيصة ونسمع بقى في البلاد الأوربية والفضائيات، وسمعني بقى احلا اغنية شعبية، والنهاردة فرحي يا جدعان، هههه.
ختمت ضاحكة، لتتلقفهن كاميليا بالعناق القوي رغم ثقل فستانها، فما قيمة الفرحة إن لم تشاركها مع صديق أو الحبيب.
❈-❈-❈
وفي داخل الحمام وبعد ان قوست شفتيها بامتعاض على هذه الأصوات الصاخبة التي تصلها من الخارج، ثم التفت على اضاءة الهاتف الذي صدح بإشعار وصول رسالة على تطبيق الوتساب، بعد انتظار دام لدقائق، بعد ارسال تحيتها:
-اهلا رباب هانم… اَخيرًا افتكرتني؟
بعثت على الفور إليه بلهفة:
– إيه اللي انت بتقولوا ده، هو انا عمري نسيتك اصلًا؟ انا بس كان معمول عليا حظر من جميع الجهات، بابا كان اَخد التليفون مني، واخواتي ممنوعين بالأمر ان حد فيهم يديني التليفون بتاعه، دا غير الحبسة أساسًا وعدم الخروج إلا مع حد فيهم.
وصلتها رسالته سائلًا:
– وايه اللي حصل وخلاهم يفرجوا عنك ويرجعوا تليفونك،
اجابته برسالة صوتية مستغلة الصخب الدائر في الخارج:
– انا اضطريت اجاريهم واعمل نفسي مصدقة ومقتنعة، لحد اما كاميليا اقنعت والدي يرجعهلولي، أصلك وحشتني أوي، أوي يا كارم.
ابتسامة ملحة اعتلت وجهه وهو يعيد سماع الرسالة مرة أخرى، فقد تأكد له الاَن، ان القطة الصغيرة مازالت على عهدها، ولم تخرج عن سيطرته كما ظن في هذه الأيام التي انقطعت عن تواصلها معه، فبعث لها مرسلًا:
-وانت كمان وحشتيني، بس انا عايزك تعذري حدتي، اصل بصراحة والدك زودها قوي لما جه يهددني باللي هيعمله لو ما بعدت عنك، بس انا سكت ومرديتش ازعله عشان خاطرك.
قرقضت رباب على اظافرها بتوتر وهي تقرأ الرسالة، ف أمر هذه الزيارة لم يخفى عنها ، فقد سمعت بها من حديث والدها مع كاميليا في اليوم الثاني لشجارها معهما، وكم احزنها هذا الأمر وهي تقطع الغرفة كالمجنونة بعد هذا الحبس الذي فرض عليها، وحرمانها من وسائل الاتصال به، كاد ان يذهب بعقلها من الوحدة:
فردت برسالة ملطفة:
-معلش يا حبيبي، قدر غضبه بقى واعذره، ما هي المفاجأة كمان كانت جامدة قوي.
– عشان خاطرك انتي بس.
بعث بها مقتضبة بغضبب مستتر، فبعثت تغير دفة حديثهم.
– على فكرة انا اشتريت الفستان اللي نقيناه انا وانت اون لاين قبل كدة، وطلع يجنن عليا، مش قادرة اقولك على شكلي دلوقتي وانا لابساه.
بعث لها برسالة ماكرة:
– طب ما تبعتي صور وتخليني اشوف واقرر بنفسي.
بعثها وانتظر قليلًا، حتى اعتدل فجأة عن مقعده بتحفز، وهو يرا النضوج الحديث للفتاة التي تهيم به، فقد ازهرت ثمارها وأصبحت انثى بحق بعد ان ارتدت ما يظهر جمالها المخفي، كبر الشاشة بإصبعيه يتمعن النظر بالأجزاء المكشوفا من الفستان عليها،ثم أرسل لها:
– تجنني، انا كنت واثق من الأول انه هيليق عليكي ويخليكي قمر.
أسعدها غزله فقامت بإرسال عدة صور أخرى لقصة الشعر وزينة وجهها مع رسالة تطلب رأيه أيضًا، طالع الصور في البداية بإعجاب واضح، ثم عقد حاجبيه باستدراك يبعث إليها:
– طبعًا ساحرة مفيش كلام، بس انتي مقولتش ع المناسبة اللي عاملة دا كله عشانها…..
قرأت الرسالة لتبعث إليه بوجه يرفع حاجبه واحد بمكر، وكتبت بجواره:
– يعني انت عايز تفهمني انك مش عارف ان النهاردة فرح كاميليا على طارق؟
كز على أسنانه وتلاحقت الأنفاس بصدره بشكل متسارع مع تذكيره لهذا الإنهزام الذي تعرض له، وما حدث له من توابع تركت اثرها عليه، سحب شهيق قوي واخرجه حتى يهدأ قليلًا من أعاصير وعواصف بداخله، لو أطلق لها العنان لدمرت كل شئ أمامها، ولكنه تمالك لتشغيل عقله كالعادة حتى لا يخسر أكثر مما خسره، فمازال أمامه الكثير، انتبه على رسالة أخرى منها:
-روحت فين مني يا ركام؟ اوعى تكون سرحت؟
تبسم بزاوية فمه، فهذه الصغيرة يعجبه بالفعل ذكائها، فكتب يرسل إليها:
– سيبك من الكلام الفاضي ده، دي حاجة انتهت بالنسبالي، ومش انا الراجل اللي يبص ورا ضهره، انا عيني دايمًا لقدام، ولا انتي مش واخدة بالك؟
ابتسمت هي من محلها لتبعث إليه:
– أكيد واخدة بالي، امال انا اتعلقت بيك ازاي؟
أومأ رأسه برضا ليبعث:
– حلو اوي، طب انا عايز اشوفك النهاردة بقى عشان وحشتيني .
– مينفعش طبعًا يا كارم، بقولك النهاردة فرح اختي.
قرأ رسالتها، ليضغط على أحرف شاشة هاتفه بغضب يبعث له بحزم:
-بقولك وحشتيني، اتصرفي بقى انا لازم اشوفك، ولا انا موحشتكيش؟
❈-❈-❈
في خارج الغرفة.
كاميليا وهي تحمل مجد الصغير بيدها، فكانت تقبله دون توقف مرددة بمرح:
-يا ختي ع القمر يا ناس، ايه يا ولا الحلاوة دي؟ واخدها من والدك ولا والدتك؟
ردت زهرة ضاحكة وهي تشير بيدها نحو نفسها، فاعترضت غادة بقولها
-ايوة بس انتي عنيكي مش ملونة، دي عين ستو
صاحت تقنعهم:
– عين ستو، لكن شكل مين؟
تدخلت نوال هي الأخرى:
– والحواجب يا زهرة، ماهي برضوا مش حواجبك في عقدتهم، الواد دا كله الخالق الناطق ابوه.
رددت باعتراض شاعرة بالظلم:
– الخالق الناطق! حرام عليكي، طب غمازة الدقن دي كمان، عند والده برضوا؟
قهقهت غادة تغيظها بأصبع السبابة تقول:
– غمازة الدقن بس…. دي الحاجة الوحيدة اللي واخدها منك، الواد دا كله ريان يا ماما.
كشرت بوجهها تزداد عبوسًا، وهي ترا اتقافهم عليها بالضحك وإغاظتها حتى قالت توقفهم:
-بس بقى لا جاسر ولا انا، هو شبه جده عامر الريان اساسًا، ولون العيون ال واخدهم من طنت لميا.
قارعتها غادة ضاحكة:
– ايوة كدة اعترفي بالحق.
رددت خلفها:
– اعترف بالحق، طب الواد ده مش ابني دا ابن لميا وعامر عشان تبقوا عارفين.
عقبت نوال ضاحكة:
-اهو كدة فعلا اعترفتي بالحق، انتي الواد دا تنسيه خالص، اول طفل في البيت، بيعلق اكل بيه، نصيحة مني انتي وحطي املك ع اللي جاي .
بعد قليل
حينما عادت من الخارج استقبلها عامر يالتهليل ليتلقف ابنها منها:
– حمد الله ع السلامة، اَخيرًا مجد باشا وصل.
تناول الطفل منها ليلاعبه بمرح ويحتضنه باشتياق مرددًا:
– اَه يا قلب جدك انت، اقسم بالله دا انا كنت مو,ت لو جرالك حاجة.
ربتت على ساعده زهرة قائلة بتأثر:
-بعد الشر عليك يا عمي، ربنا يبارك في عمرك. هي طنت لمياء فين؟
اجاب عامر وهو يجلس بالطفل:
– طنت لمياء مشغولة بقالها يجي ساعة مع جوزك فوق،
عقدت جبينها تطالعه بتساؤل، ليردف لها:
– ما تطلعي تشوفيهم يا ستي، انتي لسة هتسألي؟
اومأت بحرج لتتركه وتصعد لغرفتها، ولجت بداخلها لتجد لمياء على وشك، فتبسمت لها المذكورة تقول بمرح:
– اهلا يا زهرة، مجد صاحي ولا نايم؟
-لا لسة صاحي وبيضخك لجده كمان.
قالتها زهرة فتحركت لمياء للخروج على الفور مهرولة بحماس، فتقابلت انظارها مع انظار حبيبها الذي كان جالسًا أمام حاسوبه، فنهض عنه ليقترب منها يطبع قبل على وجنتيها يقول بعشق:
– اتأخرتي ليه؟ انا مستنيكي بقالي كتير.
ردت بدلال امتزج بخجلها:
– متأخرتش ولا حاجة، هي نص ساعة بالكتير سلمت على كاميليا واديني هلبس اهو واجهز عشان اروح معاك
همت لتتحرك ولكنها اوقفها بقوله:
– استني هنا، هو انتي عرفتي هتلبسي إيه الأول .
اجابته بعملية وهي تذهب،نحو خزانة الملابس:
– ايوة طبعًا، انا كنت شارية فستان سهرة مع طنت لميا من مدة كدة ولس…..
قطعت بنصف شهقة، وهي على مدخل الخزانة لتسأله باستفسار:
– فستان الفرح بتاع مين دا يا جاسر.
اقترب منها ليحتضنها من الخلف، قبل أن يجيبها:
-ما هي طنت لمياء بدلت الفستان بواحد تاني
مالت برأسها للخلف لتطالع وجهه لتساله بعدم استيعاب:
يعني يا جاسر انا مش فاهمة.
لفها لتصبح مقابله، ليقول وهو يعيظ بكفيه على خصلات شعرها المتمردة:
– مش محتاجة فهم يا زهرة، الموضوع كله إحساس، وانا بقى دلوقتي هتجنن عشان اشوفك بيه.
توسعت عينيها تشعر بصعوبة في الفهم، لتسأل وعينها تتنقل من الفستان وإليه:
– تشوفني بيه ازاي يعني؟ انا مش فاهمة حاجة.
❈-❈-❈
في المساء كان الموعد المنتظر
دلفت بخطواتها البطيئة وفستان لامع باللون التركواز الامع، ناسب جســ دها النحيف، بزينة للوجه أخذت بها الشحوب الدائم به، وخطت بأناقة تخترق القاعة المتسعة والممتلئلة بالبشر لتتوقف على أجمل مشهد تخيلته مرارًا ، ابنتها حبيتها التي لم تتخل عنها ولو لمرة واحدة، بالفستان الأبيض المبهر في رقصة رومانسية مع حبيبها الذي اصبح نصيبها بعد طول انتظار، توقفت تحتضن نفسها بأعين ترقرقت بالدموع، لتتابع مع باقي المدعوين حتى تأتي فرصتها للقاء بهم.
على طاولة قريبة كانت تضم ورقية وإحسان الممتعصة دائمًا وسمية وبناتها وغادة التي هتفت منتبهة:
-يالهوي ياما، مش دي برضوا خالتي نبيلة أم كاميليا ولا انا بشبه؟
التفت إحسان نحو الجهة المذكورة تضيق عينيها بتفحص، فتدخلت رقية بقولها:
-ايوة هي يا بت، بس دي خاسة اوي، واتغيرت عن زمان .
– بس لساها حلوة زي ما هي.
هتفت بها إحسان باعين متفحصة، لتضيف بحقد :
-لا ولابسة حتة فستان مخليها ولا العيلة الصغيرة، يا ختي الست دي بتكبر ولا بتصغر…..
قاطعتها رقية على الفور:
-خفي شوية يا إحسان الولية لا توقعي الست وهي تعبانة اساسًا.
كشرت إحسان بوجهها لتقول عاتبة بغضب:
– وانا يعني كنت هحسدها مثلا؟ فيه إيه يا خالتي بس؟
ردت رقية بمهادنة حتى لا تحرجها:
– انا يا حبيبتي بس بنبهك، مش قصدي حاجة وحشة، دا الواحد احيانا بيحسد عياله.
لوت ثغرها إحسان لتشيح بوجهها دون رد ومن الجوار مالت سمية على رفية لتسأل بفضول:
– ليه يا خالتي مالها يعني؟ ما هي ماشاء الله شكلها اهي
عبس وجه رقية بتأثر تجيبها:
– دا مكياج وحلاوة روح يا حبيبتي، انما بس …
توقفت تلقي نظرة خاطفة نحو إحسان، ثم تابعت هامسة:
-الست عندها المرض الخبيث الله يحفظنا، بس هي مخبية مش عايزة تقول لحد .
تغضن وجه سمية لتلتف نحو نبيلة متمتمة بشفقة:
– يا عيني ولا يبان عليها .
على طاولة أخرى لأسرة الريان كان عامر يتابع فقرات الفرح ويلاعب حفيده الذي كان يستجيب له بالضحكات التي كانت تسلب لب قلبه، ليزيد من مداعباته حتى يستمتع برؤيتها، ومن جواره لمياء كانت تنفخ من الغيظ، فهذا الأناني لا يشبع من الإستئثار به، ولا يجعلها تمارس سلطتها كجدة بحمل حفيدها هي أيضًا، فقالت من تحت أسنانها:
– زمان الولد جعان يا عامر، هاتوه بقى خليني اَأكله.
التف إليها يقول بغيظ:
– لا متشليش هم يا حبيبتي، هاني شنطة والدته وانا هعرف أكله
زفرت بعن,ف تدفع الحقيبة أمامه، وتناولها ليبحث عن زجاجة اللبن الصناعي فقال يسألها بفضول:
– مش ناوية بقى تقولي ابنك ومراته راحو فين؟
ردت بمزاج
– لو قولتك راحو فين؟ هتديني الولد؟.
على الفور هز برأسه بالرفض ليزيد من حالو الرفض حتقام
-لا طبعا مش لازم اعرف، دول اتنين كبار هقلق عليهم مثلا يعني يجو براحتهم بقى.
❈-❈-❈
على أنغام الموسقى الهادئة كان يراقصها، وبعد ان أتم عقد قرانه عليها، لتُصبح زوجته اَخيرًا، بعد طول عذاب واشتياق، تضحك بوجه القمر لتضئ له عتمته، وعيناه تلتهم تفاصيلها بحرمان، لدرجة جعلته معقد اللسان، يضحك فقط دون ان يتفوق بكلمة، مما استفزها لتأخذ هي زمام المبادرة:
– هتفضل ساكت كدة كتير؟
– نعم!
-بسألك عن السكوت الزيادة ده، مش ناوي تتكلم بقى؟
انا زهقت.
– زهقتي ليه،
قالها متبسمًا ببلاهة أغاظتها لتلكزه بقبضتة بخفة على ظهره، فتأوه بميوعة أضحكتها، لتهتف به بابتسامة مستترة، مدعية الحزم:
– بس بقى غلاسة واتعدل معايا. سمعني حلو او قول أي حاجة، هي القطة كلت لسانك .
تحركت رأسه يدعي عدم الفهم، فحاولت بسؤاله:
– طب مقولتش رأيك فيا إيه؟
-إيه؟
قالها لتهتف به سائلة بغيظ:
– انت شايفني حلوة قدامك؟
اتسعت ابتسامته حتى ظهر صف أسنانه الابيض ليردف بتصنع الجدية:
– لا خالص .
– خالص!
رددتها بغيظ لتردف بعدم اكتراث:
– ع العموم انا واثقة في نفسي وعارفة نفسي حلوة .
– يا ولد.
هتف بها ليشدد من اختضانها برقصتهم، ثم همس بجوار اذنها بصوته الدافئ:
-انتي أحلى من القمر نفسه، قالها ثم عاد لعبثه مردفًا:
– امتى بقى الفرح دا يخلص.
❈-❈-❈
وفي جهة أخرى من القاعة لم تغفل عيناه عنها ولو للحظة، منذ أن أتت وخطت بأقدامها امامه، حتى برغم تغير هيئتها عما سبق علمها، فكيف يخطأ معرفتها وقلبه هو من كان الدليل إليها، لم يدر بنفسه حتى اقترب منها وشعرت هي به فالتفت برأسها إليه، لتجده أمامها وقد كبر من السنوات ما يتخطى عمره بمراحل، يناظرها باعين مشتاقة تذبــ حها قائلًا:
– ازيك يا نبيلة.
أومأت بهز رأسها تسبل عينيها التي لا تستطيع النظر بخاصتيه:
– الحمد لله، عامل انت إيه؟
– انا كويس يا ستي، وانتي بقى….
أومأت برأسها دون صوت، وقالت وعيناها قد ذهبت نحو ابنتها التي تتمايل بين يدي عريسها بسعادة:
– متشكرة اوي ليك يا ابراهيم انك سمحتلي أجي النهاردة واشوفها، كاميليا حلوة النهاردة ، قمر بجد.
قالت كلماتها الأخيرة بأعين ترقرقت بها الدموع، وردد من خلفها هو:
– ما هي شبهك يعني قمر زيك.
ردت تغمض عيناها بتعب، بدون ات تلتف برأسها إليه :
– في الشكل الخارجي بس، لكن في الحقيقة هي كلها انت.
سألها بفضول لم يقوى على كبته:
– انا عرفت انك اطلقتي من فترة طويلة، قاعدة فين دلوقتي يا نبيلة؟ هو انتي اتجوزتي تاني؟
نفت برأسها صامتة، لتواجه بصمته هو الاَخر وهو يناظرها بتمعن، وكأنها يستكشف ما بها جيدًا، انتبهت فجأة توقف صوت الموسيقى وهتاف مقدم الحفل يدعو لمشاركة الرقصة الرومانسية مع العروسين، فالتفت تفاجئه بطلبها:.
– ممكن ترقص معايا؟
أومأ لها بكل ترحيب ودون تردد، لينضم معها يراقصها .
❈-❈-❈
خلف مبنى القاعة التي يقام بداخلها الفرح الصاخب، كان جالسًا بداخل سيارته ينتظر، مكررًا نفس الأمر الذي حدث معه هو سابقًا، حينما هربت في يوم زفافها به، ضغط بقبضته على المقود مع تذكره لتفاصيل هذه الليلة وما حدث معه، ولكنه عاد يهدأ نفسه فهو الاَن على وشك رد الصفعة!
التفت رأسهِ فجأة على رؤية هذه الحورية الصغيرة وهي تخرج إليه من خلف المبنى المقابل له، تخطو بتسارع وتتلفت يمينًا ويسارًا حولها، حتى لا يشعر بها احد، ليأخذ فرصته هو بتقيمها من طرق حذائها ذو الكعب العالي على الارض ليرتفع بأنظاره تدريجيًا على السيقان الطويلة ثم هذا الفستان الذي كان لأعلى الركبة الناعمة، ليتمهل على المنحنيات التي احتضنها بدلال، فتنهد بحرارة قبل ان يصل إلى هذا الوجه المستدير بزينته وتسريحة الشعر التي زادتها فتنة، لقد تغيرت وتخلت عن هيئتها العادية لتصبح انثى تخطف الأعين حولها بالفعل .
— هاي.
قالتها وهي تفتح باب السيارة لتنضم إليه بداخلها، تلقاها مرحبًا بالإقتراب ليُقبلها على وجنتيها ولكنها ابتعدت سريعًا محذرة بدلال، جعله يبتسم لفعلها، قبل يستقيم في جلسته ليقول ببرائة:
– دي حاجة بسيطة ع الخد، يعني سلام عادي.
تحرك كتفها لتقول بغنج:
-حتى لو عادي احنا بقى معندناش الكلام ده
أومأ برأسه مستجيبًا بابتسامة ثم حاول تشغيل السيارة ولكنها اوقفته بقولها:
-استنى هنا متدورش العربية، انا مينفعش ابعد لأهلي يستعجلوني ولا يقلقوا عليا دلوقتي في الفرح.
توقف عما هم لفعله ليخاطبها بوجه عابس:
-أهلك اللي حابسينك عشان تبعدي عني .
أومأت برأسها موافقة تقوس شفتيها بفعل طفولي، فاحتد قائلًا لها:
– وانتي بقى هتسيبوهم يقرروا عنك مستقبلك؟ مش هتقاومي ولا تدافعي عن حقك في الاختيار.
أجابته بهدوء يغيظ:
-لأ طبعًا مين قال كدة؟ انا بس بحاول اجاري الجو دلوقتي على ما فرح كاميليا يتم وتروح بيت جوزها وانا بقى بعد كدة هاخد فرصتي مع بابا.
ذكر اسم شقيقتها وذكر إتمام زواجها جعل الد,ماء تغلي برأسه فهدر بها، على غير أتزانه المعروف:
-فرصتك إيه؟ والدك رافض المبدأ من أساسه، بدليل انه اتجرأ وهددني، لو انتي عايزاني بجد؟ يبقى فرصتك معايا دلوقت، نروح انا وانتي من هنا ونحطهم قدام الأمر الواقع .
سمعت منه لتناظره بنظرة غريبة وكأنها تكشف ما يدور برأسه، ثم ردت بنفس هدوئها:
– انا مينفعش امشي من هنا ولا اعمل اللي بتقوله ده يا كارم عشان انا مش اقل من اللي قاعدة جوا دلوقتي دي، واتعملها بدل الفرح فرحين ….
عقد جبينه صامتًا يستمع إليها، وهي تابعت .
– لو عايزني بجد مش عشان حاجة تانية في دماغك، فخليك متأكد إني مش هتخلى ولا اتنازل عنك، لأن انا محدش يقدر يفرض عليا حاجة يا كارم، بدليل اني رفضت قريبك اللي اسمه امين ده واهو ابن عمك وظابط، و…..
-أمين مين؟
هتف بها ليكمل بحدة:
-امين دا من الفرع الفقير اللي في العيلة، يعني يتشرف بأنه ينتمي لينا، وانتي ازاي اساسًا بتفاضلي بيني وما وبينه؟
عادت تقوس شفتيها لتقول ببؤس:
– وطب وانت بتزعق فيا ليه؟ انا قولتلك ع اللي حصل وقولتلك ع اللي في دماغي، انا كمان عايزاك، بس مش عايزة ابقى اقل من اختي، وانت لو بتحبني بجد استنى شوية بقى، وانا اوعدك اني هنفذ واتجوزك ، ولو معرفتش اقنع والدي، يبقى مروان اخويا هو بقى اللي يسد عنه.
رد مستنكرًا:
– مروان مين؟ هو مروان دا عايش معاكم اساسًا؟ طول الوقت سفر مع اصحابه، ولا له دخل بأي حاجة باللي بيتم في بيتكم .
– عشان عايش مع نفسه، ومتكل ان في اللي بيسد من ورا ضهره، ان كان كاميليا او بابا، لكن بقى لو انت ضميته في صفك بأي إغراء من عندك، مركز في شركتك او فلوس مثلًا، مفتكرش انه هيرفض…
توقفت تقترب بوجهها منه لتسأله بنعومة:
– ولا انا مستحقش يا كارم؟
بهذا القرب المهلك ابتلع المذكور ريقه فعلمت هي بتأثريها عليه، ليجيبها ويده تطبق على ذراعها المكشوف تقربها إليه وهو يردف بصوت متحشرج:
-انت تستاهلي الدنيا كلها.
قالها وما ان هم بتقبيلها حتى باغتته بدفعه عنها، وخرجت على الفور من السيارة لتردف امام ملامح وجهه المذهولة بابتسامة مستترة وكأنها لم تفعل شئ:
-حاول متنمش النهاردة، عشان هخلص الفرح واكلمك على طول، اصل وحشني اوي الرغي معاك، يالا بقى باي يا قلبي .
ختمت تلقي إليه بقبلة في الهواء على أطراف أصابعها، ثم استدرات على الفور تعدوا بخطوات مسرعة نحو العودة للقاعة في الجهة الأخرى.
ظل هو متصلبًا ينظر في أثرها لعدة لحظات حتى استفاق يمسح بكفه على شعر رأسه وجانب وجهه حتى توقف ليغمغم ضاحكًا:
– مطلعتش ساهلة القطة الصغيرة….. دا باين اللعب معاها هيبقى مشوق بجد.
الفصل الاَخير الجزء الثاني
على مدخل القاعة كانت تفرك بكفيها بعصبية، وتجول بعينيها باحثة كل دقيقة في الخارج عنه، لقد تأخر كثيرًا، كثيرًا جدًا وهي في انتظاره، وهو لم يأتي ولا حتى رب عمله ولا زهرة زوجته، تتمنى من الله السلامة وألا يكون هذا التأخير بسبب سوء حدث معهم.
شهقت بارتياح فور أن رأته يأتي قادمًا بخطواته السريعة نحوها، حتى إذا وصل إليها تلقفته بالسؤال على الفور:
– توك ما واصل يا إمام؟ دا الفرح قرب يخلص.
اجاب لاهثًا وهو يدخل بها لدخل القاعة:
– فرح ايه اللي يخلص بس يا غدغود؟ هو لسة ابتدى أساسًا؟ ع العموم معلش لو اتأخرت عليكي.
ردت بقلق:
– مش موضوع تأخير، بس انا قلقت عليك جامد يا إمام، خصوصًا وإن جاسر الريان مجاش ودا فرح صاحبه، ومراته صاحبه العروس تبقى صاحبة مراته وشغاله عنده، يبقى ليه التأخير دا بقى؟
نظر إمام نحو ساحة الرقص التي بدأ رقص الكابلز فيها مع العروسان، فقال وهو يتناول كف يدها ويسحبها معه:
– تعالي بس الأول نجرب الرقص الرومانسي وبعدها تكمل كلامنا، هي طارت يعني؟
– لا مطارتش بس….
قاطعها بقوله الحاسم وهو يخترق بها قاعة الرقص:
– ما قولنا بعدين يا غادة، مش قادرة تصبري يعني.
اضطرت مذعنة تسلتسم لإلحاحه ولشعور البهجة الذي يغمرها بشدة في القرب منه
❈-❈-❈
وكأن الزمان لم يمر ولم يلقى منها جر,ح عمره، بين يديه وهو يراقصها برزانة تقارب الرتابة، نظرَا لتقدمهما في العمر، ولكنها وبرغم هذا الضعف الذي يراها اللاَن، عليها يجد نفسه يتذكرها بطفوليتها وسنين زواجه الأولى بها، قبل ان تتراكم عليه الهموم ويضيق الحال ويتبخر العشق في الهواء، ليذهب لمكان اَخر وليس منزلهم، ثم تأتي اليوم بعد كل هذه السنوات ويراها فينبهر بحسنها وينسى معه كل شئ، فلا يرا سواها يستعين بصورتها القديمة، ليستعيد ولو بالوهم سعادة غابت عن قلبه منذ رحيلها عنه.
كان منفصلَا عن الواقع معها وهي تميل بين يديه تناظره بامتنان يكفيها نظرة الحنان في عينيه وغفران قلبه لها، يكفيها فرحتها بابنتها التي تطالعها كل دقيقة منذ أن ولجت لساحة الرقص معها بسعادة تكمل فرحتها بأن تشاركها بهذه الرقصة الرومانسية، لقد استراح قلبها اَخيرًا ولم تعد تخشى شئ .
❈-❈-❈
خدت بالك من جوز العصافير دول يا طارق؟
همست بها إليه بفرحة تطل من عينيها وهي تومئ برأسها نحو والديها اللذين يتراقصان بشاعرية بالقرب منها، نظر طارق نحو الجهة التي تُشير إليها فعاد إليها يقول بمشاكسة:
– دا شكل الميا هترجع تانى لمجاريها ولا إيه بس؟
ردت بوجه جدي:
– ياريت، بس للأسف المشكلة في ماما نفسها قبل بابا، لأنها مش عايزاه هو بالذات يعرف بمرضها، نفسها تفضل على صورتها القديمة الجميلة قدام الكل وخصوصًا هو .
– دي بتحبه بقى
رددها بتخمين أكدته هي بابتسامتها وقولها المتأثر:
– بس اكتشفت دا متأخر قوي .
شعر طارق بالحزن التي اكتسى ملامحها فقال سريعًا ليُعاود إليها مزاجها الرائق:
– على فكرة بقى انا عاملك مفاجأة تجنن .
سألته بفضول:
– بجد طب هي إيه؟
رد متبسمًا بصوت طقة طقة بفمه:
– وهتبقى مفاجأة ازي بقى لما اقولك؟
قالت بلهفة لم تقوى على كبتها:
– ماتبقاش رخم بقى وقول على طول .
تبسم يقول بمرح:
– يا بنتي بقولك اصبري، دي هي كلها دقايق بس .
❈-❈-❈
عادت للقاعة مرة أخرى بعد أن أنهت لقاءها مع كارم، وأثبتت له ولنفسها انها بقدر التحدي، نعم هو تحدي بالنسبة لها، لقد حذرتها شقيقتها منه ومن غموضه الذي يجذبها إليه، ورأت بنفسها ما كان ينتوي عليه منذ قليل معتقدًا أنه يستطيع استغلالها في رد الضر,بة بالإنتقام من شقيقتها، ولكنها كانت زكية حينما لم تغفل عن ذلك وعرفت كيف تصده دون خسائر، فهي ليست بالغباء الذي يجعلها تضيع فرصة مثله بهذه الإعتقدات التي أردفت بها شقيقتها عنه، توقفت لتشاهد مجموعة من صديقات الجامعة لها، وهن يتمايلن بهيام على الأغنية الرومانسية وأعينهم تفيض بالإعجاب والحسد نحو كاميليا وطارق الذي يناظرها بوله في رقصتهما معًا، تنهدت بعمق وهي تتمتم بداخلها:
-لقد حان موعدها لكي تثبت نفسها هي الأخرى،
لتحظى بفرح كهذا ورجل كهذا أيضًا، هي ليست بالقليلة حتى لا تستغل جمالها في الحصول على ما تبتغيه، وليست لقمة سائغة، حتى يستغلها أي من كان، حتى لو هذا هو كارم نفسه الماكر الوسيم
❈-❈-❈
على الطاولة التي ضمت عدد من الافراد التي أتت من الخارج من أسرة طارق، مثل والدته وشقيقته الصغرى كانت لينا ووالدتها هي من يشاركهم الفرحة لحكم الصلة الأخوية التي أسسها طارق على مدى العديد من السنوات.
قالت والدته بتأثر وعينها مثبتة على العروسان:
– بسم الله ما شاء الله، عروسة طارق طلعت قمر فعلًا، يعني مكنش بيكدب في الوصف.
ردت أنيسة بابتسامة ودودة وفرحة تغمرها سعيدة بجمع شمل طارق مع من أحبها بالفعل:
– مش جمال بس، لا دي كمان ادب وشخصية محترمة من كله، بصراحة مكنتش اتوقع انه بعد العك اللي عكه دا كله يقع في واحدة بالصفات دي، متأخذنيش يا هانم، بس انتي عارفة ابنك.
قالت الأخيرة ضاحكة للمرأة التي تقبلت مزاحها تومئ برأسها موافقة، تدخلت شقيقته في الحديث قائلة بانبهار وبعض الكلمات الأجنبية:
– ( أخويا دا خبير في الستات) My brother is an expert in women، يعني عرف ينقي كويس يا مامي .
سمعت لينا لتلوي ثغرها قائلة بامتعاض:
– مش بالخبرة يا ماما، دا حظ يا قلبي، واخوكي دا ماشاء الله حظه ن,ار .
ارتسم على وجه الفتاة على الذهول، لتنتبه انيسة فلكزت بمرفقها على خصر ابنتها تقول ضاحكة:
– معلش يا حبيبتي هي كدة مدب في كلامها، أكيد طارق حكيلك عنها مش كدة.
أومأت الفتاة بابتسامة استفزت لينا:
– هو فعلًا حكيلي عنها، لانه دايمًا كان بيشبهني بيها
عشان طولة لسانها معاه .
تحفزت لينا وبرقت فيروزيتيها بشر قابلته الفتاة بتوسع ابتسامتها لتردف لها:
– بس معرفش يوصف انها بالحلاوة دي.
ضحكت أنيسة مع ارتخاء ملامح ابنتها لغزل الفتاة، والتي ردت برقة غريبة عنها:
– مرسي اوي لزوقك.
أضافت والدة طارق على قول ابنتها:
– على فكرة هو مكانش بيشبهك بيها عشان طولة اللسان وبس، لا دا عشان هو دايمًا بقولها كدة قدامنا، انا عندي اختين، واحدة في كندا والتانية في مصر .
تبسم وجه لينا لكلمات المرأة، وبدا التأثر على وجه أنيسة رغم إظهارها العكس، وحتى لا تغوص لذكريات الماضي غيرت لتسأل عن الفتى الصغير ذو الملامح الأجنبية والذي كان يلهو مع ميدو شقيق كاميليا في جانب وحدهم:
– هو دا ابن طارق؟……
أجابتها المرأة بابتسامة ذات مغزى قائلة:
-أكيد طارق حكالك عنه؟
أومأت أنيسة برأسها بتفهم، لتجفل على نهوض ابنتها فجأة من جوارها وهي تقول مستئذنة:
– طب يا جماعة عن اذنكو بقى، انا هروح اشوف واحدة صاحبتي.
أوقفتها أنيسة فور أن تحركت بأقدامها:
– رايحة فين يا بنت؟-
– بقولك رايحة اشوف واحدة صاحبتي يا ماما، الله.
قالتها بنزق قبل أن تعدو متهربة من سؤال آخر، لتخترق بخطواتها الساحة الضخمة بعدد الأفراد التي تجمعت على النغمات الرومانسية تشاهد رقصات الكابلز من العشاق او المتزوجين لمشاركة طارق لهذه اللحظات الرائعة.
وهي تبحث بعيناها عنه والهاتف على أذنها ولا تدري بنظرات الأنبهار التي تتبعها، أينما ذهبت لجمالها الخاطف واناقتها الغير عادية بدون مجهود منها، بفضل رشاقتها وسلاسل الذهب التي اطلقتها على ظهرها، ولون عينيها البديع مما جعل الغيرة تدب في قلب الاَخر وهو يراها تقترب منه بابتسامة متلهفة، ليبادلها بوجه عابس متجعد:
-اخيرًا جيت يا نيازي؟
قالتها فور أن اقتربت منه، فرد بامتعاض:
– ويارتني ما جيت.
سألته بعدم فهم:
– ليه بتقول كدة يا نيازي؟ دا انا مصدقتش نفسي لما عرفت انك وافقت تيجي فرح طارق، رغم الخلافات اللي مابينكم دايمًا.
زم شفتيه يقول بقرف وهو يشير على زينة وجهها وما ترديه من فستان سهرة يحبس الأنفاس بالصــ در:
– الحلاوة الزيادة دي يا لينا، خفي يا ماما شوية، دا حتى كتر الحلو يجيب غممان في النفس .
رفرفرت بأهدابها تناظره بازبهلال لتسأله باستفسار:
– اه يعني انت كدة قرفان مني عشان حلوة ولا إيه مش فاهمة؟
زاد تجعيد بوجهه ليشير على ما حوله قائلًا:
– انا مستفز من كله يا لينا، البهرجة الزيادة دي، والمصاريف اللي بيصرفها قريبك اللي اهبل ده، على ليلة، ليلة واحدة يا لينا؟
– طب وانا إيه ذنبي في دا كمان؟
قالتها بقلة حيلة وقد ارهقها نقده الغير مفهوم، فغمغم بصوت خفيض وكأنه يحدث نفسه:
-انتي فعلا ملكيش ذنب، بروجوازية متعفنة
تسائلت باستفهام
– انت بتقول حاجة يا نبازي؟
تبسم لها وهم ان يجيبها بتفزلك كعادته، ولكن أجفله توقف صوت الموسيقى، ثم تحدث هذا الرجل العريس قريبها في الميكرفون.
❈-❈-❈
هتف طارق ممسكًا بالميكروفون بعد أن قطع الرقصة الرومانسية فجأة قبل انتهائها ليحيط بنظرات الجميع نحوه باهتمام:
– يا جماعة ممكن شوية انتباه معلش.
جذب الانتباه والتفت معظم الرؤوس نحوه بتساؤل عما ينتويه وأولهم كانت كاميليا التي كان يق,تلها الفضول لمعرفة الاَتي، فتابع هو وعيناه تتنقل من الحضور وإليها:
– في البداية كدة حابب اهني نفسي بعروستي الجميلة قدامكم.
قالها بمغازلة صريحة لها اَثارت الضحكات والغمزات، لتغزو ابتسامة سعيدة محياها رغم خجلها من فعله، فاستطرد بعد ان اشاع جوا من المرح:
– الحاجة التانية بقى اللي عايزكم تعرفوها عني، هي عن حلم كان دايمًا بيروادني أنا واتنين صحابي واحنا صغيرين، اصل صداقتنا كانت قوية اوي لدرجة كانت بتخلينا ناخد عهود مع بعض ان جوازنا احنا التلاتة هيبقى في يوم واحد….. كبرنا بقى وكل واحد شاف حاله بس الصداقة فضلت قوية ومنقصتش أبدًا، لكن القدر كان له كلمته…… وكانت البداية لما اتخطف واحد مننا في عز شبابه وراح لربنا ودا كان رمزي الله يرحمه….
توقف متاثرًا وعيناه اتجهت نحو أنيسة التي تكتفت بذراعيها تحتضن نفسها والدموع تساقطت على وجنتيها مع تذكر فقيدها، فبعث لها قبلة في الهواء فتقبلتها بابتسامة خففت عنها وبادلتها بمثلها، فتابع هو حديثه للجميع وقد تلقى دعم بلمسة من كف كاميليا على ذراعه:
– صديقي التاني بقى يا جماعة، ودا يبقى جاسر الريان واكيد انتو عارفينه طبعًا وعارفين انه اتجوز وخلف كمان ودا معناه ان الحلم راح……..
توقف ليهتف بصوت اعلى وعيناه تتجه للخلف ويجذب الأنظار معه:
-لكن مع جاسر الريان مفيش مستحيل .
ختم جملته لتُظلم فجأة القاعة ثم انطلقت الإضاءة الصاخبة نحو الجهة المقصودة مع صوت الموسيقى المحفز، لتزداد مع العاب ن,ارية كثيفة حتى انفتح الباب فجأة فظهر شبح عريس وعروسه لم يتبين وجههم جيدًا، فصدح صوت طارق كمقدمٌ إذاعي مخضرم:
– سادتي سادتي اَنساتي اقدم لكم جاسر الريان وزوجته زهرة في عيد جوازهم الأول بيعيدو فرحتهم من تاني مع فرحة العبد لله.
كشفت عنهما الأضاءة بشكل كامل مع ازدياد الالعاب الن,ارية الكثيفة وصوت الموسيقى التي تغيرت لأخرى رومانسية، ليلج جاسر الريان بحلتة السوداء وبيده زهرة التي كانت ترتدي فستان الزفاف الأبيض وقلبها يض,رب بهذه المشاعر المختلطة من الفرح والخجل والإنبهار، وجاسر يدعمها بلف ذراعيه حول خصرها من الخلف لتواصل التقدم مع التصفيق الحار من الحضور ، والذي رافقه تعليقات مرحة من طارق:
– رحبوا معايا يا جدعان بالعروسين اللي جاين يبرشطوا على فرحي انا وعروستي.
صدرت الضحكات العالية مع استمرار التصفيق الحار وابتسامة رائعة من جاسر الذي استقبله صديقه بالعناق الحار، لا يدري من منهما يهنئ الاَخر، وكاميليا التي ارتمت تح,ضن صديقتها بأعين ترقرقت بها الدموع لهذه المفاجأة التي هزتها من الداخل كزالزل، ثم سحبها طارق لتخلو ساحة الرقص للاخرين، ليأخذا دورهم في الرقصة الرومانسية..
❈-❈-❈
تناول يدها يقربها إليه لتصدح الأغنية التي أوصى عليها منذ البداية
الليلة دي سيبني أقول وأحب فيك
وانسى كل الدنيا دي وغمض عينيك
الليلة دي سيبني أقول وأحب فيك
وانسى كل الدنيا دي وغمض عينيك
ده أنت نور حياتي عمري كل أملي
شوق الدنيا كله مش كتير عليك
والله كل حاجة فيا بتناديلك
أيوة كل حاجة فيا بتناديك
الليلة دي سيبني أقول وأحب فيك
وانسى كل الدنيا دي وغمض عينيك
الليلة دي سيبني أقول وأحب فيك
وانسى كل الدنيا دي وغمض عينيك
بقلب يرتجف بداخلها حتى كانت تتماسك بصعوبة لتندمج مع خطواته في رقصتها، حتى خرج صوتها باهتزاز:
– يا نهار ابيض يا جاسر، انا مش قادرة احرك رقبتي ولا احط عيوني في عيون حد انا مكسوفة اوي.
قهقه يقول بمرح:
-وتتكسفي ليه بقى؟ هو احنا بنعمل حاجة غلط؟ انا عايزك ترفعي راسك قدام الكل، انتي مرات جاسر الريان
تبسمت تجيبه بتذكر:
– انا فاكرة كويس الجملة دي لما قولتيهالي في اول يوم جوازنا، بس بصراحة اول مرة احسها بجد، انا مرات جاسر الريان .
طبع قبلة فوق جبينها يقول هو الاَخر:
– وانا كمان فاكرك كويس اوي شكلك لما شوفتي الفستان اللي كنت محضره لفرحنا انه مكانش الأبيض اللي بتحلمي بيه، ساعتها كان ممكن الغي ولا انزل اجيبلك الفستان واعمل احلى فرح، بس انا وقتها كنت خايف اخسرك وسط المخاطر اللي كانت بتهددني.
ردت وأعينها تفيض بالإمتنان:
– عشان كدة حبيت تراضيني في عيد جوازنا وتحققلي الحلم.
– وكان عندي استعداد كمان اعملك فرح احلى من دا كمان، بس دي كانت فكرة طارق، ايه رأيك بقى عاجبك ولا نعيد بفرح لوحدنا.
سأل الأخيرة بوجه تعلوه الجدية فاقتربت هي مشددة باحتضانه تردد بدموع الفرح:
– راضية يا حبيبي والله راضية بأي حاجة منك، كفاية ان ربنا رزقنا بيك، ربنا ما يحرمني منك
❈-❈-❈
كدا برضوا يا طارق، دي حاجة تخبيها عني برضوا؟
قالتها كاميليا بلهجة باكية معاتبة، قابلها طارق بابتسامة مبتهجة وهو يقبلها على أعلى رأسها كترضية قبل أن يجلسها على مقعدهما المخصص ويقول وهو يجلس بجوارها:
– معلش يا قلبي بس دي كانت تحمكات جاسر، دا زهرة نفسها مكانتش تعرف غير من ساعات قليلة.
تسائلت بعدم تصديق قبل ان تستدرك بفطنتها:
– معقول!…. اه صحيح دي جانتي النهاردة وسلمت عليا ومكانش باين عليها أي حاجة، بس انتو وجاسر بقى لحقتوا تعملوا الترتيبات دي كلها إمتى، حتى ميعاد الفرح حددتو بالظبط .
انتفش صــ دره يجيبها بزهو:
-عشان تعرفي بس ان جوزك جامد وبنعرف نخطط ونظبط بالتمام .
ظهرت أسنانها البيضاء مع ابتسامة زادت من فتنتها، فتابع هو:
– بس الحق يتقال، طنت لميا كان ليها فضل كبير، في شرا الفستان اللي يناسب زهرة وتظبيط المواعيد مع الميكب ارتست، والفوتيسيشن
كمان!! طنت لميا كانت معاكم في الخطة دا انتو عصابة بقى.
هتفت كاميليا بعدم استيعاب قبل ان تنتبه على اقتراب شقيقتها لتخاطب طرق بمرح:
– ايه يا عم الجو ده؟ دا انتو فرحكم هيبقى ترند بكرة ع السوشيال .
رد طارق بتفاخر:
– احنا يا ماما مش محتاجين نعمل جو، اسمنا لوحده ترند.
ضحكت رباب قبل أن تجفلها شقيقتها بسؤالها:
– كنت غايبة فين يا رباب؟ انا بقالي فترة طويلة مش شايفاكي في الفرح.
تبسمت رباب تقارعها بتفكه:
– حتى وانتي مع عريسك بترقصي يا كاميليا، وعينك برضوا بتدور علينا؟ ما تقولها حاجة يا عم انت.
تقبل طارق مزاحها ليخاطب كاميليا مصتنعًا العتب:
– عاجبك كدة؟ أديكي جيبتلنا الكلام، مش مسيطر انا خالص معاكي .
استجابت كاميليا تشارك الضحكات مع الأثنين، بابتسامة مضطربة، قبل ان تقول رباب بغرض طمأنتها:
– انا مندمجة مع اصحابي في ركن لوحدنا في القاعة يا كاميليا، اندمجي بقى وعيشي فرحتك، احنا كبرنا يا ماما، معدناش صغيرين.
ردد خلفها طارق:
– بتقولك كبروا واندمجي مع عريسك، ما تندمجي يا ست انتي معايا وخلصينا .
هده المرة الضحكة خرجت من القلب، حديثه المبهج دائمًا لها.
❈-❈-❈
قال عامر وهو يناظر زوجته مضيقًا عينيه بارتياب بعد أن علم بما فعلته مع ابنها لفعل هذه المفاجأة:
– مطلعتيش ساهلة يا لميا، بقى بتخططي وتنفذي من من غير ما تقوليلي .
ردت لميا بابتسامة وغبطة تغمرها وهي تتنقل بالنظر إلى عامر وابنها الذي يراقص ز وجته:
-مش محتاجة تخطيط يا حبيبي، انت عارف من الأول ان انا هوايتي في البس وتنظيم الحفلات، وزهرة انا خلاص حفظتها وعرفت اللي بيعجبها في اللبس واللي يليق عليها كمان، يعني شطارة مني برضوا.
قالت الاخيرة بثقة جعلته يتخلى عن تصنع الغضب ليقول بارتياح:
– برافو يا لميا، بجد عجبتني، بصراحة مكنتش اعرف ان عندك المواهب المدفونة دي، لا وكمان بتعرفي تداري.
تبسمت تحرك كتفيها بزهو لتقول له:
-بجد يعني انت مبسوط مني يا عامر؟
بادلها الإبتسامة عامر قبل ان يقبل حفيده الذي كان وكأنه ينصت متفهمَا الحديث، ليقول:
– طول ما انتي بتفكري في مصلحة ابنك وسعادته مع مراته، يبقى لازم انبسط يا حبيبتي.
اسعدها الحديث وإطراءه فتشجعت على الفور تقول لها
– طب مدام كدة، يبقى كدة إديني الولد بقى، جلجل ضاحكًا فهم أن يغيظها بالرفض كالعادة، ولكنه في الاخير أشفق بعد أن ارتسم البؤس على ملامحها، فقال وهو يناولها الطفل.
– زي بعضه يا لميا، ما انتي في النهاية تبقي ستو برضو.
شهقت تتناوله، لتتمتم وهو تقبله:
– الف ليك شكر ليك يا عامر، كويس انك فاكر اني جدته وليا حق امسكه زيك.
غمغم هو ضاحكًا:
-عشان تعرفي بس اني راجل عادل، ومش أناني .
❈-❈-❈
وصل خالد مع زوجته التي كانت متأبطة ذراعه إلى الطاولة الجالسة عليها رقية ومعظم افراد عائلته التي كانت رؤسهم ملتفة نحو ساحة الرقص، القى التحية بكل هدوء وهو يجلس نوال على إحدى الكراسي معهم:
– مساء الخير، عاملين إيه يا جماعة؟
هتفت به صفية فور أن انتبهت إليه:
– توك ما واصل يا خالي؟ دا احنا قولنا انك مش هتيجي النهاردة من التأخير.
ضحك صامتًا فقالت رقية بارتياب:
– لا يا ختي وداخل مع المحروسة ولا كأنه شايف بنت اخته اللي بتتــ جوز جديد النهاردة.
رد بابتسامة متوسعة:
– مش واخد بالي ازاي بس ياما؟ دا انا اللي كنت بحضر مع جاسر وطارق من اول البداية لحد ما حضرت معاهم الفوتوسيشن من شوية .
شهقت رقية ومعها صفية ووالدتها التي قالت بذهول:
– وفوتوسيتش كمان! يعني حركات العرسان اللي بنشوف فيديوهاتم وصورهم اليومين دول.
رد خالد وهو يومئ برأسه:
– وبكرة كمان ينشرها ع النت وتبقى قلبان، حقهم.
– الله دا انا هشيرهم واهزيعهم في كل حتة، خلي الناس كلها تشوف اختي بالفستان الأبيض مع عريسها .
هتفت بها صفية بفرح، لتقول رقية وهي تخاطب ابنها وزو جته مضيقة عينيها:
– يعني كل الفترة اللي فاتت قاعدين بتخططوا وتنفذوا من ورايا، انت والسهنة اللي معاك .
ردت نوال بدفاعية:
– الله يا خالتي، وانا داخلي إيه بس؟
ردت رقية:
– بس يا بت بطلي سهتنة.
ضحكت نوال فتولي خالد بالرد:
– ياما متبقيش حمقية، احنا كنا عاملينها مفاجأة لزهرة، يعني كان لازم الكتمان، طب بذمتك انتي نفسك مفرحتيش.
صمتت رقية تناظره بصمت ثم مالبثت ان تغزو الإبتسامة محياها وهي تقول:
– غلبنتي يا بن ال…. انت والسهنة بتاعتك .
قالتها وضحك جميع من على الطاولة حتى محروس الذي كان جالسًا يراقب بصمت، يستدرك انه لم يفكر ابدًا في هذا الأمر، أمر فرحة ابنته الحقيقة.
❈-❈-❈
قال إمام وهو يلف ذراعه حول كتفي غادة الشاردة في النظر نحو جاسر وزهرة على ساحة الرقص:
– عاجبك المنظر يا عسل، ولا نفسك تعملي زيهم؟
التفت إليه بجذعها ف تطالعه من جلستها لتقول بصدق:
– نفسي نبقى زيهم .
هم ليرد ولكنها قطعت عليه لتردف مصححة ما بدر برأسه خلف عباراتها:
– انا قصدي ع المحبة يا إمام، عشان تبقى فاهمني صح، مش ع الفلوس ولا الهيلمان إللي عملينه ده.
رد على الفور منفعلًا:
– طب ما هو انا بحبك يا بت، ولا انت مش واخدة بالك؟
حركت رأسها تقول بتمني:
– انا مش قصدي على دلوقت يا إمام، انا قصدي على بعد الجواز، نفسي تفضل تحبني كدة على طول، وما تزهقش منك ابدًا.
افتر فاهه يضحك بعبثية مقهقهًا يقول بمغزى:
– باينك غلبانة ولا ايه؟ طب دا انا بعد الجواز هتشوفي مني الحب الحقيقي بالفعل… مش بالكلام.
ختم غامزًا بعيناه، فكتمت على فمها تخبئ ضحكتها الخجلة، ليزيد هو بمشاكساته وضمها بذراعه نحوه، فصدر صوت مصمصمة شفتين معترضة من إحسان الجالسة على نفس الطاولة خلفهم، فعلى بصوته هو لها:
– ليلتك فل يا حماتي، شدي حيلك بقى لفرحي أنا وغادة اللي باقي عليه أقل من اسبوعين.
امتعض وجهها أكثر تقول على مضض:
– ربنا يهني سعيد بسعيدة
استمرت بعد ذلك فقرات الفرح برقص الأربعة بالعصا وعلى الاغاني الشعبية والتصوير مع الأحبة حتى انتهت الليلة لتكون من اجمل ليالي العمر .
❈-❈-❈
– إنت وخدني ورايح على فين يا جاسر؟
سألته زهرة وهي تراقب الطريق المتغير الذي تقطعه السيارة بعد ان افترقوا عن عامر ولمياء ومعهما الطفل، قال جاسر والذي كان يقود السيارة بنفسه هذه المرة والحرس خلفه بالسيارة أخري:
– احنا مش اتفقنا ان الليلة فرحنا من جديد، يبقى نكمل بقى .
سألته باستفسار:
-نكمل إيه؟
تناول كف يدها بقبله ليقول بابتسامة رائعة منه:
– نكمل يا قلبي بأني هخدك نقضي الليلة لوحدنا في الشاليه بتاعنا، بتاع شهر العسل، ولا انتي نسيتي؟
شهقت بجزع تعقب على قوله:
– يالهوي يا جاسر، انت عايزني ابعد واقضي شهر العسل وابني مش معايا؟
ارتفع حاجبيه يجيبها بمرح:
-يا ست انتي بقولك الليلة بس لو حدنا، مجد باشا هيجي بكرة الصبح مع والوالد والوالدة ، يعني انا وانتي هنقضي بس الساعات اللي باقية دي من الليلة، نفسي نبقى لوحدنا شوية يا زوزو.
قال الاَخيرة بنظرة مترجية كطفل جعلتها تستجيب بابتسامة حانية قائلة:
– تمام، عشان بس عارفة ومطمنة على ابني مع جده وجدته.
اشرق وجهه بالفرح ليلتف إليها برأسهِ مهللًا بحماس :
– يعني هنعيدو من تاني يا زهور، دي هتبقى ليلة ولا ألف ليلة.
ختم يطبع على كفها عدة قبلات محمومة جعلتها تضحك حتى أشاحت بوجهها عنه نحو النافذة، لتُخفي بكفها على فمها بخجل.
❈-❈-❈
فتح باب الشقة الجديدة بعد ان جهزها منذ شهور لتصبح هي اول من يدخلها من النساء ويبدأ معها صفحة جديدة لها وحدها، هي من احتلت كيانه ولا أحد غيرها ينافسها في قلبه.
– خشي برجلك اليمين يا عروسة.
قالها متفكهًا حتى جعلها تضحك وهي تخطو للداخل مرددة:
– تمام حاضر، برجلي اليمين اهو .
اغلق الباب خلفها ليتبعها بنظرات وهي تتأمل الأرجاء حولها تقول بتأثر:
-الشقة حلوة يا طارق، مكنتش اعرف انها بالجمال ده.
– جمال إيه وهو في بعد جمالك.
قالها بنبرة شقية جعلتها تلتف إليه لتنتبه على وقفته بجوارها وعيناه مثبتة عليها بازبهلال، ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة، فقالت بمناكفة:
-اَخيرًا اتفكت عقدة لسانك يا طارق؟ وسمعت منك كلام حلو وكمان.
– لا دا انا هسمعك حكايات مش بس كلام.
قالها وهو يلقي بعلاقة المفاتيح على الطاولة القريبة بإهمال، ليكمل وهو يخلع سترة حلته:
– مش انتي اَخيرًا دخلتي برجليكي القفص، دا انا هسمعك كتير اوي.
رددت خلفه باستنكار تخفي به توترها:
– قفص يا طارق!
رد وهو يلف ذراعيه حولها يقول بلهجة عابثة:
– عش الزوجية يا قمر، بس احنا بندلعه ونقول قفص.
قالت مستجيبة لمرحه:
– يا شيييخ، مكنتش اعرف….
قطعت بعد أن باغتها واقتنص شفتيها بقبلة مشتاقة وقد نفذ صبره، حتى إذا افلتها قال بنبرة جدية بعشقه:
– كاميليا انا من النهاردة معرفش من الستات غيرك، حطي دي في بالك كويس .
اومأت برأسها ترفرف بأهدابها بحالة من التفهم تدعيها، ليكمل بعد ذلك ويدخلها معه في دائرة عشقه ويبدأ معها حياة جديدة.
❈-❈-❈
بعد عدة ايام
كان يقود سيارته بعد أن أنهى نوبته المسائية بقسم الشرطة، ليمر داخل الطريق الذي منع نفسه عنه منذ اسابيع، وقد ظن انه يستطيع نزعها من عقله، ولكن قلبه الخائن أبى ان يرتاح ويريحه، ليلبي نداؤه بأن يروي ظمأه بنظرة منها، أو ربما يجد فرصة، توقف في نفس المكان الذي ظل ينتظرها فيه منذ شهور يراقب خروجها في هذا الوقت للذهاب للجامعة كي تستقل سيارة أجرة للذهاب نحو الجامعة.
اجفل من شروده على طرقة قوية على زجاج السيارة ليتفاجأ بشقيقه هو من يدنو برأسه نحوه، ليقول بعد أن ان قام بفتح باب السيارة وحده لينضم معه في الأمام:
– الباشا بيعمل إيه هنا؟
تبسم امين يجيبه بسؤال:
– انت إيه اللي جابك؟ بتعمل ايه يا عم حسن في المنطقة دي؟
ضحك المذكور يجيب وهو يفرك كفيه ببعضهم:
– انا جيت هنا اعاين الموقع الجديد واتفقت مع المقاول على الأسعار، قطعت الشارع وكنت عايز اوقف تاكسي واروح، قوم اتفاجأ بحضرة الظابط امين واقف بعربيته، دا إيه الصدف السعيدة دي؟
توقف، ليتابع بالسؤال:
– لكن انت واقف هنا ليه؟
تبسم امين يتحمحم بحرج ليجيب وهو يدير محرك السيارة:
– لا دا انا كنت مستني واحد صاحبي بس انا….
قطع بعد أن تفاجأ برؤيتها وهي تعدو كفراشة بخفتها، لتجعل قلبه يرفرف برؤيتها، فتعود إليه هذه المشاعر التي حاول كبتها طوال الايام الفائتة، شرد بها حتى اثار انتباه شقيقه الذي ركز في النقطة التي ينظر إليها امين، قبل ان يصطدم برؤية السيارة السوداء بصاحبها المعروف والتي توقفت فجأة امامها ودلفت هي بها لتذهب نحو وجهتهما.
فعاد امين بجسده للخلف محبطًا بضيق، فسأله حسن:
– مين البنت دي؟ انت تعرفها؟
– كنت هعرفها.
قالها أمين مبهمة أثارت شك شقيقه ليعود بسؤاله الاَخر:
– بس دي ركبة العربية مع كارم ابن عمك طاوس العيلة.
تابع حسن باستدراك:
– معقول تكون دي البنت اللي اسمها رباب اللي انت كنت عايز تتحوزها؟
اومأ أمين برأسه ليدير السيارة مخرجًا تنهيدة طويلة ببؤ,سه، ليصل إلى حسن ما يحزن شقيقه فقال بحدة:
– انا قولت من الأول، ما فيش حاجة اسمها حب ياعم، بلا عشق بلا كلام فارغ!
الخاتمة
بحث عنها في أرجاء المنزل بعد استيقاظه باكرًا على ميعاد عمله اليومي، فتفاجأ بعدم وجودها على التخت بجواره رغم أن اليوم هو إجازة عن العمل في كل الجمهورية وليس المجموعة فقط، وكمان تنبأ بالفعل وجدها بالغرفة المتطرفة من المنزل، والتي خصصتها كمكتبة امتلأت بكتب والدها ومعها الذكريات التي تبقت من والديها الاثنان، بعد زواج شقيقها الكبار، ولم يتبقى سوى ميدو الذي يدرس الاَن ويشاركهم العيش بالمنزل .
توقف قليلًا على مدخل الغرفة بعد أن ولج بهدوء وهي لم تشعر به، فقد كانت منشغلة بمشاهدة شيئًا ما على الحاسوب خاصتها، اقترب يخطو بخفة حتى أصبح خلفها يريد مفاجأتها، ولكن هبطت عزيمته فور أن تبين المحتوى الذي تشاهده بالحاسوب وهذا الحزن الذي ارتسم على محياها، فخرج صوته دون أن يدري باستنكار :
– تاني برضو يا كاميليا؟
اجفلت تنتفض شاهقة لتقول وهي تضع كفها يدها على صــ درها بلهاث:
– حرام عليك يا طارق خضتني.
تنهد يهز رأسهِ بعدم رضا، ثم تمالك ليجلس بجوارها على الإريكة التي كانت جالسة عليها بثني أقدامها أسفلها ليضمها مقبلًا أعلى رأسها بحنان متمتمًا:
– معلش يا قلبي سامحيني لو كنت خضيتك من غير ما اقصد.
تقبلت أعتذاره لتريح رأسها على صدره العريض، وكأنها تستمد منه الدعم، فتابع يشير على الحاسوب الذي وضعته على الطاولة أمامها بعد أن اغلقته سريعًا بعد صيحته:
– انا مش عايز ابقى زو ج سيء واقلبك على أختك يا كاميليا، بس بصراحة بقى بضايق لما الاَقيكي زعلانة على واحدة عايشة حياتها بالطول والعرض ومش سائلة ولا بتعبرك، وانا أسف برضو على كلامي ده معاكي .
ظلت صامتة لبعض اللحظات حتى ظنها غفت، ثم ما لبثت أن تقول بشرود:
– وحشتني يا طارق، قولت ادخل على حسابها واشوف صورها، ما انت عارف هي بقت بلوجر كبيرة وليها الاف المعجبين، بترد ع الناس وكأنها نجمة، بتجيب تفاصيل حياتها وتصور فيدوهات للعيشة المرفهة اللي هي عايشها بعد ما اتجوزت كارم واتحدتنا أنا وبابا وماما كمان الله يرحمهم بقى.
تمتم طارق خلفها بالترحم عليهما ثم قال يخاطبها:
– يعني عايشة حياتها يا كاميليا، يبقى انتي تشيلي همها ليه بقى؟
قالت بأسى :
– لازم اشيل همها يا طارق، دا انا اللي مربياها على إيدي، ودي متجوزتش واحد والسلام، دي اتجوزت كارم ، وانا وانت عارفين كويس اوي مين هو كارم، مش قادرة اصدق إنه زو ج طبيعي معاها.
– وانتي مش قادرة تصدقي ليه بس يا كاميليا؟
هتف بها طارق بانفعال جعلها ترفع رأسها عنه لتواجه، واستطرد هو :
-أختك محدش ضر,بها على إيدها عشان تتجوزه، دا غير انك بتشوفي فيدوهاتها بنفسك وهي بتستعرض المستوى اللي عايشة فيه قدام الناس، بكل استفزاز لطبقات الشعب المتوسط والفقير… ثم تعالي هنا، هي اختك دي لو مش مبسوطة ايه اللي يخليها تستمر؟ ثم متنسيش كمان ان اخوكي معاها في جناح كارم وبقى ليه وضعه في الشركات.
توقف ليقول بنبرة مترجية:
– انا مش عايزك تقطعي صلة الرحم، لكن عايزك تعيشي حياتك وتنسي، مش عايز اشوف الحزن دا في عيونك، اختك لو محتاجة مساعدة هي عارفة طريقنا كويس ولو سعيدة، تبقي اتمنيلها الخير، وعيشي انتي حياتك زيهم .
اشرق وجهها بابتسامة استجابة لكلماته، ليبادلها هو أيضًا بابتسامة مبتهجة وهو يداعب وجنتها الناعمة بإبهامه مردفًا بغزل:
– بذمتك مش حرام الوش القمر ده يبقى مكشر كدة ع الصبح واتحرم انا من ابتسامتك إللي تسحر دي؟
ازداد اتساع ابتسامتها حتى ظهرت أسنانها البيضاء فهلل مرحبًا:
– يا أهلًا بالشمس اللي نورت الكون، كنت فين من شوية يا شيخة؟ دي الدنيا كانت مضلمة؟
ختم يطبع عدة قبل على وجنتها وشفتيها ليتح,ضنها بعد ذلك بقوة متابعًا:
– اه لو تعرفي باللي بيحصل جوايا في كل مرة اشوف حزنك ده، بيبقى نفسي اروح لاختك دي واجيبها من شعرها تتأسفلك.
رددت تتنهد بعمق:
– ياريت كان ينفع، كنت عملتها انا من زمان، كنت جيبتها وجوز تها احسن راجل في الدنيا.
– دي سنة الحياة يا كاميليا، كل واحد بيكبر ويختار بنفسه، يبقى يتحمل بقى نتيجة اختياره .
استجابت لغمرته تتنعم بالدفء والحنان الذي يبثه إليها، فقد تأكد لها بالفعل أن طارق هو أعظم اختيارتها، وقد اصبح السند لها بعد رحيل والدها الذي توفي حزنًا على نبيلة بعد ان عرف بمرضها وما عانته في البعد عنه، لتفقد هي الإثنان في عام واحد، ثم تفاجأها شقيقتها بالزواج من كارم بمباركة شقيقها، غير أبهين بغضبها او اعتراضها، أو حتى توسلاتها وكأنها لم تكن يومًا جزءًا أصيلًا في تربيتهم مع الوالد بعد ترك الوالدة.
طرق خفيف على باب الغرفة اخرجها من شرودها لتنزع نفسها عنه مع هتافه على الخادمة بالدخول والتي قالت :
– الست لينا حضرتك مستنية تحت .
أومأ لها لتنصرف قبل ان تسأله كاميليا باستفسار:
– وهي لينا جاية ليه البيت النهاردة؟ واحنا اساسًا خارجين بعد شوية لمشوارنا عند جاسر وزهرة؟
هز رأسهِ بضيق يجيبها وهو ينهض من جوارها:
– ما انتي عارفاها شملولة اوي، اتصلت بيا من شوية تنبهني عن مناقصة الحديد، وانا قولتلها تجيب الأوراق عشان اراجع عليها واقدمها بكرة على طول الصبح.
نهضت خلفه تقول بغيظ هي الأخرى :
– ما هي لو شاطرة كدة في الحياة زي ما هي شاطرة في الشغل كان زمانها في حتة تانية، حد يصدق ان واحدة زي دي تقعد لحد دلوقتي كدة من غير جواز؟
تأوه طارق يمسك بمقبض الباب يقول لها:
– اه يا كاميليا، دا انا لو اقولك على الشباب اللي زي الورد اللي بيتقدمولها ولا المراكز اللي هما فيها، هتستغربي ان الحمارة دي بترفضهم بكل قلب ميت .
ضحكت كاميليا تربت على كتفه قائلة:
– معلش يا طارق، نصيبها موجود اكيد.
توقف يقول بانفعال:
– انا عارف ان نصيبها موجود واكيد كمان ان شاء الله، بس انا عايز اطمن عليها، وامها كمان
ضحكت كاميليا وهي تسبقه في الخروج من الغرفة متمتمة:
– يا حبيبي ما تقلقش، ان شاءالله هتطمن عليها وتريح قلبك، بس اما تلاقي اللي يرضي دماغها المجنونة دي.
ردد طارق خلفها ساخرًا:
– هه لما بقى.!
وفي بهو المنزل، كانت جالسة بتحفز تراقب هذه الصغيرة التي جلست متربعة على الأرض أمامها تناظرها بابتسامة شقية، ساندة بكفيها الصغيران على وجنتيها المكتنزتين، فهتفت بها لينا تقطع الصمت:
– افندم حضرتك، قاعدة ومربعة ع الأرض قدامي، بتبصيلي كدة ليه يا ست فريدة؟
ضحكت الصغيرة تجيبها بنبرة مرحة:
– اصل بتبسط اوي لما انتي بتيجي بيتنا.
ارتخت ملامح لينا تعقب على قول فريدة بابتسامة:
– بجد يا فيفي؟ يعني انتي بتحبيني اوي لدرجادي؟
قهقهت فريدة بضحكات متتابعة لتقول مصححة:
– مش حكاية بحبك، اصل انا بتكلم على خنقاتكم انتي وبابا، بضحكوني اوي هههه.
استمرت فريدة بضحكاتها تغيظ لينا التي اشاحت بوجهها مغمغمة بحنق:
– مفيش فايدة، واخدة خفة واستظراف ابوكي بالكامل، حمد لله انك واخدة شكل امك، دي الحاجة الوحيدة بس التي تفرقك عنه .
بتبرطمي بتقولي إيه؟
هتف بها طارق فور أن ولج إليهن، لتركض نحوه فريدة مهللة:
-بابي .
رفعها طارق ليقبلها بنهم مرددًا:
– يا قلب بابي انتي، يا ملكة الجمال على كل العصور انتي .
اتت من خلفه كاميليا لترحب بلينا التي نهضت لاستقبالها، قبل ان يقترب طارق بابنته ليجلس امامها يغازل فتاته الصغيرة بمناكفة في لينا:
– عيون بني بوسع الفنجان هو دا الجمال اللي على حق، بلا تقولولي فيروزي ولا زفت .
ضحكت كاميليا لوجه لينا الذي انقلب مغمغمة بالكلمات الغير مفهومة قبل أن تقترب بابتسامه صفراء قائلة:
– حضرتك انا النهاردة جاية بصفة العمل…. يعني تمضيلي ع الملف الزفت اللي في إيدي من غير ما نتشاكل ولا نتخانق.
– يالهوي ياما ع القلبة
هتفت بها كاميليا لتجلجل بضحكاتها مع زو جها وابنتها، ولينا تحدجهم رافعة حاجبها بشر، تحفزًا للرد
❈-❈-❈
على التخت كانت الصغيرة جنة جالسة مستسلمة لرقية التي كانت تمشط شعرها الكستنائي الذي تعدى نصف ظهرها، مستمتعة بصوت الجدة والغناء الفلكلوري.
– شعري طويل ياما، وقع في البير ياما ، ونزلت اجيبه ياما، قابلني البيه ياما، إداني جنيه ياما، شعري طويل ياما .
– وانا بقى شعري طويل صح يا ستو؟
سألتها جنة لتجيبها رقية على الفور :
– هو بالنسبة لسنك الصغير يعني، يعتبر طويل، لكن بقى الله أعلم إن كان هيستمر في الطول معاكي ولا هيوقف على كدة، عشان احدد بالظبط ان كان طويل ولا صغير.
ردت جنة بتحدي:
– بس انا أمي بتقول عليه طويل زي شعر أبلة زهرة.
شهقت رقية تردد باستنكار:
– زهرة مين يا حبيتي؟ هو انتي شعرك ده، يجي إيه في شعر زهرة، دي اسم الله عليها، وهي اصغر منك وكان نازل تحت وسطها .
التفت جنة بجذعه للرقية سائلة:
– يعني انا مش هبقى حلوة زي ابلة زهرة ولا اتجوز واحد غني زي عمو جاسر؟
تسمرت رقية فاغرة فاهاها للحظات قبل أن ترد على الطفلة:
– ومين قالك بقى إن أي واحدة حلوة بيبقى شعرها طويل وبتتجوز واحد زي عمك جاسر؟
سألتها جنة:
– امال إيه؟
تبسمت لها رقية تجيبها بحنان:
– لازم تتعلمي يا ستو إن كل البنات حلوين، اللي شعرها قصير او طويل أو أكرت، بشرتها بيضا، أو سمرة أو سودة، كلهم حلوين، ولو ع الجواز، ف انتي متستنيش اللي زي جاسر الريان، انتي شدي حيلك وابقي شاطرة في مدرستك، وسيبي التفكير في الجواز وقت ما يجي وقته، تتجوزي بقى امير ولا غفير ولا وزير، أهم حاجة تبقي انتي راضية بيه وهو بيحبك، فهماني يا ستو؟
هزت برأسها جنة تدعي الفهم، مما أثار ابتسامة سعيدة لرقية التي قبلتها قبل أن تديرها لتعاود تمشيط الشعر والغناء الفلكلوري القديم حتى دلفت إليهن نوال بطفلها الثاني عدي، ذو العامين، لتقول وهي تجلس به على التخت المجاور حتى تبدل له ملابسه:
– اخلصي منها البت دي عشان البسها هي كمان يا خالتي، دا خالد محرج عليا إننا منتأخرش.
شهقت رقية تقول باستنكار:
– اسم الله يا عنيا، طب يقول الكلام ده لنفسه الأول بدال ما هو نايم لحد دلوقتي.
ضحكت تقول نوال بإدعاء الغضب:
– ما هو مش راضي يقوم غير بعد ما نخلص انا والعيال من كل حاجة، الراجل الكسلان، دا بدل ما يقوم يساعد زو جته العاملة هي كمان زيها زيه.
تخصرت رقية ترد بغيظ:
– اه بقى واسم الله عليكي انتي يا ختي مبتقوليش الكلام دا في وشه ليه؟ ولا هي الشكاوي تتقال في الضهر بس وفي وشه متفتكريش غير السهوكة وبس .
زمت شفتيها نوال تحاول كتم ضحكتها المكشوفة، لتقول وهي تنهض عن التخت بعد أن أنهت تجهيز طفلها :
– الله يا خالتي طب ما هو فعلًا هو تعبان وعايز الراحة، هو انا متفكش معاكي في كلمتين خالص يا رقية؟
مصمصت رقية بشفتيها تصدر صوت مستنكرًا اضحك نوال التي تناولت طفلتها الثانية قبل ان تردد لها:
– شوف يا ختي البت وسهوكتها
❈-❈-❈
هتفت غادة من داخل غرفتها وهي تضبط حجابها أمام المرأة:
– أما هي البت منة قاعدة لسة عندك في الصالة ولا زوغت؟
وصلها صوت إحسان النزق كالعادة:
– قاعدة يا ختي، بس اهي بتحبي ع الأرض قدامي اهو .
– يا لهوي .
تفوهت بها غادة قبل أن تأتي إليهما مسرعة لتتناول الطفلة التي كانت تحبو نحو الطرقة المؤدية للحمام، فصاحت غادة وهي تنفض بيدها على أطراف فستانها الصغير:
– مش تمسكي عليها شوية ياما، سايباها كدة لوحدها، دي مصيبة دي، ما بتسيبش حاجة من غير ما تلوش فيها، وانا مصدقت البسها.
صاحت إحسان مستهجنة:
– لهو انا هفضل أجري وراها كمان يا بت؟ معنديش صحة يا ختي للفرهدة دي.
القت نحوها نظرة ممتعضة لتغمغم بصوت خفيض:
– وهتجري وراها ازاي بس؟ وانتي متأنتخة ع الكنبة كدة بوزنك ده اللي بيزيد اضعاف مع كل سنة.
هدرت إحسان:
– بتبرطمي بتقولي إيه يا بت شعبان؟ سمعيني يا ختي.
بابتسامة صفراء توجهت إليها غادة تقول لها:
– مش مبرطم ولا بعمل حاجة ياما، انا بس كنت عايزاكي تقعديها على حجرك دقيقتين، على ما الف الحجاب كويس، دا إمام على وصول خلاص.
همت إحسان لتجادل كعادتها ولكن مع صوت المفتاح بالباب توقفت، وقد ولج إمام ومعه ظافر طفله ألأكبر والذي هتف برجولية فور وصوله:
– إحنا جينا يا ماما .
ردت غادة مجيبة بتهليل:
– يا ختي يا ألف حمد لله ع السلامة، نورت البيت يا عين ماما .
التقفته بقبلة على وجنته رغم اعتراضه لتتوقف على قول زو جها:
– انتي لسة مخلصتيش يا غادة؟ احنا كدة هنتأخر يا بنت الناس .
سبقتها إحسان في الرد :
– وهي طارت على مشوار الباشا ومراته؟ ولا هما ناسين ان انت بطلت شغلة الأمن وفاكرينك لسة الحارس بتاعهم؟
فهم إمام مغزى كلماتها فرد بهدوء عكس زو جته التي لوت ثغرها بغيظ لأسلوب والدتها المستفز:
– وماله بقى لما ارجع اشتغل من تاني حارس، طب والنعمة يا شيخة دا انا اتمنى، بس للأسف بقى جاسر باشا هو اللي مُصر ابقى مدير الأمن في شركته، مع أن انا مبحبش قاعدة المكاتب ولا الأوامر بس اعمل بقى حكم القوي.
رددت خلفه مغمغمة بتهكم تشيح بوجهها:
– حكم القوي! ربنا يعينك يا خويا على ما بلاك .
مصمص إمام بشفتيه يردف بمغزى وأبصاره تركتز عليها:
– اه والله، فعلا عندك حق، في حكاية البلوة دي، منورة يا حماتي.
– دا نورك .
قالتها من تحت أسنانها قبل أن تقطع غادة وصلة من الحرب الباردة بينهم بإن وضعت منة بحجر والدها قائلة:
– طب امسك انت بقى البت دي على ما اجهز نفسي بسرعة، وانت يا ظافر تعالي اغيرلك،
هتف ظافر معترضًا:
– انا محدش يغيرلي هدومي، انا بعرف اغير لوحدي، روحي انتي جهزي نفسك.
قالها واتجه مباشرة نحو غرفته بوجه عابس، غير متقبل للفكرة نفسها مما جعل ابتسامة تسترسم على وجه والدته، مع تهليل إمام الذي كان يقبل ابنته:
– أيوة كدة يا عين ابوك، فهمها إن انت راجل ومينفعش تعتمد على حد .
ضر,بت غادة كفيها ببعضهم مرددة ساخرة وهي تتجه نحو غرفتها:
– دا على أساس إنه نسي إللي كان بيغيرله البامبرز من مدة قريبة ؟!
❈-❈-❈
في منزل المزرعة الذي سيقام به حفل عيد الميلاد للتوأم رنا و رامي، عاد جاسر من سفرته الخارجية التي قام بها منذ اسبوعين، ليجد والدته هي من تشرف على تحضيرات الحفل بالحديقة مع العمال التي كانت تعمل كخلية نحل حولها وبأمر منها .
– صباح الخير يا ست الكل.
التفت اليه هاتفة بفرح:
– جاسر .
اقترب منه يقبلها على وجنتيها وهي تستقبله بغبطة قائلة:
– الف حمد الله ع السلامة يا حبيبي، هو انت مش المفروض كنت توصل هنا من امبارح؟
أومأ برأسه يجيبها بلهاث:
– اسكتي يا أمي دا انا عملت المستحيل عشان ارجعلك دلوقتي، حركة الطيران كانت واقفة من امبارح عشان المظاهرات والإعتصامات ولولا علاقات مصطفى عزام بالمسؤلين هناك في البلد دي، انا ما كنت هقدر ارجع غير لما المشكلة دي تتحل، وساعتها بقى كان هيفوتني حفل عيد ميلاد الولد.
جزعت لمياء وبدا على وجهها القلق وهي تلمس بكفيها على وجه ابنها وذراعيه، لتتمتم سائلة؛
– طب وانت كويس يا حبيبي بقى، ولا اتعرضلك أي حد هناك؟ يا نهار أبيض يا جاسر صحيح، هو انت إيه اللي خلاك بس تسافر في الوقت ده؟ وانت عارف ان البلد دي في اضطرابات.
ربت على كفها يجيبها بلهجة مطمئنة:
– يا حبيبتي اطمني بقى انا زي الفل قدامك اهو، المهم بقى هو الوالد والولاد فين؟ وزهرة صحيت ولا لسة؟
ردت لمياء:
– روح لمراتك يا حبيبي وشوفها، إنما بقى لو عن ولادك فدول مع جدهم بيفرجهم ع الخيل، ما انت عارف والدك ، واخد الولاد حصري
قالتها لمياء بغيظ رسم ابتسامة مرحة على وجه جاسر والذي تحرك يستأذنها:
– طب انا هروح اشوف زهرة الأول وبعدها اروح لعامر الريان، الراجل الأناني ده.
ختم بضحكة وتركها لتتابع ما تفعله، وقد عبست ملامح وجهها مع تذكرها لأفعال عامر في المنافسة الغير شريفة على الإطلاق لكسب صف الأطفال نحوه..
❈-❈-❈
وفي غرفتها في الطابق الثاني جلست شاردة تضع كفها على وجنتها ويبدوا على هيبتها الهم، حتى لفتت نظر هذا الذي اقتحم الغرفة بهدوء يبتغي مفاجأتها، حتى شعرت بخطواته داخل الغرفة لتنتفض صارخة فور رؤيته:
– جاسر .
على الفور أسرع يتلقفها بأحضانه مشددًا بذراعيه يقبلها باشتياق واحتياج، اسبوعين قضاهم في سفرته لبحث عدد من المشكلات التي تواجه استثماره في إحدى الدول الأجنبية والتي تحدث فيها اضطرابات سياسة هذه الأيام ، عدة أيام مرت في غيابه عنها وعن مسكنه بحض,نها وكأنها دهرًا، كان يتأوه ويهمس بشوق يق’تله:
– اه وحشتيني وحشتيني أوي…
أرفق كلماته بطبع القبلات على ملامحها الحبيبة ليستقر بعد ذلك بشفتيها حتى استفاق لينزع نفسهِ فجأة ويسألها:
– هو انتي كنتي حزينة ليه من شوية صحيح؟
-هه
رددتها بتوهان وهي تبتعد عنه بارتباك مردفة:
– وانا إيه اللي هيحزني بس يا جاسر؟ انا زي الفل قدامك اهو.
هروبها المكشوف بعيناه عن مواجهة خاصتيه، وارتداداها للخلف مع اختطاف لون وجهها جعله يهتف محذرًا:
– زهرة، جيبي من الاخر كدة ، عشان انتي هيئتك أساسًا فاضحة كدبك، ايه اللي مزعلك قولي .
صاح بالاَخيرة حازمًا ليزيد من ارتباكها، فقالت بتردد وهي تعض على طرف إبهامها وكأنها طفلة صغيرة:
– مستعدة اقول بس توعدني الأول انك متضحكش عليا.
عقد حاجبيه يسألها باستغراب:
– هو الموضوع فيه ضحك كمان؟
صاحت به بجدية:
– اوعدني يا جاسر انك متضحكش عشان انا عارفاك.
هز برأسه يجاريها وبداخله يق,تله الشغف للمعرفة، فتحركت لتعود للمكان الذي كانت جالسة به على طرف التخت، ثم تناولت شيئًا ما لتعطيه له، عقد حاجبيه وهو يتناول هذا الشئ المعروف لفحص اختبار الحمل، وقد بدأ يخمن، لتجحظ عيناه فور أن رأى الخط الوردي الذي كان واضحًا بشدة ف تهلل وجهه ليرفعه إليها وقد ظنها تمزح، ولكن مع رؤية هذا البؤس الذي ارتسم على ملامحها، حاول ان يدعي الجمود او الإنتظار لسؤالها، ولكنه لم يقوى على كبت فرحته ليهز رأسهِ أمامها بتساؤل وملامحها تتحول للبكاء مرددة:
– طلعت حامل يا جاسر، طلعت حامل.
إلى هنا ولم يقوى الكبت فانطلقت ضحكة مجلجلة منه، أثارت إستيائها لتصيح به :
– انا كنت عارفة من الأول ، انك هتنقض وعدك، كنت متأكدة إنك هتضحك يا جاسر
ضمها يشدد بذراعيه عليها ليُخمد رفضها للمسته مع عدم مقدرته للتوقف عن الضحك، حتى تمالك قليلَا ليقبل أعلى رأسها ويخاطبها بمهادنة:
– يا بنتي اهمدي بقى، هي دي حاجة تستاهل الزعل دا كله .
هدأت بعض الشئ لتستطيع الرد عليه:
– ما هو دا مكانش اتفاقنا يا جاسر ، إحنا كنا متفقين تستني تلت اربع خمس سنين، بعد جوز التوأم دول اللي كرهوني في الخلفة اساسًا.
رد وهو يعطيها حريتها لتقابله بوجهها:
– انا معاكي يا ستي، بس نعمل ايه بقى؟ دي حكمة ربنا، هنرفض رزق ربنا بقى ونقول مش عايزين
رددت مستنكرة على الفور :
– لا طبعًا استغفر الله العظيم يارب، إيه اللي انت بتقوله ده يا جاسر؟!
قالتها لتبتعد وتضع كفها على عيناها بيأس قائلة وهي تعود لجلستها على طرف التخت:
– بس انا تعبت أوي يا جاسر في العيال دي، وكنت حاطة في بالي إني مش بس أجل، لا دا انا قررت إني هكتفي بيهم على كدة.
ناظرها من أسفل أجفانه من علو بعتب يقول :
– يعني انتي استكفيتي بالعدد وقررتي من نفسك، ومع ذلك كنتي بتهاودي بابا في كل مرة يطالبك بأحفاد زيادة.
رمقته من محلها بغيظ تجيبه:.
– امال يعني عايزني اكسفه يا جاسر ولا اصدمه، طب اهو حصل اللي هو عايزه رغم كل الاحتياطات اللي عملاها، فادني إيه بقى القرار اللي خدته مع نفسي؟
جلس بجوارها على طرف التخت بقول بمناكفة:
– عشان ربنا بيحبه وعايز يراضيه حتى لو مرات ابنه، دماغها غير كدة.
حدجته بنظرة حانقة ليشاكسها بمرح:
– لا لا بلاش النظرة دي ارجوكي، دا انا راجع من السفر، بقى دا يرضكي تقابليني بالبكا كدة، يرضيكي يا زهرة؟
لانت ملامحها مع قوله لتشعر بالأسف تجاهه، فقالت بتأثر:
– بس انا تعبت اوي يا جاسر في الولادة الأخيرة، ولا انت مش فاكر؟
– مش فاكر دا إيه ؟!
ضحك ساخرًا بتفكه ليتابع بنبرة ذات مغزى:
– دا انا طلع عيني مع تحمكات لميا هانم اللي زادت الضعف، وبتقوليلي أنسى! أنسى ازاي بس؟
استجابت تبتسم متذكرة بالفعل معاناته في الانفصال عنها لغرفة ثانية بالأمر، في كل مرة أصابها التعب في الحمل بالطفلين المتعبين، اثناء الحمل وبعده، لتقول بتشفي ضاحكة:
– أحسن امال انا اتعب لوحدي يعني؟
تبسم لها بذهول مردفًا:
– الله يا ست زهرة، دا انتي طلعتي شريرة وبتفرحي في جوزك كمان؟
زادت بضحكاتها لتميل عليه وتحتضنه بذراعيها تقول بتنهيدة كييرة:
– امرنا لله بقى .
-،ونعم بالله
قالها جاسر وهو يشدد هو عليها بذراعيه أيضًا ليغمغم بخبث:
– يا فرحة عامر باشا لما يعرف بالخبر.
❈-❈-❈
– حاسب يا ولد لاتوقع اختك، وتعالى هنا اقف جمبي .
هتف بها عامر نحو التوأمين المزعجين الذين كانا يتسابقان في الركض من خلفه في المساحة الخضراء الشاسعة وهو واقفًا يستند بذراعه على السور الخشبي يتابع مجد أكبر احفاده يمتطي الحصان الأسود ويتريض به بمساعدة السائس ( مدرب الخيل) والذي هتف بدوره لعامر:
– كفاية كدة يا عامر باشا تدريب النهاردة؟ ولا نكمل؟
سبقه مجد بالرد:
– لأ نكمل طبعًا، انا عايز اكمل يا جدو.
ضحك له عامر ثم التف للسائس يخاطبه:
– نص ساعة تاني يا كامل، عشان برضوا ما نشدش في التدريب عليه، شوية شوية يا قلب جدو .
أومأ له مجد برأسهِ ليبادله عامر بابتسامة يغمرها الزهو قبل أن يلتف على صيحة صغيرة من خلفه، ليجد الصغيرين المزعجين قد اشتبكو في الشجار بالأيدي وشد الشعر، هدر عامر بصوت حازم:
– انت يا ولد انت سيب اختك وتعالي، وانتي يا بنت نفس الأمر.
حينما لم يستمعا هدر محذرًا بصوته الجهوري :
– ولد انا بقول إيه؟
اذعن رامي بترك شعر شقيقته وهي أيضًا، قبل ان يقتربا من جدهما بطاعة، ليدنو عامر بجسده نحوهما،ثم قال بصوته الجاد:
-مش عيب تبقوا اخوات وتتخانقوا مع بعض؟
عبس الطفلين يغمغمان بكلمات حانقة بعضها فقط المفهوم، ليردف عامر بشدة:
– دا انتو توأم يا أغبيا ويدوبك سنتين، امال لما تزيدوا شوية هتعملوا إيه؟ هتاكلوا بعض؟
قال الآخرة بنبرة مرحة أثارت الأبتسام على وجوههم، ليرددها بأسلوب فكاهي عدة مرات حتى اصبحت ضحكاتهم الطفولية تصدح بصوت عالي أسعد عامر ليخرج لهم من جيب حلته نوع فاخر من الحلوى، هلل الأطفال لمجرد رؤيته، فقال محذرًا:
– هتصالحو بعض ومفيش خناق تاني .
اطعن الأمر بهز رؤسهم، ليتابع بتحذير:
– وهتيجوا جمبي هنا وتتفرجوا على اخوكم ساكتين بأدب، لحد اما يخلص تدريبه.
هزهزن برؤسهم مرة أخرى بحماس، ليُعطي عامر لكل واحد منهما قطعة الحلوى المحببة فتصدر اصوات الفرح منهما، ثم يسألهما كالعادة:
– مين أحلى حد في الدنيا؟
– جدو عامر .
صرخ بها الأطفال ليتابع بسؤاله الاَخر:
– مين أغلى واحد عندكم انتو الاتنين.
رددا بنفس الاجابة :
– جدوا عامر .
ضحك بانتشاء يستقيم بجسده ليسحبهما معه للوقوف ومتابعة مجد الذي كان يبعث بالابتسامات لجده، ليهتف عامر بمرح:
– يارب تزيدوا كمان وكمان، ويخليني ليكم .
❈-❈-❈
في المساء
كان يتوافد المدعوين تباعًا من الأقارب والأحباب في حديقة منزل المزرعة الذي يقام فيه هذه المرة حفل عيد الميلاد للطفل الأكبر لجاسر الريان، مجد ، والذي يتعامل بهيبة تتعدى سنوات عمره الخمس، يتلقى التهاني برزانة ورثها من أبيه، رغم دلال عامر ولمياء الدائم له، حتى أنه كان يقف وسط الأطفال يراقب شقيقيه الذان لا يكفان عن الشجار وافتعال المشاكل، مما جعل زهرة تصيح عليهما في إحدى المرات، بعد أن أوقع رامي شقيقته:
– إنت يا حيوان يا غبي، مية مرة اقولك ابعد عن اختك، مش هقعد انا طول اليوم وراك إنت وهي بس .
رد رامي منفعلًا بحروف ناقصة:
– مليس دعوة، هي اللي بتوقف قدامي.
هتفت رنا بدفاعية ووالدتها ترفعها عن الأرض تنفض لها فستانها المزين بالورود ذو حمالة واحدة على الكتف:
– أنا يا لامي، حلام عليك يا سيخ.
جزت زهرة على اسنانها تهدر بهما :
– واحد الدغ في ش بينطقها س والتانية لدغة في معظم الحروف، هتجننوني معاكم، اهمدوا بقى وخلو اليوم ده يعدي على خير .
– يا نهار ابيض، دا صريخك إنتي دا يا زهرة؟ انا مش مصدقة، والنعمة ممصدقة .
هتفت بها كاميليا والتي أتت مع زو جها لتصطدم بهذا الوجه الجديد لزهرة، خلافًا لطبيعتها الهادئة دائمًا، التفت لها الأخرى لترحب بها وطارق وابنتهما التي قبلتها بحب عدة مرات لتقول بعد ذلك :
– لا صدقي يا حبيبتي، اللي تخلف جوز مصايب زي دول، لازم تتحول وتبقى بني أدمة تانية، غير اللي تعرفوها اساسًا.
– تدخل طارق معهما:
– لا انا متهيألي الواد رامي هو اللي مسلط اخته، انا شفته قبل كدة في كذا موقف، عنده سنتين لكن حرباية.
ضحكت زهرة تستجيب للمزاح وهي تردف:
– لا ورنا كمان ميغركش السهتنة اللي هي فيها، دي مصيبة.
وصل جاسر ليعقب على الحديث الدائر:
– بتزموا في ولادي ليه؟ دول أشقيا ، محدش فيكم شاف قبل كدة اطفال اشقيا .
– يا عم انت كمان.
هتف بها طارق قبل ان يقترب، ليعانق صديقه بترحيب ذكوري قبل ان ينزل بأبصاره نحو مجد الذي وقف بأدب ينتظر التهنئة ف اقتربت كاميليا تقبله على وجنته قائلة بمرح:
– يا أهلًا بالقمر، إيه يا بني الحلاوة دي؟ كل سنة وانت طيب يا حبيبي .
تبسم مجد يتقبل تغزلها ليجيبها بخجل:
– مرسي يا طنت ربنا يخليكي.
رددت خلفه كاميليا بإعجاب وطارق يهنأه أيضًا:
– يا حبيبي، كلمة طنت طالعة من بوقك زي العسل، إيه الجمال ده؟
عقب طارق ممازحًا:
– بس بقى يا ست انتي، وراعي ان جوزك واقف جمبك الله.
قالها لثير ضحكات الثلاث، أما مجد فقد وجه انتبهاهه لفريدة مرحباً:
– إزيك يا فريدة.
ردت الصغيرة ذات الثلاث سنوات بدلال فطري، تتمايل بفستانها وهي ممسكة بكف أبيها:
– اهلا يا مجد، كل سنة وانت طيب.
– وانت طيبة.
قالها لتلتف إليه والدته:
– خد فريدة القمر دي وروح العبوا مع الولاد يا مجد، وتعالوا انتوا يا جماعة معايا .
علق طارق :
– طب والهديا ياخذهم الأول وبعدين يمشوا.
❈-❈-❈
بعد قليل
كانت الجلسة مكتملة بمعظم الأفراد من المدعوين تحت مظلة كبيرة تزينيت بالإضاءة الملونة والبالون وشرائط الزينة، والأطفال في الجانب الاخر من الحديقة بالقرب منهم يقمن باللهو والرقص أنغام الدجي، عامر وعليه ورقية ولمياء في جانب وحدهم وسمية وبناتها ومحروس بالقرب منهم مع إحسان، طارق والذي كان يتبادل الحديث المرح مع خالد وإمام ، اما جاسر ومصطفي عزام فكانا في جانب وحدهم يتناقشان في أمر ما يخص العمل قبل، أن تدلف زهرة ومعها غادة ونور زو جة مصطفى عزام وكاميليا أيضًا، بعد ان نظمن الاطفال حول المائدة الصخمة؛ التي ارتصت عليها اصناف الحلويات وقالب الجاتوه الكبير الذي تزين بشموع بعدد سنوات عمر مجد ، فهتفت زهرة مصفقة بكفيها للإنتياه:
– يا جماعة، كله كدة يقوم من مكانه عشان دا الميعاد اللي هنطفي فيه الشمع .
تفكه خالد بقوله:
– ولازم يعني نطفي كلنا يا بنت اختي، ما تطفوا كدة مع نفسكم، وهتيلي انا طبقي معاكي وانتي جاية، ونبقى نجاملكم في الأفراح ان شاءالله
صدرت الضحكات من حولهما فهتفت زهرة ترد:
– دا انت بالذات لازم تقوم، قوم يا خالي بطل كسل بقى، ما تقوميه يا استاذة نوال .
تدخلت رقية:
– سيبيه يا ختي، دا باين الراحة قلبت معاه بتناحة والبركة في المسهوكة مراته دي.
شهقت نوال متفاجئة لتخبئ وجهها من الخجل وهي تضحك، لينهض خالد على الفور قائلًا:
-صلي ع النبي يا رقية بلاش فضايح هو انتي متستريش أبدًا.
نفت برأسها ضاحكة بمشاكشة، ليهتف عامر بدوره:
– طب حيث كدة بقى، يبقى تعالوا كدة نتجمع مع بعضينا وناخد صورة جماعية، مدام مفيش فينا حد غريب وكلنا حبايب مع بعض
تدخلت لمياء:
– والصورة التانية تبقى للأولاد معانا كمان.
أومأ المعظم بالموافقة، والتفوا للتجمع في جهة واحدة، حتى نظمهم المصور الخاص بالحفل، النساء في الأمام ورقية بكرسيها في الوسط، الرجال في الخلف يتوسطهم عامر،
عقب التقاط الصورة الأولى تكلم جاسر :
– طيب قبل ما ناخد الصورة التانية ونجيب الأولاد، انا حابة اقول على خبر أسعدني النهاردة.
التفت الرؤس نحوه باهتمام، ليجيب بانتعاش وعيناه تطالع زو جته التي اسبلت أهدابها بخجل:
– زهرة حامل في الشهر التاني، الحفيد الرابع في السكة يا عامر باشا.
– الله اكبر .
هتف بها مهللًا عامر ليتبادل التهاني والمباركات بهذا الخبر السعيد مع الجميع حتى أصبح يطلق بنفسه الألعاب النارية مع الأولاد الصغار، قبل ان يهدأ من جنونه قليلًا وتأخذ الصورة الجماعية للكبار مع الأطفال،
لتضم طبقات مختلفة امتزجت مع بعضها البعض لتكون خليطًا سعيدًا بين الغناء الفاحش والفقر الشديد، الوسط المخملي وابناء الشعب الكادحين، لا فرق بين زو جة لأمير، وأخرى لوزير أو حتى لغفير، الجميع واحد .
…. تمت بحمد الله……
بقلم أمل نصر.
رواية نعيمي وجحيمها.

