رواية اللصة(الفصل الثالث عشر إلى الخامس عشر)بقلم منة فوزي

(13)

نستطيع القول ان الوضع اصبح مستقرا.. نعم مستقرا الي حد كبير..
اذا استبعدنا اولائك الذين يطاردون جو وقد يصل الامر الي التهديد ويرغبون في امتلاك شهد.. نعم هو مستقر
اذا جنبنا اغارة زوزو المتلاحقة علي رأس شهد، وبث فيها ما يجعل شهد في توتر و ترقب دائم .. نعم هو مستقر
اذا تغاضينا عن القلق المستمر من عودة عدوي الذي يسيطر علي شهد و جو برغم ان الاخير ينجح في اخفائه.. مؤكد مستقر
اذا قلنا ان رغبة شهد دوما في خنق زوزو، ورغبة جو الملحة ازهاق روح حمادة هي “لعب عيال” ..فالامر بالفعل مستقر..
وبذكر حمادة… كان الشاب المسكين يبذل ما في وسعه حتي يتلاشي غيرة صديقه ،وقد صار واثقا منها.. الا انه دائما ما يجد نفسه في موقف لا يعرف كيف وصل اليه.. وينتهي به الامر بنيل قدرا من سخط وغضب صديقه الغيور العصبي..
ما لم يعرفه حمادة.. هو ان تلك المواقف كانت غالبا من تدبير شهد.. فقد ادمنت رؤية جو وهو يتمييز غيظا.. كانت تسعد بشدة حين يكون علي وشك تحطيم وجه حمادة .. حين ينهرها بسبب امرا يصيبه بالغيرة.. حين يغضب و يمسك بذراعها في انفعال ثم ينظر الي عينيها و لا يجد ما يقوله فيتركها في عنف..
احينا كانت تخشي علي نفسها منه.. ليس من غضبه.. فهي اصبحت واثقة انه لن يؤذيها يوما.. ولكنها كانت تري في عينيه نظرات عجيبة ، وكأنها ثمرة فاكهة حلوة شهية يمني نفسه بتناولها.. ربما كانت صريحة مع نفسها وادركت ان ذلك الامر يرضيها بشكل ما ويشبع غرورها.. و لكنها كانت تخشي ان يتخطي حدوده .. وطالما تذكرت حديث زوزو عن اسلوب جو الذي يستميل الفتيات بسلاسة وهدوء..
ما لم تعرفه شهد .. ان جو كان يبذهل جهدا جبارا في السيطرة علي نفسه، كان يتذكر حديث حنان عن ذلك العذاب.. والذي يذوقه الان.. وكثيرا ما كان يقول لنفسه لم عليه ان يخضع نفسه لكل تلك القيود؟.. شهد في النهاية ملكه.. لمن عليه ان يحافظ عليها؟! ولكنه يعود الي فطرته التي تفيض بالرجولة..لا يمكن ان يتخطي حده معها ابدا.. فكونها ملكه لا يعني ان يحط من انسانيتها و كرامتها .. كما ان شهد صارت تعني له الكثير.. لن يقبل ابدا ان يضايقها و لو بكلمة اوحتي نظرة.. لذا صارت اعصابه كيان ملتهب ، متوتر دوما.. حقا ما وصفته حنان ..هو بالظبط ما يحدث..
لا يمنع كل ذلك من كونه مازال مسيطرا.. يعتمر بداخله ما يعتمر .. و لكن ثباته الخارجي كان جزءا من تكوينه.. بل انه احيانا في لحظات الصفاء كان يتعمد ان يعابث شهد ، ويستمتع بردود افعالها البريئة و نظراتها المذهولة المرتابة حين يبدي لها اي تعليق او تصرف قد تعتبره هي خارج عن حدود الادب.. وربما ترد رد عصبي متوتر يبعث علي الضحك تحاول ان تبدوا فيه ثابتة ، قادرة علي الدفاع عن نفسها..
كان يترك لنفسه احيانا مساحة لكي ينفث عن حرارة شوقه اليها.. ربما غازلها.. تأمل ملامحها عن قرب.. حدثها بحنان.. او حتي مرر يده سريعا ليلامس بشرتها.. كانت ترتبك و تتبعد عنه في تخوف.. فيبتسم في خبث و يكف عن الامر..
ما لم يعرفه جو.. ان شهد كانت تنتظر تلك اللحظات بشوق.. برغم ما تبدي من تَمَنُّع لا لشيء سوي ان تضع حدودا، الا انها كانت تشعر بسعادة بالغة حين يثني علي جمالها و يتغزل فيها..
لم يعرف ايضا شيئا عن شعور شهد بالضيق الشديد من وجود زوزو التي تظهر دوما دون سابق انذار.. كانت تصاب بحالة من الغليان و الذي يظهر بوضوح في ردودها التي تصيب وتؤلم.. و لكن جو كان يظن ان الامر مجرد كيد نساء لا علاقه له به..
هكذا كان الوضع مستقرا… شهد تذهب يوميا للعمل لدي حنان.. صارت افضل في اداء مهام الوظيفة، كما توطدت علاقتها بحنان ، واصبحت تكن لها معزة كبيرة.. تكررت عزومات حنان التي تجمع شهد و جو، اصبحوا اقرب الي عائلة صغيرة.. في ايام اخري كانت حنان تقل شهد الي البيت بعد يوم عمل وتعفي جو من المشوار.. كانتا تنمان علي جو طوال الطريق.. فتسعد شهد بالحديث عنه و تبتسم و هي تستمع لقصص بطولاته السابقة.. وترتبك وتتعلثم في الرد حين تفاجئها حنان بكلام مباشر او غير مباشر يخص مشاعر جو او مشاعرها..
اما جو فقد صار يمل جدا وجوده بالعمل و يشتاق للعودة للمنزل حيث تكون شهد.. كان لا يأكل العشاء الفاخر عند عطا فدائما تكون معدته ممتلئة من و جبة رائعة اعدتها شهد و تناولاها معا قبل ان يخرج.. نعم !.. شهد اصبحت تقـ,ـتل وقتها الممل في المنزل في اعداد الطعام بعد ان تعود من العمل.. كانت تحاول اتقان الطعام وتنتظر ردة فعل جو عليه حين يأكل.. وتبتسم في فخر حين يثني عليه..
برغم تفاوت مواعيد عملهما.. الا ان تلك الساعات من اليوم و احيانا من الليل التي يلتقيان فيها، تسعدهما كثيرا و تساعدهما علي تحمل مشاق اليوم..
كان جو في عمله يواجه الاخبار عن عدوي ببرود شديد.. ولكنه في اعماقه.. في نهاية الامر تعب من انتظار لحظة المواجهة تلك الي بات واضحا انها اتية لا محالة.. هل عليه ان يقتـ,ـله فعلا ان رأي منه تهديدا علي حياة شهد؟ كان الامر يؤرقه بشدة سرا.. ولكنه كان محسوما.. سيتخلص من عدوي الي الابد ان حاول ايذاء شهد!
ومن جهة اخري بدأ صبره ينفذ علي اولائك من يهدودنه ليترك لهم شهد.. و اولائك اللزجين الذين يلحون عليه.. وهو مابين هذا و بين ارشادات الخواجة الصارمة بعدم افتعال مشاكل سببها شهد.. كان الضغط عليه من كل اتجاه .. ولكنه بقي صامدا ..
*
“مالك قالب وشك كده؟!”
كانت هذه شهد تحدث جو اثناء سيرهما معا للبيت بعد مر واصطحبها من العمل.. كان جو يبدوا عليه الكدر بالفعل..
جو:” مصدع بس.. منمتش كويس”
كان هذا اليوم هو نصف يوم عمل لشهد ككل اسبوع.. فتخرج مبكرا ، لذلك يكون الامر شاقا علي جو حين يذهب لاصطحابها..
شهد:” طب مكنتش حقك صحيت عشان تيجي توصلني.. كنت كملت نوم لحد بليل معاد ما بتخرج.. هو انا يعني هتوه؟”
لم يرد كنوع من الاحتقار لتلك الفكرة الغبية.. فهو لا يتركها ابدا لتسير بمفردها..
عادت لتقول بعد ان دققت النظر اليه لوهلة :” لأ .. مش صداع.. في حاجة معصباك”
لم يعلق علي قولها بل قال مقترحا:” متيجي نعمل حاجة..”
شهد:” حاجة ايه؟؟!!”
جو سارحا :” مش عارف… حاجة نتبسط فيها.. نبعد عن القرف شوية..”
شهد في عدم فهم:” نتفسح يعني؟؟”
جو:” هنتفح فين يا حسرة.. في السوق عشان نقابل طوب الارض ويقلبوا لي مزاجي.. انا عايز حاجة جديدة”
ضحكت شهد وقالت ساخرة:” ناقص تقولي تعالي نسافر الساحل في الويك إنز”
نظر اليها وقلب شفته السفلي متصعنا التقزز و قال:”الويك انز؟!! اسمها الويك إنز؟!! الله يسامحه اللي علمك.. اسمها ويك إند.. ثم وليه لأ هو حنا اقل من اللي بيسافروا الساحل..”
لمعت عيني شهد و قالت:” مرة المعلم مرعي وداني هناك في جو زي ده كده مش صيف اوي.. يا خراشي علي الخيرات اللي طلعتلوا بيها من القصور و الفلل اللي هناك.. انا ممكن افتحلك الفيلا الي تعجبك تغير فيها جو زي مانت عايز.. فرصة هيكون كله مهجور دلوقتي..”
جو:” هو الداء مش هيطلع من دمك.. خلاص قفلتيني مش عايز اتهبب في حتة!!”
شهد:”يا سلام.. شريف اوي وسيرة السر….قة بتقفلك من كتر الشرف..”
كان جو سارحا ثم قال بابتسامة :” الي قدامك ده عنده حتة ارض في الساحل..”
شهقت شهد و قالت:” اييييه! كذاب..”
جو:” و النعمة الشريفة.. مش بس في الساحل.. في الصعيد كمان.. ”
شهد:” دانت من الاعيان بقي.. و سايبني اقولك يا جو حاف كده… بعد كده هقولك يا يوسف بيه”
جو:” نفسي اخطف رجلي اعد علي البحر كده و الرملة وانسي الدنيا شوية.. ”
شهد:” تخطف رجلك؟!!! ده الساحل ده بعيد ياما.. دي بلد تانية.. زي اسكندرية كده..”
ابتسم جو من سذاجتها و قال بحنان:” همة تلات ساعات بالاتوبيس.. ”
عقدت شهد حاجبيها في تفكير..
*
“بذمة ابوك كل الارض دي ملكك؟؟!”
كانت شهد تسير علي في مكان صحراوي و تتعثر في الرمال فتمسك بذراع جو و هي تنظر الي المساحة الشاسعة..
جو:” مش كبيرة زي مانت متخيلة.. ده صاحب الارض الي جنبها بيملك يجي عشرين مرة ضعفها.. هي المصلحة انه لما يجي يبني في ارضه يشتري ارضي عشان يضمها عليها ..”
لم تكن شهد تهتم كثيرا بشرح جو للموضوع.. كانت تتأبط ذراعه و تنظر للبحر غير مصدقة انه اقنعها ان يتركا كل شيء و يركبا اول مواصلة لهذا المكان الرائع.. كان لون البحر ساحرا.. و الرمال النظيفة البيضاء تتخلل قدميها الحافيتتين.. ناعمة، دافئة ، و لذيذة..
كان جو يكمل حديثه:” ساعات كده بقرف من كل حاجة.. و اقول لو بعت الارض دي و خدت تمنها و رحت علي الارض اللي في الصعيد .. بنيتلي فيها بيت.. و بيقيت زي العمد كده.. وارجع و اقول .. اسيب حياتي وشغلي هناك ؟!!”
رفعت عينيها اليه و هو يتحدث في حماس عن احلامه في بيع تلك الارض.. كم يبدوا رائعا.. وجدت نفسها تتحسس ذراعه باصابعها.. دون ان تشعر.. مما جعله يتوقف عن الحديث و ينظر اليها.. تعلقت عيناهما ببعض .. ابتسمت فابتسم..
تمنت ان يضمها اليها.. بل عقدت امالا كبيرة ان تلك اللحظة ستكون في خلال ثانية او اثنين علي الاكثر.. و لكنه خذلها ..بل ابعدها عنه برفق .. متظاهرا انه يعبث في شعرها و يدفعها كنوع من المزاح.. برغم الاحباط الشديد كان يجب ان تجاريه في هذا التظاهر بالمزاح فدفعته ضاحكة.. او متظاهرة بالضحك.. و بدأت معركة بينهم من الدفع و التشابك بالايدي.. كان جو بالطبع منتصرا و شهد تصرخ في مرح.. الي ان انحنت و حملت بعض الرمال الناعمة في قبضتها و القتها عليه.. بعد ان تخطي الصدمة ونفضها عنه.. فعل مثلها .. وهكذا بدأت حرب الرمال..حتي صارا كليهما جزء لا يتجزأ من المكان برماله و اتربته..
نظر جو الي البحر و قال :” متيجي ننزل..”
شهد:” مش معايا هدوم تانية..”
جو:” هتنشفي! الشمس تنشف البحر نفسه .”
شهد:” مبعرفش اعوم و عمري ما نزلت البحر..”
جو مندهشا:” عمرك؟!!! لا دانتي فايتك كتير..”
سحبها من يدها.. و برغم ذعرها .. الا انها استسلمت له تماما كانت تثق به.. و لم يحتاج هو ان يطلب منها الوثوق فيه..
كان شعور المياه علي ارجلها في البداية رائعا.. ثم بدأت تتوتر حين وصلت مستوي المياه الي اعلي من وسطها.. كانت ممسكة بيد جو و تقفز معه عند قدوم الموجة..كما اخبرها ان تفعل .. كان تشعر بقدر بالغ من الاثارة حين تصعد بها الموجة لأعلي و تعود للذعر حين تهبط بها مرة اخري.. ثم بدأت تصاب بالذعر الشديد حين صارت المياه في مستوي كتفها و رقبتها.. تمسكت بذراع جو كطفلة مذعورة.. ضحك و قال :”امال هتعملي ايه؟ لما يبقي ملكيش طول.. انا كل ده و المية لسة عند وسطي.. لازم ندخل جوة اكتر..”
كان يتعمد اخفاتها.. فقد صدر منها رد الفعل الذي اراده بالظبط.. جذبت نفسها اليه و تعلقت برقبته و هي تلهث و تنظر للمياة في خوف..
فصاح متظاهرا بالضيق:” هتخنقيني!..افف.. تعالي كده”
جعلها تدور حوله و تمسك به من الخلف و ظهره اليها .. وكأنها طفلة تركب ظهر ابيها.. كان ظهره عريضا وقد شعرت شهد بالامان في هذا الوضع ، وفي نفس الوقت كان هناك مساحة لجو لكي يسبح و يستخدم ذراعيه..
بعد ان هدأ ذعرها من المياة و اطمأنت انها بأمان .. بدأت تدرك حقيقة الامر.. خفق قلبها في عـ,ـنف.. هاهي تحتـ,ـضنه بين ذراعيها.. وتمسك به وتضمه اليها.. لكم تمنت هذا قبل قليل.. بل هذا افضل مما تمنت بكثير.. ازاحت التوتر و الخجل عنها متعمدة ففي جمع الاحوال هي بعيدة عن عينيه التي توترها.. اراحت رأسها علي كتفه واسمتعت بالمياه وكانها علي ظهر بارجة من العضلات..
اما جو فقد كان يسبح بهدوء و يترك نفسه و شهد ينسابا مع الامواج الهادئة بعد ان تخطيا منطقة )قلبة الموج( .. لن احكي عن سعادته.. و لا عن شعوره بأنه لو مات الان ..سيمو…ت سعيدا لا يريد شيئا اخر من الدنيا.. وضع يده علي ذراعها الملفوفة عليه من الخلف و كأنه يثبت مسكتها و لكن في واقع الامر كان فقط يريد ان يلامس يديها.. لم تمانع هي .. لدرجة انه شك انها راحت في النوم..
فقال بهدوء:” شهد؟”
اصدرت صوتا هائما من الخلف فوق كتفه حيث رأسها: ” همم”
جو:” انتي نمتي؟”
شهد وكانها نامة:” لأ بس المية حلوة اوي.. اسكت بقي..و سيبني اتمتع..”
ربت علي ذراعها و لم يبعد يده.. ابتسم و اكمل سباحة..
لم يدريا كم مضي عليهم من الوقت.. قضيا الوقت في صمت كل منهما مستمع بذلك القرب الحميم و المياة والجو الرائع..
فجاة قالت شهد:” الشمس هتروح.. مش هننشف!”
انتبه جو الي انها محقة:” فدار وسبح بها الي نحو الشاطيء و لكن قبل ان يصلا حيث صارت الامواج قا….سية قرب الشاطيء.. جذبها ليمسك بها باحد زراعيه بقوة و عاد بها اخيرا..
جلست علي الرمال تنظر للسماء في محاولة لتجد افضل وضع لتلحق الشعاع الباقي من الشمس..
ولكن هيهات ان الوقت قد اقترب من الغروب حتي النسمات تحولت لهواءا باردا..
مشكلة جو كانت بسيطة .. فهو قد خلع )التي شيرت( و بنطاله و بقي بشورت داخلي قبل ن ينزل الي الماء.. ولكن شهد كانت بكامل ملابسها المكونة من )تي شرت( و )وبنطلون( بالاضافة الي شعرها الغزير المبتل..
قال جو وكانه يحدث نفسه بجدية: ” كده هيجيلك برد.. برد ايه؟ ده التهاب رئوي اقل واجب!! و لو قلنا مش مشكلة و طلعنا الطريق عشان نركب حاجة.. مش هينفع بمنظرك ده.. ” واشار الي )التي شيرت( الذي ترتديه.. فنظرت الي نفسها حيث يشير و جدت ان البلل قد جعل )التي شيرت ( الابيض شفافا لدرجة ان ملابسها الداخلية واضحة كوضوح الشمس التي كانت هنا قبل قليل و لم تلحق بها ..
وضعت يديها علي صدرها في حركة تلقائية .. فالقي اليها )بالتيشيرت( الخاص به الغير مبتل ..
قال:” طب كحل مبدئي.. البسي ده”
امسكت به شهد ثم نظرت حولها و قالت بغباء:” فين؟”
قال جو في غيظ:” هيكون فين يعني؟؟! في الاوتيل السبع نجوم؟؟!! هنا.. انا هدور و شي.. اخلصي عشان الدنيا لو ضلمت مش هنعرف نوصل للطريق اللي برة من اساسه”
توجست شهد قليلا و لكن خوفها من بقائهما في هذا المكان القاحل في الظلام كان اقوي من اي شكوك او توجسات..
ما ان اعطاها ظهره حتي انتظرت لبضع ثواني للتأكد من انه لن يستدير لها .. ثم غيرت )التي شيرت ( في سرعة قصوي
شهد بعد ان انتهت قالت :” خلاص”
استدار و تفحصها بدقة عند منطقة الصدر.. مما جعلها تضيق بالامر وتقول بعصبية:” ايه؟؟ بتبص كده ليه؟؟”
جو بانفعال:” اتنيلي علي عينيك.. مانتي كنتي قدامي اربع ساعات في البحر مجتش جنبك.. ايه؟ بشوف الهبابة دي شفافة زي التانية و لا لأ!”
صمتت شهد بعد ان احرجها..
فعاد ليقول وهو يرتدي بنطاله:” طب مش كده احسن؟ نقدر نمشي لأول الطريق ونركب ميكروبص يوصلنا لاي حتة ناكل فيها و بعدين ناخد الاتوبيس و نرجع .. علي منوصل للمطعم يمكن تكوني نشفتي شوية..”
شهد بنبرة لائمة :” اه نشفت من البرد… وانت هتمشي من غير حاجة من فوق كده.. هتعيا! قلتلك كانت فكرة غبية و انت اصريت ننزل المية برضه!”
جو:” يا لهوي علي ور النسوان.. مانتي كنتي قاعدة ساكتة بقالك اربع ساعات .. جاية تتكلمي دلوقتي… اقسم بالله .. دول كانوا احلي اربع ساعات قديتهم في حياتي من ساعة ماعرفتك! …عارفة ليه عشان مسمعتش فيهم صوتك!”
شهد:” طب خلاص هخرس خالص و متفكرش لسانك ده يخاطب لساني تاني ابدا!”
نهضت من مكانها وتحركت ماشية بعصبية و بيدها فردتي حذائها و باليد الاخري ملابسها المبتلة.. تعثرت عدة مرات في الرمال الي ان لحق بها جو و مد ذراعه اليها.. تأبطتها في غيظ و علي وجهها كل علامات الاستياء منه..
وبعد رحلة شاقة وباردة ووسط نظارت الكثير من الناس للشاب العاري الجزع.. وصلا الي كافتريا تابعة لاحد الفنادق الحقيرة الرخيصة .. و التي تأكد جو انها تستخدم غالبا في الدعارة ، حيث انه عندما سأل عن امكانية ايجار حجرة ، لم يطلب احدا منهما اي اثبات زواج..
جو لشهد:”انا اجرت اوضة.. احنا نطلع كل واحد يستحمي احسن الملح اكلني خلاص.. و فرصة نحاول ننشف الهدوم.. و ناكل وبعدين نتكل علي الله”
قلبت شهد شفتيها في عدم اكتراث.. فهي مازالت لا تحدثه..
ماان ادخلا الحجرة حتي توجه جو للشرفة ، تاركا لها الحجرة باكملها حتي تكون علي حريتها. قام بنشر )تي شيرت( شهد علي احد الكراسي وجلس علي الكرسي الاخر.
فوجيء بها تناديه من داخل الحمام بعد فترة وتطلب منه ان يناولها )التي شيرت( ..
جو:” انتي مش مبتكلمنيش؟! اطلعي انتي خديه؟”
لم ترد بل مدت يدها في اصرار من فتحة الباب الصغيرة جدا..
قال:” و من امتي الثقة دي.. مش دايما عاملة فيها ابلة حريصة”
شهد بغيظ من خلف الباب:” هحرص من ايه؟! منا كنت قدامك اربع ساعات في البحر مجيتش جنبي!”
ابتسم و قد ادرك ان قوله علي الشاطيء اغاظها.. فمد يده اليها عن بعد بال)تي شيرت( وقال محدثا اياها من خلف الباب: ” لا بس دولقتي حاجة تانية.. احنا بنكلم في هدوم مقلوعة وملبوسة وحكاية …”
قاطعته بسحب الملابس من يده بعنف وصفعت الباب في وجهه..
ضحك في خبث.. و عاد الي مكانه في الشرفة..
*
جلست شهد بدورها في الشرفة تتابع المارة في الشارع الضيق الحقير حيث يطل الفندق.. كان جو بالداخل يفعل ما فعلت هي قبل قليل..
لا حظت امورا مريبة ، و نساء عجيبة الشكل تدخل و تخرج .. ادركت ما ادرك جو قبل قليل .. هذا الفندق مريب بشدة.. قطع تفكيرها شخص يجري قادما من اخر الشارع .. و صاح بشيء غير واضح لحراس الفندق الواقفين علي البوابة.. مما جعلم يهبون من اماكنهم و يتبعثرون جريا الي الداخل وكأنه حذرهم من امرا ما.. ثم سمعت جلبة في الداخل و اقدام كثير تجري في طرقات الفندق و علي السلالم.. حسها الاجرامي اخبرها ان الامر لا يبشر خيرا.. دلفت مسرعة لداخل الحجرة و طرقت الباب علي جو قائلة:” جو .. لازم نمشي من هنا دلوقتي..”
فقال: من الداخل” هو انت مش عاملة مبتكلمنيش؟ ثم نمشي ليه دلوقتي؟”
لم تدري بم ترد و لكنها قالت بجدية:” مش وقت اسئلة دلوقتي.. اطلع بسرعة .. لازم نمشي”
خرج اليها و هو يكمل ارتداء ملابسه و قال:” ليه؟”
سمعا صوت سارينة سيارة الشرطة.. و كأي شخصين مثلهما .. كان التصرف سريعا فهما لم يتوقفا لتقبل المفاجأة او للارتباك.. بل اسرعا معا الي الشرفة.. حيث انه معروف ان في مثل هذه الحالات السلالم اختيار غير موفق..
قفزت شهد اولا و صعدت علي الماسورة الجانبية -والتي ميزت مكانها فورا- الي السطح في سرعة .. و تبعها جو .. وصلا الي سطح الفندق.. اشار لها جو في سرعة الي سطح المبني الملاصق.. و بالفعل توجها اليه .. قفز جو اولا ثم مد يده ليعاونها.. وقفا يلهثان لثانية .. ثم اقترب جو من الباب المؤدي لسلالم المبني الذي هم علي سطحه.. انه باب حديدي مغلق بقفل.. كيف سينزلان؟؟ .. المواسير الان بعد تجمع المارة في الشارع امرا غير وارد..
وقف حائرا يدرس المسافة بين سطح ذالك المبني و المبني التالي.. كانت ابعد كثيرا من السابقة.. قد يجتازها هو لكن ربما لا تستطيع شهد.. اما شهد فقد امسكت بالقفل تتفقده.. ثم بحثت عن شيئا ما في الحطام المبعثرة في كل مكان .. و اخيرا وجدت ضالتها.. تابعها جو في صمت محاولا فهم ما تفعل… وجدها تدس ذلك الشيء المعدني الرفيع في ثقب القفل.. عالجته بطريقة ما و.. “طك” وقع مفتوحا! نظرت اليه في تفاخر.. و لكنه لم يعلق بل دفع بها امامه لينزلا السلم في خفة مسرعين .. و قبل ان يخرجا من مدخل المبني.. وقفا ليهندما نفسيهما و خرجا بهدوء.. شهد متأبطة ذراع جو… مشيا بهدوء و سط المارة المحتشدة و الشرطة المحاصرة للمبني الفندق..
سمعا عبارت علي غرار..” الله يحرقه فندق”.. “كل يوم البوليس هنا” .. “ربنا يتوب علي المنطقة من لاشكال دي” ..
ابتعدا عن ذلك الشارع في سلام ..
قالت شهد:” طب مانت صايع اهه.. و النبي انا وانت نعمل عصابة عسل.. انت الاكشن و الحركات و انا الفتح و التسليك”
جو:” بس يا بت”
شهد:” تنكر ان لولا صوابعي الحلوة دي.. كان زمانا محبوسين في السطوح لحد ما حد كان لمحنا و رحنا في سين و جيم”
لم يرد ليغيظها..
فقالت بغيط:” علي فكرة انا لسة اصلا مبكلمش معاك.. متكلمنيش تاني!”
ضر؟؟؟؟بها علي راسها من الخلف ضر؟.؟بة خفيفة و ابتسم في حب..
رن هاتفه.. اخ انه الخواجة..
“انت فين يا جو؟؟”
جو:” انا تعبان قوي يا ريس و مش قادر اجي الليلة؟”
الخواجة:” نعم؟! من امتي؟ و مقلتش من بدري ليه؟”
جو:” كنت فاكر اني هقدر اجي.. بس مش قادر..”
الخواجة:”جو.. انت مش عاجبني!”
جو:” تعبان يا ريس!”
الخواجة:” بكرة تكون موجود في معادك.. مش عارف هفضل اديك فرص لحد امتي؟”
جو:” انا بتاعك يا ريس.. وعمري ما اخذلك”
الخواجة:” بكرة تكون موجود!”
جو:” امرك يا ريس”
وانتهت المكالمة
زفر جو في ضيق و قال :”يظهر حنان عندها حق”
شهد:” بتقول ايه؟”
جو:” تخيلي اني موجود كل ليلة.. ولا مرة مرحتش.. و بعد كل اللي عملته عشانه.. بيتعصب عليا عشان بقوله تعبان!”
ضحكت شهد ضحكة طفولية و قالت:” هو الخواجة بتاعكوا ده بيعرف يتعصب؟!”
ابتسم جو للملاحظة التي هي في محلها و قال بنصف ابتسامة ساخرة:” يعني اتعصب علي قد ما بيعرف.. يعني قال تلات كلمات زيادة عن الكلمتين الاساسي بتوعه..”
ابتسمت شهد و هي تنظر حولها و قالت في قلق:” متيجي نسرع شوية المنطقة هنا لبش قوي و كل شوية يعدي نجوم و دبابير..”
بالفعل نظر جو حوله كان تواجد الشرطة كثيفا.. لذا دفع بها لشارع جانبي مظلم وسارا به حتي و جدا نفسيهما في طريق رملي شبه ممهد..
شهد:” انت عارف احنا فين؟”
صمت مفكرا و هو يتلفت حوله:” غالبا اخر الطريق ده يطلعنا علي الطريق الصحراوي نفسه.. نركب منه اي حاجة..”
شهد:” غالبا؟!! يعني مش متأكد؟!”
جو:” هيحصل ايه يعني.. ادينا هنجرب,, مش احسن من المنطقة اللبش دي”
شهد:” انا عارفه انا كان ايه الي خلاني اوافقك علي المشوار المهبب ده؟؟”
قال في خبث:” الكام ساعة بتوع البحر يستاهلوا التعب”
لم ترد.. كانت بدأت تتعب من السير.. مشي بها مسافة طويلة الي حد ما .. و ما جعلها اصعب انه دخل بها في الرمال مرة اخري..كان طريقا ممهدا داخل الصحراء.. وفجأة ظهر لهما رجلان بدو يحملان سلاحا..
الرجل ملوحا بسلاحه:” بتسووا ايه هنا؟.. ارفع يدك انت و هي لفوق”
رفعت شهد يدها بسرعة و الصقت نفسها بيوسف، وكذلك فعل يوسف بهدوء..
فاقترب الرجل منه و و قام بتفتيشه.. و اخذ منه حافظته وهاتفه.. ثم و جه سلاحه لشهد و قال :” طالعي اللي معاكي.. ما تخليني افتش الحريم”.. فاخرجت شهد من جيبها بضع نقود.. واعتطها له..
فقال الرجل:” بتسووا ايه هنا؟ عايزيين حشيش؟؟”
قال جو بهدوء:” احنا هاربانيين و عيب لما ولاد الكار يرفعوا سلاح علي بعض.. انا سبتك للاخر علشان البسك الغلط ويبقالي عندكوا حق عرب”
الرجل:”ولاد كار كيف؟؟”
جو:” السلاح اللي انت ماسكه ده و بتهددني بيه.. من عند الريس عبود.. و انا كمان من طرف الريس عبود”
عقد الراجل حاجبيه و قال:”الريس عبود في مصر.. ايش جابك هنا؟؟”
جو:” جيت اشم هوا.. البوليس كبس علي اللوكاندة” قالها هو يشير الي شهد
ابتسم الرجل في خبث و قال:”ممم عُشّاج”
همت شهد بالاعتراض علي سمعتها التي تلطخت بالوحل للتو… الا ان جو اسكتها بضر….بة كوع..
فقال جو:”.. الله ينور عليك.. هات الحاجة.. و قولي اطلع الطريق منين؟”
الرجل:” لا.. ايش دراني انكوا مش جواسيس الحكومة؟ قدامي.. هتيجوا معايا؟”
جو:” معاك فين يا شيخنا؟؟ احنا لازم نرجع القاهرة.. الريس عبود هيزعل جدا لو عرف..”
الرجل:” ما لي دخل.. حديثك بيكون مع الشيخ فريج.. قدامي”
جو:” انت كده هتركب غلط كتير قوي.. انا معاك للاخر… ”
بالفعل قادهما الرجلان مشيا مسافة اخري طويلة داخل الصحراء حتي كادت شهد ان تبكي..
الى ان لاح امامهم ما يشبه المخييم.. ووسطه مبني بدائي من دورين..
تحدثا الرجلين البدو مع حراس المخييم.. بقي منهم الصامت في الخارج بينما مر الاخر معهما بالاضافة الي حارسين اخرين من حراس المخييم ..
طلب منهما احد الحراس ان يتبعوه..
قالت شهد بصوت خفيض:” هو واخدنا فين؟ انا رجلي اتكسرت.كانت شورة مهببة”
جو:” ششش هنا اامن مكان نداري فيه .. ومش بعيد يوصلونا”

الحلقة 13 (2)

صمتت شهد بدون ان تفهم.. البيئة المرتابة و السلاح والحراس لا تشعرها بالغربة ولا تخيفها.. بل علي العكس بالنسبة اليها افضل من البشر الطبيعية و الشرطة.. تحاملت علي نفسها في السير حتي وصلا الي ساحة ذلك المبني حيث يجلس شخص بدا عليه من هيبته انه هو الشيخ فريج.. كان مجلس عربي حول نار كبيرة في المنتصف.. بعض الاشخاص يجلسون معه حول النار بعضهم يبدوا عليهم انهم من البدو او كما يطلق عليهم )العرب( و البقية اشخاص في ملابس عادية..
تقدم الرجل الذي قبض علي جو و شهد من الشيخ و اخبره عن ما لديه..
رفع الشيخ رأسه وقال”:الريس عبود حبيبي.. ايش امارتك انك من رجاله؟”
جو:” اخر وارد للسلاح جالكوا من عندنا كانت بعد اتفاقية مع الخواجة.. 80 صندوق.. و الامارة عربيات التوصيل مشيت 30 كيلو وسط الشجر اللي بين طريق الرايح و طريق الراجع.. دي كانت فكرة الخواجة عشان الكمين”
ابتسم الشيخ و قال:” وكانت فكرة مبتكرة! اهلا اهلا بالرجال من طرف زين الرجال”
ثم نظر الي شهد و داعب ذقنه و سأل:” و مين الحلوة؟
لف جو ذراعه علي كتفها وكانه يثبت ملكيته و قال:” انا يوسف علي فكرة.. ودي شهد.. بتاعتي.. اشتريتها من الخواجة..”
الشيخ:” يازين ما اخترت يا يوسف.. ما كنت اعرف ان الخواجة الندل بيبيع حريم؟؟ ليش ما قال.. كنت سبقتك” و اطلق ضحكة قصيرة لا معني لها..
جو:” احنا لينا عندكوا حق عرب يا شيخنا.. رجالتك قللبوني.. انا سيبتهم بمزاجي.. ”
صاح الشيخ بالرجل الذي قبض عليهما:” رد حاجته يا ولد!”
اخذ جو منه الحافظة و الهاتف و هو ينظر اليه نظرة شماته و كانه يقول:” مش قلتلك!”
ثم قال الشيخ:” اقعد يا يوسف.. اقعد.. العشاء جاي.. ليك عندنا حق”
جو:” لا.. لو ممكن توصيلة لمصر.. نبقي كده خالصين”
جذبت شهد ذراعه لتلفت انتباهه اليها، ثم اشارت الي فمها بما يعني..”لنأكل اولا”
فهمس :” من امتي الفجعة دي؟؟!! يا بنتي خلينا نروح احسن..”
شهد بصوت هامس ايضا ووجه بائس:” جعانة.. مكلتش من الصبح.. هيغمي عليا”
القي نظرة جانبية الي الشيخ الذي مازال يعبث في ذقنه وينظر ناحيتهم، ثم قال لشهد:” مش مرتاح للراجل ده! نمشي احسن!”
شهد بعصبية تقترب من البكاء وصوت خفيض:” امشي انت! انا رجلي ورمت و جعانة وعطشانة.. و كل اللي احنا فيه دا اصلا بسبب افكارك.. انا مش هتحرك من هنا غير اما استريح و اكل!!”
نظر جو للشيخ مرة اخري و عاد ينظر لشهد ثم نفث في غضب ودفعها لتجلس علي الوسائد الملقاة علي الارض قائلا:” طيب اتهببي!”
ثم جلس بجوارها..
فقال الشيخ عن بعد:” لا لا انتو ضيوفي و بنحتفل بيكوا الليلة.. تعالوا هنا قربي”
فقال جو:” لا .. احنا قطعنا مجلسكوا.. خلينا هنا وخليكوا علي راحتكوا ”
الشيخ في اصرار:” لا ابدا.. مجلسنا يتشرف بيكوا..قوم تعالا انت و الحلوة”
قام مع شهد و توجها ليجلسا قربه حيث اشار اليهما..
همست شهد:” هو ده شيخ ايه يعني؟؟ راجل بتاع ربنا؟؟ امال بيعرف اشكال معلمك السو دي ليه؟؟”
جو:” بتاع ربنا ايه يا هبلة.. ده اكبر تاجر حشيش في الساحل.. شيخ هنا يعني زي معلم كده.. الريس عبود بيوردله هو عصباته سلاح اد كده..ده زبون كبير اوي”
شهد و هي تلوك قطعة لحم:” و النبي افتكرته راجل كويس”
كاد جو ان يجن من برودها و غباءها.. هاهو يجلس قلقا فهو هنا لا حول له و لا قوة ، محاطا بالاسلحة التي لا يضمن اصحابها، لا يملك اي سلاح.. لا يدري كنه او طبيعة اي شخص موجود هنا.. نظرات الشيخ لشهد لا تعجبه.. و هي تجلس بمنتهي البرود تأكل و تتحدث في امور تافهة وغبية..
قال الشيخ:”هتبيتوا هنا الليلة و الصبح عربية بترجعكم مصر، السفر بلليل كله مخاطر و كماين”
جو:” لا طب خلاص احنا هنتصرف.. بس ممكن توصيلة للطريق نفسه”
الشيخ بحدة:” ابدا !! ما يصير! انتوا ضيوفنا و ليكوا حق عندنا.. ما نترككم علي الطريق ابدا..” ثم اكمل بنبرة حازمة:” هتباتوا الليلة .. و بكرة تسافرواّ”
قالت شهد:” و ماله.. نريح و النهار له عنين.. كماين البوليس دي بتقلبلي معدتي..”
نظر اليها الشيخ و قال:” سلامتة معدتك يا حلوة..”
قال جو مقاطعا و قدأ بدأ يغضب:” و هنبات فين يا شيخنا..”
الشيخ مشيرا الي المبني الوحيد في المكان:” الحلوة جوا في داري مع الحريم.. وانت هتلاقي هنا افخم خيمة جاهزة عشانك!”؟
هل الرجل يخطط لشيء ما غير مريح بخصوص شهد… ام ان جو صار مرتابا فيما يخصها؟!!
قال جو هذه المرة بحزم:” لا يا شيخنا.. شهد مبتفارقنيش! ومبتغيبش عن عيني..”
الشيخ:” كيف يعني؟ عايزين تناموا في خيمة واحدة؟؟!! عوايدكم بتاعة مصر ما بتصير عندنا.. احنا هنا عرب..الحريم في الدار و الرجال في الخيام”
جو:” هو مش انت بتنام يا شيخنا في الدار برضه و لا ايه؟!”
قال احد الرجال في الجلسة مدافعا بحماس:” الشيخ فريج اب لكل واحدة.. ”
قال جو وقد انتهز فرصة ان حديثه موجه لشخص غير الشيخ فريج فاخرج فيه انفعاله المكبوت:” ماليش فيه! شهد مبتفارقنيش.. وعشان عوايدكم ..مش هنام في خيمة .. هنفضل قاعدين كده برة هنا جنب النار للصبح.. اظن دا ما يضايقكش عوايدكم في حاجة؟!!”
قال الشيخ فريج بعند:” بكيفكم.. البرد هياكلكم.. وهتندموا”
ومن بعدها لم يوجه و لا كلمة او حتي لفتة لاي منهما .. تجاهلهما تجاهل تام..
تكلمت شهد بعد ان تابعت الحديث في صمت قائلة:”الشيخ باين اتقمص … مسبتنيش ليه انام جوة مع الستات؟ مش كان زماني فاردة ضهري…”
جو:” انهي ستات؟ انتي شفتي بعينك ان في ستات جوة؟!”
شهد:” يعني هو الراجل هيكدب؟؟.. شكله كبارة ومحترم! و هيقول كده ليه يعني؟!!”
جو في عصبية:” انت بتستعبطي يا بت؟! ”
لاحت علي شفتي شهد شبح ابتسامة.. فعلا كانت تتصنع السذاجة.. فهي منذ ان جلسا بقرب الشيخ و لاحظت نظراته الغير بريئة اليها.. ادركت سر توتر جو.. وكما تشكك يوسف من امر النوم في الداخل.. تشككت هي الاخري.. ولكن اعجبها بشدة تمسكه الشديد بموقفه برغم انهما محاطان برجال الشيخ و اسلحتهم.. لم تكن قلقة بالمرة فهي تعلم ان معها اكثر الرجال رجولة.. لم تعبأ بنظرات الشيخ و لا اسلحة الرجال و لا الصحراء و لا شيء.. هي مطمئنة انها في ايد امينة..
بعد ان انتهي المجلس و الطعام.. قام الشيخ يحي بعض من ضيوفه و يودعهم ، ثم القي تحية مساء مقتصبة ليوسف و شهد و توجه لداخل ذلك المبني الذي قال عنه داره.. انفض الناس المجتمعة..كل ذهب لحاله او لخيمته بينما بقيا شهد و يوسف بمفردهما في وسط المخييم امام النار..
سرحت شهد تتأمل الوضع.. رأت في الامر رومانسية حالمة.. ها هي تجلس مع جو في الهواء الطلق.. فوقهما سماء رأئعة تكاد تلمس نجمومها من شدة الصفاء.. وامامها نارا تشبه تلك التي بداخل قلبها.. عبثت باصابعها في الرمال النامة تحتها .. برغم الظرف الذي هم فيه.. كانت سعيدة
يوسف باهتمام:” بردانة؟”
شهد:” شوية..”
يوسف :” طب تعالي..”
كان هو مستندا بظهره الي جذع نخلة.. مد ذراعه نحوها يحثها علي الاقتراب منه..
فقالت شهد بساخفة ونظرة مستنكرة:” نعم؟! اؤمر؟!”
يوسف:”تعالي يا بت.. تعالي بدل ما اقوم اجيبك!”
ذهبت قربه وجلست بجانبه واسندت ظهرها الي جذع النخلة.. فقام بلف ذراعه حولها و ضمها اليه قليلا..
صمتت شهد في محاولة للسيطرة علي قلبها الذي كان يخفق في هيسترية.. كم هو رائع الاقتراب منه.. كم تشعر بالدفء بقربه.. ودت لو اراحت رأسها علي كتفه كما يفعل العشاق.. و لكنها منعت نفسها.. بل حتي جعلته يظن انها غير مرتاحة لهذا الوضع.. فهي تؤمن دوما بحتمية وضع حدا له..
شعر جو ان هذا الوضع و ترها و لكنه لم يبالي.. الليلة ليست ليلة ارضاء شهد.. تشبثه بها هكذا يجعله اكثر اطمئنانا و اقل توترا.. كان قلقا وخائفا من اي خسة او غدر من اي شخص في هذا المخييم .. هكذا يشعر انه يخبئها و يكنّها ..كما ان الجو باردا حقا و قد بعث قربها منه الدفء في جسده..
تابع كليهما النار في صمت.. ثم قطعه جو قائلا:”تفتكري يا شهد ينفع الواحد يغير كل حاجة في حايته مرة و احدة”
شهد:”اسأل اي بنت من اللي بتبيعوا و تشتروا فيهم.. فجاة كله بيتغير مع المالك الجديد.. السكن و الشغل و العيشة و كل اللي اتعودت عليه.. عادي و بتعيش و تكمل”
صمت و لم يرد..
شهد:” متكلم حمادة تطمنه علينا حتي يبقي حد عارفلنا طريق”
جو و قد استدار اليها برأسه محدقا بها:” و ايه اللي فكرك بسي زفت.. حتي واحنا في اخر الدنيا في الحوسة دي ما بيروحش عن بالك؟!”
شهد:”طب بلاش حمادة كلم حنان”
جو:” لا هكلم زوزو!”
شهد بغيظ و حدة:” كلم اللي تكلمه.. انا مالي.. انا غرضي ان يبقي حد عارف احنا فين.. قدر مارجعناش؟!”
ضيق ذراعه ضاغطا عليها عدة مرات متتالية و هو يقول:” بتعلي صوتك؟! بتعلي صوتك؟!”
في كل مرة كانت تصطدم بوجهها في صدره… الي ان وضع يده اخر مرة علي شعرها و تحسسه بينما وجهها مدفون في صدره.. استسلمت شهد للامر.. كانت تسمع صوت دقات قلبه..و كأنها تحدثها.. اخذت نفسا عميقا وعبئت صدرها و انفها برائحته..ثم ابعدت رأسها بصعوبة.. ونظرت الي وجهه و قالت:” جو.. انت زودتها اوي!!”
ضر…بها علي رأسها من الخلف ضر…بة خفيفية و قال :” انت هتحاسبيني؟؟!.. انا اعمل اللي انا عايزه..قال زودتها قال! يا بنتي انتي ملكي.. اعمل اللي علي كيفي.. ابيع و اشتري فيكي.. ابهدلك.. امرمطك.. اعمل كده.. او كده… او كده”
كان يقول “كده” تارة و هو يعبث في شعرها فيبعثره.. وتارة يعبث في وجهها بيده ليضايقها.. وتارة يخبطها علي رأسها.. و هي تداري و جهها ورأسها بيديها لتحميهما من مزاح الصبيان السخيف..
ثم ثبت كتفيها ليبقيها معتدلة امام و جهه و قال بخبث:”او حتي ابوسك..”
اتسعت عينا شهد و قالت بعصبيه تداري ذعرا:”لا علي فكرة.. لو فاكر اني بعزك و مش هأذيك تبقي غلطان.. ”
ضحك ساخرا وهو مازال ممسكا بها علي نفس الوضع:” هتعملي ايه؟ اخرك ايه يعني؟”
شهد:”افتكر كويس عملت ايه في عدوي”
فقال بنفس السخرية الباردة:” عدوي دا عيل اي كلام.. انت دلوقتي مع جو.. وريني اخرك”
وبدأ يتظاهر بأنه سيقترب منها..
فجأة تحولت نبرتها العصبية المتعالية الي نبرة مسكنة وبؤس و قالت:” خلاص يا جو.. عندك حق انا فعلا ملكك وانت من حقك اي حاجة.. لو ده يرضيك اعمله.. انا راضية ضميرك و شهامتك”
افلتها من يده و قال في شماتة:” ما كان من الاول!”
ابتعدت عنه بمسافة قصيرة وجلست تتمالك اعصابها..
فقال شامتا :”مانتي لو من الاول تفهمي حجمك.. ومتبوقيش معايا ..كنت رحمتي نفسك من البهدلة دي”
ثم مد زراعه مرة اخري و قال:” تعالي تاني اتهببي هنا.. الدنيا برد و انا كنت مدفي”
ترددت كثيرا، فقال:” تاني؟؟.. عايزة تتبهدلي تاني؟”
فقامت بتؤدة و جلست بجواره مرة اخري.. فربت عليها في حنان شديد بعد ان ضمها اليه..
صمتا تماما وسرحا في النار..
كان جو يفكر في ان و جودها بقربه يجعله لا يذكر للدنيا هما.. ها هما في موقف غير آمن تماما و قد كان قلقا مرتابا قبل قليل.. الا انها جعلته يمازح و يعابث و يستمتع .. واي استمتاع .. هذا الاسلوب و ردود افعالها عليه يجعل الامر رائعا..
اما شهد فقد هزها الامر هذه المرة كثيرا.. ان جو دوما يربكها بتلك التصرفات.. احيانا تدرك انه مزاح، و احيانا مثل الان تظن به الظنون و تخشي علي نفسها منه.. ثم يجعل منها اضحوكة في النهاية..
ظلا صامتين يستمتعان بالدفء الذي ينبعث من داخلهما .. كانت لحظات رائعة مثل تلك التي مرت بهما ظهرا اثناء السباحة… ود كل منهما علي حدة الا تنتهي ابدا.. ساد الصمت الي ان ذهبا في النوم علي هذا الوضع..اراح جو رأسه للخلف مستندا الي النخلة بينما اراحت شهدد رأسها علي كتفه.. لو ان هناك تعريفا يمزج الامان مع الحنان مع الدفء مع السعادة ، لكان ما تشعر به الان..
استيقظ جو بعد فترة من اثر البرودة.. شعر انه علي وشك التجمد..فتح عينيه ليجد ان شهدغير موجودة.. دار بعينه حوله علها تكون نامت بعيدا.. الا انها لم تكن في اي مكان..
انتفض قلبه!
اين هي؟ هل حدث ماكان متوقعا؟؟
ماذا عليه ان يفعل؟ كيف سيهاجمهم؟ لا سلاح لديه؟؟
كان يفكر و هو متوجها بسرعة نحو المبني الخاص بالشيخ..
ادرك ان الامر انتحاريا و لكن لا يهم.. لن يتركها حتي لو مات في سبيل الامر..
فجأة سمع صوت “بسبسة”، استدار علي امل ان يجد شخصا شهما متخفيا سيساعده.. و لكنه و جد شيئا اخر، انها هي.. لقد ميزها في الظلام علي ضوء النار.. سليمة معافاة .. تقف بعيدا و علي وجهها ابتسامة عريضة..
الشكر لك يا رب..
ذهب اليها مسرعا و قبل ان ينطق رفعت يدها و ارته مفتاحا.. انه مفتاح سيارة..
قالت وهي ترتعش من البرد:” لو قعدنا هنا هنمو….ت من البرد زي الشيخ ما قال.. ”
ثم لوحت بالمفتاح في يدها و قالت:” نستلف عربية لحد اول الطريق!”
كان يرتعش هو الاخر .. اخذ منها المفتاح و ذهبا حيث تقف عدة سيارات اغلبها ذات الدفع الرباعي المناسبة جدا للصحراء.. ميز السيارة من اسمها علي المفتاح.. ركبا و انطلقا..
شهد:” بس هنعرف الطريق ازاي؟”
جو:”همشي و را الطريق المتمهد.. ”
شهد:” اياك متكونش شورة مهببة جديدة”
جو:” بت..انتي جبتي المفتاح ازاي.?!
شهد بفخر:” زي ما فتحتلك القفل في السطوح”
جو:” متقولي خلصي”
شهد:”صحيت لقيت نفسي هجمد وانت كلك عبارة عن حتة تلجة… قلت اما انط علي بيت الشيخ اضر.بلنا بطانية.. و انا باخد جولة جوة لقيت المفتاح.. قلت انها فكرة احسن من البطانية..”
جو غاضبا:” انتي عارفة الي انت عملتيه ده غباء و كان ممكن يقلب بغم لولا انك محظوظة بس..”
شهد:” في شغلي مفيش حاجة اسمها حظ ! يا شاطرة يا خايبة.. وانا شاطرة اوي… بس مسألتش يعني ليه انا قلت ان العربية فكرة احسن؟”
جو:” ليه ؟”
شهد:” اصلي ملقتش جوة حريم..”
***
اخيرا في البيت بعد رحلة شاقة.. جلس ممدا علي السرير بينما افترشت شهد فرشتها.. كل منهما يئن من آلآم في اماكن متفرقة من الجسم ..لقد تركا السيارة علي اول الطريق ثم استوقفا ميكروباص، الذي اوصلهما لمكان الاتوبيس فاستقلاه للقاهرة بعد ان انتظراه كثيرا..
كانت مغامرة عجيبة.. و قد زاد فيها شغف كل منهما

(14)

جلست شهد علي كرسيها خلف (كاونتر) الاستقبال حيث تعمل.. كانت سارحة تماما تفكر في جو ، ظهرت علي وجهها ابتسامة حالمة و هي تتذكر الليلة السابقة حين تظاهر انه يساعدها في ترتيب وتنظيف المائدة بعد ان أكلا.. و كلما امسكت بغرض لتضعه مكانه تعمد ان يمسكه معها و يلامس يدها بيده.. وكأنها مصادفة..
فتظاهرت بدورها انها تصدق ان الامر مجرد مصادفة..
كانت تسمع اصوات من حولها كأنها قادمة من بعيد..
“انا قصيت شعري وصبغته وعملته.. و عملت مانيكييور و باديكييور”
كانت هذه زبونة انيقة بشعر اشقر جميل تخبر هدي زميلة شهد عن ما تم عمله حتي تدفع الحساب..
سجلت هدي ما قالت السيدة في دفتر، ثم قالت بابتسامة عريضة :” كده يبقي 300″
دفعت السيدة الانيقة المبلغ بالاضافة للبقشيش ..
استدارت هدي لتضع المبلغ في الخزنة الصغيرة..
بينما بقيت شهد تنظر امامها وهي مازالت هائمة في ملكوت اخر.. ثم وقعت عينيها علي الدفتر تأملته بدون ادراك.. كان مفتوحا علي الصفحة التي سجلت فيها هدي للتو حساب السيدة الانيقة..
داعبت خصلات شعرها في دلال .. كانت تقراء المكتوب بلا هدف..
مدام سها:
قص 100
موزمبليه 70
مانيكييور 20
اجمالي: 190

الم تقل السيدة انها صبغت و عملت باديكييور؟؟!! سرحت شهد تعيد ما قالته السيدة في رأسها.. هي متأكدة انها قالت “صبغت” حتي ان اللون لفت نظرها.. كان انيقا جدا ..
ايعقل ان تكون هدي غير منتبهة للامر؟؟!
شهد:” هدي.. مش الست دي قالت انها صبغت شعرها.. مش مكتوبة في الحساب”
هدي بحدة:” قصدك ايه يا شهد؟ بتراجعي ورايا.. بقي انا اللي سيباكي قاعدة طول النهار سارحانة ومش مركزة في شغلك و قلت بلاش اسخف عليكي .. تقومي تتهميني اني انا اللي مش مركزة؟!!”
شهد:” انا متهمتكيش بحاجة.. انا بلفت نظرك بس.. الست شعرها باين انه مصبوغ و قالت انا صبغت! و الحساب مش مكتوب فيه الصبغة… و علي فكرة و لا كمان مكتوب فيه الباديكييور.. ”
هدي:” انا و الله مش مجبرة ابررلك واعيدلك اللي فاتك وانتي سارحانة.. ابقي بعد كده امسكي انتي الحساب لما انتي شاطرة قوي كده..”
ثم نهضت من مكانها وتوجهت نحو الحمام قائلة:” اتفضلي امسكي مكاني بقي وانا فالراحة.. و ريني شطارتك!”
كانت شهد محتارة و مترددة فعلا .. هي بالفعل لم تكن منتبهة.. ولكنها متأكدة مما سمعت.. لقد صار الامر حرجا.. فاما ان هدي نصابة .. او ان شهد تظلمها ..
اعادت شهد المشهد السابق في رأسها و فجأة تذكرت شيئا اخر.. لقد قالت هدي ان الحساب 300 ..هذه هي متأكدة منها مائة بالمائة.. فتحت شهد الصفحة مرة اخري لتجد ان الرقم المكتوب هو 190..
لامجال لأن تكون هدي مظلومة..
“أخصصصصص! اه يا بنت الحرامية يا نصابة..” هكذا قالت شهد في رأسها و هي متجهة الي الحمام..
دخلت دون ان تطرق لتجد هدي و بعض الفتيات من الزميلات يقفن امام المرأة ..بعض منهن يتحدثن معا..ومنهن من تأخذ جانبا للتدخين و منهن من تهندم حالها..
نظرت هدي بامتعاض لشهد.. و ابدت و جها مستاءا ظنا منها ان شهد اتت للاعتذار..
اقتربت منها شهد .. تفحصتها جيدا مما جعل هدي تقول :” نعم؟ بتبصيلي كده ليه؟! طبعا ملكيش عين تتكلمي بعد الكلام البايخ اللي قلتيهولي.. عموما لو عندك حاجة اتفضلي قوليها دلوقتي”
وبدون سابق انذار.. امسكت شهد ياقة قميص هدي و دفعتها للخلف لتصطدم بالاحائط.. صرخت هدي و تدخلت الفتيات المندهشات للتفريق بينهما ، الا ان شهد دفعت بقوة اول فتاة حاولت لمسها مما جعل البقية يخشون الاقتراب.. جذبت شهد هدي من شعرها القصيروهدي تصر..خ .. ثم دست يدها في قميصها من فتحة الصدر و بعد لحظة خرجت يدها و بها لفة نقود..
ثم قالت:” انا مش عارفة مين فينا دلوقتي اللي ملوش عين؟!”
انفتح الباب بقوة و دخلت حنان.. صاحت :” ايه الصوت العالي ده؟!! صوتكم و صلني لحد برة.. انتوا اجنـ,ـنتوا؟؟! مين اللي بتصرخ كده؟”
ثم تسمرت مكانها ما ان رأت رأس هدي في يد شهد و يدها الاخري بها لفة نقود كبيرة..
قالت بغضب :” دي خناقة علي فلوس دي بأة و لا ايه ان شاء الله؟! انتي يا شهد اللي بتعملي كده؟؟!.. بعد كل اللي اتعلمتيه برضه مش قادرة تنسي انتي جاية منين..”
بالطبع اغضب شهد حديث حنان فتوجهت اليها و وضعت النقود في يدها بعنف و قالت:” اتفضلي فلوسك.. وابقي راجعي دفاتر الحساب.. ووفري زعيقك للي بيسر….قوكي!”
وخرجت من المكان بسرعة غاضبة بشدة..
عادت للبيت لتجد جو نائما..
جلست علي الكرسي بجوار الشباك وهي علي وشك البكاء.. لم تتوقع ان تسمع كلمة مثل تلك من حنان بالذات.. لقد اهانتها امام الفتيات .. ما قالته المها جدا…
تقلب يوسف في السرير وفتح عينه ليجد شهد جالسة .. انتفض من مكانه و قال مفزوعا:” في ايه؟؟ ايه اللي جابك بدري؟؟ عدوي ظهر و لا ايه؟؟”
استدارت له شهد ثم نهضت من مكانها و ذهبت اليه ..جلست بقربه علي السرير و القت برأسها علي كتفه وانها…رت بكاءا..
رفع جو رأسها و امسكه بيده قائلا في عصبية:” في ايه يا بت؟ اكلمي!”
قالت شهد بصوت باكي كالاطفال:” انا مش هرجع الشغل تاني”
جو:” ليه؟؟؟”
شهد:” اتخانِقت هناك.. و حنان هزقتني جامد”

هدأ قلق جو تماما عندما فهم ماهية الامر.. لقد ذهب به بكاؤها الي اشياء اخطر بكثير.. حمدا لله
ربت علي كتفها و قال بهدوء و حنان:” ايه اللي حصل يعني؟ احيكيلي.. ثم قبل اي حاجة.. حنان طيبة جدا وممكن تزعق و تقول كلام دبش متقصدوش..”
قالت شهد و هي مازالت تبكي:” لا تقصده! تقصده عشان هو فعلا صح!”
قال جو و هو يمسح دمو….عها من علي وجنتيها :” طب بس كفاية عياط و احكيلي اللي حصل”
حكت له شهد ما حدث بالتفصيل..
فرد جو مستنكرا:” هي البت دي هبلة؟؟ و هي ازاي الحسابات مش منظمة كده.. اي حد بيكتب اللي مزاجه.. الكلام ده له اصول.. دي تلاقيها بتتسر..ق من زمان و هي مش دريانة”
شهد بغيظ:” هو ده اللي همك؟!! مش همك انها قالتلي كده قدام الناس..”
ابتسم جو وقال:” عشان انا عارف اننا لو استنينا شوية هتلاقيها جاية لحد عندك تعتذرلك وتبو.؟س راسك .. حتي بدون ما تعرف انك كنتِ بتجيبيلها حقها”
قالت شهد بغضب كالصغار:” حتي لو جت .. عمري ما هسامحها ابدا.. دي عايرتني بأصلي..”
قال جو مبتسما:” حقك.. لو انتي عايزة كده محدش يقدر يغلطك..”
عقدت حاجبيها ، كانت تريده ان يثنيها و يرجوها ان تصالح حنان..
جو:” بس قوليلي.. من امتي الشرف ده كله؟؟”
شهد بغباء:” يعني ايه؟”
جو:” يعني هي البت اللي اسمها هدي دي قلبت القرشين قبليكي.. ايه يعني اللي حمقك اوي و خلاكي تضر؟؟؟؟؟بيها في الحمام؟”
ولأول مرة من لحظة ما حدث.. وقفت شهد امام نفسها لترى الامر من هذا المنظور.. ما وجه اختلاف هدي عنها؟.. كلتاهما لصة‍!
لو كان مبدأ شهد الا تسر…ق المُعدمين وتوجه نشاطها نحو من يملكون “الخيرات” علي حد تعبيرها.. فهدي إذن لم تفعل ما يخل بمباديء شهد .. فحنان لديها الكثيرو الكثير من الخيرات.. لقد غضبت شهد من هدي لأن حنان صديقتها.. اهذا يجعلها افضل من هدي؟!
تذكرت كم احتقرت هدي عندما ادركت انها سارقة.. هل تنظر اليها حنان بهذه الطريقة؟ هل ينظر اليها جو كذلك؟!!
قالت في محاولة لتغير صورتها في عينه:” عشان لما اسر….ق واحدة بتأكلني عيش و مأمناني علي فلوسها ابقي واطية مش بس حرامية..”
جو بهدوء و لكن بجدية:” يا شهد السر.قة نفسها وطيان .. انتي بتحكمي علي اللي بتسـ,ـرقيه انه يستاهل السر….قة و لا لأ علي اساس ايه؟ اشعرفك اللي سر.قتيه منه ده هو جايبه ازاي.. و لا عزيز عليه قد ايه؟؟ ”
شهد و الد.موع تملأ عينيها:” انت هتديني محاضرة.. انا ناقصاك؟ متبص لنفسك.. هو الخواجة و لا الريس عبود دول يعني كاملين الاوصاف في الشرف”
جو:” ولا حتي انا كامل الاوصاف.. بس انا علي الاقل بقدم شغل و باخد مرتب عليه اخر الشهر.. مبخدش حاجة مش من حقي ”
صمتت شهد و تركت دموعها تنهمر.. فكرة ان يوسف يراها كما رأت هي هدي مزقتها من الداخل..
وضع يده علي ظهرها و ربت عليه ثم قال :” عشان انا شايف انك بت جدعة و قلبك نضيف.. اصر…يت انك تبعدي عن كارك ده.. و حكمت دماغي انك تشتغلي في حتة وتقبضي حق ما اشتغلتي.. واحدة زيك خسـ,ــارة في القرف ده.. انتي يا شهد تستاهلي تبقي احسن من كده.. انا نفسي اشوفك احسن و احدة .. عشان بالنسبالي انتي احسن واحدة”
كم هو جميلا ورائعا..
كم اراحها و اراح قلبها المضطرب..
لقد انستها كلماته كل ما شعرت به قبل قليل من ضيق و استياء..
ابتسمت و دموعها لم تجف بعد..
سألت:” احسن من المليون بنت؟؟”
عقد حاجبيه متظاهرا بالتفكير ثم قال:” حاجة زي كده..”
ابتسمت و قامت لتغسل و جهها.. تابعها و هي متجهة للحمام..
كم هي غالية عليه..
ضيقها يضايقه و حزنها يحزنه.. وكأنها قطعة منه تسير منفصلة عنه..
الا يُشَّبه الاباء اطفالهم بشيء كهذا؟؟
سمع طرقا هيستيريا علي الباب.. فقام ليفتح .. وجد امامه حنان، ابتسم ساخرا و قال :” والله قلتلها انك جاية!”
قالت حنان بانفعال و توتر:” انا مش عارفة اللي حصل ده حصل ازاي.. دي شهد دي فوق راسي.. ده بعد اللي عملته انهاردة المفروض كنت اشكرها.. هي فين؟!.. انا جاية ابوس راسها”
جو ضاحكا:” والله قلتلها كده كمان!”
خرجت شهد من الحمام بعد أن سمعت صوت حنان.. وقفت وهي علي وشك البكاء مرة اخري..
قالت حنان في محالولة (لجر ناعم):” كده تمشي و تسبيني في وسط الحوسة اللي كنت فيها دي؟!!”
لم ترد شهد بل اشاحت بنظرها بعيدا ..في محاولة لمنع انهمار الدموع..
اكملت حنان:” حقك عليا يا شهد.. انا طول عمري كده بدب كلام غبي زيي..” ثم اقبلت عليها و قبلت رأسها واحتضنتها و ربتت عليها..
قال جو ساخرا للمرة الثالثة:” وحياة النعمة برضه قلتلها كده.. خلصونا بقي من دلع الحريم ده.. اتصالحوا وبوسوا بعض”
ثم اقترب من شهد و حدثها قرب اذنها قائلا :” ولا ابوس انا؟”
ابتسمت شهد رغما عنها..
و بعد حديث ليس طويلا بين ثلاثتهم لعب فيها جو دور المصلح.. انتهي الامر.. وعادت شهد و حنان افضل صديقتين.. كما طلبت حنان من شهد ان تكون المراقِبة السرية علي امانة الموظفة المسؤولة عن حساب الزبائن والخزنة.. وذلك بعد ان تضع حنان نظاما جديدا يضمن تسجيل كل الحسابات بطريقة صحيحة..
وهكذا وجدت شهد نفسها في موقع المُراقِب بعد ان امضت حياتها في موضع المراقَب..
لا يهم.. ايا كان ..
اي شيء في سبيل ان تكبر في نظر جو..
******
صارت علاقة الخواجة بجو علي غير طبيعتها.. كان الخواجه يعامله معاملة مختلفة.. و كأنه غاضب منه.. وجو قد مل بشدة احساسه بالضغوط من كل الجوانب.. إن كان الخواجة (مأموصا) فليبقي علي حاله.. لم يعد يهتم.. خبص له احد الرجال أن الخواجة كان يتلقي شكاوي من اشخاص غاضبين من جو.. و أن الامر صار سخيفا والخواجة صبره نفذ.. وقد يتصرف حيال الامر
شعر جو بالضيق.. بعد ما كل ما قدم للخواجة.. فعلا كما قالت شهد (ناس سَو!)
مر نهارا علي حمادة .. كان يحتاج لصديق..
جو:” يا ندل.. مختفي فين ياد؟!”
حمادة:” بقصر الشر يا عم.. كل اما اجي عندك تقابلني وعلي وشك غضب الدنيا و الاخرة.. قلت ابعد عن البيت خالص ونتقابل برة احسن؟”
جوساخرا:” اشمعني البيت بذات يعني اللي مش هطيقك فيه .. و برة هطيقك؟!”
حمادة بخبث:”عشان البيت فيه المزة!”
جو في محاولة ليبدو طبيعي:” ومالها المزة و مال اذا كنت طايقك و لا لأ؟ هي اي حجة و خلاص؟!”
حمادة ومازال خبيثا:” طب يعني معندكش مشاكل؟؟ اجي بالليل اسهر معاها اسليها و انت في الشغل؟”
جو:”لأ يا روح امك!”
ضحك حمادة من قلبه و قال:”و يا تري هي بتغير عليك كده زي مانت بتغير عليها..”
جو بتلقائية وقد شرد ذهنه مفكرا في شهد :” من زوزو ساعات..”
قال حمادة بحماس و قد حصل علي مراده اخيرا:” يعني انت فعلا بتغير؟!!!”
انتبه له جو و قد ادرك انه (اندلق) في الحديث.. قال مبتسما:” ايوة يا رزل!”
حمادة مصفقا بيديه :” ايوة بقي!! اسمع.. انا بفهم في الحريم كويس.. خد مني تكسب.. البت شهد دي عايزة و احد قوي..جريء واحد يخليها مش علي بعضها.. تعمله حساب كده.. ”
جو:” اتلهي علي عينك! بتنصح مين يا خيبة”
حمادة:” مقصدش طبعا يا جو انك مش قوي.. بس انت بصراحة مش جريء معاها.. مدلعها كده و عاملها حساب و خايف علي زعلها.. اللي انت مش فاهمه انها تتمني منك انك تقرب منها اكتر.. هي ممكن تعمل تقيلة.. بس من جواها صدقني هتكون مبسوطة… جربت مرة كده علي غفلة ترزعها حضن عشاق و في اخره بوسة افلام؟!”
جو مستنكرا:” حضن عشاق و بوسة افلام.. هي دي النصايح يابن العبيطة؟!! وبعدين لما اعمل كده هنستفيد ايه غير طولة لسانها بعدها؟؟”
حمادة:” اشتري مني بس.. ما هي هتعد تفلفص و تقفش عليك وتشتمك.. بس ده كله تمثيل.. انا عارف الحريم.. الحركة دي هتخليها تفكر فيك صبح و ليل..”
جو:” انا غلطان اني بكلم مع عيل تافه زيك! بقي انا جاي قرفان و عايز افضضلك.. تقولي عشاق و افلام؟؟!”
حمادة:” مالك يا جو؟!”
جو:” فاض بيا من الخواجة و الشغل و الصالة والناس!!”
وحكي له عن كل ما يؤرقه في الفترة الماضية..
حمادة:” الخواجة ده يتحرق في ستين داهية يا عم.. بكرة لما ينضـ,ـرب و لا يتقتـ,ـل هيعرف قيمتك!”
جو:” انا بجد اتخنقت! خلاص أنا بقي دمي بيفور بمجرد ما بدخل عند عطا .. بدون حتي ما يحصل حاجة! وبعدين انا عارف الخواجة كويس.. قلبته وحشة اوي .. وغدره صعب.. انا مش خايف علي نفسي.. ان قلقان يحط شهد في دماغه! ”
حمادة بحمقة:” يحطها! اخره ايه يعني؟؟! شهد معانا ميتخا؟؟؟؟فش عليها!”
رمقه جو نظرة فهمها حمادة و تدارك نفسه قائلا:” قصدي معاك.. معاك ميتخا؟؟؟؟فش عليها!”
فقال جو:” وأنا بقي الاحِق علي مين و لامين؟؟.. عدوي و لا الخواجة .. أسيب حالي و أقعدلها بقي؟!! و بعدين الخواجة مش اهطل زي عدوي.. ده ممكن يبعتلها إللي يسحلها لحد مرعي.. او حتي يتاويها خالص ”
حمادة:” وانت هتسيب ده يحصل!”
جو :” منا عشان مش هسيبه يحصل.. هكون ساعتها جـ,ـثة.. تفتكر وانا جثة ممكن افيدها؟!!”
حمادة:”طب انا عندي فكرة…”

الحلقة 14 (2)

طرق الباب مساءا.. فتحت شهد لتجد سمر صديقتها من ايام عطا.. فرحت بشدة و احتضنتها في قوة
شهد:” ده ايه الخطوة العزيزة دي.. وحشاني جدا يا بت!”
سمر:” وانت اكتر .. و الله الشغل مبقاله طعم بعد ما مشيتي..”
ثم دارت بعينيها داخل الحجرة و قالت بتوجس:” هو جو هنا؟”
شهد في قلق:” لأ .. خير في حاجة؟ ”
سمر:” اسمعي .. انا جاية في السريع ليكي عندي كلمتين..”
شهد:” خشي طيب..”
دخلت سمر و جلست ثم استطردت في الحديث..
“انتي عزيزة عليا قوي يا شهد و ميرضنيش اسمع عن حاجة و حشة عليكي و اسكت..”
شهد:” حاجة و حشة زي ايه؟”
سمر:” حرصي من جو يا شهد! خلي بالك علي نفسك..”
شهد مندهشة:” احرص من ايه؟؟ متكلمي يا سمر سمعتي ايه؟”
سمر:” و النبي منا مصدقة اللي هقوله.. بس الامر ما يسلمش.. والواحد يحرص احسن ما يندم..”
قالت شهد بعصبية:” متنطقي يا سمر و قعتي قلبي .. ماله جو؟؟!!”
سمر:”طب انا هحكيلك من الاول بس صبرك عليا.. اصلي كنت في المطبخ و دخلت البت سماح و البت عبير وكانوا بيكلموا مع مندو علي ان جو كل يوم والتاني حد من الزباين التقال يقفش عليه.. اكمنوا معصلج و مش راضي يبيعك لحد ابدا مهما يعرضوا عليه فلوس، او حتي يهددوه.. المهم الواد مندو.. انتي عارفه اصله و اد منفسن.. قعد يقول وهو عاجبه فيها ايه؟ .. و كلام سم كده زيه.. قامت البت سماح قالتله انه جو مكلبش فيكي كده عشان مطالش لسة منك حاجة.. و انه بيخطط انه اول ما ينول مراده هيبيعك و يكسب فيكي كمان.. قامت عبير سألتها و هي جابت الكلام ده منين.. قالتلها ان زوزو اللي قالت..”
ابتسمت شهد اثناء حديث سمر حين علمت ان جو يلاقي الامرين من ضغوط لبيعها و انه مازال متمسك بها.. قاطعتها قائلة:” متخفيش عليا يا سمر جو جدع جدا..زوزو نفسها قالتلي كلام شبه كده.. بيتهيالي انها بتخرف.. جو صحيح لعبي..بس الصراحة عمره ما ضايقني لحد دلوقتي..بس كتر خيرك انك قلبك عليا.. اطمني”
لطمت سمر علي وجهها و قالت:” مانا قلت زيك كده.. قلت ان زوزو هي راخرة منفسنة و بتقول اي كلام.. بس الي جابني هنا مش الكلام ده.. اللي جابني اللي سمعته بودني بعد كده!”
اتسعت عينا شهد و هي تستمع و قد بدأ قلبها ينقبض..
اكملت سمر:”المهم سماح و عبير اتراهنوا ان كلام سماح صح.. وعبير تقولها ان جو راجل و ميعملش كده .. وسماح تقولها و ايه الوحش في كده ماهي ملكه و من حقه.. فعبير ترد انها برضه متصدقش عليه الكلام ده.. قامت راحت سماح جابت زوزو عشان تأكد الكلام.. بس اما دخلت زوزو و لاقتني موجودة .. انتي عارفة اصلها تطيق العما و لا تطقنيش!.. قامت شاورتلهم انهم يطلعوا يكلموا برة.. فخرجوا كلهم حتي مندو.. قمت انا وقفت اسمع.. لقيت زوزو بتضحك كده وتقول لعبير طب إما خلتها تسمع الكلام ده من جو نفسه متبقاش زوزو.. المهم خدت عبير و سماح و راحوا وقفوا مع جو و سابو الواد مندو.. انا فضلت راقماهم من بعيد بس طبعا مش سامعة حاجة.. كانوا و قافين بيضحكوا.. و بعدها لقيت سماح و عبير راجعين المطبخ ..قمت عملت نفسي بكمل شغلي علي الحوض..”
صاحت بها شهد:” انتي هتحكيلي باللقطة يا سمر.. انجزي وبعدين؟!!”
قالت سمر:” منا جيالك في الكلام اهه.. لما دخلوا كان الكلام عن ان عبير خسرت الرهان و ان كلام سماح طلع صح.. حتي عبير قعدت تقول خسارة يا جو نزلت من نظري.. وسماح تضحك و تقولها عشان تعرفي ان كل الرجالة كده و تبطلي سذاجة.. ”
سألت شهد بتوتر:” ايوة.. يعني هو جو قالهم ايه بالظبط؟”
سمر:” وانا هسمع ازاي يا شهد من بعيد.. هو يعني مش واضح قال ايه؟ بقولك قالوا سماح طلع كلامها صح! المهم بس اللي عايزاكي تحرصي منه ان يستدرجك يا شهد.. سماح قالت كده بالحرف: وانتي زعلانه منه ليه؟؟ هو يعني هياخدها غصب؟؟.. ده هيوقعها برضاها.. هو طريقته كده… ”
شهد مصدومة:” يعني ايه؟؟ يعني فالاخر زوزو اللي صح؟!! يعني كل اللي بيعمله معايا ده بيكسب بيه ارض عندي..مش جدعنه منه ؟!! بيضحك عليا؟؟!!”
سمر:” معرفش يا شهد انتي الوحيدة اللي تحسي.. انا بس مقدرتش ابقي عارفة كل ده و اسكت.. بس حرصي علي نفسك.. انا عن نفسي مش قادرة اصدق..”
تركتها سمر ورأسها يكاد ينفجر من الاسئة و الحيرة.. أيعقلل ما قيل لها للتو؟! تري ماذا كانت كلمات جو التي اكدت لعبير كلام سماح؟؟!! ماذا قال عنها لزوزو و الفتيات؟؟ هل يتحدث عنها هكذا؟!! هل حقا تلك نيته ؟!
ظلت تدور الدنيا بها ورأسها (بتجيب و تودي)..
الي ان عاد جو قبل الفجر..
جو مندهشا:” لسة صاحية؟!”
شهد باقتضاب :” مجليش نوم!”
جو بضجر شديد:” انا علي اخري يا شهد.. اجلي اي نكد او طلبات للصبح..”
شهد باسلوب جاف:” وانا هعوز منك ايه؟!”
ظن جو ان رده كان جافا و ضايقها .. فاقترب منها و جلس قربها و قال برقة:” انت تطلبي اللي يخطر علي بالك.. وكل اللي تعوزيه يجيلك.. بس ممكن بكرة؟!”
لم ترد بل رمقته بنظرة اقل ما يقال عنها انها قاسية..
كان مرهقا بشدة.. لم يكن لديه الطاقة ليدللها او يمازحها.. و في ذات الوقت لم يستطع ان يتركها في هذا الحزن الذي بدي عليها..
امسك يدها ليربت عليها كنوع من الترضية و قبل ان يتحدث مواسيا .. سحبت شهد يدها بعنف.. لم يفهم ما مشكلتها.. فهي مؤخرا قد صارت لينة بعض الشيء حيال مثل تلك الامور.. وحتي الصباح كان بامكانه ان يلمس يدها دون ان تنتفض و تبعده..
لم يدر لمَ خطر علي باله حديث حمادة :” الحركة دي هتخليها تفكر فيك صبح و ليل” .. ابتسم عندما تذكر تعبيره الطفولي “حضن عشاق و بوسة افلام”.. اطال النظر اليها و بدأ يترائي له ان نظرية حمادة قد تفيده الان.. كان هو يحتاج الى تلك الضمة اكثر منها..
ربت علي ظهرها كنوع من التمهيد.. فابعدت يده بسرعة و قامت من جانبه.. رنت في رأسه جملة حمادة :” هي ممكن تعمل تقيلة.. بس من جواها صدقني هتكون مبسوطة”
قال :” رحتي فين؟”
شهد بحدة:” يعني و مفيش مكان في البيت إلا لزق فيا؟؟! معندك المطرح و اسع ”
جو:”لأ انا كيفي اعد كده.. تعالي هنا” و أشار اليها لتعود بجانبه كما كانت..
شهد:” هو انت يابن الحلال مش قلت تعبان و عايز تنام؟”
جو:” هنام بس اما تيجي..”
كانت اعصاب شهد عي و شك الانهيار.. لربما كانت لتتقبل ذلك الحوار او تتجاهل الحاحه في دلال لو لم تستمع لكلام سمر هذا المساء.. صاتر كل حركة و كل لفتة تؤكد لها كلام سمر و من قبلها زوزو.. هل حقا انت بهذه الحقارة يا جو؟؟!!
جو عاقدا حاجبيه و بملل:” متفرهدنيش بقي يا شهد.. تعالي.. هقولك حاجة”
وقفت ترمقه باستنكار عن بعد.. هل يظن انها بهذه السذاجة؟؟!
اما جو فقد كبرت الفكرة في رأسه وركبه العند..ماذا تظن نفسها؟! هي ملكه! هل حقا كما قال حمادة هو يدللها اكثر من اللازم؟!! يبدو كذلك فهاهي بمنتهي الكبر تأبي ان تنصاع لطلبه.. انه ليس طلب يا حلوة انه أمر!..
نهض و اقبل عليها ..فتراجعت في انزعاج و خوف.. استفزه تراجعها .. فاقترب منها وامسك زراعها و قربها منه قائلا بغيظ:” لما قول تعالي.. تيجي!”
فاجأته شهد بسكينا في يدها.. سحبته من درج المطبخ عندما تراجعت نحوه رفعته بيدها الحرة و قالت و قد اغروقت عيناها بالدموع في حزن:” يعز عليا قوي أذيك! ابوس ايدك متوصلناش لكده!”
نظر الي السكين ثم الي وجهها الدامع.. لم يفهم شيئا.. ماذا جري لها؟؟!! اغضبه بشدة ان ترفع السكين في وجهه..
نزعه من يدها في سرعة وقوة و القاه بعيدا، ثم قال غاضبا:”انت يظهر نسيتي نفسك.. او انا فعلا اللي دلعتك بزيادة!”
تركها واقفة و توجه لسريره، القي نفسه عليه و اعطاها ظهره.. سوف ترين يا شهد معاملة مختلقة تماما من الأن!
اما هي فقد توجهت الي فرشتها بخطوات حزينة بطيئة.. جلست عليها و ضمت ارجلها علي صدرها وأحتضنهم بذراعيها.. وضعت ذقنها علي ركبتيها .. وتركت دموعها تنهمر..
خسارة يا جو!
*
في اليوم التالي استيقظت شهد ولم تجد جو في البيت..وهوامرا غريبا.. امضت الصباح في العمل كانت حالتها النفسية غاية في الاضطراب.. لم تتوقف عن التفكير لحظة.. لقد تأكدت لها تماما امس نية جو.. المها بشدة ان تكون مغفلة طوال تلك المدة.. ان يكون كل ما رأت منه هو خداعا.. ان بعد ما ظنت انها قد تعيش عمرها كله ملكا له.. ستغير الخطة.. انها قد تضطر الي فراقه.. و لكن اكثر ما المها انها علمت انه تحدث عنها بسوء امام زوزو والفتيات.. هل و صل استهتاره بها لهذه الدرجة!
ظلت تفكر في الامر حتي جاء المساء..
*
في اثناء النهار في مكتب الشهر العقاري جلسا شابيين امام الموظف .. قدما له عقدا لتسجيله.. كان العقد ينص علي بيع قطعة من الارض بالصعيد .. حيث يبيعها احدهما و يشتريها الاخر..
كتب الرجل اسم الطرف الاول الابائع: يوسف محمد احمد
و اسم الطرف الثاني المشتري: عبد الله محمود سالم
طبقا لما ورد في اثبات الشخصية لكل منهما..
بعد ان تمت الاجراءات قال الموظف ببرود:” مبروك عليكوا..”
نظرا لبعضهما وابتسما.. و قاما معا و غادرا المكان بعد شكرا الرجل ..
*
لم تتمالك شهد نفسها، كانت عصبية و شبه مغيبة.. وهي تحدث سمر عبر نافذة مطبخ محل عطا المطلة علي الشارع الخلفي المُظلم .. لسمر:” اتصرفي و دخليني يا سمر انا لازم اشوف زوزو!”
تسللت شهد الي حجرة الفتيات حيث كانت زوزو بعد ان ادخلتها سمر الي المطبخ من نافذته.. خشية ان تقابل جو في الصالة ..
زوزو مصعوقة:” شهد!! ايه ده؟ جيتي هنا ازاي.. مش قلتي جو مانعك؟؟”
شهد:” جيت بقي و خلاص .. عيازاكي في كلمتين..لوحدنا”
امرت زوزو الفتيات الموجودات بأن يخرجن من الحجرة..
زوزو:” خير يا قلبي.. لونك مخطوف.. مالك؟”
شهد:” انا عايزة اعرف بالتفصيل جو قايلك ايه عني..”
زوزو:”متقلبيش عليا المواجع يا شهد.. كفاية اني مستحملة قعادكوا في بوز بعض.. و بقول لنفسي اصبري عليه يا بت اهي فترة و هتعدي!”
شهد:” قصدك ايه؟ هتعدي ازاي؟”
زوزو:” لامؤاخذة يا شهد.. استحملي كلامي زي مانا مستحملة و جودك من اساسه!”
اندهشت شهد من صراحة زوزو ثم قالت:”مفهمتش برضه.. متقولي كلام واضح كده”
زوزو:” من الاخر يا شهد انا بحبك و انتي عزيزة عليا بس بعيد عن جو.. واللي مصبرني علي قعادك عنده.. اني عارفة انه هيبيعك اول ما .. لامؤاخذة.. انتي فهماني.. انا حذرتك من اول يوم وانتي مرضتيش تمشي.. خلاص بأة اعملك ايه؟؟ ولا اعمل في روحي ايه؟؟ اطق من جنابي؟؟! اديني مستحملة وعاملة روحي عمية و طارشة لحد ما يبيعك.. مهو في الاخر هيرجعلي!”
شهد مصعوقة و غاضبة :” يعني انتي سايباه يعك.. و يرجعلك في الاخر؟؟!.. نزوة انا؟؟!”
زوزو:” اعذريني يا شهد.. بس خلاص فاض بيا.. مهو يا تهربي.. و انا مستعدة اخبيكي عندي لحد مترتبي امورك.. يا إما تخلصينا و بعدها يبيعك هو لواحد من الناس الجامدة اللي هيمو…توا عليكي.. اي و احد فيهم هيخليكي برنسيسة.. بس تطويل المدة كده تعب علينا كلنا..”
شهد وكأن عقلها طار:” هو قالك عني كده؟! قالك هيبعني بعد ما ياخد غرضه!”
زوزو بأسي:” ايوة يا شهد.. لما قفشت عليه و واتخنقت من وجودك عنده.. اتفق معايا علي كده.. وانا من خبتي وافقت.. الحب والله بيذل البني ادم! يا ريت الواحد كن يقدر يختار اللي بيحبه.. كنت اخترت و احد عينه مليانه مش زايغة زيه ..مايملاهاش غير التراب! ”
شهد بذهول:” مش مصدقة يا زوزو ان اللي بتتكلمي عنه ده جو! مش راكبة معايا.. يعني هو بيخطط لكل ده من لحظة ما نطيت علي بيته؟؟.. من ساعة ما قالي اعدي عندي لحد ما الريس عبود يرجع؟؟.. بس ده كل حركاته معايا جدعنة!..حتي حركاته الي مش مظبوطة كانت بحساب.. مضايقنيش و لا مرة.. ولاحتي امبارح!! ده شافلي لحد دلوقتي شغلانتين!.. دا غير موضوع عدوي!!. . ولما كنا عند العرب!!..غير كل تصرفاته!!.. كل ده تمثيل؟؟!! مش مصدقة يا زوزو.. مش قادرة!”
سألت زوزو و قد لفت نظرها شيئا ما في حديث شهد:” الريس عبود يرجع منين؟؟”
شهد مفسرة:” انا كنت عايزة اقابله و هو كان مسافر سفرية شغل.. عشان كده قعدت عند جو في الاول خالص!”
زوزو:” طب خدي دي عندك.. ايه قولك إن الريس عبود مسافرش من زمان جدا.. هو اصلا مبيسافرش.. ده لو خرج من المنطقة يتقبض عليه في ثانية! هو قاعد هنا عاملها امبراطورية.. اللي عايزه يخشله هو ما بيطلعش.. اسألي اي حد.. دي حاجة معروفة! فكري كده و شوفي بأة جو كذب عليكي في ايه كمان.. و مصلحته ايه في الكذ؟؟؟؟بة دي بذات؟؟.. سلام يا شهد انا لازم اطلع دلوقتي.. اديكي سامعة المزيكا اشتغلت.. فكري كويس!”
خرجت و تركتها في حالة ذهول و صدمة لا اخر لهما..
*
“عين العقل اللي انت عملتيه ده”
كانت هذه زوزو وهي تعطي شهد كوب شاي دافيء في يدها.. بينما تجلس شهد في بيت زوزو علي الكنبة الاضافية..
شهد في حالة انهيار تام و عيناها بلون الدم.. بدا و اضحا انها بكت طويلا:” مش هتقل عليكي يا زوزو.. انا كنت جاية المنطقة هنا اساسا لهدف معين.. واللي حصل بعدني عنه.. اديني راجعاله تاني.. و ساعتها هنشوف!”
قالت جملتها الاخيرة بغل..
زوزو:” انت تنوري هنا.. انا قلتلك قبل كده.. طول مانت بعيد عن جو.. تبقي علي راسي من فوق”
ضحكت شهد بمرارة و هي تجرع الشاي ثم قالت:” اطمني عليه.. عمره ما هيشوف خلقتي تاني ابدا..”
ربتت زوزو علي ظهرها و قالت:” انا عارفة ان الموضوع جرحك.. انت حلوة قوي يا شهد وولاد الحرام كتير والكل يتمني ضفرك.. بس مجاتش علي ابن الحرام بتاعي انا!! انا عارفة انه عرف يلف دماغك.. هو قادر الصراحة.. بس انتي اجمد من كده.. و هتقلبيه بسرعة و تشوفي حالك و حياتك”
اومائت شهد برأسها في استسلام ..
ثم استلقت و حاولت النوم..
لم تستطع وانهمرت دموعها في صمت..
*
جن جنون جو عندما عاد و لم يجد شهد.. بحث عنها في كل مكان.. كان معه حمادة.. ذهب الي حنان ولم يجدها..
كان كل ظنه ان الامر له علاقة بعدوي.. او بالخواجة.. لذا كاد ان يتوقف قلبه رعبا عليها..
لم يجد مفر من ان يذهب للخواجة و يسأله ان كان يعرف مكان شهد..
كان رد الخواجة:” بنت مين دي اللي تسألني عنها؟! انت اتجننت!!! عموما احسن.. كده كده كان قعادها هنا قرب ينتهي!”
لم يفهم جو بالتحديد قصده في الجملة الاخيرة.. الا ان هذا لم يكن همه الان.. ان كانت ليست مع الخواجة اذن فاحتمال وجودها مع عدوي اكبر..
سأل و بحث و علم ان عدوي مازال في المستشفي و ان حالته الصحية سيئة ..
أين هي إذن؟؟!
جلس لبعض الوقت ليهدأ و يفكر بهدوء و عقل.. علي الاقل هي ليست مع عدوي او الخواجة..
حمادة:”انت مش قلت انها كانت متغيرة بالليل و رفعت عليك سكينة؟”
اومأ جو برأسه..
حمادة:” طب ما يمكن هربت!”
جو:” من ايه؟؟ تهرب من ايه؟؟ شغل و بتشتغل و تقبض.. انا معاها مش مخليها عايزة حاجة.. وكنا في الاخر قربنا قوي من بعض.. تهرب ليه؟؟”
حمادة:” طب فاكر النوبة اللي فاتت.. راحت عند زوزو.. متيجي نجرب”
*
“يا ابلة زوزو..ابلة زوزو”
اطلت زوزو من بير السلم لترد علي نداء الفتاة الصغيرة التي تقف اسفله:”ايوة يا فتحية..”
فتحية الصغيرة:” الراجل صاحبك اللي قلتيلي اقولك اول ما المحه؛ جاي من اول الشارع و معاه و احد كمان..”
زوزو:” طب يا بت جدعة..”
دخلت زوزو الي شهد مسرعة و قالت:” جه!.. انزلي بقي”
قامت شهد مسرعة و نزلت الي الدور اسفل السطح و انزوت خلف عمود عريض.. صارت مختبئة تماما..
استمعت الي وقع اقدام جو و معه حمادة.. اعتصر الالم قلبها و هي تري جزء من ظهره.. كم ستفتقده!
*
زوزو في استقبال جو:” اهلا يا جو.. ايه الزيارة الحلوة دي ..مش عادتك يعني.. ازيك يا واد يا حمادة”
ابتسم حمادة في وجهها ولم يرد..
جو:”شهد جت هنا يا زوزو؟؟”
زوزو:” و هي ايه اللي هيجبها؟ هي مش مبسوطة عندك.؟”
جو:”رجعت الفجر ملقتهاش.. اسمعي يا زوزو.. انا عارف انك مبتطقيش سيرتها.. ومنى عينك تغور من هنا.. انا يا ستي هغورها و اريحك منها .. بس من غير اذية.. دانتوا بنكوا عيش و ملح يرضيكي البت تتبهدل وتتئذي؟؟”
زوزو:” اذية ايه كفا الله الشر؟! و انا هأذيها ليه يعني؟؟”
جو:” لو تعرفي مكانها و مخبية عليا تبقي بتئذيها.. انتي متعرفيش كل المتربصينلها؟!.. اولهم عدوي.. ده حالف يمو؟؟؟تها!! ”
كان حمادة يتفحص المكان بهدوء ليري ان كانت شهد بالداخل و لكنه القي نظرة سريعة و لم يجدها..
زوزو:” صدقني.. وغلاوتك عندي ماعرف عنها حاجة..”
جو:” طب حاولي تعرفي! مفيش احسن منك في مجايب الاخبار.. عسي.. دوري .. اعرفيلي يا زوزو..البت كده في خطر”
زوزو:” عنيا يا خويا.. عنيا.. انت بس هدي نفسك وروح ارتاح.. و انا لو عرفت حاجة هقولك.. ”
نزلا جو وحمادة.. وسمعتهم شهد لمرة الثانية..
و بعد ان إطمائنت لذهابهم صعدت لزوزو..
زوزو ما ان رأتها:” يا كبدي الراجل هيتفرس انه مش لاقيكي! فلوسه الي دفعها فيكي و مطالش حاجة ناقحة عليه اوي..”
لوهلة كادت شهد ان تسعد قبل ان تكمل زوزو جملتها و تصيبها بالضيق و الاحباط.. ثم قالت بغل:” خليها تنقح!”
*
جلس جو في منزله حوله حنان و حمادة..
كانت اعصابه عبارة عن كتلة مشدودة بشدة علي و شك الانفلات..
قلبه كان يدق بقوة وعنف..
ورأسه كانت تفور و تغلي..
شعر ان امرا ما سيصيبه..
شعر انه علي و شك المو؟؟؟ت.. كيف فقدها؟ كيف تركها بمفردها و هو الان لا يدري شيئا عن مكنها؟!
ليته يمو؟؟؟؟ت قبل ان يسمع عنها مكروها..
*
في الظلام سارت بخطوات سريعة .. لن يثنيها شيئا عن تحقيق هدفها.. وساعتها يجدر بك الاختباء ايها الندل الغدار..
وصلت اخيرا.. و لكنها لم تكن إلاعلي بعد مئات الامتار عن غايتها.. كيف تدخل؟؟ كيف تجاز كل تلك الحواجز؟
انها قلعة الريس عبود..
يحيطها حراس و اسلحة اكثر مما يحيط القصر الرئاسي..
هل تتسلل؟ ام تواجه؟؟
فلتجرب الطريقين..
اقتربت بخطوات ثابتة نحو بضعة حراس علي البوابة الجانبية لسور القصر..
صاح بها أحدهم:” جاية علي فين يابت؟؟”
بينما غازلها الاخر:” سيبك منه يا قطة..تعالي أما اقولك”
رمقت الاخر بنظرة إحتقار وقالت للاول بثقة تخفي توترها الداخلي:” عايزة اقابل الريس عبود!”
انفجر كل الحراس ضحكا..
قال الذي غازلها :”هتقابليه لوحدك و لا جايبة معاكي حد كبير؟!”
وقال الاول محذرا:” إمشي يا بت من هنا !”
شهد بثبات :” صدقني لما الريس عبود يعرف انك مشتني قول علي نفسك يا رحمن يا رحيم!! أنا عايزاه في حاجة مهمة جدا”
فقال احدهم ساخرا:” دا انتي جاية مسنودة بقي!”
فرد عليها الحارس الاول:” اسمعي يا شاطرة.. محدش بيقابل الريس عبود كده.. ولو نتي مهمة اوي كده ..مكنتيش جيتي لوحدك علي رجلك.. انا لو رضيت ادخلك.. اعرفي انك هتضر؟؟؟؟بي بالنا..ر جوة اول ما رجلك تخطي قرب القصر! اتكلي بقي و متو.جعيش دماغنا”
شهد:” طب انت بس دخلني و ملكش دعوة .. ولو انضر….بت بالنا.ر ابقي استاهل !”
فقال الذي غازلها:” لأ ميهونش علينا الجمال ده ينضر.ب بالنـ,ـار.. متسيبك من الريس عبود و خليكي مع الريس احمد” و أشار الي نفسه و اضعا يده علي صدره مبتسما في لزوجة..
رمقته شهد نظرة اخري مليئة بالتقزز..ثم استدارت للأول وقالت :” صدقني دخولي جوة مش هيضرك في حاجة.. بالعكس بكره تشوف اني هفتكرك دايما و انغنغك!”
قال الاول ولم يفهم من حديثها شيئا:” انت يا بت غبية و لا معتوهة.. بقولك غوري من هنا أحسن و النعمة اسيب عليكي الرجالة تقطعك!”
نظرت له شهد و ضيقت عينيها في شر.. ثم ذهبت.. عادت تتواري بين الاشجار وتارقب القصر عن بعد..
حسنا.. المواجهة فشلت..
فلنجرب اسلوب التسلل..
*
حنان :” طب و هي ايه اللي خلاها ترفع السكينة عليك؟”
جو:” منا مفهمتش ساعتها.. تقريبا كانت خايفة.. فاكراني هغدر بيها..مش فاهم! بس دي معملتهاش من ايام ماكنت لسة هربانة عندي”
حنان:” يمكن هربت عشان كده! خايفة منك..”
جوبإصرار:” لأ لايمكن.. شهد اتخطفت! يا حنان احنا كنا كويسين قوي مع بعض.. مستحيل تهرب”
حنان:” فكر كده يا جو.. انت جيت لاقيتها متغيرة و وقالبة و شها.. و هددتك بالسكينة لما قربت منها و دي حاجة جديدة.. وتاني يوم هربت ! يبقي كان في حاجة في راسها.. حد قالها حاجة.. سمعت حاجة.. هي قعدت مع مين قبلها؟؟.. بتدي ودنها لمين؟؟”
جو وقد بدأ يري جانب قد يكون صحيحا في وجة نظر حنان:” مفيش إلا زوزو بنت الـ…” و لم يكمل السبة..
حمادة:” بس احنا رحنا بيتها.. و انا بصيت بنفسي.. شهد مش هناك!”
حنان:” وهي يعني متعرفش تخبيها يا ناصح منك له؟!! ”
جو:” احنا طبينا فجأة يا حنان.. هتلحق تخبيها امتي؟!”
حنان:” مش هيغلبوا في دي يعني يا جدعان.!. ”
قال جو و هو سارحا:” وهي يعني هتكون زوزو قالتها ايه خلاها تهرب مني؟؟”
حمادة:” انت مستقل بقدرات زوزو.. دي تخرب بلاد بصباع رجلها الصغير”
صمت جو مفكرا..
ثم قال:” لو كده يبقي الموضوع ليه ترتيبات تانية.. ”
تمني من الله ان يكون الامر كذلك.. وان شهد ليست في خطر..
*
بدا الامر صعبا حقا.. السور الحديدي المغلف بالسلك والاشجار محاط بالكثير من الحراس و الكل مدجج بالسلاح.. ظلت شهد تراقب الوضع وتحاول التفكير في طريقة تمكنها من الدخول.. لفت نظرها قطة تخرج من الداخل عبر السور و كانها اخترقته.. اكيد هناك فتحة.. انحنت و زحفت و قفزت بخفة الي ان التصقت بالسور حيث خرجت القطة .. كانت هناك كومة من القمامة و بدا تحتها صندوق لم يحتمل الكمية فصارت اكواما فوقه.. والرائحة شنيعة.. هذا يفسر عدم تواجد الحراس بالقرب منه.. بحثت عن الفجوة التي خرجت منها القطة.. بالفعل و جدت فتحة حيث انقطع فيها السور المصنوع من السلك.. ضر؟؟بت بقدمها في قوة مكان القطع فانفتح اكثر وصارت الفتحة تمكن جسدها الضئيل من المرور.. ازاحت النباتات و فروع الاشجار المتعانقة مع السور و دلفت من الفتحة..
اطلت برأسها لتدرس الوضع.. كان هناك حراسا في الداخل و لكن علي مسافة مازالت بعيدة.. و لم يكن احدا منتبها لها.. حسنا يجب ان تدخل القصر من احد تلك النوافذ الخلفية المفتوحة في الدور الارضي..
بالفعل نجحت في الزحف قرب القصر دون ان يراها احدا.. نظرت للنافذة القريبة المفتوحة.. خفق قلبها و هي تتخيل كيف سيكون رد فعل الريس عبود حين يعلم انها هي الفتاة الضئيلة الغير مسلحة قد اقتحمت قصره تحت انف حراسه.. مؤكد سينبهر.. مؤكد سييجعلها ذراعه الايمن.. ستصبح ذات شأن عظيم.. و لربما قامت بطرد الخواجة… و ساعتها ستجبر جو ان يعمل لديها و سوف تريه الامرين من العذاب!! ثم..
فجأة شعرت بيد غليظة تسحبها من شعرها بعنف..
نظرت مذعورة و قد ادركت انها قد امسك بها..
قالت لمن امسك بها:” انا لازم اقابل الريس عبود!”
وجدت حارسا ضخما هو من يمسك بها كمن يمسك ارنبا صغيرا من اذنيه..
ويقف امامها رجلا انيقا بدا و كانه رئيسا للحراس.. و بضعة حراس مسلحين …
قال الرجل الانيق:”انتي مخلولة يا بت انتي؟ بايعة عمرك؟! ”
شهد في محاولة لترك انطباعا علي الرجل انها جريئة ، فلم يعد لديها ما تخسره:” ايوة بايعة عمري.. و قلبي ميت.. و جاية هنا اقابل الريس عبود و مش خايفة من حاجة! ”
الرجل بابتسامة ساخرة:” و عايزة الريس عبود في ايه؟”
شهد:” عايزة ابقي من رجالته!”
ضج الجميع بالضحك..
شهد منفعلة وحانقة بشدة :” بتضحكوا علي ايه؟؟ علي خيبتكوا ؟! انا وصلت لحد هنا ومحدش فيكوا حس يا بهايم! وقال بس الاسم حراس الريس عبود.. ده لو عرف خيبتكم هيضـ,ـربكم بالنـ,ـار و احد و احد يا بقر!! أنا ارجل من ارجل واحد فيكوا يا (لفظ بذيء)”
لطمها الرجل الانيق لطمة عنيفة علي وجهها.. مما سبب لها صدمة كبيرة فلم تكن تتوقع ن الضر؟؟؟؟؟ب سيبدأ بهذه السرعة..
قال ببرود:” لسانك يظهر عايز يتقطع!”
حاولت شهد ركله بقدميها و لكن الرجل الضخم كان يمسكها بقوة..
قال الرجل الانيق ببرود واستنكار معلقا علي ركلاتها:” واضح ان عقلك فيه مشكلة!”
ثم اشار الي السور حيث تقبع كاميرا مراقبة و استطرد:”انتي فاكرة ان في سنتيمتر في المكان مش متراقب؟!! انا شايفك من اول ما دخلتي بدماغك الغبية جوة السور!!”
كم انتي غبية حقا يا شهد؟! كيف لم تدركي ان مكان مثل هذا به بدل الكاميرا عشرة.. الخيبة خيبتك انتِ و ليس هم! كيف ظننتي انك ستفلتين من هذا الحصن الحصين؟!! لقد اعماك غرورك!!
اكمل الرجل:” احنا مبنشغلش معانا اغبيا و متهورين! و الريس عبود مبيقابلش حد! وخصوصا لو حد ميسواش زيك كده.. و كمان ناقص رباية”
صمتت و ابتلعت ريقها.. استعراضها بأنها تسللت ونجحت، وكل توقعاتها بان الامر سيبهر الجميع و علي رأسهم الريس عبود.. ذابت فقد سكب الرجل للتو عليهم دلو من الماء القذر..
استعدت لعلقة ساخنة.. و كما توقعت تماما.. نالت ما تستحق!
القوها في الخارج و قد سال الدم من شفتيها و انفها أثر اللكمات .. استقامت بصعوبة و نجحت في المشي.. كانت تبـ,ـكي بشدة.. ليس الماً.. فهي اعتادت الضـ,ـرب.. انما احباطاً و حسرة.. لقد ذهب حلمها بعيدا مع الريح.. و صارت خطتها رمادا.. كل ما فعلته هو انها جعلت من نفسها اضحوكة.. وجلبت (لروحها علقة من اللي هي)..

عندما دخلت عليها زوزو في المساء صرخت فزعا من منظرها..
فحكت لها شهد انها تعرضت للضر؟؟؟ب و لكن لم تذكر تفاصيلا عن زيارتها للريس عبود..
اخبرتها شهد انها قد تطيل مدة بقائها معها قليلا فقد كان لديها تخطيطا ما وفشل.. و انها ستعود لممارسة عملها القديم فور ان يشفي وجهها ..و ما ان تتمكن من تدبير مسكن خاص بها ستنتقل بعيدا علي الفور..
كان رد زوزو علي مضض:” براحتك يا قلبي .. ربنا يوفقك.. بس ايه شغلك القديم؟ قصدك الرقص عند عطا؟؟!”
شهد بمرارة:” لأ شغلي اللي طول عمري بعمله!.. صحيح ..من خرج من داره يتقل مقداره..”
لم تفهم زوزو تحديدا ولكنها لم تسأل ..لم تهتم طالما ان هناك وعدا من شهد بالرحيل قريبا..

(15)

تقريبا شفي و جه شهد إلا من بعض اللون البسيط.. وهكذا عادت لأسلوبها اياه في سر….قة ركاب السيارات..
كانت تقف علي الطريق السريع مرتدية ما يثير الظنون و الشهوات.. و ما أن يقف لها احدهم حتي تر كب وتهدده بالسلاح الابيض و تأخذ كل ما لديه.. ثم تتركه مذعورا مرتبكا..
كانت تعود بمبالغ لا بأس بها .. و لكنها لم تكن سعيدة مثل ما كانت تسعد في الماضي بغنائم نهاية اليوم.. كانت تنظر للنقود وتتذكر كلمات يوسف:” اشعرفك اللي سر؟؟؟قتيه منه ده هو جايبه ازاي؟؟.. و لا عزيز عليه قد ايه؟؟ ”
فتعود و تبرر لنفسها قائلة :” لو كانت الفلوس عزيزة عليه مكانش نزل يبعزقها في العط!!.. يستاهل!”

واثناء الليل تتذكره .. جو.. بطلها.. سابقا!…وتبكي قليلا من الم فراقه ثم تنام..
مرت بضعة ايام علي نفس الحال..كان هدفها الان ان تجعل لنفسها مسكن بعيدا عن المنطقة و عن جو ، و عدوي و المعلم مرعي.. و كل من تهرب منهم.. لذا لم تتوقف يوما عن العمل.

وقفت بدلال علي جانب الطريق السريع.. تلوقك قطع علكة بمياعة .. ها هو الزبون الاول.. بالفعل وأوقف السيارة و ركبت ثم ..هووب.. في اقل من دقيقتين نزلت محملة بالغنيمة ، بينما هو هرب مبتعدا..
توارت عن الانظار قليلا حتي لا تلفت النظر .. ثم عادت لتقف من جديد في مكان ابعد قليلا..
هاهو الزبون الثاني.. اقترب و اوقف السيارة ..ثم داعاها للركوب.. تدللت في البداية ثم ركبت.. ما أن وطأت بقدمها في السيارة حتي وجدت ذراعا قوية تلتف حول رقبتها من الخلف! يبدو ان شخصا كان مختبئا خلف مقعدها و لم تنتبه له و هي تركب.. حاولت الافلات بعنف ..الا انه وضع مطواه علي رقبتها مستخدما يده الاخري.. اما قائد السيارة فقال:” لو اتحركتي و لا اتنفستي نفس واحد..هنخلص عليكي!!”
تحسس جسدها.. فكادت ان يغشي عليها ذعرا و لكنه اخرج من جيوبها المطواه و النقود التي قد تحصلت عليها قبل قليل.. ابتسم في طمع ووضعهم في جيوبه.. ثم قاد السيارة و هو يعيد عليها ماقاله عن بقائها بلا حراك..
قالت:” انتو و اخدني علي فين؟؟”
قائد السيارة:” انتي تخرسي خالص..”
صمتت شهد مفكرة .. و لكن قطع تفكيرها ان الرجل فجأة قام بنزع (ولاعة) السيارة من مكانها والقاها بعيدا في الخلف و هي يقول:”متفكريش تلمسيها!”
يال الحظ كيف سبقها اليها.. لقد سبقها حتي في التفكير.. هي لم تخطر في بالها (الولا…..عة) كسـ,ـلاح بعد..
كانت شهد تفكر بسرعة.. الي اين يأخذونها؟؟ ستقوم بضر؟؟؟؟ب الرجل فور ان يترك رقبتها ليترجلا من السيارة.. هذه هي الخطة..
بعد مدة ليست طويلة اوقف الرجل السيارة في مكان مقفر.. ونزل منها بينما الرجل الذي يكمم شهد و يهددها بالمطواة ابقاها مكانها و لم يحرك ساكنا..
سمعت قائد السيارة في الخارج يوجه حديثه لشخص ما و لكنها لم تتمكن من روئيته من مكانها..
“تمام يا ريس.. الامانة اهي.. حسن مثبتها في العربية!”
اذن هما أجيران.. طُلب منهم خطفها.. ذلك يلغي الظن بانهم خاطفان مغتصبان.. و يجعل الامر ينحصر ما بين عدوي او المعلم مرعي..
قالت للرجل الممسك بها:” هو عدوي اللي مأجركوا؟”
ضغط بسن المطواه علي رقبتها و قال :” قلنا ترخرسي!”.
لم تسمع شهد صوت مُحدث الرجل قائد السيارة، فقد كان خفيضا وهو يقول:
“طب تمام يا رجالة.. نخدمكم في الافرح.. عذبتكم هي؟؟”
الرجل:” خالص.. انت خوفتنا علي الفاضي.. انا كنت ممكن اجيبها لوحدي.. حتي موضوع الولاعة اللي حذرتني منه.. كنت نسيته.. و هي مجاش في بالها اصلا..بس أنا شيلتها احطياتي.. ” وضحك بصوت عالي..
ادركت شهد الان الامر.. انه عدوي! مؤكد.. لم ينسي انها احر…..قت احدي ارجله بولا…….عة السيارة.. وحذر الرجل منها..
سمعت صوت اقدامه تقترب.. حسنا ستضر…..ب الرجل الممسك بها في انفه بقـ,ـبضتها و تأخذ منه المطـ,ـواه و تغرسها في قلب عدوي..
تلك هي الخطة..
تعالت دقات قلبها في خوف وتوتر وهي تشعر باقترابه.. استعدت بقبضتها للمواجهة ..
يا قاتل يا مقتول..
لم يعد لديها ما تخسره..
لن يقترب منها عدوي إلا جثة!
وقف بجانب السيارة.. انحني بجسمه ليحدثها عبر النافذة..
“ازيك يا شهد!”

اتسعت عيناها و هوي فكها للاسفل و تراخت قبضتها .. ليس الوجه الذي توقعت رؤيته.. ولا الصوت..
قالت مذهولة:”جو؟!”

اشار هو للرجل المتحفظ عليها وقال:”اتوكل انت يا حسن.. متشكرين..”
تركها حسن و ترجل من السيارة.. تحسست رقبتها بحركة لا ارادية و هي مازالت تحت تأثير المفاجأة..
وقبل ان تستوعب؛ كان جو قد ركب بجوارها و قاد السيارة مبتعدا..

قال بغضب:” هر…..بتي ليه يا شهد؟”
بدأت شهد مرحلة الاستيعاب.. تنفست الصعداء ان الامر لا علاقة له بعدوي.. ثم شعرت بالرضا لانها عينيها وقعت علي يوسف بعد ان اشتاقت اليه بشدة.. والان عليها مواجهة عاصفة من الغضب.. اجلت التفكير في خطة الهرب منه .. لم ترد ان تهرب في التو..
صاح بها في غضب عندما لم ترد:” هربتي عشان ترجعي لكارك الوسخ؟!! مش مستحملة تعيشي في نضافة؟”
لم ترد..
فعاد ليقول بعصبية:” متنطقي.. هربتي ليه؟؟ ها؟؟.. مخروسة ليه؟!!”
كان يلكمها في كتفها بغيظ لتتكلم عدة مرات متتالية و بغل وقوة
امسكت كتفها و قالت بصوت اوشك علي البكاء:” كفاية ضر؟؟؟؟؟ب بأة.. ارحموني! ”
نظر اليها ولاحظ ان الالوان علي وجهها اثار العلقة.. عقد حاجبيه في قلق ثم اوقف السيارة جانبا..
استدار اليها وقال منفعلا مشيرا الي وجهها:” طبعا ده واحد جيتي تقلبيه قام معلمك الادب.. اكيد! منا مش فاهم الجبروت ده جايباه منين؟؟!! بتنطي علي عربيا لوحدك كده؟؟! ..بطولك؟! ده في عصبات بحالها من خمس ست انفار دي شغلتها!!.. اتفضلي.. قال وانا باعتلك اتنين يدوكي درس عشان تشوفي ممكن يحصلك ايه؟ اتاري في واحد قبلي اداكي الدرس و علم عليكي! ومع ذلك ايه؟ مفيش مخ.. مبتحر.ميش!!”
لم يجد منها سوي الصمت..
مد يده ليخبطها علي رأسها و لكنه تراجع و قام بخبط يده علي عجلة القيادة بعنف.. وصاح:” فهميني هر؟؟؟؟بتي ليه ورحتي عند زوزو؟… عشان ترجعي للسر…قة؟؟! فهميني!!”
شهد بانفعال:” كفاية زعيق بقي.. مالك عايش دور الشريف العفيف كده؟! بتمثل علي مين؟ علي نفسك؟؟ وطول الوقت محسسني انك احسن مني.. عشان انا حرامية و انت (يا صلاة النبي) جارد.. بس عشان تبقي عارف بقي.. انا اللي احسن منك! علي الاقل انا مبضحكش علي حد و مبخبيش حقيقتي.. انما انت طلعت واطي وكداب..”
امسك يده عن صفعها صفعة قوية.. واكتفي بصفع عجلة القيادة..
قال مستنكرا:” كدبت عليكي في ايه ان شاء الله؟!!”
شهد:” إسأل نفسك! افتكر حركاتك معايا!.إسأل زوزو.. إسأل البنات اصحابك عند عطا.. اقولك؟ إسأل سمر!”
جو بنفاذ صبر وانفعال :” سمر مين؟؟ و بنات ايه؟؟ متفهميني انت.. كلميني كده زي ما بكلمك و بلاش فوازير”
شهد:” طبعا هتنكر.. ايه الجديد مانت مقضيها كدب عليا من الاول..”
جو يرجوها بانفعال:” في ايه؟؟؟ كدبت عليكي في ايه؟؟”
شهد وقد تراجعت وعقدت ذراعيها امام صدرها و رسمت علي وجهها تعبير مليء بالتحدي:”نجيب من الاول.. الريس عبود فين يا جو؟؟؟”
قال جو باستهتار:” يا سلام؟! دي الكدبة اللي خليتك تهربي؟؟! ايوة يا ستي كدبت عليكي .. غلطان انا عشان خفت عليكي وقتها؟.. برغم اني كانت ساعتها بقالي نص ساعة بس اعرفك.. ابن كلب عشان عارف انك لو كنتي هوبتي هناك كنتي هتتمرمطي؟.. و كانوا هيرجعوكي لمعلمك زي الدبيحة مسحولة في شوال.. انت فاهمة انهم هناك مبيرحموش؟؟ مش هايعاملوكي بالراحة اكمنك بنت.. معندهمش تفاهم! انا خفت عليكي ساعتها.. استاهل تسبيني و تهربي عشان كنت خايف عليكي؟!!”
كانت تتحسس وجهها و اصابتها اثناء حديثه.. كانت تدرك صحة كل ما يقوله.. وعن تجربة!
قالت و مازلت هجومية:” طب لو قلنا انك فعلا كان قلبك رهيف و خفت عليا.. فهمني بقي اشترتني ليه.. ليه مدتنيش حريتي بعدها لما انت جدع كده؟؟”
جو باقتضاب:”عشان كنت عايزك تبقي جنبي! خايف عليكي من عدوي.. و خايف من كل الكلاب اللي بتجري وراكي!”
شهد باستهزاء:” هو كل اما اقولك حاجة تقولي كنت خايف عليكي! عموما يا سيدي انا عرفت انت كنت شاريني ليه.. زيك زي عدوي.. فعلا تربية و احدة.. وعارفة انت بتقول عليا ايه للبنات المعجبات.. وعارفة اتفاقك مع زوزو.. عموما انت و زوزو عينة و احدة وتستاهلوا بعض!”
جو وقد عاد اليه الانفعال:” بقولك ايه يا شهد.. زي منا ماسك ايدي عنك.. امسكي انت لسانك! ”

نفث في غضب ليهديء من نفسه ثم اكمل:
” انا معرفش اتفاق ايه اللي مع زوزو ، و كلام ايه اللي بقوله للبنات.. بس اللي انا عارفه يا شهد اني مش زي عدوي.. وانا لو كنت عايز منك اي حاجة كان زماني خدتها.. وعشان تبقي عارفة كان هيبقي برضاكي! افتكري.. افتكري كويس.. افتكري لما كنا في البحر.. افتكري فرص كتيرتانية كان ممكن استغلها.. بس انا مش واطي زي ما بتقولي.. و كان اهم حاجة عندي اني احافظ عليكي! اسألي بقي انتي حمادة.. كان بيعد يقولي انك ملكي و من حقي.. وبيسألني بحافظ عليكي لمين مانت مسيرك تتباعي.. إسأليه ردي عليه كان ايه.. بلاش.. إسألي حنان.. اسأليها كنت بروحلها عشان تعالجني نفسيا من الخوف اللي كنت بخافه عليكي من كل الناس و مش مخليني عارف انام.. طب إسأليهم .. الكام اليوم اللي مكنتش عارف طريقك كانت حالتي عاملة ازاي؟؟؟ كنت بمو؟؟ت كل يوم من الر؟؟؟؟عب عليكي!! لحد ما راقبت بيت زوزو و عرفت انك رجعتي عندها و من ساعتها مغبتيش عن عيني.. انا بقيت اسيب شغلي و ادور وراكي اخلي عيني عليكي.. كل ده و برضه شايفاني زي عدوي؟!!”

دمعت عينا شهد اثناء حديثه.. كم تمنت ان يكون صادقا.. هل حقا يهتم بها كل هذا الاهتمام.. كم تحبه.. ليتها لا تحبه كل هذا الحب حتي لا يخيب املها فيه.. تذكرت جملة زوزو:” يا ريت الواحد كن يقدر يختار اللي بيحبه.. كنت اخترت و احد عينه مليانه مش زايغة زيه ..مايملاهاش غير التراب! ” .. عندها الف حق!
قالت بخفوت:” امال ليه قلت لزوزو انها تسامحك و تصبر عليك لحد ما … يعني… تاخد اللي انت عايزه و بعدين تبيعني.. و ترجعلها”
ضحك جو وقال:” طب انا راضي ذمتك ده اتفاق؟؟ في حاجة اسمها كده؟!! في اتنين بينهم علاقة المفروض انها حب يطلب منها انه يروح لواحدة تانية شوية.. وهي توافق؟؟!! يعني اذا الي بيكلم مجنون يبقي المستمع عاقل!!”
شهد:” بس الناس سمعتك و انت بتقولها كده..”
جو حانقا:” عمري ماقلتلها كده!! مين دول اللي سمعوني؟؟..”
شهد:” ايوة ! سمر قالتلي انك قلت كده قدام عبير و سماح..”
جو:” سمر تاني ؟؟ سمر مين اساسا؟؟!”
شهد بغضب:” زميلتي بتاعة المطبخ!! و عبير و سماح اللي بيرقصوا اصحاب زوزو… اظن دول عارفهم!”
جو:” هي طبعا سمر دي بت كويسة و ليها حركات جدعنة معايا ، بس اولا سمر دي انا مشفتهاش من زمن.. وعبير و سماح كل كلامي معاهم علي قد كلمتين الهزار.. يعني هي سمر سمعتني بودانها بقول كده؟!!”
شهد :”لأ.. شافتك بتكلهمم.. و بعدين جم جنبها و قالوا انك قلت كده..”
صمت جو لبرهة وهي ينظر لشهد منتظرا منها ان تستنتج شيئا.. ولكنها لم تفعل
فقال محاولا ان يوصل لها الصورة:” انت مش بنفسك قلتي عبير و سماح اصحاب زوزو؟؟ يعني متكنش زوزو مثلا سلطتهم يقولوا كده قدام سمر اللي عارفين انها صاحبتك وهتروح تقولك؟؟! واهي عملت كده بالحرف”
شهد مستنكرة:” يا سلاااام… كل الفيلم ده عشان يوصلولي.. ده قصة طولية جدا…”
وحكت شهد بالتفصيل الممل عن ما قالته سمر و عن حديثها مع زوزو في نفس اليوم.. و عن ما فعله هو و جعلها تهدده بالسكين..
انهت حديثها بـ:” اقنعني بأه ان كل ده فيلم من تأليف زوزو.. هي اه مش سهلة بس مش للدرجادي!”

ابتسم جو وقال:” انا مش هدافع عن عن نفسي انا هسيبك تحكمي قلبك… المرة دي إسأليه هو.. وشوفي هو مصدق مين.. وانا راضي بحكمه”
شهد وكأنها لم تسمع تلك الكلمات التي اثرت فيها بشدة.. وحركت كل مشاعرها:” طب وحركاتك معايا اللي مش ولابد اللي زادت في الاخر اوي؟؟”
جو ومازال مبتسما ينظر اليها في اعجاب و حب:”اعتبريني كنت بنفذ نصيحة واحد غشيم قالي ان نتيجتها مضمونة هتخليكي متفكريش غير فيا.. وانا بصراحة بمو؟؟؟ت لما اي حاجة تشغلك عني.. ومن يأسي بحاول اي محاولة.. ”
شهد وقد صارت اكثر ليناً:”يعني انت مكلمتش مع البنات عليا؟؟”
جو:” بكلم عليكي علطول.. انا بقيت بقضي وقتي كله عند عطا في سيرتك.. عشان كده همة غيرانين منك وعايزين يفرقوا بنا”
شهد:” وسمر اللي شافتكوا؟”
جو:” اديكي قلتي.. شافت! مسمعتش.. انا وقفت فعلا من كام يوم مع الثلاثة دول زوزو و سماح و عبير وكنا بنهزر في كلام عادي.. اكيد همة اللي وصلوها انه كان عليكي..”

شهد بقليل من الرقة و الدلال:” يعني انت مش ناوي تبعني؟؟”
جو:” حد يبيع روحه؟؟ انا اليومين اللي فاتو كنت ميت.. و دلوقتي بس روحي رجعت ”

خفضت نظرها في خجل فتأمل هو وجهها..كم هي رقيقة حين تخجل.. كم هي حـ….
يالهول! ما هذا الكم من الاصابات في وجهها؟؟!!
امسك بذقنها بين كفه و قرب و جهها منه وتفحصه عن قرب.. تراجعت شهد و قبل ان تستفهم منه عن ما فعل للتو..قال بقلق:” هو ده حصل ازاي؟!!
اطرقت شهد برأسها و وقالت بصوت خفبض:” اترنيت علقة!”
جو منفعلا:” واضح انها علقة.. مين اللي ضر….بك؟ طبعا زبون؟”
شهد:” لأ رجالة الريس عبود..”
اتسعت عينا جو ذهولا و قد زاد غضبه وقال :” انت برضه روحتي؟!”
اومائت برأسها..
فقال منفعلا:” احسن! تستاهلي! ” ثم خبط بيده علي عجلة القيادة المسـ,ـكينة.. و قال ضاغطا علي اسنانه وهو ينظر امامه متجنبا النظر اليها حتي لا يفقد اعصابه :” انهي حيوان فيهم؟!
شهد ساخرة:” نسيت اتعرف عليهم و انا بَنضـ,ـرِب..”
لم يعر جو لمزحتها اهتماما وقال و مازال ضاغطا علي اسنانه:” شكل امه ايه؟؟!”
شهد:” اللي ضر….ب؟.. ولا اللي كتف؟ ولا اللي قالهم ربوها؟”
نظر اليها جو وكانه يقول “انطقي!” دون ان يتحدث..
فقالت شهد:” همة مجموعة حرس مع واحد رفيع كده و لابس بدلة باين عليه رئيس الحرس”
جو:” مممم.. طيب!”
شهد:” متشغلش بالك.. بصراحة انا لو منهم كنت مو؟؟؟تني.. دنا سبيتلهم و شتمتهم وضر….بت الراجل المسـ,ـلوع ابو بدلة ده بالشلو.ت..”
ابتسم جو و هو يتخيل شهد الضئيلة تركل عصام رئيس الحرس الانيق بقدمها..
ولكن نظرة اخري الي وجهها المصاب محت الابتسامة في لحظة و استبدلتها بوجه غاضب.. لك حساب عسير معي يا عصام! هكذا قال في رأسه..
سأل جو بهدوء و رقة:” هنرجع نجيب حاجتك؟!”
اعتدلت شهد في جلستها ونظرت اليه .. ارادت ان تصدقه.. تمنت ان تتفند كل شكوكها و تنساها تماما..
حتي وانت لم يحدث ..فلا حيلة لديها.. كل ذرة فيها تر…غب في البقاء بقربه ايا كانت العواقب..
قالت وقد ظهرت مشاعرها المضطربة في نبرتها:” انا ماعدش ليا اي حاجة في الدنيا.. أنا هثق فيك يا جو.. متخيبش ظني!”
جو:” انا بأة بقي ليا حاجة مهمة اوي في الدنيا .. وهي دي اللي انا عايش عشانها.. يارب يوم ما تحسي اني خيبت ظنك امو؟؟؟؟ت!”
ثم ابتسم ابتسامة جميلة و قال:” نروح بقي نجيب الحاجة؟”
شهد:” بس بلاش تيجي معايا انا هروج اجيبها من ورا زوزو وخلاص.. بلاش مشا…كل..انا زهقت من الحوارات”
جو:”لأ إزاااي دانا رايح لزوزو مخصوص.. في كلمتين ليها في قلبي عايز اقولهم!”

الحلقة 15 (2)

فتحت زوزو الباب لتجد جو واقفا واضعا ذراعه حول كتف شهد وهي مستندة اليه تلوك علكتها في استهتار..
وقفت مذهولة في محاولة لتخيل الاحداث التي ادت لهذا المشهد الذي تراه امامها..
قال جو:” زوزو يا حبيبتي .. انا جاي استسمحك في شوية وقت كمان اقضيه مع شهد.. انا عارف انك قلبك كبير و هتوافقي.. اللي صبرك كل ده ..يصبرك شوية كمان… مش ده اتفاقنا برضه؟!!”
ادركت زوزو ان خطتها الحقيرة وصلت الي علم جو وقد جاء غاضبا..
ارتبكت و لم ترفع عينها الي شهد..
قالت:” شهد دي ملكك يا جو .. تستسمحني ده ايه؟؟”
جو:” لأ ازاي مش انتي حبيبتي اللي برجعلها في الاخر..”
اطرقت برأسها و قالت شبه غاضبة:” انت جاي تتمألس عليا.. هو عشان انت عارف غلاوتك عندي ؛ عايز تبيع وتشتري فيا”
فجاة تحول جو من النبرة الباردة الساخرة الي انفعال و حنق :” انتي لسة شفتي حاجة؟! وكمان ليكي عين تزعلي؟!! انا و النعمة لولا اني مبمدش ايدي علي حريم كنت مخلتش فيكي حتة سليمة! اسمعي يا زوزو.. من هنا و رايح ملكيش دعوة بشهد.. وأسمها ميجيش علي لسانك! لأ.. ميعديش في راسك من أساسه.. فسما بالله لو حصل من ناحيتك اي حاجة .. لهتشوفي مني رد مش هتتصوريه!! وابعدي عني انا كمان.. انسيني خالص!! الحب مش بالعافية!!”
كانت شهد صامتة تنظر ارضا .. برغم كل غيظها من زوزو الا انها وجدتها الان في موقف لا تحسد عليه.. بل اشفقت عليها من غضب يوسف.. كم كان غليظا جافا معها.. ليت الامر ينتهي عند هذا الحد و يتراكها لحالها ويرحلا..

ولكن زوزو في ثانية غيرت فكر شهد ثماما ..
صاحت زوزو بنبرة تسمي (ردحا):” كل الهلمة دي عشانها!! اشحال اذا ما كانت مملوكة من واحد لواحد.. حز فيك اوي اني ببعدها عنك ؟؟؟!! عاجبك فيها ايه؟؟ أنا اللي أولي بيك.. ياما دلعتك وهننتك.. واستحملت قرفك ومعاملتك الباردة.. تقوم تيجي بنت امبارح دي الي منعرفش عنها غير اصلها الوسخ .. وتقلبك عليا؟؟!! دي لا عاشت و لا كانت!”

ثم انقضت علي شهد وغرست اصابعها بغل في عمق شعرها و جذبتها منه..
لنكن واضحين في رسم الصورة .. فلو ان شهد تساوي غزالاً رشيقا ً؛ فزوزو تساوي فرساً ممشوقاً و(متربي علـ الغالي).. المعركة محسومة لصالح زوزو لمن ينظر عن بعد..
ولكن الغزال هنا اذكي.. ولديه خبرة في العراك بالايدي اكثر بكثير من الفرس..
لذلك كان (تكنيك) زوزو في العراك هو النسائي المعتاد من تمزيع الشعر و تمزيق الوجه بالاظافر و الجلوس علي العدو (لتبطيطه) .. اما شهد فكات تتعارك كالصبية الصغار.. ركلات و لكمات ..إلخ..
وقف يوسف مبهوتا.. وهو يري زوزو تسحل شهد من شعرها و تجلس فوقها ثم تنحني عليها لتعضها في ذرعها.. اقترب و قد وجد ان اسلم حل هوأ ن يحمل زوزو و يلقيها بعيدا.. إلا انه و جد شهد بعد ان صرخت ألما جراء العضة .. في لمح البصر ، كالت لزوزو لكمة قوية في انفها.. جعلتها تترنح و تسقط من فوقها.. فاعتدلت شهد واستدارت لها و ونشبت بينهما معركة اخري من التشابك بالايدي ، كانت لكمات شهد فيها لها الصوت الاعلي.. وقف جو مرتبكا لا يدري كيف ينهي عراك القطط هذا..
انقض عليهما و نجح في حمل شهد بذراع واحد من خصرها ؛ بينما دفع بذراعه الاخري زوزو الي الناحية المعاكسة.. و هو يصيح:” بس!! بس!!”
نال بضع ركلات طائشة من شهد علي بعض الخربشات من زوزو..
كانت شهد عنيفة بحق! و قد وجد صعوبة في السيطرة عليها ، بينما تراجعت زوزو لاهثة و قد اصابها الدوار من كثرة ما لاقت من ضر…بات في وجهها..
صاح في شهد التي مازلت تحاول تسديد ضر,,بات لزوزو و هي مرفوعة عن الارض في ذراعه:”اهمدي بأة!!”.. وجد نفسه مضطرا لاستخدام كلتا يديه بقوة ليسيطرعلي عصبيتها و عنفها، و هو يصيح بها ان تهدأ..
اخيرا هدأت .. و قفت تلهث و قد ظهرت اثـ,ـار جروحا و خربشات علي وجهها و عنقها و ذراعيها ، و كأنها كانت تتعارك مع نمرا.. اما زوزو فقد جلست علي الارض ممسكة برأسها ..وقد بان فيه اثار الضر….ب..

قال جو لزوزو:” تصدقي بقي.. ان شهد اللي خدتلي حقي منك!! لو معجبتنيش في اي حاجة بعد كده هبعتهاك!!”
ثم احتضن رأس شهد و ربت عليه و قال:” جدعة يا بت.. لمي حاجتك يالا.. خلينا نمشي من هنا..”
قالت زوزو وهي مازلت ممسكة برأسها:” في ستين الف داهية.. اشبعوا ببعض!”
لم يرد اي منهما عليها .. وفي سرعة كانت شهد تحمل حقيبة اغراضها .. فأخذها منها جو و لف ذراعه علي كتفها و خرجا.. معا تاركين زوزو تسب و تلعن في غل..

سارا في الطريق يحتضن كتفها و ينظر اليها في اعجاب مبتسما..
قالت و هي تتحس و جهها:” بتبص علي ايه؟؟ بنت الجزمة دي شوهتني.. ده و شي ملحققش يروح منه ضر…..ب العلقة اللي فاتت..”
ابتسم جو وقال:” هي برضه اللي شوهتك؟؟ امال اللي حصل في وشها هي يبقي ايه؟؟ دانت شلفطيها.. بس ماكنش اعرف انك جامدة كدة..”
قالت شهد مازحة بفخر:” اديك عرفت! حرص علي نفسك بأة..”
ضمها اليه اكثر و ضحك واستمرا في السير..
*
في البيت مساءا اتت حنان و حمادة لرؤية شهد.. و قد انباها و عاتبها بشدة علي فعلتها.. و علي الذعر الذي سببته لهم جميعا.. ولكن في النهاية كان الجميع سعيدا بعودتها.. امضت معهم امسية رائعة .. ضجوا بالضحك عندما حكت عن عراكها مع زوزو ، و مغامرتها مع حراس الريس عبود.. كان جو يضحك معهم و لكن كسا و جهه الغضب حين حكت علي رئيس الحراس الذي جعل رجاله (يعدموها العافية)
قطع حديثها و قال:” خلاص يا شهد..”
نظرت اليه غير فاهمة..
فقال:” متضحكش خالص ..علي فكرة.. قصة دمها تقيل”
فقالت حنان:” لأ الصراحة يا جو .. شهد غباوتها متتوصفش.. وقال فاكرة ان الراجل هينبهر بيها” و ضحكت بشدة ..
اما حمادة فقد تفهم مشاعر جو، فقال:” عنده حق.. حكاية تحرق الدم.. و مفيهاش اي طرافة”
قلبت الفاتاين شفاتهما في عدم فهم وانهتا الحوار امتثالا لطلب جو..
وهكذا انتهت الليلة الظريفة..
**
في المساء التالي دلف جو الي تلك الحانة الراقية.. سلم علي الحارس فهو يعرفه شخصيا..
هنا يسهر عصام كبير حرس الريس عبود.. فعلا وجده جو يجلس علي كرسي البار امام الساقي و يحدث صديقا يجلس قربه..
وضع جو يده علي كتف عصام.. فاستدار له ..
“جو؟؟! اهلا.. فينك يا عم؟؟”
اقترب جو من البار و طلب من الساقي زجاجة كبيرة من البيرة ، و تجاهل تماما قول عصام.. فناولها له الساقي..
فامسك بها و استدار لعصام الذي قال متعجبا:” ايه يا عم انت قافش مني و لا ايه؟؟ انا بكلمك!”
فجأة رفع جو الزجاجة عاليا و هوي بها في قوة علي وجه عصام.. الذي سقط ارضا من علي الكرسي العالي وسط قطع الزجاج المهشم .. وقد سال الدم من رأسه مكان ارتطام الزجاجة و تهشمها..

قام عصام مندهشا وغاضبا و هو يتحسس رأسه و يري الدماء علي اصابعه.. قال بغضب:” انت اتهبلت؟”
وانقض علي جو ليأخذ حقه..
وبالفعل كانت معركة حامية لم يتحدث فيها جو بكلمة..
انتهت بعصام في حالة اغماء..
بصق جو علي جسد عصام المدد ارضا و خرج بهدوء وسط ذهول الحاضرين..
*
“مال وشك؟؟ انت اترنيت علقة انت كمان؟”
كانت هذه شهد تتأمل و جه جو عندما دخل عليها فجرا..
قال جو :” مين ده يا بت.. محدش يقدر”
قالت في شماته:” لا و النبي شكل في حد قدر.. اما ايه اللي في وشك ده؟”
جو:” مانت اصلك مشفتيش و شه هو..”
شهد:” هو مين؟”
جو:” واحد نرفزني!”
شهد متصنعة الخوف: ” اللهم احفظنا من نرفزتك.. و عصبيتك و قلبة وشك!!”
ابتسم في حب..
كان ليفعل من اجلها اي شيء.. قد يقـ,ـتل لأجلها..
شعر بارتياح شديد بعد ان قام (بتكويم) عصام.. برغم انه لم يحدثه حتي بكلمة.. ولم يعرفه سبب الضر,,,ب الذي تعرض له ، و علي اي شيء يتم تلقينه الدرس ..وذلك حتي لا يجلب المزيد من المشاكل و الضغوط علي رأسه ورأس شهد.. و لكنه كان مرتاحا لأنه (فش ) غله.. لم يكن ليتركه بدون عقاب بعد ان تجرأ وسبب لشهد الاذي..
*
كان جو الفترة الماضية يتغيب كثيرا عن عمله مما زاد من سوء العلاقة بينه و بين الخواجة.. و صار يشعر ان ايامه معه علي وشك الانتهاء.. و لكنه اراد ان يجعلها خاتمة سلسة .. بدون مشاكل او ذيولا..فالخواجة ليس طيب القلب او متسامح.. وهو لا يأمن شره في حالة أن إنقلب عليه..
كما انه كان يريد ان يضمن و ظيفة اخري إحتياطيا.. في حالة ان قام الخواجة بالاستغناء عنه فجاة.. صار مشغولا بتدبير حاله .. و ترتيب حياته.. و خصوصا بعد ان ادرك ان رغبة الخواجة صارت ان تكون شهد بعيدة عن المنطقة بعد ان زادت المشاكل حولها.. و كان ياخذ خطوات سريعة في هذا الشأن..

*
في المساء قبل ان يخرج خو للعمل..طرق الباب ففتح ليجد و جها مالوفا و لكنه لا يتذكره تحديدا.. و لأن البيت صغيرا كانت شهد تري القادم من مكانها بالداخل ..
صاحت بدهشة و ذعر:” صلاح؟؟؟!!!”
استشعر جو خوفها فقال للقادم بسخافة:” أؤمر؟؟!”
صلاح:” انت مش عارفني يا جو؟ انا من رجالة عدوي..”
دفع الجو الباب ليغلقه في وجهه و قال ببرود:” معرفش حد بالاسم ده.. و قوله لو هوب هنا المرة دي هيمو….ت!”
قال صلاح مستعطفا:” هو فعلا بيمو….ت يا جو.. اسمعني بس! انا جاي اوصل رسالة..طب فتشني براحتك.. بس دخلني اكلم شهد..”
كانت شهد تسمع الحديث من داخل البيت و قد اصابها التوتر..
قال جو:” قول اللي انت عايزه ليا و انا هوصلها..”
صلاح:” عدوي خلاص بيمو..ت.. و عايز يشوف شهد ..”
جو:”ليه دي حياله رصا…صة في كتفه.؟؟. ملقتوش فيلم اذكي من كده شوية؟؟ هبل احنا بقي و هنصدق.. والبت هتجري ملهوفة عليه.. قوله انه حتي لو بيمو……ت.. مش فارقة معنا.. في ستين داية.. هنبقي ندعي ربنا يسامحه”
صلاح:”افهم بس يا جو.. مش فيلم و الله.. عدوي طلع عنده سرطان.. لما دخل المستشفي عشان الرصا؟؟؟صة.. بعد فترة شكوا انه عيان.. وبعدين عرفوا انه عنده بقاله مدة و منتشر .. دلوقتي هو بيمو….ت.. ”
لسبب ما اثر كلام صلاح في جو.. و لكنه لم يصدقه بعد..
فقط ادخله ليسمع تفاصيل اكثر و يتمكن من تحديد صدق القصة..
قال صلاح بتأثر:” تفتكر يعني قعاده في المستشفي راقد كل ده ليه؟؟؟ دي لو كنت الرصاصة كان خرج من زمان..”
تذكر جو انه قبل بضعة ايام حين سأل بالفعل عن عدوي اثناء بحثه عن شهد.. علم ان حالته الصحية سيـ,ـئة، و لكنه لم يعط الامر اهتماما وقتها..
استطرد صلاح:” لو تشوفه دلوقتي حالته تصعب علي الكافر.. انا بعد جنبه دموعي بتنزل.. ماعادش عدوي الجبار الي قلبه ميت.. وكل اللي علي باله دلوقتي انه يشوف شهد قبل ما يمو…ت”
قال جو وقد بدا مصدقا الي درجة ما:” واشمعني شهد؟!”
صلاح:” يا جو دي اللي قضي حياته بيجري و راها.. بيحبها يا جدع.. طلع عند قلب وبيحبها”
سرت كهرباء عصبية في جسد جو و هو يستمع لهذا الكلام..
ولكنه لم يعلق.. كانت مشاعره متضاربة الان.. فبرغم كر..هه لعدوي.. و لكن اخر ما كان يتوقعه ان يراه علي فراش المو…..ت في عنفوان شبابه.. ان يمو….ت ضعيفا مسـ,ـكينا.. لربما توقع مو؟؟؟؟ته علي يد احد اعداءه الكُثر و الذي صار هو احدا منهم.. و لكن هكذا؟؟!.. يمو…ت مريضا!! لا حو ولا قوة إلا بالله!
ثم ما قصة رغبته في رؤيته شهد؟؟؟ لا يروقة هذا الامر بتانا..
قال صلاح محدثا شهد:” هتروحي يا شهد؟؟ مش هيكلفك غير خمس دقايق.. اكسبي فيه ثواب.. ده حالته بقت صعبة اوي.. ومفيش غير سيرتك علي لسانه.. متخفيش منه.. ده خلاص ..مش قادرحتي يرفع ايده..”
كانت نفس المشاعر المتضاربة تمر بها هي الاخري.. المها ما وصفه صلاح عن حاله عدوي.. هي تكرهه علي حالته الطبيعة .. عنيفا قويا ساديا و يحب الاذي.. و لكن مريضا ضعيفا؟؟!! اشفقت عليه بشدة.. سبحانك يا رب!
لم ترد.. بل نظرت الي جو علي امل ان ينقذها من حيرتها و لكنها و جدته في نفس الحيرة..
قال صلاح في قولا نهائيا:” واضح انكم برضه مش مصدقين.. ادي عنوان المستشفي واسمها.. ممكن بسهولة تتأكدي من كلامي قبل ما تروحي .. لو في قلبك شوية رحمة.. ارحمي واحد بيمو….ت و كل وكل امله انه يشوفك”

قال كلمته الاخيرة و انصرف و قد بدا عليه الحزن الشديد..

لم يكذب جو خبرا قام بعدة اتصالات ليتاكد من صحة كلام صلاح..
وقف مبهوتا يحدث شهد في حزن واضح :”طلع كلامه صح .. عدوي بيمو…..ت فعلا يا شهد في المستشفي!”
وجلس يحاول تقبل الخبر.. مر في مخيلته صورا عديدة .. فيها عدوي طفلا.. ثم صبيا.. ثم شابا قويا.. تذكر معاناتهما معا.. اللقيمات التي تشاركاها احيانا.. الحقيقة أنه كان لا يطيق و جوده.. و لكن لم يكن يتمني رحيله بهذه الطريقة..
قالت شهد بحزن وحيرة:” تفتكر اروحله؟”
رفع بصره اليها بسرعة.. و لكنه لم يكن لديه اجابة .. كان محتارا مثلها.. كيف يقبل ان تذهب لرجل اخر يهيم بها حبا ويرغب في رؤياها و النظر اليها و والتمتع بقربها؟؟ولكن هل يرفض طلب انسان مسكين علي فراش المو….ت؟؟ لمجرد ان الموضوع يثير غيرته؟؟ ومما يغار اصلا؟؟ من شخص علي وشك الرحيل عن عالمهم لملاقاة ربه؟؟!
*
فتح جو باب حجرة المستشفى ببطء و كأنه يؤجل الدخول.. مد رأسه ونظر الي الدخل ورآه.. بدا مختلفا.. نقص وزنه بشدة و تلك الهالات السوداء حول عينيه.. ضايقه المنظر..
بداية غير موفقة..
التفت اليه عدوي و قال بوهن مندهشا:” جو؟؟!! ”
اومأ جو برأسه دون أن يدخل وكأنه يخشي الدخول..
قال عدوي:” كتر خيرك انك جيت تشوفني.. انا بمو…ت يا جو..”
تنهد جو كان عاجزا الكلام.. الموقف صعب و مشاعره مختلطة..
سأل عدوي بلهفة:” شهد مش هتيجي؟”
بالفعل تذكر جو ان شهد تقف خلفه و انه دخل قلبها ليطمئن اولا ان المكان بالفعل امن.. دلف الي الحجرة ساحبا شهد من يدها.. و التي بدا عليها التوتر و الحزن..
عندما وقع نظر عدوي عليها.. تصاعدت انفاسه و قال منفعلا علي قدر ما سمحت قوته:” شهد؟!! شهد.. اخيرا جيتي.. قربي.. قربي .. انا محتاج اقولك حاجات كتير.. ”
نظرت شهد لجو تطلب الدعم.. ولكنها و جدته حالته حال..
اقتربت ببطء و توجس.. مد عدوي يده و لم يستطع ان يرفعها فقال بوهن:” هاتي ايدك.. نفسي امسكها”
ابتلع يوسف ريقه بصوت عالي و كانه يحاول ابتلاع ما سمع للتو..
مدت شهد يدها و تركتها في يد عدوي.. تجمعت الدموع في عينيها عندما نظرت في وجهه الباهت المريض وعينيه التي تنظران اليها بهيام ..

قال عدوي:” انا عايزك تسامحيني!.. سامحيني يا شهد علي كل اللي عملته فيكي.. برغم كل اللي عملته كنت بحبك.. و كان كل اللي بتمناه انك تبقي معايا طول عمري.. ”
تأثرت شهد بكلماته و نزلت دموعها و هي تقول:”مسامحاك .. اطمن..”
اكمل عدوي:” انا مبسوط اوي انك جيتي.. دلوقتي انا مستعد لأي حاجة.. كنت خايف امو…ت قبل ما اشوفك.. او المس ايديك.. او احط ايدي علي شعرك .. ” و رفع يده في ضعف فترددت لوهلة ثم احنت رأسها له ليملس علي شعرها..
فاكمل :” واشم ريحته.. ريحته اللي كانت بتجنني لما بفتكرها وانا لوحدي.. و اقوم في ساعتها ادور عليكي عند المعلم مرعي عشان اجُر شَكَلك..”
قرب رأسها اليه .. الي ان صارت مسنودة علي صدره تماما و دس انفه في شعرها و اخذ نفسا عميقا..
لم تحرك شهد ساكنا فقد كانت متألمة بشدة من حديثه و الموقف الصعب جدا الذي هم فيه تلاثتهم.. تركت دموعها تنهمر تأثرا و تركت راسها علي صدره..
شعر جو بالدماء تصعد الي رأسه.. اشاح بوجهه بعيدا حتي يتمكن من الهدوء.. عقد ساعديه علي صدره في عصبية .. و قضم اضافره..
اهدأ يا يوسف! اهدأ.. ليس هناك مجالا للغيرة الطاحنة الان.. ليس هناك اي مجال!!
قال عدوي في راحة:” ياااه يا شهد.. ياااه .. يا رتني عييت من زمان.. لو كنت اعرف ان مو..تي هيخليني في يوم اضمك لقلبي كده ..كنت مو…ت نفسي الف مرة.. ”
ثم وجه حديثه الي جو وقال:” متضايقش مني يا جو.. انا مش عايز حد يضايق مني.. بس انا خلاص دي فرصتي الاخيرة معاها.. انت قدامك العمر كله.. خلي بالك منها.. انا عارف كويس انك هتحميها.. انا جربت بنفسي.. ” قالها و ابتسم في ضعف
اقبل عليه جو و قد لام نفسه علي غضبه قبل لحظات.. قال:” انا اللي اسف يا عدوي.. اسف عشان ضر؟؟؟بتك بالنا…..ر.. و ..”
قاطعه عدوي قائلا:” كان حقك.. كنت بتحميها.. وكويس انك عملت كده.. انا مش عارف لو رصاصتي كانت جت فيها ، كنت هعمل ايه.. كنت هحرق نفسي!.. خلي بالك منها.. حرص من مرعي.. هو لسة عايز يرجعها وبيدور عليها..”
وقف جو واعصابه من نار.. هاهو يقف يو..دع في مشهد مؤ….لم رفيق درب المعاناة و الكفاح .. في نفس ذات اللحظة يشاهد حبيبته في احضان رجلا.. يلامس شعرها و يتحسس ظهرها.. و يستمع لحديثا مؤثرا جدا عن عشقه لها .. لشهد.. شهد حبيبته هو!! ادرك انه سيخرج من هذه الغرفة و هو بحاجة ماسة لعلاج نفسي مكثف..
قال عدوي و هو يضم شهد اليه بقوة:” سلام يا شهد.. ابقي اقريلي الفاتحة لو خطرت علي بالك.. اكيد هحتاجها.. متسينيش.. افتكري ان كان في واحد بيحبك اوي.. و كان كل امله انك تحبيه.. سامحيني يا شهد.. ”

وفجأة ارتخت يده التي كانت تضمها و بدا و كأنه يفـ,ـقد الوعي.. فجري جو مسرعا للخارج و نادي الطبيب.. الذي اتي مسرعا و بعد ان تفقد عدوي قال لهما ان تلك هي لحظات غياب عن الوعي تتكرر بكثرة و قد تنتهي بغيبوبة او الوفاة.. وطلب منم الدعاء له فحالته متاخرة جدا و تلك قد تكون لحظات النهاية..
بكت شهد بحرقة وهما يسيران للخارج بينما سار جو سارحا وكأنه مصدوم..
كان من اصعب المواقف التي مرت في حياة كل منهما.. بل هو اصعب موقف علي الاطلاق!
قبل ان يخرجا من بوابة المستشفي الرئيسية استوقفها جو و طلب منها ان تنتظره بينما يدخل سريعا لدورة المياة..
بالفعل اسنتندت علي الحائط بجاور باب دورة المياة .. وقفت تبكي بمفردها.. اثر بها بشدة كلام عدوي.. تمنت لو انها لم تعامله بكل ذلك الجفاء، برغم انه كان يستحقه..
في نفس اللحظة التي رأت فيها جو يخرج من دورة المياة.. و جدت يدا تض.ربها علي كتفها و صوت رجلا يقول: بت يا شهد!”
كان جو قد و صل اليها وقد عقد حاجبيه محاولا ان يفهم كنه ذلك الشخص الذي وضع يده علي شهد للتو..الهم طولك يا روح..
استدارت شهد للشخص الذي تعرفته علي الفور و لكن وترتها رؤيته..
قال الشاب:” فين اراضيكي يا حلوة.. ده المعلم قالب عليكي الدنيا.. ومالك معيطة كدة.. حد مزعلك؟؟!” ثم رمق جو بنظرة نارية..
قال جو:” مين انت اساسا؟؟”
اجابه الشاب بامتعاض :” انا اللي مربي البت دي .. بس متمرش فيها و هربت.. خليها هي تقولك انا مين؟”
تحدثت شهد بصوت مبحوح:” ده سليم يا جو.. من رجالة المعلم مرعي.. ”
جو لسليم :” مربيها ده ايه؟ دانت شكلك اعيل منها..”
وضعت شهد كفها علي صدر جو كنوع من التهدئة و قالت:” قصده معلمني حاجات كتير.. سليم كان زي كده المدرب بتاعي..”
لم ترد شد استفزاز سليم بأي صورة حتي لا يغضب و يحاول إذائها بإخبار المعلم عن مكانها او اثارة اي مشا…كل حولها.. لقد تعبت من كثرة المواضيع و المشاكل..
جو باستهزاء:” حرامي يعني؟؟ تشرفنا ..”
فقال سليم ببرود مشيرا الي جو باحتـ,ـقار:” مين ده يا شهد؟!”
جو غاضبا:” انا اللي بملكها! ومش مسموح لك تكلمها .. وايدك لو اتمـ,ـدت عليها تاني هقطـ,ـعهالك” كان يشير الي كتفها حيث ضـ,ـربها سليم قبل قليل..
وضعت شهد كفيها علي وجهها في يأس.. وكأنها تلطم.. عراك جديد!
سليم بحدة:” لا دانت عايز تتربي بقي!!”
جو:” وريني اخرك يا (لفظ بذيء)”
وفجأة امسك شهد برأسها وسقطت ارضا بينهما حيث يقفان..
انحني جو بسرعة ليتفقدها ..بينما جري سليم ليأتي بكوب ماء..
حملها جو و دخل بها من باب قسم الطواريء .. بينما بحث عنهما سليم فلم يجدهما ..
فحصها الطبيب و قال بدهشة:” مفيهاش حاجة!”
جو:” امال مالها؟؟!”
الطبيب :” مش فاهم.. مفيهاش جنس حاجة.. ضغطها و اطي سنة بس مش لدرجة فقدان الوعي”
جو:” طب فوقها..”
الطبيب:” هي فايقة.. عينها مقفولة بس!”
جو في عدم فهم:” بتمثل يعني؟؟!!”
رفع الطبيب كتفيه في حيرة :” ممكن!”
اقترب منها جو وتفحص وجهها.. لطمها لطمة خفيفة علي وجهها لم يجد رد فعل.. فلطمها اخري لقوي.. مازالت بلا رد فعل فكر لثانية ثم همس في اذنها بأمرا ما..ليجد عينيها تفتح بسرعة و تقول:” والله لكون ضارباك قدام الناس!”
فقال الطبيب حانقا:” انتو بتلعبوا؟؟!.. بتضيعوا وقتي؟!!”
قال جو معتذرا:” اسفين يا بشمهندس..”
واخذ شهد و خرجا.. وسط سباب الطبيب ..
قال جو:” مش فاهمك! نشفتي دمي”
قالت شهد و هي تتلفت حولها و تسحبه من يده في سرعة ليصلا الي خارج المستشفي:” كنت عايزة افكس الخناقة.. مكنتش عايزاك تتخانق مع سليم.. ده نابه ازرق.. وممكن يعملنا مشاكل”
جو:” يا حبيبتي الخناقة حصلت خلاص من ساعة ما حط ايده علي كتفك.. وهو كده يعني مش هيعملنا مشاكل؟ اه يا رب.. انا هلاقيها منين و لا منين..”
شهد:” و حد قلك تتغابي عليه؟ ”
جو:” لأ اسيبه يقولك يا حلوة و يحط ايده عليكي عادي! انتي اول مرة تتعرفي عليا؟”
صمتت شهد و ابتسمت في دلال.. كم تعشق غيرته عليها..
سارا مبتعدين عن المستشفي.. ولم تبعد صورة عدوي المريض عن رأسيهما طوال الطريق.. دعا له بالرحمة والغفران..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *